هذا غلط المعنى معلوم كما قال الإمام مالك: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، نعرف أن السمع ضد الصمم، والبصر ضد العمى، الاستواء معناه في اللغة معروف. معناه: الصعود والاستقرار والعلو والارتفاع لكن كيفية هذه الصفة هو الذي لا نعلمه، كلام المؤلف موهم، المؤلف من أئمة أهل السنة يرد إلى كلامه الواضح الذي يوضح هذا المعنى وإلا ظاهره يقول إثبات اللفظ فقط بدون المعنى، هذا مذهب المفوضة؛ لأن أهل البدع طائفتان المفوضة والمؤولة، المفوضة الذين يفوضون المعنى يؤمنون باللفظ فقط، ولا يعتقدون أن لها معنى، يقولون: ما نعرف المعنى كأنه حروف أعجمية لا ندري ما معناها.
هذا غلط المعنى معروف كما قال الإمام مالك: الاستواء معلوم، والمؤولة يقولون: استوى معناها استولى يحرفون، والمفوضة يقولون: لا ندري ما معناه المعنى غير معلوم هذا غلط، أهل السنة يثبتون ويفوضون الكيفية وهو غير مذهب المفوضة وغير مذهب المؤولة، أهل السنة يقولون نعرف المعنى الاستواء معناه: الصعود والاستقرار والعلو والارتفاع، والكيف هو المجهول كيفية الصفة لا نعلمها.
ابن قدامة من أئمة أهل السنة وإن كانت هذه العبارة موهمة ترد إلى كلامه الواضح، يحمل على محمل حسن، وإلا هذه الكلمة موهمة.
تعليق الشيخ ابن عثيمين ﵀.
أما ما ذكره ابن قدامة فإنه ينطبق على مذهب المفوضة وهو شر المذاهب وأخبثها، والمصنف ﵀ هو إمام أهل السنة وهو من أبعد الناس عن المفوضة وغيره من المبتدعة -والله أعلم-. نقلا عن فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم جمع وتقديم عبد الرحمن بن قاسم.
стр. 37
قلت: ومن رجع إلى مصنفات ابن قدامة ﵀ علم يقينا أنه بعيد كل البعد عن مذهب المفوضة وأهل التأويل لاسيما كتابه "ذم التأويل" الذي رد على أهل التأويل، ومن حذى حذوهم من المفوضة، وأثبت فيه مذهب أهل السنة من الإيمان بما ثبت في الكتاب والسنة من أسماء الله وصفاته لفظا ومعنى، وما ورد عن ابن قدامة هنا (وجب الإيمان به لفظا) من المجمل المتشابه الذي فسر صريحا واضحا بينا في مصنفاته الأخرى، فيجب رده إلى محكم كلامه -عليه رحمة الله-، وكل ما ورد عنه مما يحتمل ويحتمل فهو مردود إلى المحكم من كلامه في سائر تصانيفه، والله أعلم.
ما تضمنه كلام الإمام أحمد في أحاديث النزول وشبهها
قال المؤلف ﵀: (قال الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل ﵁ في قول النبي ﷺ " إن الله ينزل إلى سماء الدنيا " و " إن الله يرى في القيامة " وما أشبه هذه الأحاديث نؤمن بها، ونصدق بها لا كيف ولا معنى ولا نرد شيئا منها، ونعلم أنما جاء به الرسول حق، ولا نرد على رسول الله ﷺ ولا نصف الله بأكثر مما وصف به نفسه لا نتعدى ذلك، ولا يبلغه وصف الواصفين، نؤمن بالقرآن كله مجمله ومتشابهه، ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شنعت، ولا نتعدى القرآن والحديث، ولا نعلم كنه ذلك إلا بتصديق من الرسول ﷺ وتثبيت القرآن.
ما تضمنه كلام الإمام أحمد في أحاديث النزول وشبهها:
تضمن كلام الإمام أحمد ﵀ والذي نقله عنه المؤلف ما يأتي:
أولا: وجوب الإيمان والتصديق بما جاء عن رسول الله ﷺ من أحاديث الصفات من غير زيادة ولا نقص ولا حد ولا غاية.
стр. 38
ثانيا: أنه لا كيف ولا معنى أي: لا نكيف هذه الصفات؛ لأن تكييفها ممتنع لما سبق، وليس مراده أنه لا كيفية لصفاته؛ لأن صفاته ثابتة حقا، وكل شيء ثابت فلا بد له من كيفية، لكن كيفية صفات الله غير معلومة لنا، وقوله ولا معنى أي: لا نثبت لها معنى يخالف ظاهرها كما فعله أهل التأويل، وليس مراده نفي المعنى الصحيح الموافق لظاهرها الذي فسرها به السلف، فإن هذا ثابت ويدل على هذا قوله: ولا نرد شيئا منها بما وصف به نفسه.
يعني: نثبت المعنى، والكيفية هي التي لا نعلمها. (لا معنى) يعني: لا نثبت معنى يخالف الظاهر (لا كيف لا معنى) الكيفية مجهولة، ولا معنى يخالف الظاهر كما يفعله أهل التأويل الذين يؤولونها بما يخالف ظاهرها.
ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شنعت، ولا نعلم كيفية كنه ذلك، فإن نفيه لرد شيء منها ونفيه لعلم كيفيتها دليل على إثبات المعنى المراد منها.
ثالثا: وجوب الإيمان بالقرآن كله محكمه -وهو ما اتضح معناه- ومتشابهه -وهو ما أشكل معناه- فنرد المتشابه إلى المحكم؛ ليتضح معناه، فإن لم يتضح وجب الإيمان به لفظا وتفويض معناه إلى الله تعالى.
стр. 39
المتشابه هذا يكون تشابها نسبيا فمثلا أهل الزيغ يتعلقون بالمتشابه ويتركون المحكم الواضح مثلا إذا تعلق نصراني بقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩) ﴾ (١) قال: نحن للجمع دل على أن الآلهة متعددة. نقول: أنت من أهل الزيغ؛ لأنك تعلقت بالمتشابه رد هذا إلى المحكم وهو قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣) ﴾ (٢) نحن للواحد المعظم لنفسه، أسلوب عربي أنت لماذا تتعلق بالمتشابه وتترك المحكم؟ لكن أهل الحق يعملون بالمحكم؛ لأنه هو الأصل والمتشابه يردونه إليه فـ (نحن) ردها إلى المحكم وهو قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ (٣) ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤) ﴾ (٤) هذا محكم نرد إليه المتشابه، ونفسره به فيتضح المعنى (نحن) للواحد المعظم نفسه، وهذا أسلوب عربي معروف.
ما تضمنه كلام الإمام الشافعي
قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي -ضي الله عنه-: آمنت بالله وما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله وما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله.
ما تضمنه كلام الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى-:
تضمن كلام الإمام الشافعي ﵀ ما يأتي:
أولا: الإيمان بما جاء عن الله تعالى في كتابه المبين على ما أراده الله من غير زيادة ولا نقص ولا تحريف.
стр. 40
ثانيا: الإيمان بما جاء عن رسول الله ﷺ في سنة رسول الله ﷺ على ما أراده رسول الله ﷺ من غير زيادة ولا نقص ولا تحريف، وفي هذا الكلام رد على أهل التأويل وأهل التمثيل؛ لأن كل واحد منهم لم يؤمن بما جاء عن الله ورسوله على مراد الله ورسوله، فإن أهل التأويل نقصوا وأهل التمثيل زادوا.
وعلى هذا درج السلف وأئمة الخلف ﵃ كلهم متفقون على الإقرار والإمرار والإثبات لما ورد من الصفات في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ من غير تعرض لتأويله، وقد أمرنا باقتفاء آثارهم والاهتداء بمنارهم، وحذرنا المحدثات، وأخبرنا أنها من الضلالات، قال النبي ﷺ " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ".
هذه طريقة السلف الإقرار والإمرار لما جاء في نصوص الكتاب، وعدم التعرض لنصوص الصفات بالتحريف أو التأويل، تمر كما جاءت يثبت اللفظ والمعنى، أما الكيفية فيفوض أمرها إلى الله يفوض علمها إلى الله نثبت الاستواء، نثبت العلم، نثبت القدرة، نثبت السمع، نثبت البصر، نثبت لفظها ومعناها، نعرف أن السمع ضد الصمم والبصر ضد العمى والعلم ضد الجهل المعنى معروف كما قال الإمام مالك: الاستواء معلوم، الاستواء معناه: الاستقرار والعلو والارتفاع معلوم معناه, معنى الصفات معلومة؛ لأنها باللغة العربية، والله أمرنا أن نتدبرها: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧) ﴾ (١) ولم يقل إلا آيات الصفات فلا تتدبروها، كل يتدبر المعاني معروفة لكن الكيفية -كيفية اتصاف الله لهذه الصفات- هي المجهولة لنا.
стр. 41
الذي درج عليه السلف في الصفات هو الإقرار والإثبات لما ورد من صفات الله تعالى في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ من غير تعرض لتأويله بما لا يتفق مع مراد الله ورسوله، والاقتداء بهم في ذلك واجب؛ لقوله ﷺ " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة " رواه أحمد وأبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح، وصححه الألباني وجماعة.
وهذا واضح طريقة السلف إمرار الصفات لا يتعرض للكيفية، وإنما يثبت اللفظ والمعنى.
الترغيب في السنة والتحذير من البدعة
وقال عبد الله بن مسعود ﵁ (اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم) .
وقال عمر بن عبد العزيز ﵁ كلاما معناه: قف حيث وقف القوم فإنهم على علم وقفوا، وببصر نافذ كفوا، وهم على كشفها كانوا الأقوى وبالفضل لو كان فيها أحرى، فلئن قلتم حدث بعدهم فما أحدثه إلا من خالف هديهم ورغب عن سنتهم، ولقد وصفوا منه ما يكفي، وتكلموا منه بما يكفي، فما فوقه محسر وما دونهم مقصر لقد قصر عنهم قوم فجفوا، وتجاوزهم آخرون فغلوا، وإنهم فيما بين ذلك لعلى هدى مستقيم.
وقال الإمام أبو عمرو الأوزاعي ﵁ عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوه لك بالقول.
стр. 42
وهذا كله في التحذير من البدع، والأصل في ذلك قول النبي ﷺ " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة " فيه الأمر بلزوم سنته ﷺ وفيه أن ما فعله الخلفاء الراشدون يكون سنة إذا لم يكن في المسألة شيء عن النبي ﷺ وفعله الخلفاء الراشدون يكون من السنة، ومن ذلك مثل الأذان الأول يوم الجمعة هذا أحدثه أمير المؤمنين عثمان بن عفان لما كثر الناس في المدينة فهذه سنة خليفة راشد.
أما إذا كانت المسألة فيها سنة عن النبي ﷺ فلا. قد يجتهد الخلفاء الراشدون وغيرهم مثل ما أمر النبي ﷺ بالمتعة في الحج حث الصحابة بل ألزمهم بالمتعة فاجتهد الخلفاء الثلاثة الصديق وعمر وعثمان فكانوا يأمرون الناس بالإفراد بالحج اجتهادا منهم حتى يكثر العمار والزوار، وكان ابن عباس وكان علي وأبو موسى الأشعري يفتون بالمتعة والصواب معهم؛ لأن هذا هو الذي أمر به النبي ﷺ هذا ما يقال إن هذا سنة الخلفاء الراشدين؛ لأن المسألة فيها نص لكن إذا لم يكن في المسألة نص فيأخذ من سنة الخلفاء الراشدين تمسكوا بها " عضوا عليها بالنواجذ " هذا فيه الحث والأمر بلزوم السنة، وفيه التحذير من البدعة في قوله: " وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة " وفي لفظ: " وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار " وفيه أنه ينبغي للمسلم أن يحذر من البدع، وأن يلزم سنة النبي ﷺ وما كان عليه السلف الصالح كما بين هؤلاء الأخيار؛ ولهذا قال: قف حيث وقف القوم فإنهم على علم وقفوا يعني: السلف الصحابة والتابعون ومن بعدهم (وببصر نافذ كفوا) .
السنة والبدعة وحكم كل منها:
السنة لغة: الطريقة.
стр. 43
واصطلاحا: ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه من عقيدة أو عمل، واتباع السنة واجب؛ لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ﴾ (١) .
سنة الرسول ﵊ ما كان عليه من عقيدة أو عمل، أفعال الرسول وأقواله وتقريراته كلها سنة.
وقوله ﷺ " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ " والبدعة لغة: الشيء المستحدث. واصطلاحا: ما أحدث في الدين على خلاف ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه من عقيدة أو عمل) .
البدعة هي الحدث في الدين, إحداث شيء في الدين ليس عليه الرسول ﷺ ولا أصحابه.