المقدمة
إن الحمد لله نحمده نستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﷺ وبعد:
فإن الله قد أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، وأنزل كتابه ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ويهدي إلى صراط مستقيم.
وقد تنكبت البشرية طريق الهداية ووقعت في الغواية واستشرى فيها الفساد في نواحي كثيرة من مناحي حياتها، وكان من أكثر انحرافاتها خطراً وأعظمها جرماً انحرافهم في الله ، فقد ضل البشر عن ربهم ضلالاً بعيداً وجهلوه جهلاً شديداً أورثهم كثيراً من الضلالات والانحرافات.
وكان من أعظم مصادر ضلال البشر اعتمادهم على نظرهم القاصر وقياسهم الغائب على الشاهد، وقولهم على الله بلا علم.
وكان من حاملي لواء الضلالة في العالم الفلاسفة وروادهم في ذلك الضلال المتقدمون منهم وهم فلاسفة اليونان، الذين برزوا على الناس بدعوى النظر العقلي، والتدقيق في الأمور، والمسائل المتعلقة بالإنسان، ثم لم يكتفوا بذلك، حتى جادلوا في الله بغير علم، ولم يكن ظاهراً أمام أعينهم إلا الإنسان والمخلوقات المحيطة بهم، فقاسوا ما غاب عنهم على ما يشاهدونه، فكان ذلك من أعظم أخطائهم وغلطاتهم، ثم ما لم تسعفهم به عقولهم ونظرهم استلفوه واستلهموه من عقائد مجتمعهم، وما تربوا عليه في الأصل من الوثنيات والضلالات، فنتج عن ذلك كله مقولات في الله ﵎ هي من أفسد المقالات وأقبحها، وأكثرها بعداً عن العقل السليم، إلا أنها مع ذلك راجت على
стр. 2
كثير من بني البشر لما لبست ثوب العلم والنظر العقلي.
ويبدو - والله أعلم - أنها راجت بفعل وسوسة الشيطان، وقابلية كثير من الناس لذلك، لما فيها من إرضاء غرور الإنسان وإعجابه بنفسه وذكائه، فيرى أنه توصل إلى علم مغيب عنه بحسن نظره وقوة ذكائه، فيتيه بذلك كبراً وغطرسة، ويجتهد في الدفاع عن قناعته الشخصية، التي هي أشبه بالزبد الذي لا يشفي ولا يروي.
فتأثر بتلك المقولات الفاسدة كثير من أتباع الأديان، فقد دخلت على اليهود وتأثروا بها كثيراً، وأثرت في معرفتهم لربهم وعبادتهم له ، كما دخلت بشكل أكبر على النصارى، حتى آل أمر الديانة النصرانية إلى مزيج فلسفي وثني، ضاعت معه معالم التوحيد والنور.
وكما هو معلوم، فإن كلا من الديانتين السابقتين قد انطفأ نورها واستحكمت الضلالة على أهلها، بما حرفوا وضيعوا من وحي الله وشرعه، إلا أن الله تعالى الرحيم الكريم لم يترك البشر ألعوبة بيد أهل الضلالة يلقنونهم الغواية تلو الغواية، وإنما أرسل من لطفه وكرمه نبيه الكريم محمداً ﷺ إلى بني البشر كافة، وأنزل معه الكتاب بالحق ليقوم الناس بالقسط، ويتعرفوا على ربهم ﵎ المعرفة الصحيحة، التي تنير قلوبهم، وتشرح صدورهم وتزيح عنهم غشاوة الجهل والضلالة، وترفع عنهم إصرهم والأغلال التي غلهم بها الشيطان وحزبه من الفلاسفة، وأضرابهم من الأحبار والرهبان.
فأنار الله بالوحي المنزل أرجاء الدنيا، وأظهر للناس المقولة الحقة في الله ﵎، فتعرفوا على ربهم من خلال ما أنزل في كتابه، وما بينه ودعا إليه رسوله ﷺ ، فتحولت معرفتهم بربهم وحقوقه جل وعلا من رب فقير لا حول له ولا طول ولا قدرة ولا إرادة ولا حق له ولا جزاء عنده لمطيع ولا عقوبة لعاص، إنما هو تعالى عن قولهم معطل غاية التعطيل مجحود خلقه، ومكفورة نعمته،
стр. 3
ومعزوة إلى غيره من العقول والنفوس والأوثان والأصنام، مشكور غيره من المربوبين والمخلوقين من البشر والأصنام ـ فتحولت معرفة الناس من تلك المعرفة التي أملاها عليهم الفلاسفة، ومن أخذ بقولهم إلى أن الله ﵎ هو الواحد الأحد الفرد الصمد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، ذو الجلال والإكرام، ذو الجبروت والملكوت، حي لا يموت، قيوم لا ينام، الخالق الباري المصور السميع البصير العليم الحكيم، ذو العزة والانتقام، وذو الرحمة والإنعام، لا يخفى عليه من شؤون عباده شيء، ويدبر أمورهم ويتصرف فيهم، لا يشاؤون إلا ما شاءه لهم، ولا ينالون إلا ما قضاه لهم، وهو الغني ذو الرحمة، فما من نعمة إلا هو مصدرها، وهو رازقها والمنعم بها، وما من بلية إلا هو وحده القادر على رفعها ودفعها، له العبادة وحده، وله الشكر وحده دون من سواه، وهو المتفضل على من أطاعه بجنة عرضها السماوات والأرض يوم القيامة رحمة وفضلاً، وهو المنتقم ممن عصاه في نار وقودها الناس والحجارة عدلا.
فأشرقت الأرض بهذا العلم وهذا النور وهذه المعرفة، وثاب من شاء الله هدايته من الناس إلى ربهم، يعبدونه ويشكرونه، بعد أن عرفوه المعرفة الصحيحة، وآمنوا به الإيمان الصحيح، وخلعوا عنهم ضلالات الجاهلية وسخافاتها، واستمر هذا الحال بأمة الإسلام دهراً، إلى أن دب إليهم الداء الدوي، والشر المستطير، ألا وهو الإعراض عن الوحي، والإعجاب بالآراء والأهواء، فإذا بالطريق مطروق، والبضاعة موجودة، ألا وهي مقولات الفلاسفة، فتلقفها من المسلمين رديء الحظ، سيء النظر، ممن جهل ربه، وجهل دينه على تفاوت بينهم في مقدار الأخذ منها، فمنهم من استبدل الخبيث بالطيب، فأقصى وحي الله ، وأخذ بزبالة الأذهان، وحثالة المقولات، وجعلها أصلاً، ولم يقم لغيرها من وحي الله ونوره وزناً، وهؤلاء هم من يسمون (فلاسفة المسلمين) ويدخل فيهم الباطنيون وفلاسفة الصوفية أصحاب وحدة الوجود.
стр. 4
ومن المسلمين من أخذ بشيء من الفلسفة وترك شيئاً، فكان ما أخذه شر أقواله، وأخبث مقولاته، وهدم به ما قابله من نور الله ووحيه، وهؤلاء هم (المتكلمون) من الجهمية، والمعتزلة، والأشعرية، والماتريدية، الذين أقاموا معرفتهم بالله على قواعد فلسفية، مما ظنوا أنه لا يتعارض مع وحي الله وشرعه، وراحوا يحاولون التلفيق بين الوحي المنزل، وشرعة الفلاسفة وأنى يلتقيان:
ذهبت مشرقة وذهبت مغرباً … شتان بين مشرق ومغرب
فصاروا لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، إلا أنهم أسعد حالاً من سابقيهم، بما عندهم من الوحي والشرع.
ولا شك أن أسعد الجميع حالاً من جعل شرع الله ووحيه هو إمامه وقائده وملهمه ومعلمه وموجهه، وهم سلف هذه الأمة من أصحاب رسول الله ﷺ ، ومن التزم بنهجهم وطريقهم من التابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم القيامة، ممن لم يرد عن الله بديلا، ولا عن شرعه تحويلا، وقد أيقن هؤلاء أن النور والحق والنجاح والفلاح في شرع الله: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً﴾ النساء (١٢٢) ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً﴾ النساء (٨٧) وأن ما عداه إنما هو وسواس الشياطين، ليس له نصيب ولا حظ من العلم والحق.
وفي هذه الدراسة سنذكر قول الفلاسفة في التوحيد، ونبين بطلانه بما يفتح الله به من أوجه بطلان تلك المقالات، وإن كان يغني عن بيان بطلان الباطل سماعه، وذلك لأن مقالة الفلاسفة هي الأصل لسائر أقوال أهل التعطيل من الجهمية والمعتزلة وغيرهم.
كما سنلقي قبل ذلك الضوء على مذهب السلف في التوحيد، حتى يتبين مقدار الفرق بين المقالتين، وما تضفيه مقالة الفلاسفة على النفس من الظلمة
стр. 5
والحرج، وما تكتسي به النفوس من النور والبهاء والراحة بتعرفها على ما جاء عن الله وما جاء عن رسوله ﷺ من توحيد الله ﵎.
وقد جعلت هذه الدراسة في مقدمة وفصلين:
الفصل الأول: تعريف موجز بمذهب السلف في التوحيد.
وفيه تمهيد ومبحث واحد في: بيان أنوع التوحيد الواجب لله عند السلف
الفصل الثاني: قول الفلاسفة في التوحيد وفيه تمهيد ومبحثان:
أما التمهيد: ففيه تعريف الفلسفة والفلاسفة
المبحث الأول: قول ملاحدة الفلاسفة وبيان بطلانه.
المبحث الثاني: قول المؤلهة من الفلاسفة، وبيان بطلانه.
المطلب الأول: قولهم في وجود الله تعالى وصفاته، وبيان بطلانه.
المطلب الثاني: قولهم في إيجاد الكون، وبيان بطلانه.
خاتمة: وفيها أهم النتائج.
стр. 6
الفصل الأول:
تعريف موجز بمذهب السلف في التوحيد
تمهيد:
قبل أن نشرع في بيان عقيدة السلف في التوحيد يجدر بنا أن نعرف بمفردات مهمة:
أولاً - السلف:
السلف لغة: جمع سالف. وهو كل من تقدمك من آبائك وذوي قرابتك في السن أو الفضل (١).
والسلف اصطلاحاً: هم أصحاب النبي ﷺ ، ثم التابعين لهم بإحسان ومن تبعهم من أئمة الدين وأعلام الهدى، بخلاف من رمي ببدعة من الخوارج أو الشيعة أو الجهمية أو المعتزلة ونحوهم (٢).
ثانياً - التوحيد:
التوحيد لغة: مصدر وحد يوحد توحيداً، فهو موحد والواحد والأحد يدور معناه على الانفراد (٣).
والتوحيد اصطلاحاً: هو اعتقاد أن الله واحد في ذاته وواحد في ربوبيته، وواحد في أسمائه وصفاته واحد في ألوهيته وعبادته وحده لا شريك له.
فهذا التعريف يتضمن الإقرار والإيمان بأن الله واحد فرد من جميع الوجوه فهو واحد في ذاته لا ولد له ولا والد، وليس ثلاثة كما يدعيه النصارى - تعالى الله عن ذلك.
стр. 7
وهو واحد في ربوبيته، لا خالق معه ولا متصرف ولا مدبر لشيء في هذا الكون غيره، إنما الكون كله خلقاً وتدبيراً وتصرفاً بيده سبحانه.
وواحد في أسمائه وصفاته لا مثيل له سبحانه.
وواحد سبحانه في عبادته لا شريك له في العبادة لا أولياء ولا وسطاء، وإنما العبادة له وحده لا شريك له.
ونشير هنا إلى أن السلف ﵏ لهم منهج واضح في الاستدلال على التوحيد وسائر مسائل العقيدة وتقريرها، ويمكن استخلاص هذا المنهج من كلام الآجري (١) ﵀؛ حيث قال في كتابه الشريعة: "باب الحث على التمسك بكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ وسنة أصحابه ﵃ وترك البدع وترك النظر والجدال فيما يخالف فيه الكتاب والسنة وقول الصحابة ﵃ " (٢).
ومثله قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٣) ﵀: "ثم من طريقة أهل السنة والجماعة اتباع آثار الرسول ﷺ باطنا وظاهرا، واتباع سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار واتباع وصية رسول الله ﷺ حيث قال: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة" (٤).
стр. 8
ويعلمون أن أصدق الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، ويؤثرون كلام الله على غيره من كلام أصناف الناس، ويقدمون هدي محمد ﷺ على هدي كل أحد" (١).
ومن خلال ذلك نستطيع أن نستخلص أن منهج السلف في الاستدلال على التوحيد يقوم على أربع قواعد هي:
١ - الاعتماد على الكتاب والسنة في أصول المسائل وتفريعاتها.
٢ - اتباع سلف الأمة من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان.
٣ - عدم عرض شيء من ذلك على الآراء والأهواء.
٤ - الحذر من البدع وأهلها.
فهذه القواعد هي عمدتهم في تقرير كل ما يتعلق بتوحيد الله تعالى، بل وجميع مسائل العقيدة والأمور الشرعية، وكل من نظر في كتبهم المصنفة في هذا الباب فإنه يجد الالتزام الواضح بهذه القواعد وتطبيقها في جليل المسائل ودقيقها.
مبحث في أنواع التوحيد الواجب لله عند السلف
التوحيد هو رأس دعوة الرسل وغاية جهادهم وتبليغهم من لدن آدم ﵇ إلى آخرهم نبينا محمد ﷺ ، ويكفي في الدلالة على ذلك قوله ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ النحل (٣٦).
وقال ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ الأنبياء (٢٥).
وقد ذكر الله عن سائر أنبيائه دعوتهم إلى التوحيد والتركيز عليه فهو
стр. 9
البداية وهو الغاية.
وهذا التوحيد الذي دعا إليه الأنبياء ﵈ وحققوه في أنفسهم وطلبوا من الناس تحقيقه هو توحيد الله بالعبادة، وهو وإن كان أحد أنواع التوحيد كما سيتبين إلا أنه أهمها وأعظمها، والإقرار به متضمن للإقرار بما سواه والانحراف عنه هو ديدن بني آدم من المشركين والكفار، لهذا كان الاعتناء به والبداءة بتحقيقه أولاً قبل أي مطلب آخر هو منهج الأنبياء ﵈.
وكما هو ظاهر فإن من أقر لله بالألوهية وعبده دون غيره، فإن ذلك متضمن للإقرار له بالأسماء والصفات والربوبية كما سنبين.
وقد خلف الصالحون من كل أمة أنبياء الله في الاستقامة على منهجهم ودينهم وطريقتهم، وخلف نبينا محمد ﷺ سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين في الإقرار لله بالتوحيد.
وهذا التوحيد على مذهب السلف ثلاثة أنواع هي: توحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، وتوحيد الألوهية.
أولاً: توحيد الربوبية:
معناه، الإقرار بأن الله هو الخالق الرازق المحي المميت المدبر لشؤون هذا الكون، والمتصرف فيه وحده، ليس له في ذلك ظهير ولا معين ولا شريك ولا مثيل.
ويصرح السلف بأن هذا النوع من التوحيد أدلته أكثر من أن تحصى أو تستقصى. ومن أهم هذه الأدلة وأظهرها: الفطرة.
والمراد بالفطرة لغة: الخلقة ١.
стр. 10
أما المراد بها هنا فهو: أن الله تعالى قد خلق البشر عموماً على الإقرار بربوبيته تعالى وتوحيده، ومن المعلوم أن الله جل وعلا قد فطر الناس على أشياء كثيرة عديدة، ومن ضمن ما فطرهم عليه الاقرار لله بالربوبية. وهذا هو الذي يفسر اتفاق البشر على الإقرار لله بالربوبية، ولم يخالف في ذلك إلا شواذ من البشر من الملاحدة، مثل فرعون ومن كان على شاكلته (١).
ويستدلون لهذا الدليل بأدلة عديدة، منها:
قوله ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ الأعراف (١٧٢).
وأخرج الإمام أحمد (٢) بسنده عن ابن عباس ﵁ مرفوعاً: "إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم بنعمان ـ يعني بعرفة ـ فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها، فنثرهم بين يديه كالذر، ثم كلمهم قبلاً قال: ألست بربكم قالوا: بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين " (٣).
стр. 11
وكذلك حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كمثل البهيمة تنتج البهيمة هل ترى فيها من جدعاء " (١).
وحديث عياض بن حمار المجاشعي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال ذات يوم في خطبته: "ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا: كل مال نحلته عبداً حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا … " (٢) الحديث.
فهذه الأدلة تدل على أن الخلق مفطورون على الإقرار بالخالق.
ولا شك أن ذلك من رحمة الله تعالى بخلقه ولطفه بهم، إذ غرس فيهم الإقرار بربوبيته، ولذلك فوائد عظيمة، من أهمها: أن عبادة الله تعالى لا تتم إلا بالإقرار بربوبية الله.
ومن المعلوم أن أعظم حقوق الله على عباده وواجباتهم نحوه هو عبادته تعالى. فإذا كان دليل استحقاقها، وهو الربوبية حاضر في النفس مسلم به من العبد، سهل انقياده لهذا الأمر، وهو العبادة.
كما يستدل السلف على ربوبية الله بما بثه جل وعلا في الكون من الآيات الظاهرة الباهرة القاهرة، التي تدل على ربوبيته دلالة واضحة صريحة، لا يغفل عنها أو يجحدها إلا أعمى البصر والبصيرة.
فإن السماء وما فيها آية عظمى دالة على عظمة خالقها وموجدها، وما
стр. 12
بين السماء والأرض من الكواكب آيات واضحات ظاهرات، وفي الأرض آيات لا تحصى ظاهرة في جبالها وسهولها وأنهارها ومياهها وبحارها وهوائها وأشجارها وما بث فيها من دابة، وفي نفس الإنسان من الآيات ما لا يمكن رده وجحده بل الأمر كما قيل:
وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد (١)
فهذه الدلائل الواضحة الظاهرة هي دالة على الله ، لمن كان في نفسه شك أو تردد، وإلا فالواقع أن الإقرار بالربوبية عام فطري، كما قال الرسل ﵈ ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إبراهيم (١٠)(٢).
لهذا لا حاجة لتكلف الأدلة، لأن الواضح لا يحتاج إلى توضيح، والظاهر لا يحتاج إلى استظهار وكما قيل:
وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل (٣)
وتكلف الأدلة في ذلك كما هو شأن الفلاسفة ومن سلك منهجهم من المتكلمين وغيرهم إنما يمكن أن يصح في الاستدلال على القضايا الخفية، أما الأمور الظاهرة الواضحة المتفق عليها لا يحتاج إثباتها إلى تكلف دليل أو برهان.
ولا شك أن من رحمة الله ولطفه بعباده أن جعل أدلة وبراهين ربوبيته فطرية ظاهرة، يؤمن بها ويدركها أقل الناس حظاً من العلم والنظر، بل إن الأدلة لوضوحها وظهورها تضطر الإنسان اضطراراً إلى الإيمان بخالقها وموجدها رباً وخالقاً.
стр. 13
وهذا الإقرار والاضطرار مهم غاية الأهمية، بل هو من رحمة الله بعبيده وخلقه، لأنه ينبني عليه عبادة الله ، التي هي الغاية من خلق الإنسان، وهو سبيل نجاته، إذ لا نجاة للعبد بدون إخلاص العبادة له ، فلهذا جعل الدليل على استحقاقه للعبادة وحده دون سواه كونه سبحانه هو الخالق الرازق المالك، المتصرف وحده دون سواه، وذلك كله من رحمة الله ولطفه بعباده.
لهذا كثر في القرآن ربط الألوهية بالربوبية، ووجوب عبادة الله وحده، استناداً على وحدانيته في ربوبيته جل وعلا، ومن ذلك قولهعز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ البقرة (٢١ - ٢٢).
وقال ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ الأنعام (١٠٢).
وقال جل وعلا ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ النمل (٦٠).
إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ربوبية الله ، والتي أقام الله بها الحجة على المشركين، الذين يقرون بربوبيته سبحانه، وينكرون وحدانيته في العبادة، ويعبدون معه سواه.
* ثانياً: توحيد الأسماء والصفات:
هو اعتقاد أن الله تعالى له الأسماء الحسنى، وله الصفات العلى الكاملة، التي لا يماثله فيها أحد.
стр. 14
والسلف يلتزمون من ذلك بما ورد في الكتاب والسنة، فمن نظر في كتبهم المصنفة مثل كتاب (السنة) للإمام أحمد، و (خلق أفعال العباد) للبخاري (١)، و (الرد على بشر المريسي) (٢) للدارمي (٣) و (السنة) لابن أبي عاصم النبيل (٤) و (السنة) للطبري، و (الشريعة) للآجري، و (الرؤية) للدارقطني (٥) و (الرد على الجهمية) لابن منده (٦) و (شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة) للالكائي (٧)، و (النزول) و (الصفات)، و (الرد على الجهمية)، و (عقيدة أصحاب الحديث)
стр. 15
للصابوني (١)، و (الحجة في بيان المحجة) لأبي القاسم التيمي الأصبهاني (٢)، وغيرها كثير، يرى الناظر فيها أنهم أثبتوا كل ما ورد في كتاب الله من صفاته وما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ ، كما رووا في تلك الكتب روايات عديدة عمن تقدمهم من الأئمة والعلماء تحدد موقفهم ومنهجهم في صفات الله .
من ذلك: ما روي عن الإمام أحمد أنه قال في الأحاديث"إن الله ﵎ ينزل إلى السماء الدنيا "، و"أنه يضع قدمه " وما أشبه ذلك: "نؤمن بها، ونصدق بها، ولا كيف ولا معنى (٣)، ولا نرد شيئاً منها، ونعلم أن ما قاله رسول الله ﷺ حق إذا كانت بأسانيد صحيحة ". وقال أيضاً: "يضحك الله ولا نعلم كيف ذلك إلا بتصديق الرسول " وقال: "المشبهة تقول بصر كبصري ويد كيدي وقدم كقدمي، ومن قال ذلك فقد شبه الله بخلقه " (٤).
وقال نعيم بن حماد (٥): "من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف
стр. 16
الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه". (١)
وقال الصابوني في عقيدته: " أصحاب الحديث حفظ الله أحياءهم ورحم موتاهم يشهدون لله بالوحدانية وللرسول ﷺ بالرسالة ويعرفون ربهم بصفاته التي نطق بها وحيه وتنزيله أو شهد له بها رسوله ﷺ على ما وردت الأخبار الصحاح به ونقلته العدول الثقات عنه ويثبتون له ﷻ ما أثبت لنفسه في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ ولا يعتقدون تشبيهاً لصفاته بصفات خلقه … " (٢).
فمن هنا نحدد أن للسلف ﵏ في إثبات الصفات ثلاث قواعد:
القاعدة الأولى: الإيمان بكل ما ورد في الكتاب والسنة من صفات الله نفياً وإثباتاً.
القاعدة الثانية: نفي المماثلة بين الخالق والمخلوق في الصفات.
القاعدة الثالثة: قطع الطمع عن إدراك كيفية اتصاف الباري جل وعلا بالصفات (٣) وسنذكر بإيجاز أدلة كل قاعدة وما يتعلق بها:
стр. 17
القاعدة الأولى: (الإيمان بكل ما ورد في الكتاب والسنة من صفات الله نفياً وإثباتاً).
قد دلت الأدلة الكثيرة على وجوب الالتزام والأخذ بكل ما ورد في الكتاب والسنة في هذا الباب وغيره من أبواب التوحيد والدين ومن هذه الأدلة العامة:
قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ الحشر (٧)، وقوله ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ الأعراف (٣) وقال ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ الأنعام (١٥١)، وقال تعالى ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ النساء (٥٩).
فهذه الآيات دالة بعمومها على وجوب التزام وأخذ كل ما ورد في الكتاب والسنة، ومن ضمن ذلك ما يتعلق بصفات الله تعالى وأفعاله، بل إن هذا الأمر ليس له طريق إلا الوحي، لأن الله غيب عنا فلم نره ولم نر شبيهاً له، فليس أمامنا لمعرفته إلا الخبر، وليس أعلم من الله تعالى ولا أصدق منه جل وعلا، كما قال تعالى ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ البقرة (٢٣١) ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً﴾ كما لا أحد أعلم بالله تعالى من رسوله ﷺ ، وقد أوتي جوامع الكلم، وهو الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، كما قال تعالى ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ النجم (٥٣_٥٤)
فمعرفة الله تعالى المعرفة الصحيحة لا يمكن أن يتوصل إليها إلا من خلال الوحي، وما عدا ذلك إنما هو من باب الخرص والتخمين.
ولا بد أن نشير هنا إلى أن إثبات صفات الله تعالى وفق نصوص الشرع
стр. 18
يلزم منه أمور عدة:
أ- أن الصفات المثبتة لله وفق نصوص الشرع كثيرة منها: الوجه واليدان والعلو والعلم والكلام والسمع والبصر والقدرة والإرادة والحياة والرضى والغضب والرحمة، وغير ذلك.
والله موصوف بها على صفة الكمال، الذي لا يلحقه فيها نقص بوجه من الوجوه، لأنه سبحانه الكامل من كل وجه، وقد دلت الآيات الكثيرة على ذلك، فمن ذلك قوله ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ الصافات (١٥٩) التي تدل على تنزيه الله عن كل نقص وعيب (١)، وقوله ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ البقرة (٢٥٥)، فهذا في كمال العلو له سبحانه ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ النساء (١٦٧) وهذا في كمال العلم، ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ الملك (١٩) وهذا في كمال البصر ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ البقرة (٢٠) في كمال القدرة.
كما ينفى عن الله كل ما نفاه عن نفسه سبحانه أو نفاه عنه رسوله ﷺ مثل قوله ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾ فاطر (٤٤) ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ البقرة (٢٥٠) ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَداً﴾ الجن (٣) ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ الإخلاص (٤) ونحو ذلك.
وكل صفة منفية عن الله فهي دليل من وجه آخر على الكمال، فنفي العجز دليل على كمال القدرة، ونفي السنة والنوم دليل على كمال الحياة والقيومية، ونفي الصاحبة والولد دليل على كمال الغنى وكمال الوحدانية، ونفي المكافئ والمماثل دليل على وحدانيته في صفاته، فلا مثيل له جل وعلا سبحانه.
ب- إن من الصفات الثابتة في القرآن ما يكون كمالاً في حال دون
стр. 19
حال، فلا تثبت لله بإطلاق ولا تنفى عنه بإطلاق، وإنما تثبت في الحال التي تكون كمالاً، كما في الكيد والمكر والخداع والاستهزاء.
فهذه الصفات لم يثبتها الله لنفسه إلا في مقابل فعل أعدائه، فيكون معاملتهم بجنس فعلهم، من الكمال في الانتقام منهم وعقوبتهم، وذلك في مثل قوله ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ آل عمران (٥٤) ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ النساء (١٤٢) ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً وَأَكِيدُ كَيْداً﴾ الطارق (١٥ - ١٦).
جـ- ما لم يرد إثباته ولا نفيه في الكتاب والسنة فلا يجوز إطلاق القول به، لأنه من باب القول على الله بلا علم، وقد حرم الله ذلك كما في قوله تعالى ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ الأعراف (٣٣).
والواجب في مثل ذلك التوقف ومعرفة المعنى المراد، فإن كان المعنى المراد حقاً قبل وغير اللفظ إلى ما يتفق مع الشرع حتى يؤمن اللبس، وإن كان المعنى المراد باطلاً رد لفظه ومعناه. وهذا مثل نفي المتكلمين للجهة والمكان والجسم ونحوها، فإنه إن أريد بالجهة والمكان جهة السفل أو مكان يحوي الله ويحوطه فهو معنى باطل مردود، وإن أريد بالجهة العلو أو المكان فوق العرش فهو معنى حق ثابت لله ، ولكن يغير اللفظ إلى العلو والاستواء على العرش ليؤمن اللبس، وكذلك الجسم إن قصد به جسم مركب من الأعضاء فهو معنى باطل، وإن أريد به الذات الموصوفة بالصفات فهذا حق ثابت لله بالأدلة فيثبت المعنى وينفى اللفظ حتى يؤمن اللبس (١).
стр. 20
القاعدة الثانية: (نفي المماثلة بين الخالق والمخلوق في الصفات).
مما يجب اعتقاده في هذا أن الله ﵎ موصوف بالصفات على صفة تليق بجلاله وعظمته، وأن المخلوق موصوف بصفات على صفة تليق بضعفه وعجزه وحاجته، فلا تُمَاثِل صفات الخالق صفات المخلوق، فإن الله لا يماثله سبحانه شيء في صفاته.
وقد دلت الأدلة على ذلك وهي قوله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ الشورى (١١) وقوله ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ الإخلاص (٤)، وقوله ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ مريم (٦٠) وقوله تعالى ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَال﴾ النحل (٧٤).
فهذه الأدلة دالة على أن الله سبحانه لا يماثله ولا يشابهه ولا يكون مساوياً له بحال من الأحوال أحد من خلقه وهذه هي وحدانيته سبحانه في الصفات فلا يماثله أحد فيها.
ومن الجدير بالذكر هنا التنبيه على أهمية هذه القاعدة، وذلك أن المخلوق موصوف بصفات كثيرة، منها السمع والبصر والعلم والكلام واليد والوجه والقدرة، وغير ذلك، والله تعالى موصوف بتلك الصفات.
فقاعدة نفي المماثلة يتم بها التفريق بين ما اتصف به الله تعالى من الصفات، وبين ما يتصف المخلوق به من الصفات التي قد تتفق مسمياتها عند الإطلاق، إلا أنها تختلف وتتباين وتتميز عند التقييد والتخصيص، فإذا قيل سمع الله وبصر الله فهو يليق بجلاله وعظمته وكماله، وإذا قيل سمع زيد أو عمرو فإن المخلوق موصوف به على صفة تناسب ضعفه وعجزه وأنه مخلوق مربوب.
ويمكن أن تفهم هذه القاعدة بسهولة ووضوح، إذا أدركنا أن كل موصوف بصفة فإن صفاته تلائم ذاته، فمثلاً الإنسان موصوف بالحياة والبصر
стр. 21
والسمع والقدرة، والنملة والفيل كل منهما موصوف بذلك، إلا أن ما يقوم بالإنسان منها يتلاءم ويختلف عما يقوم بكل من النملة والفيل، فكل منهما صفاته تلائم ذاته.
والتماثل في الأسماء لا يلزم منه التماثل في المسميات، بل قد يكون هناك فارق كبير جداً بين المسميين، مع أن مسماهما واحد. ومثل هذا ما ذكر الله تعالى في الآخرة مما في الجنة، وموجود في الدنيا من جنسه، مثل الرمان والطير والأنهار والعسل، فما في الدنيا لا يقارن بما في الآخرة ولا يشابه به. كما قال ابن عباس ﵁ "ليس في الدنيا من الجنة إلا الأسماء". (١)
فإذا كان هذا التفاوت بين المخلوقات، فلا شك أن التفاوت بين الخالق والمخلوق أعظم وأكبر بكثير من التفاوت بين المخلوقات بعضها مع بعض (٢).
القاعدة الثالثة: (قطع الطمع عن إدراك كيفية اتصاف الباري جل وعلا بالصفات).
مما يؤمن به السلف في باب صفات الله أنهم يثبتونها ويؤمنون بها، وهم في الوقت نفسه يجهلون كيف يتصف الباري ﵎ بتلك الصفات.
وذلك لأن الله قد أخبرنا بالصفات، ولكنه جل وعلا لم يخبرنا بالكيفية، كما أخبرنا جل وعلا بأنه سبحانه لا يمكن أن يحاط به علما، فقال جل وعلا ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ طه (١١٠) وقال جل وعلا ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ الأنعام (١٠٣).
فمن هنا كثر كلام السلف في أن الواجب على المسلم أن يؤمن بصفات
стр. 22
الله بلا كيف، كما سبق أن ذكرنا ذلك عن العديد منهم، وكما هو مشهور عن الإمام مالك (١) ﵀ لما جاءه رجل فقال: الرحمن على العرش استوى كيف استوى؟ فقال: " الكيف غير معقول، الاستواء منه غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة " (٢).
وعن شيخه ربيعة (٣) أنه قال: " الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول ومن الله الرسالة وعلى الرسول البلاغ وعلينا التصديق" (٤). فذهبت هذه المقولة أصلا من أصول أهل السنة وهي أن الاستواء معلوم معنىً، لأن الاستواء في اللغة: العلو والارتفاع (٥).
أما كيفية استواء الخالق على العرش فهي مجهولة ولا نعقل كيف يكون ذلك، والإيمان بالاستواء واجب شرعا لورود النصوص العديدة به.
وعدم العلم بكيفية الصفات لا ينفي الصفات ولا يقدح في الإيمان بها وإثباتها. لأن الله أخبرنا بالصفة ولم يخبرنا بالكيفية وطلب منا الإيمان بها ولا تنافي في ذلك، فإن هناك أشياء عديدة نؤمن بها من مخلوقات الله ونحن لا نعرف
стр. 23
كيفيتها، منها الروح التي في الإنسان فإن الإنسان عاجز عن معرفة كنهها وحقيقتها مع أن الإنسان يحس ويشعر بها وقد أخبرنا الله بها في قوله ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾ الإسراء (٨٥)، فأخبرنا عن الروح ولم يخبرنا عن كيفيتها، فنحن نؤمن بها بدون أن نعرف كيفيتها وهذا لا يقدح في إيماننا بها، فكذلك ولله المثل الأعلى صفات الله فجهلنا بكيفيتها لا ينفيها ولا يقدح في إيماننا بها.
وعلى هذا فمن كيّف صفات الله تعالى فقد افترى على الله ، وقفا ما ليس له به علم، قال جل وعلا ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ الإسراء (٣٦).
ثالثاً: توحيد الألوهية:
وهو توحيد الله بأفعال العباد، أو هو إفراد الله بالعبادة وحده لا شريك له.
وهذا النوع من التوحيد أعظم حقوق الله على عباده وأعلاها شأنا وخطراً وقدراً، إذ هو النوع الذي يؤدي فيه العبد لله الحق الواجب عليه له سبحانه، كما قال ﵊ لمعاذ بن جبل ﵁: "أتدري ما حق الله على العباد … ثم قال: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً " (١). والقيام به وأداؤه متضمن لأداء غيره من أنواع التوحيد.
كما أن القيام به لله ، وإخلاص العبادة له ينسجم فيه العبد مع سائر ذرات هذا الكون الساجدة والمسبحة لله عز وجلكما قال ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ
стр. 24
إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ الإسراء (٤٤) وقال ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ … ﴾ الحج (١٨)، كما أنه أول دعوة الرسل، ولا يصح بدونه عمل، ولا يرفع بغيره إلى الله عبادة.
وقد توافرت الآيات القرآنية الكثيرة الدالة عليه، والمصرحة به، والمؤكدة له بما لا يسوغ بحال من الأحوال تجاهله أو تجاوزه إلى غيره، بل إن دعوة الأنبياء عموماً تصب في قالبه، وكما قيل هو الألف والياء، وهو البداية والنهاية، وهو الرأس والجسد، فلا دين إلا به، ولا فلاح إلا بإخلاصه، ولا نجاح إلا بتحقيقه، وهو معنى شهادة أن لا إله إلا الله، وما خلقت الجنة إلا لأهله، ولا خلقت النار إلا لمنكريه والمنحرفين عنه، بل لم يخلق الخلق إلا لتحقيقه والقيام به، وإلا فإن الله غني حميد عزيز مجيد.
وهو أول أمر في ترتيب المصحف الكريم، قال جل وعلا في سورة البقرة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ البقرة (٢١) وهو الإقرار الذي يقر به المسلم، ويعلنه في اليوم سبع عشرة مرة فرضاً في صلاته، وذلك بقوله في سورة الفاتحة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ والآيات الدالة عليه كثيرة جداً منها:
قوله ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ النساء (٣٦).
وقوله ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ يونس (٣) وقال ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ يوسف (٤٠).
وقال ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ طه (١٤).
стр. 25
وقال ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ الأنبياء (٣٥) وقال ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ الذاريات (٥٦).
وهذا النوع من التوحيد هو الذي بسببه قاتل النبي ﷺ الكفار حتى يقروا به، فعن عمر بن الخطاب ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله" (١).
وهذا النوع من التوحيد هو المسمى توحيد العبادة. والذي يعني إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له. والعبادة مثل: الخوف والرجاء والتوكل أو الدعاء والذبح والنذر والصلاة والزكاة والحج والصيام، ونحو ذلك من العبادات التي أمر الله تعالى بها.
ومن صرف شيئاً من أنواع العبادة لغير الله فقد أشرك الشرك الأكبر، الذي يحبط العمل من أصله، كما أنه يفسد الإيمان، ولا يقبل الله معه صرفاً ولاعدلا.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ الزمر (٦٥).
وقال جل وعلا بعد ذكره للعديد من الأنبياء ﵈ ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ الأنعام (٨٨).
وهو الذنب الذي لايغفره الله لمن مات عليه قال تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً﴾ النساء (١١٦).
стр. 26
وصاحبه مخلد في النار أبد الآباد. قال تعالى ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ المائدة (٧٢).
وما ذلك إلا لأن المشرك أظلم الظالمين وأفجر الفاجرين لأنه قد صرف ما هو حق خالص لله تعالى إلى من لا يستحق منه شيئاً ألبته، وأعرض عن ربه وخالقه، والمنعم عليه، والمتصرف فيه إلى من لا يملك من ذلك شيئاً.
هذا هو منهج السلف في توحيد الله تعالى في ألوهيته، ومنهجهم في توحيده سبحانه في ربوبيته وأسمائه وصفاته، ذكرته على سبيل الاختصار.
وهو منهج ظاهر، واضح اعتماده على الخبر الصحيح، والعقل الصحيح، فليس فيه ولله الحمد شيء، يحيله العقل، بل هو مقبول عقلاً، بل إن العقل مضطر إلى كثير من مسائله.
فالحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
стр. 27
الفصل الثاني:
قول الفلاسفة في التوحيد
وفيه تمهيد ومبحثان:
التمهيد
يقف على الضد من قول السلف في التوحيد قول الفلاسفة، ونعني بهم: فلاسفة اليونان الوثنيين.
وذلك لأن مصدر العقيدة في كل منهما مختلف، فمصدر العقيدة لدى السلف الوحي أما العقل فهو تابع للوحي وخاضع له.
أما الفلاسفة فلا يعرفون إلا العقل المجرد من نور الوحي، وهو عقل ملوث بالبيئات الوثنية التي كانوا يعيشون فيها، فلهذا كان قولهم في التوحيد مناقضاً لقول السلف وبعيداً عنه كل البعد، بل بعيد عن العقل السليم الصحيح في أكثر مقدماته ونتائجه، ومع ذلك فقد أثر في أمم كثيرة من بني آدم، وممن تأثر به كثير من المسلمين، والمنتسبين للإسلام، فمنهم من تبنى قولهم وأخذ به والتزمه، ومنهم من تأثر به تأثرا كبيرا في كثير من مناهجه العلمية ووسائله للمعرفة، فأثر بالتالي على النتائج التي توصلوا إليها خاصة فيما يتعلق بمعرفة الله ﵎ وتوحيده.
ولهذا سنذكر في هذه الدراسة قول فلاسفة اليونان عموماً الذين أثبتوا وجود الله ، وكذلك قول من أنكر وجوده ﵎ لأن كلا القولين كان له أثر في المسلمين أو في المنتسبين للإسلام، وسنبين بطلان كل مقالة عند ذكرها.
وقبل أن نبدأ بذلك نذكر تعريفا مختصرا للفلسفة والفلاسفة.
أما الفلسفة: فعرفها أرسطو بأنها: البحث عن علل الأشياء ومبادئها الأولى أو هي العلم الذي يبحث في الوجود من حيث هو وجود (١).
стр. 28
وعرفها ابن رشد (١) بأنها: النظر في الموجودات واعتبارها من جهة دلالتها على الصانع (٢).
وهذان التعريفان خاصان بما نحن بصدده من كلامهم في الله لارتباطهما به.
أما الفلاسفة: فهم الذين نظروا في طبائع الأشياء بفكرهم لمعرفة عللها الخفية وراء ظواهرها.
لذا نجد أن الفلاسفة لم يقتصروا على النظر والتفكر فيما هو ظاهر أمام أعينهم من المخلوقات، وإنما راحوا يبحثون فيما وراء ذلك وهو الخالق جل وعلا ويسمون ذلك ما وراء الطبيعة أو الإلهيات (٣).
وقبل أن نذكر قول الفلاسفة في التوحيد نشير إلى أن الفلاسفة ولجوا في هذا العلم بعقولهم المحدودة، ونظرهم القاصر، وقد أدركوا أن كلامهم إنما هو في أمر لا سبيل إلى التحقق منه بالعقول المجردة وإنما هي محاولات لن يصلوا منها إلى نتيجة حاسمة أبداً، فتبقى هكذا محاولات ومقدمات بلا نتائج لهذا قالوا: "إن عالِمَ ما بعد الطبيعة عالِمٌ درج في غير عشه ببحثه عن شيء فوق الحقائق فإذا هو شاعر" (٤).
ومرادهم بقولهم: (فإذا هو شاعر) أي: أن الفيلسوف يعبر عن خيالاته وأحاسيس نفسه بالعبارات المنمقة التي لا تعتمد على عرض الحقائق على ما
стр. 29
هي عليه.
وقال رسل (١): " إن قيمة الفلسفة ليست فيما تقدمه من حلول نهائية للمسائل التي تطرحها، إذ ليس من الضروري أن تكون هناك دائما إجابات نهائية صحيحة، وإنما قيمة الفلسفة في مناقشاتها المفتوحة والفرصة التي تتيحها لتوسيع أفق تصورنا، ولإثراء خيالنا العقلي، ولتقليل التوكيد الجزمي، الذي يغلق كل سبيل أمام التنامي العقلي " (٢).
هذا الكلام تعبير دقيق عن فائدة الفلسفة ـ إذا كان هناك فائدة ـ وغايتها، وهذه الفائدة تتلخص في أنها تورد الإشكالات ولا تحلها، وتجعل المجال فيما يناقشه الفلاسفة مفتوحا لسائر الآراء والتصورات، مما يمنع الجزم واليقين بالأمر، وهذا لا شك مما يدل على عدم صلاحها، وعدم صحة الاعتماد عليها في مسائل العقيدة التي يطلب فيها الجزم واليقين.
كما أنها لا تصلح بديلا ألبتة للتعاليم الدينية في جميع النواحي التعبدية والأخلاقية والعلمية، لأن مصدر العلوم الدينية والأوامر الشرعية من لدن حكيم خبير، أما الفلسفة فإنها تعتمد على نظر عقلي بشري من أهم خصائصه الواضحة النقص وقلة العلم، وتأثير البيئات المحيطة بطريقة التفكير.
ونشير هنا إلى أن الفلاسفة الوثنيين على قولين في الله تعالى من ناحية وجوده، فمنهم من أنكر وجود الله تعالى جملة وتفصيلاً، فهؤلاء ملاحدتهم، ومنهم من أثبت لله تعالى وجوداً، وهم من يسمون المؤلهة. وسنورد قولهم في المبحثين التاليين:
стр. 30
المبحث الأول: قول ملاحدة الفلاسفة
الفلاسفة اليونان الوثنيون الذين كانوا قبل المسيح ﵇ بأكثر من ستمائة عام (١) قد بحثوا في أصل العالم ومصدر وجوده، فمنهم من أثبت وجوداً لموجود أعلى يعزى إليه علة وجود العالم، ومنهم من أنكر ذلك، وزعم أن وجود العالم أزلي، ولم يعزه إلى موجد أوجده، وهؤلاء هم الملاحدة المنكرون لوجود الله ﵎، وهم على قولين في أصل العالم ومصدره:
القول الأول: القائلون بأن أصل العالم مادي.
أصحاب هذا القول زعموا أن أصل هذا العالم نوع أو أنواع من المادة، وأنكروا أن يكون ثمَّ خالق، وإنما المادة هي أصل العالم.
وهي عند متقدميهم أصحاب المدرسة الأيونية (٢) إما الماء، وهو قول طاليس (٣) أو عنصران هما الهواء والماء، أو اللامحدود، كما هو قول انكسمندريس (٤)، أو الهواء كما هو قول انكسمانس (٥).
стр. 31
أما متأخروهم: فزعموا أن أصل العالم: الجواهر الفردة أو الذرات التي لا نهاية لعددها وحدِّها وهي غير قابلة للتغير والفساد. وهذا هو قول انكساغوراس (١) وديمقريطس (٢) وهيرقليطس (٣) وأبيقور (٤).
فكل هؤلاء زعموا أن الكون تكون من مادة أزلية أبدية، وهذه المادة كانت دائمة الحركة، وبسبب حركتها الدائمة اصطدم بعضها ببعض فأنتجت من خلال هذا التصادم الوجود (٥).
بيان بطلان قول القائلين بأن أصل العالم مادي:
هذا القول ظاهر منه إنكار ربوبية الله عز وجلوألوهيته بل ظاهر منه إنكار وجوده .
وأدلة بطلانه من وجوه:
أولاً: إن اختلافهم وتفاوت أقوالهم في أصل الكون ومبدأ الوجود دليل على بطلان دعاويهم إذ أن التفاوت بين الماء والهواء أو اللامحدود أي الذرات الكثيرة التي لا نهاية لعددها وحدها لا يمكن الخروج منه بقول واحد، فلا بد من أن يتفقوا على شيء واحد لتثبت لهم النتيجة في أصل الكون.
стр. 32
ثانياً: إن هذه دعاوى تخمينية ليست قائمة على أي مبدأ علمي سليم فهم لم يرو من الوجود إلا ما يحيط بهم من الأرض وأنفسهم، فكيف زعموا أن الكون مكون مما ذكروا، مع أن ما لا يرونه وما لا يبصرونه من الكون أوسع وأعظم بملايين المرات مما رأوه، بل ما رأوه لا يعد شيئاً في مقابل ما لم يروه من الكون.
ثالثاً: أن المادة التي زعموا ميتة لا يمكن أن تصدر عنها الحياة، ومن المعلوم أن الكائنات المرئية على قسمين: كائنات حية، وكائنات ميتة جامدة، والمادة من ضمن الكائنات الميتة التي لا يمكن أن تصدر عنها الحياة، فمن أين جاءت الحياة؟؟
رابعاً: أن المادة التي زعموا غير عاقلة ولا مدركة لما حولها، إضافة إلى موتها فكيف يمكن أن يوجد منها ما هو عاقل ومدرك؟؟
خامساً: أن المادة غير قادرة وليس لها إرادة، فكيف يمكن أن توجد ما هو قادر مريد، ففاقد الشيء لا يعطيه؟؟
سادساً: أن هذه الدعوى باطلة ببديهة العقول من ناحيتين:
١ - أن المادة التي زعموا أنها أزلية لا يمكن أن تكون وجدت من لا شيء فهذا مستحيل، فلا بد لها من موجد أوجدها، وإلا تكون وجدت من لا شيء وهذا مستحيل معلوم بطلانه ببداهة العقول.
٢ - أن هذا الكون المنظم من أصغر ذرة فيه إلى أكبر جرم فيه لا بد أن يكون موجده أعظم منه وأكبر، وله صفات الكمال لأنه لا يمكن أن يوجد بهذا التنظيم وهذا الضبط بفعل حركة غير عاقلة، فإن الحركة التي لا يضبطها منظم لها لا يمكن أن يوجد منها شيء ذو معنى، كما لو وضعت حروف الهجاء في بطاقات ثم وضعتها في علبة وحركتها مئات بل ألوف الحركات فإنها لا يمكن
стр. 33
بحال حين توقف الحركة أن تخرج لك منظومة شعرية ولا حكمة نثرية ولا خطبة ولا حتى جملة مفيدة، بل لا يخرج إلا تشويش وكلمات ليس لها معنى، هذا شيء ظاهر في أمر يسير، فما بالك بهذا الكون البديع والخلق العجيب، لا شك أن في كل ذلك دليلاً واضحاً على بطلان دعاوى أولئك الضلال ومن أخذ بأقوالهم، وهم في الحقيقة يكذبون على أنفسهم وإلا فوجوب وجود الخالق ﵎ من أوضح الواضحات.
وقد أقام الله الحجة في ذلك بآية مكونة من كلمات معدودة وذلك قوله ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ الطور (٣٥ - ٣٦).
فإن كونهم خلقوا من غير شيئ مردود بداهة، وأوضح منه في البطلان أن يكونوا هم الخالقين، وأظهر منه بطلاناً أن يكونوا خلقوا السماوات والأرض، فإذا كان الإنسان وهو أقدر المخلوقات على الأرض، وأكرمها بما أعطاه الله من قدرة وإرادة وعقل وسمع وبصر وما إلى ذلك من الصفات والخلق العجيب، لم يخلق من غير شيء فإن تركيبه دال على حاجته إلى صانع، وهو كذلك لم يخلق نفسه لأنه خرج من بطن أمه لا يعلم شيئاً، بل أُخرج من بطن أمه رغماً عنه فكيف يكون خلق نفسه؟؟
وهو كذلك لم يخلق السماوات والأرض فلم يبق إلا أن يكون هناك خالقاً أوجد ذلك كله، وهذا الخالق لا بد أن يكون له من صفات الكمال والجلال ما يمكن أن يتأتى منه إيجاد هذا الكون، وهذا بديهة من البدهيات، فإن من رأى طائرة أو حاسباً آلياً أو غير ذلك من المصنوعات الحديثة العجيبة فإنه يستدل بها على عظمة صانعها وأن لديه إمكانيات مالية وآلات ومواد دقيقة، وقدرات متعددة، فكذلك ولله المثل الأعلى هذا الكون دليل على كمال وعظمة وجلال موجده وخالقه.
стр. 34
وهذا القول أعني: إنكار الخالق، ليس عليه إلا شرذمة قليلة من الفلاسفة الدهريين، وليس له أي صدى لدى المسلمين، بل إن جُلَّ بني آدم يستنكرونه ويردونه، فإن جميع أصحاب الأديان على خلافه، وحتى الدول الشيوعية الملحدة في هذه الأزمان إنما ملاحدتها هم الساسة ومن دار في فلك أحزابهم. أما الشعوب التي تحت حكمهم فهم ما بين نصارى ويهود ومسلمين يقرون بالخالق ويدينون له بدين.
القول الثاني: الوجوديون.
الوجوديون هم القائلون بوحدة الوجود، وأساس مذهبم يقوم على قول القائلين من الملاحدة: إن أصل هذا العالم هو المادة ولا يوجد فيه إلا ما هو جسم، فركب عليه القائلون بوحدة الوجود: إن هذا العالم تشيع فيه قوة حية هذه القوة الحية هي الله تعالى عن قولهم وأنه منبث في هذا الكون في كل ذرة من ذراته وهو القوة المصرفة له (١).
وأول من ثبت عنه هذا القول برمنيدس (٢) ثم قال بهذا الرواقيون (٣) وعلى رأسهم زعيمهم زينون (٤) وميلوس، ثم من أخذ بهذا من الرومان واليهود
стр. 35
والنصارى مثل سبينوزا اليهودي (١).
بيان بطلان قول الوجوديين من الفلاسفة:
قول الوجوديين من جنس قول الملاحدة السابق في عدم إثبات وجود لله وجوداً متميزاً به عن سائر المخلوقات، إلا أن من يسمون بالملاحدة أنكروا وجوده جملة وتفصيلاً، أما هؤلاء فقد زعموا أن وجود هذا الكون هو وجوده وهو ذاته تعالى الله عن قولهم، وهو قول لا نصيب له من الحق والهدى، وأوجه بطلانه هي أوجه بطلان الذي قبله. ويزاد عليها أيضاً:
١ - أن هذا فيه طعن في الله وسب له هو من أقبح الطعن والسب له سبحانه حيث زعموا أنه تعالى عن قولهم هو هذه الموجودات بما فيها من طيب وخبيث وخير وشر، وجعلوه تعالى عن قولهم الناكح والمنكوح، والآكل والمأكول، والشارب والمشروب إلى غير ذلك من المعاني والأحوال المتضادة والمتناقضة، وقد عاب الله من زعم أن الله هو المسيح بن مريم وكفره قال : ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ المائدة (٧٢).
كما عاب ﵎ من ادعى له الولد، وجعل هذا القول من أقبح القول وأفسده، واعتبره سبحانه سباً شنيعاً له، ولم يكن لابن آدم أن يسب الله ﵎ أو ينتقصه قال ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً﴾ مريم (٨٨ - ٩٣).
стр. 36
فإذا كان ادعاء أن الله هو المسيح، وادعاء الولد له بهذه الشناعة والقباحة والاعتداء والظلم فلا شك أن ادعاء أن الله هو هذا الكون بكل ما فيه من طيب وخبيث أشد ظلماً وبغياً وقباحةً، ولا يعدو أن يكون قول سفيه أملاه عليه الشيطان وصور له هذه المقولة والدعوى وزينها له حتى نطق بذلك الإفك المبين.
٢ - إن هذا القول يلزم منه أن الله ﵎ يزيد بزيادة المخلوقات كما يلزم منه في نفس الوقت أنه ينقص ويفنى بنقص المخلوقات وفنائها.
٣ - يلزم من هذا القول أن الله ﵎ يموت ويحرق ويغرق ويتألم ويتأذى ويهان ويصيبه كل ما يصيب المخلوقات عزيزها وذليلها.
٤ - أن هذا يلزم منه أن يكون المخلوق خالقاً لنفسه موجداً لها، وهذا شيء يعلم كل إنسان من نفسه بطلانه، فهو كما سبق أن ذكرنا خرج من بطن أمه لا يعلم شيئاً، بل إنه خُلِق وأُوجِدَ بغير إرادة منه واختيار، وإذا كان هذا حال الإنسان وهو ذو الإرادة والقدرة والقوة فغيره من المخلوقات من باب أولى.
٥ - أن هذا القول يلزم منه أن كل مخلوق صغير أو كبير، حقير أو جليل إله ورب، وجميع العقلاء يدركون بطلان ذلك من أنفسهم ببداهة العقول، إلا أن يكون من سفهاء بني آدم وطغاتهم مثل فرعون وأضرابه، ولا شك أن تصور هذا القول دال على بطلانه ومغن عن الرد عليه.
стр. 37
المبحث الثاني: قول المؤلهة (١)
المؤلهة من الفلاسفة هم: الذين يقولون بوجود موجود أعلى يسمونه الإله، وهم كثير من الفلاسفة المتقدمين والمتأخرين، إلا أنهم يختلفون في تصوراتهم وعباراتهم عن الإله بالنسبة لصفاته وأفعاله وسنذكر قولهم بشيء من التفصيل لأهميته وخطورته.
стр. 38
المطلب الأول: أقوالهم بالنسبة إلى وجود الله وصفاته
القول الأول: قول سقراط (٢): يُؤْثر عن سقراط أنه أثبت صانعاً مدبراً فوق الآلهة الأخرى، والآلهة الأخرى هي أدوات يستعين بها في صنع هذا الوجود (٣).
القول الثاني: قول تلميذه أفلاطون (٤): الذي يذهب إلى أن الله روح عاقل، محرك، جميل، خير، عادل، كامل، وهو بسيط لا تنوع فيه، ثابت لا يتغير، صادق لا يكذب، ولا يتشكل أشكالاً، وهو في حاضر مستمر (٥).
стр. 39
القول الثالث: قول تلميذه أرسطو (١): الذي زعم أن الله جوهر أزلي، وهو عقل ليس جسماً، وليس له مكان، وهو حي ليس بميت، أوحد ليس بمنقسم، محرك لا يتغير ولا يتحرك، وإنما هو محرك لغيره بمعنى أن الأشياء تتحرك به على طريقة تحريك المعشوق لعاشقه (٢).
القول الرابع: أفلوطين (٣): يزعم أن الله جل وعلا هو الأول الواحد المبدع اللامتناهي وأنه لا يوصف بأي صفة من الصفات كائنة ما كانت، فهو عنده الشيء الذي لا صفة له، ولا يمكن أن ينعت ولا يمكن أن يدرك، وهو الغني المكتفى بذاته، البسيط أي غير المركب لا يقبل التجزئ (٤).
بيان بطلان تلك المقالات:
الأقوال السابقة لمؤلهة الفلاسفة يتبين منها أنهم يثبتون إلهاً أعلى يتفقون على إثبات وجوده وجوداً مطلقاً وعلى نفي وصفه بأي صفة ثبوتية، ونفي الحركة عنه، ويمكن أن يقال: إنهم يعتبرونه تعالى عن قولهم: عقل مجرد، أوحد لا ذات له، ولا حركة، ولا تغير وإنما يحرك غيره على طريقة تحريك المعشوق لعاشقه.
стр. 40
القول الثالث: قول تلميذه أرسطو (١): الذي زعم أن الله جوهر أزلي، وهو عقل ليس جسماً، وليس له مكان، وهو حي ليس بميت، أوحد ليس بمنقسم، محرك لا يتغير ولا يتحرك، وإنما هو محرك لغيره بمعنى أن الأشياء تتحرك به على طريقة تحريك المعشوق لعاشقه (٢).
القول الرابع: أفلوطين (٣): يزعم أن الله جل وعلا هو الأول الواحد المبدع اللامتناهي وأنه لا يوصف بأي صفة من الصفات كائنة ما كانت، فهو عنده الشيء الذي لا صفة له، ولا يمكن أن ينعت ولا يمكن أن يدرك، وهو الغني المكتفى بذاته، البسيط أي غير المركب لا يقبل التجزئ (٤).
بيان بطلان تلك المقالات:
الأقوال السابقة لمؤلهة الفلاسفة يتبين منها أنهم يثبتون إلهاً أعلى يتفقون على إثبات وجوده وجوداً مطلقاً وعلى نفي وصفه بأي صفة ثبوتية، ونفي الحركة عنه، ويمكن أن يقال: إنهم يعتبرونه تعالى عن قولهم: عقل مجرد، أوحد لا ذات له، ولا حركة، ولا تغير وإنما يحرك غيره على طريقة تحريك المعشوق لعاشقه.