← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 4144

صلاة التوبة والأحكام المتعلقة بها في الفقه الإسلامي

عبد الله بن عبد العزيز الجبرين

Полный текст (24 стр.). Показаны 1–24.

стр. 1

مُقَدّمَة ... صَلَاة التَّوْبَة وَالْأَحْكَام الْمُتَعَلّقَة بهَا فِي الْفِقْه الإسلامي تأليف الدكتور عبد الله بن عبد الْعَزِيز الجبرين الْأُسْتَاذ المشارك بكلية المعلمين بالرياض

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تمهيد إِن الْحَمد لله نحمده، ونستعينه وَنَسْتَغْفِرهُ، ونستهديه، ونعوذ بِاللَّه من شرور أَنْفُسنَا وَمن سيئات أَعمالنَا، من يهده الله فَلَا مضل لَهُ، وَمن يضلل فَلَا هادي لَهُ، وَأشْهد أَن لَا اله إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ، وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ١. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ ٢. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ ٣. أما بعد: فإنّ من رَحْمَة الله تَعَالَى بِهَذِهِ الْأمة أَن فتح لَهَا بَاب التَّوْبَة، فَلَا تَنْقَطِع حَتَّى تبلغ الرّوح الْحُلْقُوم أَو ينزل الْعَذَاب أَو تطلع الشَّمْس من مغْرِبهَا٤، وَلم يُوجب عَلَيْهَا لقبُول هَذِه التَّوْبَة مَا أوجبه على بعض من سبقها من الْأُمَم، فقد كَانَ من الآصار الَّتِي حملت على من قبلنَا اشْتِرَاط قتل النَّفس فِي

стр. 3

قبُول التَّوْبَة قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ ١. وَمن رَحمته تَعَالَى بِهَذِهِ الْأمة كَذَلِك أَن شرع لَهُم عبَادَة من أفضل الْعِبَادَات، يتوسل بهَا العَبْد المذنب إِلَى ربه ٢، رَجَاء قبُول تَوْبَته، وَهِي "صَلَاة التَّوْبَة "٣ ٤. ونظراً إِلَى أَن هَذِه الْعِبَادَة الْعَظِيمَة وَالسّنة الثَّابِتَة قد هجرها أَكثر الْمُسلمين، حَتَّى كَادَت تندثر بَينهم، وَرُبمَا استعاضوا عَنْهَا بِأُمُور لم ترد فِي الشَّرْع، ونظراً إِلَى أَن مسَائِل هَذِه الْمَوْضُوع لم تنتظم فِي رِسَالَة مُسْتَقلَّة، أَحْبَبْت أَن أجمع هَذِه الْمسَائِل فِي بحث مُسْتَقل. وَقد اشْتَمَل هَذَا الْبَحْث على أَرْبَعَة مبَاحث، وخاتمة: المبحث الأول: مَشْرُوعِيَّة صَلَاة التَّوْبَة وسببها: وَفِيه مَسْأَلَتَانِ: الْمَسْأَلَة الأولى: مشروعيتها. الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة: سَببهَا. المبحث الثَّانِي: وَقت صَلَاة التَّوْبَة. المبحث الثَّالِث: مَحل صَلَاة التَّوْبَة. المبحث الرَّابِع: صفة صَلَاة التَّوْبَة. أما الخاتمة فتشتمل على خُلَاصَة مَا انْتهى إِلَيْهِ هَذَا الْبَحْث. وَصلى الله على نَبينَا مُحَمَّد وعَلى آله وَصَحبه أَجْمَعِينَ.

стр. 4

المبحث الأول: مَشْرُوعِيَّة صَلَاة التَّوْبَة وسببها الْمَسْأَلَة الأولى: مَشْرُوعِيَّة صَلَاة التَّوْبَة ... المبحث الأول مَشْرُوعِيَّة صَلَاة التَّوْبَة وسببها وَفِيه مَسْأَلَتَانِ: الْمَسْأَلَة الأولى: مَشْرُوعِيَّة صَلَاة التَّوْبَة: أجمع أهل الْعلم على مَشْرُوعِيَّة صَلَاة التَّوْبَة١، لما ثَبت عَن أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ ابْن أبي طَالب ﵁ قَالَ: "كنت إِذا سَمِعت من رَسُول الله ﷺ حَدِيثا نَفَعَنِي الله مِنْهُ بِمَا شَاءَ أَن يَنْفَعنِي، وَإِذا حَدثنِي أحد من الصَّحَابَة اسْتَحْلَفته فَإِذا حلف لي صدقته، قَالَ: وحَدثني أَبُو بكر وَصدق أَبُو بكر- ﵁ أَنه قَالَ: "سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: " مَا من عبد يُذنب ذَنبا فيُحسِنُ الطّهُور ثمَّ يقوم فَيصَلي رَكْعَتَيْنِ ثمَّ يسْتَغْفر الله إِلَّا غفر الله لَهُ " ثمَّ قَرَأَ هَذِه الْآيَة

стр. 5

﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ (آل عمرَان: من الْآيَة١٣٥) إِلَى آخر الْآيَة١. وَلِهَذَا الحَدِيث شَوَاهِد مِنْهَا: ١- مَا رَوَاهُ يُوسُف بن عبد الله بن سَلام- ﵄ قَالَ: "أتيت أَبَا الدَّرْدَاء- ﵁ فِي مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَقَالَ: يَا ابْن أخي، مَا عناك إِلَى هَذَا الْبَلَد، وَمَا أعملك إِلَيْهِ؟ قلت: مَا عناني وَمَا أعملني إِلَّا مَا كَانَ بَيْنك وَبَين أبي. فَقَالَ: أقعدوني. فَأخذت بِيَدِهِ فأقعدته، وَقَعَدت خلف ظَهره، وتساند إليّ، ثمَّ قَالَ: بئس سَاعَة الْكَذِب هَذِه. ثمَّ قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: "من تَوَضَّأ فَأحْسن الْوضُوء، ثمَّ قَامَ فصلى رَكْعَتَيْنِ، أَو أَرْبعا يحسن فِيهَا

стр. 6

من طرق عَن عُثْمَان ابْن الْمُغيرَة الثَّقَفِيّ عَن عَليّ بن ربيعَة الْوَالِي عَن أَسمَاء ابْن الحكم الْفَزارِيّ عَن عَليّ- ﵁ فَذكره. وَإِسْنَاده حسن، رِجَاله ثِقَات رجال البُخَارِيّ، عدا أَسمَاء ابْن الحكم فقد وَثَّقَهُ الْعجلِيّ فِي تَارِيخ الثِّقَات ص ٦٣، وَابْن حبَان فِي ثقاته ٤/٥٩ وَقَالَ: "يُخطئ"، وَقَالَ الْحَافِظ فِي التَّقْرِيب: "صَدُوق"، وَقد أَطَالَ الْحَافِظ الْكَلَام حول هَذَا الحَدِيث فِي تَهْذِيب التَّهْذِيب١/٢٦٧ فِي تَرْجَمَة أَسمَاء هَذَا، وَقَالَ: "وَهَذَا الحَدِيث جيد الْإِسْنَاد". وَحسنه فِي الْفَتْح ١١/٩٨، وَقَالَ ابْن عدي فِي تَرْجَمَة أَسمَاء أَيْضا بعده رِوَايَته لهَذَا الحَدِيث: "وَهَذَا الحَدِيث طَرِيقه حسن وَأَرْجُو أَن يكون صَحِيحا" وينظر التَّارِيخ الْكَبِير للْبُخَارِيّ ٢/٥٥٤. والعلل للدارقطني ١/١٧٦ – ١٨٠، وتهذيب الْكَمَال لوحة (٩٣) . وَقد صحّح هدا الحَدِيث غير من ذكر النَّسَائِيّ كَمَا فِي فتح الْقَدِير للشوكانيِ ١/٣٨٢، والحافظ ابْن كثير فِي تَفْسِيره ١/١٠٤، وَابْن مُفْلِح فِي الْفُرُوع ١/٥٦٧، وَأحمد شَاكر فِي عُمْدَة التَّفْسِير ١/٤٢، والشيح مُحَمَّد نَاصِر الدّين فِي تَعْلِيقه على مشكاة المصابيح ١/٤١٦، وَشُعَيْب الأرنؤوط فِي تَعْلِيقه على مُسْند أبي بكر، وحسين سليم أَسد فِي تَعْلِيقه على مُسْند أبي يعلي، والدكتور مُحَمَّد سعيد البُخَارِيّ فِي تَعْلِيقه على كتاب الدُّعَاء للطبراني، والدكتور حكمت ياسين فِي تَعْلِيقه على تَفْسِير ابْن أبي حَاتِم. وَقد روى هَذَا الحَدِيث الطَّبَرَانِيّ فِي الدُّعَاء ٣/١٦٤٥، ١٦٢٦، رقم (١٨٤٤) وابْن عدي فِي الْكَامِل ١/٤٢١، والخطيب الْبَغْدَادِيّ فِي موضح أَوْهَام الْجمع والتفريق ٢/٤٣٤ من طَرِيق مُعَاوِيَة بن أبي الْعَبَّاس عَن عَليّ بن ربيعَة بِهِ، وَإِسْنَاده ضَعِيف جدا، مُعَاوِيَة بن أبي الْعَبَّاس مُتَّهم بِسَرِقَة الحَدِيث. ينظر الموضح ٢/٤٢٣ – ٤٢٦. وَرَوَاهُ أَيْضا الْحميدِي فِي مُسْنده ١/٤ ,٥ رقم (٥) ، والطبري فِي تَفْسِيره ٧/٢٢٢، رقم (٧٨٥٥) ، وَالطَّبَرَانِيّ فِي الدُّعَاء ٣/١٦٢٦، رقم (١٨٤٦) ، وَابْن عدي فِي الْكَامِل ٣/١١٩٠ من طَرِيق عبد الله بن سعيد المَقْبُري عَن جده أبي سعيد عَن عَليّ بِهِ. وَإِسْنَاده ضَعِيف جدا، عبد الله بن سعيد المَقْبُري مَتْرُوك كَمَا فِي التَّقْرِيب. وَقد ذكر الدَّارَقُطْنِيّ فِي الْعِلَل ١/١٧٦ –١٨٠ طرقاً أُخْرَى كَثِيرَة لهَذَا الحَدِيث، وَبَعضهَا عِنْد الطَّبَرَانِيّ فِي الدُّعَاء ٣/١٦٢٥، ١٦٢٦، رقم (١٨٤٣، ١٨٤٥، ١٨٤٧) ثمَّ قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ بعد ذكره لما فِيهِ من الِاخْتِلَاف وَمَا فِي بَعْضهَا من الضعْف الشَّديد، قَالَ: "وأحسنها إِسْنَادًا وأصحها مَا رَوَاهُ الثَّوْريّ ومسعر وَمن تابعها عَن عُثْمَان بن الْمُغيرَة". وَهِي الرِّوَايَة الأولى. وَذكر الْمزي فِي تحفة الْأَشْرَاف ٥/٣٠٠، وَفِي تَهْذِيب الْكَمَال لوحة (٩٣) متابعات كَثِيرَة لرِوَايَة أَسمَاء بن الحكم، وَتعقبه الْحَافِظ فِي التَّهْذِيب ١/٢٦٨ بقوله: "والمتابعات الَّتِي ذكرهَا لَا تشد هَذَا الحَدِيث شَيْئا، لِأَنَّهَا ضَعِيفَة جدا ".

стр. 7

الرُّكُوع وَالسُّجُود، ثمَّ يسْتَغْفر الله، إِلَّا غفر الله لَهُ " ١. ٢- مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي شعب الْإِيمَان عَن الْحسن- ﵀ مُرْسلا قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "مَا أذْنب عبد ذَنبا ثمَّ تَوَضَّأ فَأحْسن الْوضُوء، ثمَّ خرج إِلَى برَاز من الأَرْض فصلى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، واستغفر الله من ذَلِك الذَّنب إِلَّا غفر الله لَهُ " ٢. ٣- مَا رَوَاهُ عبد الله بن بُرَيْدَة عَن أَبِيه- ﵁ قَالَ: أصبح رَسُول الله يَوْمًا فَدَعَا بِلَالًا، فَقَالَ: "يابلال بِمَ سبقتني إِلَى الْجنَّة؟ إِنِّي دخلت البارحة الْجنَّة فَسمِعت خشخشتك أَمَامِي" فَقَالَ بِلَال: "يَا رَسُول الله مَا أذنبت قطّ إِلَّا صليت رَكْعَتَيْنِ، وَمَا أصابني حدث قطّ إِلَّا تَوَضَّأت عِنْدهَا. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : "بِهَذَا" ٣.

стр. 8

وَقَالَ الْحَافِظ ابْن كثير- رَحمَه الله تَعَالَى-: " ويتأكد الْوضُوء وَصَلَاة رَكْعَتَيْنِ عِنْد التَّوْبَة، لما رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل ... " ثمَّ ذكر حَدِيث أبي بكر السَّابِق، ثمَّ قَالَ: "وَقد ذكرنَا طرقه وَالْكَلَام عَلَيْهِ مستقصى فِي مُسْند أبي بكر الصّديق، وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ حَدِيث حسن، وَهُوَ من رِوَايَة أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب عَن خَليفَة النَّبِي ﷺ أبي بكر الصّديق- ﵄، وَمِمَّا يشْهد لصِحَّة هَذَا الحَدِيث مَا رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه١ عَن أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب- ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: "مَا مِنْكُم من أحد يتَوَضَّأ فَيبلغ- أَو فيسبغ- الْوضُوء، ثمَّ يَقُول: أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ، وَأشْهد أنّ مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله، إِلَّا فتحت لَهُ أَبْوَاب الْجنَّة الثَّمَانِية، يدْخل من أَيهَا شَاءَ". وَفِي الصَّحِيحَيْنِ ٢ عَن أَمِير الْمُؤمنِينَ عُثْمَان بن عَفَّان- ﵁ أَنه تَوَضَّأ لَهُم وضوء النَّبِي ﷺ ثمَّ قَالَ: سَمِعت رَسُول الله يَقُول: " من تَوَضَّأ نَحْو وضوئي هَذَا ثمَّ صلى رَكْعَتَيْنِ لَا يحدث فيهمَا نَفسه غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه ". فقد ثَبت هَذَا الحَدِيث من رِوَايَة الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين عَن سيد الْأَوَّلين والآخرين وَرَسُول رب الْعَالمين كَمَا دلّ عَلَيْهِ الْكتاب الْمُبين من أَن الاسْتِغْفَار من الذَّنب ينفع العاصيين ". انْتهى كَلَام الْحَافِظ ابْن كثير رَحمَه الله تَعَالَى ٣.

стр. 9

الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة: سَبَب صَلَاة التَّوْبَة: سَبَب صَلَاة التَّوْبَة هُوَ وُقُوع المسلمِ فِي مَعْصِيّة سَوَاء كَانَت كَبِيرَة أَو صَغِيرَة ١، فَيجب عَلَيْهِ أَن يَتُوب مِنْهَا فَوْرًا ٢، وَينْدب لَهُ أَن يُصَلِّي هَاتين الرَّكْعَتَيْنِ، فَيعْمل عِنْد تَوْبَته عملا صَالحا من أجل القربات وأفضلها، وَهُوَ هَذِه الصَّلَاة، فيتوسل بهَا إِلَى الله تَعَالَى رَجَاء أَن تقبل تَوْبَته، وَأَن يغْفر ذَنبه٣. قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ عِنْد كَلَامه على حَدِيث أبي بكر فِي صَلَاة التَّوْبَة، قَالَ:"وَفِيه اسْتِيفَاء وُجُوه الطَّاعَة فِي التَّوْبَة، لِأَنَّهُ نَدم فطهر بَاطِنه، ثمَّ تَوَضَّأ، ثمَّ صلى، ثمَّ اسْتغْفر"٤. وَقَالَ الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن بن قَاسم ﵀ عِنْد شَرحه لحَدِيث أبي بكر أَيْضا، قَالَ:"وَفِيه اسْتِيفَاء، وُجُوه الطَّاعَة فِي التَّوْبَة، لِأَنَّهُ نَدم، فَتطهر، ثمَّ صلى، ثمَّ اسْتغْفر، وَإِذا أَتَى بذلك على أكمل الْوُجُوه غفر الله لَهُ بوعده الصَّادِق"٥.

стр. 10

المبحث الثَّانِي وَقت صَلَاة التَّوْبَة يسْتَحبّ أَدَاء هَذِه الصَّلَاة عِنْد عزم الْمُسلم على التَّوْبَة من الذَّنب الَّذِي اقترفه، سَوَاء كَانَت هَذِه التَّوْبَة بعد فعله للمعصية مُبَاشرَة، أَو مُتَأَخِّرَة عَنهُ، فَالْوَاجِب على المذنب الْمُبَادرَة إِلَى التَّوْبَة - كَمَا سبق بَيَانه قَرِيبا- لَكِن إِن سوّف وأخّرها قبلت، لِأَن التَّوْبَة تقبل مَا لم يحدث أحد الْمَوَانِع الْآتِيَة: ١- إِذا وَقع الإِياس من الْحَيَاة، وَحضر الْمَوْت، وَبَلغت الرّوح الْحُلْقُوم. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ﴾ ١. وَقَالَ رَسُول الله ﷺ : " إِن الله يقبل تَوْبَة العَبْد مَا لم يُغَرْغر" ٢.

стр. 11

٢- إِذا نزل الْعَذَاب، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ ١.

стр. 12

٣- إِذا طلعت الشَّمْس من مغْرِبهَا، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً﴾ ١. وَقَالَ النَّبِي ﷺ : "من تَابَ من قبل أَن تطلع الشَّمْس من مغْرِبهَا تَابَ الله عَلَيْهِ " رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ٢. وَهَذِه صَلَاة تشرع فِي جَمِيع الْأَوْقَات بِمَا فِي ذَلِك أَوْقَات النَّهْي، لِأَنَّهَا من ذَوَات الْأَسْبَاب الَّتِي تشرع عِنْد وجود سَببهَا ٣. قَالَ شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية: "ذَوَات الْأَسْبَاب كلهَا تفوت إِذا أخرت عَن وَقت النَّهْي، مثل سُجُود التِّلَاوَة، وتحية الْمَسْجِد، وَصَلَاة الْكُسُوف، وَمثل الصَّلَاة عقب الطَّهَارَة، كَمَا فِي حَدِيث بِلَال، وَكَذَلِكَ صَلَاة الاستخارة، إِذا كَانَ الَّذِي يستخير لَهُ يفوت إِذا أخرت الصَّلَاة، وَكَذَلِكَ صَلَاة التَّوْبَة، فَإِذا أذْنب فالتوبة وَاجِبَة على الْفَوْر، وَهُوَ مَنْدُوب إِلَى أَن يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، ثمَّ يَتُوب، كَمَا فِي حَدِيث أبي بكر الصّديق"٤.

стр. 13

المبحث الثَّالِث مَحل صَلَاة التَّوْبَة اخْتلف أهل الْعلم فِي صَلَاة التَّوْبَة هَل تُؤَدّى قبل التَّوْبَة أَو بعْدهَا، على ثَلَاثَة أَقْوَال: القَوْل الأول: أَن الْمَشْرُوع أَن يُصَلِّي قبل التَّوْبَة، لَا بعْدهَا، لحَدِيث أبي بكر الصّديق ﵁ ١. القَوْل الثَّانِي: أَنَّهَا تصلى بعد التَّوْبَة ٢. القَوْل الثَّالِث: أَنَّهَا تصلى قبل التَّوْبَة أَو بعْدهَا ٣، فَإِن شَاءَ صلاهَا قبل التَّوْبَة وَإِن شَاءَ صلاهَا بعْدهَا ٤.

стр. 14

التَّرْجِيح: وَالرَّاجِح من هَذِه الْأَقْوَال هُوَ القَوْل الأول، لقُوَّة دَلِيله، وَلِأَن الْقَوْلَيْنِ الآخرين لَا يعضدهما دَلِيل من كتاب وَلَا سنة، فَحَدِيث أبي بكر الصّديق ﵁ صَرِيح فِي أَن هَذِه الصَّلَاة تُؤَدّى قبل التَّوْبَة، لَا بعْدهَا، حَيْثُ ذكرت فِيهِ الصَّلَاة ثمَّ عطف عَلَيْهَا الاسْتِغْفَار، الَّذِي هُوَ تَوْبَة١، أَو جُزْء من التَّوْبَة٢ بِحرف "ثمَّ " الَّذِي يدل على التَّرْتِيب ٣.

стр. 15

هَذَا كُله فِيمَا يتَعَلَّق بِالتَّوْبَةِ بِاللِّسَانِ، وَهِي المرادة هُنَا عِنْد الْإِطْلَاق، وَالَّتِي هِيَ مُنَاجَاة العَبْد ربه بإعلان النَّدَم على فعل الْمعْصِيَة، والعزم على عدم العودة إِلَيْهَا، وَطلب مغْفرَة الذَّنب الَّذِي ارْتَكَبهُ. أما النَّدَم بِالْقَلْبِ وَالَّذِي هُوَ فِي حد ذَاته تَوْبَة١، أَو ركنها الْأَعْظَم ٢، لحَدِيث: "النَّدَم تَوْبَة" ٣، فَإِنَّهُ يكون قبل

стр. 16

الصَّلَاة وَبعدهَا، لِأَن الْمُسلم لن يعزم على صَلَاة التَّوْبَة إِلَّا وَقد نَدم قلبه على فعل الْمعْصِيَة، وعزم على الإقلاع عَنْهَا، وَلَا يعْتَبر استغفاره بعد هَذِه الصَّلَاة تَوْبَة إِلَّا إِذا صَحبه نَدم الْقلب، وَإِلَّا كَانَت تَوْبَته غير صَادِقَة ١.

стр. 17

المبحث الرَّابِع صفة صَلَاة التَّوْبَة صَلَاة التَّوْبَة صَلَاة نَافِلَة١ يتَعَيَّن لَهَا جَمِيع الشُّرُوط اللَّازِمَة لصَلَاة النَّافِلَة، وَيجب فِيهَا من الْأَركان والواجبات مَا يجب فِي صَلَاة النَّافِلَة. وَهِي رَكْعَتَانِ، كَمَا فِي حَدِيث أبي بكر الصّديق- ﵁ ٢. ويشرع للتائب أَن يُصليهَا مُنْفَردا، لِأَنَّهَا من النَّوَافِل الَّتِي لَا تشرع لَهَا صَلَاة الْجَمَاعَة٣، وَينْدب لَهَا بعْدهَا أَن يسْتَغْفر الله تَعَالَى، لحَدِيث أبي بكر- ﵁-٤. وَقَالَ الْغَزالِيّ عِنْد كَلَامه على الْأُمُور الَّتِي إِذا أتبع بهَا الذَّنب كَانَ الْعَفو عَنهُ مرجوا، قَالَ: " أَن تصلي عقيب الذَّنب رَكْعَتَيْنِ ثمَّ تستغفر الله تَعَالَى بعدهمَا سبعين مرّة، وَتقول: سُبْحَانَ الله الْعَظِيم وَبِحَمْدِهِ مائَة مرّة، ثمَّ تَتَصَدَّق بِصَدقَة، ثمَّ تَصُوم يَوْمًا"٥.

стр. 18

وَهَذَا القَوْل فِيهِ نظر، فَأصل مَشْرُوعِيَّة الاسْتِغْفَار، وَذكر الله تَعَالَى وَالَّذِي يَشْمَل التَّسْبِيح والتحميد ثَابت فِي هَذَا الْموضع بقوله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ ١، وَإِن كَانَ قد اخْتلف فِي المُرَاد بقوله تَعَالَى فِي هَذِه الْآيَة ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ ، فَقيل: المُرَاد ذكرُوا وَعِيد الله على مَا فعلوا من معصيتهم إِيَّاه، وتذكروا عِقَابه، وَقيل: المُرَاد ذكرُوا الله بِاللِّسَانِ٢، وَقيل: المُرَاد: الصَّلَاة٣. وَقد يُقَال: إِن لفظ الْآيَة يعم هَذِه الْأُمُور كلهَا ٤. وَكَذَلِكَ الصَّدَقَة يدل على مشروعيتها فِي هَذَا الْموضع عُمُوم قَول الله

стр. 19

تَعَالَى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ ١. وَثَبت عَن كَعْب بن مَالك ﵁ أَنه قَالَ لما تَابَ الله عَلَيْهِ: "يَا رَسُول الله إنّ من تَوْبَتِي أَن أَنْخَلِع من مَالِي صَدَقَة إِلَى الله وَإِلَى رَسُوله، قَالَ رَسُول الله: " أمسك عَلَيْك بعض مَالك فَهُوَ خير لَك "، قَالَ: فَإِنِّي أمسك سهمي الَّذِي بِخَيْبَر". مُتَّفق عَلَيْهِ٢. وَثَبت عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: "من حلف، فَقَالَ فِي حلفه: "وَاللات والعزّى" فَلْيقل: "لَا إِلَه إِلَّا الله "، وَمن قَالَ لصَاحبه: "تعال أقامرك"٣ فليتصدق " مُتَّفق عَلَيْهِ٤. وَفِي رِوَايَة لمُسلم: "فليتصدق بِشَيْء" ٥.

стр. 20

وَثَبت عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: " الصَّدَقَة تُطْفِئ الْخَطِيئَة، كَمَا يُطْفِئ المَاء النَّار" ١. وَكَذَلِكَ عدد الاسْتِغْفَار ورد فِيهِ حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁، قَالَ: قَالَ

стр. 21

رَسُول الله ﷺ : "وَالله إِنِّي لأستغفر الله وَأَتُوب إِلَيْهِ فِي الْيَوْم أَكثر من سبعين مرّة" ١. وَثَبت عَن الْأَغَر الْمُزنِيّ ﵁ أَنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله:"إِنَّه ليغان ٢ على قلبِي، وَإِنِّي لأستغفر الله فِي الْيَوْم مائَة مرّة" رَوَاهُ مُسلم ٣. وَأَيْضًا فعموم قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ

стр. 22

الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ ١ يدل على أَن فعل الْأَعْمَال الصَّالِحَة بعد السَّيئَة يكفرهَا ٢. لَكِن تَقْيِيد التَّسْبِيح والتحميد وَالصِّيَام بِهَذِهِ الْأَعْدَاد لَا دَلِيل عَلَيْهِ، وَهُوَ من الْبدع الْمُحرمَة، لما ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "من أحدث فِي أمرنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رد" ٣. وَفِي رِوَايَة لمُسلم: "من عمل عملا لَيْسَ عَلَيْهِ أمرنَا فَهُوَ رد " ٤، وَلما ثَبت فِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث جَابر بن عبد الله ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا خطب احْمَرَّتْ عَيناهُ وَعلا صَوته وَاشْتَدَّ غَضَبه حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذر جَيش يَقُول: صبّحكم ومسّاكم، وَيَقُول: "بعثت أَنا والساعة كهاتين" ويقرن بَين إصبعيه السبابَة وَالْوُسْطَى، وَيَقُول:" أما بعد فَإِن خير الحَدِيث كتاب الله، وَخير الْهَدْي

стр. 23

هدي مُحَمَّد، وَشر الْأُمُور محدثاتها، وكل بِدعَة ضَلَالَة " ١. وَذكر الملا عَليّ الْقَارِي٢ ﵀ أَنه يقْرَأ فِي هَذِه الصَّلَاة سورتي الْإِخْلَاص، ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ ، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ، أَو يقْرَأ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ٣، وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ ٤. وَالصَّحِيح أَنه لَا يشرع تَخْصِيص هَذِه الصَّلَاة بسور أَو آيَات بِعَينهَا، لِأَنَّهُ لم يرد فِي ذَلِك شَيْء عَن النَّبِي ﷺ .

стр. 24

الخاتمة الْحَمد لله وَحده، وَبعد: فَمن خلال بحث الْأَحْكَام الْمُتَعَلّقَة بِصَلَاة التَّوْبَة ظهر لي الْأُمُور الْآتِيَة: الْأَمر الأول: ثُبُوت هَذِه الصَّلَاة عَن النَّبِي ﷺ . الْأَمر الثَّانِي: أَنَّهَا تشرع عِنْد تَوْبَة الْمُسلم من أَي ذَنْب، سَوَاء كَانَ من الْكَبَائِر أم من الصَّغَائِر، وَسَوَاء كَانَت هَذِه التَّوْبَة بعد اقتراف الْمعْصِيَة مُبَاشرَة، أم بعد مُضِيّ زمن. الْأَمر الثَّالِث: أَن هَذِه الصَّلَاة تُؤَدّى فِي جَمِيع الْأَوْقَات، بِمَا فِي ذَلِك أَوْقَات النَّهْي. الْأَمر الرَّابِع: أَن الصَّحِيح من أَقْوَال أهل الْعلم أَن هَذِه الصَّلَاة قبل التَّوْبَة لَا بعْدهَا. الْأَمر الْخَامِس. أَن هَذِه الصَّلَاة فِي أَرْكَانهَا وواجباتها وَمَا يشْتَرط لَهَا كَصَلَاة النَّافِلَة، وَهِي رَكْعَتَانِ. الْأَمر السَّادِس: أَنه يسْتَحبّ مَعَ هَذِه الصَّلَاة فعل بعض القربات، كالصدقة وَالذكر وَالصِّيَام وَغَيرهَا. وَفِي الختام أسأَل الله أَن ينفع بِهَذَا الْعَمَل كَاتبه وَجَمِيع الْمُسلمين. وَصلى الله وَسلم على نَبينَا مُحَمَّد وعَلى آله وَصَحبه أَجْمَعِينَ.