Полный текст (87 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة الناشر
إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذبه من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
أما بعد: فلما كان من شأن المسلم أن يتعبد الله تعالى طبق ما شرعه تعالى في كتابه وبما جاء في سنة رسوله محمد ﷺ الصحيحة، وما تفرع عنهما من أحكام، وكان الوصول لمعرفة تلك الأحكام غير متيسر لكل إنسان فقد امتن الله تعالى على هذه الأمة بعلماء أجلاء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، تفقهوا في دين الله وتعمقوا في فهم النصوص الواردة في كتاب الله وسنة رسوله، وأظهروا ما فيها من أحكام، حتى أوضحوا للناس معالم الطريق على هدى وبصيرة، فرضي الله عنهم أجمعين بقدر ما اجتهدوا وبذلوا.
ولقد كان من الطبيعي أن تختلف بعض أقوالهم، وتتعدد فتاواهم في المسألة الواحدة لأسباب بينها المؤلف في هذه الرسالة، فلم يوجد ما يوجب أو يبيح طعن بعضهم
стр. 2
ببعض، وإنما أخذ كل مسلم القول الذي رآه مع الدليل وعمل به. ومن جهل الدليل استفتى من يثق به في علمه وتقواه، فأخذ بقوله وعمل بمقتضاه، ثم جاء من بعد ذلك من تعصب لبعض الأقوال ووالى أصحابها، ونسب لهم من صفات المدح ونعوت الكمال ماهم - بفضلهم وتقواهم وعملهم- بغنى عنه، ونسب لغيرهم من النقائص ماهم - بما أكرمهم الله - منزهون عنه وقد استغل هذا الخلاف أعداء هذا الدين، فراحوا يثيرون الخلاف بغية مآربهم الخبيثة، ويضاعفون الشقة بين المسلمين لأغراضهم الدفينة فكان من نتيجة ذلك أن تفرقت الأمة شيعا وأحزابا، وفرقا ومذاهب، فكثر الجدال، وتنوعت الأقوال، وقل العمل، فعند ذلك طمع فينا من كان يهابنا، فنكبت البلاد الإسلامية بالصليبين زمنا، وبالتتار ومن بعدهم ثم أخيرا التحالف الشيوعي، والصليبي، والصهيوني كما هو حال المسلمين اليوم.!
وقد تنبه إلى هذه الأخطاء عدد من العلماء المفكرين، فقام كل في مكانه وزمانه يبذل الجهد في جمع الشتات، وإعادة الناس إلى الأصل الذي ينبغي أن يفتخر بالانتساب إليه، والاعتماد عليه كل مسلم. ألا وهو كتاب الله وسنة رسوله محمد ﷺ فبهما تتوحد
стр. 3
صفوفهم، وتزول خلافاتهم، وتذهب أحقادهم، ولقد كان من أعظم هؤلاء الذين ساهموا في تنقية الفكر الإسلامي من الفرق والاختلاف شيخ الإسلام ابن تيمية (١) ﵀. فقد فند رحمه اللهفي مؤلفاته القيمة جميع المحاولات التي كان يثيرها الأعداء حول الإسلام، وكان مع هذا من أبرز القواد الذين شاركوا في تطهير ديار المسلمين من الغزاة" التتر"
ومن أبرز أعماله في جمع الناس على الكتاب والسنة قيامه بتأليف هذه الرسالة القيمة في بابها، العظيمة في موضوعها،! فإنه-﵀ بين فيها ما يجب على كل مسلم. من موالاة المسلمين، وخاصة العلماء الذين هم قدوة السلف الصالح، وخلفاء الرسل. فذكر ﵀ أنه ليس أحد من الأئمة المقبولين عند الأمة يتعمد مخالفة الرسول الحواشي
(١) هو الإمام المفسر, الفقيه, المجتهد تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله الحراني, ثم الدمشقي الحنبلي. ولد في ربيع الأول بحران سنة ٦٦١, وقدم مع والده وأهله إلى دمشق وهو صغير, حدث بدمشق، ومصر، وثغر, وامتحن وأوذي في سبيل الله مرات. وحبس بقلعة القاهرة والإسكندرية، ثم بقلعة دمشق مرتين, وبها توفي وهو سجين في ذي القعدة سنة ٧٢٨ هـ
انظر مصادر ترجمته:-
١. تذكرة الحفاظ للذهبي ٤/٢٧٨
٢. البداية والنهاية لابن كثير ١٤/١٣٢
٣. الدرر الكامنة لابن حجر ١/١٤٤
٤. البدر الطالع للشوكاني ٢/٦٣
٥. النجوم الزاهرة ٩/٢٧١стр. 4
صلى الله عليه وسلم في شيء من سنته، وأنه لا يسوغ لمسلم أن يطغى في واحد منهم، أو ينقص من قدره، وأنهم جميعا متفقون إتفاقا يقينياعلى وجوب إتباع ما صح من النصوص وسلم من المعارضة، وأنه لا يجوز تقديم قول أحدهم على حديث رسول الله ﷺ .
وقد بسط الأسباب التي دعت المجتهد إلى عدم الأخذ بالنص، وإلتمس له العذر. ثم ذكر أن عذر الإمام ليس عذرا للمقلد إن تبين له الحق. كما ذكر حال العامي الجاهل الذي لايستطيع، وأن مذهبه مذهب مفتيه، وأن عليه التقليد ما دام جاهلا وهذا كله للجاهل الذي لا يفرق، وأما من أدلرك من العلم شيئا فعليه العمل به، ولا يجوز لأحد التعصب مهما كانت دواعيه.
وهذه الرسالة على صغر حجمها تدل على ورع هذا الإمام، وكمال فقهه في إحترام أقوال العلماء السابقين، وأئمة المذاهب الأربعة. فرحم الله إمرءا عرف قدر هذا الإمام وغيره من أئمة الإسلام، وأنزلهم في المنزلة التي يليقون بها.
وقد سبق لهذه الرسالة أن طبعت عدة مرات، وكان أخرها الطبع البيروتية في الشام بتحقيق الشيخ زهير الشاويش، إلا أن هذه الطبعة مع ما تتميز به من
стр. 5
الزيادات كتخريج بعض الأحاديث- كثرت فيها الأخطاء الإملائية، والمطبعية، لهذا رأينا إعادة طبعها من جديد، بعد أن قمنا بمراجعتها، وتصحيح الإخطاء الإملائية، إضافة إلى ترجمة المؤلف.
هذا ورئاسة إدارات البحوث العلمية- وهي حاملة لواء الدعوة في هذا البلاد تامقدسة- إذ تقدم هذه الرسالة القيمة في طبعتها الجديدة ليسرها أن توزعها مجانا على طلبة العلم، مساهمة منها في نشر العلم النافع، وأثار السلف الصالح، راجية من الله تعالى أن ينفع بعا المسلمين في كل مكان إنه نعم المولى ونعم النصير.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الناشر
стр. 6
الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى آلَائِهِ, وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ فِي أَرْضِهِ وَسَمَائِهِ, وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَخَاتَمُ أَنْبِيَائِهِ. صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ صَلَاةً دَائِمَةً إلَى يَوْمِ لِقَائِهِ, وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا.
وَبَعْدُ: فَيَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ -بَعْدَ مُوَالَاةِ اللَّهِ تعالى وَرَسُولِهِ ﷺ مُوَالَاةُ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ. خُصُوصًا الْعُلَمَاءُ, الَّذِينَ هُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ جَعَلَهُمْ اللَّهُ بِمَنْزِلَةِ النُّجُومِ, يُهْتَدَى بِهِمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ (١) . وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى هِدَايَتِهِمْ وَدِرَايَتِهِمْ.
إذْ كَلُّ أُمَّةٍ -قَبْلَ مَبْعَثِ نبيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ فَعُلَمَاؤُهَا شِرَارُهَا, إلَّا الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّ عُلَمَاءَهُمْ خِيَارُهُمْ؛ فَإِنَّهُمْ خُلَفَاءُ الرَّسُولِ ﷺ فِي أُمَّتِهِ, والمحيون لِمَا مَاتَ مِنْ سُنَّتِهِ. بِهِمْ قَامَ الْكِتَابُ, وَبِهِ قَامُوا, وَبِهِمْ نَطَقَ الْكِتَابُ وَبِهِ نَطَقُوا.
وَلِيُعْلَمَ أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ -الْمَقْبُولِينَ عِنْدَ الْأُمَّةِ قَبُولًا عَامًّا- يَتَعَمَّدُ مُخَالَفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي شَيْءٍ مِنْ سُنَّتِهِ؛ دَقِيقٍ وَلَا جَلِيلٍ. الحواشي
(١) يقصد بها الثوابت من النجوم، كالجدي، والثريا وغيرها.стр. 7
فَإِنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ اتِّفَاقًا يَقِينِيًّا عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِ الرَّسُولِ ﷺ . وَعَلَى أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ, إلَّا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . وَلَكِنْ إذَا وُجِدَ لِوَاحِدِ مِنْهُمْ قَوْلٌ قَدْ جَاءَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ بِخِلَافِهِ, فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ عُذْرٍ فِي تَرْكِهِ. وَجَمِيعُ الْأَعْذَارِ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ:
أَحَدُهَا: عَدَمُ اعْتِقَادِهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَهُ.
وَالثَّانِي: عَدَمُ اعْتِقَادِهِ إرَادَةَ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ بِذَلِكَ الْقَوْلِ.
وَالثَّالِثُ: اعْتِقَادُهُ أَنَّ ذَلِكَ الْحُكْمَ مَنْسُوخٌ.
وَهَذِهِ الْأَصْنَافُ الثَّلَاثَةُ تَتَفَرَّعُ إلَى أَسْبَابٍ مُتَعَدِّدَةٍ:
السَّبَبُ الْأَوَّلُ:
أَن لا يَكُونَ الْحَدِيثُ قَدْ بَلَغَهُ, وَمَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ الْحَدِيثُ لَمْ يُكَلَّفْ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِمُوجَبِهِ, وَإِذَا لَمْ يَكُنْ قَدْ بَلَغَهُ -وَقَدْ قَالَ فِي تِلْكَ الْقَضِيَّةِ بِمُوجَبِ ظَاهِرِ آيَةٍ أَوْ حَدِيثٍ آخَرَ؛ أَوْ بِمُوجَبِ قِيَاسٍ؛ أَوْ مُوجَبِ اسْتِصْحَابٍ- فَقَدْ يُوَافِقُ ذَلِكَ الْحَدِيثَ تَارَةً, وَيُخَالِفُهُ أُخْرَى.
وَهَذَا السَّبَبُ: هُوَ الْغَالِبُ عَلَى أَكْثَرِ مَا يُوجَدُ مِنْ أَقْوَالِ السَّلَفِ مُخَالِفًا لِبَعْضِ الْأَحَادِيثِ.
فَإِنَّ الْإِحَاطَةَ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ تَكُنْ لِأَحَدِ مِنْ الْأُمَّةِ. وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحَدِّثُ؛ أَوْ يُفْتِي؛ أَوْ يَقْضِي؛ أَوْ يَفْعَلُ الشَّيْءَ؛
стр. 8
فَيَسْمَعُهُ أَوْ يَرَاهُ مَنْ يَكُونُ حَاضِرًا, وَيُبَلِّغُهُ أُولَئِكَ -أَوْ بَعْضُهُمْ- لِمَنْ يُبَلِّغُونَهُ, فَيَنْتَهِي عِلْمُ ذَلِكَ إلَى مَنْ شَاءُ اللَّهُ تعالى مِنْ الْعُلَمَاءِ, مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ. ثُمَّ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ: قَدْ يُحَدِّثُ, أَوْ يُفْتِي, أَوْ يَقْضِي, أَوْ يَفْعَلُ شَيْئًا, وَيَشْهَدُهُ بَعْضُ مَنْ كَانَ غَائِبًا عَنْ ذَلِكَ الْمَجْلِسِ, وَيُبَلِّغُونَهُ لِمَنْ أَمْكَنَهُمْ. فَيَكُونُ عِنْدَ هَؤُلَاءِ مِنْ الْعِلْمِ مَا لَيْسَ عِنْدَ هَؤُلَاءِ, وَعِنْدَ هَؤُلَاءِ مَا لَيْسَ عِنْدَ هَؤُلَاءِ.
وَإِنَّمَا يَتَفَاضَلُ الْعُلَمَاءُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ بِكَثْرَةِ الْعِلْمِ أَوْ جَوْدَتِهِ.
وَأَمَّا إحَاطَةُ وَاحِدٍ بِجَمِيعِ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَهَذَا لَا يُمْكِنُ ادِّعَاؤُهُ قَطُّ.
وَاعْتُبِرَ ذَلِكَ بِالْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ ﵃ الَّذِينَ هُمْ أَعْلَمُ الْأُمَّةِ بِأُمُورِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَسُنَّتِهِ وَأَحْوَالِهِ, خُصُوصًا الصِّدِّيقُ ﵁ الَّذِي لَمْ يَكُنْ يُفَارِقُ رسول الله ﷺ حَضَرًا وَلَا سَفَرًا, بَلْ كَانَ يَكُونُ مَعَهُ فِي غَالِبِ الْأَوْقَاتِ, حَتَّى إنَّهُ يَسْمَرُ عِنْدَهُ بِاللَّيْلِ فِي أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ. وَكَذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁, فَإِنَّ رسول الله ﷺ كَثِيرًا مَا كان يَقُولُ: (دَخَلْت أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ) وَ (خَرَجْت أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ) .
стр. 9
ثُمَّ إنه -مَعَ ذَلِكَ- لَمَّا سُئِلَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ عَنْ مِيرَاثِ الْجَدَّةِ قَالَ: ﴿مَالَكِ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ, وَمَا عَلِمْت لَكِ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ شَيْءٍ, وَلَكِنْ اسْأَلْ النَّاسَ﴾ فَسَأَلَهُمْ. فَقَامَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ مسلمة ﵄ فَشَهِدَا ﴿أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَاهَا السُّدُسَ﴾ (١) وَقَدْ بَلَّغَ هَذِهِ السُّنَّةَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ ﵁ أَيْضًا.
وَلَيْسَ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ مِثْلَ أَبِي بَكْرٍ وَغَيْرِهِ مِنْ الْخُلَفَاءِ ﵃ ثُمَّ قَدْ اخْتَصُّوا بِعِلْمِ هَذِهِ السُّنَّةِ الَّتِي قَدْ اتَّفَقَتْ الْأُمَّةُ عَلَى الْعَمَلِ بِهَا.
وَكَذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ سُنَّةَ الِاسْتِئْذَانِ حَتَّى أَخْبَرَهُ بِهَا أَبُو مُوسَى الأَشْعريُّ ﵁ وَاسْتَشْهَدَ بِالْأَنْصَارِ (٢) . وَعُمَرُ أَعْلَمُ مِمَّنْ حَدَّثَهُ بِهَذِهِ السُّنَّةِ.
وَلَمْ يَكُنْ عُمَرُ ﵁ أَيْضًا يَعْلَمُ أَنَّ الْمَرْأَةَ تَرِثُ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا, بَلْ يَرَى: أَنَّ الدِّيَةَ لِلْعَاقِلَةِ, حَتَّى الحواشي
(١) رواه أبو داود، والترمذي، من حديث قبيصة بن ذؤيب مرسلاً، وله طرق مرسلة، منها حديث عمران بن حصين.(٢) رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁. انظر "فتح الباري" (١١ \ ٤٣) .стр. 10
كَتَبَ إلَيْهِ الضَّحَّاكُ بْنُ سُفْيَانَ ﵁ -وَهُوَ أَمِيرٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَعْضِ الْبَوَادِي- يُخْبِرُهُ ﴿أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَرَّثَ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضَّبَابِيِّ- ﵁ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا﴾ (١) فَتَرَكَ رَأْيَهُ لِذَلِكَ، وَقَالَ: ﴿لَوْ لَمْ نَسْمَعْ بِهَذَا لَقَضَيْنَا بِخِلَافِهِ﴾ . وَلَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ حُكْمَ الْمَجُوسِ فِي الْجِزْيَةِ, حَتَّى أَخْبَرَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: سَنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ (٢) .
وَلَمَّا قَدِمَ سَرْغ (٣) وَبَلَغَهُ أَنَّ الطَّاعُونَ بِالشَّامِ, اسْتَشَارَ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ الَّذِينَ مَعَهُ, ثُمَّ الْأَنْصَارَ, ثُمَّ مُسْلِمَةَ الْفَتْحِ, فَأَشَارَ كُلٌّ عَلَيْهِ بِمَا رَأَى, وَلَمْ يُخْبِرْهُ أَحَدٌ بِسُنَّةٍ, حَتَّى قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ﵁ فَأَخْبَرَهُ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الطَّاعُونِ, وَأَنَّهُ قَالَ: ﴿إذَا وَقَعَ بِأَرْضِ وَأَنْتُمْ بِهَا, فَلَا تَخْرُجُوا الحواشي
(١) رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.(٢) رواه الشافعي في (مسنده) مرسلا، وله طرق مرسلة بهذا اللفظ، وروى أحمد، والبخاري، وأبو داود، والترمذي: عن عمر أنه لم يأخذ الجزية من المجوس، حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله ﷺ أخذها من مجوس هجر. اهـ(٣) موضع في آخر الشام وأول الحجاز، بين المغيثة وتبوك من منازل حاج الشام. وقيل: على ثلاث عشرة مرحلة من المدينة المنورة. "معجم البلدان".стр. 11
فِرَارًا مِنْهُ, وَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضِ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ﴾ (١) .
وَتَذَاكَرَ هُوَ وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵃ أَمْرَ الَّذِي يَشُكُّ فِي صَلَاتِهِ, فَلَمْ يَكُنْ قَدْ بَلَغَتْهُ السُّنَّةُ فِي ذَلِكَ, حَتَّى قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : ﴿أنَّهُ يَطْرَحُ الشَّكَّ, وَيَبْنِي عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ﴾ (٢) .
وَكَانَ مَرَّةً فِي السَّفَرِ, فَهَاجَتْ رِيحٌ فَجَعَلَ يَقُولُ: ﴿مَنْ يُحَدِّثُنَا عَنْ الرِّيحِ؟﴾ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَبَلَغَنِي وَأَنَا فِي أُخْرَيَاتِ النَّاسِ, فَحَثَثْت رَاحِلَتِي حَتَّى أَدْرَكْته, فَحَدَّثْته بِمَا أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ هُبُوبِ الرِّيحِ (٣) .
فَهَذِهِ مَوَاضِعُ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُهَا عمر ﵁ حَتَّى بَلَّغَهُ إيَّاهَا مَنْ لَيْسَ مِثْلَهُ, وَمَوَاضِعُ أُخَرَ لَمْ يَبْلُغْهُ مَا فِيهَا مِنْ السُّنَّةِ فَقَضَى فِيهَا أَوْ أَفْتَى فِيهَا بِغَيْرِ ذَلِكَ. الحواشي
(١) رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم عن عبد الرحمن بن عوف ﵁.(٢) رواه أحمد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، ولكن عن أبي سعيد الخدري ﵁، وأما رواية عبد الرحمن بن عوف، فرواها أحمد، والترمذي، وابن ماجة ولفظه (إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر، أو واحدة صلى، أم اثنين، فليجعلهما واحدة،....) وليس فيها أن يطرح الشك ويبني على ما استيقن، كما ذكر المؤلف ﵀.(٣) وهو ما روى مسلم في "صحيحه" عن عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ إذا عصفت الريح قال: (اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به) . =стр. 12
مِثْلَ مَا قَضَى فِي دِيَةِ الْأَصَابِعِ: أَنَّهَا مُخْتَلِفَةٌ بِحَسَبِ مَنَافِعِهَا, وَقَدْ كَانَ عِنْد أَبِي مُوسَى وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ -وَهُمَا دُونَهُ بِكَثِيرِ فِي الْعِلْمِ- عِلْمٌ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ﴿هَذِهِ وَهَذِهِ سَوَاءٌ يَعْنِي الْإِبْهَامَ وَالْخِنْصَرَ﴾ (١) فَبَلَغَتْ هَذِهِ السُّنَّةُ معاويةَ ﵁ فِي إمَارَتِهِ فَقَضَى بِهَا, وَلَمْ يَجِدْ الْمُسْلِمُونَ بُدًّا مِنْ اتِّبَاعِ ذَلِكَ, وَلَمْ يَكُنْ عَيْبًا فِي حق عُمَرَ ﵁ حَيْثُ لَمْ يَبْلُغْهُ الْحَدِيثُ.
وَكَذَلِكَ كَانَ ينْهى الْمُحْرِمَ عَنْ التَّطَيُّبِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ؛ وَقَبْلَ الْإِفَاضَةِ إلَى مَكَّةَ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَة, ِ هُوَ وَابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ- ﵄ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ, وَلَمْ يَبْلُغْهُمْ حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂: ﴿طَيَّبْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ﴾ (٢) . الحواشي
(١) رواه البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة عن عبد الله بن عباس ﵄.(٢) متفق عليه من حديث عائشة ﵂.стр. 13
وَكَانَ يَأْمُرُ لَابِسَ الْخُفِّ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِ إلَى أَنْ يَخْلَعَهُ مِنْ غَيْرِ تَوْقِيتٍ, وَاتَّبَعَهُ عَلَى ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ, وَلَمْ تَبْلُغْهُمْ أَحَادِيثُ التَّوْقِيتِ الَّتِي صَحَّتْ عِنْدَ بَعْضِ مَنْ لَيْسَ مِثْلُهُمْ فِي الْعِلْمِ, وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ صَحِيحَةٍ (١) .
وَكَذَلِكَ عُثْمَانُ ﵁ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عِلْمٌ بِأَنَّ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا تَعْتَدُّ فِي بَيْتِ الْمَوْتِ, حَتَّى حَدَّثَتْهُ الْفُرَيْعَةُ بِنْتُ مَالِكٍ أُخْتُ أَبِي سَعِيدٍ الخدري ﵄ بِقَضِيَّتِهَا لَمَّا تُوُفِّيَ عنها زَوْجُهَا, وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا: ﴿اُمْكُثِي فِي بَيْتِك حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ (٢) فَأَخَذَ بِهِ عُثْمَانُ. وَأُهْدِيَ لَهُ مَرَّةً صَيْدٌ كَانَ قَدْ صِيدَ لِأَجْلِهِ, فَهَمَّ بِأَكْلِهِ حَتَّى أَخْبَرَهُ عَلِيٌّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ الحواشي
(١) رواه أحمد ومسلم، من حديث علي ﵁ ورواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، من حديث خزيمة بن ثابت ﵁، ورواه النسائي، والترمذي وابن خزيمة وصححاه، من حديث صفوان بن عسال ﵁، ورواه الدارقطني، وصححه ابن خزيمة من حديث أبي بكرة نفيع بن الحارث ﵁، فهذه الأحاديث تدل على توقيت المسح على الخفين، يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليها للمسافر. وقال الترمذي: وهو قول أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسام والتابعين من بعدهم من الفقهاء.(٢) أخرجه أصحاب "السنن" وصححه الترمذي. وابن حبان، والحاكم وغيرهم، من حديث فريعة بنت مالك ﵂ انظر "المسند" ٦ \ ٣٨٠.стр. 14
رَدَّ لَحْمًا أُهْدِيَ لَهُ (١) .
وَكَذَلِكَ عَلِيٌّ ﵁ قَالَ: كُنْت إذَا سَمِعْت مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثًا نَفَعَنِي اللَّهُ بِمَا شَاءَ أَنْ يَنْفَعَنِي مِنْهُ, وَإِذَا حَدَّثَنِي غَيْرُهُ اسْتَحْلَفْته, فَإِذَا حَلَفَ لِي صَدَّقْته, وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ -وَصَدَقَ أَبُو بَكْرٍ- وَذَكَرَ حَدِيثَ صَلَاةِ التَّوْبَةِ الْمَشْهُورَ (٢) . وَأَفْتَى هُوَ وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ وَغَيْرُهُمَا بِأَنَّ: الْمُتَوَفَّى عَنْهَا إذَا كَانَتْ حَامِلًا تَعْتَدُّ أَبْعَدَ الْأَجَلَيْنِ وَلَمْ تَكُنْ قَدْ بَلَغَتْهُمْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سبيعة الأسلمية ﵂ وقد توفي عنها زوجها سعد بن خولة, حَيْثُ أَفْتَاهَا النَّبِيُّ ﷺ بِأَنَّ عِدَّتَهَا وَضْعُ حَمْلِهَا (٣) . الحواشي
(١) رواه أحمد في "المسند" انظر الحديث رقم (٧٨٣ - ٧٨٤) . طبع المكتب الإسلامي.(٢) روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة: أن أبا بكر ﵁ سمع النبي صلى الله قال: (ما من رجل يذنب ذنبا، فيتوضأ فيحسن الوضوء ثم يصلي ركعتين. ثم يستغفر الله، إلا غفر الله له) ثم قرأهذه الآية: (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله....) الآية. آل عمران: ١٣٥ - وقال الحافظ ابن حجر: هذا الحديث جيد الإسناد.(٣) رواه البخاري، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجة، بألفاظ متقاربة، عن سبيعة الأسلمية ﵂.стр. 15
وَأَفْتَى هُوَ وَزَيْدٌ وَابْنُ عُمَرَ وَغَيْرُهُمْ ﵃ بِأَنَّ الْمُفَوَّضَةَ ﴿إذَا مَاتَ عَنْهَا زَوْجُهَا فَلَا مَهْرَ لَهَا﴾ وَلَمْ تَكُنْ بَلَغَتْهُمْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَرْوَع بِنْتِ وَاشِقٍ ﵂ (١) .
وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ يَبْلُغُ الْمَنْقُولُ مِنْهُ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَدَدًا كَثِيرًا جِدًّا.
وَأَمَّا الْمَنْقُولُ مِنْهُ عَنْ غَيْرِهِمْ فَلَا يُمْكِنُ الْإِحَاطَةُ بِهِ؛ فَإِنَّهُ أُلُوفٌ.
فَهَؤُلَاءِ كَانُوا أَعْلَمَ الْأُمَّةِ وَأَفْقَهَهَا, وَأَتْقَاهَا وَأَفْضَلَهَا, فَمَنْ بَعْدَهُمْ أَنْقَصُ؛ فَخَفَاءُ بَعْضِ السُّنَّةِ عَلَيْهِم أَوْلَى فَلَا يَحْتَاجُ إلَى بَيَانٍ.
فَمَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ كُلَّ حَدِيثٍ صَحِيحٍ قَدْ بَلَغَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ, أَوْ إمَامًا مُعَيَّنًا فَهُوَ مُخْطِئٌ خَطَأً فَاحِشًا قَبِيحًا.
وَلَا يَقُولَن قَائِلٌ: إن الْأَحَادِيثَ قَدْ دُوِّنَتْ وَجُمِعَتْ؛ فَخَفَاؤُهَا وَالْحَالُ هَذِهِ بَعِيدٌ, لِأَنَّ هَذِهِ الدَّوَاوِينَ الْمَشْهُورَةَ فِي السُّنَنِ إنَّمَا جُمِعَتْ بَعْدَ انْقِرَاضِ الْأَئِمَّةِ الْمَتْبُوعِينَ, وَمَعَ هَذَا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَدَّعِيَ انْحِصَارَ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي دَوَاوِينَ مُعَيَّنَةٍ.
ثُمَّ لَوْ فُرِضَ انْحِصَارُ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الحواشي
(١) رواه الإمام أحمد وأصحاب "السنن" وصححه الترمذي. وزوجها هو: هلال بن مرة الأشجعي.стр. 16
فيها, فَلَيْسَ كُلُّ مَا فِي الْكُتُبِ يَعْلَمُهُ الْعَالِمُ, وَلَا يَكَادُ ذَلِكَ يَحْصُلُ لِأَحَدِ, بَلْ قَدْ يَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ الدَّوَاوِينُ الْكَثِيرَةُ وَهُوَ لَا يُحِيطُ بِمَا فِيهَا.
بَلْ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَ جَمْعِ هَذِهِ الدَّوَاوِينِ كانوا أَعْلَمَ بِالسُّنَّةِ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ بِكَثِيرِ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِمَّا بَلَغَهُمْ وَصَحَّ عِنْدَهُمْ قَدْ لَا يَبْلُغُنَا إلَّا عَنْ مَجْهُولٍ؛ أَوْ بِإِسْنَادِ مُنْقَطِعٍ؛ أَوْ لَا يَبْلُغُنَا بِالْكُلِّيَّةِ, فَكَانَتْ دَوَاوِينُهُمْ صُدُورَهُمْ الَّتِي تَحْوِي أَضْعَافَ مَا فِي الدَّوَاوِينِ, وَهَذَا أَمْرٌ لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ عَلِمَ الْقَضِيَّةَ.
وَلَا يَقُولَنَّ قَائِلٌ: مَنْ لَمْ يَعْرِفْ الْأَحَادِيثَ كُلَّهَا لَمْ يَكُنْ مُجْتَهِدًا. لِأَنَّهُ إنِ اشْتُرِطَ فِي الْمُجْتَهِدِ عِلْمُهُ بِجَمِيعِ مَا قَالَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَفَعَلَهُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَحْكَامِ: فَلَيْسَ فِي الْأُمَّةِ على هذا مُجْتَهِدٌ, وَإِنَّمَا غَايَةُ الْعَالِمِ: أَنْ يَعْلَمَ جُمْهُورَ ذَلِكَ وَمُعْظَمَهُ, بِحَيْثُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ إلَّا الْقَلِيلُ مِنْ التَّفْصِيلِ, ثُمَّ إنَّهُ قَدْ يُخَالِفُ ذَلِكَ الْقَلِيلَ مِنْ التَّفْصِيلِ الَّذِي يَبْلُغُهُ.
السَّبَبُ الثَّانِي:
أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ قَدْ بَلَغَهُ, لَكِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ.
إمَّا لِأَنَّ مُحَدِّثَهُ, أَوْ مُحَدِّثَ مُحَدِّثِهِ, أَوْ غَيْرَهُ مِنْ رِجَالِ الْإِسْنَادِ مَجْهُولٌ عِنْدَهُ أَوْ مُتَّهَمٌ أَوْ سَيِّئُ الْحِفْظِ.
стр. 17
وَإِمَّا لِأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ مُسْنَدًا بَلْ مُنْقَطِعًا؛ أَوْ لَمْ يَضْبُطْ لَفْظَ الْحَدِيثِ مَعَ أَنَّ ذَلِكَ الْحَدِيثَ قَدْ رَوَاهُ الثِّقَاتُ لِغَيْرِهِ بِإِسْنَادِ مُتَّصِلٍ, بِأَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ يَعْلَمُ مِنْ الْمَجْهُولِ عِنْدَهُ الثِّقَةَ, أَوْ يَكُونُ قَدْ رَوَاهُ غَيْرُ أُولَئِكَ الْمَجْرُوحِينَ عِنْدَهُ؛ أَوْ قَدْ اتَّصَلَ مِنْ غَيْرِ الْجِهَةِ الْمُنْقَطِعَةِ, وَقَدْ ضَبَطَ أَلْفَاظَ الْحَدِيثِ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ الْحُفَّاظِ؛ أَوْ لِتِلْكَ الرِّوَايَةِ مِنْ الشَّوَاهِدِ وَالْمُتَابَعَاتِ مَا يُبَيِّنُ صِحَّتَهَا. وَهَذَا أَيْضًا كَثِيرٌ جِدًّا, وَهُوَ فِي التَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ إلَى الْأَئِمَّةِ الْمَشْهُورِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ أَكْثَرُ مِنْ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ, أَوْ كَثِيرٌ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ.
فَإِنَّ الْأَحَادِيثَ كَانَتْ قَدْ انْتَشَرَتْ وَاشْتَهَرَتْ, لَكِنْ كَانَتْ تَبْلُغُ كَثِيرًا مِنْ الْعُلَمَاءِ مِنْ طُرُقٍ ضَعِيفَةٍ, وَقَدْ بَلَغَتْ غَيْرَهُمْ مِنْ طُرُقٍ صَحِيحَةٍ غَيْرِ تِلْكَ الطُّرُقِ, فَتَكُونُ حُجَّةً مِنْ هَذَا الْوَجْهِ, مَعَ أَنَّهَا لَمْ تَبْلُغْ مَنْ خَالَفَهَا مِنَ الْوَجْهِ الآخر.
وَلِهَذَا وُجِدَ فِي كَلَامِ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ تَعْلِيقُ الْقَوْلِ بِمُوجِبِ الْحَدِيثِ عَلَى صِحَّتِهِ, فَيَقُولُ: ﴿قَوْلِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَذَا وَقَدْ رُوِيَ فِيهَا حَدِيثٌ بِكَذَا؛ فَإِنْ كَانَ صَحِيحًا فَهُوَ قَوْلِي﴾ .
السَّبَبُ الثَّالِثُ:
اعْتِقَادُ ضَعْفِ الْحَدِيثِ بِاجْتِهَادِ قَدْ خَالَفَهُ فِيهِ غَيْرُهُ, مَع
стр. 18
قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ طَرِيقٍ آخَرَ, سَوَاءٌ كَانَ الصَّوَابُ مَعَهُ, أَوْ مَعَ غَيْرِهِ, أَوْ مَعَهُمَا عِنْدَ مَنْ يَقُولُ: ﴿كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ﴾ .
وَلِذَلِكَ أَسْبَابٌ:
مِنْهَا: أَنْ يَكُونَ الْمُحَدِّثُ بِالْحَدِيثِ يَعْتَقِدُهُ أَحَدُهُمَا ضَعِيفًا؛ وَيَعْتَقِدُهُ الْآخَرُ ثِقَةً. وَمَعْرِفَةُ الرِّجَالِ عِلْمٌ وَاسِعٌ.
ثُمَّ قَدْ يَكُونُ الْمُصِيبُ مَنْ يَعْتَقِدُ ضَعْفَهُ؛ لِاطِّلَاعِهِ عَلَى سَبَبٍ جَارِحٍ, وَقَدْ يَكُونُ الصَّوَابُ مَعَ الْآخَرِ لِمَعْرِفَتِهِ أَنَّ ذَلِكَ السَّبَبَ غَيْرُ جَارِحٍ؛ إمَّا لِأَنَّ جِنْسَهُ غَيْرُ جَارِحٍ؛ أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ فِيهِ عُذْرٌ يَمْنَعُ الْجَرْحَ. وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ.
وَلِلْعُلَمَاءِ بِالرِّجَالِ وَأَحْوَالِهِمْ فِي ذَلِكَ مِنْ الْإِجْمَاعِ وَالِاخْتِلَافِ, مِثْلُ مَا لِغَيْرِهِمْ مِنْ سَائِر أَهْلِ الْعِلْمِ فِي عُلُومِهِمْ.
وَمِنْهَا: أن لا يَعْتَقِدَ أَنَّ الْمُحَدِّثَ سَمِعَ الْحَدِيثَ مِمَّنْ حَدَّثَ عَنْهُ, وَغَيْرُهُ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ سَمِعَهُ لِأَسْبَابِ تُوجِبُ ذَلِكَ مَعْرُوفَةٍ.
وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ لِلْمُحَدِّثِ حَالَانِ: حَالُ اسْتِقَامَةٍ, وَحَالُ اضْطِرَابٍ. مِثْلَ أَنْ يَخْتَلِطَ, أَوْ تَحْتَرِقَ كُتُبُهُ, فَمَا حَدَّثَ بِهِ فِي حَالِ الِاسْتِقَامَةِ صَحِيحٌ, وَمَا حَدَّثَ بِهِ فِي حَالِ الِاضْطِرَابِ ضَعِيفٌ, فَلَا يُدْرَى ذَلِكَ الْحَدِيثُ مِن
стр. 19
أَيِّ النَّوْعَيْنِ؟ وَقَدْ عَلِمَ غَيْرُهُ أَنَّهُ مِمَّا حَدَّثَ بِهِ فِي حَالِ الِاسْتِقَامَةِ.
وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ الْمُحَدِّثُ قَدْ نَسِيَ ذَلِكَ الْحَدِيثَ فَلَمْ يَذْكُرْهُ فِيمَا بَعْدُ, أَوْ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ حَدَّثَ به, مُعْتَقِدًا أَنَّ هَذَا عِلَّةٌ تُوجِبُ تَرْكَ الْحَدِيثِ. وَيَرَى غَيْرُهُ أَنَّ هَذَا مِمَّا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ, وَالْمَسْأَلَةُ مَعْرُوفَةٌ.
وَمِنْهَا: أَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْحِجَازِيِّينَ يَرَوْنَ أَلَّا يُحْتَجَّ بِحَدِيثِ عِرَاقِيٍّ أَوْ شَامِيٍّ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَصْلٌ بِالْحِجَازِ, حَتَّى قَالَ قَائِلُهُمْ: ﴿نَزِّلُوا أَحَادِيثَ أَهْلِ الْعِرَاقِ بِمَنْزِلَةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْكِتَابِ, لَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ﴾ .
وَقِيلَ لِآخَرَ: سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ حُجَّةٌ؟ قَالَ: إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَصْلٌ بِالْحِجَازِ فَلَا.
وَهَذَا لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ أَهْلَ الْحِجَازِ ضَبَطُوا السُّنَّةَ, فَلَمْ يَشِذَّ عَنْهُمْ مِنْهَا شَيْءٌ, وَأَنَّ أَحَادِيثَ الْعِرَاقِيِّينَ وَقَعَ فِيهَا اضْطِرَابٌ أَوْجَبَ التَّوَقُّفَ فِيهَا.
وَبَعْضُ الْعِرَاقِيِّينَ يَرَى أَلَّا يُحْتَجَّ بِحَدِيثِ الشَّامِيِّينَ, وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُ النَّاسِ عَلَى تَرْكِ التَّضْعِيفِ بِهَذَا.
فَمَتَى كَانَ الْإِسْنَادُ جَيِّدًا كَانَ الْحَدِيثُ حُجَّةً, سَوَاءٌ كَانَ الْحَدِيثُ حِجَازِيًّا, أَوْ عِرَاقِيًّا, أَوْ شَامِيًّا, أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ.
стр. 20
وَقَدْ صَنَّفَ أَبُو داود السجستاني ﵀ كِتَابًا فِي مفاريد أَهْلِ الْأَمْصَارِ مِنْ السُّنَنِ, بَيَّنَ مَا اخْتَصَّ بِهِ أَهْلُ كُلِّ مِصْرٍ مِنْ الْأَمْصَارِ مِنْ السُّنَنِ الَّتِي لَا تُوجَدُ مُسْنَدَةً عِنْدَ غَيْرِهِمْ, مِثْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ؛ وَالطَّائِفِ؛ وَدِمَشْقَ, وَحِمْصَ؛ وَالْكُوفَةِ؛ وَالْبَصْرَةِ؛ وَغَيْرِهَا. إلَى أَسْبَابٍ أُخَرَ غَيْرِ هَذِهِ.
السَّبَبُ الرَّابِعُ:
اشْتِرَاطُهُ فِي خَبَرِ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ الْحَافِظِ شُرُوطًا يُخَالِفُهُ فِيهَا غَيْرُهُ. مِثْلَ اشْتِرَاطِ بَعْضِهِمْ عَرْضَ الْحَدِيثِ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ, وَاشْتِرَاطِ بَعْضِهِمْ أَنْ يَكُونَ الْمُحَدِّثُ فَقِيهًا إذَا خَالَفَ قِيَاسَ الْأُصُولِ, وَاشْتِرَاطِ بَعْضِهِمْ انْتِشَارَ الْحَدِيثِ وَظُهُورَهُ إذَا كَانَ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى, إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي مَوَاضِعِهِ.
السَّبَبُ الْخَامِسُ:
أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ قَدْ بَلَغَهُ وَثَبَتَ عِنْدَهُ لَكِنْ نَسِيَهُ.
وَهَذَا يَرِدُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ, مِثْلَ الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ ﴿سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يُجْنِبُ فِي السَّفَرِ فَلَا يَجِدُ الْمَاءَ؟ فَقَالَ:
стр. 21
لَا يُصَلِّي حَتَّى يَجِدَ الْمَاءَ, فَقَالَ لَهُ عَمَّارُ بنُ ياسر ﵁: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَمَا تَذْكُرُ إذْ كُنْت أَنَا وَأَنْتَ فِي الْإِبِلِ, فَأَجْنَبْنَا, فَأَمَّا أَنَا فَتَمَرَّغْت كَمَا تَمَرَّغُ الدَّابَّةُ, وَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ, فَذَكَرْت ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: ﴿إنَّمَا يَكْفِيَك هَكَذَا﴾ وَضَرَبَ بِيَدَيْهِ الْأَرْضَ, فَمَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: اتَّقِ اللَّهَ يَا عَمَّارُ, فَقَالَ: إنْ
شِئْت لَمْ أُحَدِّثْ بِهِ. فَقَالَ: ﴿بَلْ نُوَلِّيك مِنْ ذَلِكَ مَا تَوَلَّيْت﴾ (١) . فَهَذِهِ سُنَّةٌ شَهِدَهَا عُمَرُ ﵁ ثُمَّ نَسِيَهَا، حَتَّى أَفْتَى بِخِلَافِهَا وَذَكَّرَهُ عَمَّارُ ﵁ فَلَمْ يَذْكُرْ. وَهُوَ لَمْ يُكَذِّبْ عَمَّارًا, بَلْ أَمَرَهُ أَنْ يُحَدِّثَ بِهِ.
وَأَبْلَغُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: ﴿لَا يَزِيدُ رَجُلٌ عَلَى صَدَاقِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ وَبَنَاتِهِ إلَّا رَدَدْته﴾ . فَقَالَتْ له امْرَأَةٌ: ﴿يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لِمَ تَحْرِمُنَا شَيْئًا أَعْطَانَا اللَّهُ إيَّاهُ؟﴾ ثُمَّ قَرَأَتْ: ﴿وَآتَيْتُمْ إحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ النساء: ٢٠ (٢) الحواشي
(١) رواه مسلم كاملاً، ورواه البخاري وأصحاب "السنن" بأخصر منه بألفاظ متقاربة.(٢) في هذا الحديث شيئان، أحدهما: نهي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ عن الزيادة في الصداق على صداق أزواج النبي ﷺ =стр. 22
_________
=وبناته. وثانيهما: اعتراض المرأة على عمر، وردها عليه، واستشهادها بقوله تعالى: (وأتيتم إحداهن قنطارا ... ) .
أما نهيه ﵁ عن الزيادة في الصداق، فقد رواه أحمد في "المسند" وأصحاب "السنن" من طرق عن محمد بن سيرين عن أبي العجفاء السلمي قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: ألا لا تغالوا في صداق النساء، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا، أو تقوى عند الله، كان أولاكم بها النبي ﷺ ، ما أصدق رسول الله ﷺ امرأة من نسائه، ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية ... ) وقال الترمذي: هذا حديث صحيح. وزيادة الصداق ونقصانه تابع إلى يسر الزوج وإعساره، وقد روى مسلم "صحيحه" عن أبي سلمة عبد الرحمن أنه قال: سألت عائشة زوج النبي ﷺ : كم كان صداق رسول الله ﷺ ؟ قالت: كان صداقه لأزواجه ثنتي عشرة أوقية ونشاً، قالت: أتدري ما النش؟ قال: قالت: نصف أوقية، فتلك خمسمائة درهم، فهذا صداق رسول الله صلى الله ﷺ لأزواجه. وقد روى مسلم في "صحيحه" أيضا عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني تزوجت امرأة من الأنصار. فقال له النبي ﷺ : (على كم تزوجتها؟) قال: على أربع أواق -أي من فضة-
فقال له النبي ﷺ : (على أربع أواق؟! كأنما تنحتون الفضة من عرض هذا الجبل) وذلك لضعف حاله وعدم استطاعته، فيؤخذ من هذا أن عمر ﵁ كره التغالي في الصداق عموماً، وهذا لا خلاف فيه. وأما قصة رد المرأة على عمر واستشهادها بالآ ية، فقد رواها أبو يعلى وفي سندها مجالد بن سعبد، وهو ضعيف، قال الحافظ ابن حجر عنه في "التقريب" ليس بالقوي، وقد تغير في آخر عمره، ولها طرق أخرى منقطعة، واستشهاد المرأة بالآية ليس في محله، لأن الآية في المختلعة. ومعنى الآية: إذا أردتم استبدال زوج جديدة ترغبون عنها لكراهتكم لها، وعدم طاقتكم الصبر على معاشرتها بالمعروف،، وهي لم تأت بفاحشة مبينة، وقد آتيتم من قبل إحداهن قنطارا من المال، أي مالا كثيرا، سواء أخذنه وحزنه في أيديهن، أو التزمتموه لهن، فصار ديناً في ذمتكم، فلا تأخذوا منه شيئاً، بل يجب أن يكون كله لصاحبته، لأنكم إنما تستبدلون غيرها بها لأجل هواكم وتمتعكم بغير ذنب شرعي منها يبيح لكم أخذ شيء منه، كأن تكون هي الطالبة لفراقكم المسيئة =
стр. 23
فَرَجَعَ عُمَرُ إلَى قَوْلِهَا, وَقَدْ كَانَ حَافِظًا لِلْآيَةِ وَلَكِنْ نَسِيَهَا.
وَكَذَلِكَ مَا رُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا ذَكَّرَ الزُّبَيْرَ يَوْمَ الْجَمَلِ شَيْئًا عَهِدَهُ إلَيْهِمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , فَذَكَرَهُ حَتَّى انْصَرَفَ عَنْ الْقِتَالِ (١) . وَهَذَا كَثِيرٌ فِي السَّلَفِ وَالْخَلَفِ
السَّبَبُ السَّادِسُ:
عَدَمُ مَعْرِفَتِهِ بِدَلَالَةِ الْحَدِيثِ.
تَارَةً لِكَوْنِ اللَّفْظِ الَّذِي فِي الْحَدِيثِ غَرِيبًا عِنْدَهُ, مِثْلَ لَفْظِ "الْمُزَابَنَةِ" (٢) وَ "الْمُخَابَرَةِ" (٣) وَ "الْمُحَاقَلَةِ" (٤) الحواشي
(١) انظر "البداية والنهاية" (ج ٧/٢٤٠) للحافظ ابن كثير، فإنه قد رواه عن أبي يعلى، والبيهقي، وعبد الرزاق، من طرق.(٢) المزابنة: هي بيع الرطب في رؤوس النخل بالتمر، وأصله من الزبن، وهو الدفع، كأن كل واحد من المتبايعين يزيد صاحبه عن حقه بما يزداد منه، وإنما نهى عنها لما يقع فيها من الغبن والجهالة "نهاية".(٣) المخابرة: قيل هي المزارعة على نصيب معين كالثلث والربع وغيرهما "نهاية".(٤) المحاقلة: مختلف فيها، قيل: هي اكتراء الأرض بالحنطة، هكذا جاء مفسراً في الحديث، وهو الذي يسميه الزارعون المحارثة، وقيل: هي المزارعة على نصيب معلوم كالثلث والربع ونحوهما، وقيل: هي بيع الطعام في سنبله بالبر، وقيل: بيع الزرع قبل إدراكه. وإنما نهي عنها لأنها من المكيل، ولا يجوز فيه إذا كان من جنس واحد إلا مثلاً بمثل، ويداً بيد، وهذا مجهول لا يدرى أيهما أكثر.стр. 24
وَ "الْمُلَامَسَةِ" (١) وَ"الْمُنَابَذَةِ" (٢) وَ "الْغَرَرِ" (٣) ؛ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْكَلِمَاتِ الْغَرِيبَةِ الَّتِي قَدْ يَخْتَلِفُ الْعُلَمَاءُ فِي تَفْسِيرِهَا.
وَكَالْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ: ﴿لَا طَلَاقَ وَلَا عَتَاقَ فِي إغْلَاقٍ﴾ (٤) فَإِنَّهُمْ قَدْ فَسَّرُوا "لْإِغْلَاقَ"بِالْإِكْرَاهِ, وَمَنْ يُخَالِفُهُ لَا يَعْرِفُ هَذَا التَّفْسِيرَ.
وَتَارَةً لِكَوْنِ مَعْنَاهُ فِي لُغَتِهِ وَعُرْفِهِ, غَيْرَ مَعْنَاهُ فِي لُغَةِ النَّبِيِّ ﷺ , وَهُوَ يَحْمِلُهُ عَلَى مَا يَفْهَمُهُ فِي الحواشي
(١) الملامسة: هي أن تقول: إذا لمست ثوبي، أو لمست ثوبك، فقد وجب البيع، وقيل: هو أن يلمس المتاع من وراء ثوب، ولا ينظر إليه، ثم يوقع البيع عليه. نهي عنه، لأنه غرر، أو عدول عن الصيغة الشرعية. وقيل: معناه أن يجعل اللمس بالليل قاطعاً للخيار، ويرجع ذلك إلى تعليق اللزوم، وهو غير نافذ "نهاية".(٢) المنابذة: هي أن يقول الرجل لصاحبه: انبذ إلي الثوب، أو أنبذه إليك ليجب البيع، وقيل: هي أن يقول: إذا نبذت إليك الحصاة، فقد وجب البيع، فيكون البيع معاطاة من غير عقد ولا يصح "نهاية".(٣) الغرر: ما كان له ظاهر يغر المشتري وباطن مجهول. وقال الأزهري: بيع الغرر: ما كان على غير عهدة ولا ثقة، وتدخل فيه البيوع التي لا يحيط بكنهها المتابايعان من كل مجهول "نهاية".
وأما الأحاديث التي ذكرت فيها هذه الألفاظ، فقد روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر. وأخرج أهل "السنن" إلا ابن ماجة، وصححه الترمذي عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ نهى عن المحاقلة والمزابنة والمخابرة.
وأخرج البخاري عن أنس ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة والمخابرة والملامسة والمنابذة والمزابنة.(٤) رواه أحمد، وأبو داود، وابن حبان، والحاكم، عن عائشة ﵂، =стр. 25
لُغَتِهِ, بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ اللُّغَةِ.
كمَا سَمِعَ بَعْضُهُمْ آثَارًا فِي الرُّخْصَةِ فِي "النَّبِيذِ" فَظَنُّوهُ بَعْضَ أَنْوَاعِ الْمُسْكِرِ؛ لِأَنَّهُ لُغَتُهُمْ, وَإِنَّمَا هُوَ مَا يُنْبَذُ لِتَحْلِيَةِ الْمَاءِ قَبْلَ أَنْ يَشْتَدَّ؛ فَإِنَّهُ جَاءَ مُفَسَّرًا فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ صَحِيحَةٍ.
وَسَمِعُوا لَفْظَ "الْخَمْرِ" فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ, فَاعْتَقَدُوهُ عَصِيرَ الْعِنَبِ الْمُشْتَدِّ خَاصَّةً, بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ كَذَلِكَ فِي اللُّغَةِ, وَإِنْ كَانَ قَدْ جَاءَ مِنْ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ تُبَيِّنُ أَنَّ "الْخَمْرَ" اسْمٌ لِكُلِّ شَرَابٍ مُسْكِرٍ (١) . الحواشي
(١) في "الصحيحين" عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال في خطبته على منبر رسول الله ﷺ : أيها الناس إنه نزل تحريم الخمر وهي من خمسة، العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير، والخمر ما خامر العقل. وروى البخاري عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ قال: نزل تحريم الخمر، وإن بالمدينة يومئذ لخمسة أشربة، ما فيها شراب العنب.
وفي "الصحيحين" من حديث أنس ﵁ قال: (إن الخمر حرمت والخمرُ يومئذ البسر والتمر) . وفي لفظ قال: حرمت الخمر عينا حين حرمت، وما نجد خمر الأعناب قليلاً، وعامة خمرنا البسر والتمر. رواه البخاري. وفي لفظ: لقد أنزل الله الآية التي حرم فيها الخمر، وما في المدينة شراب إلا من تمر. رواه مسلم. =стр. 26
وَتَارَةً لِكَوْنِ اللَّفْظِ مُشْتَرِكًا, أَوْ مُجْمَلًا؛ أَوْ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ حَقِيقَةٍ وَمَجَازٍ؛ فَيَحْمِلُهُ عَلَى الْأَقْرَبِ عِنْدَهُ, وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ هُوَ الْآخَرَ.
كَمَا حَمَلَ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ "الْخَيْطَ الْأَبْيَضَ وَالْخَيْطَ الْأَسْوَدَ" عَلَى الْحَبْلِ (١) .
وَكَمَا حَمَلَ آخَرُونَ قَوْلَهُ: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ عَلَى الْيَدِ إلَى الْإِبِطِ (٢) . الحواشي
(١) عن عدي بن حاتم ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية: (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود) عمدت إلى عقالين أحدهما أسود والآخر أبيض، قال: فجعلتهما تحت وسادتي، فجعلت أنظر إليهما، فلما تبين لي الأبيض من الأسود أمسكت، فلما أصبحت غدوت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته بالذي صنعت. فقال: (إن وسادك لعريض؛ إنما ذلك بياض النهار من سواد الليل) رواه أحمد والبخاري ومسلم.(٢) سورة النساء الآية ٤٣стр. 27
وَتَارَةً لِكَوْنِ الدَّلَالَةِ مِنْ النَّصِّ خَفِيَّةً.
فَإِنَّ جِهَاتِ دَلَالَاتِ الْأَقْوَالِ مُتَّسِعَةٌ جِدًّا يَتَفَاوَتُ النَّاسُ فِي إدْرَاكِهَا, وَفَهْمِ وُجُوهِ الْكَلَامِ بِحَسَبِ مِنَحِ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ وَمَوَاهِبِهِ,
ثُمَّ قَدْ يَعْرِفُهَا الرَّجُلُ مِنْ حَيْثُ الْعُمُومُ, وَلَا يَتَفَطَّنُ لِكَوْنِ هَذَا الْمَعْنَى دَاخِلًا فِي ذَلِكَ الْعَامِّ.
ثُمَّ قَدْ يَتَفَطَّنُ لَهُ تَارَةً ثُمَّ يَنْسَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ. وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ جِدًّا لَا يُحِيطُ بِهِ إلَّا اللَّهُ.
وَقَدْ يَغْلَطُ الرَّجُلُ, فَيَفْهَمُ مِنْ الْكَلَامِ مَا لَا تَحْتَمِلُهُ اللُّغَةُ الْعَرَبِيَّةُ الَّتِي بُعِثَ الرَّسُولُ ﷺ بِهَا.
السَّبَبُ السَّابِعُ:
اعْتِقَادُهُ أَنْ لَا دَلَالَةَ فِي الْحَدِيثِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الَّذِي قَبْلَهُ, أَنَّ الْأَوَّلَ لَمْ يَعْرِفْ جِهَةَ الدَّلَالَةِ.
وَالثَّانِي عَرَفَ جِهَةَ الدَّلَالَةِ, لَكِنْ اعْتَقَدَ أَنَّهَا لَيْسَتْ دَلَالَةً صَحِيحَةً, بِأَنْ يَكُونَ لَهُ مِنْ الْأُصُولِ مَا يَرُدُّ تِلْكَ الدَّلَالَةَ, سَوَاءٌ كَانَتْ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ صَوَابًا أَوْ خَطَأً, مِثْلَ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ الْعَامَّ الْمَخْصُوصَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ. أو أَنَّ الْمَفْهُومَ لَيْسَ بِحُجَّةِ, أو أَنَّ الْعُمُومَ الْوَارِدَ عَلَى سَبَبٍ مَقْصُورٍ عَلَى سَبَبِهِ, أَوْ أَنَّ الْأَمْرَ الْمُجَرَّدَ لَا يَقْتَضِي الْوُجُوبَ؛ أَوْ لَا يَقْتَضِي الْفَوْرَ, أَوْ أَنَّ الْمُعَرَّفَ بِاللَّامِ لَا عُمُومَ لَهُ, أَوْ
стр. 28
أَنَّ الْأَفْعَالَ الْمَنْفِيَّةَ لَا تَنْفِي ذَوَاتِهَا وَلَا جَمِيعَ أَحْكَامِهَا, أَوْ أَنَّ الْمُقْتَضِي لَا عُمُومَ لَهُ؛ فَلَا يَدَّعِي الْعُمُومَ فِي الْمُضْمَرَاتِ وَالْمَعَانِي, إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَتَّسِعُ الْقَوْلُ فِيهِ. فَإِنَّ شَطْرَ أُصُولِ الْفِقْهِ تَدْخُلُ مَسَائِلُ الْخِلَافِ مِنْهُ فِي هَذَا الْقِسْمِ, وَإِنْ كَانَتْ الْأُصُولُ الْمُجَرَّدَةُ لَمْ تُحِطْ بِجَمِيعِ الدَّلَالَاتِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا, وَتُدْخِلْ فِيهِ أَفْرَادَ أَجْنَاسِ الدَّلَالَاتِ: هَلْ هِيَ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ أَمْ لَا؟ مِثْلَ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ الْمُعَيَّنَ مُجْمَلٌ, بِأَنْ يَكُونَ مُشْتَرَكًا لَا دَلَالَةَ تُعَيِّنُ أَحَدَ مَعْنَيَيْهِ, أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ.
السَّبَبُ الثَّامِنُ:
اعْتِقَادُهُ أَنَّ تِلْكَ الدَّلَالَةَ قَدْ عَارَضَهَا مَا دَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مُرَادَةً. مِثْلَ مُعَارَضَةِ الْعَامِّ بِخَاصِّ, أَوْ الْمُطْلَقِ بِمُقَيَّدِ, أَوْ الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ بِمَا يَنْفِي الْوُجُوبَ, أَوْ الْحَقِيقَةَ بِمَا يَدُلُّ عَلَى الْمَجَازِ. إلَى أَنْوَاعِ الْمُعَارَضَاتِ. وَهُوَ بَابٌ وَاسِعٌ أَيْضًا؛ فَإِنَّ تَعَارُضَ دَلَالَاتِ الْأَقْوَالِ وَتَرْجِيحَ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ بَحْرٌ خِضَمٌّ.
стр. 29
السَّبَبُ التَّاسِعُ:
اعْتِقَادُهُ أَنَّ الْحَدِيثَ مُعَارَضٌ بِمَا يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِهِ؛ أَوْ نَسْخِهِ؛ أَوْ تَأْوِيلِهِ إنْ كَانَ قَابِلًا لِلتَّأْوِيلِ, بِمَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُعَارَضًا بِالِاتِّفَاقِ مِثْلَ آيَةٍ, أَوْ حَدِيثٍ آخَرَ, أَوْ مِثْلَ إجْمَاعٍ. وَهَذَا نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ هَذَا الْمُعَارِضَ رَاجِحٌ فِي الْجُمْلَةِ, فَيَتَعَيَّنُ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ وَاحِدٍ مِنْهَا. وَتَارَةً يُعَيِّنُ أَحَدَهَا, بِأَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ؛ أَوْ أَنَّهُ مُؤَوَّلٌ. ثُمَّ قَدْ يَغْلَطُ فِي النَّسْخِ فَيَعْتَقِدُ الْمُتَأَخِّرَ مُتَقَدِّمًا, وَقَدْ يَغْلَطُ فِي التَّأْوِيلِ بِأَنْ يَحْمِلَ الْحَدِيثَ عَلَى مَا لَا يَحْتَمِلُهُ لَفْظُهُ, أَوْ هُنَاكَ مَا يَدْفَعُهُ, وَإِذَا عَارَضَهُ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ, فَقَدْ لَا يَكُونُ ذَلِكَ الْمُعَارِضُ دَالًّا, وَقَدْ لَا يَكُونُ الْحَدِيثُ الْمُعَارِضُ فِي قُوَّةِ الْأَوَّلِ إسْنَادًا أَوْ مَتْنًا.
وَتَجِيءُ هُنَا الْأَسْبَابُ الْمُتَقَدِّمَةُ وَغَيْرُهَا فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ.
وَالْإِجْمَاعُ الْمُدَّعى فِي الْغَالِبِ إنَّمَا هُوَ عَدَمُ الْعِلْمِ بِالْمُخَالِفِ.
стр. 30
وَقَدْ وَجَدْنَا مِنْ أَعْيَانِ الْعُلَمَاءِ مَنْ صَارُوا إلَى الْقَوْلِ بِأَشْيَاءَ مُتَمَسَّكُهُمْ فِيهَا عَدَمُ الْعِلْمِ بِالْمُخَالِفِ, مَعَ أَنَّ ظَاهِرَ الْأَدِلَّةِ عِنْدَهُمْ يَقْتَضِي خِلَافَ ذَلِكَ.
لَكِنْ لَا يُمْكِنُ الْعَالِمُ أَنْ يَبْتَدِئَ قَوْلًا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ قَائِلًا؛ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّ النَّاسَ قَدْ قَالُوا خِلَافَهُ, حَتَّى إنَّ مِنْهُمْ مَنْ يُعَلِّقُ الْقَوْلَ فَيَقُولُ: ﴿إنْ كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ إجْمَاعٌ فَهُوَ أَحَقُّ مَا يَتْبَعُ, وَإِلَّا فَالْقَوْلُ عِنْدِي كَذَا وَكَذَا﴾ .
وَذَلِكَ مِثْلُ مَنْ يَقُولُ: ﴿لَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَجَازَ شَهَادَةَ الْعَبْدِ.﴾ وَقَبُولُهَا مَحْفُوظٌ عَنْ عَلِيٍّ وَأَنَسٍ وشريح وَغَيْرِهِمْ.
وَيَقُولُ آخر: ﴿أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُعْتَقَ بَعْضُهُ لَا يَرِثُ﴾ , وَتَوْرِيثُهُ مَحْفُوظٌ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ-﵄, وَفِيهِ حَدِيثٌ حَسَنٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ (١) .
وَيَقُولُ آخَرُ: ﴿لَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَوْجَبَ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي الصَّلَاةِ﴾ , وَإِيجَابُهَا مَحْفُوظٌ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ (٢) . الحواشي
(١) عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: (المكاتب يعتق بقدر ما أدى، ويقام عليه الحد بقدر ما عُتق منه؛ ويورث بقدر ما عتق منه) رواه النسائي وأبو داود، والترمذي وقال: حديث حسن.(٢) وقد قال به الإمام الشافعي ﵁ وغيره من العلماء. وانظر تحقيق ذلك في كتاب "جلاء الأفهام في الصلاة على خير الأنام ﵊" لابن القيم ﵀.стр. 31
وَذَلِكَ أَنَّ غَايَةَ كَثِيرٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنْ يَعْلَمَ قَوْلَ أَهْلِ الْعِلْمِ الَّذِينَ أَدْرَكَهُمْ فِي بِلَادِهِ ولا يعلم أَقْوَالَ جَمَاعَاتٍ غَيْرِهِمْ, كَمَا تَجِدُ كَثِيرًا مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ لَا يَعْلَمُ إلَّا قَوْلَ الْمَدَنِيِّينَ وَالْكُوفِيِّينَ, وَكَثِيراً مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ لَا يَعْلَمُ إلَّا قَوْلَ اثْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْمَتْبُوعِينَ وَمَا خَرَجَ عَنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ عِنْدَهُ يُخَالِفُ الْإِجْمَاعَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ بِهِ قَائِلًا, وَمَا زَالَ يَقْرَعُ سَمْعَهُ خِلَافُهُ.
فَهَذَا لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَصِيرَ إلَى حَدِيثٍ يُخَالِفُ هَذَا؛ لِخَوْفِهِ أَنْ يَكُونَ هَذَا خِلَافًا لِلْإِجْمَاعِ, أَوْ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ, وَالْإِجْمَاعُ أَعْظَمُ الْحُجَجِ.
وَهَذَا عُذْرُ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ فِي كَثِيرٍ مِمَّا يَتْرُكُونَهُ.
وَبَعْضُهُمْ مَعْذُورٌ فِيهِ حَقِيقَةً؛ وَبَعْضُهُمْ مَعْذُورٌ فِيهِ, وَلَيْسَ فِي الْحَقِيقَةِ بِمَعْذُورِ.
وَكَذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ الْأَسْبَابِ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ.
السَّبَبُ الْعَاشِرُ:
مُعَارَضَتُهُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِهِ أَوْ نَسْخِهِ أَوْ تَأْوِيلِهِ, مِمَّا لَا يَعْتَقِدُهُ غَيْرُهُ أَوْ جِنْسُهُ مُعَارِضاً؛ أَوْ لَا يَكُونُ فِي الْحَقِيقَةِ مُعَارِضًا رَاجِحًا؛
стр. 32
كَمُعَارَضَةِ كَثِيرٍ مِنْ الْكُوفِيِّينَ الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ, وَاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ مِنْ الْعُمُومِ وَنَحْوُهُ مُقَدَّمٌ عَلَى نَصِّ الْحَدِيثِ, ثُمَّ قَدْ يَعْتَقِدُ مَا لَيْسَ بِظَاهِرِ ظَاهِرًا, لِمَا فِي دَلَالَاتِ الْقَوْلِ مِنْ الْوُجُوهِ الْكَثِيرَةِ.
وَلِهَذَا رَدُّوا حَدِيثَ ﴿الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ﴾ , وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُمْ يَعْلَمُ أَنْ لَيْسَ فِي ظَاهِرِ الْقُرْآنِ مَا يَمْنَعُ الْحُكْمَ بِشَاهِدِ وَيَمِينٍ, وَلَوْ كَانَ فِيهِ ذَلِكَ, فَالسُّنَّةُ هِيَ الْمُفَسِّرَةُ لِلْقُرْآنِ عِنْدَهُمْ.
وَلِلشَّافِعِيِّ فِي هَذِهِ الْقَاعِدَةِ كَلَامٌ مَعْرُوفٌ, وَلِأَحْمَدَ فِيهَا رِسَالَتُهُ الْمَشْهُورَةُ فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ يَزْعُمُ الِاسْتِغْنَاءَ بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ عَنْ تَفْسِيرِه بسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , وَلقَدْ أَوْرَدَ فِيهَا مِنْ الدَّلَائِلِ مَا يَضِيقُ هَذَا الْمَوْضِعُ عَنْ ذِكْرِهِ.
وَمِنْ ذَلِكَ: دَفْعُ الْخَبَرِ الَّذِي فِيهِ تَخْصِيصٌ لِعُمُومِ الْكِتَابِ, أَوْ تَقْيِيدٌ لِمُطْلَقِهِ, أَوْ فِيهِ زِيَادَةٌ عَلَيْهِ, وَاعْتِقَادُ مَنْ يَقُولُ ذَلِكَ أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى النَّصِّ, كَتَقْيِيدِ الْمُطْلَقِ نَسْخٌ, وَأَنَّ تَخْصِيصَ الْعَامِّ نَسْخٌ.
وَكَمُعَارَضَةِ طَائِفَةٍ مِنْ الْمَدَنِيِّينَ الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ بِعَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ, بِنَاءً عَلَى أَنَّهُمْ مُجْمِعُونَ عَلَى مُخَالَفَةِ الْخَبَرِ, وَأَنَّ إجْمَاعَهُمْ حُجَّةٌ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْخَبَرِ.
стр. 33
كَمُخَالَفَةِ أَحَادِيثَ ﴿خِيَارِ الْمَجْلِسِ﴾ بِنَاءً عَلَى هَذَا الْأَصْلِ, وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُ النَّاسِ قَدْ يُثْبِتُونَ أَنَّ الْمَدَنِيِّينَ قَدْ اخْتَلَفُوا فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ, وَأَنَّهُمْ لَوْ أَجْمَعُوا وَخَالَفَهُمْ غَيْرُهُمْ لَكَانَتْ الْحُجَّةُ فِي الْخَبَرِ. وَكَمُعَارَضَةِ قَوْمٍ مِنْ الْبَلَدَيْنِ بَعْضَ الْأَحَادِيثِ بِالْقِيَاسِ الْجَلِيِّ, بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقَوَاعِدَ الْكُلِّيَّةَ لَا تُنْقَضُ بِمِثْلِ هَذَا الْخَبَرِ. إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْمُعَارَضَاتِ سَوَاءٌ كَانَ الْمُعَارِضُ مُصِيبًا أَوْ مُخْطِئًا.
فَهَذِهِ الْأَسْبَابُ الْعَشَرَةُ ظَاهِرَةٌ.
وَفِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَحَادِيثِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلْعَالِمِ حُجَّةٌ فِي تَرْكِ الْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ لَمْ نَطَّلِعْ نَحْنُ عَلَيْهَا؛ فَإِنَّ مَدَارِكَ الْعِلْمِ وَاسِعَةٌ, وَلَمْ نَطَّلِعْ نَحْنُ عَلَى جَمِيعِ مَا فِي بَوَاطِنِ الْعُلَمَاءِ.
وَالْعَالِمُ قَدْ يُبْدِي حُجَّتَهُ وَقَدْ لَا يُبْدِيهَا, وَإِذَا أَبْدَاهَا فَقَدْ تَبْلُغُنَا وَقَدْ لَا تَبْلُغُنا, وَإِذَا بَلَغَتْنَا فَقَدْ نُدْرِكُ مَوْضِعَ احْتِجَاجِهِ, وَقَدْ لَا نُدْرِكُهُ, سَوَاءٌ كَانَتْ الْحُجَّةُ صَوَابًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ, أَمْ لَا.
لَكِنْ نَحْنُ وَإِنْ جَوَّزْنَا هَذَا فَلَا يَجُوزُ لَنَا أَنْ نَعْدِلَ عَنْ قَوْلٍ ظَهَرَتْ حُجَّتُهُ بِحَدِيثِ صَحِيحٍ وَافَقَهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ
стр. 34
الْعِلْمِ؛ إلَى قَوْلٍ آخَرَ قَالَهُ عَالِمٌ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ مَا يَدْفَعُ بِهِ هَذِهِ الْحُجَّةَ وَإِنْ كَانَ أَعْلَم؛ إذْ تَطَرُّقُ الْخَطَأِ إلَى آرَاءِ الْعُلَمَاءِ أَكْثَرُ مِنْ تَطَرُّقِهِ إلَى الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ, فَإِنَّ الْأَدِلَّةَ الشَّرْعِيَّةَ حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى جَمِيعِ عِبَادِهِ, بِخِلَافِ رَأْيِ الْعَالِمِ.
وَالدَّلِيلُ الشَّرْعِيُّ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ خَطَأً إذَا لَمْ يُعَارِضْهُ دَلِيلٌ آخَرُ, وَرَأْيُ الْعَالِمِ لَيْسَ كَذَلِكَ.
وَلَوْ كَانَ الْعَمَلُ بِهَذَا التَّجْوِيزِ جَائِزًا, لَمَا بَقِيَ فِي أَيْدِينَا شَيْءٌ مِنْ الْأَدِلَّةِ الَّتِي يَجُوزُ فِيهَا مِثْلُ هَذَا, لَكِنَّ الْغَرَضَ: أَنَّهُ فِي نَفْسِهِ قَدْ يَكُونُ مَعْذُورًا فِي تَرْكِهِ لَهُ, وَنَحْنُ مَعْذُورُونَ فِي تَرْكِنَا لِهَذَا التَّرْكِ. وَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ ولا تُسْأَلون عمَّا كانوا يعملون﴾ (١) , وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كنتم تؤمنون بالله واليومِ الآخر﴾ (٢) .
وَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يُعَارِضَ الْحَدِيثَ الصحيحَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ بِقَوْلِ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ, كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ الحواشي
(١) سورة البقرة الآية ١٣٤(٢) سورة النساء الآية ٥٩стр. 35
-﵄ لِرَجُلِ سَأَلَهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَأَجَابَهُ فِيهَا بِحَدِيثٍ, فَقَالَ لَهُ: ﴿قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ﴾ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿يُوشِكُ أَنْ تَنْزِلَ عَلَيْكُمْ حِجَارَةٌ مِنْ السَّمَاءِ أَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , وَتَقُولُونَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ؟!﴾ .
وَإِذَا كَانَ التَّرْكُ يَكُونُ لِبَعْضِ هَذِهِ الْأَسْبَابِ؛ فَإِذَا جَاءَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ فِيهِ تَحْلِيلٌ أَوْ تَحْرِيمٌ أَوْ حُكْمٌ؛ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ التَّارِكَ لَهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ وَصَفْنَا أَسْبَابَ تَرْكِهِمْ يُعَاقَبُ؛ لِكَوْنِهِ حَلَّلَ الْحَرَامَ, أَوْ حَرَّمَ الْحَلَالَ؛ أَوْ حَكَمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ. وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ فِي الْحَدِيثِ وَعِيدٌ عَلَى فِعْلٍ: مِنْ لَعْنَةٍ أَوْ غَضَبٍ أَوْ عَذَابٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ ذَلِكَ الْعَالِمَ الَّذِي أَبَاحَ هَذَا, أَوْ فَعَلَهُ, دَاخِلٌ فِي هَذَا الْوَعِيدِ.
وَهَذَا مِمَّا لَا نَعْلَمُ بَيْنَ الْأُمَّةِ فِيهِ خِلَافًا, إلَّا شَيْئًا يُحْكَى عَنْ بَعْضِ مُعْتَزِلَةِ بَغْدَادَ, مِثْلَ المريسي (١) وَأَضْرَابِهِ: أَنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّ الْمُخْطِئَ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ يُعَاقَبُ عَلَى خَطَئِهِ, الحواشي
(١) هو بشر بن غياث ابن أبي كريمة عبد الرحمن المريسي العدوي بالولاء، أبو عبد الرحمن، فقيه معتزلي عارف بالفلسفة، وهو رأس الطائفة المريسية القائلة بالإرجاء وإليه نسبتها، وقال برأي الجهمية، له تصانيف. ولعثمان بن سعيد الدارمي كتاب "النقض على بشر المريسي" في الرد على مذهبه. توفي سنة ٣١٨هـ.стр. 36
وَهَذَا لِأَنَّ لُحُوقَ الْوَعِيدِ لِمَنْ فَعَلَ الْمُحَرَّمَ مَشْرُوطٌ بِعِلْمِهِ بِالتَّحْرِيمِ؛ أَوْ بِتَمَكُّنِهِ مِنْ الْعِلْمِ بِالتَّحْرِيمِ؛ فَإِنَّ مَنْ نَشَأَ بِبَادِيَةٍ أَوْ كَانَ حَدِيثَ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ, وَفَعَلَ شَيْئًا مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ غَيْرَ عَالِمٍ بِتَحْرِيمِهَا, لَمْ يَأْثَمْ, وَلَمْ يُحَدَّ, وَإِنْ لَمْ يَسْتَنِدْ فِي اسْتِحْلَالِهِ إلَى دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ.
فَمَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ الْحَدِيثُ الْمُحَرِّمُ, وَاسْتَنَدَ فِي الْإِبَاحَةِ إلَى دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ, أَوْلَى أَنْ يَكُونَ مَعْذُورًا.
وَلِهَذَا كَانَ هَذَا مَأْجُورًا مَحْمُودًا لِأَجْلِ اجْتِهَادِهِ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْماً﴾ (١) , فَاخْتَصَّ سُلَيْمَانَ بِالْفَهْمِ؛ وَأَثْنَى عَلَيْهِمَا بِالْحُكْمِ وَالْعِلْمِ.
وَفِي "الصَّحِيحَيْنِ" عَنْ عَمْرِو بْنِ العاص ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ﴿إذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ, وَإِذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ﴾ .
فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ مَعَ خَطَئِهِ لَهُ أَجْرٌ؛ وَذَلِكَ لِأَجْلِ اجْتِهَادِهِ, وَخَطَؤُهُ مَغْفُورٌ لَهُ؛ لِأَنَّ دَرْكَ الصَّوَابِ فِي جَمِيعِ أَعْيَانِ الْأَحْكَامِ, إمَّا مُتَعَذَّرٌ أَوْ مُتَعَسِّرٌ, وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ الحواشي
(١) سورة الأنبياء الآية ٧٨ - ٧٩стр. 37
حَرَجٍ﴾ (١) وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٢) .
وَفِي "الصَّحِيحَيْنِ" عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِأَصْحَابِهِ عَامَ الْخَنْدَقِ: ﴿لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ﴾ , فَأَدْرَكَتْهُمْ صَلَاةُ الْعَصْرِ فِي الطَّرِيقِ, فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا نُصَلِّي إلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ, وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَمْ يُرَدْ مِنَّا هَذَا؛ فَصَلُّوا فِي الطَّرِيقِ. فَلَمْ يَعِبْ وَاحِدَةً مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ.
فَالْأَوَّلُونَ تَمَسَّكُوا بِعُمُومِ الْخِطَابِ, فَجَعَلُوا صُورَةَ الْفَوَاتِ دَاخِلَةً فِي الْعُمُومِ, وَالْآخَرُونَ كَانَ مَعَهُمْ مِنْ الدَّلِيلِ مَا يُوجِبُ خُرُوجَ هَذِهِ الصُّورَةِ عَنْ الْعُمُومِ, فَإِنَّ الْمَقْصُودَ الْمُبَادَرَةُ إلَى الذين حاصرهم النبي ﷺ . وَهِيَ مَسْأَلَةٌ اخْتَلَفَ فِيهَا الْفُقَهَاءُ اخْتِلَافًا مَشْهُورًا: هَلْ يُخَصُّ الْعُمُومُ بِالْقِيَاسِ ؟ وَمَعَ هَذَا فَاَلَّذِينَ صَلَّوْا فِي الطَّرِيقِ كَانُوا أَصْوَبَ فعلاً.
وَكَذَلِكَ بِلَالٌ ﵁ لَمَّا بَاعَ الصَّاعَيْنِ بِالصَّاعِ، أَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِرَدِّهِ (٣) , وَلَمْ الحواشي
(١) سورة الحج الآية ٧٨(٢) سورة البقرة الآية ١٨٥(٣) متفق عليه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ ولفظه: عن أبي سعيد =стр. 38
يُرَتِّبْ عَلَى ذَلِكَ حُكْمَ آكِلِ الرِّبَا مِنْ التَّفْسِيقِ وَاللَّعْنِ وَالتَّغْلِيظِ, لِعَدَمِ عِلْمِهِ بمكانه بِالتَّحْرِيمِ.
وَكَذَلِكَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ لَمَّا اعْتَقَدُوا أَنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ (١) : مَعْنَاهُ الْحِبَالُ الْبِيضُ وَالسُّودُ, فَكَانَ أَحَدُهُمْ يَجْعَلُ عِقَالَيْنِ أَبْيَضَ وَأَسْوَدَ, وَيَأْكُلُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ له أَحَدُهُمَا مِنْ الْآخَرِ, فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَدِيٍّ: ﴿إنَّ وِسَادَكَ إذًا لَعَرِيضٌ, إنَّمَا هُوَ بَيَاضُ النَّهَارِ وَسَوَادُ اللَّيْلِ﴾ (٢) .
فَأَشَارَ إلَى عَدَمِ فِقْهِهِ لِمَعْنَى الْكَلَامِ, وَلَمْ يُرَتِّبْ عَلَى هَذَا الْفِعْلِ ذَمَّ مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ, وَإِنْ كَانَ مِنْ أَعْظَمِ الْكَبَائِرِ.
بِخِلَافِ الَّذِينَ أَفْتَوْا الْمَشْجُوجَ فِي الْبَرْدِ بِوُجُوبِ الْغَسْلِ فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ؛ فَإِنَّهُ قَالَ: ﴿قَتَلُوهُ, قَتَلَهُمْ اللَّهُ, هَلَّا سَأَلُوا إذَا لَمْ يَعْلَمُوا؟ إنَّمَا شِفَاءُ الْعَيِّ السُّؤَالُ﴾ (٣) . الحواشي
(١) سورة البقرة الآية ١٨٧(٢) متفق عليه من حديث عدي بن حاتم ﵁، وقد تقدم.(٣) رواه أبو داود من حديث الزبير بن خريق عن عطاء عن جابر قال: =стр. 39
فَإِنَّ هَؤُلَاءِ أَخْطَئُوا بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ؛ إذْ لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَكَذَلِكَ لَمْ يُوجِبْ عَلَى أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَوَدًا وَلَا دِيَةً وَلَا كَفَّارَةً, لَمَّا قَتَلَ الَّذِي قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فِي غَزْوَةِ الْحُرَقَاتِ (١) , فَإِنَّهُ كَانَ مُعْتَقِدًا جَوَازَ قَتْلِهِ, بِنَاءً عَلَى أَنَّ هَذَا الْإِسْلَامَ لَيْسَ بِصَحِيحِ مَعَ أَنَّ قَتْلَهُ حَرَامٌ.
وَعَمِلَ بِذَلِكَ السَّلَفُ, وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ, فِي أَنَّ مَا اسْتَبَاحَهُ أَهْلُ الْبَغْيِ مِنْ دِمَاءِ أَهْلِ الْعَدْلِ بِتَأْوِيلِ سَائِغٍ, الحواشي
(١) روى البخاري عن أسامة بن زيد بن حارثة ﵁ قال: بعثنا رسول الله ﷺ إلى الحرقة من جهينة، قال: فصبحنا القوم فهزمناهم، قال: ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم، قال: فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله، قال: فكف عنه الأنصاري وطعنته برمحي حتى قتلته، قال: فلما قدمنا، بلغ ذلك النبي ﷺ ، قال: فقال لي: (يا أسامة أقتلته بعدما قال: لا إله إلا الله؟!) قال: قلت: يا رسول الله إنما كان متعوذاً. قال: (أقتلته بعدما قال: لا إله إلا الله؟!) فما زال يكررها، حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم. والحُرَقَات: بضم الحاء وفتح الراء المهملتين، وهم بطن من جهينة، منازلهم وراء بطن نخلة من أرض بني مرة. وكانت غزوتهم سنة سبع أو ثمان من الهجرة.
وكان أميرها غالب بن عبيد الله الكلبي والذي قتله أسامة بن زيد، اسمه: مرداس بن نهيك.стр. 40
لَمْ يُضْمَنْ بِقَوَدِ وَلَا دِيَةٍ وَلَا كَفَّارَةٍ؛ وَإِنْ كَانَ قَتْلُهُمْ وَقِتَالُهُمْ مُحَرَّمًا.
وَهَذَا الشَّرْطُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي لُحُوقِ الْوَعِيدِ، لَا يَحْتَاجُ أَنْ يُذْكَرَ فِي كُلِّ خِطَابٍ؛ لِاسْتِقْرَارِ الْعِلْمِ بِهِ فِي الْقُلُوبِ. كَمَا أَنَّ الْوَعْدَ عَلَى الْعَمَلِ مَشْرُوطٌ بِإِخْلَاصِ الْعَمَل لِلَّهِ؛ وَبِعَدَمِ حُبُوطِ الْعَمَلِ بِالرِّدَّةِ.
ثُمَّ إنَّ هَذَا الشَّرْطَ لَا يُذْكَرُ فِي كُلِّ حَدِيثٍ فِيهِ وَعْدٌ. ثُمَّ حَيْثُ قُدِّرَ قِيَامُ الْمُوجِبِ لِلْوَعِيدِ, فَإِنَّ الْحُكْمَ يَتَخَلَّفُ عَنْهُ لِمَانِعِ.
وَ مَوَانِعُ لُحُوقِ الْوَعِيدِ مُتَعَدِّدَةٌ: مِنْهَا: التَّوْبَةُ, وَمِنْهَا: الِاسْتِغْفَارُ, وَمِنْهَا: الْحَسَنَاتُ الْمَاحِيَةُ لِلسَّيِّئَاتِ, وَمِنْهَا: بَلَاءُ الدُّنْيَا وَمَصَائِبُهَا, وَمِنْهَا: شَفَاعَةُ شَفِيعٍ مُطَاعٍ، وَمِنْهَا: رَحْمَةُ أَرْحَمِ الرَّاحِمِينَ. فَإِذَا عُدِمَتْ هَذِهِ الْأَسْبَابُ كُلُّهَا, وَلَنْ تُعْدَمَ إلَّا فِي حَقِّ مَنْ عَتَا وَتَمَرَّدَ وَشَرَدَ عَلَى اللَّهِ شِرَادَ الْبَعِيرِ عَلَى أَهْلِهِ, فَهُنَالِكَ يَلْحَقُ الْوَعِيدُ بِهِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ حَقِيقَةَ الْوَعِيدِ: بَيَانُ أَنَّ هَذَا الْعَمَلَ سَبَبٌ فِي هَذَا الْعَذَابِ, فَيُسْتَفَادُ مِنْ ذَلِكَ تَحْرِيمُ الْفِعْلِ وَقُبْحُهُ.
أَمَّا أَنَّ كَلَّ شَخْصٍ قَامَ بِهِ ذَلِكَ السَّبَبُ, يَجِبُ وُقُوعُ ذَلِكَ الْمُسَبَّبِ بِهِ, فَهَذَا بَاطِلٌ قَطْعًا؛ لِتَوَقُّفِ ذَلِكَ الْمُسَبَّبِ عَلَى وُجُودِ الشَّرْطِ, وَزَوَالِ جَمِيعِ الْمَوَانِعِ.
следующие страницы →