فيدخل أهل الجنة الجنة ويدخل الكفار النار وأن أهل الجنة لا يزالون مثابين ولا يزال الكفار معاقبين.
٢ - وزعم الجهم بن صفوان أن معنى الآخر أنه لا يزال كائناً موجوداً ولا شيء سواه ولا موجود غيره وأن الجنة والنار تفنيان ويبيد من فيهما ويفنى.
٣ - وزعمت البطيخية أن أهل الجنة في الجنة يتنعمون وأن أهل النار في النار يتنعمون بمنزلة دود الخل يتلذذ بالخل ودود العسل يتلذذ بالعسل.
٤ - وقال أبو الهذيل - وقد حكيناه قوله قبل هذا الموضع - أن أهل الجنة تنقطع حركاتهم فيسكنون سكوناً دائماً ويكونون سكوناً بسكون باق متلذذين بلذات باقية.
٥ - وزعم بعض المعتزلة أن معنى أن الله هو الآخر أنه الباقي.
٦ - وقال من مال إلى أنه لا شيء إلا موجود: إن معنى الأول أنه لم يزل كائناً ولا شيء سواه وأن الأشياء لو كانت تعلم أشياء غير كائنة لم يصح أن البارئ هو الأول إذ كان لا يصح الوصف له بأنه موجود إلا وهو عالم بأشياء غير كائنة.
٧ - وقال من خالفهم: إن حقيقة الأول أنه لم يزل موجوداً ولا شيء سواه موجود وإن كانت الأشياء يعلمها أشياء غير كائنة.
стр. 737
٢٥٣ - معنى القول: إن الله كامل
القول في البارئ أنه كامل:
١ - كان الجبائي لا يزعم أن البارئ يوصف بأنه كامل لأن الكامل هو من تمت خصاله وأبعاضه ولأن الكامل في بدنه هو الذي قد تمت أبعاضه وكذلك الكامل في خصاله من تمت خصاله منا نحو كمال الرجل في علمه وعقله ورأيه وقوله وفصاحته فلما كان الله لا يوصف بالأبعاض لم يجز أن يوصف بالكمال في ذاته ولا بالنقصان ولما لم يجز أن يشرف بأفعاله لم يجز أن يوصف بالكمال في ذاته من جهة الأفعال وكذلك لا يوصف بأنه وافر لأن معنى ذلك كمعنى الكامل وكذلك لا يقال تام لأن تأويل التام والكامل واحد.
وقال: لا يجوز أن يوصف بالشجاعة لأن الشجاعة هي الجرأة على المكاره وعلى الأمور المخوفة.
стр. 738
وكان يزعم أن الوصف لله - سبحانه - بأنه مختار معناه أنه مريد إذ لم يكن ملجأً إلى ما أراده ولا مكرهاً ولا مضطراً إليه والإرادة هي الاختيار وكذلك القول في أن الإنسان مختار عنده وأن الاختيار غير المختار كما أن الإرادة غير المراد وأن اختيار الله للأنبياء هو اختياره لإرسالهم وهو إرادته لذلك.
وزعم أن معنى الاصطفاء من الله للأنبياء برسالته هو اختصاصه إياهم بها وليس معنى الاصطفاء معنى الاختيار لأن كل ما يريده الإنسان من غير أن يلجأ إليه فهو مختار له كما يكون مختاراً للأكل والشرب ولا يكون مصطفياً لذلك.
وزعم أن الإرادة ليس هي الضمير وأن الضمير محل الإرادة.
وزعم أن معنى أن الله يمتحن عباده ويختبرهم هو أنه يكلفهم وذلك توسع وإنما معنى ذلك أنه يكلفهم طاعته فلذلك لم يجز أن يقال: يجربهم وكذلك معنى يبتلي أنه يكلفهم.
стр. 739
٢٥٤ - اختلافهم في الترك
فأما الترك فقد اختلف الناس في ذلك:
١ - فجوز قوم على الله - سبحانه - الترك وأنه فعل شيئاً فقد ترك بفعل الشيء فعل ضده.
٢ - وقد قال الحسين بالترك وأن البارئ لم يزل تاركاً.
٣ - وقال قائلون: لا يجوز على البارئ الترك وليس الترك منه معنى كما لا يجوز عليه كف النفس ومنعها وكما لا يوصف بالامتناع والكف.
стр. 740
٢٥٥ - معنى أنه لم يزل خالقا
القول أن البارئ لم يزل خالقاً:
١ - قال أكثر أهل الكلام: لا يجوز إطلاق ذلك.
٢ - وقال قائلون: قد يجوز أن يقال: لم يزل البارئ خالقاً على أن سيخلق.
٣ - وقال قائلون: لم يزل البارئ خالقاً على إثباته لم يزل خالقاً في الحقيقة وهذا قول بعض الرافضة.
стр. 741
٢٥٦ - تفصيل مقالة ابن كُلَّاب
شرح قول عبد الله بن كلاب
١ - قال عبد الله بن كلاب: إن الله - سبحانه - لم يزل قديماً بأسمائه وصفاته وأنه لم يزل عالماً قادراً حياً سميعاً بصيراً عزيزاً جليلاً كبيراً عظيماً جواداً متكبراً واحداً صمداً فرداً باقياً أولاً سيداً مالكاً رباً رحماناً مريداً كارهاً محباً مبغضاً راضياً ساخطاً موالياً معادياً قائلاً متكلماً بعلم وقدرة وحياة وسمع وبصر وعزة وجلال وعظمة وكبرياء وكرم وجود وبقاء وإلهية ورحمة وإرادة وكراهة وحب وبغض ورضى وسخط وولاية وعداوة وكلام وأن ذلك من صفات الذات وأن صفات الله - سبحانه - هي أسماؤه وأنه لا يجوز أن توصف الصفات بصفة ولا تقوم بأنفسها وأنها قائمة بالله.
وزعم أنه موجود لا بوجود وأنه شيء لا بمعنى له كان شيئاً وأن صفاته لا هي هو ولا غيره وكذلك القول في الصفات أنها لا تتغاير كما أنها ليست بغيره وأن العلم لا هو القدرة ولا غيرها وكذلك سائر الصفات.
٢ - وقال بعض أصحابه: الصفات لا يقال هي هو ولا يقال غيره وكذلك لا يقال: كل صفة هي الأخرى ولا يقال غيرها ومنعوا العبارة الأولى.
٣ - وقال قائلون: إن البارئ - سبحانه - ليس بغير صفاته وصفاته متغايرة قول حارث.
стр. 742
٢٥٧ - قول أصحاب ابن كلاب في القديم
واختلف أصحاب عبد الله ابن كلاب في القديم أنه قديم.
١ - فقال بعضهم: هو قديم بقدم.
٢ - وقال بعضهم: هو قديم لا بقدم كما أن المحدث محدث لا بإحداث.
стр. 743
٢٥٨ - هل الصفات أشياء أم لا ؟
واختلفوا في الصفات هل هي أشياء أم لا؟:
١ - فأثبت بعضهم الصفات أشياء.
٢ - ومنع ذلك بعضهم وقال: إذا قلت شيء بصفاته استغنيت عن ذلك.
٣ - وكذلك قال بعض أصحابه: أن الصفات قديمة.
٤ - ومنع بعضهم أن يقال: قديمة أو حديثة لأنا إذا قلنا قديم استغنينا عن ذلك.
٥ - وزعم أنه لم يزل راضياً عمن يعلم أنه يموت مؤمناً وإن كان أكثر عمره كافراً ساخطاً على من يعلم أنه يموت كافراً وإن كان أكثر عمره مؤمناً وإرادة الله - سبحانه - لكون الشيء هي الكراهة أن لا يكون.
٦ - وقال سليمان بن جرير: علم الله - سبحانه - لا هو الله ولا هو غيره ووجهه هو هو وعلمه شيء وقدرته شيء ولا أقول: صفاته أشياء.
٧ - وقال ابن كلاب في الوجه والعين واليدين أنها صفات لله لا هي الله ولا هي غيره كما قال في العلم والقدرة غير أنه ثبت هذا خبراً.
стр. 744
٢٥٩ - معنى القول إن الله قادر
القول في أن الله - سبحانه - قادر؟
قد اختلف المتكلمون في ذلك اختلافاً كثيراً فمما اختلفوا فيه القول هل يوصف البارئ بأنه قادر على الأعراض؟
١ - فقال المسلمون كلهم أجمعون إلا معمراً: إن الله قادر على الأعراض والحركات والسكون والألوان والحياة والموت والصحة والمرض والقدرة والعجز وسائر الأعراض.
٢ - وقال معمر بالتعجيز لله وأنه لا يوصف القديم بأنه قادر إلا على الجواهر وأما الأعراض فلا يجوز أن يوصف بالقدرة عليها وأنه ما خلق حياة ولا موتاً ولا صحة ولا سقماً ولا قوة ولا عجزاً ولا لوناً ولا طعماً ولا ريحاً وأن ذلك أجمع فعل الجواهر بطبائعها وأن من قدر على الحركة قدر أن يتحرك ومن
стр. 745
قدر على السكون قدر أن يسكن كما أن من قدر على الإرادة قدر أن يريد وأن البارئ قد يريد ويكره وذلك قائم به لا في مكان وكذلك تحريكه وتسكينه قائم به وهو إرادته.
فيقال له: إذا قلت: إن البارئ قادر على التحريك والتسكين فقل: قادر على أن يتحرك ويسكن فإن كان من قدر على تحريك غيره وتسكينه لا يوصف بالقدرة أن يتحرك فكذلك من وصف بالقدرة على حركة غيره لا يوصف بالقدرة على أن يتحرك.
٣ - وخالف أهل الحق أهل القدر ومعمراً في ذلك فقالوا: قد يوصف القديم بالقدرة على إنشاء الحركة ولا يوصف بالقدرة على التحرك.
стр. 746
٢٦٠ - هل يقدر القديم على ما أقدر عليه ؟
واختلف الناس أيضاً في القول: هل يقدر القديم على ما أقدر عليه عباده أو لا يجوز ذلك؟
١ - فقال إبراهيم وأبو الهذيل وسائر المعتزلة والقدرية إلا الشحام: لا يوصف البارئ بالقدرة على شيء يقدر عليه عباده ومحال أن يكون مقدور واحد لقادرين.
٢ - وقال الشحام: إن الله يقدر على ما أقدر عليه عباده وأن حركة واحدة مقدورة تكون مقدورة لقادرين لله وللإنسان فإن فعلها القديم كانت اضطراراً وأن فعلها المحدث كانت اكتساباً وأن كل واحد منهما يوصف بالقدرة على أن يفعل وحده لا على أن القديم يوصف بالقدرة على أن تكون الحركة فعلاً له وللإنسان ولا يوصف الإنسان بالقدرة على أن تكون الحركة فعلاً له والقديم ولكن يوصف البارئ بأنه قادر أن يخلقها ويوصف الإنسان بأنه قادر أن يكتسبها.
٣ - وقال أهل الحق والإثبات: لا مقدور إلا والله - سبحانه - عليه قادر كما أنه لا معلوم إلا والله به عالم وما بين أن يكون مقدور لا يوصف الله - سبحانه - بالقدرة عليه وبين أن يكون معلوم لا يعلمه فرقان.
стр. 747
٢٦١ - هل يقدر الله على جنس ما أقدر عليه عباده ؟
واختلفت المعتزلة: هل يجوز أن يقدر الله - سبحانه - على جنس ما أقدر عليه عباده أو لا يوصف بالقدرة على ذلك؟
١ - فقال البغداديون من المعتزلة: لا يوصف البارئ بالقدرة على فعل عباده ولا على شيء هو من جنس ما أقدرهم عليه ولا يوصف بالقدرة على أن يخلق إيماناً لعباده يكونون به مؤمنين وكفراً لهم يكونون به كافرين وعصياناً لهم يكونون به عاصين وكسباً يكونون به مكتسبين.
وجوزوا الوصف له بالقدرة على أن يخلق حركة يكونون بها متحركين وإرادة يكونون بها مريدين وشهوة يكونون بها مشتهين وزعموا أن الحركة التي يفعلها الله مخالفة للحركة التي يفعلها الإنسان وأن الإنسان لو أشبه فعله فعل الله لكان مشبهاً لله
ولم يصف كثير منهم البارئ بالقدرة على أن يخلق معرفة بنفسه يضطر عباده إليها.
٢ - وقال محمد بن عبد الوهاب الجبائي وكثير من المعتزلة: إن البارئ - سبحانه - قادر على ما هو من جنس ما أقدر عليه عباده من الحركات والسكون وسائر ما أقدر عليه العباد وأنه قادر على أن يضطرهم إلى ما هو من جنس ما أقدرهم عليه وإلى المعرفة به - سبحانه -.
وكان لا يصف ربه بالقدرة على أن يخلق إيماناً يكونون به مؤمنين وكفراً يكونون به كافرين وعدلاً يكونون به عادلين وكلاماً يكونون به متكلمين لأن معنى متكلم أنه فعل الكلام عنده وكذلك القول في سائر ما ذكرناه من العدل والجور عنده وكذلك يحيل ذلك في كل شيء يوصف به الإنسان ومعنى ذلك أنه فاعل مما اشتق له الاسم منه.
٣ - وقال أبو الهذيل: لا تشبه أفعال الإنسان فعل البارئ على وجه من الوجوه وكان لا يصف الأعراض بأن تشتبه.
٤ - وقال أهل الحق والإثبات: إن البارئ قادر على أن يخلق إيماناً يكون عباده به مؤمنين وكفراً يكونون به كافرين وكسباً يكونون به مكتسبين وطاعة يكونون بها مطيعين ومعصية يكونون بها عاصين.
стр. 748
وأنكر أكثر أهل الإثبات أن يكون البارئ موصوفاً بالقدرة على أن يضطر عباده إلى إيمان يكونون به مؤمنين وكفر يكونون به كافرين وعدل يكونون به عادلين وجور يكونون به جائرين.
٤ - وقال أبو الهذيل: إن البارئ يضطر عباده في الآخرة إلى صدق يكونون به صادقين وكلام يكونون به متكلمين فيلزمه أن يجوز القدرة أن يضطرهم إلى كفر يكونون به كافرين وجور يكونون به جائرين وإلا كان مناقضاً.
٧ - فأما أنا فأقول: إن كل ما وصف بالقدرة على أن يخلقه كسباً لعباده فهو قادر أن يضطرهم إليه وجائز أن يضطرهم الله - سبحانه - إلى الجور.
٨ - والمعتزلة يصفون البارئ - سبحانه - بالقدرة على أن يلجئ العباد إلى فعل ما أراده منهم.
٩ - وأنكر محمد بن عيسى ذلك وقال: لو ألجأهم لم يكونوا مؤمنين وكذلك لو ألجأهم إلى العدل لم يكونوا عادلين وكذلك لو ألجأهم إلى الكفر لم يكونوا كافرين لأنهم أمروا أن يأتوا بالإيمان طوعاً وأن يتركوا الكفر طوعاً فإذا أتوا به كرهاً وتركوا الكفر كرهاً لم يكونوا مؤمنين.
وكان يقول: إذا فعل الله - سبحانه - علماً كان غيره به عالماً وكذلك كل علم يفعله فغيره به عالم وكذلك القول في كل شيء يفعله فكان غيره موصوفاً به وكذلك إذا فعل شهوة فغيره بها مشته وكل شهوة يفعلها فغيره بها مشته وإذا فعل عدلاً فهو به عادل وكل عدل يفعله فهو به عادل ولا يوصف البارئ بأنه قادر أن يخلق جوراً لغيره وعن غيره أنالبارئ قادر على جور غيره وإيمان غيره وكفر غيره فقوله أن الله - سبحانه - قادر كلام صحيح وقوله: على جور غيره وإيمان غيره وقول غيره خطأ. وكذلك لا يجوز أن يقال: إن البارئ قادر على خلق كسب غيره ولا يقال: إنه قادر أن يخلق كسب غيره والقول في هذه المسألة: قادر صواب والقول: "إنه يخلق كسب غيره" و "على كسب غيره" خطأ.
وكان يقول: إن البارئ قادر على الجور ولا أقول: "قادر أن يجور" و "لم يزل قادراً على الفعل" ولا أقول: "لم يزل قادراً على أن يفعل" لأن القول: قادر أن يفعل إخبار أنه قادر وأنه يفعل كالقول: عالم أنه يفعل. وزعم أن العدل ما فعله الله - سبحانه - والجور هو ما لم يفعله وأنه لا
стр. 749
يوصف البارئ - سبحانه - بأنه قادر على عدل لم يفعله واعتل بأنه لو جاز أن يفعل البارئ ما هو عدل لجاز أن يفعل ما هو جور.
وكان يعارض من قال: إن القادر على الفعل قادر أن يفعل.
١٠ - وكان معمر يقول: إن القادر على الحركة قادر أن يتحرك وكان يقول: لما قلتم أنه يقدر على الحبل من لا يقال أنه قادر أن يحبل كذلك قادر على الجور من لا يقال أنه قادر أن يجور.
وكان يعارض أبا الهذيل فيقول له: إذا قدر القديم على الصدق فيجب أن يكون قادراً على أن يصدق وهذا يوجب أن يكون قادراً على أن يصدق أهل الجنة.
١١ - وقال كل من ثبت البارئ قادراً على الظلم والجور من المعتزلة: إن البارئ قادر أن يظلم ويجور.
١٢ - وقال أهل الإثبات: إن البارئ قادر على ظلم غيره وجوره وإيمانه وكسبه ولا يوصف بالقدرة على أن يظلم ويجور ولا بالقدرة على أن يكتسب ولم يصفوا ربهم بالقدرة على ظلم لا يكتسبه العباد.
إلا طوائف منهم فإنهم قالوا: إن الله قادر أن يضطر العباد إلى ظلم وجور ولا جور في العالم ولا ظلم فيه إلا والله - سبحانه - فاعل لذلك.
١٣ - وقال النظام وأصحابه وعلي الأسواري والجاحظ وغيرهم: لا يوصف الله - سبحانه - بالقدرة على الظلم والكذب وعلى ترك الأصلح من الأفعال إلى ما ليس بأصلح وقد يقدر على ترك ذلك إلى أمثال له لا نهاية لها مما يقوم مقامه.
وأحالوا أن يوصف البارئ بالقدرة على عذاب المؤمنين والأطفال وإلقائهم في جهنم.
١٤ - وقال أبو الهذيل: إن الله - سبحانه - يقدر على الظلم والجور والكذب وعلى أن يجور ويظلم ويكذب فلم يفعل ذلك لحكمته ورحمته ومحال أن يفعل شيئا من ذلك.
١٥ - وقال أبو موسى وكثير من المعتزلة: إن الله - سبحانه - يقدر على الظلم والكذب ولا يفعلهما فإذا قيل: فلو فعلهما؟ قالوا: لا يفعلهما أصلاً وهذا الكلام قبيح لا يحسن إطلاقه في رجل من صلحاء المسلمين فكذلك لا يطلق في الله وليس بجائز أن يقول قائل: لو زنى أبو بكر وكفر علي
стр. 750
كيف يكون القول فيهما؟ وقد علمنا أن الله - سبحانه - لا يظلم بالدلائل فلذلك نستقبح القول: لو فعل الظلم.
وكان أبو موسى إذا جدد القول عليه قال: لو ظلم مع وجود الدلائل على أنه لا يظلم لكانت تدل دلائل على أنه يظلم وكان يكون رباً إلهاً قادراً ظالماً.
قالوا: فأما الجهل فالقول فيه على وجهين! إن أراد السائل بالجهل الأفعال التي تسمى جهلاً فالقول فيه كالقول في الظلم والكذب وإن أراد جهل الذات بالأشياء على معنى أنها تخفى عليه فنحن لم نقل أنه قادر على أضداده.
١٦ - وكان بشر بن المعتمر إذا سئل فقيل له: هل يقدر الله - سبحانه - أن يعذب الطفل؟ قال: نعم ولو عذبه لكان كافراً بالغاً مستحقاً للعذاب.
١٧ - وكان أبو الهذيل إذا قيل له: فلو فعل الله الظلم قال: محال أن يفعله.
١٨ - وكان محمد بن شبيب يقول: يقدر الله أن يظلم ويجور ويكذب ولكن الظلم والكذب لا يكونان إلا ممن به آفة فعلمت أنه لا يكون من الله .
واعتل بأن الله - سبحانه - لو خبرنا أنه لا يدخل هذه الدار إلا حمار وكان الإنسان قادراً على دخولها لم تكن قدرته على ذلك قدرة على أن يكون حماراً فكذلك الجور لا يكون إلا من منقوص وليس قدرة البارئ على الجور قدرة على أن يكون منقوصاً.
١٩ - وقال بعض المتكلمين: يقدر الله أن يفعل الظلم وخلافه والصدق وخلافه قال: فإن قال قائل: أفمعكم أمان من أن يفعله؟ قلنا: نعم هو ما أظهر من حكمته وأدلته على نفي الظلم والجور والكذب فإن قيل: أفيقدر مع الدليل أن يفعل الظلم والكذب قال: نعم يقدر مع الدليل أن يفعل مفرداً من الدليل لا بأن نتوهم الدليل دليلاً والظلم واقعاً لأن في توهمنا الدليل دليلاً علماً بأن الظلم لا يقع وإذا قلت يفعل الظلم توهمت الظلم واقعاً وعلمته كائناً مع علمك أنه غير كائن ومحال أن يجتمع العلم والتوهم بوقوعه والعلم والتوهم بأنه غير واقع فلم يجز اجتماع هذين التوهمين وهذين العلمين في قلب واحد.
قال: ونظير ذلك أن قائلاً لو قال: يقدر من أخبر الله أنه لا يؤمن على الإيمان؟ قيل له: يقدر مع وجود الخبر أن يفعل الإيمان ولا بأن نتوهم وقوع الإيمان ووجود الخبر ولكن على أن نتوهم وقوع الإيمان مفرداً من وجود الخبر وإلى هذا القول كان يذهب جعفر بن حرب.
стр. 751
وذهب إلى هذا القول البلخي وزعم أن الظلم لو وقع لكانت العقول بحالها ولكن الأشياء التي يستدل بها العقول كانت تكون غير هذه الأشياء الدالة يومنا هذا وكانت تكون هي هي ولكن على خلاف هيئاتها ونظمها واتساقها التي هي عليه اليوم.
٢٠ - وكان الإسكافي يقول: يقدر الله - سبحانه - على الظلم ولا يقع لأن الأجسام تدل بما فيها من العقول والنعم التي أنعم بها على خلقه أن الله لا يظلم والعقول تدل بأنفسها على أن الله - سبحانه - ليس بظالم وأنه ليس يجوز أن يجامع الظلم ما دل لنفسه على أن الظلم لا يقع منه.
فإذا قيل له: فلو وقع الظلم منه كيف كانت تكون القصة؟ قال: يقع والأجسام معراة من العقول التي دلت بأنفسها وبعينها على أنه لا يظلم.
٢١ - وكان الفوطي وعباد إذا قيل لهما: فلو فعل الظلم كيف كانت تكون القصة أحالا هذا القول وقالا: إن أراد القائل بقوله: "لو" الشك فليس عندنا شك في أنه لا يظلم وإن أراد القائل بقوله: "لو" النفي فقد قال: إن الله لا يظلم ولا يجور.
стр. 752
٢٦٢ - قولهم في قدرة الله على ما علم أنه لا يكون
القول في أن الله قادر على ما علم أنه لا يكون:
١ - قال أكثر المنتحلين للتوحيد: إن الله قادر على ما علم أنه لا يكون وأخبر أنه لا يكون.
فإذا قيل لهم: فلو فعل ذلك اختلفوا في الجواب فقال أكثرهم: لو فعل ذلك لكان عالماً أنه يفعله فلم يكن الخبر بأنه لا يفعله سابقاً ولكن الخبر بأنه يفعله سابقاً.
٢ - وكان علي الأسواري يحيل أن يقرن القول أن الله يقدر على الشيء أن يفعله بالقول أنه عالم أنه لا يكون وأنه قد أخبر أنه لا يكون وإذا أفرد أحد القولين من الآخر كان الكلام صحيحاً وقيل أن الله - سبحانه - قادر على ذلك الشيء أن يفعله.
٣ - وقال سليمان بن جرير: إن قال قائل: تقولون: إن الله قادر على فعل ما
стр. 753
علم أنه لا يفعله؟ قلنا: هذا كلام له وجهان: إن كنتم تعنون ما جاء به الخبر أنه لا يفعله فلا يجوز القول يقدر عليه ولا لا يقدر عليه لأن القول بذلك محال وأما ما لم يجئ به خبر فإن كان مثل ما في العقول دفعه عن الله أن يوصف به وأن من وصفه به محيل فالجواب في ذلك مثل الجواب فيما جاء به الخبر من إحالة القولين وأما ما لم يجئ به خبر وليس في العقول ما يدفعه فإن القول أنه يقدر على ذلك جائز وإنما جاز ذلك لجهلنا بالمغيب منه وأنه ليس في عقولنا ما يدفعه وأنا قد رأينا مثله مخلوقاً فإن قالوا: فيعلم البارئ أنه قادر على فعل ما علم أنه لا يفعله قيل: لهذا وجهان إن كنتم تعنون أنه يعلم أنه لا يفعله وأنه يقدر على فعل ما علم أنه لا يفعله والعلم موجود بأنه لا يفعله فالسؤال في هذا محال وإن كنتم تعنون أنه قادر على فعل ما علم أنه لا يفعله على معنى أنه لو فعله كان هو المعلوم وأن القدرة عليه جائزة لو كان المعلوم أنه كائن فقد نقول أنه قادر على فعل ما علم أنه لا يفعله على هذا المعنى.
٤ - وقال عباد: ما علم الله أنه لا يكون لا أقول أنه قادر على أن يكون ولكن أقول: قادر عليه كما أقول: الله عالم به ولا أقول: عالم بأن يكون لأن إخباري بأن الله قادر على أن يكون ما علم أنه لا يكون إخبار أنه يقدر وأنه يكون وكذلك الجواب فيما أخبر الله أنه لا يكون عنده وكان إذا قيل له: فلو فعل ما علم أنه لا يفعله أحال قول القائل.
٥ - وكان محمد بن عبد الوهاب الجبائي إذا قيل له: فلو فعل القديم ما علم أنه لا يكون وأخبر أنه لا يكون كيف كان يكون العلم والخبر أحال ذلك.
وكان يقول مع هذا: لو آمن من علم الله أنه لا يؤمن لأدخله الله الجنة.
وكان يزعم أنه إذا وصل مقدور بمقدور صح الكلام كقوله: لو آمن الإنسان أدخله الله الجنة وكان الإيمان خيراً له وكقول الله : ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨] فالرد مقدور فقال: لو كان الرد المقدور لكان منهم عود مقدور ويزعم أنه إذا وصل محال بمحال صح الكلام كقول القائل: لو كان الجسم متحركاً ساكناً في حال لكان حياً ميتاً في حال وما أشبه ذلك ويزعم أنه إذا وصل مقدور بما هو مستحيل استحال الكلام وهذا كقول القائل: لو آمن من علم الله وأخبر أنه لا يؤمن كيف كان يكون العلم والخبر؟ وذلك أنه إن قال: كان يكون الخبر عن أنه يؤمن سابقاً بأن لا يكون كان الخبر الذي كان بأنه لا يؤمن وبأن لا يكون لم يزل عالماً استحال الكلام لأنه يستحيل أن لا يكون ما قد كان
стр. 754
بأن لا يكون كان ويستحيل أن لا يكون البارئ عالماً بما لم يزل عالماً به بأن لا يكون لم يزل عالماً وإن قال: كان يكون الخبر عن أنه لا يكون والعلم بأنه لا يكون ثابتاً صحيحاً وإن كان الشيء الذي علم وأخبر أنه لا يكون استحال الكلام فلما كان على أي وجه أجيب عن ذلك استحال الكلام لم يكن الوجه في الجواب إلا نفس إحالة سؤال السائل.
стр. 755
٢٦٣ - قولهم في قدرة الإنسان على ما علم الله أنه لا يكون
واختلفوا في قدرة الإنسان على ما علم الله أنه لا يكون
١ - فأجازت المعتزلة ذلك.
٢ - وأنكره أهل الإثبات.
стр. 756
٢٦٤ - قولهم في جواز كون ما علم الله أنه لا يكون
واختلفوا في جواز كون ما علم الله أنه لا يكون.
١ - فقال أكثر المعتزلة: ما علم الله أنه لا يكون لاستحالته أو للعجز عنه فلا يجوز كونه مع استحالته ولا مع العجز عنه.
٢ - ومن قال: إنه يجوز أن يكون المعجوز عنه بأن يرتفع العجز عنه وتحدث القوة عليه فيكون الله عالماً بأنه يكون يذهب بقوله: "يجوز" إلى أن الله قادر على ذلك فقد صدق وما علم الله أنه لا يكون لترك فاعله له فمن قال: يجوز أن يكون بأن لا يتركه فاعله ويفعل أخذه بدلاً من تركه فيكون الله عالماً بأنه يفعله يريد بقوله: "يجوز" يقدر فذلك صحيح.
٣ - وقال الأسواري مثل ما حكيناه من إنكاره أن يقال أن الله قادر على أن يكون ما علم أنه لا يكون.
٤ - وقال عباد بن سليمان: قول من قال: يجوز أن يكون ما علم الله أنه لا يكون كقوله: يكون ما علم الله أنه لا يكون وأحال القول: يجوز ما علم الله أنه لا يكون لأن معنى يجوز معنى يكون عنده.
стр. 757
٥ - وقال محمد بن عبد الوهاب الجبائي: ما علم الله - سبحانه - أنه لا يكون وأخبر بأنه لا يكون فلا يجوز أن يكون عند من صدق بأخبار الله وما علم الله أنه لا يكون ولم يخبر بأنه لا يكون فجائز عندنا أن يكون وتجويزنا لذلك هو الشك في أن يكون أو لا يكون لأن يجوز عنده بمعنى الشك وبمعنى يحل.
٦ - وكل المعتزلة لا يجوز أن يكون الشيء في حال كون ضده على البدل بأن لا يكون كان ضده.
٧ - وينكر ذلك ممن قال ذلك من أهل الإثبات ويقول أكثرهم: إنه جائز أن يكون ما أخبر الله أنه لا يكون بأن لا يكون كان أخبر أنه لا يكون فإن كان تجويزهم لهذا ليس بتجويز لأن يكون الشيء كائناً لا كائناً في حال واحدة فكذلك تجويز من جوز كون الشيء في حال كون ضده من أهل الإثبات ليس بتجويز لاجتماع المتضادات.
стр. 758
٢٦٥ - هل يقدر الله أن يقدر أحداً على فعل الأجسام ؟
واختلف الناس: هل يقدر الله - سبحانه - أن يقدر أحداً على فعل الأجسام أم لا؟ يوصف بالقدرة على ذلك؟ وهل يقدر الله أن يقدر أحداً على فعل الحياة والموت أم لا يوصف بالقدرة على ذلك؟.
١ - فقال معمر: لا يوصف الله - سبحانه - بالقدرة على أن يخلق قدرة لأحد وما خلق الله لأحد قدرة على موت ولا حياة ولا يجوز ذلك عليه.
٢ - وقال النظام والأصم: لا يوصف الله بالقدرة على أن يخلق قدرة غير القادر وحياة غير الحي وأحالا ذلك.
٣ - وقال عامة أهل الإسلام: إن الله - سبحانه - قد أقدر العباد وأحياهم وأنه لا يقدر أحد إلا بأن يخلق الله له القدرة ولا يكون حياً إلا بأن يخلق الله له الحياة.
٤ - وقال قائلون من المشبهة: إن الله - سبحانه - قد أقدر العباد على فعل الأجسام وأنه لا يفعل إلا ما كان جسماً وأن العباد يفعلون الأجسام الطويلة العريضة العميقة.
стр. 759
٥ - وقال قوم من الغالية: إن الله - سبحانه - قد أقدر علي بن أبي طالب -رضوان الله عليه- على فعل الأجسام وفوض إليه الأمور والتدبيرات.
٦ - وقال قوم منهم: إن الله - سبحانه - قد أقدر نبيه ﵇ على فعل الأجسام واختراع الأنام وهذا كقول من قال من النصارى: إن الله خص عيسى بلطيفة يخترع بها الأجرام وينشئ بها الأجسام وهو كقول من قال من اليهود أن الله - سبحانه - خلق ملكاً وأقدره على خلق الدنيا فذلك الملك هو الذي خلق الدنيا وأبدعها وأرسل الرسل وأنزل الكتب وهو قول أصحاب ابن ياسين وهو مشتق من قول أصحاب الفلك الذين قالوا: إن الله خلق الفلك وأن الفلك هو الذي خلق الأجسام وأبدع هذا العالم الذي يلحقه الكون والفساد وأن ما أبدعه البارئ لا يلحقه كون ولا فساد.
٧ - وقال بعض الضعفاء من العامة: إن النبيين هم الذين فعلوا المعجزات والأعلام التي ظهرت عليهم.
٨ - وقال عامة أهل الإسلام: لا يجوز أن يقدر الله - سبحانه - مخلوقاً على خلق الأجسام ولا يوصف البارئ بالقدرة على أن يقدر أحداً على ذلك ولو جاز ذلك لم يكن في الأشياء دلالة على أن خالقها ليس بجسم.
٩ - وأما الحياة والموت وسائر الأعراض فقد أنكر الوصف لله - سبحانه - بالقدرة على الإقدار عليها كثير من أهل النظر حتى أنكروا أن يوصف الله - سبحانه - بالقدرة على أن يقدر أحداً على لون أو طعم أو رائحة أو حرارة أو برودة وكل عرض لا يجوز أن يفعله الإنسان فحكمه هذا الحكم عندهم وهذا قول أبي الهذيل والجبائي.
١٠ - وقال قوم: يجوز أن يقدر الله - سبحانه - عباده على فعل الألوان والطعوم والأراييح والإدراك بل قد أقدرهم على ذلك ولا يجوز أن يقدر أحداً على الحياة والموت وهذا قول بشر بن المعتمر.
١١ - وكان أبو الحسين الصالحي يقول في كل الأعراض من الحياة والموت وغيرهما: إن الله قادر على أن يقدر عباده على ذلك وينكر الوصف لله بالقدرة على أن يقدرهم على الجواهر.
١٢ - وقال النظام: لا يجوز أن يقدر الله - سبحانه - أحداً إلا على الحركات لأنه لا عرض إلا الحركات وهي جنس واحد ولا يجوز أن يقدر على الجواهر ولا على أن يخلق الإنسان في غيره حياة.
١٣ - وقال أكثر المعتزلة: إن الله قد أقدر العباد أن يفعلوا في غير حيزهم.
стр. 760
١٤ - وقال بعض المتكلمين: إن العباد قد أعجزهم الله - سبحانه - عن اختراع الجواهر لأنفسهم وهم عاجزون عن ذلك لأعيانهم.
١٥ - وقال بعضهم: لا يوصفون بالقدرة على ذلك ولا بالعجز عنه لاستحالته.
١٦ - وقال النجار: إن الإنسان قادر على الكسب عاجز عن الخلق وأن المقدور على كسبه هو المعجوز عن خلقه.
١٧ - وأبى ذلك غيره وقالوا: لا نقول: إن الله - سبحانه - أعجزنا عن الخلق ولا نقول: أقدرنا عليه لاستحالة ذلك وإن كنا قادرين على الكسب كما أن الحركة التي يقدر البارئ عليها لا يوصف بالقدرة على أن يحلها الله في نفسه ولا بالعجز.
стр. 761
٢٦٦ - هل يقدر الله أن يقلب العرض جسما وعكسه ؟
واختلفوا: هل يقدر الله - سبحانه - أن يقلب الأعراض أجساماً والأجسام أعراضاً؟
١ - فقال قائلون: الأشياء إنما كانت على ما هي عليه بأن خلقها على ما هي عليه وهو قادر على أن يقلب الأجسام أعراضاً والأعراض أجساماً.
وأكثر القائلين بهذا القول يقولون: الجسم إنما هو أخلاط كنحو الطعم واللون والرائحة والبرودة والرطوبة واليبوسة وكذا وكذ.
٢ - وقال قائلون: الوصف لله بالقدرة على هذا يستحيل لأن القلب إنما هو إبطال أعراض من الشيء وخلق أعراض فيه والأعراض فليست محتملة لأعراض تبطل منها وتوجد فيها غيرها فتنقلب والأعراض لم تكن أعراضاً لأعراض خلقت فيها فتكون الأجسام إذا حلتها تلك الأعراض انقلبت أعراضاً واعتلوا بعلل غير هذه العلة.
стр. 762
٢٦٧ - هل يقدر الله على صيرورة الجسم جزءا لا يتجزأ
واختلفوا هل يوصف البارئ بالقدرة على أن يرفع جميع اجتماع الأجسام حتى تكون أجزاءً لا تتجزأ؟:
١ - فأنكر ذلك النظام ومن أنكر الجزء الذي لا يتجزأ.
стр. 763
٢٦٨ - هل يجمع الله بين العلم والقدرة والموت ؟
واختلفوا: هل يقدر الله أن يجمع بين العلم والقدرة والموت وكذلك بين الإرادة والموت أم لا؟
١ - فقال أكثر أهل الكلام: يستحيل أن يجمع الله - سبحانه - بين القدرة والعلم والإرادة والموت كما يستحيل أن يجمع بين الحياة والموت وهذا قول أبي الهذيل ومعمر وهشام وبشر بن المعتمر وسائر المعتزلة.
стр. 764
٢٦٩ - هل يجوز أن يفرد الله الحياة من القدرة ؟
واختلف هؤلاء: هل يجوز أن يفرد الله الحياة من القدرة أم لا؟
١ - فأجاز ذلك أبو الهذيل.
٢ - وأنكره عباد.
٣ - وقال صالح وأبو الحسين المعروف بالصالحي: إن الله - سبحانه - قادر على أن يجمع بين العلم والقدرة والموت كما جمع بين الحياة والجهل والعجز والكراهة لأنه إذا جامع عرض من الأعراض جاز أن يجامع ضده ضد ذلك العرض وما ضاد عرضاً من الأعراض ضاد ضده ضد ذلك العرض فلو كان العلم يضاد الموت لكانت الحياة تضاد الجهل ولو كانت القدرة والإرادة تضادان الموت لكانت الكراهة والعجز يضادان الحياة فلما جاز كون الجهل والعجز والكراهة مع الحياة جاز كون العلم والقدرة والإرادة مع الموت وأحالوا أن يوصف البارئ بالقدرة على أن يجمع بين الحياة والموت وجوزوا القدرة على أن يفرد الله - سبحانه - الحياة من القدرة.
٤ - وثبت أبو الحسين وأبو الهذيل ومن ذهب إلى قول قدرة الله - سبحانه - على خلق الإدراك مع العمى فزعم أبو الهذيل أن الإدراك هو علم القلب وزعم الصالحي أن الإدراك مع العمى يجوز أن يحلا في موضع واحد لأن العمى لو ضاد الإدراك لضاد البصر الذي هو ضد العمى.
وأنكر هذا سائر المعتزلة.
стр. 765
ووصفا ربهما بالقدرة على أن يجمع بين القطن والنار ولا يقع إحراق وبين الحجر على ثقله والجو على رقته ولا يفعل هبوطاً.
وأنكر ذلك قوم آخرون:
٥ - فأما محمد بن عبد الوهاب الجبائي فإنه لا يصف ربه بالقدرة على أن يخلق الإدراك مع العمى لأن العمى عنده ضد الإدراك ويصف ربه بالقدرة على أن يجمع بين النار والقطن ولا يخلق إحراقاً وأن يسكن الحجر في الجو فيكون ساكناً لا على عمد من تحته وإذا جمع بين النار والقطن فعل ما ينفي الإحراق وسكن النار فلم تدخل بين أجزاء القطن فلم يوجد إحراق.
٦ - وكان صالح وأبو الحسين يصفان الله بالقدرة على أن يجمع بين البصر الصحيح والمرئي ويرفع الآفات ولا يخلق إدراكاً وأن يكون الفيل بحضرة الإنسان والذرة بالبعد منه وهو مقابل لهما فيخلق فيه إدراكاً للذرة ولا يخلق إدراكاً للفيل.
ويجوزان أن يخلق الله - سبحانه - جوهراً لا أعراض فيه ويرفع الأعراض من الجواهر فتكون لا متحركة ولا ساكنة ولا مجتمعة ولا متفرقة ولا حارة ولا باردة ولا رطبة ولا يابسة ولا ملونة ولا مطعمة ولا قابلة لشيء من الأعراض.
٧ - وأحال ذلك عامة أهل النظر لأنه محال عند كثير من أهل الصلاة أن يوجد الجوهر متعرياً من الأعراض فأما الجمع بين البصر الصحيح والمرئي مع ارتفاع الآفات ولا يخلق إدراكاً فذلك فاسد أيضاً عند كثير من أهل النظر لأن الله إذا لم يخلق عرضاً خلق ما يضاده وإلا لزم تعرى الجواهر من المتضادات ومن الأعراض وعقابها١ وذلك فاسد.
стр. 766
٢٧٠ - القول في وقوف الأرض لا على شيء
اختلف الناس في ذلك.
١ - فقال عامة أهل التوحيد: إن الله قادر على إيقاف الأرض لا على شيء وقد أوقفها لا على شيء وهذا قول أبي الهذيل وغيره.
стр. 767
٢ - وقال قائلون: لا يوصف البارئ بالقدرة على إيقاف الأرض لا على شيء وأن يحركها لا في شيء بل يخلق تحتها في كل وقت جسماً ثم يعدمه بعد وجوده ثم يخلق مع عدمه جسماً آخر تقف الأرض عليه ثم كذلك أبداً لأن الجسم إذا وجد لا حالي لا بد عندهم من أن يكون متحركاً أو ساكناً ويستحيل أن يتحرك المتحرك إلا عن شيء أو يسكن الساكن إلا على شيء.
٣ - وقال قائلون: لا يوصف البارئ بالقدرة على إيقافها لا على شيء غير أنه خلق تحت الأرض جسماً طبعه الصعود وعمله في الصعود كعمل الأرض في الهبوط فلما كافأ ذلك وقفت.
٤ - وقال بعضهم: لا ولكنه خلق الأرض من جنسين جنس ثقيل وجنس خفيف على الاعتدال فوقفت لذلك.
٥ - وذكر ابن الراوندي أن طوائف من المنتحلين للتوحيد قالوا: لا يتم التوحيد لموحد إلا بأن يصف البارئ - سبحانه - بالقدرة على الجمع بين الحياة والموت والحركة والسكون وأن يجعل الجسم في مكانين في وقت واحد وأن يجعل الواحد الذي لا ينقسم مائة ألف شيء من غير زيادة وأن يجعل مائة ألف شيء شيئاً واحداً من غير أن ينقص من ذلك شيئاً ولا يبطله وأنهم وصفوا البارئ - سبحانه - بالقدرة على أن يجعل الدنيا في بيضة والدنيا على كبرها والبيضة على صغرها وبالقدرة على أن يخلق مثله وأن يخلق نفسه وأن يجعل المحدثات قديمة والقديم محدثاً.
وهذا قول لم نسمع به قط ولا نرى أن أحداً يقوله وإنما دلسه اللعين ليعتقده من لا معرفة له ولا علم عنده.
стр. 768
٢٧١ - هل يقدر على خلق جواهر لا أعراض فيها ؟
واختلفوا: هل يوصف البارئ بالقدرة على أن يخلق جواهر لا أعراض فيها أم لا؟
١ - فقال قائلون: قد يوصف البارئ بالقدرة على أن يوجد جواهر لا أعراض فيها فتوجد ولا تكون فيها أعراض.
٢ - وقال قائلون: يستحيل أن يوجد البارئ جواهر لا أعراض فيها أو يوصف بالقدرة على ذلك.
стр. 769
٢٧٢ - هل يقدر على خلق لطيفة لمن علم أنه لا يؤمن لكي يؤمن ؟
واختلفوا: هل يوصف البارئ بالقدرة على لطيفة لو فعلها بمن علم أنه لا يؤمن لآمن؟
١ - فقال أهل الإثبات جميعاً وبشر بن المعتمر وجعفر بن حرب: إن الله - سبحانه - يقدر على لطيفة لو فعلها بمن علم أنه لا يؤمن لآمن غير أن جعفر بن حرب كان يقول: إنه إن فعلها بمن علم أنه لا يؤمن لم يكو يستحق من الثواب على الإيمان ما يستحقه إذا لم يفعلها به فعرضه الله - سبحانه - بأن لم يفعل ذلك به للمنزلة السنية والأصلح لهم ما فعله الله - سبحانه - بهم ولم يكن بشر يقول: إن الله - سبحانه - لو فعل اللطيفة لم يكن الذي فعل به يستحق من الثواب دون ما يستحق إذا لم يفعلها به ثم رجع جعفر بن حرب عن القول باللطف بعد ذلك فيما حكي عنه.
٢ - وقال بشر: إن ما يقدر الله عليه من اللطف لا غاية له ولا نهاية وعند الله من اللطف ما هو أصلح مما فعل ولم يفعله ولو فعله بالخلق آمنوا طوعاً لا كرهاً وقد فعل بهم لطفاً يقدرون به على ما كلفهم.
٣ - وقالت المعتزلة كلها غير بشر بن المعتمر: إنه لا لطف عند الله لو فعله بمن لا يؤمن لآمن ولو كان عنده لطف لو فعله بالكفار لآمنوا ثم لم يفعل بهم ذلك لم يكن مريداً لمنفعتهم فلم يصفوا ربهم بالقدرة على ذلك تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.
٤ - وقال أكثر هؤلاء في جواب من سألهم: "هل يوصف البارئ أنه قادر على أصلح مما فعله عباده؟ " إن أردتم أن الله - سبحانه - يقدر على أمثال الذي هو أصلح مما فعله بعباده فالله يقدر من أمثاله على ما لا غاية له ولا نهاية وإن أردتم يقدر على شيء أصلح من هذا قد ادخره عن عباده مع علمه بحاجتهم إليه في إدراك ما كلفم فإن أصلح الأشياء هو الغاية ولا شيء يتوهم وراء الغاية فيقدر عليه أو يعجز عنه لأن ما فعله بهم فهو غاية الصلاح.
وهذا - زعموا - كقول من قال: يقدر الله - سبحانه - أن يخلق صغيراً أصغر من الجزء الذي لا يتجزأ.
وأجابوا أيضاً بجواب آخر: وهو أنه لا شيء فعله الله - سبحانه - بعبد الله
стр. 770
من الصلاح إلا وهو قادر على أصلح منه لزيد ولا صلاح فعله بزيد إلا وهو يقدر على ما هو أصلح منه لمحمد وكذلك كل واحد من عبيده أبداً.
وزعموا أنه لا يجوز في حكمة الله - سبحانه - أن يدخر عنهم شيئاً أصلح مما فعله بهم لهم وأن أدنى فعله بهم ليس في مقدوره ما هو أصلح لهم منه وليس شيء فعله بهم من الصلاح إلا وهو قادر على مثله أو أمثاله لا غاية لذلك ولا جميع له وأنه قادر على دون ما فعله بهم من الصلاح وعلى ضده من الفساد.
٥ - وقال بعض من لا يصف الله بالقدرة على لطيفة لو فعلها بمن علم أنه لا يؤمن من الكفار لآمن: قد يوصف القديم بالقدرة على أن يفعل بعباده في باب الدرجات والزيادة من الثواب أكثر مما فعله بهم لأنه لو بقاه أكثر مما يبقى لازداد إلى طاعاته طاعات يكون ثوابه أعظم من ثوابه لما اخترمه فأما ما هو استدعاء إلى فعل الإيمان واستصلاح التكليف فلا يوصف بالقدرة على أصلح مما فعله بهم وهذا قول الجبائي.
وليس يجيز ذلك من وصفنا قوله آنفاً من أصحاب الأصلح أن يكون قادراً على منزلة يكون عبده أعظم ثواباً إذا فعلها به ثم لا يفعلها به.
٦ - وقال عباد: ما وصف البارئ بأنه قادر عليه عالم بفعله وهو لا يفعله فهو جور.
٧ - وقال إبراهيم النظام: إن ما يقدر الله عليه من اللطف لا غاية له ولا كل وأن ما فعل من اللطف لا شيء أصلح منه إلا أن له عند الله - سبحانه - أمثالاً ولكل مثل مثل ولا يقال يقدر على أصلح مما فعل أن يفعل ولا يقال يقدر على دون ما فعل أن يفعل لأن فعل ما دون نقص ولا يجوز على الله فعل النقص ولا يقال يقدر على ما هو أصلح لأن الله - سبحانه - لو قدر على ذلك ولم يفعل كان ذلك بخلاً.
٨ - وقال آخرون أن ما يقدر الله - سبحانه - عليه من اللطف له غاية وكل وجميع وما فعله الله - سبحانه - لا شيء أصلح منه والله يقدر على مثله وعلى ما هو دونه ولا يفعله.
وزعموا أن فعل ما هو دون من الصلاح مع فعل الأصلح من الأشياء فساد وأن الله - سبحانه - لو فعل ما هو دون ومنع ما هو أصلح لكانا جميعاً فساداً.
وقالوا: لا يقال: يقدر الله - سبحانه - على فعل ما هو أصلح مما فعل لأنه لو قدر على ذلك كان فعل ما هو أصلح أولى والله - سبحانه - لا يدع فعل ما هو
стр. 771
أصلح لأنه أولى به ولأنه لم يخلق الخلق لحاجة به إليهم وإنما خلقهم لأن خلقه لهم حكمة وإنما أراد منفعتهم وليس ببخيل ﵎ فمن ثم لم يجز أن يدع ما هو أصلح ويفعل ما هو دون ذلك غير أنه يقدر على دون ما صنع ومثله لأنه غير عاجز ولو لم يوصف أنه قادر على ذلك لكان يوصف بالعجز وهذا قول أبي الهذيل.
٩ - وقال أهل الإثبات: ما يقدر الله - سبحانه - عليه من اللطف لا غاية له ولا نهاية ولا لطف يقدر عليه إلا وقد يقدر على ما هو أصلح منه وعلى ما هو دونه وليس كل من كلفه لطف له وإنما لطف للمؤمنين ومن لطف له كان مؤمناً في حال لطف الله - سبحانه - له لأن الله لا ينفع أحداً إلا انتفع. وزعموا أن الله - سبحانه - قد كلف قوماً لم يلطف لهم.
وزعموا أن القدرة على الطاعة لطف وأن الطاعة نفسها لطف وأن القرآن والأدلة كلها لطف وخير للمؤمنين وهي عمى وشر وبلاء وخزي على الكافرين.
واعتلوا بقول الله : ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً﴾ [فصلت: ٤٤] وبقوله: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٣] وبقوله: ﴿فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [البقرة: ٦٤] ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [النساء: ٨٣] وما أشبه ذلك من آي القرآن.
١٠ - وقال آخرون: ما يقدر الله تعالى عليه من الصلاح له كل وغاية ولا شيء أصلح مما فعل ويقدر على ما هو دونه ولا يقال يقدر على ما هو أصلح مما فعل ولا مثله لأنه لو قدر على مثله - زعموا - لم يكن ما فعل أصلح الأمور وقالوا: لو قدر على ما هو أصلح مما فعل فلم يفعل كان قد بخل وقالوا: لا يجوز أن يأمر العباد بغير ما أمرهم به.
١١ - وقال آخرون: ما يقدر عليه من الاستصلاح له كل وجميع ولا استصلاح إلا ما فعل أو يفعل ولا يقال يقدر على أصلح مما فعل ولا على مثله ولا على صلاح دون ما فعل لأن الله لا يدع صلاحاً إلا فعله لأنه ليس ببخيل فيمنع نعمة ويدخر فضيلة وأنه لا يموت العبد إلا ولم يبق له صلاح إلا فعله به.
стр. 772
٢٧٣ - قولهم في أن البارئ لم يزل محسنا ؟
القول في أن البارئ لم يزل محسناً؟
١ - قال قائلون: لم يزل البارئ محسناً كيف يفعل بمعنى أنه لم يزل عالماً كيف يفعل لا على معنى أنه لم يزل محسناً بالإحسان ولا على إثبات الإحسان لم يزل.
٢ - وقال قائلون: لم يزل الله محسناً على الحقيقة.
٣ - وقال قائلون: الإحسان فعل ولا يجوز أن يقال لم يزل البارئ محسناً إلا بمعنى أنه لم يزل محسناً إلى الخلق منذ خلقهم فيكون لإحسانه أول وغاية.
٤ - وقال قائلون: لم يزل البارئ محسناً على أن سيحسن.
стр. 773
٢٧٤ - هل يقال لم يزل الله غير محسن ؟
واختلفوا: هل يقال لم يزل البارئ غير محسن؟
١ - فقال قائلون: لا يجوز إطلاق ذلك وإن كان الإحسان فعلاً.
٢ - وقال قائلون: لم يزل البارئ غير محسن.
стр. 774
٢٧٥ - هل يقال لم يزل عادلا ؟
واختلفوا هل يقال لم يزل البارئ عادلاً بنفي الجور عنه؟:
١ - فقال قائلون: لم يزل البارئ عادلاً على إثباته عادلاً وأنه لم يزل كذلك في الحقيقة.
٢ - وقال قائلون: لا يقال: لم يزل البارئ عادلا لأن العدل فعل.
стр. 775
٢٧٦ - هل يقال: لم يزل غير عادل ؟
واختلفوا: هل يقال: لم يزل البارئ غير عادل أم لا؟
١ - فقال قائلون: لا يقال ذلك.
٢ - وقال قائلون: لم يزل غير عادل ولا جائر.