قلنا: هذا بناء على قاعدة الحسن والقبح، وأنه يجب على الله سبحانه شيء ونحن لا نقول بذلك ثم إن سلمنا ذلك، فلم قلتم: إنه يجب على الله أن يخطر ببال المكلف ذلك الدليل العقلي؟، وبيانه، أن الله تعالى إنما يكون ملبساً على المكلف لو أسمعه كلاماً يمتنع عقلاً أن يريد به إلا ما أشعر به ظاهره، وليس الأمر كذلك، لأن المكلف إذا سمع ذلك الظاهر فبتقدير أن يكون الأمر كذلك لم يكن مراد الله من ذلك الكلام ما أشعر به الظاهر، فعلى هذا إذا أسمع الله تعالى المكلف ذلك الكلام، فلو قطع المكلف بحمله على ظاهره مع قيام الاحتمال الذي ذكرنا كان ذلك التقدير تقصيراً واقعاً من المكلف لا من قبل الله تعالى حيث قطع لا في موضوع القطع، فثبت أنه لا يلزم من عدم إخطار الله تعالى ببال المكلف ذلك الدليل العقلي المعارض للدليل السمعي أن يكون ملبساً)) .
قال: ((فخرج مما ذكرنا أن الأدلة النقلية لا يجوز التمسك بها في باب المسائل العقلية.. نعم يجوز التمسك بها في المسائل النقلية تارة لإفادة اليقين كما في مسألة الإجماع وخبر الواحد، وتارة لإفادة الظن كما في الأحكام الشرعية)) انتهى.
стр. 247
فليتدبر المؤمن هذا الكلام وليرد أوله على آخره وآخره على أوله، ليتبين له ما ذكرنا عنهم من العزل التام للقرآن والسنة عن أن يستفاد منهما علم أو يقين في باب معرفة الله، وما يجب له، وما يمتنع عليه، وأنه لا يجوز أن يحتج بكلام الله ورسوله في شيء من هذه المسائل وأن الله تعالى يجوز عليه التلبيس والتدليس على الخلق وتوريطهم في طرق الضلال وتعريضهم لاعتقاد الباطل والمحال، وأن العباد مقصرون غاية التقصير إذا حملوا كلام الله ورسوله على حقيقته، وقطعوا بمضمون ما أخبر به حيث لم يشكوا في ذلك، إذ قد يكون في العقل ما يعارضه ويناقضه، فإن غاية ما يمكن أن يحج بكلام الله ورسوله عليه من الجزئيات ما كان مثل الإخبار بأن على قلة جبل قاف غراباً صنعته كيت وكيت، أو على مسألة الإجماع وخبر الواحد، وأن مقدمات أدلة القرآن والسنة غير معلومة ولا متيقنة الصحة، ومقدمات أدلة أرسطو صاحب المنطق والفارابي وابن سينا وإخوانهم قطعية معلومة الصحة، وأنه لا طريق لنا إلى العلم بصحة الأدلة السمعية في باب الإيمان بالله وأسمائه وصفاته البتة لتوقفها على انتفاء ما لا طريق لنا إلى العلم بانتفائه وأن الاستدلال بكلام الله ورسوله في ذلك فَضْلة لا يحتاج إليها، بل هو مستغنىً عنه إذا كان موافقاً للعقل.
فتأمل هذا البنيان الذي بنوه، والأصل الذي أصلوه، هل في قواعد الإلحاد أعظم هدماً منه لقواعد الدين، وأشد مناقضة منه لوحي رب العالمين؟! وبطلان هذا الأصل معلوم بالاضطرار من دين جميع الرسل وعند جميع أهل الملل.
الوجه الثاني والسبعون: أن الدين تصديق الرسول فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، وكل منهما نوعان: مطلق ومقيد.
стр. 248
فالمقيد مثل أن يقول: لا أصدقه إلا فيما علمت صحته بعقلي، أو فيما يخالف عقلي، أو وافقه فيه شيخي وإمامي وأصحاب مذهبي، والمقيد من طاعة الأمر أن يطيعه فيما وافق حظه وهواه، فإن جاء أمره بخلاف ذلك قدم حظه وهواه عليه، فهذا غير مطيع للرسول في الحقيقة، بل هو متبع لهواه، كما أن ذاك غير مصدق له في الحقيقة، بل إن وافق قوله عقله أو قول شيخه وإمامه ومتبوعه قبله، لا لكونه قاله، كما أن مطيعه فيما وافق هواه، إنما هو متبع لما يحبه ويهواه، فإن جاء الأمر بما يهواه فعله، وإلا لم يفعله، وهذا حال أكثر الناس، وأحسن أحوال هؤلاء أن يكونوا من الذين قال الله فيهم: (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئاً إن الله غفور رحيم) . ثم ذكر وصف أهل الإيمان فقال: (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون) . فالتصديق والطاعة لا يكون إيماناً حتى يكون مطلقاً، فإذا تقيد فأعلى أحواله –إن سلم من الشك- أن يكون إسلاماً ويكون صاحبه من عوام المسلمين لا من خواص المؤمنين.
стр. 249
الوجه الثالث والسبعون: أنه لو كان ظاهر الكتاب مخالفاً لصريح المعقول لكان في الصدور أعظم حرج منه وضيق، وهذا خلاف المشهود بالباطن لكل ذي عقل سليم، فإنه كلما كان الرجل أتم عقلاً كان الحرج بالكتاب أبعد منه، قال تعالى: لرسوله: (آلمص. كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه) والله تعالى رفع الحرج عن الصدور بكتابه، وكانت قبل إنزال الكتاب في أعظم الحرج والضيق، فلما أنزل كتابه ارتفع به عنها ذلك الحرج، وبقي الحرج والضيق على من لم يؤمن به كما قال تعالى: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً) ومن آمن به من وجه دون وجه ارتفع عنه الحرج والضيق من الوجه الذي آمن به دون ذلك الوجه، فمن أقر أنه منزل من عند الله أنزله على رسوله، ولم يقر بأنه كلامه الذي تكلم به، بل جعله مخلوقاً من جملة مخلوقاته، كان في صدره من الضيق والحرج ما يناسب ذلك، ومن أقر بأنه تكلم بشطره وهو المعاني دون شطره الآخر وهو حروفه كان في صدره من الحرج منه ما يناسب ذلك، ومن زعم أنه غير كاف في معرفة الحق، وأن العباد يحتاجون معه إلى معقولات وآراء ومقاييس وقواعد منطقية ومباحث عقلية ففي صدره منه أعظم حرج، وأعظم حرجاً منه من اعتقد أن فيه ما يناقض العقل الصريح، ويشهد العقل بخلافه. وكذلك من زعم أن آياته لا يستفاد منها علم ولا يقين ففي صدره منه من الحرج ما الله به عليم.
قلت: وبهذا الوجه ينتهي ما أردت تسطيره في هذا المبحث، وإني لأرجو أن يكون فيه إعلاءٌ من شأن النصوص الشرعية ودحر للعقل الطاغي إلى داخل حدوده الطبيعية.
стр. 250
نشر " العقلانية " في العالم الإسلامي هدف من أهداف اليهود !
لماذا؟
لأن اليهود يعلمون كثرة النصوص القرآنية والنبوية الفاضحة لهم ولمخططاتهم عبر التاريخ، الكاشفة لشخصيتهم المريضة المنحرفة، المحذرة للمسلمين منهم، المحقرة لسلوكهم.
فهذه النصوص تعطي المسلمين شحناً نفسياً ضد يهود وأدائهم المستحكم لأمتنا، وتوضح لهم الطريق الأمثل في التعامل معهم.
وحيث أن هذه النصوص هي بين أيدي المسلمين صباح مساء فلا سبيل إلى صرفهم عنها سوى بإحلال العقلانية بدلاً منها، لأن هذه العقلانية التي لا تحتكم إلى نص مقدّس يسهل تعامل يهود معها في المستقبل، حيث لا ثوابت ولا أصول. فما كان حراماً اليوم يكون حلالاً غداً بمباركة هؤلاء العقلانيين!
ومن ذلك: الموقف من يهود وأسلوب التعامل معهم، فبعدما كان (النص) الإسلامي يحشد نفوس المسلمين لمواجهة (أشد الناس عداوة للذين آمنوا) ، سيأتي العقل (المزعوم) ويتجاوز تلكم النصوص كلها مقدماً ما يراه مصلحة عليها؛ من التسامح معهم، ونبذ العداوة والبراءة تجاههم.
إضافة إلى أنهم بواسطة العقلانية يتساوون مع البشر الآخرين الذي كانوا يحتقرونهم ويزدرونهم لسوء مسلكهم.
يقول الأستاذ عبد السلام بسيوني في بحثه حول العقلانية: ((وإنني بالبحث لم يخامرني دهشٌ ولا عجب حين قرأت أن بذور الدعوة العقلانية بذور يهودية، يبرر سارتر الوجودي اليهودي نشرها في العالمين (بأن البشر ما داموا يؤمنون بالدين فسيظل يقع على اليهود تمييز مجحف، على اعتبار أنهم يهود، أما إذا زال الدين من الأرض وتعامل الناس بعقولهم، فعقل اليهودي كعقل غير اليهودي. ولن يقع عليهم التمييز المجحف)) (١) .
ويقول سارتر اليهودي - أيضاً -: ((إن اليهود متهمون بتهم ثلاث كبرى هي: عبادة الذهب، وتعرية الجسم البشري، ونشر العقلانية المضادة للإلهام الديني)) (٢) .
стр. 251
عقلانيون يتوبون قبل الموت ! :
رغم فتنة العقلانية الساحرة التي تُخيل للمرء أنه سيستطيع من خلالها الوقوف على كثير من أسرار الخلق والوجود، وأنه من الممكن بواسطتها الاستغناء عن جميع أو كثير مما جاءت به الأديان من العبادات والسلوكيات.
رغم كل هذا، وأن المتابع لهذا السراب الخادع قلّما يعود إلى فطرته ويراجع دينه ويعلم حدود عقله المخلوق، إلا أن الله بحكمته ورحمته يجتبي بين الحين والآخر بعضاً من هؤلاء العقلانيين ويقذف نور الهداية في قلوبهم من جديد بعد أن يكونوا قد أمضوا شوطاً طويلاً في اللهاث خلف سراب العقلانية الذي يكتشفونه بهداية الله لهم أنه (سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً) .
وإليك أخي القارئ مواقفَ لبعض هؤلاء العقلانيين قيدوا فيها خواطرهم عندما أراد الله لهم الهداية من جديد بعد رحلة مضنية خلف معقولاتهم.
هذه المواقف سجلها لنا السلف الصالح لنكون حذرين لا ننزلق فيما انزلق فيه الآخرون الذين ندموا على ما أضاعوه من ساعات عمرهم في تحصيل ما لا حاصل منه..
فهذا الرازي مع سبقه في باب المعقول، وفرط ذكائه يشكو حيرته وعجزه فيقول:
نهاية إقدام العقول عقال ... وغاية سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا ... وحاصل دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
فكم قد رأينا في رجال ودولة ... فبادوا جميعاً مسرعين وزالوا
وكم من جبال قد علت شرفاتها ... رجال فزالوا والجبال جبال
لقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلاً، ولا تروي غليلاً، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، أقرأ في الإثبات: (الرحمن على العرش استوى) . (إليه يصعد الكلم الطيب) .
وأقرأ في النفي (ليس كمثله شيء) . (ولا يحيطون به علماً)
ثم قال: ((ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي)) (١) .
стр. 252
وقال الشهرستاني: ((فقد أشار إليَّ من إشارته غنم، وطاعته حتم، أن أجمع له مشكلات الأصول، وأحل له ما انعقد من غوامضها على أرباب العقول لحسن ظنه بي أني وقفت على نهاية النظر، وفزت بغايات مطارح الفكر، ولعله استسمن ذا ورم،
ونفخ في غير ضرم: لعمري:
لقد طفت في تلك المعاهد كلها ... وسَيَّرت طرفي بين تلك المعالم
فلم أر إلا واضعاً كف حائر ... على ذَقَن أو قارعاً سن نادم (١)
((وقال الجويني: لقد خضت البحر الخضم وتركت أهل الإسلام وعلومهم وخضت في الذي نهوني عنه، والآن إن لم يتداركني ربي برحمته فالويل لي، وها أنذا أموت على عقيدة أميّ!
وقال الخونجي: اشهدوا عليّ أني أموت وما عرفت شيئاً إلا الممكن يفتقر إلى واجب ثم قال: والافتقار أمر عدمي، فلم أعرف شيئاً!
وقال آخر: أكثر الناس شكاً عند الموت أصحاب الكلام. وقال آخر وقد نزلت به نازلة من سلطانه فاستغاث برب الفلاسفة فلم يغث قال: ثم استغثت برب الجهمية فلم يغثني، ثم استغثت برب القدرية فلم يغثني، ثم استغثت برب المعتزلة فلم يغثني. قال: فاستغثت برب العامة فأغاثني)) (٢) .
ختاماً: أسأل الله أن يهدي ضال المسلمين إلى العودة إلى تحكيم (نصوص) الكتاب والسنة في جميع شئونه لكي ينعم ويسعد ويُفلح مع المفلحين الذين قال الله فيهم (فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى) قال ابن عباس ﵁ في تفسير هذه الآية: تضمن الله لمن قرأ القرآن واتبع ما فيه أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة (٣) .
ولا يكونوا ممن قال سبحانه فيهم (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها فكذلك اليوم تنسى)
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
كتبه/ أبو مصعب: سليمان بن صالح الخراشي
الرياض / ص ب ٥٢٢
الرمز / ١١٣٢١