Полный текст (42 стр.). Показаны 36–42 · переход к 41.
стр. 36
شدّ الرحل لزيارة قبر الرَّسُول ﷺ مَشْرُوعَة أَو مُبَاحَة؟.. وَمَا الدَّافِع وَالْحَامِل على هدا اللف والدوران يَا فَضِيلَة الشَّيْخ؟.. هَل الْأمة وَاقعَة فِي مشكلة صعبة تحاول أَنْت إِيجَاد حل لَهَا وسبيل لخروجها من هَذِه المشكلة؟..
لَا دَاعِي لهَذَا يَا فَضِيلَة الشَّيْخ، أُمُور الدّين وَاضِحَة جلية، وَسنة مُحَمَّد ﷺ قد تَركهَا بَيْضَاء نقية، لَا تشتبه على من قصد الْحق بتجرد وإخلاص، وَلَا تَلْتَبِس لَا فِي كلياتها وَلَا فِي جزئياتها على من ولى وَجهه شطر كتاب الله وَسنة رَسُول الله ﷺ ، إِنَّمَا الَّذِي يحدث المشاكل ويسبب البلبلة هَذِه الفلسفات وَتلك التأويلات والتحريفات لنصوص الْكتاب وَالسّنة لتوافق مَذْهَب فلَان وتؤيد رأى عَلان، وَإِلَّا كَيفَ يتَصَوَّر أَن عَالما من عُلَمَاء الْأمة الإسلامية يَدعِي مَشْرُوعِيَّة شئ من غير دَلِيل من كتاب أَو سنة أَو إِجْمَاع أَو قِيَاس صَحِيح؟.. مَا الَّذِي يحملهُ على ذَلِك؟.. هَل يشْعر بِأَن فِي دين مُحَمَّد ﵇ نقصا يُرِيد أَن يكمله؟..
والْخُلَاصَة:
أننا نقُول ونعتقد جازمين مائَة على مائَة أَن كل شئ ينفعنا عِنْد الله إِذا التزمنا بِهِ وعملنا بِمُقْتَضَاهُ قد بَينه لنا ﷺ أتم وأكمل بَيَان، فَلَا مَكَان فِي الدّين لزِيَادَة، وَلَا مجَال فِيهِ لفلسفة أَو معادلة يُرَاد من وَرَائِهَا استنباط شرعيات قد خفيت على سلف الْأمة وأئمتها.
أما الْمَعْنى الصَّحِيح للْحَدِيث فَهُوَ الَّذِي فهمه أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ وَرَضي الله عَنْهُم - بِدُونِ إِجْرَاء معادلة وَبِدُون تكلفة وتمحل، وَهُوَ الَّذِي بَيناهُ فِيمَا سبق من هَذَا الْبَحْث؛ فَلَا نعيده.
وَقَالَ فَضِيلَة الشَّيْخ بعد سِيَاقه الْكَلَام الَّذِي تقدم:
(وجهة نظر) ، ثمَّ قَالَ تَحت هَذَا العنوان: "وبالتحقيق فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وإثارة النزاع فِيهَا يظْهر أَن النزاع والجدال فِيهَا أَكثر مِمَّا كَانَت تحْتَمل، وَهُوَ إِلَى الشكلي أقرب مِنْهُ إِلَى الْحَقِيقِيّ، وَلَا وجود لَهُ عملياً".
ونناقش فَضِيلَة الشَّيْخ فَنَقُول:
١- هَذَا اتهام صَرِيح للْعُلَمَاء إِمَّا فِي عُقُولهمْ وأفهامهم، وَإِمَّا فِي مقاصدهم وأغراضهم؛ إِذْ مادام أَن الْجِدَال شكلي كَمَا تَقولُونَ، وَالْخلاف فِيهَا صوري لَا وجود لَهُ فِي الْوَاقِع؛ فَمَا الَّذِي حملهمْ على هَذَا النزاع الطَّوِيل العريض؟ ثمَّ من الْمُتَّهم يَا فَضِيلَة الشَّيْخ بإثارة الْجِدَال وتطوير النزاع الَّذِي لَيْسَ تَحْتَهُ من الْحَقِيقَة شَيْء؟.. نَحن وجدناك فِي بحثك تميل إِلَى الرَّأْي الْمُخَالف لما ذهب إِلَيْهِ ابْن تَيْمِية فِي هَذِه الْمَسْأَلَة، فَهَل هُوَ الْمُتَّهم فِي نظركم؟..
٢- مادام أَن الْجِدَال فِي هَذِه الْقَضِيَّة صوري لَا حَقِيقَة لَهُ، فَمَا الَّذِي دعَاك إِلَى أَن تكْتب صفحات عديدة، وتنفق وقتك وجهدك فِي الْبَحْث وَالتَّحْقِيق والتدليل وَالتَّعْلِيل، وَالتَّرْجِيح والمقارنة وإجراء المعادلات وَنقل الإجماعات الْخَاصَّة والعامة؟.. لِمَ لمْ توفر على نَفسك هَذِه الجهود وَهَذَا الْوَقْت الثمين، وتبدي وجهة نظرك هَذِه مسبقاً فتستريح وتريح؟..
стр. 37
٣- مَا الَّذِي اشْتَمَلت عَلَيْهِ الرسائل الَّتِي ألفت من الطَّرفَيْنِ، كَمَا يَقُول الْكرْمَانِي، وينقل عَنهُ ابْن حجر، وفضيلتكم عَن بني حجر؟.. هَل هُوَ هذيان فارغ وسفسطة لَيْسَ لما معَان؟..
إِن كَانَ كَذَلِك فَهَل هَذَا ناتج عَن سوء فهمهم أم عَن سوء مقاصدهم؟..
٤- ألستم بنفسكم - يَا فَضِيلَة الشَّيْخ - تَقولُونَ: وَلَعَلَّ مَذْهَب البُخَارِيّ حسب صَنِيعه هُوَ مَذْهَب الْجُمْهُور فِي هَذِه الْمَسْأَلَة؟.. أَلَيْسَ معنى هَذَا أَنكُمْ قد فهمتم أَن فِي الْمَسْأَلَة مذهبين، أَحدهمَا لِلْجُمْهُورِ وَالثَّانِي لغير الْجُمْهُور، وَالْأول تبناه السُّبْكِيّ وَالثَّانِي تبناه ابْن تَيْمِية- حسب تقريركم؟ أَلَيْسَ ابْن حجر يَقُول - حسب نقلكم -:" أجمع الْجُمْهُور كَانَ جَوَاز شدّ الرّحال..؟ "، أَلَيْسَ إِذا قيل: مَذْهَب الْجُمْهُور كَذَا؛ فَمَعْنَاه أَن فِي الْمَسْأَلَة مذهبين؟
فَكيف بعد ذَلِك ظهر لفضيلتكم أَن لَا شَيْء من هَذَا، وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْحَقِيقَة مَذْهَب وَاحِد؟.. وَأي المذهبين يَا فَضِيلَة الشَّيْخ بدا لكم أَنه لَا وجود لَهُ؟.. هَل هُوَ مَذْهَب ابْن تَيْمِية وَمن وَافقه الَّذِي فِي سَابق تقريركم ومناقشتكم أَنه مَذْهَب شَاذ حَادث بعد مُضِيّ سَبْعَة قُرُون من تَارِيخ الْإِسْلَام؟.. أم مَذْهَب السُّبْكِيّ وَمن وَافقه الَّذِي قررتم فِيمَا تقدم من بحثكم أَنه مَذْهَب الْجُمْهُور.؟.
ثمَّ أَخذ فضيلته يشْرَح وجهة نظره تِلْكَ فَقَالَ:
وَتَحْقِيق ذَلِك كالآتي وَهُوَ: ماداموا متفقين على شدّ الرّحال لِلْمَسْجِدِ النَّبَوِيّ للسلام على رَسُول الله ﷺ ، ومتفقون على السَّلَام على رَسُول الله بِدُونِ شدّ الرّحال، فَلَنْ يَتَأَتَّى لإِنْسَان أَن يشد الرّحال للسلام دون الْمَسْجِد، وَلَا يخْطر ذَلِك على بَال إِنْسَان، وَكَذَلِكَ شدّ الرحل للصَّلَاة فِي الْمَسْجِد النَّبَوِيّ دون أَن يسلم على رَسُول الله ﷺ لن يخْطر على بَال إِنْسَان، وَعَلِيهِ فَلَا انكفاك لأَحَدهمَا عَن الآخر؛ لِأَن الْمَسْجِد النَّبَوِيّ مَا هُوَ إِلَّا بَيت، وَهل بَيته ﷺ إِلَّا جُزْء من الْمَسْجِد، كَمَا فِي حَدِيث الرَّوْضَة.
ومناقشتنا لفضيلة الشَّيْخ هُنَا فِي نقاط، علما بأنني وَالله لَا أرى هَذَا الْكَلَام يسْتَحق المناقشة:
١- لماذا (متفقين.. متفقون) ، أليست الثَّانِيَة معطوفة على الأولى بِالْوَاو؟.. أَلَيْسَ التعاطف يَقْتَضِي الِاشْتِرَاك فِي الْإِعْرَاب؟..
٢- تَقولُونَ يَا صَاحب الْفَضِيلَة: إِنَّهُم متفقون على شدّ الرّحال لِلْمَسْجِدِ النَّبَوِيّ للسلام على رَسُول الله.. أرجوكم إِعَادَة النّظر من الْآن فِي هَذَا الْكَلَام للطبعة القادمة إِن شَاءَ الله؛ لِأَن الْوَاقِع الَّذِي هُوَ مَوْضُوع الْبَحْث من أَوله إِلَى آخِره هِيَ هَذِه النقطة، فَلَو كَانُوا متفقين عَلَيْهَا لم يجر شَيْء من هَذَا الْخلاف أبدا، وَلَا ألّفت مؤلفات من الْجَانِبَيْنِ، وَلَا صَار هُنَاكَ مَذْهَب لِلْجُمْهُورِ وَمذهب لغير الْجُمْهُور كَمَا قررتم، وَلَا سجن شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية، وَلَا قَامَ الْعلمَاء فِي بَغْدَاد وَغَيره للانتصار لَهُ وَالشَّهَادَة بِأَنَّهُ على الْحق، كَمَا قدمنَا نقل ذَلِك من مصادره.
стр. 38
بل الصَّحِيح أَيهَا الشَّيْخ أَنهم متفقون على زِيَارَة قبر النَّبِي ﷺ إِذا أمكن ذَلِك بِدُونِ شدّ رَحل، ومتفقون على مَشْرُوعِيَّة شدّ الرّحال لزيارة الْمَسْجِد النَّبَوِيّ للصَّلَاة فِيهِ، لَا لزيارة الْقَبْر.
أما شدّ الرّحال لِلْمَسْجِدِ النَّبَوِيّ للسلام فموضع خلاف وافتراق لَا مَوضِع اجْتِمَاع واتفاق.
نقُول لفضيلته: مَا معنى قَوْلكُم (فَلَنْ يَتَأَتَّى) ؟ هَل معنى ذَلِك أَنه مُسْتَحِيل؟.. فَمَا وَجه استحالته؟..
أَنا نَفسِي مستعد أَن أثبت لَك أَنه مُمكن بِكُل سهولة وَيسر؛ فأنني لَا أجد أَي مَانع أَو مشكلة لِأَن آتِي عِنْد الْقَبْر الشريف وَأسلم وأنصرف دون أَن أُصَلِّي، وَدون أَن أَجْلِس؛ حَتَّى لَا تلزمني تَحِيَّة الْمَسْجِد وَدخُول الْمَسْجِد ثمَّ الْخُرُوج مِنْهُ بِدُونِ صَلَاة لَا فَائِدَة مِنْهُ، فوجوده وَعَدَمه سَوَاء، وَإِنَّمَا أفعل ذَلِك من أَجلك، حَتَّى إِنَّه يَتَأَتَّى وَغير مُسْتَحِيل كَمَا تصورت، وَكَذَلِكَ باستطاعتي أَن أَقف خَارج الْمَسْجِد، وَأسلم على رَسُول الله ثمَّ أنصرف دون أَن أَدخل الْمَسْجِد.
فَإِن قُلْتُمْ: بذلك لَا تكون قد زرت وَلَا تعْتَبر قد سلمت لِأَنَّك بعيد، أجبتكم بِأَن قلت: أَرَأَيْتُم لَو أَن حَائِط الْحُجْرَة الْمَوْجُود حاليا ألصق بجدار الْمَسْجِد الشرفي وبجداره القبلي، هَل تتوقفون عَن زيارته ﵇ وَالسَّلَام عَلَيْهِ لِأَن الْقَبْر صَار بَعيدا؟.. إِن قُلْتُمْ نعم، قُلْنَا: موقفكم الْآن للسلام بعيد؛ لِأَن بَيْنكُم وَبَين الْقَبْر مَسَافَة لَيست بقليلة، بل إِن فضيلتكم قررتم أَن رد السَّلَام مِنْهُ ﵇ يحصل لمن سلم دَاخل الْمَسْجِد، وَلم تحددوا مَكَانا معينا محدودا من الْمَسْجِد، وَالْمَكَان الَّذِي قلت إِنَّنِي أَقف فِيهِ خَارج الْمَسْجِد وَأسلم على رَسُول الله ﷺ أقرب إِلَى الْقَبْر الشريف من أَكثر نواحي الْمَسْجِد.
تمّ يَقُول فضيلته: وَلَا يخْطر ذَلِك على بَال إِنْسَان.
من الَّذِي يعلم يَا فَضِيلَة الشَّيْخ مَاذَا يخْطر فِي قُلُوب النَّاس، وعَلى بَال كل وَاحِد من بني آدم سوى خالقهم ﵎؟ فعلى أَي أساس بنيت هَذَا الْجُزْء الْمُؤَكّد؟.. حَتَّى وَلَو كَانَ ذَلِك كفرا يخرج من الْملَّة الإسلامية فقد خطر الْكفْر على بَال مئات الملايين من الْبشر؛ أَلَسْت ترى أَن أَكثر أَبنَاء الْمُسلمين، وَأَن الملايين من المنتسبين لِلْإِسْلَامِ قد ضيعوا الصَّلَاة، وَمنعُوا الزَّكَاة، وارتكبوا الْفَوَاحِش والمنكرات؟.. أَلَيْسَ كل وَاحِد مِنْهُم يُسمى إنْسَانا؟.. فلماذا مسألتك هَذِه لَا تخطر وَلنْ تخطر على بَال إِنْسَان؟.. أَرَأَيْت لَو علتم أَن شخصا وصل الْمَسْجِد النَّبَوِيّ قادما من مصر أَو الشَّام أَو أَي قطر من أقطار الأَرْض، وَصلى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ أَو أَكثر، ثمَّ سَافر وَلم يَأْتِ عِنْد قبر النَّبِي ﷺ وَلَا سلم ﵇ الْخَاص الَّذِي يُقَال عِنْد الْقَبْر، وَلكنه يُصَلِّي وَيسلم على نبيه فِي صلَاته وَعند دُخُول الْمَسْجِد وَعند الْخُرُوج مِنْهُ وَعند ذكره وَفِي كل مُنَاسبَة؛ فبماذا تحكمون عَلَيْهِ يَا فَضِيلَة الشَّيْخ؟.. أتقولون: إِن ذَلِك لن يَتَأَتَّى، نقُول لكم: قد تأتى وَوَقع فعلا، أتقولون إِن ذَلِك لن يخْطر على بَال إِنْسَان.. نقُول لكم: خطر على باله وَوَقع مِنْهُ، أتقولون إِنَّه كفر بذلك؟.. نقُول لكم: لم يكفر، وَلم يرتكب كَبِيرَة من الْكَبَائِر وَلَا صَغِيرَة من الصَّغَائِر؛ فَمن زعم غير ذَلِك فَعَلَيهِ الدَّلِيل وَدون ذَلِك الدَّلِيل خرط القتاد.
стр. 39
ثمَّ مَا معنى قَوْلكُم يَا فَضِيلَة الشَّيْخ: "فَلَا انفكاك لأَحَدهمَا عَن الآخر"، وَأَنْتُم تعنون إتْيَان الْمَسْجِد النَّبَوِيّ للصَّلَاة فِيهِ، وزيارة الْقَبْر الشريف، فَعدم الانفكاك هَذَا هَل هُوَ لأمر شَرْعِي أم لأمر عَقْلِي؟.. وَمرَّة أُخْرَى هَل أَخَذْتُم هَذَا الحكم من شرع الله الْمنزل على رَسُوله؟.. فلماذا لم تَذكرُوا دليلكم على مَا قُلْتُمْ، وَبِه حكمتم؟.. هَل خطابكم وبحثكم موجه إِلَى الْعَامَّة فَقَط؟ وَلَا نصيب فِيهِ لطلبة الْعلم.. إِن كَانَ كَذَلِك فقد أجحفتم يَا فَضِيلَة الشَّيْخ فِي حق طلبة الْعلم، وتجاهلتم حصتهم فِي الْفَائِدَة..
أم أَنكُمْ أَخَذْتُم هَذَا الحكم من مُقْتَضى الْعقل؟.. فَلَو تكرمتم فبينتم وَجه اسْتِحَالَة هَذَا الانفكاك من النَّاحِيَة الْعَقْلِيَّة؛ لِأَنِّي بحثت مَعَ عدد لَا بَأْس بِهِ من طلبة الْعلم فِي هَذَا الْمَوْضُوع، والتمسنا وَجه عدم الانفكاك بَين وُصُول الْمَسْجِد النَّبَوِيّ وَالصَّلَاة فِيهِ، وَبَين زِيَارَة الْقَبْر النَّبَوِيّ؛ بحثنا ذَلِك من النَّاحِيَة الشَّرْعِيَّة وَمن النَّاحِيَة الْعَقْلِيَّة؛ فَلم يظْهر لنا شئ من ذَلِك.
стр. 40
الْخُلَاصَة:
وخلاصة القَوْل هُنَا أَن فَضِيلَة الشَّيْخ أَرَادَ أَن يقْضِي على مشكلة طالما استثارت النقاش والجدال بَين المتمسكين بِالسنةِ المتقيدين بالنصوص الشَّرْعِيَّة- خَاصَّة فِي أُمُور الْعِبَادَات - من جَانب، وَبَين غَيرهم مِمَّن تهاونوا فِي أَمر الْبدع وتساهلوا مَعهَا، بل وحاولوا أَن يجْعَلُوا من بعض الْبدع سننا يلْزم النَّاس بهَا، ويهاجمون ويتهمون إِذا لم يقبلوها أَو طولبوا بِالدَّلِيلِ على أَنَّهَا من دين الْإِسْلَام - من جَانب آخر.
أَرَادَ الشَّيْخ أَن يقْضِي على هَذِه المشكلة، وَيُوجد الرَّأْي تجاه تِلْكَ الْمَسْأَلَة بجرة قلم، وبكلمات لَا تبلغ الْعشْرَة أسطر، وَنحن نقُول: بَارك الله فِيك، وَنحن من ورائك ضد الْخلاف وضد أَسبَابه، وَلَكِن بِشَرْط - يَا فَضِيلَة الشَّيْخ - أَن يكون الْمَذْهَب المقبول الَّذِي نَبْنِي عَلَيْهِ هُوَ الْمَذْهَب المتمشي مَعَ السّنة، وَالَّذِي عَلَيْهِ سلف الْأمة، وَلَو لم يكن هُوَ الْمُوَافق لعواطف الْعَامَّة وَالْمُنَاسِب لأذواقهم.
وَيَقُول الشَّيْخ حفظه الله: لِأَن الْمَسْجِد مَا هُوَ إِلَّا بَيته ﷺ ، وَهل بَيته إِلَّا جُزْء من الْمَسْجِد؟ كَمَا فِي حَدِيث الرَّوْضَة: " مَا بَين بَيْتِي ومنبري رَوْضَة من رياض الْجنَّة".. ثمَّ قَالَ: فَهَذِهِ قُوَّة ربط بَين بَيته ومنبره فِي مَسْجده.
وَهنا نناقش فضيلته فَنَقُول: الْمَسْجِد النَّبَوِيّ لَيْسَ هُوَ بَيت الرَّسُول ﷺ ، بل هُوَ بَيت الله وَمَسْجِد رَسُوله، وَبَيت الْإِنْسَان غير مَسْجده، وبيته ﵇ لَيست جُزْءا من الْمَسْجِد لَا قبل وَفَاته ﵇ وَلَا بعد وَفَاته وَدَفنه فِيهِ، فداؤه آبَاؤُنَا وَأُمَّهَاتنَا وأنفسنا وأبناؤنا، مَاذَا لَو كَانَ الْأَمر كَمَا زعم لَكَانَ الرَّسُول وصاحباه مدفونين فِي الْمَسْجِد، وَهل يجوز دفن الْأَمْوَات فِي الْمَسَاجِد واتخاذها مَقَابِر؟.. أبعد الله ذَلِك الْيَوْم الَّذِي تصبح فِيهِ مَسَاجِدنَا مَقَابِر، مِثْلَمَا وَقع فِي بعض الْبِلَاد الْأُخْرَى، وَلَو كَانَ بَيته جُزْءا من الْمَسْجِد مَا سَاغَ أَن يَقع فِيهِ مَا لَا يَلِيق بالمساجد كقضاء الْحَاجة؛ إِذْ الْمَسَاجِد لَا يَلِيق بهَا إِلَّا الْعِبَادَة من صَلَاة وتلاوة وَذكر، وَمَا يمت إِلَى ذَلِك بصلَة من مدارسة علم وَبحث شؤون الْمُسلمين
стр. 41
وَنَحْو ذَلِك، وَهُوَ ﷺ كَانَ يُقيم قي بَيته مَعَ أَهله لَيْلًا وَنَهَارًا وَيَقْضِي حَاجته، وَلَا يفعل هَذَا فِي جُزْء من الْمَسْجِد، وَكَانَ ﷺ إِذا اعْتكف خرج من بَيته وَدخل الْمَسْجِد؛ فَلَو كَانَ بَيته جُزْءا من الْمَسْجِد كَمَا زعم فَضِيلَة الشَّيْخ لما احْتَاجَ- عَلَيْهِ السّلم- إِلَى أَن يتْرك الْبَيْت من أجل الِاعْتِكَاف.
أما إِن كَانَ قصدكم بعد وَفَاته وَدَفنه – ﵊، وَبعد إحاطة الْمَسْجِد بالحجرة بِعَمَل وتدبير حَاكم لم يُرَاجع الشَّرْع، وَلم يستثر عُلَمَاء الْأمة الإسلامية فِي عمله هَذَا - وَهَذِه من الْأَدِلَّة العديدة الَّتِي عرفنَا مِنْهَا أَنكُمْ تعتبرون الْوَاقِع دَلِيلا على الشَّرْع، مَعَ أَن الْوَاجِب أَن يُقَاس الْوَاقِع بِالشَّرْعِ؛ فَإِن أقره وَوَافَقَهُ فَهُوَ شَرْعِي وَإِلَّا فَهُوَ عمل بَاطِل يَنْبَغِي رده وَالْقَضَاء عَلَيْهِ - إِن كَانَ ذَلِك هُوَ قصدكم - يَا فَضِيلَة الشَّيْخ - فَنحْن نفيدكم أَن الْحُجْرَة لَا تزَال وَلنْ تزَال إِلَى يَوْم الْقِيَامَة لَيست من الْمَسْجِد وَلَا جُزْءا من أَجْزَائِهِ؛ لِأَن فِي داخلها مَقْبرَة، والمقبرة لَا تكون مَسْجِدا شَرْعِيًّا أبدا، وَالصَّلَاة فِيهَا بَاطِلَة بِنَصّ الحَدِيث النَّبَوِيّ الصَّحِيح بل إِن من اتخذ الْمقْبرَة مَسْجِدا فَهُوَ مَلْعُون على لِسَان سيد الْخلق مُحَمَّد بن عبد الله عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَأتم التَّسْلِيم.
أما استدلالكم بِحَدِيث الرَّوْضَة على أَن الْمَسْجِد هُوَ نَفسه بَيت الرَّسُول، وَأَن بَيت الرَّسُول جُزْء من الْمَسْجِد فَأنْتم باستدلالكم هَذَا كمن يحاول أَن يَجْعَل من خيوط العنكبوت أربطة للسفن الْكَبِيرَة حَتَّى لَا تذْهب بهَا أمواج الْبحار.
أَلا تعلم يَا فَضِيلَة الشَّيْخ أَن الْغَايَة لَا تدخل فِي المغيَّى؟.. إِنَّنِي أفهم من حَدِيث: "مَا بَين بَيْتِي ومنبري رَوْضَة من رياض الْجنَّة" أَن الْمَوْصُوف هُوَ المساحة الْوَاقِعَة ابْتِدَاء بجدار الْمَسْجِد الملاصق للحجرة وانتهاءً بالمنبر، والمنبر يدْخل فِي تِلْكَ المساحة الموصوفة؛ لِأَنَّهَا تحيط بِهِ لصِغَر حجمه ولوجوده دَاخل الْمَسْجِد، وَقد لَا يدْخل الْمِنْبَر، الله أعلم؛ لَا نجزم بِهَذَا قطعا وَلَا بِهَذَا قطعا، وَإِنَّمَا نقُول مَا يتَرَجَّح فِي نَظرنَا وَالْعلم عِنْد الله.
وَقَالَ الشَّيْخ: "وَمن نَاحيَة أُخْرَى هَل يسلم أحد عَلَيْهِ ﷺ من قريب؛ لينال فضل رد السَّلَام مِنْهُ ﵇ إِلَّا إِذا كَانَ سَلَامه عَن قرب وَمن الْمَسْجِد نَفسه".
نقُول يَا فَضِيلَة الشَّيْخ: هَذَا كُله من تخيلاتك وتصوراتك الْخَاصَّة وَلَا مُسْتَند لَهُ من شرع وَلَا من عقل، وَقد أجبنا على هَذَا مفصلا فِي مَا تقدم من هَذَا الْبَحْث فَلَا دَاعِي لتكراره.
تمّ قَالَ الشَّيْخ: "وَهل تكون الزِّيَارَة سنية إِلَّا إِذا دخل الْمَسْجِد وَصلى أَولا تَحِيَّة الْمَسْجِد؟.."
نقُول: إِن أردْت زِيَارَة الْمَسْجِد فَأَنت صَادِق، وَالْوَاقِع كَمَا قلت، لَا تكون الزِّيَارَة سنية شَرْعِيَّة إِلَّا إِذا دخل الْمَسْجِد وَصلى فِيهِ، أما مُجَرّد أَن يصل الْمَدِينَة ثمَّ يرجع دون أَن يدْخل الْمَسْجِد وَيُصلي فِيهِ؛ لَا يعْتَبر ذَلِك قد زار الْمَسْجِد وَلَا يعد مُنْتَفعا بِتِلْكَ الزِّيَارَة.
стр. 42
إِمَّا إِن كُنْتُم تعنون بالزيارة السّنيَّة زِيَارَة الْقَبْر، وَأَنَّهَا لَا تكون سنية إِلَّا بِأَن يدْخل الْإِنْسَان الْمَسْجِد فَيصَلي ثمَّ يزور؟.. فَمن هُوَ الَّذِي وضع هَذِه السّنة؟.. هَل علمهَا الرَّسُول- ﷺ أَصْحَابه فِي حَيَاته؟.. فَقَالَ: إِذا أَنا مت فادفنوني فِي الْمَكَان الْفُلَانِيّ ثمَّ زوروني وسلموا عَليّ، وَإِذا وصلتم الْمَدِينَة فادخلوا الْمَسْجِد أَولا ثمَّ صلوا كَذَا وَكَذَا، ثمَّ توجهوا إِلَى قبرى للزيارة والسّلام؟.. هَل قَالَ الرَّسُول ذَلِك ... دلونا على الْمرجع الَّذِي روى فِيهِ هَذَا الحَدِيث من كتب السّنة، وَلكم ألف شكر.
أم هِيَ سنة تقررت بعد وَفَاته ﵇ فَمن الَّذِي قررها بِاللَّه عَلَيْكُم؟.. وَهل لأحد بعد رَسُول الله وَبعد انْقِطَاع الْوَحْي من قبل السَّمَاء أَن يسن فِي الدّين سننا ويقرر شرائع؟.. لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه.
رُبمَا يَقُول الشَّيْخ: نعم، الْخُلَفَاء الراشدون لَهُم أَن يشرعوا بعد الرَّسُول ﷺ بِدَلِيل "عَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين المهديين من بعدِي" الخ..
إِن قَالَ ذَلِك قُلْنَا أَولا الْخُلَفَاء الراشدون مَا ثَبت عَنْهُم تشريع شدّ الرّحال لزيارة الْقَبْر، وَلَا بقَوْلهمْ وَلَا فعلهم، وَثَانِيا هم لَا يشرعون من عِنْد أنفسهم وَلَكِن المُرَاد بسنتهم طريقتهم وهديهم فِي الِاجْتِهَاد فِي فهم نُصُوص الشَّرْع وَتَقْرِير الْأَحْكَام المستمدة من نُصُوص الْوَحْي وسياستهم للدولة الإسلامية فِي أَحْوَال حربها وَسلمهَا وَسَائِر أحوالها، وَلذَلِك خصّ الْخُلَفَاء دون غَيرهم مِمَّن قد يكون فِي مستواهم علما وصلاحا.
تمّ قَالَ الشَّيْخ: "وَبِهَذَا فَلَا انفكاك لشد الرّحال إِلَى الْمَسْجِد عَن زِيَارَة الرَّسُول- ﷺ وَلَا لزيارته عَن الْمَسْجِد؛ فَلَا مُوجب لهَذَا النزاع".
وَنحن نقُول لفضيلته: إِن الَّذين تنارعوا أعلم بدين الله، وَلَو أَن النزاع لَفْظِي - كَمَا توهمتم - لما تنازعوا، وَلَكنهُمْ فَهموا فِي الْمَوْضُوع غير مَا فهمتم فضيلتكم، وَمن ضمن مَا فَهموا "إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لكل امْرِئ مَا نوى.." الخ الحَدِيث؛ لهَذَا قَالَ مَنْ لَا يرى جوَار شدّ الرّحال لزيارة الْقُبُور: إِن من جمع فِي نِيَّته زِيَارَة الْمَسْجِد وزيارة الْقَبْر فقد جمع بَين مَشْرُوع وممنوع، وَمن ثمَّ لَهُ أجر الْمَشْرُوع وَعَلِيهِ إِثْم الْمَمْنُوع، وَلم يوافقوكم على أَن الْمَمْنُوع يشْتَرك مَعَ الْمَشْرُوع فيؤجر على الْجَمِيع، بل هَذَا فهمكم الْخَاص، وَلِهَذَا قُلْتُمْ. فَلَا مُوجب لهَذَا النزاع.
أما الَّذين يوافقونكم على أَنه لَا دَاعِي وَلَا مبرر للنزاع فِيهِ فَهُوَ بِالنِّسْبَةِ لمن سَافر نَاوِيا زِيَارَة الْمَسْجِد النَّبَوِيّ للصَّلَاة فِيهِ، وَلم يدْخل فِي نِيَّة سَفَره زِيَارَة الْقَبْر، وَبعد أَن يصل إِلَى الْمَسْجِد وَيُصلي رَكْعَتَيْنِ أَو أَكثر يتَوَجَّه إِلَى الْقَبْر، فَتكون بداية نِيَّة زِيَارَة الْقَبْر بعد وُصُول الْمَسْجِد وَالصَّلَاة فِيهِ؛ حَتَّى لَا يكون لَهَا نصيب من السّفر الْبعيد وَشد الرّحال؛ هَذِه الصُّورَة هِيَ الَّتِي لَا مجَال للنزاع فِيهَا، وفعلا لم يحدث وَلم يحصل فِيهَا نزاع بَين ابْن تَيْمِية وخصومه، أما من قبلهم فقد بَينا مَذْهَبهم.. وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين.