← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 3960

المنخول من تعليقات الأصول

أبو حامد الغزالي

Полный текст (553 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

الثاني عشر تقديم العلة الناقلة على العلة المستصحبة كما يقدم الراوي الناقل على المستصحب وهذا فاسد فإنا نظن أن الناقل أثبت في الرواية من المستصحب ولا نتهمه في العلة فلتقدم المستصحبة ثم يحتمل أن يقضي بالتعارض ويتمسك بالاستصحاب استقلالا ويحتمل أن يقال هو ساقط في معارضته القياس فلا يصلح إلا للترجيح الثالث عشر اعتضاد أحدهما بظاهر يترجح به أو يعمل به استقلالا وفيه احتمال كما في الاستصحاب الرابع عشر النافية والمثبتة وقد اختلف الناس فيهما على التناقض وعندنا أن لا ترجيح بهما وإنما ينقدح الترجيح بالإثبات في الروايات الخامس عشر أن تنطبق صيغة التعليل على ظاهر القرآن

стр. 492

كقولنا لا تقبل شهادة الكافر لأنه فاسق ويشهد له قوله تعالى أولئك هم الفاسقون وقوله تعالى أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا وهذا الترجيح فاسد لأنه يسمى فاسقا لخروجه من الدين يقال فسقت الرطبة ولكن خصص بالكافر كما يخصص الملحد بالكافر والحنيف بالمسلم وكل واحد منهما بمعنى الميل السادس عشر ان يعتضد أحدهما بمذهب واحد من الصحابة فيرجح لأن مذهبه إن لم يجعل حجة على الاستقلال فيرجح به والمعتضد بمذهب زيد في الفرائض يرجح على ما يعتضد بقول معاذ ابن جبل وإن قال ﵇ أعرفكم بالحلال والحرام معاذ لأن شهادته ﵇ لزيد في الفرائض على الخصوص حيث قال ﵇ أفرضكم زيد

стр. 493

ويقدم أيضا على مذهب أبي بكر وعمر ﵄ وإن قال فيهما اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر لأن ذلك يمكن حمله على الخلافة والسيرة المرضية وهذا في الشهادة أخص منه والله أعلم

стр. 494

كتاب الاجتهاد والكلام فيه في أربعة فصول الفصل الأول في أن كل مجتهد في الاصول لا يصيب وأجمع العقلاء عليه سوى أبي الحسين العنبري حيث صوب كل مجتهد في العقليات ولا يظن به طرد ذلك في قدم العالم ونفي النبوات ولعله أراده في خلق الأفعال وخلق القرآن وأمثالهما إذ المسلم لا يكلف الخوض فيه لعلمنا بأن العقول لا تحتمل كل غامض عقلي والصحابة كانوا لا يأمرون الناس به فإذا خاض متبرعا فلا يأثم بما يعتقد لأن عقله لا يحتمل سواه وهذا مع هذا القرب فاسد فإن اعتقاد الاصابة المحققة على التناقض محال إذ من ضرورة أحدهما أن يكون جهلا وهو كاعتقاد اللون الواحد سوادا وبياضا

стр. 495

وإن عني به نفي التأثيم معللا بقصور عقل فليطرد في النصارى واليهود كيف والصحابة كانوا يشددون القول على كل مبتدع غير مكترث بقصور عقله ثم العقول اذا نقضت عن العقليات وألفت التقليدات تقاربتو أدركت المعقولات نعم لا يجب الخوض في دركها ويكفي التقليد عندنا ولكن اذا خاض فيه فهو مأمور بالاصابة

стр. 496

الفصل الثاني في المجتهدين في المظنونات وقد ذهب الشافعي والاستاذ ابو اسحق وجماعة من الفقهاء إلى أن المصيب واحد وله أجران وللمخطئ أجر واحد وغلا غالون وأثموا المخطئ وصار القاضي والشيخ ابو الحسن في طبقة المتكلمين إلى أن كل واحد منهما مصيب والغلاة منهم اثبتووا صلى التخيير ونفوا مطلوبا معينا وقالوا لا فائدة في اجتهاد ولا في تقليد معين لتقدمه في المرتبة ولكنه يتخير إذ ما من حكم إلى ويجوز أن يغلب على الظن والمتقصدون وقال أوجبوا الاجتهاد والعمل بما يغلب على الظن وعزى القاضي مذهبه إلى الشافعي ﵁ وقال لولاه لكنت لا أعده من أحزاب الأصوليين

стр. 497

تمسك من صار إلى أن المصيب واحد بمسلكين أحدهما أن الحل يناقض الرحمة والسفك يضاد الحقن فيستحيل جمعهما وهو سفسطة من هذا الوجه ولكنهم يقولون ذلك لا يتناقض في حق شخصين كالميتة تحل للمضطر وتحرم على غيره وكل مجتهد مصيب في حق نفسه وإن فرض في حق مقلد فيستفتي الأفضل وإن تساووا انعكس الاشكال عليهم أيضا المسلك الثاني أن التحريم لا بد له من مسلك في الظن ويستحيل تعارض المسلكين على التناقض يفضي أحدهما إلى التحريم والآخر إلى التحليل على التناقض

стр. 498

وهذا فاسد فإنهم ينفون مطلوبا معينا فضلا من إثبات مسلك يدل عليه ولو فرضت مفتية تحت مفت قالوا على المرأة الامتناع اذا رأت التحريم وعلى الزوج مد اليد وكل يأخذ باجتهاده ولا يستبعد هذا التناقض فإنه ينعكس على من يقول المصيب واحد فإنه لا يعنيه ولو وجب على كل واحد أن يعمل باجتهاده تمسك القاضي بأن قال يجب قطعا على كل مجتهد العمل باجتهاده شرعا والوجوب بأمر الله وما وجب بإيجاب الله فهو حق فهو المعني بكون كل واحد مصيبا للحق في حق نفسه وإن قيل لم ينه الاجتهاد نهايته قلنا اذا غلب على ظنه ولم يبق له مضطرب في اعتقاده فتكليفه امرا وراءه تكليف مالا يطاق فإنه أدى ما كلف ولم يكلف إلا استفادة أنه غلبة الظن وقد استفاده والمختار عندنا أن كل مجتهد مصيب في عمله قطعا فإنه وجب بإيجاب الله ولا معنى للقضاء بإصابة كل واحد على معنى نفي مطلوب معين في علم الله من تحريم أو تحليل

стр. 499

إذ لو قيل به لما تصور الطلب في حق كل مجتهد يقدم على اجتهاد إذ يعتقد في علم الله حكما هو مطلوبه من كتاب او سنة او إجماع فإن لم يجد فما هو إلا شبه بأصول الشريعة واذا لم يتخيل ذلك لم يتصور طلبه وهو كالذي يطلب زيدا في الدار ولا يتعين في خياله احد التقديرين على البدل ويتبين هذا بمثال وهو أن المجتهد في القبلة ينبغي أن يعتقد تعين القبلة في احدى الجهات وكونه مأمورا بطلبها بغلبة الظن ولو لم يتخيل ذلك كان كمن يطلب جهة من أربع جهات ولا تميز لبعضها على بعض فلا يكون له مطلوب معين ولا يتصور له طلب فعلى هذا نقول إذ فرضنا واقعة لو انتهى الاجتهاد فيها نهايته انتهى إلى التحريم المحقق فانتهى المجتهد إلى الكراهية مثلا وجب العمل به وله أجر واحد

стр. 500

ولو اتفق عثور على منتهى التحريم لكان مصيبا ما هو شوف الطالبين وهو غاية التحريم فقد تبين أنهما مصيبان في العمل واحدهما مخطئ في الوصول إلى ما هو شوف الطالبين لا بعينه وقد يقول القاضي ليس لله تعالى في الوقائع المظنونة حكم معين عام على جميع الخلائق إذ الحكم توجيه الخطاب ويستحيل توجيه الخطاب على التعيين مع انشعاب مسالك الظنون ولو كان معنيا لدلت عليه امارة ولو دلت الامارة لعلمت وانقلب مقطوعا به وهذا غير سديد فإن لله تعالى في كل واقعة حكما حق المجتهد أن يتشوف إليه وعليه امارات تورث غلبة الظن وللظنون في العقول مسالك كما للعلوم فهو كطالب القبلة بظنه ان اصاب جهة القبلة فله أجران وإن بنى على غلبة الظن ولم يصب فله أجر واحد

стр. 501

الفصل الثالث فيما هو مطلوب المجتهد اذا عينا مطلوبا قالوا والمطلوب هو الاشبه وعبر معبرون عن الاشبه بأنه ما يظهر للفقيه في مجاري ظنه وهذا لا ضبط له فإن ذلك قد يتعارض وقال آخرون هو ما لو ورد به نص لطائفة وهذا حكم على الغيب وان ذكره ابن سريح من اصحابنا وقال آخرون هو الاشبه بالاصلين الذين تردد الواقعة بينهما من نفي او اثبات وهو شوف الطالب من ظفر به فقد اصاب ومن لا فقد أخطأ وان اصاب في العمل

стр. 502

الفصل الرابع فيما اذا اخطأ المجتهد نصا والمصوبة اضطربوا فمنهم من طرد التصويب تعويلا على وجوب العمل عليه وفيه اصابة الحق ومنهم من خطأه وغلا غالون حتى أثموه وقال القاضي لا يؤثم لأنه لم يتعمد ولكنه يحتمل أن يقال أخطأ من حيث ان المطلوب قد تعين ومنشأ التصويب نفي المطلوب والنص هو المطلوب هنا ثم قال يمكن أن يقال هو مصيب لأنه وجب عليه العمل وقد أدى ما كلف وحكم النص متعين في حق من عثر عليه والاحكام تختلف باختلاف الاحوال والاشخاص كما في تحريم الميتة لم يبق إلا ان يقال اخطأ النص فأقول نعم ولكن هذا لفظ لا خير فيه فإنه لم يجب عليه الوصول اليه إذ فيه تكليف وشطط بعد ان استفرغ كنه مجهودة وهو وهو كالمتيمم يقال لم تتوضأ فيقال نعم ولكن لم يجب عليه ذلك

стр. 503

والمختار ان المجتهد مصيب في علمه مخطئ في التشوف المطلوب وكذا نقول اذا لم يكن نص فلا فرق عندنا ولكن اذا عثر على النص فقد نقول يجب تدارك الفائت لأن الخطأ صار متيقنا أما اذا لم يكن في المسألة نص فلا يستقين الخطا وهي مسألة فقهية إذ القضاء يجب بأمر مجدد عندنا نعم المجتهد في القبلة اذا تبين الخطأ والوقت باق هل تجب عليه الاعادة للشافعي ﵁ فيه تردد ومثاره ان المقصود من المكلف استقبال عين القبلة مقصودا ام لا

стр. 504

فان قلنا انه مقصود فيمكن ان يقال يجب لان المقصود قد فات والاجتهاد وسيلة لم يفض إلى المقصود فلا يغني ولعل الظاهر ان القبلة ليست مقصودة في عينها فان تكليف المصلي ذلك في جهالاته وعماياته ﷺ محال ولهذا قضى بسقوط الإعادة في الأظهر واما العثور على النص فمقصود الشارع قطعا وإنما فرضنا الكلام في الوقت لئلا يتورط في افتقار القضاء إلى امر مجدد وعلى الجملة الفرق بين القبلة والنص عسير وختم الكتاب بالرد على ابي حنيفة ﵀ حيث قال كل مجتهد مصيب في اجتهاده فان قيد بالاجتهاد واراد به انه مخطئ في علمه فهذا زلل لما ذكرناه وان اراد به انه اصاب ما هو شوف الطالب فكذلك وإن عني به انه ادى ما كلف فهو مساعد عليه والله اعلم بالصواب

стр. 505

كتاب الفتوى وفيه بابان أحدهما في الاجتهاد واحكامه والثاني في احكام المقلد الباب الأول في الاجتهاد وفيه اربعة فصول الفصل الأول في صفات المجتهدين فليعلم اولا ان الفتوى ركن عظيم في الشريعة لا ينكره منكر وعليه عول الصحابة بعد ان استأثر الله برسوله وتابعهم عليه التابعون إلى زماننا هذا ولا يستقل به كل احد ولكن لا بد من اوصاف وشرائط ولنا في ضبطها مسالك

стр. 506

المسلك الاول على الاجمال ان نقول المفتي هو المستقل بأحكام الشرع نصا واستنباطا واشرنا بالنص إلى الكتاب والسنة وبالاستنباط إلى الاقيسة والمعاني المسلك الثاني ان نفصل الشرائط فنقول لا بد من العقل والبلوغ إذ الصبي لا يقبل قوله وروايته والرق لا يقدح وكذا الانوثة ولا بد من الورع فلا يصدق الفاسق ولا يجوز التعويل على قوله ولا بد من علم اللغة فإن مآخذ الشرع الفاظ عربية وينبغي ان يستقل بفهم كلام العرب ولا يكفيه الرجوع إلى الكتب فإنها لا تدل إلا على معاني الالفاظ فأما العاني المفهومة من سياقها وترتيبها لا تفهم إلا يستقل بها والتعمق في غرائب اللغة لا يشترط ولا بد من علم النحو فمنه يثور معظم اشكالات القران ولا بد من علم الاحاديث المتعلقة بالاحكام

стр. 507

ومعرفة الناسخ والمنسوخ وعلم التواريخ ليتبن المتقدم عن المتأخر والعلم بالسقيم والصحيح من الاحاديث وسير الصحابة ومذاهب الائمة لكيلا يخرق اجماعا ولا بد من اصول الفقه فلا استقلال للنظر دونه وفقه النفس لا بد منه وهو غريزة لا تتعلق بالاكتساب ولا بد من معرفة احكام الشرع

стр. 508

المسلك الثالث وهو المختار وهو الحاوي لجملة هذه التفاصيل ان يكون على صفة يسهل عليه درك احكام الشريعة بعد الورع والبلوغ ليقبل قوله ولا يتمكن منه إلا بجملة ما فصلناه نعم لا نؤاخذه بحفظ الاحكام فإن أئمة الاحاديث بوبوا احاديث الاحكام وميزوا الصحيح عن الفاسد والتعويل فيه على الكتب جائز كما ذكرناه في كتاب الأخبار فليراجع اذا مست الحاجة اليه

стр. 509

الفصل الثاني في كيفية سرد الاجتهاد ومراعاة تربيته قال الشافعي ﵁ اذا رفعت اليه واقعة فليعرضها على نصوص الكتاب فان اعوزه فعلى الأخبار المتواترة فان اعوزة إذا فعلى الآحاد فان اعوزه لم يخص في القياس بل يلتفت إلى ظاهر القرآن فان وجد ظاهرا نظر في المخصصات من قياس وخبر فان لم يجد مخصصا حكم به وان لم يعثر على لفظ من كتاب ولا سنة نظر إلى المذاهب فان وجدها مجمعا عليها اتبع الإجماع وان لم يجد اجماعا خاض في القياس

стр. 510

ويلاحظ القواعد الكلية اولا ويقدمها على الجزئيات كما في القتل بالمثقل يقدم قاعدة الردع على مراعاة الاله فان عدم قاعدة كلية نظر في النصوص ومواقع الإجماع فان وجدها في معنى واحد الحق به وألا انحدر إلى قياس مخيل فان اعوزه تمسك بالشبه ولا يعول على طرد ان كان يؤمن بالله العزيز ويعرف مآخذ الشرع هذا تدريج النظر على ما قاله الشافعي ﵁ ولقد أخر الإجماع عن الأخبار وذاك تاخير مرتبة لا تاخير عمل إذ العمل به مقدم ولكن الخبر يتقدم في المرتبة عليه فان مستنده قبول الإجماع

стр. 511

الفصل الثالث في ان رسول الله ﷺ كان يجتهد قال قائلون كان لا يجتهد لقوله تعالى وما ينطق عن الهوى وقال آخرون كان ﵇ يجتهد إذ لم يكن ينتظر الوحي في كل واقعة ترفع إلى مجلسه والمختار انا لا نظن به استبدادا بالاجتهاد ولا يبعد ان يوحي اليه ويسوغ له الاجتهاد فهذا حكم العقل جوازا واما وقوعا فالغالب على الظن انه كان لا يجتهد في القواعد وكان يجتهد في الفروع كما روى أنه ﵇ قال أرأيت لو تمضمضت فان قيل وهل اجتهد الصحابة في حال حياته قط

стр. 512

قلنا انقسم الناس فيه على تناقض ولعل الظاهر انهم كانوا لا يجتهدون بحضرته والقرب من منزله ومن كان يبعد منه بفرسخ وفراسخ كان يجتهد وحديث معاذ نص في الباب

стр. 513

الفصل الرابع في التخصيص على مشاهير المجتهدين من الصحابة والتابعين وغيرهم ولا خفاء بامر الخلفاء الراشدين إذ لا يصلح للامامة إلا مفتي وكذا كل من أفتى في زمانهم كالعبادلة وزيد بن ثابت ومعاوية قلدة فقال الشافعي في مسألة واصحاب الشورى قيل انهم كانوا مفتين لان عمر ﵁ اجمل الأمر فيما بينهم فدل على صلاح كل واحد له قال القاضي وهذا فيه نظر إذ ما من واحد إلا وشبب عمر فيه بشئ لما أن عرض عليه فقال في طلحة صاحب ختروانة أي واستكبار وفي الزبير صاحب المد والصاع وفي سعد إنه صاحب مقنب

стр. 514

وفي علي إنه صاحب دعابة وفي عثمان إنه كلف بأقاربه فلا يتلقى حكم اجتهادهم من هذه المآخذ وأبو هريرة لم يكن مفتيا فيما قاله القاضي وكان من الرواة والضابط عندنا فيه أن كل من علمنا قطعا أنه تصدى للفتوى في أعصارهم ولم يمنع عنه فهو من المجتهدين ومن لم يتصد له قطعا فلا ومن ترددنا في ذلك في حقه ترددنا في صفته وقد انقسمت الصحابة إلى متنسكين لا يعتنون بالعلم وألى معتنين به فأصحاب العمل منهم لم يكن لهم مرتبة الفتوى والذين علموا وأفتوا فهم المفتون ومطمع في عد أحادهم بعد ذكر الضابط وهو الضابط أيضا في التابعين وللشافعي في الحسن البصري كلام

стр. 515

وأما مالك فكان من المجتهدين نعم له زلل في الاسترسال على المصالح وتقديم عمل علماء المدينة وله وجه كما ذكرناه من قبل وأما أبو حنيفة فلم يكن مجتهدا لأنه كان لا يعرف اللغة وعليه يدل قوله ولو رماه بأبو قبيس وكان لا يعرف الأحاديث ولهذا ضري بقبول الأحاديث الضعيفة ورد الصحيح منها ولم يكن فقيه النفس بل كان يتكايس لا في محله على مناقضة مآخذ الأصول ويتبين ذلك باستثمار ثنا مذاهبه فيما سنعقد فيه بابا في آخر الكتاب الله أعلم

стр. 516

الباب الثاني في أحكام التقليد وهو ثمانية فصول الفصل الأول في حقيقة التقليد قال قائلون إنه قبول قول بلا حجة فعلى هذا قبول قول رسول الله ﷺ ليس بتقليد فإنه حجة وكذا قول الصحابي إن رأيناه حجة وقال آخرون هو قبول قول من لا يدري من أين يقول فعلى هذا قبول قول الكل تقليد سوى قول رسول الله ﷺ على قولنا إنه لا يجتهد وقال القاضي لا معنى للتقليد ويجب على العامي قبول قول المفتي وعلينا قبول قول رسول الله ﷺ وقول الصحابي إن رأيناه حجة في حق من يجب قبوله

стр. 517

والمختار عندنا أن جملة أصحاب الملل لم يتحصلوا به من أعمالهم وعقائدهم إلا على تقليد خلاف ما قاله القاضي فمن صدق رسول الله ﷺ فهو مقلد إذ لا يدرك صدقه ضرورة وكيف يعلم صدقه ولا يعلم بقوله وجود مرسله نعم لو ترتب الناظر وافتتح أولا نظره في حدوث العالم وإثبات الصانع وانحدر إلى إثبات النبوات وتصديق النبي فهو عارف وليس بمقلد ويندر من يوفق له ومعظم الناس تلتزم الشرع من نفس الشرع فهي مقلدة الشرع ولكن يراعى أدب الشرع في الإطلاق فيسمى قوله ﵇ حجة ويسمى اتباع المجتهد تقليدا وإن كنا نعلم حقيقة الحال على ما ذكرناه

стр. 518

الفصل الثاني في أن الصحابي هل يجب تقليده وقد اختلفوا فيه فقال قائلون لا يجب لأنهم لا يعصمون وهذا يبطل بالراوي وتمسكوا أيضا بأنهم كانوا يختلفون ولم يوجب بعضهم على البعض الاتباع والتوافق وهذا ينقضه قول المفتي منا فإنه حجة في حق العامي وإن لم يكن حجة في حق المفتي فلا يبعد تبعيض الأمر أيضا في حقهم وتمسكوا بأنهم سوغوا الخلاف فإيجاب الاتباع رفع لما توافقوا عليه من جواز الخلاف وتمسك الموجبون للتقليد بقوله ﵇ أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم وبقوله ﵇ خير القرون قرني

стр. 519

وهو ظاهر محمول على السيرة بدليل قوله ﵇ اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر ولا يتعين اتباعهما من بين سائر الصحابة وقد قال بتعيينهما قائلون والمختار ما خالف القياس من مذاهبهم متبع لأنا لا نظن بهم التحكم فنعلم أنهم استندوا إلى نص وإن وافق القياس فلا

стр. 520

ويطرد ذلك في التابعي إذا لم يعرف له مستند باطل ولا يتبع مذهب مالك في خيار المتابعين لعلمنا بفساد مستنده ولا مذهب أبي حنيفة في شهود الزوايا وإن خالف القياس لعلمنا بأنه بناه على الاستحسان الفاسد ولم نتبع ابن مسعود في حطه قيمة العبد عن الحر ولا ابن عباس في تقدير أجره الآبق بأربعين لما ذكرناه في باب الاستحسان والله أعلم

стр. 521

الفصل الثالث في أن المجتهد هل يقلد المجتهد في القبلة وغيرها وهو ممنوع عند الأستاذ والقاضي والشافعي تمسكان هذا من القاضي بأن قول الرسول ﵇ حجة لدلالة المعجزة على صدقه وقول العالم حجة على المقلد لدليل قاطع ولا قاطع على جواز قبول العالم قول العالم وما لا قاطع في قبوله فهو مقطوع ببطلانه وهذا أصل للقاضي ذكرناه في كتاب الأخبار والقياس ونحن لا نرى ذلك والأستاذ تمسك بأن المجتهد يجب عليه مراعاة ترتيب الأدلة فلا يقدم قياسا على نص والتقليد بالنسبة إلى الاجتهاد فرعه فيقال له هذا تحكم في ترتيب ما لا دليل عليه

стр. 522

والمختار ان المسألة في مظنة الاجتهاد ولا قاطع على قبوله ورده وقد اتفقوا على جواز التقليد عند ضيق الوقت وعسر الوصول إلى الحكم بالاجتهاد والنظر

стр. 523

الفصل الرابع فيما يجب على المقلد أن يرعاه ليستبين كون المفتي مجتهدا والمختار يكفيه أن يتعرف عدالته بقول عدلين ويسمع عنه قوله إني مفتي لأن اعتبار تلقفه المشكلات من كل فن وامتحانه به تكليف شطط ويعلم أن أصحاب البوادي من عصر الصحابة كانوا لا يفعلون ذلك وإن ذكره القاضي في التقدير واشتراط تواتر الخبر بكونه مجتهدا كما قاله الأستاذ غير سديد لأن التواتر يفيد في المحسوسات وهذا ليس من فنه وقال القاضي مرة يكفيه أن يخبره عدلان بأنه مفتي والله أعلم

стр. 524

الفصل الخامس في وجوب تقليد الأفضل وقد أوجبه جماعة لأنه أعلم وعلل آخرون بوجوب تقديم الأفضل في الإمامة وذلك مسلم في الإمامة لأن مبناه على المصلحة وهو الأصلح حتى لو عارضته شوكة واتفق عقده للمفضول وكان في منازعته خصام دائم يقضي بانعقاده ولا يجب تقديم الأفضل في الفتوى لعلمنا بأن العبادلة الأربعة كانوا يراجعون في زمن الخلفاء الراشدين

стр. 525

الفصل السادس في ذكر ما يجب على المقلد مراعاته بعد موت مقلده وقد قال الفقهاء يقلده وإن مات لأن مذهبه لم يرتفع بموته وأجمع علماء الأصول على أنه لا يفعل ذلك ولو اتبع الآن عامي مذهب أبي بكر معرضا عن سائر المذاهب لا يجوز له ذلك فإن الصحابة كانوا لا يعتنون بنخل المسائل وتهذيبها وإنما اعتنى به المتأخرون وكان أعظم شغل الأولين تقعيد القواعد فلا يفي مذهبهم بجملة الوقائع فإن وجد مجتهد عاصره وجب عليه أن يقلده وإن لم يجد قال قائلون يتبع آخر مجتهد مات وهذا فاسد

стр. 526

فيتبع أعظمهم نخلا لجميع المسائل وأسدهم طريقا ثم يستبين مذهبه بقول ناقل ورع فقيه النفس متهد إلى نصوص صاحبه وليس يشترط أن يكون متعمقا في الأصول فإنه لو كان كذلك لكان مجتهدا ولكنه كالمجتهد في نصوص صاحبه كما أن صاحبه مجتهد في نصوص الشارع قال القاضي يجوز له أن يقيس على نصوص غيره فينقل من مذهبه كما يقاس على نص الشارع

стр. 527

الفصل السابع في أنه هل يجب تكرير مراجعة المفتي وقد أوجبه قوم لاحتمال تغير الاجتهاد ومنعه الآخرون لأن احتماله كاحتمال النسخ في زمان رسول الله صلى عليه وسلم وكانوا لا يكررون المراجعة والمختار أن المسافة بينهما إن كانت شاسعة والواقعة كانت تكرر في كل يوم كالصلاة والكفارة فلا يراجع قطعا لعلمه بأن المقلدة في زمان رسول الله ﷺ كانوا لا يفعلون ذلك وإن كانت الواقعة لا يكثر تكررها فالظاهر أيضا أنه لا يراجع لأنا نستدل بعدم مراجعتهم في تلك الصور مثله في هذه الصورة ثم يخرج على هذا الاختلاف وجوب الإخبار على المفتي إذا تغير اجتهاده

стр. 528

الفصل الثامن في المسألة إذا ترددت بين مفتيين على التناقض ولم يمكن الجمع بين قوليهما مثل القصر في حق العاصي بسفره واجب عند أبي حنيفة والإتمام واجب عند الشافعي فيجب على المستفتي مراعاة الأفضل واتباعه وإنما لم نوجب عليه اتباع الأفضل حيث لم يظهر الخلاف لما عهد من الصحابة من مراجعة الكل ونعلم أنهم كانوا يقدمون قول أبي بكر ﵁ على قول غيره عند التناقض ثم الأفقه مقدم على الأورع وإن تساويا من كل وجه قال قائلون يتخير وقال الآخرون يأخذ بالأشد وقال آخرون يأخذ بالأثقل عليه ويراجع نفسه فيه

стр. 529

والمختار لا يتبين إلا بتقديم مقدمتين إحداهما أن الشريعة هل يجوز فتورها وقد أجمعوا على تجويز ذلك في شريعة من قبلنا سوى الكعبي بناء على وجوب مراعاة الأصلح على الله وهو ينازع في هذه القاعدة ثم لا يسلم عن دعوى الصلاح في نقيض ما قاله والمختار أن شرعنا كشرع من قبلنا في هذا المعنى وفرق فارقون ثم بأن هذه الشريعة خاتمة الشرائع ولو فترت لبقيت إلى يوم القيامة وهذا فاسد إذ ليس في العقل ما يحيله والذين فترت عليهم الشرائع وقد ماتوا قد قامت قيامتهم إذا لم يلحقهم تدارك نبي آخر

стр. 530

وقال رسول الله ﷺ سيأتي عليكم زمان يختلف رجلان في فريضة فلا يجدان من يقسمها بينهما وقوله تعالى إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ظاهر معرض للتأويل ويمكن تخصيصه بالقرآن دون سائر أحكام الشرع وهذا كلام في الجواز العقلي واما الوقوع فالغالب على الظن ان القيامة ان قامت عن قرب فلا تفتر الشريعة وان امتدت إلى خمس مائة سنة مثلا لأن الدواعي متوفرة على نقلها في الحال فلا تضعف إلا على تدريج ولو تطاول الزمن فالغالب فتوره إذ الهمم إلى التراجع مصيرة ثم اذا فترت ارتفع التكليف وهي كالاحكام قبل ورود الشرائع وزعم الاستاذ ابو اسحق انهم يكلفون الرجوع إلى محاسن العقول وهذا لا يليق بمذهبنا فإنا لا نقول بتحسين العقل وتقبيحه المقدمة الثانية في تقدير خلو واقعة عن حكم الله مع بقاء الشريعة على نظامها وقد جوزه القاضي حتى كان يوجبه وقال المآخذ محصورة والوقائع لا نهاية لها فلا تستوفيها مسالك محصورة وهذا قد تكلمنا عليه في الاستدلال من كتاب القياس
следующие страницы →