Полный текст (300 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
قال خالد: فخرجت من الدار مسروراً بما ألقيت إلى أمير المؤمنين. ولم أسك في الصلة. فبينما أنا واقف إذ أقبل موالي أم سلمة يسألون عني فحققت الجائزة فقلت لهم: ها أنا واقف. فاستبق إلي أحدهم بخشبة فغمزت برذوني فلحقني وضرب كفل البرذون، وركضت ففررت منهم واستخفيت في منزلي أياماً ووقع في قلبي أني أمنت من أم سلمة. فبينما أنا ذات يوم جالس في المنزل فلم أشعر إلا بقوم قد هجموا علي فقالوا: أجب أمير المؤمنين، فسبق إلى قلبي أنه الموت فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، لم أر دم شيخ أضيع من دمي. فركبت إلى دار أمير المؤمنين فأصبته جالساً ولحظت في المجلس بيتاً عليه ستور رقاق وسمعت حساً خفيفاً خلف الستر فأجلسني. ثم قال: يا خالد أنت وصفت لأمير المؤمنين صفة فأعدها.
فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، أعلمتك أن العرب ما اشتقت اسم الضرتين إلا من الضر وإن أحداً لم يكثر من النساء أكثر من واحدة إلا كان في ضر وتنغيص.
فقال السفاح: لم يكن هذا من كلامك أولاً؟ قلت: بلى يا أمير المؤمنين، وأخبرتك أن الثلاث من النساء يدخلن على الرجل البؤس وتشييب الرأس.
فقال: برئت من رسول الله ﷺ إن كنت سمعت هذا منك أولاً أو مر في حديثك.
قلت: بلى يا أمير المؤمنين، وأخبرتك أن الأربع من النساء شر مجتمع لصاحبهن يشيبنه ويهرمنه.
قال: والله ما سمعت منك هذا أولاً؟ قلت: بلى يا أمير المؤمنين، وأخبرتك أن أبكار الإماء رجال إلا نه ليست لهن خصاء.
قال أمير المؤمنين: أفتكذبني؟ قلت: أفتقتلني؟ قال خالد، فسمعت ضحكاً خلف الستر، ثم قلت وأخبرتك إن عندك ريحانة قريش وأنت تطمع بعينيك إلى النساء والجواري.
فقيل لي من وراء الستر: صدقت يا عماه هذا حديثك ولكنه غير حديثك ونطق بما في خاطره عن لسانك.
فقال السفاح: ما بك قاتلك الله؟ قال خالد، فانسللت وخرجت فبعثت إلي أم سلمة بعشرة آلاف درهم وبرذوناً وتخت ثياب، انتهى.
стр. 72
أبو دلامة والسفاح
وروي أن أبو دلامة الشاعر كان واقفاً بين يدي السفاح في بعض الأيام فقال: سلني حاجتك؟ فقال له أبو دلامة: أريد كلب صيد.
فقال: أعطوه إياه.
فقال: ودابة أتصيد عليها.
فقال: أعطوه دابة.
فقال: وغلاماً يقود الكلب والصيد.
فقال: أعطوه غلاماً.
فقال: وجارية تصلح لنا الصيد وتطعمنا منه.
فقال: أعطوه جارية.
فقال: هؤلاء يا أمير المؤمنين عيال ولا بد لهم من دار يسكنونها.
فقال: أعطوه داراً تجمعهم.
ثم قال: وإن تكن لهم الدار فمن أين يعيشون؟ قال: قد أقطعتك عشرة ضياع عامرة وعشرة غامرة من فيافي بني إسرائيل.
قال: وما معنى الغامرة يا أمير المؤمنين؟ قال: ما لا نبات فيها.
قال: قد أقطعتك يا أمير المؤمنين مائة ضيعة غامرة من فيافي بني سعد.
فضحك منه وقال: أعطوه كلها عامرة.
قال الحافظ: فانظر إلى حذقه بالمسالة ولطفه فيها كيف ابتدأ بكلب صيد فصهل القضية وجعل يأتي بمسألة مسألة على ترتيب وفكاهة حتى نال ما سأله. ولو سأل ذلك بديهة لما وصل إليها، بارك الله فيه، انتهى.
стр. 73
راعي الذمم
وروي عن الحسن بن الحصين. قال: لما أفضت الخلافة إلى بني العباس كان من جملة من اختفى إبراهيم بن سليمان بن عبد الملك فلم يزل مختفياً إلى أن أضناه وأضجره الاختفاء، فأخذ له أمان من السفاح، فقال له: لقد مكثت زماناً طويلاً مختفياً فحدثني بأعجب ما رأيت في اختفائك، فإنها كانت أيام تكدير.
فقال: يا أمير المؤمنين، وهل سمع بأعجب من حديثي؟ لقد كنت مختفياً في منزل أنظر منه إلى البطحاء فبينما أنا على مثل ذلك، وإذا بأعلام سود قد خرجت من الكوفة تريد الحيرة فوقع في ذهني أنها خرجت تطلبني، فخرجت متنكراً حتى أتيت الكوفة من غير الطريق، وأنا والله متحير، ولا أعرف بها أحداً، وإذا أنا بباب كبير في رحبة منيعة. فدخلت في تلك الرحبة فوقفت قريباً من الدار، وإذا برجل حسن الهيئة، وهو راكب فرساً ومعه جماعة من أصحابه وغلمانه، فدخل الحربة فرآني واقفاً مرتاباً فقال لي: ألك حاجة؟ قلت: غريب خائف من القتل.
قال: ادخل قد خلت إلى حجرة في داره، فقال: هذه لك، وهيأ لي ما أحتاج إليه من فرش وآنية ولباس وطعام وشراب، وأقمت عنده ووالله ما سألني قط من أنا، ولا ممن أخاف؟ وهو في أثناء ذلك يركب في كل يوم ويعود تعباً متأسفاً كأنه يطلب شيئاً فاته ولم يجده، فقلت له يوماً: أراك تركب في كل يوم وتعون تعباً متأسفاً كأنك تطلب شيئاً فاتك؟ فقال لي: إن إبراهيم بن سليمان بن عبد الملك قتل أبي وقد بلغني أنه مختف من السفاح، وأنا أطلبه لعلي أجده وآخذ بثأري منه.
فتعجبت والله يا أمير المؤمنين من هربي وشؤم بختي الذي ساقني إلى منزل رجل يريد قتلي ويطلب ثأره مني. فكرهت الحياة واستعجلت الموت لما نالني من الشدة، فسألت الرجل عن اسم أبيه وعن سبب قتله، فعرفني الخبر فوجدته صحيحاً، فقلت: يا هذا قد وجب علي حقك، وأن من حقك أن أدلك على قاتل أبيك وقرب إليك الخطوة وأسهل عليك ما بعد.
فقال: أتعلم أين هو؟ قلت: نعم.
فقال: أين هو؟ فقلت: والله هو أنا فخذ بثأرك مني.
فقال لي: أظن أن الاختفاء أضناك فكرهت الحياة.
стр. 74
قلت: نعم والله أنا قتلته يوم كذا وكذا.
فلما علم صدقي تغير لونه واحمرت عيناه وأطرق رأسه ساعة ثم رفع رأسه إلي وقال لي: أما أبي فسيلقاك غداً يوم القيامة فيحاكمك عند من لا تخفى عليه خافية، وأما أنا فلست مخفراً ذمتي ولا مضيعاً نزيلي، أخرج عني فإني لا آمن من نفسي عليك بعد هذا اليوم.
ثم وثب يا أمير المؤمنين إلى صندوق فأخرج منه صرة فيها خمسمائة دينار وقال: خذ هذه واستعن بها على اختفائك.
فكرهت أخذها وخرجت من عنده وهو أكرم رجل رأيت. فبقي السفاح يهتز طرباً ويتعجب.
مفاخرة اليمن ومضر
وعن الهيثم بن عدي. قال كان أبو العباس السفاح تعجبه المسامرة ومنازعة الرجال فحضرت ذات ليلة في مسامرة إبراهيم بن مخرمة الكندي وناس من بني الحارث بن كعب وهم أخواله وخالد بن صفوان بن إبراهيم التميمي. فخاضوا في الحديث وتذاكروا مضر واليمن فقال إبراهيم: يا أمير المؤمنين، إن اليمن هم العرب الذين دانت لهم الدنيا وكانت لهم القرى ولم يزالوا ملوكاً أرباباً وورثوا ذلك كابراً عن كابر أولاً عن آخر منهم النعمانيات والمنذريات والقابوسيات والتبابعة، ومنهم من مدحته الزبر، ومنهم غسيل الملائكة، ومنهم من اهتز لموته العرش، ومنهم من كلمه الذئب، ومنهم الذي كان يأخذ كل سفينة غصباً. وليس شيء له خطر إلا وإليهم ينسب من فرس رائع أو سيف قاطع أو درع حصينة أو حلة مصونة أو درة مكنونة، إن سئلوا أعطوا وإن سيموا أبوا، وإن نزل بهم ضيف قروا لا يبلغهم مكابر، ولا ينالهم مفاخر، هم العرب العرباء، وغيرهم المتعربة.
стр. 75
قال أبو العباس السفاح: ما أظن التميمي يرضى بقولك. ثم قال: ما تقول يا خالد؟ قال: إن أذنت في الكلام تكلمت.
قال: أذنت لك في الكلام فتكلم ولا تهب أحد.
فقال: أخطأ يا أمير المؤمنين المقتحم بغير علم والناطق بغير صواب، فكيف يكون ما قال، وإن القوم ليست لهم ألسن فصيحة ولا حجة رجيحة. نزل به كتاب ولا جاءت به اسنة، وهم منا على منزلتين: إن حادوا عن قصدنا أكلوا، وإن جازوا حكمنا قتلوا، يفخرون علينا بالنعمانيات والمنذريات وغير ذلك مما سنأتي عليه، ونفخر عليهم بخير الأنام وأكرم الكرام سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، ولله المنة علينا وعليهم لقد كانوا أتباعه فبه غزوا وله أكرموا، فمنا النبي ﷺ ومنا الخليفة المرتضى، ولنا البيت المعمور والمسعى وزمزم والمقام والمنبر والركن والحطيم والمشاعر والحجابة والبطحاء مع ما لا يخفى من المآثر ولا يدرك من المفاخر. فليس يعدل بنا عادل ولا يبلغ فضلنا قول قائل ومنا الصديق والفاروق والوصي وأسد الله وسيد الشهداء ذو الجناحين وسيف الله، عرفوا الله وأتاهم اليقين، فمن زاحمنا زاحمناه ومن عادانا اصطلمناه.
ثم التفت إلى إبراهيم فقال: أعالم أنت بلغة قومك؟ قال: نعم.
قال: فما اسم العين؟ قال: الجمجمة.
قال: فما اسم السن؟ قال: الميذن.
قال: فما اسم الأذن؟ قال: الصنارة.
قال: فما اسم الأصابع؟ قال: الشناتر.
قال: فما اسم اللحية؟ قال: الذئب.
قال: فما اسم الذئب؟ قال: الكنع.
قال: أفمؤمن أنت بكتاب الله؟ قال: نعم.
قال: فإن الله تعالى يقول: " إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون "،
стр. 76
وقال تعالى: " بلسانٍ عربي مبين "، وقال: " وما أرسلنا من رسولٍ إلا بلسان قومهِ ". فنحن العرب والقرآن بلساننا نزل، ألم تر أن الله تعالى قال: العين بالعين، ولم يقل: الجمجمة بالجمجمة؛ وقال: السن بالسن، ولم يقل الميذن بالميذن؛ وقال: الأذن بالأذن، ولم يقل الصنارة بالصنارة، وقال: " يجعلون أصابعهم في آذانهم "، ولم يقل شناترهم. وقال: لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي، ولم يقل بذنبي. وقال تعالى: فأكله الذئب، ولم يقل فأكله الكنع. ثم قال أسألك عن أربع إن أقررت بهن قهرت وإن جحدتهن كفرت.
قال: وما هن؟ قال: الرسول منا أو منكم؟ قال: منكم.
قال: فالقرآن نزل علينا أو عليكم؟ قال: عليكم.
قال: فالبيت الحرام لنا أو لكم؟ قال: لكم.
قال: فالخلافة فينا أو فيكم؟ قال: فيكم.
قال خالد: فما كان بعد هذه الأربع فهو لكم.
стр. 77
خلافة أبي جعفر المنصور
قيل: إنه كان يحفظ الشعر من مرة، وله مملوك يحفظه من مرتين، وكان له جارية تحفظه من ثلاث مرات، وكان بخيلاً جداً حتى إنه كان يلقب بالدوانيقي لأنه كان يحاسب على الدوانيق، فكان إذا جاء شاعر بقصيدة قال له: إن كانت مطوقة بأن يكون أحد يحفظها أو ا؛ د أنشأها: أي بأن كان أتى بها أحد قبلك، فلا نعطيك لها جائزة، وإن لم يكن أحد يحفظها نعطيك زنة ما هي مكتوبة فيه، فيقرأ الشاعر القصيدة فيحفظها الخليفة من أول مرة، ولو كانت ألف بيت، ويقول للشاعر اسمعها مني وينشدها بكمالها، ثم يقول له: هذا المملوك يحفظها، وقد سمعها المملوك مرتين، مرة من الشاعر ومرة من الخليفة فيقرؤها، ثم يقول الخليفة: وهذه الجارية التي خلف الستارة تحفظها أيضاً وقد سمعتها الجارية ثلاث مرات فتقرؤها بحروفها فيذهب الشاعر بغير شيء.
قال الراوي: وكان الأصمعي من جلسائه وندمائه فنظم أبياتاً صعبة وكتبها على قطعة عمود من رخام ولفها في عباءة وجعلها على ظهر بعير وغير حليته في صفة أعرابي غريب وضرب له لثاماً ولم يبين منه غير عينيه، وجاء إلى الخليفة وقال: إني امتدحت أمير المؤمنين بقصيدة. فقال: يا أخا العرب إن كانت لغيرك لا نعطيك عليها جائزة وإلا نعطيك زنة ما هي مكتوبة عليه. فأنشد الأصمعي هذه القصيدة:
صوت صفير البلبلهيج قلبي الثملالماء والزهر معا
مع زهر لحظ المقلوأنت يا سيد دليوسيدي وموللي
وكم وكم تيمنيغزيل عقيقيقطفت من وجنته
باللثم ورد الخجلوقلت بس بسبسنيفلم يجد بالقبل
وقال لا لا لللاوقد غدا مهروليوالخود مالت طربا
من فعل هذا الرجلوولولت ولولةًولي ولي يا ويللي
فقلت لا تولوليوبيني اللؤلؤليلما رأته أشمطا
يريد غير القبلوبعده ما يكتفيإلا بطيب الوصللي
قالت له حين كذاانهض وجد بالنقليوفتيةٍ سقونني
قهيوة كالعسلليشممتها في أنفيأزكى من القرنفل
في وسط بستان حليبالزهر والسرولليوالعود دندن دنلي
والطبل طبطبطبليوالرقص قد طبطليوالسقف قد سقسقلي
стр. 78
شووا شووا وشاهشواعلى ورق سفرجليوغرد القمري يصيح
من ملل في ملليفلو تراني راكباًعلى حمار أهزلي
يمشي على ثلاثةكمشية العرنجلوالناس ترجمجملي
في السوق بالقلقليوالكل كعكع كعكعخلفي ومن حوللي
لكن مشيت هارباًمن خشية العقنقليإلى لقاء ملك
معظم مبجليأمر لي بخلعةحمراء كالدمدملي
أجر فيها ماشياًمبغدداً للذيلأنا الأديب الألمعي
من حي أرض الموصلنظمت قطعاً زخرفتتعجز الادبللي
أقول فيمطلعها صوتصفير البلبل
قال الراوي: فلم يحفظها الملك لصعوبتها، ونظر إلى المملوك وإلى الجارية فلم يحفظها أحد منهما فقال: يا أخا العرب هات الذي هي مكتوبة فيه نعطك زنته.
فقال: يا مولاي إني لم أجد ورقاً أكتب فيه وكان عندي قطعة عمود رخام من عهد أبي، وهي ملقاةٌ ليس لي بها حاجة، فنقشتها فيها.
فلم يسع الخليفة إلا أنه أعطاه وزنها ذهباً فنفد ما في خزينته من المال، فأخذه وانصرف، فلما ولى قال الخليفة: يغلب على ظني أن هذا الأصمعي، فأحضره وكشف عن وجهه. فإذا هو الأصمعي فتعجب منه ومن صنيعه وأجازه على عادته، قال: يا أمير المؤمنين، إن الشعراء فقراء وأصحاب عيال وأنت تمنعهم العطاء بشدة حفظك وحفظ هذا المملوك وهذه الجارية. فإذا أعطيتهم ما تيسر ليستعينوا به على عيالهم لم يضرك، انتهى.
стр. 79
حاج يعظ المنصور
وذكر الغزالي وابن بليان وغيرهما، أن أبا جعفر المنصور حج ونزل في دار الندوة، وكان يخرج سحراً فيطوف بالبيت، فخرج ذات ليلة سحراً، فبينما هو يطوف إذ سمع قائلاً يقول: اللهم أشكو إليك ظهور البغي والفساد في الأرض، وما يحول بني الحق وأهله من الطمع. فهرول المنصور في مشيته حتى ملأ سمعه ثم رجع إلى دار الندوة. وقال لصاحب شرطته: إن بالبيت رجلاً يطوف فأتني به. فخر صاحب الشرطة فوجد رجلاً عند الركن اليمني. فقال: أجب أمير المؤمنين. فلما دخل عليه، قال: أنا الذي سمعتك آنفاً تشكو إلى الله من ظهور البغي والفساد في الأرض وما يحول بين الحق وأهله من الطمع، فوالله لقد حشوت مسامعي ما أمرضني.
فقال له: يا أمير المؤمنين، إن الذي داخله الطمع حتى حال بين الحق وأهله وامتلأت بلاد الله بذلك بغياً وفساداً أنت هو.
فقال له المنصور: ويحك كيف يداخلني الطمع، والصفراء والبيضاء ببابي وملك الأرض في قبضتي.
فقال الرجل: سبحان الله يا أمير المؤمنين، وهل داخل أحداً من الطمع ما داخلك؟ استرعاك الله أمور المؤمنين وأموالهم فأهملت أمورهم واهتممت بجمع أموالهم، واتخذت بينك وبين رعيتك حجاباً من الجبس والآجر وحجبة معهم السلاح وأمرت أن لا يدخل عليك إلا فلان وفلان، نفر استخلصتهم لنفسك وأمرتهم على رعيتك، ولم تأمر بإيصال المظلوم ولا الجائع ولا العاري، ولا أحد إلا وله في هذا المال حق. فلما رآك هؤلاء الذين استخلصتهم لنفسك وآثرتهم على رعيتك تجمع الأموال وتقسمها، قالوا: هذا خان الله ورسوله فما لنا لا نخونه؟ فأجمعوا على أن لا يصل إليك من أموال الناس إلا ما أرادوا. فصار هؤلاء شركاءك في سلطانك، وأنت غافل عنهم، فإذا جاء المظلوم إلى بابك وجدك وقفت رجلاً ينظر في مظالم الناس، فإن كان الظالم من بطانتك علل صاحب المظالم بالمظلوم وسوّفَ من وقت إلى وقت، فإذا اجتهد وظهرت أنت صرخ بين يديك، فضربه أعوانك ضرباً شديداً ليكون نكالاً لغيره، وأنت ترى ذلك ولا تنكر. لقد كانت الخلفاء قبلك من بني أمية إذا أتت إليهم الظلامة أزيلت في الحال، ولقد كنت أسافر إلى الصين يا أمير المؤمنين، فقدمت مرة فوجدت الملك الذي به قد فقد سمعه، فبكى، فقال له وزراؤه: ما يبكيك أيها الملك؟ لا أبكى الله لك عيناً إلا من خشيته.
стр. 80
فقال: والله ما بكيت لمصيبة نزلت بي وإنما أبكي لمظلوم يصرخ بالباب فلا أسمعه. ثم قال: إن كان سمعي ذهب فإن بصري لم يذهب. نادوا في الناس لا يلبس أ؛ د ثوباً أحمر إلا مظلوم. وكان يركب الفيل طرفي النهار ويدور في البلد لعله يجد أحداً لابساً ثوباً أحمر فيعلم أنه مظلوم فينصفه. وهذا الأمير رجل مشرك غلبت عليه رأفته على شح نفسه بالمشركين، وأنت مؤمن بالله ورسوله وابن عم رسول الله ﷺ .
يا أمير المؤمنين! لا تجعل الأموال إلا لإحدى ثلاثٍ: فإن قلت إنما أجمع الأموال لصالح الملك فقد أراك الله عبرةً في الملوك والقرون من قبلك ما أغنى عنهم ما أعدوا من الأموال والرجال والكراع، حين أراد الله بهم ما أراد، وإن قلت إنما أجمع للولد، فقد أراك الله عبرة فيمن تقدم ممن جمع المال للولد فيلم يغن ذلك عنهم شيئاً بل ربما مات فقيراً ذليلاً حقيراً؛ وإن قلت إنما أجمعه لغاية هي أجسم من الغاية التي أنت فيها، فوالله ما فوق منزلتك إلا منزلة لا تدرك إلا بالعمل الصالح.
فبكى المنصور بكاء شديداً ثم قال: وكيف أعمل وقد فرت مني العباد ولم تقربني، افتح الباب وسهل الحجاب وانتصر للمظلوم وخذ المال مما حل وطاب، واقسمه بالحق والعدل، وأنا ضامن من هرب أن يعود إليك.
فقال المنصور: نفعل إن شاء الله تعالى.
وجاء المؤذن فأذن للصلاة فقام وصلى فلما قضى صلاته طلب الرجل فلم يجده، فقال لصاحب الشرطة: علي بالرجل الساعة.
فخرج يتطلبه فوجده عند الركن اليماني فقال له: أجب أمير المؤمنين.
فقال: ليس إلى ذلك من سبيل.
فقال: إذن يضرب عنفي.
فقال: ولا إلى ضرب رقبتك من سبيل. ثم أخرج من مزود كان معه رقاً مكتوباً فقال له: خذه فإن فيه دعاء الفرج من دعا به صباحاً ومات من يومه مات شهيداً، ومن دعا به مساء ومات من ليلته مات شهيداً. وذكر له فضلاً عظيماً وثواباً جزيلاً. فأخذه صاحب الشرطة وأتى به المنصور فلما رآه قال له: ويلك أو تحسن السحر؟ قال: لا والله يا أمير المؤمنين. ثم قص عليه القصة، فأمر المنصور بنقله وأمر له بألف دينار، وهو هذا.
اللهم كما لطفت في عظمتك دون اللطفاء وعلوت بعظمتك على العظماء، وعلمك بما تحت أرضك كعلمك بما فوق عرشك. وكانت وساوس الصدور كالعلانية عندك،
стр. 81
وعلانية القول كالسر في علمك، وانقاد كل شيء لعظمتك، وخضع كل ذي سلطان لسلطانك، وصار أمر الدنيا والآخرة كله بيدك، اجعل لي من كل هم وغم أصبحت أو أميت فيه فرجاً ومخرجاً. اللهم، إن عفوك عن ذنوبي وتجاوزك عن خطيئتي وسترك على قبيح عملي أطمعني أن أسألك ما لا أستوجبه مما قصرت فيه، أدعوك آمناً وأسألك مستأنساً، فإنك أنتن المحسن إلي وأنا المسيء إلى نفسي فيما بيني وبينك، تتودد إلي بالنعم وأتبغض إليك بالمعاصي، ولكن الثقة بك حملتني على الجراءة عليك، فجد بفضلك وإحسانك علي، إنك أنت الرؤوف الرحيم.
القاضي ابن أبي ليلى والمنصور
وحدث عبد الله البلتاجي، قال: دخل ابن أبي ليلى على أبي جعفر المنصور، وكان ابن أبي ليلى قاضياً فقال أبو جعفر: إن القاضي يرد عليه. من ظرائف الناس ونوادرهم أمور، فإن كان ورد عليك شيء فحدثنيه، فقد طال علي يومي.
قال: والله يا أمير المؤمنين، قد ورد علي منذ ثلاثة أيام أمر ما ورد علي مثله. أتتني عجوز تكاد تنال الأرض بوجهها أو تسقط من انحنائها فقالت: أنا بالله وبالقاضي أن يأخذ لي بحقي وأن يعينني على خصمي.
قلت: ومن خصمك؟ قالت: إبنة أخ لي.
فدعوت بها فجاءت امرأة ضخمة ممتلئة شحماً فجلست منبهرة. فذهبت العجوز تتظلم، فقالت الشابة: أصلح الله القاضي، مرها فلتسكت حتى أتكلم بحجتي وحجتها فإن لحنت بشيء فلترد علي، فإن أذنت لي أسفرت.
فقالت العجوز: إن أسفرت قضيت لها.
فقلت لها: أسفري، فأسفرت عن وجه والله ما ظننت أنه يكون مثله إلا في الجنة. فقالت: أصلح الله القاضي، هذه عمتي مات والدي وتركني يتيمة في حجرها فربتني فأحسنت التربية، حتى إذا بلغت مبلغ النساء قالت لي: يا بنت أخي، هل لك في التزويج؟ قلت: ما أكره ذلك يا عمة.
قالت العجوز: نعم.
стр. 82
قالت: فخطبني وجوه أهل الكوفة فلم ترض إلا رجلاً صيرفياً، فتزوجني، فكنا كأننا ريحانتان ما أظن أن الله خلق غيره يغدو إلى سوقه ويروح علي بما رزقه الله تعالى. فلما رأت العمة موقعه مني وموقعي منه حسدتنا على ذلك، وكانت لها ابنةً فشوفتها وهيأتها لدخول زوجي، فوقعت علينه عليها، فقال: يا عمة هل لك أن تزوجيني ابنتك؟ قالت: نعم بشرط.
فقال لها: وما الشرط.؟ قالت: تصير أمر ابنة أخي إلي.
قال: قد صيرت أمرها إليك.
قالت: فإن قد طلقتها ثلاثاً بتةً.
وزوجت ابنتها زوجي، فكان يغدو عليها ويروح، فقلت لها: يا عمتي أتأذنين لي أن أنتقل عنك؟ قالت: نعم.
فانتقلت عنها وكان لعمتي زوج غائب فقدم فلما توسط منزلها قال: ما لي لا أرى ربيبتنا؟ قالت: طلقها زوجها فانتقلت عنا.
فقال: إن لها من الحق علينا أن نعزيها بمصيبتها.
فلما بلغني مجيئه إلي تهيأت له وتشوفت. فلما دخل علي عزاني بمصيبتي، ثم قال: إن فيك بقيةً من الشباب؛ فهل لك أن أتزوج بك؟ قلت: ما أكره ذلك ولكن على شرط.
قال لي: وما الشرط؟ قلت: تصير أمر عمتي بيدي.
قال: فإني قد فعلت وصيرت أمرها بيدك.
قلت: فإني قد طلقتها ثلاثاً بتة.
قالت: فقدم علي بثقله من الغد ومعه ستة آلاف درهم فأقام عندي ما أقام، ثم إنه اعتل وتوفي فلما انقضت عدتي جاء زوجي الأول الصيرفي يعزيني بمصيبتي فلما بلغني مجيئه تهيأت وتشوفت له، فلما دخل علي قال لي: يا فلانة إنك تعلمين أنك كنت أعز الناس علي وأحبهم إلي، وقد حلت المراجعة، فهل لك في ذلك؟ قلت: ما أكره ذلك، ولكن اجعل أمر ابنة عمتي بيدي.
قال: فإني قد فعلت.
стр. 83
قلت: فإني قد طلقتها ثلاثاً بتةً، أصلح الله القاضي، فرجعت إلى زوجي فما اعتدائي عليها.
فقالت العجوز: أنا فعلت مرة، وفعلت مرة بعد أخرى.
فقلت: إن الله لم يوقت في هذا وقتاً، وقد قال تعالى: " ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله ". فواحدة بواحدة والبادي أظلم.
فقال القاضي: إن زوج العمة لم يكن له أن يتزوج ابنة أخيها وهي في عدته؛ فأرادت العجوز أن تتولى التفريق بينه وبينها استيفاء لها ومجازاة لها على فعلها، فقلت لها: قد فرقت بينكما، قومي إلى منزلك، انتهى.
الأمير الأموي وملك النوبة
وذكر المنصور يوماً في مجلسه زوال ملك بني أمية وما جرى عليهم، وأنهم عاشوا سعداء وماتوا فقراء، فقال له إسماعيل بن علي الهاشمي: إن عبد الله بن مروان بن محمد في حبسك، وله قصة مع ملك النوبة. فأحضره واسأله عنها. فأحضره، فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته.
فقال المنصور: رد السلام أمن ولم تسمح نفسي بذلك، ولكن اقعد! فقعد، فقال: ما قصتك مع ملك النوبة؟
فقال: يا أمير المؤمنين، كنت ولي عهد أبي فلما طلبتنا دعوت عشرة من غلماني ودفعت لكل واحد ألف دينار وأوسقت خمس بغال وشددت في وسطي جوهراً له قيمة عظيمة وخرجت هارباً إلى بلاد النوبة، فلما قربنا بعثت غلاماً لي، فقلت له: امض إلى هذا الملك وأقرئه السلام وخذ لنا منه الأمان وابتغ لنا ميرة. فمضى وأبطأ حتى أسأت به الظن، ثم أقبل ومعه رجل فدخل وسلم وقال: الملك يقرئك السلام ويقول لك: من أنت وما جاء بك إلى بلادي؟ أمحارب، أم راغب في ديني، أم مستجير بي؟ فقلت له: رد على الملك، ما أنا بمحارب ولا راغب في دينك ولا ممن يبتغي بدينه بدلاً بل مستجير به.
فذهب الرسول ورجع إلي وقال: الملك يقول لك إني أجيء إليك غداً فلا تحدث نفسك حدثاً ولا شيئاً من الميرة.
стр. 84
فقلت لأصحابي: افرشوا الفراش، ففرش لي وجلست من الغد أرقبه، وإذا هو قد أقبل وعليه بردان قد ائتزر بأحدهما وارتدى بالآخر، حافي الرجلين، ومعه عشرة معهم الحراب: ثلاثة يقدمونه وسبعة خلفه، فاستصغرت أمره وسولت لي نفسي قتله، فلما قرب إذا سواد عظيم، قلت: ما هذا؟ قالوا: الخيل. فوافى بها عشرة آلاف عنان، ووافت الخيل عند دخوله فأحدقوا بنا، فلما دخل جلس على الأرض، قال: فقلت لترجمانه: لِمَ لمْ يقعد على الموضع الذي وطئ له؟ فسأله، فقال: قل له إنه ملك وكل ملك حقه أن يكون متواضعاً لله وعظمته إذ رفعه الله على عباده.
ثم نكت بإصبعه الأرض طويلاً ورفع رأسه وقال: قل له كيف سلبتم هذا الملك، فأخذ منكم وأنتم أقرب الناس إلى نبيكم؟ فقلت: جاء من هو أقرب منا قرابة إليه، فسلبنا وغلبنا وطردنا فخرجت إليك مستجيراً بالله، ثم بك.
قال: فلم كنتم تشربون الخمر وهو محرم عليكم؟ قلت: فعل ذلك عبيد وأعاجم دخلوا في ديننا وفي ملكنا من غير رأينا.
قال: فلم تركبون على الديباج وعلى خيولكم سروج الذهب والفضة وهي محرمة عليكم؟ قلت: فعل ذلك عبيد وأعاجم دخلوا في ديننا وفي ملكنا بغير رأينا.
قال: فلم كنتم إذا خرجتم إلى الصيد مررتم على القرى وكلفتم أهلها ما لا طاقة لهم به بالضرب والإهانة ولا يقنعكم ذلك حتى تحطموا زرعهم في طلب دراج قيمته نصف درهم، والتكليف والعناء محرم عليكم؟ قلت: فعل ذلك عبيد وغلمان وأتباع.
قال: لا! ولكنكم استحللتم ما حرم الله عليكم وأتيتم ما نهاكم الله عنه فسلبكم العز وألبسكم الذل ونصر أعداءكم عليكم، ولله فيكم نقمة لم تبلغ غايتها بعد، وإني أخاف أن تنزل بك النقمة إذ كنت من الظلمة فتشملني معك، فإن النقمة إذا نزلت شملت، فاخرج بعد ثلاث، فإن وجدتك بعدها أخذت ما معك وقتلتك ومن معك.
ثم وثب قائماً وخرج وقمت ثلاثاً ورجعت إلى مصر فأخذني عاملك وبعث بي إليك، وها أنا ذا والموت أحب إلي من الحياة.
فرق له المنصور وهم بإطلاقه، فقال له إسماعيل بن علي: في عنقي بيعة هذا.
قال: فما ترى؟ قال: ينزل في دار من دورنا ويجري عليه ما يجري على مثله.
ففعل به ذلك، انتهى.
стр. 85
بليتان. المنصور والطاعون
وخطب المنصور يوماً بالشام، فقال: أيها الناس ينبغي لكم أن تحمدوا الله تعالى على ما وهبكم في فإني منذ وليتكم صرف الله عنكم الطاعون الذي كان يجيئكم.
فقال أعرابي: إن الله أكرم من أن يجمعك أنت والطاعون علينا.
أبي هرمة والخمر
ودخل ابن هرمة على المنصور وامتدحه، فقال له المنصور: سل حاجتك؟ قال: تكتب إلى عاملك بالمدينة إذا وجدني سكران لا يحدني.
فقال له المنصور: هذا حد لا سبيل إلى تركه.
فقال: ما لي حاجة غيرها.
فقال لكاتبه: اكتب إلى عاملنا بالمدينة من أتاك بابن هرمة وهو سكران فاجلده ثمانين، واجلد الذي جاء به مائة.
فمكان الشرطة يمرون عليه وهو سكران ويقولون: من يشتري ثمانين بمائة، فيمرون عليه ويتركونه، انتهى.
الرجل الثبت الجنان
وحدث أحمد بن موسى قال: ما رأيت رجلاً أثبت جناناً ولا أحسن معرفة ولا أظهر حجة من رجل رفع فيه عند المنصور بأن عنده أموالاً لبني أمية، فأمر المنصور حاجبه الربيع أن يحضره، فلما حضر بين يديه. قال المنصور: رفع إلينا أن عندك ودائع وأموالاً وسلاحاً لبني أمية فأخرجها لنا لنجمع ذلك إلى بيت المال.
فقال الرجل: يا أمير المؤمنين، أنت وارث لبني أمية؟ قال: لا.
قال: فلم تسأل إذن عما في يدي من أموال بني أمية ولست بوارث لهم ولا وصي.
فأطرق المنصور ساعة، ثم قال: إن بني أمية ظلموا الناس وغصبوا أموال المسلمين.
فقال الرجل: يحتاج أمير المؤمنين إلى بينة يقبلها الحاكم تشهد أن المال الذي لبني أمية
стр. 86
هو الذي في يدي وأنه هو الذي غصبوه من الناس. وأن أمير المؤمنين يعلم أن بني أمية كانت لهم أموال لأنفسهم غير أموال المسلمين التي اغتصبوها على ما يتهم أمير المؤمنين؟ قال: فسكت المنصور ساعة، ثم قال: يا ربيع، صدق الرجل ما يجب لنا على الرجل شيء، ثم قال للرجل: ألك حاجة؟ قال: نعم.
قال: ما هي؟ قال: أن تجمع بيني وبين من سعى في إليك فوالله يا أمير المؤمنين ما لبني أمية عندي مال ولا سلاح. وإنما أحضرت بين يديك وعلمت ما أنت فيه من العدل والإنصاف واتباع الحق واجتناب المظالم، فأيقنت أن الكلام الذي صدر مني هو أنجح وأصلح لما سألتني عنه.
فقال المنصور: يا ربيع، اجمع بينه وبين الذي سعى به فجمع بينهما. فقال: يا أمير المؤمنين، هذا أخذ لي خمسمائة دينار وهرب، ولي عليه مسطور شرعي.
فسأل المنصور الرجل فأقر بالمال. قال: فما حملك على السعي كاذباً؟ قال: أردت قتله ليخلص لي المال.
فقال الرجل: قد وهبتها له يا أمير المؤمنين، لأجل وقوفي بين يديك وحضوري مجلسك ووهبته خمسمائة دينار أخرى لكلامك لي.
فاستحسن المنصور فعله وأكرمه ورده إلى بلده مكرماً.
وكان المنصور كل وقت يقول: ما رأيت مثل هذا الشيخ قط، ولا أثبت من جنانه ولا من حجني مثله ولا رأيت مثل حمله ومروءته، انتهى.
стр. 87
خلاقة المهدي
الرؤيا الصالحة
اسمه محمد بن المنصور، حدثنا داود بن رشيد، قال: قلت للهيثم بن علي بأي شيء استحق سعيد بن عبد الرحمن أن ولاه المهدي القضاء وأنزله منه تلك المنزلة الرفيعة؟ فقال: إن خبره باتصاله بالمهدي ظريف، فإن أحببت شرحته لك. قلت والله قد أحببت.
قال: اعلم أنه وافى الربيع الحاجب حين أفضت الخلافة إلى المهدي وقال له: استأذن لي على أمير المؤمنين، فقال له: من أنت وما حاجتك؟ قال: أنا رجل قد رأيت لأمير المؤمنين أعزه الله رؤيا صالحة، وقد أحببت أن تذكرني له، فقال الربيع: يا هذا، إن القوم لا يصدقون فيما يرونه لأنفسهم فكيف بما يراه لهم غيرهم، فاحتل بحيلة غير هذه، فقال: إن لم تخبره بمكاني سألت من يوصلني إليه وأخبره ني سألتك الإذن لي عليه فلم تفعل؟ فدخل الربيع على المهدي، فقال له: يا أمير المؤمنين، إنكم قد أطمعتم الناس في أنفسكم فقد احتالوا عليكم بكل ضرب.
فقال له المهدي: هكذا تصنع الملوك فماذا؟ قال: رجل بالباب يزعم أنه رأى لأمير المؤمنين أيده الله رؤيا حسنة، وقد أحب أن يقصها عليك.
فقال المهدي: يا ربيع، إني والله أرى الرؤيا لنفسي فلا تصح لي فكيف يمكن ادعاؤها ممن لعله قد افتعلها؟ قال: والله قلت له مثل هذا فلم يقبل.
قال: هات الرجل.
قال: فأدخل عليه سعيد وكان له رؤية وجمال ومروة ظاهرة ولحية عظيمة ولسان طلق، فقال له: ما رأيت بار الله فيك؟ قال: رأيت يا أمير المؤمنين آتياً أتاني في منامي فقال: أخبر أمير المؤمنين أنه يعيش ثلاثين سنة في الخلافة، وآية ذلك أنه يرى في ليلته الآتية في منامه كأنه يقلب يواقيت ثم يعدها فيجد ثلاثين ياقوتة كأنها قد وهبت له.
فقال المهدي: ما أحسن ما رأيت، ونحن نمتحن رؤياك في ليلتنا المقبلة على ما أخبرتنا: فإن كان الأمر على ما ذكرت أعطيناك فوق ما تريد، وإن كان الأمر بخلاف ذلك لم نعاقبك لعلمنا أن الرؤيا الصالحة ربما صدقت وربما اختلفت.
قال: يا أمير المؤمنين، فما أصنع أنا الساعة إذا صرت إلى منزلي وعيالي وأخبرتهم أني كنت عند أمير المؤمنين أكرمه الله، ثم رجعت صفر اليد؟ فقال له المهدي: فكيف نعمل؟ فقال: يعجل لي أمير المؤمنين أعزه الله تعالى ما أحب وما أحلف له بالطلاق إني قد صدقت.
стр. 88
فأمر له بعِشرة آلاف درهم وأمر بأن يؤخذ له كفيل ليحضر من غد ذلك اليوم فقبض المال وقال له: من يكفلك؟ فمد عينه إلى خادم حسن الوجه والزي وقال: هذا يكفلني.
فقال له المهدي: أكفله يا غلام؟
فاحمر وخجل، وقال: نعم يا أمير المؤمنين، فكفله وانصرف سعيد بن عبد الرحمن بالعشرة آلاف درهم. فلما كانت تلك الليلة رأى المهدي ما ذكره له سعيد حرفاً بحرف وأصبح سعيد فوافى الباب واستأذن، فأذن له. فلما وقعت عين المهدي عليه قال له: أين مصداق ما قلت لنا عليه؟ فقلت له: وما رأى أمير المؤمنين. فضحك في جوابه، فقال له: امرأتي طالق إن لم تكن رأيت شيئاً؟ فقال: لأني أحلف على صدق.
قال له المهدي: فقد والله رأيت ذلك مبيناً.
فقال سعيد: الله أ: بر، فأنجز لي يا أمير المؤمنين ما وعدتني.
قال: حباً وكرامة.
ثم أمر له بثلاثة آلاف دينار وعشر تخوت ثياب من كل صنف وثلاثة مراكب من أنفس دوابه محلاةً، فأخذ ذلك وانصرف فلحق به الخادم الذي كان كفله. وقال: سألتك بالله هل لهذه الرؤيا من أصل؟ فقال سعيد: لا والله.
فقال الخادم: كيف وقد رأى أمير المؤمنين ما ذكرته؟ قال: هذا من المخاريق التي لا أب لها، وذلك أني لما ألقيت هذا الكلام خطر بباله وحدث به نفسه وأسرى به قلبه واشتغل به فكره ففي ساعة نام خيل له ما حل في قلبه واشتغل به فكره فنام فرآه.
فقال له الخادم: قد حلفت بالطلاق.
قال: طلقة واحدة وبقيت معي على اثنتين وأزيد مهرها عشرة دراهم. وأتحصل على عشرة آلاف درهم وثلاثة آلاف دينار وعشرة تخوت من أصناف الثياب، وثلاثة مراكب فارهة.
فبهت الخادم وتعجب من ذلك. فقال له سعيد: قد صدقتك وجعلت ذلك مكافأتك على كفالتك فاستر علي.
ثم طلبه المهدي لمنادمته فنادمه وحظي عنده وقلده القضاء على العسكر. فلم يزل كذلك حتى مات. انتهى.
стр. 89
المهدي والأعرابي
يحكى أن المهدي خرج يتصيد، فسار به فرسه حتى دخل إلى خباء أعرابي، فقال: يا أعرابي. هل من قرى؟ قال: نعم، فأخرج له قرض شعير فأكله، ثم أخرج له فضلة من لبن فسقاه، ثم أتاه بنبيذ في ركوة فسقاه قعباً. فلما شرب قال: يا أخا العرب أتدري من أنا؟ قال: لا والله.
قال: أنا من خدم أمير المؤمنين الخاصة.
قال: بارك الله في موضعك.
ثم سقاه قعباً آخر فشربه فقال: يا أعرابي، أتدري من أنا؟ قال: زعمت أنك من خدم أمير المؤمنين الخاصة.
قال: لا، بل أنا من قواد أمير المؤمنين.
قال: رحبت بلادك وطاب مرادك.
ثم سقاه ثالثاً فلما فرغ منه قال: يا أعرابي، أتدري من أنا؟ قال: زعمت أنك من قواد أمير المؤمنين.
قال: لا، ولكني أمير المؤمنين.
فأخذ الأعرابي الركوة وأوكأها وقال: والله لو شربت الرابع لادعيت أنك رسول الله.
فضحك المهدي حتى غشي عليه وأحاطت به الخيل ونزلت إليه الملوك والأشراف فطار قلب الأعرابي فقال له: لا بأس عليك ولا خوف ثم أمر له بكسوة ومال.
أبو نواس وجارية بنت المهدي
وقيل: كان لأسماء بنت المهدي جارية يقال لها: كاعب. وكانت بكراً ناهداً ذات حسن وجمال وقد واعتدال، وكانت بنت ست عشرة سنة. قال: فتلاعب عليها أبو نواس لينالها، فتمنعت منه مراراً. فظفر بها ليلة من الليالي في ناحية من نواحي القصر فمسكها فبكت وقالت: الموت دون ذلك، فقال أبو نواس في نفسه: هذا جزع الأبكار، فتركها مدة، فائفق أنه خرج من القصر ليلة وقد رقرق الدجى، فوجدها نائمة سكرى فتقرب منها وحل السراويل من وسطها، ودهمها، فإذا هي خالية
стр. 90
من البكارة، فارتاع وظن أنه يكون أتاها دم، فلم يجد وقام عنها وندم على ما كن منه وأخذ يقول:
وناهدة الثديين من خدم القصر ... مرقرقة الخدين ليلية الشعر
كلفت بها دهراً حسن وجهها ... طويلاً وما حب الكواعب من أمري
فما زلت بالأشعار حتى خدعتها ... وروضتها، والشعر من خدع السحر
أطالبها شيئاً، فقالت بعبرة: ... أموت به داءً ودمعتها تجري
فلما تعانقنا توسطت لجةً ... غرقت بها يا قوم في لجج البحر
فصحت أغثني يا غلام، فجاءني ... وقد زلقت رجلي ورحت إلى الصد
ولولا صياحي بالغلام وأنه ... تداركني بالحبل رحت إلى القعر
فأقسمت عمري لا ركبت سفينة ... ولا سرت طول الدهر إلى على الظهر
الشاعر المجنون
قال المبرد: صعدت من البصرة إلى بغداد، فمررت بدير العاقول فرأيت مجنوناً فيه. فلم أر قط أظرف منه ولا أحسن ثياباً، ويده الواحدة على صدره. فلما دنوت منه أنشأ يقول:
الله يعلم أنني كمدٌ ... لا أستطيع أبث ما أجد
روحان لي: روح تملكها ... بلد، وأخرى حازها بلد
وأرى الصبابة ليس ينفعها ... صبر وليس لمثلها جلد
وأظن ظاعنتي كشاهدتي ... بمكانها تجد الذي أجد
فقلت: أحسنت والله، لله درك يا مجنون. فأهوى لشيء يرميني به فبعدت عنه. فقال لي: أنشدتك ما تحبه واستحسنته. وتقول لي: يا مجنون، وتكون مع الزمان علي.
فقلت له: أخطأت.
فقال: إذن اعترفت بخطئك. ثم قال: أنشدك شعراً أيضاً؟ قلت: نعم.
فأنشأ يقول:
стр. 91
ما أقتل البين للمحب. وما ... أوجع قلب المحب بالكمد
عرضت نفسي على البلاء لقد ... أسرع في مهجتي وفي كبدي
يا حسرةً! إذ أبيت معتقلاً ... بين اختلاج الهموم والسهد
فقلت: أحسنت والله زدنا، فقال:
إن فتشوني فمحرق الكبد ... أو كشفوني فناحل الجسد
أضعف ما بي وزادني ألماً ... أن لست أشكو النوى إلى أحد
فقلت: أحسنت والله زدنا.
فقال: يا فتى، أراك كلما أنشدتك بيتاً قلت زدنا، وما ذاك إلا لمفارقة حبيبٍ أو خل أريب، ثم قال: أحسبك أبا العباس المبرد. بالله ما هو أنت.
قلت: أنا ذلك فمن أين عرفتني؟ فقال: وهل يخفى القمر؟ ثم قال: يا أبا العباس، أنشدني من شعرك شيئاً تنتعش به روحي، فأنشدته قولي:
بكيت حتى بكى من رحمتي الطلل ... ومن بكائي بكت أعداي إذ رحلوا
يا منزل الحي! أين الحي قد نزلوا؟ ... نفسي تساق إذا ما سيقت الإبل
أنعم صباحاً، سقاك الله من طلل ... غيثاً وجاد عليك الوابل الهطل
سقياً لعهدهم والدار جامعة ... والشمل ملتئم والحبل متصل
فطالما قد نعمنا والحبيب بها ... والدهر يسعد والواشون قد غفلوا
قد غير الدهر ما قد كنت أعرفه ... والدهر ذو دول بالناس ينتقل
بانوا فبان الذي قد كنت آمله ... والبين أعظم ما يبلى به الرجل
فالشمل مفترق، والقلب محترق ... والدمع منسكب، والركب مرتحل
كأن قلبي لما سار عيسهم ... صب به دنف أو شارب ثمل
لما أناخوا قبيل الصبح عيسهم ... وثوروها وسارت بالهوى الإبل
وقلت من خلال السجف ناظرها ... ترنوا لي، ودمع العين منهمل
يا حادي العيس! عرج بي أو دعهم ... يا حادي العيس في ترحالك الأجل
إني وحقك لا أنس مودتهم ... يا ليت شعري لطول العهد ما فعلوا؟
قال أبو العباس المبرد: فلما أتممت شعري. قال لي: ما فعلوا؟ قلت: ماتوا، فصاح صيحة عظيمة وخر مغشياً عليه، فحركته فوجدته قد مات. رحمة الله عليه. انتهى.
стр. 92
خلافة موسى الهادي بن محمد
لم أر فيه شيئاً ومن رأى فيه شيئاً فليضعه.
قال بعض الفضلاء: من حيث أن المؤلف أمر بأن من رأى فيه شيئاً فليضعه، فرأيت هذا النذر اليسير مذكوراً في تاريخ الإسحاقي فأحببت ذكره امتثالاً لأمره، فقلت:
الهادي والخارجي
ذكر صاحب الكردان: أن الهادي كان يوماً في بستان يتنزه على حمار، ولا سلاح معه وبحضرته جماعة، من خواصه وأهل بيته، فدخل عليه حاجبه وأخبره أن بالباب بعض الخوارج له بأس ومكايد، وقد ظفر به بعض القواد فأمر الهادي بإدخاله فدخل عليه بين رجلين قد قبضا على يديه. فلما أبصر الخارجي الهادي جذب يديه من الرجلين واختطف سيف أحدهما وقصد الهادي ففر كل من كان حوله وبقي وحده، وهو ثابت على حماره، حتى إذا دنا منه الخارجي وهم أن يعلوه بالسيف أومأ إلى وراء الخارجي وأوهمه أن غلاماً وراءه وقال: يا غلام اضرب عنقه، فظن الخارجي أن غلاماً وراءه والتفت الخارجي، فنزل الهادي مسرعاً عن حماره فقبض على عنق الخارجي وذبحه بالسيف الذي كان معه، ثم عاد إلى ظهر حماره من فوره، وأتباع الهادي ينظرون إليه ويتسللون عليه وقد ملئوا منه حياءً ورعباً، فما عاتبهم ولا خاطبهم في ذلك بكلمة، ولم يفارق السلاح بعد ذلك اليوم، ولم يركب إلا جواداً من الخيل. فانظر إلى هذا المقدار في ثبات جأش الملوك، فإنه قل من يفعل ذلك، وهذه مرتبة لم يصل إليها أحد إلا نادراً.
الهادي وحبه لغادرة
حكي عبد الحق أنه قال مما ابتلي به الهادي من المحبة أنه كان مغرماً بجارية تسمى غادراً، وكانت من أحسن النساء وجهاً وأطيبهم غناءً، اشتراها بعشرة آلاف دينار، فبينما هو يشرب مع ندمائه إذ فكر ساعة وتغير لونه وقطع الشراب، فقيل له: ما بال أمير المؤمنين؟ قال: وقع في قلبي أني أموت وأن أخي هارون بلي الخلافة ويتزوج غادراً فامضوا وأتوني برأسه.
ثم رجع عن ذلك وأمر بإحضاره، وحكى له ما خطر بباله فجعل هارون يترفق به، فقال: لا أرضى حتى تحلف علي بكل ما أحلفك به أني إذا مت لا تتزوج بها. فرضي
стр. 93
بذلك وحلف إيماناً عظيمة، ودخل إلى الجارية وحلفها أيضاً على مثل ذلك، فلم يلبث بعد ذلك سوى شهر ومات وولي الخلافة هارون الرشيد فطلب الجارية فقالت: يا أمير المؤمنين كيف تصنع بالإيمان؟ فقال: قد كفرت عنك وعني.
ثم تزوج بها ووقعت في قلبه موقعاً عظيماً وافتتن به أعظم من أخيه الهادي حتى كانت تسكر وتنام في حجره فلا يتحرك ولا ينقلب. فبينما هون في بعض الليالي وهي في حجره نائمة إذا بها انتبهت فزعة مرعوبة. فقال لها: ما بالك فديتك؟ قالت: رأيت أخاك الهادي الساعة في النوم فأنشدني هذه الأبيات:
أخلفت عهدي بعدما ... جاوزت سكان المقابر
ونسيتني، وحنثت في ... إيمانك الزور الفواجر
ونكحت غادرة أخي ... صدق الذي سماك غادر
لا يهنك الإلف الجدي؟ ... د ولا تدر عنك الدوائر
ولحقتني قبل الصبا - ح وصرت حيث غدوت صائر قالت: ثم ولى عني وكأن الأبيات مكتوبة في قلبي ما نسيت منها كلمة.
فقال لها: هذه أحلام الشيطان.
فقالت: كلا، والله يا أمير المؤمنين. ثم اضطربت بين يديه وماتت في تلك الساعة، ولا تسأل عن هارون الرشيد وما لقي بعدها.
стр. 94
؟؟
خلافة هارون الرشيد بن محمد المهدي
هو أخو موسى الهادي، وهو الخامس من بني العباس.
قال إبراهيم الموصلي في تهنئة الخلافة عندما ولي الرشيد بعد أخيه موسى الهادي:
ألم تر أن الشمس كانت مريضة ... فلما أتى هارون أشرق نورها
تلبست الدنيا جمالاً بملكه ... فهارون واليها ويحيى وزيرها
هارون والأعرابي
قدم أعرابي حين ولي هارون الخلافة فقيل له: فيم جئت؟ قال: أتيت برسالة.
قال: ائت بها.
قال: أتاني آت في منامي فقال: ائتِ أمير المؤمنين فابلغه هذه الأبيات:
توارثت الخلافة في قريشٍ ... تزف إليكما أبداً عروسا
إلى هارون تهدي بعد موسى ... تميس، وما لها أن لا تميسا
فأعطاه الرشيد عطاء جزيلاً وصرفه.
ليلة عظيمة
بويع له بالخلافة في الليلة التي توفي فيها أخوه وولد في تلك الليلة المأمون، وكانت ليلة عظيمة لم ير مثلها في بني العباس مات فيها خليفة، وولي فيها خليفة، وولد فيها خليفة.
ولما بويع الرشيد قلد جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك وزارته. وسيأتي إيقاع الرشيد بالبرامكة وسبب ذلك.
стр. 95
الرشيد والمستقية
ويحكى أن هارون الرشيد مر في بعض الأيام وبصحبته جعفر البرمكي وإذا هو بعدة بنات يستقون الماء فعرج عليهن يريد الشرب وإذا إحداهن تقول:
قولي لطيفك ينثني ... عن مضجعي وقت المنام
كي أستريح وتنطفي ... نار تأجج في العظام
دنفٌ تقلبه الأكف ... على بساط من سقام
فأعجب أمير المؤمنين ملاحتها وفصاحتها. فقال لها: يا بنت الكرام هذا من قولك أم من منقولك؟ قالت: من قولي.
قال: إن كان كلامك صحيحاً فأمسكي المعنى وغيري القافية فأنشدت تقول:
قولي لطيفك ينثني ... عن مضجعي وقت الوسن
كي أستريح وتنطفي ... نارٌ تأجج في البدن
دنف تقلبه الأكف ... على بساط من شجن
أما أنا فكما علم؟ ... ت فهل لوصلك من ثمن؟
فقال لها: والآخر مسروق.
قالت: بل كلامي.
فقال: إن كان كلامك أيضاً فأمسكي المعنى وغيري القافية. فقالت:
قولي لطيفك ينثني ... عن مضجعي وقت الرقاد
كي أستريح وتنطفي ... نار تأجج في الفؤاد
دنف تقلبه الأكف ... على بساط من حداد
أما أنا فكما علم؟ ... ت فهل لوصلك من سداد؟
فقال لها: والآخر مسروق.
فقال: بل كلامي.
فقال لها: إن كان كلامك فأمسكي المعنى وغيري القافية. فقالت:
стр. 96
قولي لطيفك ينثني ... عن مضجعي وقت الهجوع
كي أستريح وتنطفي ... نار تأجج في الضلوع
دنف تقلبه الأكف ... على بساط من دموع
أما أنا فكما علم؟ ... ت فهل لوصلك من رجوع؟
فقال لها أمير المؤمنين: أنت من أي هذا الحي؟ قالت: من أوسطه بيتاً، وأعلاه عموداً.
فعلم أمير المؤمنين أنها بنت كبير الحي. ثم قالت: وأنت من أي راعي الخيل؟ فقال: من أعلاها شجرة وأينعها ثمرة.
فقبلت الأرض وقالت: أيد الله أمير المؤمنين ودعت له ثم انصرفت مع بنات العرب.
فقال الخليفة لجعفر: لا بد من أخذها فتوجه جعفر إلى أبيها، وقال له: أمير المؤمنين يريد بنتك.
فقال: حباً وكرامة، تهدى جارية إلى أمير المؤمنين مولانا.
ثم جهزها وحملها إليه فتزوجها ودخل بها فكانت عنده من أعز نسائه وأعطى والدها ما يستره بين العرب من الأنعام. ثم بعد مدة انتقل والدها بالوفاة إلى رحمة الله تعالى، فورد على الخليفة خبر وفاته فدخل عليها وهو كئيب، فلما شاهدته وعليه الكآبة، نهضت ودخلت إلى حجرتها وقلعت ما عليها من الثياب الفاخرة ولبست ثياب الحزن وقامت النعي له.
فقيل لها: ما سبب هذا؟ فقالت: مات والدي، فمضوا إلى الخليفة فأخبروه فقام وأتى إليها وسألها من أعلمها بهذا الخبر؟ قالت: وجهك يا أمير المؤمنين.
قال: كيف ذلك؟ قالت: منذ أنا عندك ما رأيتك هكذا ولم يكن لي من أخاف عليه إلا والدي لكبره، ويعيش رأسك أنت يا أمير المؤمنين. فترغرغت عيناه بالدموع وعزاها فيه، وقامت مدة، وهي حزينة على والدها ثم لحقت به رحمة الله عليهم أجمعين.
стр. 97
؟
الضيف الطارق
ويحكى أن أمير المؤمنين هارون الرشيد أرق ذات ليلة فقام يتمشى في قصره بين المقاصير، فرأى جارية من جواريه نائمة فأعجبته، فداس على رجليها فانتبهت فرأت أمير المؤمنين، فاستحيت منه وقالت: يا أمين الله ما هذا الخبر.
فأجابها بقوله:
قلت: ضيف طارق في أرضكم ... هل تضيفوه إلى وقت السحر
فأجابته تقول:
بسرور وهناء سيدي ... أخدم الضيف بسمعي والبصر
فبات عندها إلى الصباح، فسأل أمير المؤمنين من بالباب من الشعراء؟ قيل له: أبو نواس. فمر به فدخل عليه. فقال: هات علي يا أمين الله ما هذا الخبر، فأنشأ يقول:
طال ليلي حين وافاني السهر ... فتفكرت فأحسنت الفكر
قمت أمشي في المجالي ساعة ... ثم أجري في مقاصير الحجر
فإذا وجه جميل مشرقٌ ... زانه الرحمن من بين البشر
فلمست الرجل منها موطئاً ... فدنت مني ومدت للبصر
وأشارت لي بقول مفصحٍ ... يا أمين الله ما هذا الخبر؟
قلت: ضيف طارق في أرضكم ... هل تضيفوه إلى وقت السحر
فأجابت بسرور سيدي ... أخدم الضيف بسمعي والبصر
قال: فتعجب أمير المؤمنين من ذلك وأمر له بصلة.
стр. 98
هارون والجارية السكرى
يحكى أن هارون الرشيد هجر جارية له ثم لقيها في بعض الليالي في القصر سكرى تدور في جوانب القصر وعليها مطرف خز، وهي تسحب أذيالها من التيه والعجب، وسقط رداؤها عن منكبيها، والريح أبان نهديها كأنهما رمانتان، ولها ردفان ثقيلان، فراودها عن نفسها، فقالت: يا أمير المؤمنين! هجرتني هذه المدة وليس لي علم بملاقاتك فأنظرني إلى غد حتى أتهيأ وآتيك.
فلما أصبح قال للحاجب: لا تدع أحداً يدخل علي إلا فلانة، وانتظرها فلم تجئ فقام ودخل عليها وسألها إنجاز الموعد فقالت: يا أمير المؤمنين، كلام الليل يمحوه النهار. فقام واستدعى من بالباب من الشعراء فدخل عليه أبو نواس والرقاشي وأبو مصعب فقال لهم: هاتوا علي، كلام الليل يمحوه النهار. فقال الرقاشي: أنا قائل في ذلك ثلاثة أبيات، وأنشأ يقول:
أتسلوها، وقلبك مستطار ... وقد منع القرار فلا قرار
وقد تركتك صباً مستهاماً ... فتاة لا تزور ولا تزار
فولت وانثنت تيهاً، وقالت: ... كلام الليل يمحوه النهار
وقال أبو مصعب: وأنا قائل في ذلك ثلاثة أبيات، وأنشأ يقول:
أما والله لو تجدين وجدي ... لما وسعتك في بغداد دار
أما يكفيك أن العين عبرى ... ومن ذكراك في الأحشاء نار
تبسمت الفتاة بغير ضحك ... كلام الليل يمحوه النهار
وقال أبو نواس: أنا قائل في ذلك أربعة أبيت، وأنشأ يقول:
وخود أقبلت في القصر سكرى ... ولكن زين السكر الوقار
وهز الريح أردافاً ثقالاً ... وغصناً فيه رمانٌ صغار
وقد سقط الردا عن منكبيها ... من التخميش وانحل الإزار
فقلت: الوعد سيدتي، فقالت: كلام الليل يمحوه النهار
فقال الرشيد: قاتلك الله كأنك كنت معنا أو مطلعاً علينا.
ومر لكل بخلعة سنية وخمسة آلاف درهم، ولأبي نواس بعشرة آلاف درهم، انتهى.
стр. 99
الرشيد وجارية الخيزران
وذكر الخطيب في بعض مصنفاته أن الرشيد دخل يوماً قبل وقت الظهر، في مقصورة جارية تسمى الخيزران على غفلة منها، فوجدها تغتسل، فلما رأته تجللت بشعرها حتى لم ير من جسدها شيئاً، فأعجبه ذلك الفعل واستحسنه، ثم عاد إلى مجلسه وقال: من بالباب من الشعراء؟ قالوا له: أبو نواس وبشار.
فقال: ليحضرا جميعاً.
فأحضرا، فقال الرشيد ليقل كل منكما أبياتاً توافق ما في نفسي، فأنشأ بشار يقول:
تحببتكم والقلب صار إليكمو ... بنفسي ذاك المنزل المتحبب
إذا ذكروا الهجران لا عن ملالةٍ ... وذكراهم، ينمي إلي محبب
وقالوا تجنبنا، ولا قرب بيننا ... فكيف وأنتم حاجتي تتجنبوا
على أنهم أحلى من الشهد عندنا ... وأعذب من ماء الحياة وأطيب
فقال: أحسنت، ولكن ما أصبت ما في نفسي، فقل أنت يا أبا نواس، فجعل يقول:
نضت عنها القميص لصب ماء ... فورد خدها فرط الحياء
وقابلت الهواء، وقد تعرت ... بمعتدلٍ أرق من الهواء
ومدت راحة، كالماء منها ... إلى ماء معد في إناء
فلما أن قضت وطراً وهمت ... على عجل إلى أخذ الرداء
رأت شخص الرقيب على التداني ... فأسبلت الظلام على الضياء
فغاب الصبح منها تحت ليلٍ ... وظل الماء يقطر فوق ماء
فسبحان الإله وقد براها ... كأحسن ما يكون من النساء
فقال الرشيد: سيفاً ونطعاً.
فقال له: ولم يا أمير المؤمنين؟ قال: أمعنا كنت؟ قال: لا والله ولكن شيء خطر ببالي.
فأمر له بأربعة آلاف درهم وصرفه.
؟
стр. 100
أجود أخبار النساء
ويحكى أن أمير المؤمنين الرشيد أرق ذات ليلة أرقاً شديداً، فقام من فراشه وتمشى من مقصورة إلى مقصورة، وقلقه زائد ونفسه محصورة، فلما أصبح قال: علي بالأصمعي، فخرج الطواشي إلى البوابين، فقال لهم: يقول لكم أمير المؤمنين أرسلوا أحداً خلف الأصمعي. فلما حضر أعلم الخليفة فأجلسه ورحب به وقال: يا أسمعي أريد منك أن تحدثني بأجود ما سمعت من أخبار النساء وأشعارهن؟ فقال: سمعاً وطاعة: لقد سمعت كثيراً ولم يعجبني سوى ثلاثة أبيات أنشدهن ثلاث بنات.
فقال له: حدثني حديثهن.
فقال: اعلم إذا أمير المؤمنين، أني توجهت سنة إلى البصرة فاشتد لعي الحر فطلبت مقيلاً أقيل فيه فلم أجد، فبنما أنا أتلفت يميناً وشمالاً، إذا أنا بساباط مكنوس مرشوش، وفيه دكة من خشب، وعليها شباك مفتوح تفوح منه رائحة المسك، فدخلت الساباط وجلست على الدكة وأردت الاضطجاع، فسمعت كلاماً عذباً من فم جارية حسناء، وهي تقول: يا أختي! إنا جلسنا يومنا هذا على وجه الصبوح، تعالين نطرح ثلاثمائة دينار وكل منا تقول بيتاً من الشعر، فكل من قاتل البيت الأعذب الأملح كانت الثلاثمائة دينار لها، فقلن: حباً وكرامة، فقالت الكبرى:
عجبت له أن زار في النوم مضجعي ... ولو زارني مستيقظً كان أعجبا
فقالت الوسطى:
وما زارني في النوم إلا خياله ... فقلت له: أهلاً وسهلاً ومرحبا
فقالت الصغرى:
بنفسي وأهلي من أرى كل ليلةٍ ... ضجيعي ورياه من المسك أطيبا
فقلت: إن كان لهذا المقال جمالٌ، فقد تم الأمر على كل حال. فنزلت عن الدكة وأردت الانصراف، وإذا بالباب قد فتح وخرجت منه جارية، وهي تقول: اجلس يا شيخ، فطلعت على الدكة ثانياً وجلست، فدفعت إلي ورقة فنظرت خطاً في نهاية الحسن مستقيم الألفات مجوف ألهاآت مدور الواوات مضمونه: نعلم الشيخ، أطال الله بقاءه، أننا ثلاث بنات أخواتٍ جلسنا على وجه الصبوح وطرحنا ثلاثمائة دينار، وشرطنا أن كل من قالت البيت الأعذب الأملح كان لها الثلاثمائة دينار، وقد جعلناك الحكم في ذلك، فاحكم بما تراه والسلام.
стр. 101
فقلت للجارية: علي بدواة وقرطاس.
فغابت قليلاً وخرجت إلي بدواة مفضضة وأقلام مذهبة، فأنشأ أقول:
أحدث عن خود تحدثن مرةً ... حديث امرئ ساس الأمور وجربا
ثلاث كبكرات الصحاري جحافل ... حللن بقلبٍ للمشوق معذبا
خلون وقد نامت عيونٌ كثيرةُ ... من الراقدين المشتهين التغيبا
فبحن بما يخفين من داخل الحشا ... نعم، واتخذن الشعر لهواً وملعبا
فقالت عروبٌ ذات عز غريرة ... وتبسم عن عذب المقالة أنسبا
عجبت له أن زار في النوم مضجعي ... ولو زارني مستيقظاً كان أعجبا
فلما انقضى ما زخرفت وتضاحكت ... تنفست الوسطى، وقالت تطربا
وما زارني في النوم إلا خياله ... فقلت له: أهلاً وسهلاً ومرحبا
وأحسنت الصغرى، وقالت مجيبة ... بلفظ لها قد كان أشهى وأعذبا
بنفسي وأهلي من رأى كل ليلة ... ضجيعي، ورياه من المسك أطيبا
فلما تدبرت الذي قلن وانبرى ... لي الحكم لم أترك لذي اللب معتبا
حكمت لصغراهن في الشعر أنني ... رأيت الذي قالت جميلاً وأصوبا
قال الأصمعي: ثم دفعت الرقعة إلى الجارية، فلما صعدت إلى القصر، فإذا برقص وتصفيق ودنيا دانية وقيامة قائمة، فقلت: ما بقي لي إقامة، فنزلت عن الدكة وأردت الانصراف، وإذا بالجارية تنادي وتقول: اجلس يا أصمعي.
فقلت: ومن أعلمك أنني الأصمعي؟ فقالت: يا شيخ إن خفي علينا اسمك فما خفي علينا نظمك.
فجلست، وإذا بالباب قد فتح وخرجت منه الجارية الأولى وعلى يدها طبق من فاكهة وطبق من حلوى، فتفكهت وتحليت وشكرت صنعها، وأردت الانصراف، وإذا بالجارية تنادي وتقول: اجلس يا أصمعي، فرفعت بصري إليها فنظرت كفاً أحمر في كم أصفر فخلته البدر يشرف من تحت الغمام، ورمت لي صرة فيها ثلاثمائة دينار، وقالت: هذا صار لي وهو مني لك هبة في نظير حكومتك.
فقال لي أمير المؤمنين: لأي شيء حكمت للصغرى ولم تحكم للكبرى ولا للوسطى؟
فقلت: يا أمير المؤمنين إن بيت الكبرى قالت:
стр. 102
عجبت له أن زار في النوم مضجعي
وهو محمول معلق على شرط قد يقع ولا يقع، وأما الوسطى، فمر بها طيف خيال في النوم فسلمت عليه، وبيت الصغرى ذكرت أنها ضاجعته مضاجعة حقيقية وشمت منه أنفاساً أطيب من المسك وفدته بنفسها وأهلها ولا يفدى بالنفس إلا من هو أعز من النفس.
فقال الخليفة: أحسنت يا أصمعي.
ثم دفع إلي ثلاثمائة دينار فأخذتها وانصرفت فكنت أقول لله درك من شعر أخذت في حكومتي منه ثلاثمائة دينار، وفي حكايته مثلها، والله أعلم.
الأصمعي والجارية
ومما حكي عن الأصمعي في نوادره، قال: سهرت ليلة عند الرشيد في الرقة، فقال لي: من معك يا عبد الله يؤنسك؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، ما لي أنيس غير الوحدة.
فأمسك وأقبل في حديثه ما شاء الله، ثم نهض ونهض من بحضرته فلما صرت إلى منزلي، وإذا بخادم الأمير يقرع الباب فخرجت، فإذا ضوء شمع وضجة وغوغاء ومعهم جارية فلما رآني الخادم دنا مني وقبل يدي وقال لي: يقول لك أمير المؤمنين قد أمرنا لك بمن يؤنسك، وهي جارية من خواصه وشيء من المال. فشكرت أمير المؤمنين ودعوت له وتقدم الخادم بإدخال الجارية ومعها من الآلات والخدم والجواري والفرش ما لم أر مثله إلا عند أمير المؤمنين، ثم ودعني الخادم وانصرف. فلما نظرت إلى الجارية رأيتها أحسن الناس وجهاً وأكملهم قداً وشكلاً وظرفاً وأكثرهم مجوناً فداخلني لها هيبة وانقباض.
فقالت: ما هذا الحياء البارد السمج الذي لا وجه له؟ أين ملحك ونوادرك؟ ثم قالت لجارية من الجواري: هات ما عندك، فجاءت بأحسن ما يكون من ألوان الطعام فأكلنا وهي مع ذلك تباسطني وتؤانسني بالحديث والملاعبة، ثم دعت بالشراب فشربت وسقتني، ثم قالت: ما بقي بعد الأكل والشرب إلا النوم والخلوة. فقامت ولبست من الثياب ما أرادت وألبستني ثياباً فاخرة مبيضة وتفرق من كان عندنا، ثم اضطجعت إلى جانبي، فلما جمعنا الفراش أصابني من الحصر وانقطاع الانعاظ ورخاوة الأير ما لم أكن أعهده قبل ذلك فجعلت تقلبه بيدها وتغمزه فلا يزداد إلا إنكماشاً وموتاً فلما أعيتها
стр. 103
الحيلة فيه ويئست من قيامه ومضى من الليل أكثره قالت: عظم الله أجرك في أيرك، ثم نهضت ولبست ثياب الحداد ودعت بسفط فأخرجت منه مناديل صغاراً وحنوطاً وقالت: نم عل ظهرك يا بطال، فاستولى علي الخجل حتى إني لم أقدر أخالفها في شيء مما تأمرني به في جميع ما تفعله في فغسلته وحنطته وكفنته بتلك المناديل فلما فرغت همت بجواريها وقامت معهن في بكاء ونحيب ونوحٍ وندب وصراخ بأشد ما يكون وما زلن على ذلك إلى وقت السحر، ثم قالت: ما بقي إلا ما يتولاه الرجال من الصلاة والدفن وولت عني. فقمت وأنا أخزى خلق الله حالاً فلبست ثيابي وصليت الفجر وسرت من وقتي وساعتي إلى الرشيد فأنكر الحاجب حضوري في ذلك الوقت وأعلم الرشيد بي، فأذن لي فدخلت، وهو قاعد في مصلاه، فقال لي: ويحك ما دهاك في هذا الوقت؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، خبري عجيب وأمري غريب، فبالله عليك يا أمير المؤمنين، ألا ما رحمتني وأرحتني من هذا الجارية التي أنفذتها إلي فلا حاجة لي بها.
فقال لي أمير المؤمنين: وما السبب لذلك وما الخبر الذي دهاك وليس لها عندك حين من الزمان.
فشرحت له القصة من أولها إلى آخرها حتى بلغت إلى إقامة الصلاة فاشتد ضحكه حتى أنه كاد يستلقي على قفاه وسمعت الضحك من كل ناحية في الدار من الجواري وغيرهن، ثم قال: نحن إلى هذه أحوج منك إليها وقد كنا غافلين عنها، ثم إنه أمر بحملها إلى داره وعوضني عنها خمسين ألف درهم وترك جميع ما حمل معها في منزلي وخرجت مجردة فحظيت بعد ذلك عند الرشيد حتى إنه لم يتقدم عليها أحد من نظائرها، وسميت من قوتها هذا بالأصمعية إلى أن توفيت رحمة الله عليهم أجمعين.
стр. 104
إبراهيم الموصلي وإبليس
وعن أبي إسماعيل إبراهيم الموصلي قال: استأذنت الرشيد أن يهب لي يوماً من الأيام للانفراد بجواري وإخواني، فأذن لي في يوم السبت، فأتيت منزلي وأخذت في إصلاح طعامي وشرابي وما احتجت إليه وأمرت البوابين بإغلاق الأبواب وأن لا يأذنوا لأحد بالدخول علي.
فبينما أنا في مجلسي والحريم قد حففن بي، وإذا بشيخ ذي هيبة وجمال وعليه جبتان قصيرتان وقميص ناعم وعلى رأسه قلنسوة وبيده عكازة مقمعة بفضة وروائح الطيب تفوح منه حتى ملأت الدار والرواق، فداخلني غيظ عظيم لدخوله علي وهممت بطرد البوابين فسلم علي أحسن سلام، فرددت عليه وأمرته بالجلوس، فجلس وأخذ يحدثني بأحاديث العرب وأشعارها حتى ذهب ما بي من الغضب وظننت أن غلماني تحروا مسرتي لإدخال مثله علي لأدبه وظرفه، فقلت: هل لك في الطعام؟ قال: لا حاجة لي فيه.
قلت: فالشراب؟ قال: ذلك إليك.
فشربت رطلاً وسقيته مثله، ثم قال: يا أبا إسحاق، هل لك أن تغنينا شيئاً فنسمع من صنعتك ما قد فقت به العام والخاص.
فغاظني قوله، ثم سهلت الأمر على نفسي، فأخذت العود وضربت وغنيت، فقال: أحسنت يا إبراهيم، فازددت غيظاً فقلت: ما رضي بما فعله في دخوله بغير إذني واقتراحه علي حتى سماني باسمي ولم يجمل مخاطبتي.
ثم قال: هل تزيد نكافئك؟ د فترنمت وأخذت العود وغنيت وتحفظت فيما غنيته، قمت به قياماً تاماً لقوله: ونكافئك. فطرب وقال: أحسنت يا سيدي، ثم قال لي: أتأذن لي في الغناء؟ فقلت: شأنك، واستضعفت عقله في أن يغني بحضرتي بعد الذي سمعه مني. فأخذ العود وجسه فوالله خلت أن العود ينطق بلسان عربي واندفع يغني هذه الأبيات:
ولي كبدٌ مقروحةٌ من يبيعني ... بها كبداً ليست بذات قروح
أباها على الناس لا يشترونها ... ومن يشتري ذا علة بصحيح
أئن من الشوق الذي في جوانحي ... أنين غصيص بالشراب طريح
стр. 105
قال إبراهيم: فوالله لقد ظننت أن الأبواب والحيطان وكل ما في البيت تجيبه وتغني معه، وبقيت مبهوتاً لا أستطيع الكلام والحركة لما خالط قلبي، ثم اندفع يغني، فقال:
ألا يا حمامات اللوى عدن عودةً ... فإني إلى أصواتكن حزين
فعدن ولما عدن كدن يمتنني ... وكدت بأسراري لهن أبين
دعون بترداد الهدير كأنما ... شربن الحميا أو بهن جنون
فلم تر عيني مثلهن حمائماً ... بكين ولم تدمع لهن عيون
قال: ثم سكت قليلاً وغنى هذه الأبيات:
ألا يا صبا نجدٍ متى هجت من نجد ... فقد زادني مسراك وجداً على وجدي
أإن هتفت ورقاء في رونق الضحى ... على فنن من غصن بان ومن رند
بكيت كما يبكي الوليد صبابةً ... وأبديت من شكواي ما لم تكن تبدي
وقد زعموا أن المحب إذا دنا ... تمل وأن البعد يشفي من الوجد
بكل تداوينا فلم يشف ما بنا ... على أن قرب الدار خيرٌ من البعد
على أن قرب الدار ليس بنافع ... إذا كان من تهواه ليس بذي ود
ثم قال: يا إبراهيم هذا الغناء الماخوري خذه وانح نحوه في غنائك وعلمه جواريك.
فقلت: أعده علي؟ فقال: لست تحتاج إلى إعادة فقد أخذته وفرغت منه.
ثم غاب من بين يدي فارتعبت منه وقمت إلى السيف وجردته ثم غدوت نحو أبواب الحريم فوجدتها مغلقة، فقلت للجواري: أي شيء سمعتن؟ فقلن: سمعنا غناء أطيب شيء وأحسنه.
فخرجت متحيراً إلى باب الدار فوجدته مغلقاً فسألت البوابين عن الشيخ فقالوا: أي شيخ، فوالله ما دخل إليك اليوم أحد.
فرجعت أتأمل أمره، فإذا هو قد هتف بي من جوانب البيت، وقال: لا بأس عليك يا أبا إسحاق، فإنما هو أبو مرة قد كنت نديمك اليوم، فلا تفزع.
فركبت إلى الرشيد فأخبرته الخبر، فقال: أعد الأصوات التي أخذتها، فأخذت العود وضربت، فإذا هي راسخة في صدري، فطرب الرشيد عليها وجعل يشرب، ولم يكن له همة على الشراب، وقال: كأن الشيخ علم أنك قد أخذت الأصوات وفرغت منها فليته متعنا بنفسه يوماً واحداً كما متعك، ثم أمر لي بصلة فأخذتها وانصرفت، انتهى.
стр. 106
الرشيد وإسماعيل بن صالح
وقال الرشيد يوماً للفضل بن يحيى، وهو بالرقة: قد قدم إسماعيل ابن صالح بن علي، وهو صديقك، وأريد أن أراه؟ فقال: إن أخاه عبد الملك في حبسك وقد نهاه أن يجيئك.
قال الرشيد: فإني أتعلل حتى يجيئني عائداً؟ فتعلل، فقال الفضل لإسماعيل: ألا تعود أمير المؤمنين؟ قال: بلى.
فجاءه عائداً فأجلسه، ثم دعا بالغداء، فأكل وأكل إسماعيل بين يديه، فقال له الرشيد: كأني قد نشطت برؤيتك إلى شرب قدح، فشرب وسقاه، ثم أمر فأخرج جوار يغنين وضربت ستارة وأمر بسقيه، فلما شرب أخذ الرشيد العود من يد جارية ووضعه في حجر إسماعيل وجعل في عنقه سبحة، وفيها عشرة حبات من در شراؤها بثلاثين ألف دينار، وقال: عن يا إسماعيل، وكفر عن يمينك بثمن هذه السبحة، فاندفع يغني شعر الوليد بن يزيد في غالية أخت عمر بن عبد العزيز، وكانت تحته، وهي التي ينسب إليها سوق الغالية، فقال:
فأقسم ما أدنيت كفي لريبة ... ولا حملتني نحو فاحشة رجلي
ولا قادني سمعي ولا بصري لها ... ولا دلني رأيي عليها ولا عقلي
وأعلم أني لم تصبني مصيبةٌ ... من الدهر إلا قد أصابت فتى مثلي
فسمع الرشيد أحسن غناء من أحسن صوت. فقال: الرمح يا غلام.
فجيء بالرمح، فعقد له لواء على إمارة مصر.
قال إسماعيل: فوليتها سنتين فأوسعتها عدلاً. وانصرفت بخمسمائة ألف دينار، وبلغ أخاه عبد الملك ولايته، فقال: غني والله الخبيث لهم، ليس هو بصالح، انتهى.
стр. 107
أعرابي يزاحم الرشيد
يروى أنه لما دخل هارون الرشيد إلى مكة، شرفها الله تعالى، وابتدأ بالطواف ومنع الخاص والعام من ذلك لينفرد بالطواف. فسبقه أعرابي، فشق ذلك على الرشيد فإلتفت إلى حاجبه منكراً عليه، فقال الحاجب للأعرابي: تخل عن الطواف حتى يطوف أمير المؤمنين.
فقال الأعرابي: إن الله قد ساوى بين الإمام والرعية في هذا المقام، فقال : " سواء العاكف فيه والباد ونم يرد فيه بالحاد بظلم نذقه من عذاب أليم ".
فلما سمع الرشيد من الأعرابي ذلك راعه أمره فأمر حاجبة بالكف عنه، ثم جاء الرشيد إلى الحجر الأسود ليستلمه فسبقه الأعرابي فاستلمه، ثم أتى الرشيد إلى المقام للمصلي فسقه الأعرابي فصلى فيه، فلما فرغ الرشيد من صلاته قال: لحاجبه: ائتني بهذا الأعرابي، فأتاه الحاجب فقال: أجب أمير المؤمنين.
فقال: ما لي إليه من حاجة إن كان له حاجة فهو أحق بالقيام إلي والسعي.
فقام الرشيد حتى وقف بإزاء الأعرابي وسلم عليه، فرد ﵇، فقال له الرشيد: يا أخا العرب إجلس هنا بأمرك.
فقال الأعرابي: ليس البيت بيتي ولا الحرم حرمي وكلنا فيه سواء.
فإن شئت تجلس، وإن شئت تنصرف.
قال الراوي: فعظم ذلك على الرشيد وسمع ما لم يكن في ذهنه، وما ظن أنه يواجهه أ؛ د بمثل هذا الكلام. فجلس الرشيد وقال: يا أعرابي، أريد أن أسألك عن فرضك، فإن أنت قمت به فأنت بغيره أقوم، وإن أنت عجزت عنه فأنت عن غيره أعجز.
فقال الأعرابي: سؤالك هذا سؤال تعلم أم سؤال تعنت؟ فتعجب الرشيد من سرعة جوابه وقال: بل سؤال تعلم.
فقال له الأعرابي: قم فاجلس مقام السائل من المسؤول.
стр. 108
قال: فقام الرشيد وجثا على ركبتيه بين يدي الأعرابي، فقال: قد جلست فاسأل عما بدا لك.
فقال له: أخبرني عما افترض الله عليك؟ فقال له: تسألني عن أي فرض عن فرض واحد، أم عن خمسة، أن عن سبعة عشر، أم عن أربعة وثلاثين، أم عن خمسة وثمانين، أم عن واحدة في طول العمر، أم عن واحدة في أربعين، أم عن خمسة من مائتين.
قال: فضحك الرشيد حتى استلقى على قفاه استهزاء به، ثم قال: له: سألتك عن فرضك فأتيتني بحساب الدهر؟ قال: يا هارون لولا أن الدين بالحساب لما أخذ الله الخلائق بالحساب يوم القيامة، فقال تعالى: " ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين ".
قال: فظهر الغضب في وجه الرشيد واحمرت عيناه حين قال: يا هارون، ولم يقل له: يا أمير المؤمنين، وبلغ مبلغاً شديداً غير أن الله تعالى عصمه منه وحال بينه وبينه لما علم أنه هو الذي أنطق الأعرابي بذلك، فقال له الرشيد: يا أعرابي، إن فسرت ما قلت نجوت وإلا أمرت بضرب عنقك بين الصفا والمروة.
فقال له الحاجب: يا أمير المؤمنين اعف عنه وهبه لله تعالى ولهذا المقام الشريف؟ قال: فضحك الأعرابي من قولهما حتى استلقى على قفاه، فقال: مم تضحك؟ قال: عجباً منكما إذ لا أدري أيكما أجهل الذي يستوهب أجلاً قد حضر أم من يستعجل أجلاً لم يحضر؟
قال: هاك الرشيد ما سمعه منه وهانت نفسه عليه، ثم قال: الأعرابي: أما سؤالك عما افترض الله علي، فقد افترض علي فرائض كثيرة، فقولي لك عن فرض واحد: فهو دين الإسلام، وأما قولي لك عن خمسة: فهي الصلوات؛ وأما قولي لك عن سبعة عشرة: فهي سبعة عشرة ركعة؛ وأما قولي لك عن أربعة وثلاثين: فهي السجدات؛ وما قولي لك عن خمسة وثمانين: فهي التكبيرات؛ وأما قولي لك عن واحدة في طول العمر: فهي حجة الإسلام واحدة في طول العمر كله، وأما قولي لك واحدة في أربعين: فهي زكاة الشياه، شاة من أربعين، وأما قولي لك خمس من مائتين: فهي زكاة الورق.
стр. 109
قال: فامتلأ الرشيد فرحاً وسروراً من تفسير هذه المسائل، ومن حسن كلام الأعرابي وعظم الأعرابي في عينه وتبدل بغضه محبة، ثم قال: الأعرابي: سألتني فأجبتك وأنا أريد أن أسألك فأجبني.
قال: قل.
فقال الأعرابي: ما تقول في رجل نظر إلى امرأة في وقت صلاة الفجر فكانت عليه محرمة، فلما كان وقت الظهر حلت له، فلما كان في وقت العصر حرمت عليه، فلما كان وقت المغرب حلت له، فلما كان وقت العشاء حرمت عليه، فلما كان وقت الصبح حلت له، فلما كان وقت الظهر حرمت عليه، فلا كان وقت العصر حلت له، فلما كان وقت المغرب حرمت عليه، فلما كان وقت العشاء حلت له.
فقال: والله يا أخا العرب لقد أوقعتني في بحر لا يخلصني منه غيرك.
فقال له: أنت خليفة ليس فوقك شيء ولا ينبغي أن تعجز عن مسألة فكيف عجزت عن مسألتي وأنا رجل بدوي لا قدرة لي؟ فقال الرشيد: قد عظم قدرك العلم ورفع ذكرك فأشتهي إكراماً لي، ولهذا المقام تفسير ذلك.
فقال: حباً وكرامة ولكن على شرط أن تجبر الكسير وترحم الفقير ولا تزدري الحقير.
فقال: حباً وكرامة، ثم قال: إن قولي لك عن رجل نظر إلى امرأة وقت صلاة الفجر فكانت عليه حراماً فهو رجل نظر إلى أمة غيره وقت الفجر فهي حرام عليه، فلما كان وقت الظهر اشتراها فحلت له، فلما كان وقت العصر أعتقها، فحرمت عليه، فلما كان وقت المغرب تزوجها فحلت له، فلما كان وقت العشاء طلقها فحرمت عليه، فلما كان وقت الفجر رجعها فحلت له، فلما كان وقت الظهر ظاهر منها فحرمت عليه، فلما كان وقت العصر أعتق عنها، فحلت له، فلما كان وقت المغرب ارتد عن الإسلام فحرمت عليه. فلما كان وقت العشاء تاب ورجع إلى الإسلام فحلت له.
قال: فاغتبط الرشيد وفرح به واشتد إعجابه، ثم أمر له بعشرة آلاف درهم، فلما حضرت قال: لا حاجة لي بها ردها إلى أصحابها.
فقال له: أريد أن أجري لك جراية تكفيك مدة حياتك؟ قال: الذي أجرى عليك يجري علي.
قال: فإن كان عليك دين قضيناه عنك؟ قال: لا، ولم يقبل منه شيئاً، ثم أنشد يقول:
стр. 110
هب الدنيا توافينا سنينا ... فتكدر ساعة وتلذ حينا
فما أبغي لشيء ليس يبقى ... وأتركه غداً للوارثينا
كأني بالتراب علي يحثى ... وبالإخوان حولي نادبينا
ويوم تزفر النيران فيه ... وتقسم جهرةً للسامعينا
وعزة خالقي وجلال ربي ... لأنتقمن منهم أجمعينا
وقد شاب الصغير بغير ذنبٍ ... فكيف يكون حال المجرمينا
فلما فرغ من إنشاده تأوه الرشيد وسأله عن أهله وبلاده، فأخبره أنه موسى الرضي بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃ أجمعين، وكان يتزيا بزي أعرابي زهداً في الدنيا وتباعداً عنها، فقام إليه الرشيد وقبل ما بين عينيه، ثم قرأ " الله أعلم حيث يجعل رسالته "، وانصرف رحمة الله عليهم أجمعين.
الحسين الخليع والجارية العاشقة
قال السجستاني: أرق الرشيد ليلة، فوجه إلى الأصمعي وإلى حسين الخليع فأحضرهما وقال: عللاني وابدأ أنت يا حسين.
فقال حسين: نعم يا أمير المؤمنين؟ خرجت في بعض السنين منحدراً إلى البصرة ممتدحاً محمد بن سليمان الزينبي بقصيدتي، فقبلها وأمرني بالمقام، فخرجت ذات يوم إلى المبربد وجعلت المهالبة طريقي فأصابني حر شديد فدنوت من باب دار كبيرة لأستسقي، فإذا أنا بجارية كأنها قضيب ينثني، واسعة العينين، زجاء الحاجبين، مفتوحة الجبين، عليها قميص جلناري ورداء عدني قد غلب شدة بياض بدنها على حمرة قميصها، تتلألأ من تحت القميص بثديين كرمانتين وبطن كطي القباطي، وعكن كالقراطيس، لها جمة جعدة بالمسك محشوة، وهي يا أمير المؤمنين متقلدة خرزاً من الذهب والجوهر، يزهو بين نهديها وعلى صحن جبنها طرة كالسبج وحاجبان مقرونان وعينان نجلاوان وخدان أسيلان
следующие страницы →