ولما قال: ﷺ ((لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة)) قالت له حفصة: أليس الله يقول: (وإن منكم إلا واردها) قال: ((ألم تسمعي قوله تعالى (ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثياً)) ) فأشكل عليها الجمع بين النصين وظنت الورود دخولها كما يقال ورد المدينة إذا دخلها فأجاب النبي ﷺ بأن ورود المتقين غير ورود الظالمين فإن المتقين يردونها وروداً ينجون به من عذابها والظالمين يردونها وروداً يصيرون جثياً فيها به. فليس الورود كالورود)) (١) إلى غير ذلك من مراجعتهم لرسول الله ﷺ ((فلما كان في أواخر عصرهم حدثت الشيعة والخوارج، والقدرية والمرجئة، فبعدوا عن النور الذي كان عليه أوائل الأئمة، ومع هذا فلم يفارقوه بالكلية، بل كانوا للنصوص معظمين، وبها مستدلين، ولها على العقول والآراء مقدمين، ولم يَدَّع أحد منهم أن عنده عقليات تعارض النصوص، وإنما أتوا من سوء الفهم فيها، والاستبداد بما ظهر لهم منها، دون من قبلهم، ورأوا أنهم إن اقتفوا أثرهم كانوا مقلدين لهم فصاح بهم من أدركهم من الصحابة وكبار التابعين من كل قطر، ورموهم بالعظائم، وتبرءوا منهم، وحذروا من سبيلهم أشد التحذير، ولا يرون السلام عليهم ولا مجالستهم، وكلامهم فيهم معروف في كتب السنة، وهو أكثر من أن يذكر هاهنا، فلما كثرت الجهمية في أواخر عصر التابعين كانوا هم أول من عارض الوحي بالرأي، ومع هذا كانوا قليلين أولاً مقموعين مذمومين عند الأئمة، وأولهم شيخهم الجعد بن درهم، وإنما نفق عند الناس بعض الشيء لأنه كان معلم مروان بن محمد وشيخه ولهذا كان مروان يسمى مروان الجعدي وعلى رأسه سلب الله بني أمية الملك والخلافة وشتتهم في البلاد ومزقهم كل ممزق ببركة شيخ المعطلة النفاة، فلما اشتهر أمره في المسلمين، طلبه خالد بن عبد الله القسري، وكان أميراً على العراق، حتى ظفر به،
стр. 72
فخطب الناس في يوم الأضحى، وكان آخر ما قال في خطبته: أيها الناس، ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضحٍ بالجعد بن درهم فإنه زعم أن الله لم يكلم موسى تكليماً، ولم يتخذ إبراهيم خليلاً، تعالى الله عما يقول الجعد علواً كبيراً ثم نزل فذبحه في أصل المنبر، ...... ثم طفئت تلك البدعة فكانت كأنها حصاة رمي بها، والناس إذ ذاك عنق واحد أن الله فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه موصوف بصفات الكمال ونعوت الجلال وأنه كلم عبده ورسوله موسى تكليماً وتجلى للجبل فجعله دكاً هشيماً إلى أن جاء أول المائة الثالثة، وولي على الناس عبد الله المأمون، وكان يحب أنواع العلوم، وكان مجلسه عامراً بأنواع المتكلمين في العلوم، فغلب عليه حب المعقولات، فأمر بتعريب كتب يونان، وأقدم لها المترجمين من البلاد، فعربت له، واشتغل بها الناس، والملك سوق ما سوق فيه جلب إليه، فغلب على مجلسه جماعة من الجهمية ممن كان أبوه الرشيد قد أقصاهم وتتبعهم بالحبس والقتل فحشوا بدعة التجهم في أذنه وقلبه فقبلها، واستحسنها، ودعا الناس إليها، وعاقبهم عليها)) (١) . ومنذ ذلك الحين تميزت فرقة أهل الاعتزال بمغالاتها في العقل ومقاييسه وتقديمه على ما يظن مخالفاً له من النصوص الشرعية وعرفت بذلك بين فرق الإسلام المختلفة. والذي دعاهم إلى هذا الالتفاف حول العقل في ظني أمور كثيرة –والعلم عند الله تعالى- منها:
стр. 73
أولاً: أخذهم من تراث الأولين من فلاسفة اليونان ممّن لم ينعموا بمصاحبة وحي إلهي يقود مسيرتهم فصاروا يقضون في شؤونهم كلها بهذا العقل الذي زادوا من سلطانه وانفراده فكانت مصنفات أولئك الفلاسفة تضم المقاييس العقلية في شكل منطق يتحاكم إليه في القضايا العقلية. فتابعهم في ذلك المتكلمون والمعتزلة من أهل الإسلام وأعجبوا بصنيعهم ذلك. وكل هذا بفضل جهود الترجمة التي قام بها بعض الخلفاء فأوقعوا الأمة في هذه المصائب المتتالية من حيث ظنوا أنهم يحسنون صنعاً بها. ويشهد لذلك: أن المعتزلة لم يعلُ صيتهم وتظهر عقلانيتهم واضحة إلا في عهد الخليفة المأمون الذي مهّد السبيل للاقتباس من كتب اليونان وأعانهم عليها (١) . حتى أحدثت الفلسفة – كما يقول زهدي حسين – ((في حياتهم انقلاباً خطيراً وفي تفكيرهم ثورة عنيفة لأنهم بعد أن وقفوا على مواضيعها وتعمقوا فيها أحبوها لذاتها وتعلقوا بها فنتج عن ذلك أمران:
أنهم صاروا يعظمون الفلاسفة اليونان وينظرون إليهم نظرة أسمى وأقدس من نظرتنا إليهم اليوم ويضعونهم في مرتبة تقرب من عتبة النبوة. ثم آمنوا بأقوالهم واعتبروها كما يقول أوليري مكملة لتعاليم دينهم. وانهمكوا لذلك في إظهار الاتفاق الجوهري بينها فبدأ عمل المعتزلة الآخر المهم ألا وهو التوفيق بين الدين الإسلامي وبين الفلسفة اليونانية.. ذلك العمل الذي تركوه لمن خلفهم من الفلاسفة المسلمين كابن رشد والفارابي والكندي الذين قاموا بنصيبهم فيه وكانوا لا يقلون عنهم عناية به وتحمساً له.
стр. 74
أن المعتزلة أخذوا يبتعدون عن أهدافهم الدينية ويهملون تدريجياً عقائدهم اللاهوتية ويزدادون انصرافاً إلى المسائل الفلسفية حتى جاء وقت كادت جهودهم فيه تقتصر على البحث في مواضيع الفلسفة البحتة كالحركة والسكون والجوهر والعرض والموجود والمعدوم والجزء الذي لا يتجزأ... إن اشتغال المعتزلة بالتوفيق بين الدين والفلسفة وشغفهم بالأبحاث الفلسفية وتعمقهم فيها جعلهم يتأثرون بالفلسفة كثيراً ويصبغون بها معظم أقوالهم. ولهذا قال شتينز: إن الاعتزال في تطوراته الأخيرة كان أكثره متأثراً بالفلسفة اليونانية)) (١) . فإن قيل بأنهم قد سبقوا هذه الترجمة. فنقول إن ترجمة تراث الأقدمين ليست مقصورة على الخليفة المأمون ولكنه هو الذي تولى كِبْرها. فقد بدأت الترجمة كما يُذكر في عهد الخليفة المنصور الذي أوعز إلى ابن المقفع بترجمة بعض كتب المنطق ككتاب (المقولات) ((وبعد مضي عصر المنصور أتى عصر المهدي وانتهى ومر عصر الهادي بعد عصر المهدي دون أن تُؤثر عنهما أو عن واحد من الأشخاص البارزة في وقتهما شيء يتعلق بالترجمة في عمومها فضلاً عن ترجمة الفلسفة بمعناها الخاص)) (٢) . أما الرشيد فقد أمر بإعادة ترجمة الكتب التي سبقت ترجمتها في العهود التي قبله أكثر من تشجيعه على ترجمة كتب جديدة. ثم جاء عصر المأمون وهو العصر الذهبي للترجمة كما يقال.
стр. 75
قال ابن صاعد في طبقات الأمم ((لما أفضت الخلافة إلى المأمون تمم ما بدأ به جده المنصور فأقبل على طلب العلم من مواطنه واستخراجه من معادنه بفضل همته الشريفة! وقوة نفسه الفاضلة! فداخل ملوك الروم وأتحفهم وسألهم صلته بما لديهم من كتب الفلاسفة فبعثوا إليه بما حضرهم من كتب أفلاطون وأرسطو وبقراط ... وغيرهم من الفلاسفة فاختار لها مهرة التراجمة وكلفهم إحكام ترجمتها فترجمت له على غاية ما يمكن ثم حض الناس على قراءتها ورغبهم في تعليمها)) (١) .
قلت: والذي دعاه إلى هذه الهمة في الترجمة تشربه بمبدأ الاعتزال القائم على العقل ومقاييسه واستصغاره لنصوص الوحي – لا سيما الحديث – أن تفي بحاجات الأمة. إضافة إلى جلساء السوء من رموز الاعتزال وما يُذكر عنه من حبه للاطلاع والاستزادة من ثقافات الآخرين.
وأما اقتباس المعتزلة من تراث الديانة اليهودية والمسيحية فليس هذا مكانه لأن الحديث عن العقل والعقلانية التي تميزت بها الثقافة اليونانية دون غيرها فلهذا قصرت القول على كيفية استفادتهم منها.
ثانياً: ومما جعلهم ينحون هذا الاتجاه العقلاني هو ضعفهم في مجال الرواية وجهلهم لعلم الحديث النبوي واقتصارهم على آيات القرآن وبعض الأحاديث التي رأوا أنها تؤيد أقوالهم. فهذا الضعف في علم الحديث قد ألجأهم إلى المعقولات ليعوضوا بها ما عندهم من نقص ويسدوا به ثغرات مذهبهم. وهذا مصداق ما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ قال ((إن أصحاب الرأي أعداء السنة أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها وتفلتت منهم فلم يعوها واستحيوا حين سئلوا أن يقولوا لا علم لنا فعارضوا السنة برأيهم إياك وإياهم)) (٢) .
стр. 76
ومما صد كثيراً منهم عن طلب الحديث والسعي وراء حلقاته ما رأوه من كثرة الوضع وانتشار الأحاديث الضعيفة بين رواة الحديث واختلاطها بالصحيح منه وكان من تلك الأحاديث ما يعارض المعقول فظنوا لجهلهم أن لا ضابط يفرق بين الصحيح والسقيم منها. وإن زعم ذلك أهل الحديث. فرأوا أن الرأي الصائب أن يدعوا صحيحها وسقيمها وأن يقتصروا على ما يوافق بدعهم وآراءهم منها. ولا يخفى على دارس أن الأحاديث قد دُسَّ في جملتها –لأغراض شتى- الموضوعات والمكذوبات على رسول الله ﷺ حتى راجت على بعض العلماء فاحتجوا بها لا في الفقه وحده بل في أمور العقيدة. خاصة مسائل الصفات ولذا أنكر بعض المحققين كابن قدامة تلك الأحاديث الضعيفة والموضوعة وروايتها ضمن عقائد السلف.
قال ابن قدامة (ينبغي أن يُعلم أن الأخبار الصحيحة التي ثبتت بها صفات الله تعالى هي الأخبار الصحيحة الثابتة بنقل العدول الثقات التي قبلها السلف ونقلوها ولم ينكروها ولا تكلموا فيها. وأما الأحاديث الموضوعة التي وضعتها الزنادقة ليلبسوا بها على أهل الإسلام أو الأحاديث الضعيفة إما لضعف رواتها أو جهالتهم أو لعلةٍ فيها فلا يجوز أن يقال بها ولا اعتقاد ما فيها بل وجودها كعدمها. وما وضعته الزنادقة فهو كقولهم الذي أضافوه إلى أنفسهم فمن كان من أهل المعرفة بذلك وجب عليه اتباع الصحيح واطراح ما سواه ومن كان عامياً ففرضه تقليد العلماء وسؤالهم لقول الله تعالى (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) وإن أشكل عليه علم ذلك ولم يجد من يسأله فليقف وليقل: آمنت بما قاله رسول الله ﷺ ولا يثبت بها شيئاً، فإن كان هذا مما قاله رسول الله ﷺ فقد آمن به وإن لم يكن منه فما آمن به)) (١) .
стр. 77
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية منكراً على أبي يعلى روايته لبعض تلك الأحاديث الضعيفة في الصفات ((والمقصود هنا أن ما لم يكن ثابتاً عن الرسول لا نحتاج أن ندخله في هذا الباب سواء احتيج إلى تأويل أو لم يحتج)) (١) .
لكن لا يعني رواج تلك الأحاديث على قلة من العلماء –غير المحدّثين- اجتهدوا في إدخالها ضمن عقائد السلف أن ندع الحديث جملة ونفر منه إلى غيره. فهل هذا إلا تولية للأدبار عن الدين كله؟ بل كان الأولى بهؤلاء أن يجتهدوا في معرفة الأحاديث الصحيحة التي لا تعارض المعقول أبداً ويميزوا بينها وبين ضعيف الحديث كما فعل جهابذة الحديث ونقاده الذي اصطفاهم الله لذلك.
واعلم أن هذا الاختلاط في الأحاديث كان لِحكَم لا يحصيها إلا الله سبحانه: منها أن يظل كلامه تعالى متميزاً عن غيره من كلام البشر ولو كان كلام رسول الله ﷺ ، ومنها أن تكون فتنة للجهلة وأصحاب القلوب المريضة وامتحاناً يميز الله فيه الخبيث من الطيب، ومنها أن تظهر براعة علماء الحديث. ومنها أن يأجرهم الله تعالى على صبرهم واجتهادهم في تمييز الأحاديث، ومنها أن يتنافس العلماء في الصالحات، ومنها أن تكثر العلوم الإسلامية وتتنوع وينتشر لأجل ذلك طلب العلم والسعي فيه، ومنها أن يظهر فضل هذه الأمة في حفظ دين نبيها وأقواله والحرص على جمعها وتهذيبها بخلاف غيرها من الأمم ممن حرف وبدل، ومنها أن يغتاظ الشيطان وحزبه إذا رأوا هذا الجد من الأمة في حفظ سنة نبيها ﷺ ، وحكم أخرى غيرها.
стр. 78
ثم اعلم أنه برغم هذا الاختلاط الظاهر في الأحاديث فإن سنة النبي ﷺ تظل محفوظة من قبل الله لا يشك مسلم في ذلك لأنه تعالى تكفل بحفظها في قوله: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) وقوله: (وأنزلنا إليك الكتاب لتبين للناس ما نزل إليهم من ربهم) وقوله: (أطيعوا الرسول) فإذا اعتُقِد أن بعضاً من تلك الأحاديث قد فقدت أو اختلطت بغيرها حتى لم تعد تعرف فكيف يطاع الرسول ﷺ الذي أمر به تعالى؟ وكيف يُرَدُّ إلى حُكمه عند الاختلاف؟ فهل هذا إلا تكليف ما لا يطاق؟ وهل هذا إلا إيذانٌ بعدم كمال الدين واستمراره إلى يوم القيامة؟
وأيضاً فهذه الأحاديث ((ما اختلطت إلا على الجاهلين بها فأما العلماء بها فإنهم ينتقدونها انتقاد الجهابذة الدراهم والدنانير فيميزون زيوفها ويأخذون جيادها ولئن دخل في غمار الرواة من وسم بالغلط في الأحاديث فلا يروج ذلك على جهابذة أصحاب الحديث ورتوت (١) العلماء حتى إنهم عدو أغاليط من غلط في الأسانيد والمتون بل تراهم يعدون على كل رجل منهم في كم حديث غلط وفي كم حرف حرّف وماذا صحف؟ فإذا لم يرج عليهم أغاليط الرواة في الأسانيد والمتون والحروف فكيف يروج وضع الزنادقة وتوليدهم الأحاديث)) (٢) .
ثالثاً: مما صرفهم عن المأثورات إلى تلك المعقولات هو حب التمايز على الآخرين وشهوة الانفراد بشيء غير معروف عند عامة الناس ليذكروا به ولا يكونوا كغيرهم من جملة أهل الحديث. وهذا السبب لم يزل في الناس قديماً وحديثاً فلو تدبرت حال كثير من أهل البدع لوجدت النشأة الأولى لهم هذه الشهوة الخفية.
стр. 79
قال الإمام أبو القاسم الأصبهاني واصفاً حال هؤلاء العقلانيين ((إني تدبرت هذا الشأن فوجدت عظم السبب فيه أن الشيطان صار بلطيف حيلته يسوّل لكل من أحس من نفسه بفضل ذكاء وذهن، يوهمه أنه إن رضي في علمه ومذهبه بظاهر السنّة، واقتصر على واضح بيان منها كان أسوة العامة، وعدّ واحداً من الجمهور والكافة، فحرّكهم بذلك على التنطع في النظر، والتبدع بمخالفة السنّة والأثر، ليبينوا بذلك عن طبقة الدهماء، ويتميزوا في الرتبة عمّن يرونه دونهم في الفهم والذكاء، واختدعهم بهذه المقدمة حتى استزلهم عن واضح المحجة، وأورطهم في شبهات تعلقوا بزخارفها، وتاهوا في حقائقها، ولم يخلصوا منها إلى شفاء نفس، ولا قبلوها بيقين علم، ولما رأوا كتاب الله تعالى ينطق بخلاف ما انتحلوه، ويشهد عليهم بباطل ما اعتقدوه، ضربوا بعض آياته ببعض وتأولوها على ما سنح لهم في عقولهم، واستوى عندهم على ما وضعوه من أصولهم، ونصبوا العداوة لأخبار رسول الله ﷺ ولسننه المأثورة عنه، وردّوها على وجوهها وأساءوا في نقلتها القالة، ووجهوا عليهم الظنون، ورموهم بالتزيد، ونسبوهم إلى ضعف المنّة، وسوء المعرفة بمعاني ما يروونه من الحديث، والجهل بتأويله، ولو سلكوا سبيل القصد ووقفوا عندما انتهى بهم التوقيف، لوجدوا برد اليقين وروح القلوب، ولكثرت البركة وتضاعف النماء، وانشرحت الصدور، ولأضاءت فيها مصابيح النور، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم)) (١) .
هذه الأسباب الثلاثة: تأثرهم بالعلم الوافد وضعفهم في علم الحديث وشهوة التفاضل على الغير. هي في نظري أهم الأسباب التي أدارت وجوه القوم إلى العقل والعقلانية وألجأتهم إليها.
стр. 80
إذن ... هذا هو حال العقلانيين الأوائل في هذه الأمة. فرقة سادت قليلاً ثم بادت. قال الدكتور مصطفى الشكعة ((أما المعتزلة فقد اندثر حزبهم كمذهب قائم بذاته فلم نعد في عصرنا الحديث نسمع عن الواصلية أو الهذيلية أو النظامية أو الجاحظية أو البشرية أوا لجبائية إلى غير ذلك من المدارس الاعتزالية الفرعية. وإنما ذاب المذهب في تعاليم الشيعة الإمامية والشيعة الزيدية بحيث أخذ المذهبان أطيب ما عند المعتزلة من أفكار! واطرحا ما قد توسط فيه علماء الاعتزال من تطرف واندفاع)) (١) .
قلت: ولكن بقيت من أصولها الفكرية الأصل الذي يغالي في دور العقل في أمور الشريعة وأصبح مناراً يهدي العقلانيين إلى سبيل الرشاد! ويدفعهم عن طريق الفساد!.
ثم جاء بعد المعتزلة آحاد الفلاسفة الإسلاميين المفترقين مكاناً وزماناً فزادوا في الميل إلى تلك المعقولات فكانت هي رأس مالهم. ولقد كانوا كما قال أحمد أمين ((فلاسفة أولاً ودينيين آخراً. لا ينظرون إلى الدين إلا عند ما تتعارض نظرية فلسفية مع الدين فيجدوا للتوفيق بينهما)) (٢) . فلذا لم يؤثروا في حياة المسلمين كتأثير المعتزلة الذي خلطوا الدين بالكلام وموًّهواً على المسلمين بنصرة دينهم. وإنما اندثرت أفكارهم النظرية بموتهم فلم تبن مجتمعاً ولم تُقم على سلطة ولكنهم تلازموا وإياهم في تعظيم (العقل) لأنه كما قلت بضاعتهم الوحيدة، فهذا الرازي يتحدث كثيراً عن العقل في كتبه. ويأتي بعده ابن سيناء فيغلو في العقل إلى أن أطلقه على الله ﵎. وأقربهم مودة إلى العقلانيين فيلسوف المغرب ابن رشد.
стр. 81
إذن بعد موت المعتزلة لم تقم فرقة واحدة تدعو إلى إعلاء العقل على حساب غيره وإنما لم تخل الأمة من أفراد يرفعون أصواتهم بين الحين والآخر مطالبين بتلك الفكرة لأسباب متنوعة. ويحضرني منهم فيلسوف المعرة – كما يُسَمّى- الشاعر أبا العلاء المعري. وهو من ملاحدة الشعراء في كثرة اعتراضه على الشرع بل على الديانات كلها. وتمجيده للعقل والإيمان الإلهي المجرد يقول عنه طه حسين ((لا يؤمن إلا للعقل وحده فخالف بهذا أهل السنة لأنهم يقدسون الشرع على العقل وإن آمنوا به وخالف مذهب المعتزلة لأنهم على تقديسهم للعقل يتخذون الشرع لنظرهم أصلاً ودليلاً يعتزون به ويلجئون إليه)) (١) . ويقول الدكتور عمر فروخ ((يعتقد المعري أن من اتسع عقله لم يضل هذا إذا كان له عقل! أما إذا لم يكن له عقل فهو يعمل أعماله بالتقاليد أو يساق إليها كالعجماوات. ولم يكتف المعري بأن يحكم العقل في الأمور التي جرت العادة بتحكيمه فيها بل أراد أن يكون العقل والفكر في أكثر الأغراض التي تناولها المعري في لزومياته حتى في العبادات وهو في كل ذلك يزدري شيئين ازدراءً شديداً التقليد والأخبار المروية. ولذلك تراه يتلقى كل خبر مروي أو كل عادة شائعة بميزان العقل)) (٢) .
قلت: وهذا مصدق لما نبهتك عليه سابقاً من أن انتشار الأحاديث الضعيفة والموضوعة كان صارفاً لبعض الجهلة في الحديث – كالمعري مثلاً – إلى إعظام دور العقل. فهو يقول ناصحاً للأمة:
خذوا في سبيل العقل تهدوا بهديه ... ولا يرجون غير المهيمن راج
ولا تطفئوا نور المليك فإنه ... ممتع كل من حجا بسراج (٣)
ويقف متحيراً أمام بعض الأحاديث الضعيفة التي تخالف العقل فيقول:
جاءت أحاديث إن صحت فإن لها ... شأناً ولكن فيها ضعف إسناد
стр. 82
فشاور العقل واترك غيره هدراً ... فالعقل خير مشير ضمه النادي (١)
أي لا تتعب نفسك بدراسة علم الحديث ومصطلحه وإنما انبذ ذلك كله وشاور عقلك!.
ويقول:
عليك العقل وافعل ما رآه ... جميلاً فهو مشتار الشوار (٢)
وهو الإمام والقائد للإنسان
كذب الظن لا إمام سوى ... العقل مقيماً في صبحه والمساء (٣)
ويبلغ الغلو في تمجيد العقل عند هذا الملحد إلى أن ينزله منازل الأنبياء! كما صنع المعتزلة بالنصوص فهو يقول:
أيها الغِر إن خُصصت بعقل ... فاسألنه فكل عقل نبي! (٤)
لم يكن أبو العلاء معتزلياً ... كما ذكر طه حسين، فهو عندما أشاد بالعقل وقدسه قد ذم المعتزلة في شعره كثيراً وأعلن البراءة من مقولاتهم. خاصة قولهم بالقدر فهو يقول:
جنوا كبائر آثام وقد زعموا ... أن الصغائر تجني الخلد في النار (٥)
وينصح سامعه بأن لا يكون منهم:
لا تعش مجبراً ولا قدرياً ... واجتهد في توسطٍ بين بينا (٦)
ويخبر عن نفسه أنه بمعزل عنهم:
ارجوا واعتزلوا فإني ... عن مقالتكم بمعزل (٧)
أي كونوا مرجئة أو معتزلة فلست معكم.
стр. 83
يقول الدكتور عمر فروخ ((قد يعجب أحدنا فيقول إن المعري يهاجم المعتزلة مع أنهم يفضلون العقل على النقل كما يفعل هو. أجل إنه ليس معتزلياً وإن كان يرى رأي المعتزلة في تفضيل العقل على ما روي في الدين من أخبار وإنما هو يهاجم من المعتزلة أولئك الذين يضيعون أوقاتهم وأوقات غيرهم بالجدل العقيم لا الذين يحلون العقل مرتبة سامية)) (١) . فهو يلتقي معهم في العقلانية دون أصولهم الأخرى. ودعاه إلى ذلك ما دعاهم – كما سبق – فإن النفوس والأهواء واحدة.
ثم تمضي الأيام وتتعاقب الليالي فيظهر في هذه الأمة عقلاني آخر اشتهر بشعره الفلسفي كالمعري. هو الشاعر العراقي جميل الزهاوي الذي كان أبوه مفتياً لبغداد! ومن نسل خالد بن الوليد! وهذا الشاعر قد اشتهر عند الجمهور إضافة إلى عقلانيته بعداوته الشديدة للحجاب الإسلامي فهو صاحب القصيدة المشهورة.
مزقي يا ابنة العراق الحجابا ... واسفري فالحياة تبغي انقلاباً
مزقيه واحرقيه بلا ريث ... فقد كان حارساً كذاباً
مزقيه وبعد ذلك أيضاً ... مزقيه حتى يكون هباباً
وانزعيه بقوة وطئيه ... واجعلي في فم الحنيق تراباً
وهي قصيدة طويلة وجريئة يستحق لأجلها على كل بيت من أبياتها أن يستتاب أو يعزر.
هذا في الحجاب (٢) .... وأما العقل فقد عرف هذا الملحد بمحاكاته لسلفه المعري في التعويل على العقل وتقديمه على النصوص الشرعية. وإليك شيئاً من أشعاره:
стр. 84
على العقل في كل الأمور المعول ... ولولاه لم ينحل للمرء مشكل
وما العقل في الإنسان إلا ابن رأيه ... تولد فيه آخر وهو أول
وللعقل أنوار بها يهتدي الفتى ... وأبهج بأنوار لها العقل يرسل (١)
ويقول:
خضعت لعقلي في حياتي كلها ... وما كنت يوماً خاضعاً لعواطفي (٢)
وأيضاً:
دع المحال وكلم ... بلهجة المستدل
ما كنت أقبل إلا ... ما ليس يأباه عقلي (٣)
وأيضاً:
قالوا اترك العقل لا تعمل به ... حتى يؤيد حكمه المنقول
قلت اترك المنقول لا تعمل به ... حتى يؤيد حكمه المعقول (٤)
المدرسة العقلية الحديثة:
وفي عصر الزهاوي بدأت تتكامل ملامح مدرسة التجديد الديني التي غرس بذرها جمال الدين الأفغاني وتلاميذه في مصر. وهي المدرسة الوحيدة التي استطاعت مع بعض الاختلافات الطفيفة أن تشكل تياراً عقلانياً كتيار المعتزلة، فهو القاسم المشترك بين أعضائها وإن اختلفت وجهات كل واحد منهم في الأصول الدينية الأخرى.
والحديث عن هذه المدرسة العقلانية الحديثة –أعني مدرسة الأفغاني ومحمد عبده وتلاميذهما- مما يطول مداه وتكثر كلماته، حيث أن هذه المدرسة بحق قد خرَّجت كثيراً من العقلانيين المعاصرين الذي تتلمذوا على شيوخها مباشرة، أو عن طريق تراثهم، فأصبحوا يشكلون تياراً ضخماً في فترة من الفترات، فكان لهم رجالهم في السياسة وفي المجتمع وفي علوم الشريعة.. وهكذا في خليط عجيب لا يجمعهم سوى الالتقاء على مبادئ هذه العقلانية الجديدة التي زاحمت النصوص الشرعية وردت أو تأولت كثيراً منها بدعوى معارضتها للعقل أو للحضارة المادية المعاصرة.
فكان منهم: سعد زغلول وقاسم أمين وعبد العزيز جاويش وأحمد أمين ومحمود شلتوت..... الخ.
ثم تبع آثارهم من بعدهم كالغزالي والقرضاوي ومحمد عمارة وحسين أحمد أمين.
стр. 85
ثم من بعدهم كفهمي هويدي .... وهكذا في سلسلة يطول الحديث عنها. وفي ظني أن هذه المدرسة لم تحظ إلى الآن بدراسة شاملة عن أفكارها وأفرادها المنتمين إليها.. إنما هي أشتات دراسات (١) .
فلعل نابتها يقوم بهذه المهمة المفيدة (لتستبين سبيل) هذه المدرسة الغامضة التي احتفى بها الغرب كثيراً.
بعد هذه المدرسة القريبة العهد بنا، أصبحنا نسمع ونرى بين الحين والآخر رجالاً قد طالتهم أيدي هذا التيار فتمذهبوا بمذهبه في الرفع من شأن العقل والعقلانية على تفاوت في جرعات العقل فيما بينهم. فاسمع لأحدهم يقول ((أكاد واقطع بأننا لو سرنا في طريق التقليد مئات السنوات وانحرفنا عن نهر العقل فلن نستطيع التقدم خطوة واحدة في سبيل إرساء دعائم فلسفتنا العربية وكشف ما فيها من مواطن القوة والضعف)) (٢) . ويعني بالتقليد... اتباع النصوص الشرعية! لا التقليد المتعارف عليه عند الفقهاء وأهل الأصول. لأنه جاهل لا شك بذلك!.
لا تثريب على فلاسفة اليونان وفلاسفة الغرب أن يقدسوا عقولهم ويرجعوا إليها في كل شاردة وواردة من أمور الغيب ونظم الحياة لأنهم قد ضلوا وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل. فقد حرموا نعمة الوحي الإلهي الذي يكشف للإنسان عن تلك العوالم المجهولة التي تخفى عليه ولا تطولها حواسه ولا عقله مهما عَظُم أو كبر وتكشف له قبل ذلك عن صفات الإله المعبود وذاته المقدسة وتريحه من عناء البحث المضني في ذلك والذي لن يأتِ بأي نتيجة لهذا الإنسان تكشف له عن أشياء كثيرة غائبة بل وحاضرة ولكن تخفى حكمتها عليه.
стр. 86
لا تثريب على فلاسفة اليونان والغرب! الذين ضلوا مع قوة عقولهم وذكائهم، ولكن كما قال الإمام الذهبي ((لعن الله الذكاء بلا إيمان ورضي الله عن البلادة مع التقوى)) (١) .
ولكن اللوم والأسى على من أنار الله بصيرته بالإسلام وشرح صدره بالقرآن من فلاسفتنا ومتكلمينا فنبذ كل ذلك وراء ظهره وآثر الضلال بعد الهدى والعمى بعد البصيرة جانحاً إلى فلاسفة اليونان الوثنيين وعقولهم يزاحم بها نصوص الكتاب والسنة.
قال الحافظ ابن حجر ((قد توسع من تأخر عن القرون الثلاثة الفاضلة في غالب الأمور التي أنكرها أئمة التابعين وأتباعهم ولم يقتنعوا بذلك حتى مزجوا مسائل الديانة بكلام اليونان وجعلوا كلام الفلاسفة أصلاً يردون إليه ما خالفه من الآثار بالتأويل ولو كان مستكرهاً ثم لم يكتفوا بذلك حتى زعموا أن الذي رتبوه هو أشرف العلوم وأولاها بالتحصيل وأن من لم يستعمل ما اصطلحوا عليه فهو عامي جاهل، فالسعيد من تمسك بما كان عليه السلف واجتنب ما أحدثه الخلف)) (٢) .
الرد على العقلانيين:
بعد هذا الطواف مع العقل وتعريفه ومكانه وموقف المعظِّمين له، يأتي دور الرد على أصولهم العقلية التي فُتنوا بها طويلاً وظنوها يقينيات لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها! وثق كثيراً أن هذه الأصول التي وضع معظمها أسلاف هؤلاء العقلانيين الذين نراهم في كل عصر وآن هي المتكأ الوحيد لكل عقلاني جاء بعد أولئك القوم، مصداقاً لمن قال: لكل قومٍ وارث.
ولعل من تدبر كتابات القوم ومقالاتهم يضيف على هذه الأوجه التي سأذكرها ما يُكملها ويجعلها على هذه الأوجه التي سأذكرها ما يُكملها ويجعلها تحيط بجميع شبهاتهم. فأقول مستعيناً بالله-:
стр. 87
الوجه الأول: أن يقال أن حجتكم وعمدتكم الأولى في تقديم العقل على النقل أن النقل لم يثبت إلا بالعقل وبعبارة أحدهم: ((فالعقل هو أول الأدلة وليس ذلك فقط بل هو أصلها الذي به يعرف صدقها وبواسطته يكتسب الكتاب والسنة والإجماع قيمة الدليل وحجيته. لأن حجية القرآن متوقفة على حجية الرسالة وهما متوقفتان على التصديق بالألوهية لأنها مصدرها فوجب أن يكون لإثبات الألوهية طريق سابق عليهما وهذا الطريق هو برهان العقل!)) (١) .
وهذه حجة ضعيفة بل مضطربة شرحها أنه إذا كان الإله يُسْتدل على وجوده وإدراكه بالأدلة العقلية، فإذا ثبت وجوده بها التزمنا ما بعده وهو ثبوت الكتاب والسنة لأن الإله سبحانه أصلها وقد ثبت وجوده بالعقل فيلزم تقديم العقل على النقل.
وهذه الحجة لا تقال إلا لكافر! لا تقال لمؤمن قد ثبت يقينه بوجود الله وبصفاته وأسمائه أو كما قال ابن القيم ((إن الرجل إما أن يكون مقراً بالرسل أو جاحداً لرسالتهم، فإن كان منكراً فالكلام معه في تثبيت النبوة، فلا وجه للكلام معه في تعارض العقل والنقل فإن تعارضهما فرع الإقرار بصحة كل واحد منهما لو تجرد عن المعارض، فمن لم يقر بالدليل العقلي لم يخاطب في تعارض الدليل العقلي والشرعي وكذلك من لم يقر بالدليل الشرعي لم يخاطب في هذا التعارض، فمن لم يقر بالأنبياء لم يستفد من خبرهم دليلاً شرعياً فهذا يتكلم معه في إثبات النبوات أولاً. وإن كان مقراً بالرسالة فالكلام معه في مقامات:
أحدها: صدق الرسول فيما أخبر به.
الثاني: وهو هل يقر بأنه أخبر بهذا أو لا يقر به؟
الثالث: وهو أنه هل أراد ما دل عليه كلامه ولفظه أو أراد خلافه؟
الرابع: وهو أن هذا المراد حق في نفسه أم باطل؟
стр. 88
الخامس: وهو أنه هل كان يمكنه التعبير والإفصاح عن الحق أو لم يكن ذلك ممكنا له؟)) (١) . ثم وهو الأهم إذا ثبت وجود الإله بالعقل وأدلته فيجب أن يقف العقل إلى هذه النقطة ولا يتجاوزها إلى غيرها فهو قائد أمين إلى إثبات وجود الله ودالّ عليه ثم يعود إلى مستقره الطبيعي الذي خلقه الله لأجله ولا يستلزم من إثباته لوجود الله تعالى أن يتجاوز به مقداره فيصبح سلطاناً على الكتاب والسنة، فما دمت أيها العقل قد أوصلتنا إلى معبودنا الذي أرسل إلينا الرسل بوحيه وأمرهم بتبيين ذلك للناس فالتزم ما أمرا به ونهيا عنه ولا تتقدم عليهما.
قال ابن القيم ((قال بعض أهل الإيمان: يكفيك من العقل أن يعرفك صدق الرسول ومعاني كلامه ثم يخلي بينك وبينه. وقال آخر: العقل سلطان وَلَّي الرسول ثم عزل نفسه)) (٢) .
стр. 89
الوجه الثاني: أن يقال إن العقل الإنساني برغم تعظيمكم من شأنه محدود وضعيف لمن تأمل في طاقاته وخبرها؛ لأنه مقيد بحواس الإنسان وتابع لها في أحكامه ويمكن أن يقع في الخطأ والخلل، وكما قال ابن القيم ((لا ريب أن البصر يعرض له الغلط ورؤية بعض الأشياء بخلاف ما هي عليه ويتخيل ما لا وجود له في الخارج فإذا حكم عليه العقل تبين غلطه)) (١) . ثم هو أيضاً مرتبط في أحكامه بحالات الإنسان النفسية والاجتماعية، يقول ألكسيس كارليل ((من الواضح أن النشاط العقلي يتوقف على وجوه النشاط الفسيولوجي فقد لوحظ أن التعديلات العضوية تتصل بتعاقب حالات الشعور وعلى العكس من ذلك فإن حالات وظيفية معينة للأعضاء هي التي تقرر الظواهر السيكولوجية ويعدل الكل المكون من الجسم والشعور بالعوامل العضوية والعقلية أيضاً، فالعقل والجسم يشتركان معاً في الإنسان مثلما يشترك الشكل والرخام في التمثال فالإنسان لا يستطيع أن يغير شكل التمثال دون أن يحطم الرخام)) (٢) .
قلت: وفي نهي النبي ﷺ للقاضي أن يحكم وهو غضبان خير دليل على تأثر العقل بالحالات النفسية للإنسان فهو في تلك الحالة سيقضي بما يجانب الصواب مما يؤكد قصور العقل عن أداء مهمته في مطلق الأحوال وقد اعترف بقصور العقل ومحدوديته كثير من علماء المسلمين وغير المسلمين وأنا ذاكر لك شيئاً من أقوالهم بادئاً بالغربيين منهم لأنهم عمدة عند العقلانيين! .
١-قال الفيلسوف كانت ((يجب على العقل أن يقف في تصوره عند حد التجربة الحسية إذ لا يمكن لأفكارنا أن تمتد إلى كنه الأشياء ولبابها إلى الأشياء في أنفسها. فإذا ما حاولنا أن نعرفها بنفس الوسائل التي تعرف بها الظواهر –أي الزمان والمكان والسببية وغيرها– تورطنا في التناقض والخطأ)) (٣) .
стр. 90
٢-قال الفيلسوف الإنجليزي جون لوك ((إن كل فكرة توجد في العقل إنما يكون أساسها راجعاً إلى الحواس ومن تعطلت حواسه جميعاً أو إحداهما فلا يمكن أن تتكون في ذهنه أية فكرة عن محسوسها وبذلك فلن يكون هناك شيء في عقل الإنسان ما لم يكن من قبل في حواسه إذ أن العقل عبارة عن صفحة بيضاء ليس عليها أي انطباع أو أي شيء سابق على خبرة الحواس)) (١) .
٣-قال أحمد أمين عن الفيلسوف برجسون ((هاجم العقل وأرادنا أن نأخذ بحكم البصيرة لأنها أصدق نظراً)) ((لقد كان جميلاً من برجسون أن يصرخ هذه الصرخة العالية ليقف تطرف المذهب العقلي الذي يعتد بالعقل اعتداداً كبيراً ولكنه لم يصب حين دعا إلى اتخاذ البصيرة وحدها بدل العقل لأن ذلك كمن يصحح خيال الصبا بخرافات الطفولة)) (٢) .
قلت: وما دعاه إلى مهاجمة العقل إلا لأنه رأى ضعفه وقصوره عن إدراك جميع الحقائق.
٤-يقول الأستاذ الباقوي ((إن العقل مهما بلغ من القوة والذكاء ليس إلا حاسة من الحواس التي تربطنا بعالمنا المحدود، فكما يكون للعين مدى تنتهي عنده مقدرتها على الإبصار فلا تدرك ما وراء هذا المدى من مرئيات إلا أشباحاً باهتة وصوراً شائهة لا تغني من الحق شيئاً.. وكذلك الشأن في كل حاسة من حواسنا
стр. 91
لكل مجال تعمل فيه، وتؤدي وظيفتها كاملة في حدوده، فإذا أريد بها الخروج عن هذا المجال ضلت وأضلت. وكذلك شأن العقل وهو حاسة الإدراك له مجاله المحدود الذي يعمل فيه ويدرك حقائق الأشياء في محيطه، فإن أبى إلا أن يركب متن الشطط ويستوي على ظهر الغرور، انزلق إلى ظلمات الضلال وتقطعت به إلى الحقيقة الأسباب.
ولسنا نريد بهذا أن نمسك العقل عن التفكير والبحث في التعرف إلى الله، فهو الطريق الطبيعي إليه، وإنما نريد أن ينهج العقل نهجاً قاصداً في البحث عن الله فلا يندفع وراء الخيالات والفروض، ولا يشتط في التطلع إلى ما فوق طاقته، وليعترف بقصوره عن إدراك الحقيقة وعجزه عن تناولها، وليرجع إلى القلب يطلب عنده الاطمئنان والسكينة)) (١) .
٥-يقول الشيخ سيد سابق ((إن العقل البشري مهما كان مبلغه من الذكاء وقوة الإدراك قاصر غاية القصور وعاجز غاية العجز عن معرفة حقائق الأشياء. فهو عاجز عن معرفة النفس الإنسانية ومعرفة النفس لا تزال من أعقد مسائل العلم والفلسفة. وهو عاجز عن معرفة حقيقة الضوء، والضوء من أظهر الأشياء وأوضحها. وعاجز عن معرفة حقيقة المادة، وحقيقة الذرات التي تتألف منها، والمادة ألصق شيء بالإنسان.
ولا يزال العلم يقف عاجزاً أمام كثير من حقائق الكون والطبيعة، لا يستطيع أن يقول فيها الكلمة الأخيرة.
стр. 92
قال العلامة الفلكي المشهور (كاميل فلامَرْيون) في كتابه (القوى الطبيعية المجهولة) : ((نرانا نفكر، ولكن ما هو الفكر؟ لا يستطيع أحد أن يجيب على هذا السؤال. ونرانا نمشي، ولكن ما هو العمل العضلي؟ لا يعرف أحد ذلك، أرى أن إرادتي قوة غير مادية، وأن جميع خصائص نفسي غير مادية أيضاً، ومع ذلك فمتى أردت أن أرفع ذراعي، أرى أن إرادتي تحرك مادتي، فكيف يحدث ذلك، وما هو الوسيط الذي يتوسط للقوى العقلية في إنتاج نتيجة مادية؟ لا يوجد من يستطيع أن يجيبني عن هذا أيضاً، بل قل لي: كيف ينقل العصب البصري صور الأشياء إلى العقل؟ . وقل لي كيف يدرك العقل هذا؟ وأين مستقره؟ . وما هي طبيعة العمل المخي؟ . قولوا لي أيها السادة (يريد الملحدين) ... ولكن كفى كفى! فإني أستطيع أن أسألكم عشر سنين، ولا يستطيع أكبر رأس فيكم أن يجيب على أحقر أسئلتي)) .
فإذا كان موقف العقل هكذا حيال النفس والضوء والمادة، وما في الكون المنظور وغير المنظور من أشياء، فكيف يتطلع إلى معرفة ذات الباري جل شأنه، ويحاول إدراك كنهه!)) . (١)
стр. 93
٦-يقول الأستاذ خالد الرفاعي ((إن العقل يعتمد على ما تمده به الحواس من مادة أولية وعلى ما أودع فيه من قوة فطرية لتمييز الأشياء عن بعضها البعض.. معتمداً على مبادئ أطلقنا عليها اسم المبادئ الأولية، ومن ذلك نستنتج أن مجال عمل العقل محصور في المادة وصفاتها فقط، أو بكلمة أوضح بما يصله من إحساسات خارجية تمده بها الحواس، لأن الحواس لا تعطيه أحكام العقل حيث أن ما يعتمد عليه ليس إلا ظواهر بسيطة من الكون وأن الحواس نفسها قد تخطئ في ما تصل إليه أو أن الطبيعة كثيراً ما تصور للحواس ما هو خلاف الواقع. فمثلاً إن من أصيب بعمى الألوان لا يفرق بين الألوان ولا يرى إلا اللون الأحمر)) ((ولذلك فإننا نستطيع أن نجزم أن ما يبنى على المحدود فهو محدود دوماً، وما يبنى على الناقص فهو ناقص، فمعرفة العقل لا تعطينا إلا نتائج ضمن المادة، بل ضمن ظواهرها فحسب، نتائج قد تكون أحياناً خاطئة وغير دقيقة وناقصة)) .
стр. 94
((إن العقل يقف في سلسلة من الأسئلة الغائبة عنه إلى حد لا يستطيع أن يتجاوزه... وإلى مجال من الكون لن يخترقه، وذلك لأن حواسه تتركه عند حد تعجز بعده من مرافقته في سيره الطويل لمعرفة كل شيء.. وللإحاطة التامة به... فأنا أستطيع أن أعرف كيف يشتعل عود من الحطب، فأرى لون النار وأشم رائحتها... وأسمع حسيسها، وأستطيع أن أدرك أسباباً بسيطة لذلك.. ولكنني أصل إلى حد من الأسئلة ليس لها عندي جواب مقنع إلا التسليم والعجز، هذا التسليم الذي يظهر واضحاً في أن ذلك من صفة الشيء دون أن أستطيع معرفة لم كان ذلك من صفة هذا الشيء ولم يكن من صفة غيره؟ ....لم كانت نتائج الاحتراق الحرارة.. ولم تكن البرودة؟؟! ولم اشتعل الحطب في الدرجة المعينة له ولم يشتعل القصدير في تلك الدرجة؟ ... ولم كانت الرائحة من نتيجة الاحتراق؟ كل ذلك وغيره لا يجاب عنه إلا بما قال الله تعالى لنا: (يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا) فمن هذا نعلم أن مجال عمل العقل هو المادة وصفاتها وكل عمل للعقل فيما وراء ذلك إنما هو فيما وراء الحس مباشرة، لأنه عند ذلك يخترق مجاله الطبيعي ويفقد المادة الأولية التي يعتمد عليها في بحثه ذلك، ولذلك فإن القرآن الكريم كان يوجه النظر دائماً إلى ما يحس في الكون، سمائه وأرضه، إنسانه وحيوانه، ولم تر آية واحدة وجهت النظر لما هو وراء الحس.. فيقول تعالى: (قل انظروا ماذا في السموات والأرض) .. (فلينظر الإنسان إلى طعامه) . (فلينظر الإنسان ممَّ خُلق) الخ)) . ((إن العقل محدود بالمادة وقوانينها وصفاتها ويمكننا أن نلخص حدود العقل بالأمور التالية:
بالزمان: لأن الزمان إنما هو صورة عن تغير المادة.
بالمكان: لأن المكان صفة المادة في تحيزها.
وبالحجم والوزن: لأن المادة لا تظهر لنا إلا بهذه الصفات.
стр. 95
ولكن هذه الحدود كلها رغم سيطرتها على الإنسان فإنه لا يمتنع عقلاً أن يكون وراء هذه الحدود قوانين أخرى تغاير ما تعودنا عليه)) (١) .
٧-يقول الأستاذ أنور الجندي: ((لقد أُعطي الإنسان أمانة الحياة، وأُعطي العقل والقلب، ولم يكن عقله إلا جهازاً في وظيفته في حدود المعطيات والقوى المختلفة، ولم يعط هذا العقل القدرة الكاملة على كشف كل شيء، أو الوصول إلى كنه الوجود وأعماق الغيب.
ولكنه أعطي مفاتيح الحقائق عن طريق الوحي أو العلم، فأصبح له طريقه الواضح من خلال هذه المعطيات المتاحة فإذا مضى في هذا الطريق، أضاء وأعطى، أما إذا أراد أن يمضي بالعقل وحده ليكشف كل شيء، لم يجد الطريق واضحاً، وعجز عن أن يصل إلى الحقيقة.
ومن هنا كان خطر القول بقداسة العقل، أو سلطان العلم، هذه الدعوى التي حملتها الفلسفات، ورفع لواءها الفكر البشري في محاولة للاستقلال أو التجرد عن (مفاتيح) المعرفة الأصيلة التي ألقاها الحق ﵎ لخلقه عن طريق رسالات الأنبياء والكتب المنزلة)) (٢) .
٨-يقول الشيخ عبد الرحمن الميداني ((العقل مقيد بعالم الحس لا عمل له في الحكم على عالم الغيب (المتيافيزيك) . ذلك لأن القوة العاقلة فينا التي تجمع بين الصورة والذاكرة والمخيلة والذكاء تقوم بعملها الجبار في التحليل والتركيب، والجمع والتفريق، واستنتاج القواعد العامة والكليات، وقياس الأشباه والنظائر على بعضها، بعد أن تنقل الحواس المختلفة إلى المصورة أشرطة مشاهداتها في الكون: شريطَ المرئيات، وشريطَ المسموعات، وشريط المذوقات، وشريط المشمومات، وشريط الملموسات، وشريط الوجدانيات الداخلة في الإنسان، ثم تكون أحكامها مقيدة بحدود هذه الأشياء التي جاءتها عن طريق الحس.
стр. 96
وهذه القوة العاقلة فينا لا تستطيع أبدأ أن تصدر أحكامها على مغيبات لم يعرض أمامها شريط مسجل عنها، لأن كل حكم تحكم به إنما تقوله متأثرةً بواقع أشرطة الحواس التي جاءتها، وقد يختلف عالم الغيب عن عالم الحس كل الاختلاف فلا يمكن الحكم عليهما بالتشابه، والقاعدة الثابتة عند العلماء: (أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره) .
فعالم الغيب لا تستطيع عقولنا أن تحكم على شيء فيه بإثبات أو نفي استقلالاً ذاتياً، إلا أن يأتيها خبر يشهد العقل بإمكان وجوده ويصدق ناقله، وعند ذلك تسلم بمضمونه تسليماً تاماً دون مناقشة أو اعتراض)) (١) .
٩-يقول الأستاذ محمد حسين ((قد أثبتت العلوم الحديثة – وعلم الفلك خاصة- عجز العقل البشري الذي لا مفر منه إلا إلى الله ولا ملجأ إلا إليه وأصبح تمسح المشككين والملاحدة بالعلم ضرباً من الجهل أو المكابرة)) (٢) .
١٠-ويقول الشاطبي ((إن الله جعل للعقول في إدراكها حداً تنتهي إليه لا تتعداه. ولم يجعل لها سبيلاً إلى الإدراك في كل مطلوب. ولو كانت كذلك لاستوت مع الباري تعالى في إدراك جميع ما كان وما يكون وما لا يكون. إذ لو كان كيف كان يكون؟ فمعلومات الله لا تتناهى. ومعلومات العبد متناهية. والمتناهي لا يساوي ما لا يتناهى.
وقد دخل في هذه الكلية ذوات الأشياء جملة وتفصيلاً. وصفاتها وأحوالها وأفعالها وأحكامها جملة وتفصيلاً. فالشيء الواحد من جملة الأشياء يعلمه الباري تعالى على التمام والكمال، بحيث لا يعزب عن علمه مثقال ذرة لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أحواله ولا في أحكامه، بخلاف العبد فإن علمه بذلك الشيء قاصر ناقص سواء كان في تعقل ذاته أو صفاته أو أحواله أو أحكامه، وهو في الإنسان أمر مشاهد محسوس لا يرتاب فيه عاقل تُخرّجه التجربة إذا اعتبرها الإنسان في نفسه)) (٣) .
стр. 97
١١-قال أبو الحسن الندوي ((إن العقل وحده عاجز عن أداء وظيفته الطبيعية بل هو مضطر إلى الاستعانة بأشياء هي أقل منه قيمة، ففي إدراك ما لم يدركه العقل من قبل، يحتاج إلى استخدام المعلومات التي حصلت له مسبقاً، ولا تكون هذه المقدمات إلا المحسوسات فلو حللت المعقولات كلها تحليلاً دقيقاً، وسمعت قصة رحلة العقل الطريفة والطويلة المدى، عرفت أن وسيلة العقل في اكتشاف العوالم الجدد والغوص في البحار المجهولة، إنما هي هذه المحسوسات التي تبدو تافهة حقيرة، والمعلومات البدائية التي لولاها ولولا ترتيبها ترتيباً خاصاً، لما وصل العقل إلى هذه النتائج الخطيرة ذات القيمة الكبيرة، فحيث تشلُّ الحواس البشرية، وحيث لا تكون لدى الإنسان ذخيرة من معلومات، وإذا كان في أمر على جهل تام بمباديه، فهناك يعجز عقله عن شق الطريق إلى الأمام، والوصول إلى نتيجة في هذا الموضوع كما يعجز أحدنا عن أن يعبر البحر من غير سفينة، وأن يطير في الجو من غير طائرة.
فإن شئت جربت ولا تخطئك التجربة، هب أن رجلاً ذكياً فطناً ليست له معرفة بمبادئ العلوم الرياضية الأولية، حتى أنه لا يعرف العدد، لا يستطيع مثل هذا الرجل أن يحل معضلة من المعضلات الرياضية، ولو كان على جانب كبير من الذكاء والألمعية كذلك من لم يكن عنده معرفة بالأصول الموضوعة في علم الأقليدس لن يسعه أن يثبت شكلاً من الأشكال، ولو كان هذا الرجل على قمّة من الذكاء والفطانة، كذلك إذا كان الرجل يجهل حروف لغة من اللغات وخطها، لم يستطع أن يقرأ سطراً من السطور التي كتبت في هذه اللغة، ولو صبّ ذكاءه وأمعن في القياس، فالذي لا يعرف مفردات لغة لا يستطيع أن يفهم عبارة من عبارات هذه اللغة بمجرد ذكائه أو بقوة قياسه، وعلى ذلك تقاس مبادئ كل فن وعلم)) (١) .
стр. 98
الوجه الثالث: أن يقال إذا ثبت ضعف العقل البشري وقصوره عن إدراك كثير من الحقائق الثابتة فاعلم أنه لا مجال له في إدراك ذات الباري وصفاته وأسمائه وحِكَم أفعاله وأوامره ونواهيه وإنما يُتَلقى ذلك من الوحي وأما العقل فلا يقوده اجتهاده إلا لإثبات خالق لهذا الكون دون معرفة مفصلة له.
قال شيخ الإسلام ((ولا تحسبن أن العقول لو تركت وعلومها التي تستفيدها بمجرد النظر عرفت الله معرفة مفصلة بصفاته وأسمائه على وجه اليقين فإن عامة من تكلم في هذا الباب بالعقل فإنما تكلم بعد أن بلغه ما جاءت به الرسل واستصغى بذلك واستأنس به سواء أظهر الانقياد للرسل أو لم يظهر، وقد اعترف عامة الروؤس منهم أنه لا ينال بالعقل علم جازم في تفاصيل الأمور الإلهية وإنما ينال بها الظن والحسبان)) (١) .
وقال الإمام أبو يعلى ((إن العقل لا يعلم به فرض شيء ولا إباحته ولا تحليل شيء ولا تحريمه)) (٢) .
وقال الشيخ ابن عثيمين ((السمعيات كل ما ثبت بالسمع أي طريق الشرع ولم يكن للعقل فيها مدخل وكل ما ثبت عن النبي ﷺ من أخبار فهي حق يجب تصديقه سواء شاهدناه بحواسنا أو غاب عنا وسواء أدركناه بعقولنا أم لم ندركه لقوله تعالى: (إنا أرسلناك بالحق بشيراً ونذيراً ولا تسأل عن أصحاب الجحيم) (٣) .
стр. 99
وقال سيد قطب: ((إن هنالك مجالاً للعقل البشري معيناً في ارتياد آفاق المجهول: والإسلام يدفعه إلى هذا دفعاً.. ولكن وراء هذا المجال المعين ما لا قدرة لهذا العقل على ارتياده، لأنه لا حاجة به إلى ارتياده. وما لا حاجة له به في خلافة الأرض فلا مجال له إليه، ولا حكمة في إعانته عليه. لأنه ليس من شأنه، ولا داخلاً في حدود اختصاصه. والقدر الضروري له منه ليعلم مركزه في الكون بالقياس إلى ما حوله ومن حوله، قد تكفل الله سبحانه ببيانه له، لأنه أكبر من طاقته. وبالقدر الذي يدخل في طاقته. ومنه هذا الغيب الخاص بالملائكة والشياطين والروح والمنشأ والمصير.. فأما الذين اهتدوا بهدى الله، فقد وقفوا في هذه الأمور عند القدر الذي كشفه الله لهم في كتبه وعلى لسان رسله. وأفادوا منه الشعور بعظمة الخالق، وحكمته في الخلق، والشعور بموقف الإنسان في الأرض من هذه العوالم والأرواح. وشغلوا طاقاتهم العقلية في الكشف والعلم المهيأ للعقل في حدود هذه الأرض وما حولها من أجرام بالقدر الممكن لهم. واستغلوا ما علموه في العمل والإنتاج وعمران هذه الأرض والقيام بالخلافة فيها، على هدى من الله، متجهين إليه، مرتفعين إلى حيث يدعوهم للارتفاع.
стр. 100
وأما الذين لم يهتدوا بهدى الله فانقسموا فرقتين كبيرتين: فرقة ظلت تجاهد بعقولها المحدودة لإدراك غير المحدود من ذاته تعالى: والمعرفة الحقيقية المغيبة عن غير طريق الكتب المنزلة. وكان منهم فلاسفة حاولوا تفسير هذا الوجود وارتباطاته، فظلوا يتعثرون كالأطفال الذين يصعدون جبلاً شاهقاً لا غاية لقمته، أو يحاولون حل لغز الوجود وهم لم يتقنوا بعد أبجدية الهجاء! وكانت لهم تصورات مضحكة – وهم كبار فلاسفة – مضحكة حقاً حين يقرنها الإنسان إلى التصور الواضح المستقيم الجميل الذي ينشئه القرآن. مضحكة بعثراتها. ومضحكة بمفارقاتها. ومضحكة بتخلخلها. ومضحكة بقزامتها بالقياس إلى عظمة الوجود الذي يفسرونه بها.. لا أستثني من هذا فلاسفة الإغريق الكبار، ولا فلاسفة المسلمين الذين قلدوهم في منهج التفكير. ولا فلاسفة العصر الحديث! وذلك حين يقاس تصورهم إلى التصور الإسلامي للوجود.
فهذه فرقة. فأما الفرقة الأخرى، فقد يئست من جدوى هذا الاتجاه في المعرفة. فعدلت عنه إلى حصر نفسها وجهدها في العلم التجريبي والتطبيقي. ضاربة صفحاً عن المجهول.، الذي ليس إليه سبيل. وغير مهتدية فيه بهدى الله. لأنها لا تستطيع أن تدرك الله! وهذه الفرقة كانت في أوج غلوائها خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. ولكنها أخذت منذ مطلع هذا القرن تفيق من الغرور العلمي الجامح، على هروب المادة من بين أيديها وتحولها إلى إشعاع ((مجهول الكنه)) ويكاد يكون مجهول القانون! وبقي الإسلام ثابتاً على صخرة اليقين. يمنح البشر من المجهول القدر الذي لهم فيه خير. ويوفر طاقتهم العقلية للعمل في خلافة الأرض. ويهيئ لعقولهم المجال الذي تعمل فيه في أمن. ويهديهم للتي هي أقوم في المجهول وغير المجهول!)) (١) .
стр. 101
الوجه الرابع: ويكشف مجال العقل ودوره في الإسلام فيقال: ((إن دور هذا العقل أن يتلقى عن الرسالة؛ ووظيفته أن يفهم ما يتلقاه عن الرسول. ومهمة الرسول أن يبلغ، ويبين، ويستنقذ الفطرة الإنسانية مما يرين عليها من الركام. وينبه العقل الإنساني إلى تدبر دلائل الهدى وموحيات الإيمان في الأنفس والآفاق، وأن يرسم له منهج التلقي الصحيح، ومنهج النظر الصحيح؛ وأن يقيم له القاعدة التي ينهض عليها منهج الحياة العملية، المؤدي إلى خير الدنيا والآخرة.
وليس دور العقل أن يكون حاكماً على الدين ومقرراته من حيث الصحة والبطلان، والقبول أو الرفض –بعد أن يتأكد من صحة صدورها عن الله؛ وبعد أن يفهم المقصود بها: أي المدلولات اللغوية والاصطلاحية للنص – ولو كان له أن يقبلها أو يرفضها- بعد إدراك مدلولها، لأنه هو لا يوافق على هذا المدلول! أو لا يريد أن يستجيب له – ما استحق العقاب من الله على الكفر بعد البيان.. فهو إذن ملزم بقبول مقررات الدين متى بلغت إليه عن طريق صحيح، ومتى فهم عقله ما المقصود بها وما المراد منها..
إن هذه الرسالة تخاطب العقل.. بمعنى أنها توقظه، وتوجهه، وتقيم له منهج النظر الصحيح.. لا بمعنى أنه هو الذي يحكم بصحتها أو بطلانها، وبقبولها أو رفضها. ومتى ثبت النص كان هو الحكم؛ وكان على العقل البشري أن يقبله ويطيعه وينفذه؛ سواء كان مدلوله مألوفاً له أو غريباً عليه..
إن دور العقل – في هذا الصدد – هو أن يفهم ما الذي يعنيه النص. وما مدلوله الذي يعطيه حسب معاني العبارة في اللغة والاصطلاح. وعند هذا الحد ينتهي دوره.. إن المدلول الصحيح للنص لا يقبل البطلان أو الرفض بحكم من هذا العقل. فهذا النص من عند الله، والعقل ليس إلهاً يحكم بالصحة أو البطلان، وبالقبول أو الرفض لما جاء من عند الله.
стр. 102
وعند هذه النقطة الدقيقة يقع خلط كثير.. سواء ممن يريدون تأليه العقل البشري فيجعلونه هو الحكم في صحة أو بطلان المقررات الدينية الصحيحة.. أو ممن يريدون إلغاء العقل، ونفي دوره في الإيمان والهدى.. والطريق الوسط الصحيح هو الذي بيناه هنا.. من أن الرسالة تخاطب العقل ليدرك مقرراتها؛ وترسم له المنهج الصحيح للنظر في هذه المقررات، وفي شؤون الحياة كلها. فإذا أدرك مقرراتها – أي إذا فهم ماذا يعني النص – لم يعد أمامه إلا التصديق والطاعة والتنفيذ.. فهي لا تكلف الإنسان العمل بها سواء فهمها أم لم يفهمها. وهي كذلك لا تبيح له مناقشة مقرراتها متى أدرك هذه المقررات، وفق مفهوم نصوصها.. مناقشتها ليقبلها أو يرفضها. ليحكم بصحتها أو خطئها.. وقد علم أنها جاءته من عند الله. الذي لا يقص إلا الحق، ولا يأمر إلا بالخير.
والمنهج الصحيح في التلقي عن الله، هو ألا يواجه العقل مقررات الدين الصحيحة – بعد أن يدرك المقصود بها – بمقررات له سابقة عليها، كونها لنفسه من مقولاته ((المنطقية)) ! أو من ملاحظاته المحدودة، أو من تجاربه الناقصة.. إنما المنهج الصحيح أن يتلقى النصوص الصحيحة، ويكون منها مقرراته هو! فهي أصح من مقرراته الذاتية؛ ومنهجها أقوم من منهجه الذاتي- قبل أن يضبط بموازين النظر الدينية الصحيحة – ومن ثم لا يحاكم العقل مقررات الدين- متى صح عنده أنها من الله- إلى أية مقررات أخرى من صنعه الخاص!.. إن العقل ليس إلهاً، ليحاكم بمقرراته الخاصة مقررات الله)) (١) .
стр. 103
قال الشيخ محمد قطب: ((يمنح الإسلام العقل مجالاً واسعاً للعمل هو أوسع مجال سليم للعقل منحه إياه نظام من النظم أو عقيدة من العقائد وفي الوقت نفسه يمنعه من مجالات بعينها ويحظر عليه التفكير فيها أو ينكر عليه حق التفكير. وهي أمور ثلاثة: التفكير في ذات الله والتفكير في القَدَر والتشريع من دون الله)) ((وإذا جاوزنا هذه الأمور الثلاثة التي نصح العقل ألا يتناولها كقضية الذات الإلهية وقضية القدر أو منع منعاً جازماً منها كقضية التشريع فكل المجالات الأخرى مباحة للعقل ومتاحة له بل هو – في الإسلام – مدعو إليها دعوة صريحة ويعتبر مقصراً إذا لم يقم بها. وهناك خمسة مجالات رئيسية يدعى العقل للعمل فيها في ظل الإسلام.
أولاً: في قضية الإيمان يخاطب الإسلام الإنسان كله، بكل جانب من جوانبه، ويركز على الجانب الوجداني لأن العقيدة دائماً تخاطب الوجدان وتحيى فيه وتتحرك به، ولكنه يخاطب العقل كذلك في ذات الوقت، ويستنهضه للتفكر والتدبر والتأمل، لتتآزر جوانب الإنسان كلها للوصول إلى الحقيقة، حقيقة الألوهية، وما يترتب على معرفتها من التزامات في كل مجالات الحياة والشعور والفكر والسلوك.
يخاطبه ليتدبر في آيات الخلق.. خلق الكون وخلق الإنسان.. هل من خالق غير الله؟ (أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون. أم خلقوا السماوات والأرض. بل لا يوقنون) (خلق السموات بغير عمدٍ ترونها. وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم. وبث فيها من كل دابة. وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم. هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه. بل الظالمون في ضلال مبين) .
стр. 104
وما زال هذا التحدي قائماً.. وسيظل قائماً إلى أن يرث الله الأرض وما عليها.. وكل محاولات الجاهلية المعاصرة أن تزيغ عن مجابهة التحدي، بالقول بالمصادفة تارة، وبالخلق الذاتي تارة، وبأي كلام تارة أخرى إنما هي محاولات متهافتة لا يقبلها ((العقل)) لو تجرد للتفكر بغير ضغوط وبغير شهوات! والإسلام يخاطب العقل ليتجرد في تفكره، وليصل إلى النتيجة الموضوعية العلمية التي يدل عليها كل ما في السماوات والأرض من شيء، ويتخلى عن الهوى الذي يعمي وعن الكبر الذي يضل.. فيجد الحقيقة بارزة تملأ اليقين. (أفمن يخلق كمن لا يخلق. أفلا تذكرون) (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) (إذاً لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض..) وكما يخاطبه ليستيقن –بطرق استدلالاته الخاصة من استقراء واستنباط وقياس ومنطق.. الخ – من حقيقة الألوهية وتفرد الله بالخلق والتدبير.. يخاطبه ليرتب على يقينه ذلك ما يستتبعه من تبعات.. فإذا كان الله متصفاً بتلك الصفات التي استدل عليها وتيقن منها فمن الجدير بالعبادة غيره، ومن الجدير بالطاعة غيره؟ .
كذلك يخاطبه ليستيقن من الحق الذي خلقت به السماوات والأرض، وما يستتبع هذا الحق من بعث ونشور وحساب وثواب وعقاب: (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون) (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً. ذلك ظن الذي كفروا..) (إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب. الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم. ويتفكرون في خلق السموات والأرض. ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار. ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته. وما للظالمين من أنصار. ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا. وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار. ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة. إنك لا تخلف الميعاد) .
стр. 105
إن الله الذي صفاته هي تلك التي عرفها العقل واستيقن منها لا يمكن عقلاً أن يخلق شيئاً عبثاً، أو أن يخلق شيئاً باطلاً، إنما يخلق كل شيء بالحق، والحق يقتضي أن يكون هناك يوم يحاسب فيه الناس على أعمالهم في الحياة الدنيا، لأنه لا يتم الجزاء الحق في الحياة الدنيا كما يرى الإنسان بنفسه.. فكم من ظالم ظل يظلم حتى مات، وكم من مظلوم ظل مظلوماً حتى مات. فلو كانت الحياة الدنيا هي نهاية المطاف فأين الحق؟ إنما يحق الحق حين يبعث الناس فيحاسبون على السيئة والحسنة، ويأخذ كل إنسان جزاءه بالحق.. وإذا كان الأمر على هذه الصورة فإن ((العقل)) يقتضي أن يحسب الإنسان لهذا اليوم حسابه، وأن يعمل من الأعمال ما يقربه من الجنة ويبعده عن النار.. وألا تفتنه اللذة العاجلة عن النعيم المقيم. (كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة. فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز. وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور) .
وهذه الأمور كلها يخاطب فيها الوجدان – مع العقل – لتترتب عليها حركة سلوكية واقعية، ولكن العقل فيها واضح لا يحتاج إلى تأكيد.
ثانياً: يوجه العقل بعد ذلك إلى تدبر آيات الله في الكون للتعرف على أسراره. للتعرف على خواص ذلك الكون، لإمكان تسخيرها لعمارة الأرض. والتسخير قائم من عند الله ابتداء، (وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه) ولكن تحقيق هذا التسخير في عالم الواقع لا يتم بمجرد رغبة الإنسان في ذلك، فهو ليس إلهاً يقول للشيء كن فيكون. إنما يتحقق هذا التسخير بجهد معين يبذله الإنسان. جهد عقلي يتعرف به الإنسان على أسرار الكون وخواصه، وجهد عضلي يطبق به الإنسان ثمار معرفته في صورة عمل منتج.
стр. 106
وكل ذلك يوجه العقل لأدائه. بل هو ميدانه الأصيل الذي تتجلى فيه كل عبقريته، والذي لا يشاركه فيه غيره. وليس معنى ذلك أنه في هذا الميدان لا يخطئ ولا يتوهم، فكثيراً ما يقع في الخطأ والوهم كما بين تاريخ العلوم، ولكن معناه أن لديه أوسع فرصة ليصل إلى الحقيقة فيما قدر الله أن يكشف له من أمور هذا الكون. ولكنه يوجه إلى ذلك بعد أن يوجه إلى التعرف على الخالق، وعلى كل قضايا العقيدة. ولذلك حكمة واضحة.
فالعقل البشري ما لم يعوقه معوق- كما كان من أمر الكنيسة الأوروبية وحجرها على العقل أن يفكر – مفطور بطبعه على التفكير فيما حوله، واستنباط الطرق التي تحقق للإنسان حاجاته، ثم تحسينها ومحاولة الوصول بها إلى أقصى حد من الإتقان والفاعلية، من أجل الحصول على القدر من ((المتاع)) الذي قدره الله للإنسان في الأرض. (ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين) .
ولكن العبرة في حياة ((الإنسان)) ليست بمجرد العمارة المادية للأرض، ولا مجرد الحصول على المتاع من أي لون ومن أي طريق، إنما ((الإنسان)) خلق لشيء أرفع من ذلك وأسمى.. خلق لحمل ((الأمانة)) التي أشفقت من حملها السماوات والأرض والجبال: (إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها، وأشفقن منها. وحملها الإنسان..) وحمل الأمانة لا يتم بمجرد العمارة المادية ولا المتاع الحسي.. إنما يتم بإقامة ذلك كله على أساس من ((القيم)) .. والقيم الحقيقية هي التي حواها المنهج الرباني للحياة. ومن ثم كان لابد من توجيه العقل أولاً –والكيان الإنساني كله في الحقيقة – للتعرف على الله والإيمان به وطاعته، حتى إذا جاء العقل يتعرف على الكون، ويعمل على تسخير طاقاته في عمارة الأرض، كان مهتدياً بالهدى الرباني، فأقام عمارة الأرض على أساس المنهج الرباني الذي به وحده تصلح الحياة.
стр. 107
وقد مر بنا في هذا الفصل وما قبله كيف صارت الأرض حين قامت عمارتها المادية على ((قيم)) أخرى غير القيم التي قررها الله وأمر بإقامتها في الأرض. وحاضر الجاهلية المعاصرة غني عن الإشارة وغني عن التعليق.
فتوجيه العقل – في الإسلام- إلى التعرف على السنن الكونية من أجل عمارة الأرض بعد توجيهه إلى الإيمان بالله، هو المنهج الصحيح لتنشئة ((الإنسان الصالح)) الذي تسعى البشرية –نظرياً- إلى تنشئته، ولكنها تخفق دائماً حين تتنكب المنهج الرباني، وتنشئ من عندها مناهج تؤدي إلى البوار.
وإن كان لنا من شيء نذكر به أو نعيد التذكير به في هذا المجال، فهو أن الأمة المسلمة –بتوجيه الإسلام- هي التي أنشأت المنهج التجريبي في البحث العلمي، الذي قامت عليه كل نهضة أوروبا العلمية فيما بعد، ولكنها تفردت في التاريخ بأنها هي التي أنشأت حضارة ((إنسانية)) حقيقية، تمثل ((الإنسان)) كله لا جانباً واحداً من جوانبه وتمثله متوازناً كما ينبغي للإنسان، لا العمل في الدنيا يشغله عن الآخرة، ولا المتاع الحسي يشغله عن المتاع الروحي المتمثل في العبادة، وفي الجهاد لإقامة الحق والعدل في الأرض. ولا رؤية الأسباب الظاهرة تفتنه عن السبب الحقيقي، ولا العلم يفتنه عن الدين.. إلى آخر تلك الانحرافات التي وقعت فيها الجاهلية الأوروبية حيث رفضت الهدى الرباني وجعلت ((عقلها)) يرسم لها الطريق!.
ثالثاً: يوجه العقل في الإسلام إلى تدبر حكمة التشريع لإحسان تطبيقه. ومن أجل الاجتهاد فيما أذن الله فيه بالاجتهاد. وحقيقة إن هذا في الإسلام فرض كفاية لا فرض عين، لأنه لا يتيسر لكل الناس –وإن كانوا مؤمنين – أن يتفقهوا في أحكام الدين. إنما الفقهاء لهم استعداد خاص، ويحتاجون إلى دربة خاصة لا تتاح لكل إنسان.
стр. 108
ولكن فرض الكفاية معناه أن يتخصص له فريق من الأمة –ممن يحملون الاستعداد وينالون الدربة – فيسقط التكليف عن الآخرين. فإن لم ينتدب له أحد من أفراد الأمة فهي كلها آثمة حتى تهيئ من يقوم عنها بهذا الأمر. (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين) وإعمال العقل لتدبر حكمة التشريع أمر واضح الضرورة وواضح الحكمة. فالتشريع أولاً لا ينطبق انطباقاً آلياً على كل حالة من الحالات التي تقع بين البشر.
إنما يحتاج الأمر إلى إعمال العقل لمعرفة الحكم الذي ينبغي تطبيقه في الحالة المعينة المعروضة للحكم، ولمعرفة الطريقة الصحيحة لتطبيقه.
ثم إن هذه الشريعة التي نزلت لتواكب حياة البشرية كلها منذ نزولها إلى قيام الساعة، قد روعي فيها أن تواجه الثابت والمتغير حياة الناس.
فأما الثابت –الذي لا يتغير، أو لا ينبغي أن يتغير لأن تغييره يحدث فساداً في الأرض- فقد أتت فيه الشريعة المستمدة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ بتفصيلات وافية تشمل الأصول والفروع والكليات والجزئيات.
وأما المتغير – الذي يجد في حياة الناس بحكم التفاعل الدائم بين العقل البشري والكون المادي وما ينشأ عن ذلك من علوم وتطبيقات وتحويرات في أنماط الحياة، والذي أذن الله فيه بالتغيير لأن ثباته يجمد الحياة ويوقف نموها- هذا المتغير لم تتناوله الشريعة بالتفصيل –بحكم تغيره الدائم- إنما وضعت له الأسس التي ينمو نمواً سليماً في داخل إطارها، وتركت للعقل المؤمن المهتدي بالهدى الرباني، المتفقة في أمور الدين، أن يستنبط له من الأسس الثابتة ما يناسبه في كل طور من أطواره.
لذلك كان الفقه عملاً دائم النمو لا يتوقف، ولا يجوز له أن يتوقف.. لأنه إذا توقف فليس لذلك من نتيجة إلا أن تجمد الحياة أو تخرج من إطار الشريعة الربانية الحكيمة.
стр. 109
ولقد قام العقل الإسلامي في ميدان الفقه في فترة نشاط هذه الأمة وحيويتها بجهد رائع، ما زال يُعد تراثاً إنسانياً ثميناً إلى هذه اللحظة، رغم ما أصاب الأجيال المتأخرة من الجمود، وما أصاب الأجيال الأخيرة من الإعراض!.
والذي يطلع على هذا الفكر يدرك مدى شمول هذه الشريعة وحيويتها وقدرتها على مواكبة النمو البشري من جهة، ويدرك من جهة أخرى ما قام به العقل الإسلامي المفكر من فتوحات في هذا الباب، كانت كلها وليدة توجيهات الإسلام.
رابعاً: ترد في كتاب الله مجموعة من السنن التي يجري الله بها قدره في حياة البشر. وترد الإشارة المكررة بأن سنة الله لا تتبدل ولا تتغير، ولا تتوقف محاباة لأحد من الخلق. ويوجه العقل إلى تدبر هذه السنن من أجل إقامة المجتمع الصالح الذي يتمشى مع مقتضياتها ولا يصادمها.
فالحياة البشرية ابتداء ليست فوضى بلا ضابط. إنما يضبطها نظام رباني دقيق، يسير بحسب سنن ثابتة، ترتب نتائج محددة على السلوك البشرى في جميع أحواله. ومن ثم يستطيع الإنسان أن يتبين السلوك الصائب الذي ينبغي أن يسلكه، كما يتبين النتائج المتوقعة من سلوكه، لا رجماً بالغيب، ولكن تحقيقاً لسنة الله التي لا تتبدل ولا تتغير.
وهذه السنن تتناول حياة الجماعة، فهي سنن اجتماعية في غالبها، أما ما يرد بشأن الفرد فغالباً ما يكون متعلقاً بالجزاء الذي يجزاه في الآخرة لقاء عمله في الدنيا، وإن كان بعض السنن يأتي فيه ذكر المفرد كقوله تعالى: (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى) .
стр. 110
خامساً: يوجه العقل إلى دراسة التاريخ: (قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين) (أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم؟ كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها. وجاءتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) (أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها. فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) .
وواضح أن دراسة التاريخ المطلوبة هي للعبرة لا للتسلية وتزجية الفراغ، ولكن ينبغي أن نعرف مواطن العبرة من دراسة التاريخ..
إن السنن الربانية التي أشرنا إليها في الفقرة السابقة، والتي يجري قدر الله بمقتضاها في حياة البشرية، والتي قلنا إن العقل البشري مدعو إلى تدبرها والتفكر فيها من أجل إقامة المجتمع الصالح القائم على المنهج الرباني.. هذه السنن – بطبيعتها –نادراً ما تتحقق بتمامها في داخل عمر الفرد المحدود، لأن السنن الاجتماعية بطبيعتها تستغرق أجيالاً متوالية حتى يتم التحول الاجتماعي سواء إلى الخير أو إلى الشر (فيما عدا القلة النادرة التي تقتضي حكمة الله فيها تحقيق سنة بكاملها في أمد قصير، تأييداً لنبي أو تمكيناً لجماعة مؤمنة، كما حدث مع الرسول ﷺ وبناء هذه الأمة الشامخة في سنوات قصار) .
وانظر مثلاً إلى هذه السنة: (فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء. حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون) .