معالم تربوية لطالبي أسنى الولايات الشرعية
لصاحب الفضيلة الدكتور
محمد بن محمد المختار الشنقيطي
الأستاذ المساعد بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
والمدرس بالمسجد النبوي الشريف
جمعها واعتنى بها ورتبها
أحد طلاب العلم
تم عرضها على فضيلة الشيخ/ محمد واستحسن ما فيها
الإهداء
إلى طلاب العلم (١) [١] ) ...
إلى خلَفِ الأئمة.. فإنه لا زال الخير فيهم.. فإن أئمة هذا الدين وعلماءه حين خرجوا من هذه الدنيا، خلّفوا وراءهم أمماً تشابههم، وطلاب علم يسيرون على نهجهم، خرجوا من الدنيا وارتحلوا، وقد بلّغوا أماناتهم ومسؤولياتهم لطلاب العلم.
يا طلاب العلم.. ما أعظم الأمانة التي حُمّلتموها من العلم والعمل، هذه الأمانة العظيمة التي تنتظركم بها أمم لا يعلمها إلا الله، ينتظركم الضالّ بإذن الله أن تهدوه، والحائر بإذن الله أن ترشدوه، تنتظركم أمم بفارغ الصبر..
فأنتم معقد الأمل بعد الله في حمل الرسالة المحمدية وتبليغ الدعوة النبوية، أنتم خلفاء العلماء الأئمة الدعاة والهداة إلى الله، لذلك أحبتي في الله.. ما أعظم المسؤولية التي يحملها طالب العلم، وما أجلّها عند الله .
إذا وافقت رجلاً حكيماً، صالحاً براً مستقيماً، يعي حقوق الله وحقوق عباده، فحملها بحقها، وأدّاها قربة لله على وجهها، فنِعْمَ -والله- الطالب، ونِعْمَ -والله- الراغب، لذلك فإن طالب العلم الصادق في طلبه يحتاج في كل زمان ومكان إلى من يذكره بأمانة العلم، إلى من يذكره بمسؤولية وحق هذا العلم، الذي إذا أعطي حقه كان سبباً في عفو الله ومرضاة الله، لذلك فإن خير ما ينتظره طالب العلم، كلمة تَدُلُّه، ونصيحة تقدم له فالله الله يا طلاب العلم في هذه الرسالة العظيمة التي حمَّلتموها من الله.
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
حمداً لله، وصلاةً وسلاماً دائمين على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه، وترسم خطاه إلى يوم نلقاه ... وبعد:
لا غرابة اليوم في كثرة المتحدثين عن آداب الطلب وطالب العلم، ولا غضاضة في كثرة ما تقذفه لنا المطابع من مؤلفات في هذا الموضوع.
ففي ظلال هذه الصحوة المباركة، راجت بضاعة العلم الشرعي بعد كسادها، وتلهفت على طلبه نفوس بعد خمولها، ولم نزل نرى -ولله الحمد- إقبالاً متزايداً من شباب الأمة وكهولها عليه.
وكثرة الكتب والأشرطة فيه ظاهرة صحية -كما يقولون-، وكثرة اختلاف وجهات نظر المتحدثين حول قضاياه من اختلاف التنوع المحمود.
بَيْدَ أن الحديث عن العلم وآدابه يحلو ويزدان، ويَلَذّ سماعه حينما يكون من أهله الذين بذلوا كليتهم له، وحينما تسمعه من عالم رباني يسّر الله له الأخذ بمجامع القلوب، ألا وهو الشيخ محمد بن الشيخ محمد المختار.
وليست النائحة الثكلى كالمستأجرة.
لا يعرف الشوق إلا من يكابده ... ... ولا الصَّبَابة إلا من يُعانيها
ولما كان الشيخ محمد كثيراً ما يتناول آداب الطلب وطالب العلم ما أتت له مناسبة، أو عند استهلال واستئناف دروسه، وتأتي توجيهاته ووصاياه مسددةً موفقة تَطْرَبُ لها الأسماع، أدركت أهمية ما يرمي إليه من توجيهات ومعالم وآداب يتربى عليها طلاب العلم، تهذب أخلاقهم، وتنفي زغل العلم عن طباعهم.
فخطر ببالي أن لو جُمِعَتْ هذه التوجيهات والمعالم المتناثرة من ثنايا أشرطة الدروس والمحاضرات، لانتظمت منها قطعة أدبية بليغة، وموعظة روحانية رقيقة، فعرضت الأمر على الشيخ عام (١٤١٤هـ) ، فدعا وبرّك، فكانت الخطوات التالية:
أولاً: فرغت من الأشرطة جميع المحاضرات التي خصصها الشيخ للحديث عن آداب طلب العلم وقضاياه، وعدتها ثمان محاضرات أُلقيت في سنوات متفاوتة، وأماكن متفرقة.
стр. 3
ثانياً: تَتَبَّعتُ مظان الحديث عن موضوع آداب طلب العلم في جميع أشرطة المحاضرات العامة، وهي غالباً إجابات على أسئلة تهم الموضوع في آخر بعض المحاضرات، وكذلك تتبعتها في أشرطة الدروس العلمية الموجودة عندي، فشملت:
- درس شرح كتاب عمدة الأحكام الذي بدأ الشيخ فيه عام (١٤١٠هـ) ، وانتهى منه عام (١٤١٦هـ) .
- درس شرح عمدة الفقه، والذي بدأ الشيخ في شرحه للطلاب عام (١٤٠٩هـ) ، وانتهى منه عام (١٤١٣هـ) .
- درس شرح بلوغ المرام (متوقف) .
- درس شرح زاد المستقنع، والذي بدأ فيه الشيخ عام (١٤١٤هـ) ليلة الأربعاء من كل أسبوع، ولا يزال مستمراً فيه في جامع التنعيم بمكة المكرمة.
- درس تفسير سورة النور (متوقف) .
- درس شرح كتاب التوحيد (متوقف) .
- درس شرح سنن الترمذي الذي بدأ فيه الشيخ بتاريخ (٢/٦/١٤١٦هـ) بجامع الملك سعود بجدة ليلة الخميس من كل أسبوع، ولم ينتهِ بعد.
ثالثاً: آلفْتُ ونسقْتُ بين مواد هذه الأشرطة المجمعة لتصبح مادة مقروءة، وسقت عبارات الشيخ كما هي دون إضافة ولا زيادة، ولم أتصرف في كلام الشيخ إلا بحذف، خشية التكرار، أو تقديم أو تأخير اقتضاه السياق والسباق، أو جمع متفرق، من عدة أشرطة، وأجعله في موضع واحد.
رابعاً: وضعت عناوين للمعالم تسهل فهم المراد، وجعلت هذا الكتاب في تمهيد وخمسة فصول. أخذت فكرة التقسيم من محاضرة حلية طالب العلم التي ألقاها فضيلته في قاعة المحاضرات بالجامعة الإسلامية في المدينة المنورة بتاريخ (٢٣/٦/١٤١٣هـ) .
ولكي يستفيد طلاب العلم بشتى مستوياتهم، ضَمَّنْتُها فصلين ماتعين هما ألصق بما نحن فيه من غيره، وهما: الرابع والخامس.
فصارت حلة الكتاب كالتالي:
- تمهيد في شرف العلم ومكانة العلماء.
- الفصل الأول: معالم في الأدب مع العلماء.
- الفصل الثاني: معالم في آداب طالب العلم في نفسه.
- الفصل الثالث: معالم في آداب طالب العلم في درسه.
- الفصل الرابع: معالم في آداب الفتوى.
стр. 4
- الفصل الخامس: أجوبة مهمة على أسئلة ملمة.
خامساً: عزوت الآيات وخرجت الأحاديث، وحشّيتُ كلام الشيخ بما أراه يزيده إيضاحاً ويفيد منه القارئ الكريم، ولم أتقيد بطريقة كتابة البحوث العلمية ونظامها لحصول المقصود دون التقيد بذلك.
سادساً: لم أعتمد ما وجدته من تعليقاتي وتقيدات زملائي أثناء دروس الشيخ تبيّن آراءه في بعض جوانب موضوعنا؛ لأني بحثتُ عن الأشرطة، فلما لم أجدها أعرضتُ عن الأخذ من هذه التعليقات.
وكما هو مقرر معلوم أن تقيدات وطُرَر الطلاب عن الشيخ، لا يعتمد عليها في بيان آرائه وفتاويه؛ لمظنة خطأ الطلاب في الفهم والنقل، وعدم أمن اللبس؛ ولأن مقام التدريس ليس كمقام الفتوى.
قال العلامة النابغة الشنقيطي (ت:١٢٤٥هـ) ﵀ في طليحيته (١) [٢] ) :
وكلِ ما قُيد مما يُسْتَمَد ... في زمن الإقراء غيرُ معتمدْ
وهو المسمى عندهم بالطُّرةِ ... قالوا ولا يُفتى به ابن حُرةِ
لأنه يَهْدى وليس يُسْتَنَد ... عليه وحده مخافة الفَنَد (٢) [٣] )
ولن تجد –أخي القارئ- بين طيات هذا الكتاب تنظيراً ثقافياً، أو أطروحة فلسفية في توجيه طلاب العلم، كلا، ولا حشداً من النصوص والآثار –وما أكثرها- في فضل العلم ومكانة العلماء!!
стр. 5
بل غاية ما ستجده –ولعلي أتعجّل النتيجة- كلماتٍ إيمانية تربوية عميقة، وإشاراتٍ قلبية رقيقة، ذاتِ طلاوة تمتنع على الترجمة من غير نقصان بهائها، وكأني بالشيخ محمد قد أرسل ألفاظها وانتقى كلماتها في أبها أيامه، وأثناء وصوله إلى ذروة صفاء حياته وأقصى انغماسه الإيماني، تخاطب قلب وروح طالب العلم قبل عقله، ونتائج تجربة عملية تربى عليها الشيخ –حفظه الله- يقدمها لطلاب العلم، وليس ذلك بدعاً عليه، وهو الذي تربى في بيت علم، ونهل من معين عالم جهبذٍ، ومحدث فقيه، ومؤرخ لغوي، ونسّابة، سِيَرِيّ (١) [٤] ) ، وهو والده ﵀ الذي عرفته أروقة وسواري المسجد النبوي وعرفها، ولطالما دوى صوته بحديث رسول الله ﷺ فيه زهاء ثلاثين عاماً.
هو الشيخُ وابن الشيخ والشيخ جَدهُ ... ... ... فيا حبذا شيخٌ تناسلَ من شيخِ
يأتي هذا الكتاب لينير لطلاب العلم الشرعي الدرب، ويبصّرهم بمداخل الشيطان فيه، ويكشف لهم عن تجربة طويلة مع مراحل الطلب.
كل ذلك ببيانٍ يقوم على تحليل علمي رصين، وتشخيصٍ موفق دقيق، وسَيْرٍ وراء الدليل، واتباعٍ لأثارةٍ من علم السلف الصالحين.
أبدتْ نقُولُك ما أخفيت من حِكَم ... ... موروثةٍ عن جدود وأنجُمٍ زُهُرِ
وسميته (معالم (٢) [٥] ) تربوية لطالبي أسنى الولايات الشرعية) .
ولعل في نشر هذه المعالم والتوجيهات خدمة لإخواني طلاب العلم، ورفعاً لهممهم، وتسديداً لخطواتهم، ووفاءً لبعض حق الشيخ، فإنما العالم بطلابه.
وإن أنسى فلا أنسى التنبيه على أن مادة هذا الكتاب في الأصل مسموعة، فلا ضير أن يوجد التفاوت بين الأسلوبين: أسلوب الكتابة، وأسلوب الإلقاء.
стр. 6
وبعد -أخي القارئ الكريم- دونك جهد حولين كاملين، أحسب أني لم آل جهداً في تهيئة مواده من مسموعة إلى مقروءة، فإن جُدتَ عليَّ بدعواتٍ طيبات، فذلك ما كنا نَبْغِ، وإلا فلا أقل من حسن الظن، وحسن الظن اليوم أعزُّ من الأبلق العَقوق -كما يقولون-. وطلاب العلم لهم حظ من تعديل الله لهم في آية آل عمران: ((شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ)) [آل عمران:١٨] .
طَلَبةُ العِلم على العدالة ... ... ... قد يُحملون نَجْل رُشْدٍ قالَهْ
والله الكريم أسأل أن يلطف بنا، ويعصمنا من الخطأ والزلل، وإرادة غير وجهه ، وأن يجزي عنا الشيخ محمداً بأفضل ما جزى به شيخاً عن تلامذته، وأن يَمُدَّ في أيامه، ويديم علينا وعليه سابغات إنعامه، وأن يغفر لنا وله ولوالديه ومشايخه والمسلمين أجمعين.
والله الهادي إلى سواء السبيل..
أحد طلاب العلم
المدينة المنورة (٢٦/٨/١٤١٦هـ)
تمهيد في شرف العلم ومكانة العلماء (١) [٦] )
الحمد لله ذي الوحدانية والكمال، الحمد لله المحمود على كل حال، الحمد لله المتصرف في الأحوال، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، من توكل عليه كفاه، ومن استعاذ به أغناه ووقاه، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله الذي اجتباه واصطفاه، صلى الله عليه وعلى آله ومن سار على نهجه المبارك وارتضاه.
стр. 7
العلم أمانة عظيمة، ومسؤولية جليلة كريمة، تُبلَّغ بها رسالةُ الله، وتقام بها الحجة على عباد الله، فكم هَدى الله بالعلم من الضلالات، وكم أخرج به من الظلمات، كم هَدى الله به أُمماً حارت، وكم هَدى به أمماً ضلت، كم أبكى لله عيوناً، وكم أخشع لله قلوباً وجفوناً.
العلم الشرعي هو نور الله، وهداية الله، ورحمة الله لهذه البشرية، هو معدنها الصافي، ومنبعها الذي لا يغيض، إنه السبيل الذي من سار فيه انتهى به إلى مرضاة الله وجنته.
امتنّ الله على نبيه ﷺ بالعلم، وشرّفه وكرّمه به، فكان به إمامهم وقدوتهم وهاديهم، صلوات الله وسلامه عليه.. وصدق الله إذ يقول: ((وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا)) [النساء:١١٣] .
قال بعض العلماء: كان فضل الله عليك عظيماً حينما علمك ما لم تكن تعلم، وحينما أنقذك من الضلال، وهداك إلى الحق.. ((مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ)) [الشورى:٥٢] ، فالله علّمه ودلّه وهداه.. جلّ سبحانه في علاه..!
العلم بصيرة؛ لأن العالم يُبصِر به الحق فيتبعه، ويُبصِر به الباطل فيجتنبه. قال تعالى: ((قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ)) [يوسف:١٠٨] .
العلم بينة تنكشف بها الحقائق، ويَخْرسُ عند دلائلها كل متكلم وناطق. قال تعالى: ((قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي)) [الأنعام:٥٧] .
العلم.. وما أدراك ما العلم.
شرّف الله به من شاء واصطفى من عباده، فشهد لمن حباه إياه أنه أراد به الخير الكثير، ((يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا)) [البقرة:٢٦٩] .
وكثير من الله ليست بالهينة، فمن تعلم انكسر قلبه لربه، ومن تعلم عرف الله بأسمائه وصفاته، وعرف حدوده فاتقاها، ومحارمه فاجتنبها، ومراضي الله جل وعلا فطلبها.
стр. 8
العلم فاتحة كل خير، وأساس كل طاعة وبر، فلا طاعة إلا بالعلم، وكلما أطاع العبدُ ربَّه على بصيرة وعِلم، كانت طاعته أرجى للقبول من الله ..
العلم كالغيث للقلوب، يُحْيي الله به الأفئدة بعد موتها، ويوقظها بعد غفلتها، وينبهها من بعد منامها.
هذا العلم الذي عظم الله أهله، وجعلهم عنده في أعلى الدرجات، وأوجب لهم جزيل العطايا والهبات، ((يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ)) [المجادلة:١١] .
لكن لهذا العلم رجال وأي رجال، لهذا العلم أمة فرغت أوقاتها ترجو به رحمة الله، وتطمع في عفو الله ، لها أخلاق سمت بها إلى أعالي الفضائل، وتنزهت بها من أدران الرذائل، لهذا العلم طلابه، يعظمون شأنه، ويعرفون قدره، الذين غرس الله في قلوبهم إعظام هذا الدين، ((وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ)) [الحج:٣٠] .. ((وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ)) [الحج:٣٢] .
هذا العلم قيض الله رجالاً شرّفهم لحمله، واصطفاهم لتبليغه، إنهم العلماء.
فإن الله أحب من عباده العلماء، واصطفاهم واجتباهم ورثةً للأنبياء، وزادهم من الخير والبر حتى صاروا من عباده الأتقياء السعداء، وأثنى عليهم في كتابه، فشرّفهم وكرّمهم، فقال –وهو أصدق القائلين-: ((إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)) [فاطر:٢٨] .
لذلك أحبتي في الله، هذه المسؤولية العظيمة، وهذه الأمانة الجليلة الكريمة، حملها العلماء العاملون، والثقات المعَدَّلون، حملوها فبلغوها عن الله، وأقاموا بها حجة الله على عباد الله، حملها الدعاة والفقهاء والمحدثون، والأئمة المهديون، إنهم أئمة الهدى، ومصابيح الدجى، بهم بعد الله يُهتدى.. وبنهجهم يُحتذى ويُقتدى..
стр. 9
فيالله، كم من أمة بهم اهتدت، وبعروة الله استمسكت، وكم من طالب علم علموه.. وتائه عن سبيل الرشد أرشدوه، وحائر عن صراط الله دلوه، ويالله كم دارس من العلم أحيوه، وكم شارد من العلم قيدوه، وكم أصل من الكتاب والسنة حرروه وضبطوه.
نوّر الله بهم ضمائر العباد، ودلّ بهم على سبيل الحق والرشاد، حملوا هذا العلم جيلاً بعد جيل، ورعيلاً بعد رعيل، لم ينقطع لهم في الله أثر ولا قيل، حملوا هذا العلم لله، وبلغوه لوجه الله وابتغاء مرضاة الله، رجال العلم والعمل، وأهل الخير والفضل، فرحمة الله عليهم أجمعين، وجزاهم بأحسن الجزاء إلى يوم الدين.
أيها الأحبة في الله، أي مقام أشرف بأن تقوم يوماً من الأيام تخبر عن الله ورسوله ﷺ ، وأي مقام أشرف حينما تصير أميناً على دين الله ووحي الله.
فمن قرأ القرآن فأحل حلاله، وحرم حرامه، وعرف شرعه وفق أحكامه، فقد حمل النبوة بين دفتي صدره.
من حمل هذا العلم المبارك فقد حمل ميراث النبوة، وشرّفه الله بخير كثير.
لكن وقفة قبل أن نصير إلى تلك الرياض العطرة، وتلك المجالس الكريمة النضرة، وقفة لكي نشحذ الهمم إلى أمور ينبغي أن يراعيها كل طالب علم، فلمجالس العلماء حقوق، ولطلب العلم حقوق.
ما من إنسان يفي لله بهذه الحقوق إلا بارك الله له في علمه، وشرح صدره، ويسّر أمره.
وقفة مع آداب طلاب العلم مع العلماء، حتى نؤدي لهذا العلم حقه، ونؤدي إلى حملة الكتاب والسنة حقهم وقدرهم.
والذي جعل بعض طلبة العلم يسأمون ويملون من طول الزمان في الطلب، هو أنهم يحملون العلم أحمالاً على ظهورهم دون استشعار روحه وآدابه، فتجد طالب العلم يجمع الأقوال في المسألة والمناقشات، ويشتغل بها اشتغالاً جامداً يقسي القلب.
стр. 10
أما لو عرضت عليه المسألة، وتأملها ونظر الحق الذي فيها، وتعجب من فتح الله على العلماء، وأدرك فضل الله على هذا العالم في استنباطه ومناقشته، وسأل الله أن يفتح عليه كما فتح على ذلك العالم، وينظر في كتب السلف الزاخرة بهذه المسائل، ويقول: يا رب، كما وفقتهم وفقني بمثل هذه الروح والارتباط بالله جل وعلا، يزداد علمه وقربه إلى الله.
أيها الأحبة في الله، لقد تغيرت تلك الرياض الطيبة، وتغيرت تلك المجالس النيرة، التي كانت عامرة بالآداب والأخلاق، تغيرت بتلك الأخلاق الرديئة، تغيرت فأظلمت من بعد ضيائها، وتنكدت الأقدام في الدروب، وحادت عن علام الغيوب، لما فتنت بهذه المحنة العظيمة، وبليت الأمة في هذا العصر بداء الغرور، فسب السلف الصالح، وامتهنت كرامتهم، وأصبح العلماء يكابدون ويجاهدون من العناء والبلاء ما لا يُشكى إلا إلى الله وحده .
وأصبح العبد يجد الشقاء في الجلوس فيها، فكم من كلمة نابية تسمع، وكم من تصرفات ممقوتة تُرى، لا ترى لها رادعاً، ولا ترى لها منكراً؛ لذلك جاءت أهمية هذا الموضوع.
نداء إلى القلوب الطاهرة، نداء إلى تلك النفوس الطيبة، نداء إلى تلك المعادن الزاكية، التي تعرف حق هذا العلم، وتعرف فضل العلماء، وحق السلف والخلف، نداء إلى تلك القلوب الكريمة، لكي تثبت على هذا السبيل القويم.
العلم يطالب بحقوق كثيرة وعظيمة، فمن أراد أن يطلبه فليأخذه بحقه.
стр. 11
الفصل الأول: معالم في الأدب مع العلماء
نص العلماء (١) [٧] ) ﵏ على أنه ينبغي على طالب العلم أن يتحلى بأزين الحلل، وأن تكون فيه حلية طالب العلم في وقاره وفي خشوعه وسمته. قال الإمام أبو عبد الله مالك بن أنس إمام دار الهجرة ﵀: (حق على طالب العلم أن تكون فيه سكينة ووقار، واتباع لأثر من مضى قبله) (٢) [٨] ) .
إن طالب العلم إذا تزين بالآداب، وكان على أكرم الأخلاق، وجمّلها بالعلم، فإن الله يجمله بعد أن يصير عالماً، ولذلك نجد بعض العلماء مُهاباً جليلاً محبوباً، ولو نظرت إليه أثناء الطلب، لوجدته يهاب العلم ويجلّه، فبمقدار ما توفق إلى الآداب مع العلماء في مجلسهم ترزق من الطلاب مثله، فاجتهد -رحمك الله- في أن ينظر لك العالِم نظرة إجلال.
جلس الإمام أحمد بن حنبل يطلب العلم عند عبد الرزاق بن همام الصنعاني -رحمة الله عليهما- إمامان حافظان جليلان من علماء السلف وأئمتهم، حفظا سنة النبي ﷺ ووعياها، وكانا على جلال وفضل وكمال -رحمة الله عليهما-.
كان عبد الرزاق يتقي المزاح والطرفة إذا كان الإمام أحمد في مجلسه، وهذا أبلغ ما يكون من الوقار والجلال الذي ألبسه الله أهل العلم.
قال ابن عباس ﵄: (ذللتُ طالباً وعززتُ مطلوباً) (٣) [٩] ) .
وكان بعض السلف يكره أن يستند الطالب في مجلس العلم، كل ذلك إجلال ووقار للعلم وهيبة للعالم، وكانوا يشددون في مدّ الرِّجْل في مجلس العلم، ويشددون في الأمور التي تشعر بالاستخفاف بالعالِم أو بمجلس العلم.
стр. 12
مكانك عند الله وكرامتك عند الله على قدر ما ينشرح له صدرك من تلقي العلم، ولذلك ما أحب الله العلماء بشيء مثل إقبالهم على كتابه وسنة رسوله ﷺ ، فإياك ثم إياك أن تكون زهيداً في كل علم تتعلمه، والله، كم من مسائل سمعناها من العلماء، ما كنا نظن إنه يأتي يوم من الأيام فيكون فيها نفع، حصل فيها من النفع ما الله به عليم، لا تزهد من العلم في شيء، فلعلك أن تسمع حكمة تنشرها، يحيي بها الله القلوب، ولعلك تسمع سنة فتحييها، فيكتب الله لك أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة.
احرص على كل محاضرة وندوة ومجلس علم أن تحمل منه سنة من سنن رسول الله ﷺ ، قولية أو فعلية أو اعتقادية، احرص على أن تتعلم ولو حديثاً واحداً، والله تعالى تكفل في كتابه لأهل العلم برفع الدرجات، تخرج من الدنيا ومكانتك عند الله على قدر ما حفظت من العلم، فطوبى لأقوام حفظوا كتاب الله وحفظوا سنة رسوله ﷺ في صدورهم وقلوبهم، فخرجوا من الدنيا والله ﵎ راضٍ عنهم بذلك العلم والضبط، وبلغهم نفع ذلك العلم في قبورهم، فهم الآن في رياضها يتنعمون، وفي ما هم فيه من السرور والنعيم يغبطون (١) [١٠] ) ، فالله الله أن يزهد إنسان في خير من الله، احرص على الخير، واحرص على الانتفاع، ولذلك ما انتفع إنسان بسنة إلا نفعه الله بها ونفع بها غيره.
وكان السلف الصالح إذا أرادوا طلب العلم وطّنوا أنفسهم بالآداب الكريمة التي تحببهم إلى صدور العلماء.
стр. 13
قالت أم الإمام مالك بن أنس ﵀ لما ألبسته العمامة وأمرَتْه أن يذهب إلى مجلس ربيعة بن عبد الرحمن، قالت له: (أي بني: اجلس مع ربيعة، وخذ من أدبه ووقاره وخشوعه قبل أن تأخذ من علمه) (١) [١١] ) .
فإذا وجدت طالب علم يحرص على الأدب في مجلس العلم، فاعلم أنه على سنة، ولربما فتح له العالم صدره وأقبل عليه؛ لأن الله جبل القلوب على محبة الأخلاق والآداب، وهي تدل على سمو النفوس وعلو همتها، وأنها تريد ما عند الله ، فلا يليق بطالب العلم أن يجلس في تلك المجالس لا يبالي بحرمتها، ولا يحسن التأدب مع أهلها.
стр. 14
قال بعض العلماء: أخشى على من أساء الأدب في مجلس العالم أن يحبط علمه وهو لا يشعر، قالوا: وكيف ذلك؟ قال: لأن الله تعالى يقول: ((وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ)) [الحجرات:٢] ، والنبي ﷺ يقول: (العلماء ورثة الأنبياء) (١) [١٢] ) ، فاستنبط ﵀ من حكم الله على من أساء الأدب في مجلس نبيه ﷺ أنه لا يَبْعُد أن يعامل بمثل ذلك؛ لأن العلم يعتبر في مقام النبوة، فمن أساء الأدب معه فقد انتهك حرمة تلك النبوة التي حواها صدره، كيف لا تتأدب مع العلماء وهم ورثة الأنبياء؟ كيف لا تتأدب معهم والله ائتمنهم على دينه وشرعه؟ كيف لا تخفض جناحك لهم وهم بمنزلة الوالدين، والله أمر بذلك في قوله تعالى: ((وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ)) [الإسراء:٢٤] ، بل ذهب بعض العلماء رحمة الله عليهم إلى أن حق العالم آكد من حق الوالد؛ لأن النسب الديني أعلى من النسب الطيني (٢)
стр. 15
[١٣] ) .
قال بعض العلماء في قوله تعالى: ((ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ)) [الحج:٣٢] : المراد بالشعائر جمع شعيرة، وهي ما أشعر الله بتعظيمه، والله أشعر بتعظيم العلماء، فيدخلون في الآية، وليس المراد من تعظيم العلماء الغلو والخروج عن المنهج النبوي، وإنما المراد إعطاء تلك القلوب التي حفظت دين الله، وحفظت كتاب الله وسنة نبيه ورسوله ﷺ حقها وقدرها في مصافحتهم، وفي الحديث معهم وفي مجالستهم وفي مناقشتهم ومناظرتهم، وفي الأخذ عنهم، فما يليق بطالب علم أن يجلس بين يد عالمٍ فيسيء الأدب معه سواءً بالخطاب، أو في لحن القول والجواب، أو في غير ذلك مما يكون في مشهده وغيبته. فكم من طلاب علم مقتهم الله لسوء أدبهم مع العلماء والعياذ بالله.
وكان للسلف الصالح –﵏ قصب السبق في الأدب مع العلماء (١) [١٤] ) ﵏، وكانوا يجلون العلماء وأهل العلم.
هذا ابن عباس ﵀ النير النبراس، وارث الكتاب والسنة، لما توفي رسول الله ﷺ أحَبّ أن يكون من طلاب العلم، فجاء إلى زيد بن ثابت وتعلق قلبه به، فكان يمسك بركاب زيد، وكان زيد يجل منه ذلك حتى قال له: ما هذا يا ابن عم رسول الله ﷺ ؟ فقال ابن عباس: هكذا أمرنا بأن نصنع بعلمائنا (٢) [١٥] ) .
стр. 16
انظر إلى ابن عباس الذي علم سنة رسول الله ﷺ ، ولم يقل: إن رسول الله ﷺ دعا لي بالعلم، فأنا عالم إن شاء الله، ولكن أهان نفسه لكي يكرمها عند الله، وأذلّ نفسه لكي يعزّها الله، فكان له ذلك من الله.
ولما توفي زيد، جاء ابن عباس –وكان وفياً لأهل العلم- فحمل جنازته حتى سقطت عمامته من رأسه، ولم يزل فيها حتى دفنه. ثم لما دفن زيداً، قام على قبره تختنقه العبرة، فبكى وقال: ألا من سَرّهُ أن ينظُرَ كيف يقبض الله العلم، فلينظر هكذا يقبض الله العلم بموت العلماء (١) [١٦] ) .
ولذلك عزّت عند الله مكانته، ورفع الله قدره، وشرح صدره، وبلغ من العلم مبلغاً عظيماً، حتى كان إماماً لا يجارى، إذا وقف في كتاب الله يفسره، تفجرت ينابيع الحكمة في تفسيره ﵁ وأرضاه، حتى قام في يوم عرفة ففسر سورة النور. يقول الراوي: والله لو شهده الفرس والروم والديلم لأسلموا لله (٢) [١٧] ) .
كل ذلك لما ذل للعلم وحفظ للعلماء حقوقهم ﵁ وأرضاه.
والله، لا يحفظ حق العلماء إلا الموفق، ولا يقلل من شأنهم إلا من قلبه مرض وزيغ، وأهل البدع والأهواء –والعياذ بالله- يُعرفون بنقيصة العلماء.
قال بعض أهل العلم ﵏: إذا أردت أن تنظر إلى رجل في قلبه مرض، فانظر في من يطعن في العلماء أو يحتقر العلماء.
стр. 17
قال العلماء في حديث عمر بن الخطاب ﵁ لما قدم جبريل على النبي ﷺ يسأله، فجلس بين يديه وأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع يديه على فخذيه. قال: في هذا دليل على مراعاة الأدب في المجلس لطلب العلم، وهكذا كان الصحابة ﵃، كان النبي ﷺ إذا وقف يعلمهم يقول أنس: (أطرقوا، وكأن على رءوسهم الطير) (١) [١٨] ) ، أطرقوا أذلة لله، يرجون بذلك وجه الله وما عند الله، فما أجلها من نعمة أن يوفق الله طالب العلم للأدب.
والله ما رأيتَ طالبَ علمٍ يتأدب في مجالس العلماء ويتأدب مع أهل العلم إلا وجدتَ محبته في صدرك، وأن الله جمله بأدبه، فالأدب هو شريعتنا وما دل عليه ديننا، والله تعالى أدب الصحابة في مجلس نبيه ﷺ ، فنهاهم أن يرفعوا الصوت عليه، ونهاهم أن يقوموا من مجلسه قبل استئذانه ﷺ . قال تعالى: ((لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ)) [الحجرات:٢] ، وقال تعالى: ((لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ)) [النور:٦٢] . ذلك لكي يرسم المنهج الأمثل لكل من أراد أن يتعلم العلم النافع، وأن يحفظ حق العلم وآداب العلماء.
لطالب العلم أدب مع العلماء الذين مضوا إلى الله ﵎ وانتقلوا إلى الدار الآخرة، وأدب مع العلماء الأحياء..
أولاً: الأدب لأموات العلماء ﵏:
المَعْلَمْ الأول: ذكرهم بالجميل:
من حق العلماء الأموات على الأحياء أن يذكروهم بالجميل.
стр. 18
قال الإمام الطحاوي ﵀ وهو يبين عقيدة السلف الصالح رحمة الله عليهم حينما ذكر أهل الخير والأثر، وأهل الفقه والنظر، من علماء الأمة من الصحابة والتابعين إليهم بإحسان، قال ﵀ عنهم: (وعلماء السلف من السابقين، ومن بعدهم من التابعين، أهل الخير والأثر، وأهل الفقه والنظر، لا يُذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير سبيل) (١) [١٩] ) .
أي: ضل سبيل الأمة الذي يعصم الله به الإنسان من الزلل والهوى، فذِكر العلماء الأموات بالسوء، وتتبع عثراتهم بقصد التشفي والتشهير لا خير فيه، إنما يبحث الإنسان عن علم العالم، فإن كانت عنده أخطاءٌ بينها، وإن كان له مخرج من تأول دليل في كتاب الله وسنة النبي ﷺ ، أنصفه وبيّن دليله، وبيّن حجته.
ينبغي على طالب العلم أن يحفظ حق العلماء، سواء طلب على يديهم العلم أو لم يطلبه عليهم، فحقٌ على كل مؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر، إذا جلس مجلساً فذكر فيه عالماً، أن يذكره بالجميل، وأن لا يذكره بغير ذلك، فذلك شأن من ضل السبيل.
ينبغي على الإنسان أن يحفظ غيبة العلماء، إن حفظ عرض المسلم الذي هو من عامة المسلمين فريضة ينبغي حفظها، فكيف بالعلماء، ولذلك قال بعض العلماء: إن الإنسان إذا اغتاب العالم يخشى عليه حتى ولو سامحه العالم، فإنه لا يؤمن عليه أن يعاقبه الله؛ لأن غيبة العالم فيها حقان: حقٌ لله، وحقٌ للعالم.
стр. 19
أما حق العالم: فبأذيته بالكلام الذي لا ينبغي، وأما حق الله: فلأن تنقّص العلماء تنقيصاً للعلم الذي حملوه، فلا يجوز لإنسان أن يرضى عن من ينتقص العلماء، حتى ولو قال: إن فلاناً لا يحسن الاستدلال، أو لا يحسن العلم، فعندها ينبغي أن تأخذك حمية الدين، فتقول لمن يقول هذا الكلام: اتق الله في أهل العلم، فإنك قد اغتبتَ عالماً، والله، إن غيبة العلماء عظيمة من جرائم الذنوب التي ينبغي للإنسان أن يحذر منها، وبمجرد ما تحس من الإنسان الذي أمامك أنه يريد أن ينتقص عالماً، ففرّ بدينك قبل أن يسلب شيئاً من حسناتك، فلربما تجلس مجلساً واحداً تسمع فيه غيبة عالم تهون عند الله في ذلك المجلس، فمن عادى ولياً لله آذنه بالحرب.
فينبغي على الإنسان أن يحذر من سطوة الله في أذية العلماء، وإذا لم يغر لله على العلماء، فعلى من يغار، والمقصود من هذا كله أن تحفظ غيبة العلماء؛ لأنهم صفوة الله وأحباؤه من الخلق، وإذا أخطأ عالم في مسألة فينبغي أن يُبين الصواب لهذه المسألة، ولا حاجة إلى ذكر أسمائهم أو التعريض بها، كأن تقول قول فلان وتذكره وتسميه في معرض الردّ؛ لأن المقصود هو التوجيه والإرشاد والتعليم، لا انتقاص عباد الله وأكل أعراضهم.
ذكروا عن رجل من أهل العلم كان في مجلس من المجالس، فسمع رجلاً يغتاب عالماً قاضياً ويتهمه بالرشوة، فقال ذلك العالم الجليل –رحمة الله عليه- لذلك الرجل الذي تنقص واغتاب العالم: والله لا آمن عليك سوء الخاتمة، حلف بالله العظيم مَن نَقَل هذه القصة، قال: والله ما مرّت إلا مدة وجيزة شهدت وفاته، كانت على أسوأ حالة والعياذ بالله.
المَعْلَمْ الثاني: ذكرهم بالإجلال والإعظام:
стр. 20
تقول: قال الإمام ﵀، تذكره بالإمامة وتشرفه وتكرّمه؛ وتميزه عند ذكره عن عامة الناس بهذه الألقاب؛ لأن الله أدّبَ أصحاب النبي ﷺ بذلك في قوله: ((لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا)) [النور:٦٣] .
لا ينبغي أن يدعوَ الإنسانُ رسول الله ﷺ باسمه مجرداً –صلوات الله وسلامه عليه-، وإنما يقول: يا رسول الله، ويا نبي الله –أي في حياته-، ولأن العلماء ورثة الأنبياء، فلا يقال: قال فلان وقال فلان ... يذكره باسمه مجرداً، وإنما يذكره بما يدل على علمه ورفعة قدره، وأنه ليس كعامة الناس، فهذا حق من حقوقه.
وقد قال ﷺ : (إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه) (١) [٢٠] ) ، فكيف بإجلال العالم الحافظ لكتاب الله، والحافظ لسنة النبي ﷺ الذي أحيا الله به السنة، وأمات به البدعة، لا شك أنه أحق، وإجلاله إجلال للدين، وإذا ذكر العالم بوصف التشريف والتكريم أحست الناس بهيبة العالم، وأحست بمكانة العالم، وإذا ذُكِر كما يُذكر عوامّ الناس، لم يُفرّق بينه وبين العوام، فهذه مظلمة في حق العلماء –رحمة الله عليهم-، وهذا يستوي فيه الأحياء والأموات، ما دام أنه عالِم بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، فينبغي أن يُجَل وأن يُكرّم.
المَعْلَمْ الثالث: أن يعتني بردّ الجميل لهم:
стр. 21
من نحن لولا الله ﷻ ، ثم علم هؤلاء العلماء..؟! ومن نحن لولا الله ثم هؤلاء الأئمة الذين فسروا كتاب الله وبيّنوا أحاديث رسول الله ﷺ ؟! وقفوا عند كل كلمة من كتاب الله وسنة النبي ﷺ ... بيّنوا حلالها وحرامها.. وبيّنوا ناسخها ومنسوخها.. وبيّنوا حدودها ومحارمها.. وبيّنوا حقوقها وواجباتها –رحمة الله عليهم-، أسأل الله العظيم ربّ العرش الكريم أن يسبغ عليهم شآبيب الرحمات، وأن يوجب لهم علوّ الدرجات، وأن يجمعنا بهم في رياض الجنات.. إنه ولي ذلك والقادر عليه.
هؤلاء الأئمة لهم فضل.. لولا الله ثم هم ما تكلمنا، وما استطعنا أن نعرف كثيراً من شعائر ديننا، فينبغي للإنسان إذا قرأ كتاباً لعالم يترحَّم عليه ويدعو له؛ لأن النبي ﷺ يقول: (من صنع إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تستطيعوا فادعوا له) (١) [٢١] ) .
تمر عليك المسألة في الأحكام.. ويمرّ عليك حديث من أحاديث رسول الله ﷺ مُشكلٌ لا تدري أهو صحيح أم ضعيف، ثم لا تدري متنه، ما هو المراد منه..؟ أهو مطلق أم مقيد..؟ عام أم خاص..؟ فإذا وقفتَ أمام هذا الكلام الذي يقوله الإمام، أدركتَ حقيقة المراد، وأدركت جليّته، وكنتَ على بينة من هذا النص في كتاب الله أو ذاك النص من سنة رسول الله ﷺ ، فما تملك إذا اطّلعت على هذا الخير إلا أن تقول: رحمة الله على فلان ... !
وكان بعض مشائخنا –وهو الوالد رحمة الله عليه- إذا نظر في الكتاب وقرأ فيه، كثيراً ما أسمعه يقول: رحمة الله عليه.. رحمة الله عليه.. رحمة الله عليه..! كأنه كلما فرغ من مسألة يترحم عليه، فسألته ذات مرة، قلت: يا أبتِ: أنت تكثر من قولك: رحمة الله عليه، قال: ما فرغت من مسألة وأحسست بفضله عليَّ إلا ترحّمتُ عليه، وهذا قليل من حقه عليّ، أي: أقل ما يكون له أن أقول: ﵀.
стр. 22
من منا الآن إذا أمسك الكتاب وقرأ لهذا الإمام أو ذلك العالم دعا له بالمغفرة، ودعا له بعلو الدرجة..؟ فإنك إن دعوت له بالرحمة سخّر الله لك من ترحم عليك بعد موتك.
هؤلاء أولياء الله.. العلماء العاملون.. أهل السنة الذين هم على منهج الكتاب والسنة، هؤلاء أحباب الله، وهم صفوة الله بعد الأنبياء؛ ولذلك جعل الله فيهم علم الكتاب والسنة، وجعلهم أمناء على الشريعة والملة، فالترحم عليهم والدعاء لهم، خيرٌ كثيرٌ.
المَعْلَمْ الرابع: نشر فضلهم بين الأحياء، والاعتذار لهم في الأخطاء:
إذا قرأت فائدة، أو نقلت عِلماً نبَّه عليه إمام من أئمة السلف، كان من الحق عليك أن تنوِّه بفضله في ذلك، فتقول: كما قرّره شيخ الإسلام فلان، كما بيّنه الحافظ فلان، أو الإمام فلان، ولا توهم الناس أن الفضل –بعد الله- لك وحدك.. لا، وإنما تنصفهم وتذكر مآثرهم، وتبيّن فضلهم، فإن ذِكْرَ دقائق ما توصلوا إليه من الأفهام، وما كشفوه من العلوم والحقائق المبنية على دليل الكتاب والسنة.. ونشرِه بين الناس ونسبته إليهم، يُعرِّف الناس قدرهم، ويجعلهم يدركون فضلهم –خاصة بين طلاب العلم-، ويغارون عليهم من أن ينتقصوا وأن يُهانوا.
ثانياً: الأدب مع الأحياء من العلماء (١)
стр. 23
[٢٢] ) :
كانوا يقولون: قلّ أن يوفق إنسان لتعظيم العلم في الطلب إلا رزقهُ الله ذلك في طلابه ومن يأخذ العلم عنه غداً، مثلما كان يفعل، فإذا وجدت طالب العلم يوقّر العلماء، ويحترم العلماء، ويجلّ العلماء، فاعلم أنه صاحب سنة، وإذا وجدته يهين العلماء، وينتقص العلماء ويزدري العلماء، ويتتبع عورات العلماء، فاعلم أن فيه خلقاً من أهل البدع، فأهل السنة براء من هذه الرذائل، وطلاب العلم الصفوة الصادقين براء من هذه الرذائل، والنقائص شأن الجهال، إذا وجدوا العالم منهم في التفسير أو في الحديث أو في الفقه، وأطّلعوا على زلةٍ واحدةٍ منه، لَحِقَه منهم التشهير والتقريع والتوبيخ، وكأنه ليس من الإمامة في شيء، وهذا صنيع من لا ينصف، أما المنصف العادل فإنك تجده يعتبر ذلك الخطأ وذلك الزلل من قوله ﷺ : (إذا اجتهد الحاكم فأصاب كان له أجران، وإذا اجتهد فأخطأ له أجر واحد) (١) [٢٣] ) .
стр. 24
فتعلم أن هذا إمام مجتهد، وأن هذه المسألة الفرعية من مسائل الفقه إذا أخطأ فيها وجه الصواب أن له الأجر عند الله ، وأنه لا ينبغي أن تُثرّب عليه، وقد قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمة الله عليه- في كتابه النفيس: (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) وقرره الأئمة –رحمة الله عليهم- أنه لا ينبغي أخذ الأخطاء المعيّنة والتشهير بالأئمة فيها، ولكن لا يمنع هذا أن نبين الأخطاء، وأن نبين أن هذه المسألة أخطأ فيها الإمام فلان، أو هذا أو ذاك.. ولكن لا تعتبر هذا الخطأ الفرعي سبباً في غمط هذا العالم حقه، فإن ذلك ليس من الإنصاف في شيء، فتجد مثلاً لو كان هذا الإمام إماماً من أئمة الجرح والتعديل أخطأ في هذا الراوي فحسّن روايته، وأنت ترى الراوي مجروحاً، وأنه لا يقبل التحسين، فلماذا يقال: إن فلاناً ليس من التحسين والتصحيح في شيء.. وهذا من أوهامه، وهذا من زلاته، ولا تغترّ به..! ولا كذا وكذا، من الكلمات الجارحة، التي تربي في طلبة العلم الاستهانة بالعلماء والاحتقار لهم، فلا ينبغي هذا، بل المُنبغي أن ننبه على الأخطاء، وننبه على فضل الأئمة، وعلوّ شأنهم، وعلوّ قدرهم عند الله ، وعند عباده الصالحين.
стр. 25
هذا منهج السلف، وهذا منهج الأئمة. ثم اقرأ –رحمك الله- في كتب الأئمة الأعلام الذين شرحوا الأحاديث وتكلموا في المسائل الفقهية، تجد الأدب الجم.. تجد التواضع.. تجد الاحترام والتقدير والإجلال.. وحفظ الفضل لأهله، ولا يحفظ الفضل إلا من كان من أهله، فتجد الأئمة والحفاظ إذا اطّلعوا على شيء قالوا: وقد قال فلان –عفا الله عنه- كذا، كل ذلك من باب الأدب، ولذلك قال الله لنبيه ﷺ : ((عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ)) [التوبة:٤٣] . قدّم له المغفرة والعفو قبل أن يعاتبه –صلوات الله وسلامه عليه-؛ ولذلك ينبغي التأدب مع الأئمة ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً، ونقصد بالأئمة: أئمة الكتاب والسنة، الذين شُهد لهم بتحري الحق والصواب، وأما غيرهم من المبتدعة وأهل الأهواء فليس على مثلهم يُلوى، ولا على مثلهم يُحزن.
وللتأدب مع العلماء الأحياء في مجالس العلم آداب ومعالم، منها:
المَعْلَمْ الأول: التبكير لمجلس العلم:
أول ما ينبغي على طالب العلم التبكير إلى مجلس العلم، فإن التأخر والتقاعس عن التبكير لمجلس العلم خاصة إذا كان عن قصد (١) [٢٤] ) ، يدل على عدم توقير العلم، وعدم إجلاله.
فإن كان طالب العلم محافظاً على مجالس العلم، ولا يتأخر عنها إلا من عُذر ومن ضرورة، فإن الله يبارك له فيمن يأخذ عنه العلم..
التبكير إلى مجلس العلم كان من شأن الأئمة والسلف الصالح.
стр. 26
كان ابن عباس ﵄ يغدو إلى زيد بن ثابت فينام على عتبة بابه..! ينام في الظهيرة وينام في السحر، يُرى الله منه الجدّ، ويشهده على صدق رغبته في العلم، وهذا لو تأملناه لوجدنا فيه فوائد عظيمة، ذلك أن ابن عباس ﵄ لم يرضَ لنفسه أن يشارك طلاب العلم، فيأتي ويحضر معهم إلى المجلس، ولكن غدا إلى بيت العالم، فمضى إلى زيد بن ثابت، وكان ينام على بابه، فإذا خرج زيد ربما أشفق عليه –﵄ وأرضاهما-.
وثبت عنه أنه كان إذا ركب زيدٌ على دابته أخذ بخطام الدابة، فيقول له: أتفعل وأنت ابن عم رسول الله ﷺ ! فيقول له ابن عباس: نعم، أنت من أهل العلم بكتاب الله .
وكان زيد ممن كتب القرآن وحفظه وعلم حلاله وحرامه وناسخه ومنسوخه –﵁ وأرضاه-.
ولما دفن زيد، بكى أبو هريرة وقال (١) [٢٥] ) قولته المشهورة: لقد دفن الناس اليوم علماً كثيراً.. ولكن لعل الله أن يجعل في ابن عباس خلفاً من ذلك العلم..؛ لأن ابن عباس حفظ عن زيد، وكان كثير الحرص على التبكير إلى مجلس العلم.
المَعْلَمْ الثاني: الدنو والقرب من العلماء، والجلوس جلسة الموقر لمجلس العلم المتلهف عليه:
كن قريباً إلى العالم، حتى إذا دنوت منه أشِعره بالإجلال، تجلس جلوس (٢) [٢٦] ) المتأدب، جلوس من يتذلل للعالم، ويظهر له أن يحبه وأنه يجله.
стр. 27
دخل الإمام أحمد ﵀ على خلف الأحمر –وهو أحد أئمة الحديث-، لما أراد أن يقرأ عليه، جاء ليجلس بين يدي خلف ﵀، وكان الإمام أحمد مهاباً عند مشائخه، فلما جاء إلى خلف، أراد خلف أن يكرمه؛ لأنه أمام طالب من طلاب العلم، فجلس إلى جنبه، فقال له الإمام أحمد لما أراد أن يقرأ عليه: والله لا أجلس إلا بين يديك، هكذا أمرنا أن نتواضع مع من نأخذ عنه العلم.
وذكروا عن بعض علماء التفسير من الأئمة –رحمة الله عليه- أنه كان معه بعض طلابه في مجلس من المجالس، وكان بعض طلابه نابغة في اللغة العربية، فتذاكروا مسألة في اللغة، فتكلم ذلك الطالب فأجاد وأفاد، ثم قال لذلك العالم: لقد كتبت فيها ورقات، فقال له العالم: اذهب فائتني بما كتبت، فلما جاء بتلك الورقات وتلك الرسالة، نظر فيها ذلك الإمام الجليل، ما إن تصفح منها صفحة واحدة حتى نزل من مجلسه وأقسم على تلميذه أن يجلس في المكان الذي كان فيه، وأن يجلس الشيخ بين يديه حتى يقرأ الرسالة عليه.. أمة تعظم العلم وتعطيه حقه.
طالب العلم الذي لا يحسن الجلوس في مجالس العلماء، أو يجلس جلسة المتكدر، أو يجلس جلسة المترفع عن العلم، هذا بعيد عن سنة الصالحين، غافل عن خلُق عباد الله المتقين.
العلم مادة وروح، مادة: هي قال الله وقال رسوله ﷺ . وروح: وهو إجلال العلم وإجلال العالم، ولذلك يقول طاوس بن كيسان –إمام من أئمة السلف الصالح رحمة الله عليهم- تلميذ ابن عباس، يقول كلمة عجيبة، يقول: (من السنة توقير العلماء) .
المَعْلَمْ الثالث: الإنصات:
стр. 28
إذا جلست في مجلس العالم فكن حريصاً على الاستماع والإنصات، فلمجلس العلم حق، وانظر إلى تلك الآيات العجيبة من سورة طه، نبي من أنبياء الله، أراد الله أن يعلّمه، وأن يوحي إليه بدينه وشرعه، فقال له الله تعالى يخاطبه –وهو موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام-، قال له كلمات استفتحها بقوله: ((إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى * إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي)) [طه:١٢-١٤] ، أدب المجلس: اخلع نعليك، وأدب الحديث: استمع لما يوحى، فالله يعلمنا في هذا الخطاب أن الإنصات من حقوق مجالس العلم، وهذا هو شأن الصحابة من الجنّ بين يدي النبي ﷺ . قال الله تعالى: ((وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ)) [الأحقاف:٢٩] ، أنصتوا: وصية يوصي بها بعضهم بعضاً، فلما تأدبوا في مجلس العلم، نفعهم الله به. وأما شأن الصحابة من الإنس في الإنصات فهو شيء عجيب، ورد عنهم في الأحاديث الصحيحة أنهم كانوا إذا ذكّرهم النبي ﷺ بركوا وكأن على رءوسهم الطير. وفي حديث سهيل بن عمرو في صحيح الإمام البخاري -يوم الحديبية- أنه قال يصف النبي ﷺ مع أصحابه: لا يرفع أحد منهم بصره في وجهه إجلالاً وإكباراً له –صلوات الله وسلامه عليه-.
стр. 29
العلم أشرف ما اجتمعت عليه القلوب، ولذلك ينبغي على طالب العلم ألا ينشغل بشيء في مجلس العلم. وإني أعرف من طلاب العلم ممن صحبناهم، وبعضهم قد مات وتوفي –رحمة الله عليهم- كان من كبار السن، وجدنا فيهم من الإقبال على العلم العجبَ العُجاب.. كنا في مسجد النبي ﷺ نجلس بين يدي الوالد ونقرأ الحديث، فربما وقع شيءٌ في المسجد، فتلفتت الأنظار هنا وهناك، وهم وجوههم لا تنصرف عمن يتعلمون منه، ولا يمكن أن تجد الواحد يلتفت يمنة أو يسرة.. إنما مقبلاً على الشيخ، أو مطأطئاً رأسه في كتابه أو صحيفته.. وهذا من أبلغ ما يكون من الكمال في طلب العلم.
المَعْلَمْ الرابع: التأدب معهم في الخطاب والسؤال:
كما أدّب الله الصحابة وهم جلوس في مجلس النبي ﷺ بقوله تعالى: ((لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا)) [النور:٦٣] ، أدبهم وهم يسألونه: ((لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ)) [المائدة:١٠١] ، وأدبهم وهم يصيحون وهو غائب عنهم، يستعجلون خروجه: ((إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ)) [الحجرات:٤] ، حكم عليهم أنهم ما عندهم عقل يردعهم، فمن حُرِم الأدب مع أهل العلم، ومع ميراث النبوة، فهو من الذين لا يعقلون؛ لأنه لو كان عنده عقل لعقله عن هذه الأخلاق الرديئة.
وإكرام أهل العلم في الخطاب لا يتأتى بألفاظ العوام والرعاع، التي يُستحى من ذكرها، البعيدة عن الحياء وكمال المروءة، بل نتعاطى الألفاظ التي تدل على معالي الأمور ويحبّها الله ويرضاها، وكان النبي ﷺ يسأله الصحابة وتسأله الصحابيات عن الأمور الدقيقة، فتعجب من حُسن الأدب في السؤال، وكذلك كمال الأدب من رسول الله ﷺ في الجواب.
стр. 30
فهناك أساليب ينبغي على طالب العلم أن يسلكها في السؤال لأهل العلم: كإشعار العالِم بعلمه، ومخاطبته بخطاب أهل الإجلال والتوقير، قبل طرح سؤاله، فلا يأتي الإنسان مباشرة إذا كان مع العلماء ونحوهم، من كبار السن والأئمة الذين عُرف فضلهم، أو في مجمع من الناس، ويقول: ما حكم كذا وكذا ... ؟!
ولكن يقول: يا شيخ.. أو يا إمام.. أحسن الله إليك.. يخاطبه بالإجلال، ويخاطبه بالتوقير قبل أن يسأله.
إن المعلم والطبيب كليهما ... لا ينصحان إذا هما لم يكرما
فاقنع بدائك إن جَفَوْت طبيبه ... واقنعْ بجهلكَ إن جفوتَ مُعَلِّما
العالم حينما يرى من طالب العلم الأدبَ والإكرام والإجلال يقبل عليه بكليته؛ لأن الإنسان يُكرِم حين يُكرَم، ويُجِلّ حين يُجَلّ.
لا تقاطعه في حديثه، ولا تعترض على ذلك الحديث حتى يقضي حديثه، وإذا أردت السؤال، بحثت عن الأمر الذي يليق السؤال عنه، فهناك مسائل لا يليق بطالب العلم السؤال عنها أمام العوام، وهناك مسائل للخواص، ومسائل بينك وبين العالم. ثلاث أنواع من المسائل:
النوع الأول: مسائل تصلح للعامة، وهي التي يعظم بها النفع لعامة الناس، فإذا جلست مع العالم، احرص على السؤال ولو كنت تعلم، حتى ينفع الله العامة بهذا السؤال إذا أجاب العالم، فمن تسبب في الخير رزق أجر ذلك الخير، تجلس مثلاً مع العالم، وفي الجلوس قوم ضالون، أو قوم حديثو عهد بالهداية، يكون السؤال عما يوصل القلوب إلى ربها ويذكرها برحمة خالقها، وعما يثّبتُ العبد على طاعة الله ومحبة الله، ويدله على مرضاة الله .
النوع الثاني: المسائل العلمية التي فيها مناقشات، هذه خاصة بمجلس يغلب فيه طلاب عِلْم، لا العامة.
النوع الثالث: المسائل المحرجة التي يترتب على نشرها تشويش أو فتن، أو كان بها إساءة ظن بالعالِم، فهذه تكون بينك وبين العالم، لا يشارك فيها طلاب العلم ولا العامة، فتحرص على عدم فتح باب الشر.
стр. 31
أحبتي في الله، إن خير ما تقضي به مجالس العلماء، وخير ما يحرص عليه طلاب العلم مع العلماء إعانتهم على تبليغ رسالة الله، وإعانتهم على قضاء أوقاتهم وإمضائها في محبة الله ومرضاة الله، فلا يليق بطالب العلم أن يزور العالم فيضِّيع على العالم وقته، يجلس معه الساعات الطويلة دون أن يسأله، أو يذاكره، وإلى الله المشتكى من مجالس هذا الزمان، كيف خلت من حكمة تنشر، وموعظة تذكر، وسنة تحيا، وشريعة يذكّر بها.. إلى الله المشتكى! كيف أقفرت مجالس العلماء بضعف طلاب العلم عن السؤال، إنه والله من الرزايا: أن يَقْدُم العالم على البلد أو يَقْدُم على القوم فيزورهم، فلا يجد من يسأله إلا الواحد والاثنين، ويخرج من ذلك الموضع بثلاث أو أربع مسائل. أين الناس؟! كان العالم إذا خرج من مسجد النبي ﷺ (أشهد) أنه إذا خرج، كان يخرج كخلية النحل من كثرة من يسأله، من كثرة من يستفتيه، من كثرة من يناقشه، من كثرة من يطلب العلم على يديه، أصبح بعض طلاب العلم الآن في كِبر وفي ترفع، يحس وكأنه ليس بحاجة للعالم، كم من مسائل في العقيدة، وفي الحديث، وفي الفقه، وتجد الإنسان أحوج ما يكون إلى من يعلمه بها، ومن يُطْلِعه على حقيقتها، ومن يفصل له ما فيها، ومع ذلك يصحب العلماء، ويستنكف عن سؤال واحد منهم، والله إنها لرزية، والله إنها لمصيبة، كم من مسائل يجهلها الإنسان في صلاته، في زكاته، في صيامه، في حجه، في عمرته، ومع ذلك لا يسأل العالم عن مسألة واحدة، ولكن يشغله بأسئلة خاصة عن حياته، ولا تعنيه.
المَعْلَمْ الخامس: تحضير الدروس:
стр. 32
ضبط العلم أمانةٌ ومسؤولية على طلاب العلم، ينبغي قبل أن يجلسوا في مجالس العلماء أن يقرأوا الدرس ولو مرة واحدة، ويقرأوا الحديث الذي سيشرح ولو مرة واحدة. وكان بعض العلماء يقول: مما يعاب على طالب العلم، ويدل على ضعف همته في طلب العلم: أن لا يقرأ الدرس قبل الجلوس بين يدي العالم، يعني على الأقل أن تقرأه مرة واحدة، تقرأ الحديث، أو الآيات، أي موضوعٍ تريد أن تقرأه على يد ذلك العالم، فإذا حضرت وردتْ عليك المسائل والاستفسارات، والاستشكالات البديعة، التي تكون سبباً حتى في إفادة العامة، فأحسنت الاستفادة من العالم، وأحسنت سؤال ذلك العالم، فكم من علماء استفادوا من أسئلة تلامذتهم واستشكالاتهم، ولذلك من الرزايا الموجودة الآن، أن العالم يلقي المسألة في الدرس، أو في الفصل، أو في المحاضرة، ولا يجد من يحسن سؤاله ومناقشته، إلا النزر من طلاب العلم، الواحد أو الاثنين.
لذلك أحبتي في الله، ضبط العلم وإتقانه: بقوة التحضير قبل الدروس، وبكثرة القراءة والمراجعة بعده، والله ما قرأتَ كتاباً وأنت ترجو به ضبط ذلك العلم، إلا يسّرهُ الله لك، ما أردتَ به وجه الله، ولذلك قالوا: العلم من أفضل العبادات؛ لأنه تجتمع فيه جميع الجوارح، تكتب بيدك، وتسمع بأذنيك، وترى بعينيك، وتفهم بعقلك، جميع جوارحك في طاعة الله ومحبة الله.
المَعْلَمْ السادس: التواضع للحق:
стр. 33
أن يتواضع للحق أنى قيل له، وكيف قيل له، فالحق أحق أن يُتّبع، يا طالب العلم.. إذا بلغك القول عن الله وعن رسوله ﷺ فطِب بذلك نفساً، واعلم أنه شرع الله، فاعتبره أصلاً وأساساً، طالب العلم الموفق في طلبه للعلم إذا بلغته الآية من كتاب الله أو الحديث من سنة النبي ﷺ ، خضع لله، وقال بلسان الحال والمقال: سمعنا وأطعنا، يقول الله تعالى في كتابه: ((فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)) [النساء:٦٥] ، فلا وربك: يقسم الله لنبيه، ((حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ)) ، هذا أول شيء، يحكموك فيما شجر بينهم، ((ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا)) حرجاً: نكرة، حتى تعمّ، وليس وحدها، بل ((وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)) ، ولذلك قالت أم المؤمنين عائشة ﵂ لِعَمْرَة، لَمَّا سألتها عَمْرة: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ قالت لها: أحرورية أنتِ (١) [٢٧] ) ؟! أي: هل تعترضين على السنة، كشأن الخوارج من أهل حروراء.
стр. 34
وقال سعيد بن المسيب ﵀ -لما قال له ابن عمه في حديث العاقلة في سنن النسائي- قال له: يا أبا عبد الرحمن.. ألما عظمت مصيبتها قلت: ديتها، قال سعيد ﵀: يا ابن أخي، إنها السنة (١) [٢٨] ) .
يعني إذا جاءك الحديث عن النبي ﷺ فطِب به نفساً، وارض به شرعاً وحكماً، لا تتقدم على الله ورسوله ﷺ . يقول بعض العلماء: يخشى على الإنسان الذي تبلغه الحجة من الكتاب والسنة -إذا ردّها ولو برأيه- يخشى عليه أن تصيبه الفتنة.
стр. 35
قال تعالى: ((فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)) [النور:٦٣] ، جاء رجل إلى الإمام مالك بن أنس ﵀ فقال: يا أبا عبد الله -وكان من أهل المدينة-، إني أريد أن أُهِلّ بالحج من قبر النبي ﷺ والمسجد، يعني: أريد أن أنوي الإحرام بالحج في داخل المسجد، حتى يعظم الأجر، بدلاً من أن أُأَخّر الإحرام إلى الميقات، وهو ذو الحليفة، أريد أن أحرم من مسجد النبي ﷺ ، فقال له ﵀: لا تفعل، إني أخاف عليك الفتنة، فإن الله تعالى يقول: ((فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ)) ، فاستنبط هذا الإمام الجليل: أنه لو أحرم من المسجد، لاعتقد أن فعله أفضل من هدي النبي ﷺ ، وهذا هو الفتنة، فلو كان الإحرام من مسجد النبي ﷺ ، لأحرم منه ﷺ ، فكونه يؤخر –صلوات الله وسلامه عليه- يدلّ على أن السنة التأخير، ولا خير في تعمد مخالفة السنة. وكان السلف الصالح –﵏ يقفون عند الآية من كتاب الله، والحديث عن رسول الله ﷺ .
стр. 36
هذا عمر ﵁، لما قال الرجل المقالة فآذته ﵁، وغضب منها غضباً شديداً، مع أن الرجل رد على عمر رداً غليظاً يتهمه في دينه.. في أمانته، فأراد عمر أن ينتقم، قال له الحر بن قيس: يا أمير المؤمنين.. إن الله تعالى يقول: ((خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ)) [الأعراف:١٩٩] ، وإن هذا من الجاهلين، يقول: والله ما تجاوزها، فما إن سمعها حتى سكن غضبه (١) [٢٩] ) . الله أكبر.. أمة تعرف قيمة كلام الله وكلام رسوله ﷺ ، وهذا يدل على الإيمان، ولذلك قالوا: من دلائل الإيمان: الاستسلام للكتاب والسنة، فهما طِبّ الأرواح، والله أغلق جميع السبل المفضية إلى الجنة، وأبقى سبيلاً واحداً، وهو سبيل الكتاب والسنة، فطالب العلم الصالح الموفق، إذا ناظرته في مسألة، أو ناقشته في مسألة، فقلت له: قال الله، قال الرسول ﷺ ، يقول: سمعنا وأطعنا لها، لا يجاوزها، ولا يتكلف في الجواب عنها وردها.
الفصل الثاني: معالم في آداب طالب العالم في نفسه
المَعْلَمْ الأول: في تقوى الله.
المَعْلَمْ الثاني: في الإخلاص.
المَعْلَمْ الثالث: الإقبال على العلم بكليته.
المَعْلَمْ الرابع: الصبر وتحمل المشاق في الطلب.
المَعْلَمْ الخامس: حفظ الوقت واغتنامه.
المَعْلَمْ السادس: اختيار الرفقة في الطلب.
المَعْلَمْ السابع: الوصية بالرفقة.
المَعْلَمْ الثامن: الأدب وحسن الخلق.
المَعْلَمْ التاسع: أخذ العلم عن أهله.
المَعْلَمْ العاشر: الاهتداء بالكتاب والسنة.
المَعْلَمْ الحادي عشر: العمل بالعلم.
المَعْلَمْ الأول: تقوى الله (٢) [٣٠] )
стр. 37
فإن تقوى الله ما كانت في قليل إلا كثرته، ولا في يسير إلا باركته، وصية الله للأولين والآخرين، وموعظة الله لعباده أجمعين، تقوى الله ما دخلت في قلب إلا أدمعت عينيه من خشية الله، وجعلت قلبه أسبق ما يكون إلى طاعة الله ومرضاته.
قال الإمام أبو عمر يوسف بن عبد البر القرطبي ﵀ في كتابه الجامع: (جماع الخير كله تقوى الله، وأزين الحلى للعالم: تقوى الله) ، أزين ما يتحلى به من تخلق بالعلم: أن تكون تقوى الله قد وقرت في صدره، واستقرت في فؤاده وقلبه، فعندها يكون أعفّ الناس لساناً، وأثبت الناس في طاعة الله ومرضاته، جناناً، تقوى الله ، التي ما خلت منها موعظة من مواعظ النبي ﷺ ولا كلمة من كلماته، فكم وعظ بها رسول الله ﷺ ، حتى جاءه الرجل يريد السفر، فقال له يستوصيه: (زوّدك الله التقوى) (١) [٣١] ) ، فنعمَ –والله- الزاد، فهي زاد المهاجر إلى الله، وعدة عباد الله في طاعة الله، تكف الجوارح عن حدود الله، وتدعوها إلى المسارعة والمسابقة في طاعة الله.
فطالب العلم الصادق المتقي لله أبعد الناس عن المحارم، وأعفّ الناس عن الحرام، وأنزههم عن الفواحش والآثام، يخاف الله في سمعه، يخاف الله في بصره، يخاف الله في لسانه وفرجه، في جميع حركاته وسكناته.
فما أجمل طالب علم تسربل بسربال التقوى، واستمسك من الدين بالعروة الوثقى، وكان كريم القول والعمل، جميل الخصال والخلال، إذا نظرت إليه ذكّرك الكريم المتعال.
بتقوى الله ييسر الله لك طلب العلم، فما قذف الله نور التقوى في قلب إلا يسر أمره، وشرح صدره، وأحسن عاقبته وأمره.
стр. 38
قبيحٌ على طالب العلم أن يبدأ طلب العلم وفيه خصلة من خصال الجاهلية، وعيب -والله- على طالب العلم أن يطلب العلم ولم يبلّغ نفسه فعل الأمور المرضية، والتي من أجلّها تقوى الله ربّ البرية.
يا طالب العلم.. إنك إن اتقيت الله قَبِل منك: ((إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ)) [المائدة:٢٧] .
ولما دخل عبد الله بن عمر على أبيه ﵄ في مرض موته، وقال: يا أبتِ.. ألم تكن تفعل وتفعل، وذكّره بتبشير النبي ﷺ له بالجنة، قال له عمر ﵄: يا بُني: إنما يتقبل الله من المتقين.
قال بعض العلماء:
قد آلم القلب أني جاهل مالي ... عند الإله أَراضٍ هو أم قالي
وأن ذلك مخبوءٌ إلى يوم ... اللقاء ومقفول عليه بأقفالِ
يا طالب العلم.. إنك إن اتقيت الله أحبك الله، ((بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ)) [آل عمران:٧٦] .
يا طالب العلم.. إنك إن اتقيت الله كنتَ له ولياً، ((وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ)) [الجاثية:١٩] .
يا طالب العلم.. خير خلة تتحلى بها أن ينظر الله إلى قلبك قد عُمّر بتقواه، تخاف الله في قولك، تخاف الله في عملك.
وإذا خرجتَ وأنت تحمل كتابك، ورمقتك الأبصار والأنظار، فاستشعر وأنت تحمل كتاباً من كتب الدين والملة أنك تمثل دين الله وشرع الله، فاتقِ الله واحفظ جوارحك عن كل شيء يشين العلم وأهله.
المَعْلَمْ الثاني: الإخلاص لله
وهو ثمرة من ثمرات التقوى، إنه سرّ بينك وبين الله، لا يعلمه أحد سوى الله. هذه الوصية التي رفع الله بها العلماء، فماتوا وما مات علمهم، وارتحلوا وما ارتحلت فضائلهم ومآثرهم لما علم الله إخلاصهم بقيت كتبهم كأنها كتبت بالأمس القريب، تنفذ وتطبع، وتنفذ وتطبع، بقيت علومهم تغشاهم بها الرحمات آناء الليل وأطراف النهار. إنها العبودية الصادقة لله.
стр. 39
قال بعض أهل العلم –﵏: الإخلاص هو الإسلام؛ لأن الإسلام هو الاستسلام لله وحده لا لشيء سواه، فأي طالب علم أخلص لله في طلبه، وكان يرجو الله في قوله وعمله، فهو مسلم بحق، وهو طالب علم بصدق، وكم من أقوال قليلة عظمتها النية، وكم من أقوال كثيرة محق الله بركتها وعادت وبالاً على أصحابها لما خرجت لغير الله، وأريد بها غيره، فما كان لله دام واتصل، وما كان لغيره انقطع وانفصل.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إخلاص العمل هو الدين لله، الذي لا يقبل الله ديناً سواه. وقال في موضع آخر: وهو خلاصة الدعوة النبوية، وقطب القرآن الذي تدور عليه رحاه، واستشهد بقول الله ﵎: ((تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ)) [الزمر:١-٣] . ألا لله العبودية والأقوال والأعمال الخالصة لوجهه.
إخلاص العمل لله أن يأخذ هذا النور وهو يرجو رحمة الله في كل كلمة يسمعها ويقولها ويكتبها ويفهمها، فتكون أشجانه وأحزانه لله ﷻ ، فلا يزال بهذا الإخلاص تُخط به في صحيفة عمله الحسنات، ويُستوجب له بها عند الله رفعة الدرجات، يغدو إلى مجالس العلم فينظر الله في قلبه وهو جالس مع العلماء، ومذاكرة طلاب العلم، وهو لا يريد إلا وجه الله والدار الآخرة، فلا يزال يحبه الله ويكرمه ويرفعه ويعظم أجره ويحسن العاقبة له في العلم.
فمن كمل إخلاصه لله، فإن الله يوفقه ويسدده ويرحمه، ويجعل عمله نفعاً له في دينه ودنياه وآخرته.
стр. 40
لقد كان (١) [٣٢] ) السلف الصالح يحملون همّ الإخلاص، حتى كان أبو هريرة ﵁ إذا حدث بحديث الثلاثة الذين أول من تسعر بهم النار (٢) [٣٣] ) يغشى عليه، وكان سفيان بن عيينة ﵀ يقول: (ما عالجت شيئاً أشد عليَّ من نيّتي أنها تتقلب عليَّ) (٣) [٣٤] ) .
وكان بعضهم إذا قيل له حدثنا، قال: لا.. حتى تأتي النية.
فأول ما يطلب الإنسان العلم يأتيه الزهو والغرور وحبّ المناظرة والمناقشة والبروز على الأقران وحظوظ الدنيا؛ لأنه حين رأيته يحمل كتابه بدأت تجله وتحترمه وتكبره وتخاطبه بالخطاب الذي يدل على إجلاله بعد أن كان من عوام الناس، فيعجب بذلك، فيهلك والعياذ بالله.
وإذا أراد الله بالعبد خيراً في بداية الطلب، كسر قلبه لخشيته، وبدأت تظهر أمارات الإخلاص على عمله وحركاته وسكناته، ويكون أشد ما يكون حرصاً على إخفاء عمله.
قال بعض السلف: وددتُ أن عبادتي بيني وبين الله، لا تراه عين.
الإخلاص لوجه الله أن تستحي من الله ، إذ علَّمَك وفَهَّمك وأجلسك مجالس الرحمة أن ترجو غيره، أو تلتمس رضوان أحد سواه، فاجعل تعلّمك خالصاً لله، ليس فيه لأحد سواه حظ ولا نصيب.