فقولوا عبد الله ورسوله "١.
وفي رواية " أيها الناس عليكم بقولكم ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد بن عبد الله، عبد الله ورسوله، والله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله " ٢. ولذا حكم الله سبحانه بكفر الذين جعلوا الله سبحانه هو المسيح ابن مريم. تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ الله هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ الله شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَلله مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَالله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ المائدة ١٧.
قال ابن كثير: "يقول الله تعالى مخبرا وحاكيا بكفر النصارى في ادعائهم في المسيح ابن مريم وهو عبد الله، وخلق من خلقه أنه هو الله تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا٣.
التبديل والتحريف والتأويل الباطل والافتراء الكاذب:
إن هذه الكلمات الأربع (التبديل، والتحريف، والتأويل، والافتراء) في أهل الكتاب سمة واضحة ولذا قال الله تعالى مبيناً عوارهم وكاشفا فضائحهم وأسرارهم. ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ الله نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ. يَهْدِي بِهِ الله مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ المائدة ١٥، ١٦.
وقد أخرج الحاكم بسنده عن ابن عباس ﵄ قال: من كفر بالرجم فقد كفر بالقرآن من حيث لا يحتسب قوله ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ فكان الرجم مما أخفوه. وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه٤.
стр. 72
وقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَالله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ المائدة ١٩.
وقال تعالى منكرا على المؤمنين أو متعجبا من طمعهم في إيمان أهل الكتاب بقوله سبحانه: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ الله ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ البقرة ٧٥.
ومن تحريفهم ما ورد في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ البقرة ١٠٤.
وقوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلاً﴾ النساء ٤٦.
وكذلك جاءت الأحاديث بالإِخبار عنهم بأنهم كانوا إذا سلّموا إنما يقولون السام عليكم، والسام هو الموت، ولهذا أمرنا أن نرد عليهم بوعليكم، وإنما يستجاب لنا فيهم ولا يستجاب لهم فينا، والغرض أن الله تعالى نهى المؤمنين عن مشابهة الكافرين قولا وفعلا ١ انتهى.
إنهم يوهمون السامع أنهم يقولون حقا فإذا تمعنت فيما قالوا علمت فساد قولهم الناتج عن فساد قصدهم وخراب فهمهم.
ولقد حرفوا كلمة راعنا وجعلوها مشتقة من الرعونة أو من السخرية، كما حرفوا كلمة السلام إلى السام. ولذا غضبت عائشة ﵂ لما سمعت منهم ذلك وشتمتهم ولعنتهم كما ثبت عنها ذلك في الصحيحين قالت: دخل رهط من اليهود على رسول الله ﷺ فقالوا السام عليكم قالت عائشة ففهمتها فقالت: وعليكم السام واللعنة قالت: فقال رسوله الله ﷺ : "مهلا يا عائشة إن الله يحب الرفق في الأمر كله" فقالت:
стр. 73
يا رسول الله أولم تسمع ما قالوا؟ قال رسول الله ﷺ : قد قلت وعليكم؟ ١.
لقد فسدت فهومهم وساءت تصرفاتهم في آيات ربهم فتأولوا كتاب الله على غير ما أراده الله وأنزل فاستحقوا لعنة الله تعالى فقال سبحانه: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ المائدة ١٣. قلوب قاسية، وخيانة مستمرة إلا من عوفي منهم وقليل ما هم فلا تلين لموعظة ولا تسمع لنداء ولا تستجيب لأمر ولا تقف عند نهى. ومن تبديلاتهم الكاذبة ما ورد في قصة الرجم في حق الزانيين قال تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ المائدة ٤١.
قال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: "والصحيح أنها نزلت في اليهوديين اللذين زنيا وكانوا قد بدلالوا كتاب الله الذي بأيديهم من الأمر برجم من أحصن منهم واصطلحوا فيما بينهم على الجلد مائة جلدة، والتحميم والاركاب على حمار مقلوبن، فلما وقعت تلك الكائنة بعد الهجرة قالوا فيما بينهم، تعالوا حتى نتحاكم إليه، فإن حكم بالجلد والتحميم فخذوه عنه واجعلوه حجة بينكم وبين الله ويكون نبي من أنبياء الله قد حكم بينكم بذلك، وإن حكم بالرجم فلا تتبعوه في ذلك"٢ اهـ.
وقال القرطبي: "قال علماؤنا رحمة الله عليهم- نعت الله تعالى أحبارهم بأنهم يبدلون ويحرفون فقال وقوله الحق: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ الآية، وذلك أنه لما درس الأمر فيهم، وساءت رعية علمائهم وأقبلوا على الدنيا حرصا وطمعا، طلبوا أشياء تصرف وجوه الناس إليهم فأحدثوا في شريعتهم وبدلوها، وألحقوا ذلك بالتوراة، وقالوا لسفهائهم هذا من عند الله ليقبلوها عنهم، فتتأكد رياستهم، وينالوا به حطام الدنيا وأوساخها.. "٣ اهـ.
стр. 74
وهذا التبديل والتحريف كما هو ثابت عنهم في القرآن الكريم، كذلك جاءت به الأحاديث الصحيحة، ففي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر ﵄، أن اليهود جاءوا إلى رسول الله ﷺ فذكروا له أن رجلا منهم وامرأة زنيا، فقال لهم رسول الله ﷺ ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ فقالوا: نفضحهم ويجلدون قال عبد الله بن سلام: كذبتم إن فيها الرجم، فأتوا بالتوراة، فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها فقال عبدا لله بن سلام: ارفع يدك فرفع يده، فإذا آية الرجم، فقالوا صدق يا محمد فيها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله ﷺ فرأيت الرجل يحنى على المرأة يقيها الحجارة" ١. وهذا لفظ البخاري.
وفي رواية له "فقال لليهود ما تصنعون بهما؟ قالوا نسخم وجوههما ونخزيهما. قال "فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين " فجاءوا فقالوا لرجل منهم مما يرضون أعور: اقرأ. فقرأ حتى انتهى إلى موضع منها، فوضع يده عليه فقال: ارفع يدك فرفع فإذا آية الرجم تلوح. قال يا محمد إن فيها آية الرجم ولكنا نتكاتمه بيننا، فأمر بهما فرجما" ٢. وعند مسلم في صحيحه أن رسول الله ﷺ أتى بيهودي ويهودية قد زنيا، فانطلق رسوله الله ﷺ حتى جاء يهود فقال: "ماتجدون في التوراة على من زنى؟ قالوا نسود وجوههما ونحممهما ونخالف بين وجوههما ويطاف بهما، قال: "فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقن " قال: فجاؤا بها فقرءوها حتى إذا مر بآية الرجم، وضع الفتى الذي يقرأ يده على آية الرجم، وقرأ مابين يديها وما وراءها، فقال له عبد الله بن سلام وهو مع رسول الله ﷺ مره فليرفع يده، فإذا تحتها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله ﷺ فرجما ٣.
قال عبد الله بن عمر: "كنت فيمن رجمهما، فلقد رأيته يقيها من الحجارة بنفسه".
وعن البراء بن عازب قال: مر على رسول الله ﷺ يهودي محمم مجلود فدعاهم فقال: أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم فقالوا نعم، فدعا رجلا من علمائهم فقال
стр. 75
: أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ فقال لا والله ولولا أنك أنشدتني بهذا لم أخبرك، نجد حد الزاني في كتابنا الرجم ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فقالوا: تعالوا حتى نجعل شيئا نقيمه على الشريف والوضيع فاجتمعنا على التحميم والجلد، فقال النبي ﷺ : "اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه. قال فأمر به فرجم قال فأنزل الله : ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ إلى قوله: ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ يقولون ائتوا محمدا فإن أفتاكم بالتحميم والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا، إلى قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ الله فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ وهو قال في اليهود ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ الله فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ قال في الكفار كلها"١.
ومن افتراءاتهم الكاذبة وتأويلاتهم الباطلة تحريفهم لكتاب الله تعالى وينسبون ذلك الكلام المحرف إلى الله سبحانه تمويها للناس وتضليلا عليهم.
قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ آل عمران ٧٨.
يقول ابن كثير: "يخبر الله تعالى عن اليهود عليهم لعائن الله، أن منهم فريقا يحرفون الكلم عن مواضعه ويبدلون كلام الله ويزيلونه عن المراد به، ليوهموا الجهلة أنه في كتاب الله كذلك، وينسبونه إلى الله وهو كذب على الله، وهم يعلمون من أنفسهم أنهم قد كذبوا وافتروا في ذلك كله ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ٢ اهـ.
стр. 76
الادعاءات الكاذبة والأماني الفاسدة:
عندما يظهر الانهزام على شخص ما أو جماعة أو دولة ما يبحث عن مبرر لإثبات وجوده في محاولة إقناع الآخرين من خلال ذلك المبرر الذي اختاره أو التهويش الذي لا يأوي إلى ركن شديد خوفا على سقوط مكانته الاجتماعية وإصرارا منه على عدم تطويع نفسه على قبول الحق والانقياد له حسدا وكبراً. وهذا ما وقعت فيه اليهود لما رأت محمدا ﷺ ينشر دعوته بوضوح وبرهان ورأوا إقبال الناس والوفود عليه مستسلمين طائعين بدأوا ينشرون التغرير الكاذب في صفوف الناس ويدعون الأماني الكاذبة، فمن ذلك:
أولا: ادعوا أنهم أهل الجنة فقط ولا يدخلها إلا من كان هودا أو نصارى.
قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ البقرة ١١١.
ثائيا: ادعوا أنهم أهل الهداية والملة القويمة. ويريدون من محمد صلى الله عيه وسلم وأتباعه اتباعهم لكي يهتدوا.
قال تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ البقرة ١٣٤.
أخرج ابن إسحاق بسند فيه نظر عن ابن عباس ﵄ قال: قال عبد الله ابن صوريا الأعور لرسول الله صلى الله عيه وسلم ما الهدى إلا ما نحن عليه فاتبعنا يا محمد تهتد. وقالت النصارى مثل ذلك فأنزل الله : ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ ١.
ثالثا: ادعاؤهم أنهم أبناء الله وأحباؤه وأنه لا يغرهم ذنب ارتكبوه، وهم كاذبون فيما ادعوا ومحرفون لما نطقوا به.
قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ المائدة ١٨.
أخرج ابن إسحاق بسند فيه نظر عن ابن عباس- ﵄ قال: وأتى
стр. 77
رسول الله ﷺ نعمان بن آصا، وبحر بن عمرو، وشاس بن عدي فكلموه. وكلمهم رسول الله ﷺ ودعاهم إلى الله وحذرهم نقمته.
فقالوا ما تخوفنا يا محمد نحن والله أبناء الله وأحباؤه كقول النصارى. فأنزل الله فيهم ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ..﴾ إلى آخر الآية١.
رابعا: ادعاؤهم أن النار لا تمسهم إلا أياما معدودة كذباً وزورا.
قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ. بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ البقرة ٨٠، ٨١.
أخرج ابن إسحاق بسنده عن ابن عباس ﵄، أن اليهود كانوا يقولون هذه الدنيا سبعة آلاف سنة وإنما نعذب بكل ألف سنة يوماً في النار، وإنما هي سبعة أيام معدودة فأنزل الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً﴾ ، إلى قوله ﴿خَالِدُونَ﴾ ٢.
ويقول ابن كثير: "يقول تعالى: (إخباراً عن اليهود فيما نقلوه وادعوه لأنفسهم من أنهم لن تمسهم النار إلا أياماً معدودة ثم ينجون منها فرد الله عليهم ذلك بقوله: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً﴾ أي بذلك؟ فإن كان قد وقع عهد فهو لا يخلف عهده ولكن هذا ما جرى ولا كان، ولهذا أتى ب "أم " التي بمعنى. بل أي: بل تقولون على الله ما لا تعلمون من الكذب والافتراء عليه٣.
خامسا: ادعاؤهم وزعمهم أنهم أغنياء وأنهم ليسوا بحاجة إلى الله سبحانه بل الله جل شأنه بحاجة إليهم فوصموه سبحانه بالفقر، وافتروا عليه أنه أباح لهم الربا.
قال تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ. ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ آل عمران ١٨١، ١٨٢.
стр. 78
أخرج ابن إسحاق بسند فيه نظر عن ابن عباس ﵄ قال: دخل أبو بكر الصديق- ﵁ المدراس فوجد من يهود أناساً كثيراً قد اجتمعوا إلى رجل منهم يقال له: فنحاص وكان من علمائهم وأحبارهم، ومعه جد يقال له أشيع فقال أبو بكر: ويحك يا فنحاص. اتق الله وأسلم فو الله إنك لتعلم أن محمداً رسول الله قد جاءكم بالحق من عنده تجدونه مكتوباً عندكم في التوراة والإنجيل. قال فنحاص: والله يا أبا بكر ما بنا إلى الله من حاجة من فقر وإنه إلينا لفقير ما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا، وإنا عنه لأغنياء ولو كان عنا غنياً ما استقرض منا كما يزعم صاحبكم ينهاكم عن الربا ويعطنا ولو كان غنياً ما أعطانا الربا.
فغضب أبو بكر- ﵁ فضرب وجه فنحاص ضرباً شديداً وقال والذي نفسي بيده لولا الذي بيننا وبينك من العهد لضربت عنقك يا عدو الله فاكذبونا ما استطعتم إن كنتم صادقين، فذهب فنحاص إلى رسول الله ﷺ فقال أبصر ما صنع بي صاحبك فقال رسول الله ﷺ لأبي بكر ما حملك على ما صنعت؟ فقال يا رسول الله ﷺ إن عدو الله قد قال قولا عظيما زعم أن الله فقير وأنهم عنه أغنياء فلما قال ذلك غضبت لله مما قال فضربت وجهه فجحد ذلك فنحاص وقال ما قلت ذلك فأنزل الله فيما قال فنحاص رداً عليه وتصديقاً لأبي بكر: ﴿لَقَدْ سَمِعَ..﴾ .١ الآية.
إن هذا سوء تصور عن الله سبحانه وسوء أدب معه جل شأنه.
سادسا: افتراؤهم على الله سبحانه أن الله عهد إليهم أن لا يؤمنوا لرسوله حتى يأتي بقربان تأكله النار ثم بعد ذلك يؤمنوا.
وهذا فيه كغيره تغرير بالأميين منهم ومن غيرهم وتشكيك في صحة وصدق نبوة محمد صلى عليه وسلم حتى يأتي ويتحقق ما قذفوه في روع السذج ولن يتحقق لأنه باطل وزور وبهتان.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ آل عمران ١٨٣.
стр. 79
يقول ابن كثير: "يقول تعالى تكذيبا- أيضاً- لهؤلاء الذين زعموا أن الله عهد إليهم في كتبهم أن لا يؤمنوا برسول حتى يكون من معجزاته أن من تصدق بصدقة من أمته فقبلت منه أن تنزل نار من السماء تأكلها. قاله ابن عباس والحسن وغيرهما"١.
ويقول سيد قطب: "وهي مجابهة قوية تكشف عن كذبهم والتوائهم وإصرارهم على الكفر وتبجحهم بعد ذلك وافترائهم على الله "٢.
سابعا: قولهم الباطل "ليس علينا في الأميين سبيل ".
ويقصدون بالأميين. العرب وهذه الفرية المكشوف عوارها والأكذوبة الموتورة أرادوا من ورائها أكل أموال الناس بالباطل وأنها حلال لهم.
قال تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِماً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ آل عمران ٧٥.
يقول ابن كثير:
"يخبر تعالى عن اليهود بأن فيهم الخونة ويحذر المؤمنين من الاغترار بهم فإن منهم (من إن تأمنه بقنطار أي من المال (يؤده إليك) ...
ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما أي بالمطالبة والملازمة والإلحاح في استخلاص حقك وإذا كان هذا صنيعه في الدينار فما فوقه أولى أن لا يؤديه "٣.
ثامنا: ادعاء كل طائفة من أهل الكتاب أن إبراهيم- ﵇ منهم.
قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالأِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ. هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ. مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ
стр. 80
كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ آل عمران ٦٥-٦٦.
يقول ابن كثير: "ينكر ﵎ على اليهود والنصارى في محاجتهم في إبراهيم الخليل- ﵇ ودعوى كل طائفة منهم أنه كان منهم "١.. وقال "هذا إنكار على من يحاج فيما لا علم له به، فإن اليهود والنصارى تحاجوا في إبراهيم بلا علم، ولو تحاجوا فيما بأيديهم منه علم مما يتعلق بأديانهم التي شرعت لهم إلى حين بعثة محمد ﷺ لكان أولى بهم، وإنما تكلموا فيما لا يعلمون، فأنكر الله عليهم، وأمرهم برد مالا علم لهم به إلى عالم الغيب والشهادة الذي يعلم الأمور على حقائقها وجلياتها"٢.
تاسعا: ادعاؤهم أنهم قتلوا المسيح- ﵇.
قال الله تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً. بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ النساء١٥٨.١٥٧.
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄ قال: لما أراد الله أن يرفع عيسى إلى السماء، خرج على أصحابه وفي البيت اثنا عشر رجلا من الحواريين، يعني فخرج عليهم من عين في البيت، ورأسه يقطر ماء فقال: إن منكم من يكفر بي اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن بي، قال: ثم قالت أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني، ويكون معي في درجتي؟ فقام شاب من أحدثهم سناً فقال له: اجلس. ثم أعاد عليهم، فقام ذلك الشاب فقال اجلس، ثم أعاد عليهم فقام الشاب فقال أنا فقالت: هو أنت ذاك فألقي عليه شبه عيسى، ورفع عيسى من روزنة في البيت إلى السماء قالت: وجاء الطلب من اليهود فأخذوا الشبه فقتلوه ثم صلبوه، فكفر به بعضهم اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن به، وافترقوا ثلاث فرق فقالت فرقة كان الله فينا ما شاء ثم صعد إلى السماء وهؤلاء اليعقوبية.
وقالت فرقة: كان فينا ابن الله ما شاء، ثم رفعه الله إليه، وهؤلاء النسطورية.
وقالت فرقة: كان فينا عبد الله ورسوله ما شاء الله، ثم رفعه الله إليه وهؤلاء
стр. 81
المسلمون فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها، فلم يزل الإسلام طامسا حتى بعث الله محمداً ﵊.
قال ابن كثير "وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس، ورواه النسائي عن أبي كريب عن أبي معاوية بنحو وكذا ذكره غير واحد من السلف أنه قال لهم: أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني وهو رفيقي في الجنة١.
إن الدافع لهم على قتله ﵇ كونه ذكر لهم أنه رسول الله فدفعهم الحسد دفعاً إلى التخلص منه ولذا قالوا من باب التهكم والسخرية والاستهزاء فيما حكاه الله تعالى عنهم ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّه﴾ .
عاشرا: دعواهم أن الله سبحانه هو المسيح- ﵇ تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا ولذا حكم الله بكفرهم.
قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ المائدة ٧٢.
إن المسيح ﵇ أول كلمة نطق بها وهو في المهد صغيرا قال إني عبد الله، وطلب ﵇ من بني إسرائيل عبادة الله وحده وعدم الإشراك به في حال نبوته وكهولته فيهم. قال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرائيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ المائدة ٧٢. ففي حال صغره وحال كهولته ديدنه ﵇ المناداة بالعبودية لله بدءا بنفسه ﵇ ودعوة لغيره.
وقد قال الله في حقه وحق أمه: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ المائدة ٧٥.
وقال سبحانه أيضا: ﴿إِنْ هُوَ إِلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرائيلَ﴾ .
الحادي عشر: دعواهم أن الله سبحانه ثالث ثلاثة.
стр. 82
قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ المائدة ٧٣.
ورد في سبب نزول هذه الآية ثلاثة أقوال.
الأول: أنها نزلت في اليهود والنصارى. وذلك عندما قالت اليهود عزير ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله، وصار الله سبحانه ثالثهم. تعالى الله عن هذا علوا عظيما. واستغرب هذا القول الحافظ ابن كثير في تفسيره وهو مروي عن أبي صخر عند ابن أبي حاتم.
الثاني: أنها نزلت في النصارى خاصة وهذا قول مجاهد وغيره وصححه ابن كثير في تفسيره.
ومرادهم الأقانيم الثلاثة، أقنوم الأب ثم الابن ثم أقنوم الكلمة المنبثقة من الأب إلى الابن١.
الثالث: أنها نزلت في كونهم جعلوا المسيح وأمه الصديقة الاهين مع الله جل شأنه. فصار الله ثالث ثلاثة.
قال ابن كثير: "وهذا القول هو الأظهر. وهو مروى عن السدي واستشهد له بقوله تعالى في آخر سورة المائدة: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ﴾ المائدة ١١٦.
стр. 83
الزكاة
في القرآن الكريم
تعدد ذكر الزكاة في القرآن الكريم في مواطن كثيرة مما يدل على أهميتها والعناية بها. والمتتبع لسور القرآن، المكي منها والمدني، يجد أن الزكاة ذكرت في النوعين، أعني: المكي والمدني، فهي من آكد العبادات بعد الشهادتين والصلاة، وقد قرنت بالصلاة كثيرا، كما سيأتي بيان ذلك.
قال ابن جرير: قال قتادة: وكان يقال: إن الزكاة قنطرة الإِسلام، فمن قطعها نجا، ومن تخلف عنها هلك، وقد كان أهل الردة بعد نبي الله قالوا: أما الصلاة، فنصلي، وأما الزكاة، فوالله لا تغصب أموالنا، قال أبو بكر: والله لا أفرق بين شيء جمع الله بينه، والله لو منعوني عقالا مما فرض الله ورسوله لقاتلناهم عليه ١.
ويقول ابن تيمية: وجعل الإِسلام مبنيا على أركان خمسة، ومن آكدها الصلاة, وهي خمسة فروض، وقرن معها الزكاة، فمن آكد العبادات: الصلاة وتليها الزكاة ففي الصلاة عبادته وفي الزكاة الإحسان إلى خلقه، فكرر فرض الصلاة في القرآن في غير آية، ولم يذكره إلا وقرن معها الزكاة ٢.
وقال تلميذه ابن كثير:
كثيرا ما يقرن الله تعالى بين الصلاة والإِنفاق من الأمواال، فإن الصلاة حق الله وعبادته، وهي مشتملة على توحيده والثناء عليه وتمجيده والابتهال إليه، ودعائه والتوكل عليه، والإِنفاق هو الإحسان إلى المخلوقين بالنفع المتعدي إليهم، وأولى الناس بذلك القرابات الأهلون والمماليك، ثم الأجانب، فكل من النفقات الواجبة والزكاة المفروضة داخل في قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ ، ولهذا ثبت في الصحيحين عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "بني الإِسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا
стр. 84
رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان وحج البيت"، والأحاديث في هذا كثيرة. انتهى١.
وقال ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ النساء٧٧.
كان المؤمنون في ابتداء الإِسلام وهم بمكة مأمورين بالصلاة والزكاة، وإن لم تكن ذات النصب، وكانوا مأمورين بمواساة الفقراء منهم٢.
ويقول المراغي في تفسيره ما نصه:
"وقد فرضت الزكاة المطلقة في أول الإسلام، وكانت اشتراكية، والباعث عليها القلوب والضمائر، لا إكراه الحكام، ثم جعلت معينة محددة عندما صار للإسلام دولة، وسرُّ الوضع الأولى: أن جماعة المسلمين في مكة قبل الهجرة كانوا محصورين، ومنهم الموسر والمعسر، وصاحب الثروة وذو الفقر المدقع، فوجب أن يقوم أغنياؤهم بكفالة فقرائهم وجوبا دينيا إذا كانت الزكاة المعينة لا تكفيهم٣.
ويقوله رشيد رضا٤:
فرضت الزكاة المطلقة بمكة في أول الإسلام، وترك مقدارها ودفعها إلى شعور المسلمين وأرحيتهم، ثم فرض مقدارها من كل نوع من أول الأموال في السنة الثانية على المشهور.. اهـ.
ويشهد لهذا قول الضحاك: كانت النفقات قربات يتقربون بها إلى الله على قدر ميسرتهم وجهدهم، حتى نزلت فرائض الصدقات: سبع آيات في سورة براءة مما يذكر فيهن الصدقات، هن الناسخات المثبتات٥.
ولقد وردت الزكاة في القرآن مجملة غير مفصلة ولا معروفة المقدار والأنصبة، لكن ثبت في السنة تفاصيلها وبيان مقدارها.
стр. 85
ولقد اعتنى القرآن بهذا الركن العظيم وتنوعت صيغه يا الدلالة عليه كما سيأتي بيانه، وكيفية الاعتناء بهذا الغرض في كتاب الله تتضح لنا وتتجلى الأمور التالية:
أولا: أهمية الزكاة في القرآن والعناية بها:
إن الله سبحانه تولى بنفسه العظيمة قسمتها وبيان حكمها، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ التوبة. ٦. وأخرج أبو داود في سننه بسند فيه ضعف من حديث عبد الرحمن بن زياد بن أنعم عن زياد بن نعيم عن زياد بن الحارث الصدائي ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ فبايعته، فأتى رجل فقال: أعطني من الصدقة، فقال له: إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو فجزأها ثمانية أصناف، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك ١. وقال الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآية:
لما ذكر تعالى اعتراض المنافقين الجهلة على النبي ﷺ ولمزهم إيّاه في قسم الصدقات، بيّن تعالى أنه هو الذي قسمها وبين حكمها وتولى أمرها بنفسه، ولم يكل قسمها إلى أحد غيره، فجزأها لهؤلاء المذكورين٢.
ثانيا: أنها أحد أركان الإسلام الخمسة:
فإن الزكاة المفروضة أحد مباني الإسلام الخمسة، كما ثبت ذلك النقل الصحيح عن النبي ﷺ حيث قال: بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان٣.
بل هي الركن الثالث من أركان الإسلام، جعلها الله قرينة للصلاة في مواطن كثيرة من كتابه الحكيم.
стр. 86
قال ابن زيد: افترض الله الصلاة والزكاة وأبى أن يفرق بينهما وأبى أن يقبل الصلاة إلا بالزكاة١.
ثالثا: إن المرء يستحق أخوة الِإيمان والدخول في جماعة المسلمين إذا حقق ثلاثة أمور وهي: الشهادة والصلاة والزكاة، قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ التوبة ١١.
قال الزين ابن المنير معلقا على هذه الآية: لأنها تضمنت أنه لا يدخل في التوبة من الكفر وينال أخوة المؤمنين في الدين إلا من أقام الصلاة وآتى الزكاة. أهـ ٢.
رابعا: إن الله سبحانه لا يقبل توبة المشرك به إلا إذا حقق الثلاثة الأمور السابقة، وهي الشهادة والصلاة والزكاة.
قال تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ التوبة ٥
يقول ابن كثير ﵀ ت ٧٧٤ هـ.
"ولهذا اعتمد الصديق ﵁ لا قتال مانعي الزكاة على هذه الآية الكريمة وأمثالها، حيث حرمت قتالهم بشرط هذه الأفعال، وهي الدخول في الإسلام والقيام بأداء واجباته، ونبه بأعلاها على أدناها، فإن أشرف الأركان بعد الشهادة الصلاة التي هي حق الله ، وبعدها أداء الزكاة التي هي نفع متعد للفقراء والمحاويج، وهي أشرف الأفعال المتعلقة بالمخلوقين، ولهذا كثيرا ما يقرن الله بين الصلاة والزكاة"٣. ويقول القرطبي ﵀:
"والأصل أن القتل متى كان للشرك يزول بزواله، وذلك يقتضي زوال القتل بمجرد التوبة من غير اعتبار إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ولذلك سقط القتل بمجرد التوبة قبل وقت الصلاة والزكاة، وهذا بين في هذا المعنى، غير أن الله تعالى ذكر التوبة، وذكر معها لشرطين آخرين، فلا سبيل إلى الغائهما"٤.
стр. 87
٦- وقال تعالى في أهل الكتاب عامة: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ البينة ٥
ابعا: إن القرآن حدد المصارف التي تصرف فيها الزكاة:
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ التوبة ٦٥.
وهذا النص يبين لنا أن الله سبحانه تولى أمر صرف الزكاة بنفسه العليّة وقسّمها وبين حكمها، ولم يكل ذلك إلى أحد من خلقه، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، فجزأها سبحانه بين هذه الأصناف الثمانية، وهذا يدل على العناية بأمر الزكاة وعظم شأنها، وأنه لا يجوز لأحد كائنا من كان أن يتصرف في هذه الفريضة وفق استحسانه أو هوا٥ أو رغبته سواء كان المعطى قريباً أم بعيداً.
وعن زياد بن الحارث الصدائي ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ فبايعته فأتى رجل فقال: أعطني من الصدقة، فقال له: إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو فجزأها ثمانية أصناف، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك ١.
ثامنا: كونها وردت في القرآن الكريم بصيغ متنوعة ومتعددة:
فقد وردت صراحة بلفظ الزكاة في عدة أماكن من القرآن الكريم.
ومرة وردت بلفظ الصدقة.
ومرة وردت بلفظ النفقة.
ومرة وردت بلفظ العفو.
وسيأتي بيان هذا كله إن شاء الله تعالى في باب معاني الزكاة في القرآن الكريم.
تاسعا: كونها مفروضة في العهد المكي جملة، ومفصلة في العهد المدني حيث ذكرت
стр. 88
الزكاة صراحة في بعض السور المكية، مثل قوله تعالى في سورة المزمل: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ . وفي سورة المؤمنون: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ .
ووردت في بعض السور الأخرى بغير لفظ الزكاة، كما في سورة الأنعام: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ ، وفي سورة الذاريات: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ ، وفي سورة المعارج: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ. لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ إلى غير ذلك من السور المكية التي ذكرت فيها الزكاة صراحة، إلا أن الزكاة في ذلك العهد لم تفصل أحكامها، وتتضح مقاديرها، وتذكر شروطها، ويعرف مستحقها، لكن جاء في الآيات المدنية بيان مستحقيها، والحث على ايتائها. وبينت السنة المطهرة أحكامها ومقاديرها وشروطها. يقول ابن كثير في أول سورة المؤمنون ما نصه:
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ الأكثرون على أن المراد بالزكاة ههنا زكاة الأموال مع أن هذه الآية مكية، وإنما فرضت الزكاة بالمدينة في سنة اثنتين من الهجرة. والظاهر أن التي فرضت بالمدينة إنما هي ذات النصب والمقادير الخاصة وإلا فالظاهر أن أصل الزكاة كان واجبا بمكة، كما قال تعالى في سورة الأنعام وهي مكية: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِه﴾ آية ١٤١١.
وقال في آخر سورة المزمل ما نصه:
وقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ : أي أقيموا صلاتكم الواجبة عليكم، وآتوا الزكاة المفروضة، وهذا يدل لمن قال: إن فرض الزكاة نزل بمكة، لكن مقادير النصب والمخرج لم تبين إلا بالمدينة، والله تعالى أعلم٢.
стр. 89
معاني الزكاة في القرآن الكريم
تكرر لفظ الزكاة في القرآن الكريم حوالي اثنين وثلاثين مرة، وردت معرفة بالألف واللام في ثمانية وعشرين موضعا، ووردت منكرة في بقية المواضع، وفي أحد هذه المواضع المعرفة وردت في سياق واحد مع الصلاة، وإن كان يفصل بينهما آية واحدة، وذلك في أول سورة المؤمنون، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ .
وقرنت الزكاة بالصلاة في ستة وعشرين موضعا.
ووردت في القرآن الكريم بغير لفظها الصريح، كالإنفاق والصدقة والعفو وهي بمعنى الزكاة، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى.
والقرآن الكريم لما عبر عن الزكاة بلفظها الصريح، لم يقصره ويحصره على الزكاة المفروضة، بل جعل له دلالات ومعان أخر، كما أنه لم يحصر أو يقصر التعبين عن الزكاة المفروضة بلفظ الزكاة الصريح، بل عبر عنها بألفاظ أخرى كما أشير إليه أعلاه.
يقول ابن العربي ﵀: تطلق الزكاة على الصدقة الواجبة والمندوبة والنفقة والحق والعفو.١
وقال: والصدقة متى أطلقت في القرآن فهي صدقة الفرض٢.
ولنبدأ الآن في الشروع في بيان معاني لفظ الزكاة الواردة في القرآن الكريم بلفظ الزكاة أو مشتقاتها:
أولا: أطلق القرآن الكريم لفظ الزكاة، وأريد بها معان عدة٣
المعنى الأول: الزكاة المفروضة:
وهذا المعنى تكرر في القرآن في أغلب المواطن التي ذكر فيها لفظ الزكاة خاصة إذا كانت مقرونة بالصلاة، ومن ذلك:
стр. 90
ا- قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ البقرة ٤٣.
قال قتادة: فريضتان واجبتان فأدوهما إلى الله. ١.
وقال الطبري: أما إيتاء الزكاة، فهو أداء الصدقة المفروضة.
وقال الحسن: فريضة واجبة لا تنفع الأعمال إلا بها مع الصلاة.
وقال أبو محمد بن أبي حاتم وكذا روى عن عائشة٢.
وقال البغوي: أدوا زكاة أموالكم المفروضة٣ وقال ابن عطية: والزكاة في هذه الآية هي المفروضة بقرينة إجماع الأمة على وجوب الأمر بها٤.
وقال القرطبي: أمر أيضاً يقتضي الوجوب. والإيتاء: الإعطاء، ثم قال: واختلف في المراد بالزكاة هنا، فقيل: الزكاة المفروضة لمقارنتها بالصلاة ٥، وحكى أن هذا قول أكثر العلماء.
٢- وقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلا قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ البقرة ٨٣.
روى ابن جرير بسند فيه ضعف عن الضحاك عن ابن عباس قال: إيتاء الزكاة ما كان الله فرض عليهم في أموالهم من الزكاة، وهي سنة كانت لهم غير سنة محمد ﷺ كانت زكاة أموالهم قربانا تهبط إليه نار فتحملها فكان ذلك تقبله، ومن لم تفعل النار به ذلك كان غير متقبل، وكان الذي قرب من مكسب لا يحل من ظلم أو غشم، أو أخذ بغير ما أمر الله به وبينه له٦.
وقال أبو الليث السمرقندي: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ : المفروضة٧.
стр. 91
٣- وقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ البقرة ١١٥.
قال مقاتل بن سليمان: يعني: أعطوا الزكاة المفروضة ١.
٤- وقوله تعالى: ﴿وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ﴾ البقرة ١٧٧.
قال سعيد بن جبير: ﴿وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ : يعني الزكاة المفروضة ٢.
وكذلك قال مسلم بن يسار.
وقال مقاتل بن سليمان: ﴿وَآتَى﴾ : وأعطى، ﴿الزَّكَاةَ﴾ : المفروضة ٣ وكذلك فسرها أبو الليث السمرقندي٤.
٥- وقوله تعالى: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاهُمْ يَحْزَنُونَ﴾ البقرة ٢٧٧
قال ابن جرير: وآتوا الزكاة المفروضة عليهم في أموالهم ٥.
وقال مقاتل بن سليمان: يعني: وأعطوا الزكاة من أموالهم ٦.
٦- وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاة ... الآية﴾ النساء٧٧.
قال ابن جرير: "ذكر أن هذه الآية نزلت في قوم من أصحاب رسول الله ﷺ كانوا قد آمنوا به وصدقوه قبل أن يفرض عليهم الجهاد، وقد فرض عليهم الصلاة والزكاة، وكانوا يسألون الله أن يفرض عليهم القتال، فلما فرض عليهم القتال شق ذلك عليهم، وقالوا ما أخبر الله عنهم في كتابه٧.
стр. 92
وهذا السبب الذي ذكره ابن جرير ساقه بإسناده من حديث ابن عباس ﵄ بلفظ: أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابا له أتوا النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله: كنا في عز ونحن مشركون فلما آمنا صرنا أذلة، فقال: إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا، فلما حوله الله إلى المدينة أمره بالقتال، فكفوا فأنزل الله ﵎: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُم ْ ... الآية﴾ .
وهذا الحديث رواه ابن أبي حاتم والنسائي والحاكم وابن مردويه كما ذكر ذلك ابن كثير١.
المعنى الثاني: المراد به الشهادة:
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ فصلت ٦-٧.
قال ابن عباس ﵄: هم الذين لا يشهدون لا إله إلا الله٢.
وقال عكرمة: الذين لا يقولون لا إله إلا الله.
قال ابن كثير: والمراد بالزكاة ههنا طهارة النفس من الأخلاق الرذيلة ومن أهم ذلك طهارة النفس من الشرك٣.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن المراد بالآية المذكورة زكاة الأموال، وهذا مروي
عن قتادة والسدي٤.
وصوّب هذا القول الحافظ ابن جرير بناء على أن ذلك هو الأشهر من معنى الزكاة، وقال ابن كثير: وهذا هو الظاهر عند كثير من المفسرين، واختاره ابن جرير، وفيه نظر، لأن إيجاب الزكاة إنما كان في السنة الثانية من الهجرة إلى المدينة على ما ذكره غير واحد، وهذه الآية مكية٥.
стр. 93
المعنى الثالث: إن المراد بها تزكية البدن، وتطهيره من الذنوب والمعاصي:
قال تعالى: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً﴾ مريم ٣١.
فسرت الزكاة في هذا الموضع بمعنيين:
الأول: أن المراد بها زكاة الأموال.
والثاني: تطهير الجسد من دنس الذنوب، وهو الذي مال إليه الحافظ ابن جرير١.
ومنذ قوله تعالى: ﴿وَحَنَاناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيّاً﴾ مريم ١٣.
قال ابن جرير: الطهارة من الذنوب، واستعمال بدنه في طاعة ربه (٢) . وكذلك قوله تعالى: بوليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبي!! ن واتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلن وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة ... الآية! هو البقرة ١٧٧. قال ابن كثير:
وقوله:! ووءاتى الزكاة! يحتمل أن يكون المراد به زكاة النفس وتخليصها من الأخلاق الدنية الرذيلة، كقوله: (قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها! والشمس ٩-١٥، وقول موسى لفرعون: كوهل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى! والنازعات ٨ ا-١٩. وقوله تعالى:! ووويل للمشركين الذين لأ يؤتون الزكاة! وفصلت ٧.
ويحتمل أن يكون المراد زكاة المالي، كما قال سعيد بن جبير، ومقاتل بن حيان، ويكون المذكور من اعطاء هذه الجهات والأصناف المذكورين إنما هو التطوع والبر والصلة، ولهذا ورد في الحديث عن فاطمة بنما قيس: أن في المال حقا سوى الزكاة، والله أعلم (٣) أهـ.
стр. 94
ثانيا: عبر عن الزكاة في القرآن الكريم بغيريفظها الصريح، وهو أنواع:
أطلق لفظ الصدقة والمراد به الزكاة:
قال تعالى: (إنما الصدقات للفقراء والمسحن والعاملن عليها والمؤلفة قلويهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله علينم حكيم) التوبة ٦٠.
فقوله: (فريضة من الله وهو: أي حكما مقدرا بتقدير الله وفرضه وقسمه.
ومن ذلك قوله تعالى: (ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون) التوبة ٥٨.
وقوله تعالى: (وخذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم والله سميع عليم) التوبة ١٠٣.
وقوله تعالى: (يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لايحب كل كفار أثيم) البقرة ٢٧٦.
٢- الإِنفاق: أطلق وأريد به الزكاة، ومن ذلك:
قوله تعالى: (ومما رزقناهم ينفقون) البقرة ٣
وقوله تعالى: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم) التوبة ٣٤.
من أوجه اليسر في الزكاة:
أولا: كون الزكاة مفروضة في الأموال الفضليّة دون الأموال المعدة للقنية والاحتياج (كالمنزل الذي يسكنه والعقار الذي يحتاج إليه والأواني والفرش والأثاث التي يستعملها، وعبيد الخدمة وحيوانات العمل) (١) .
ثانيا: أن ايجابها مشروط بشرطين:
أ- بلوغ النصاب.
٢- أن يحول عليه الحول.
стр. 95
ثالثا: أمر الشارع بالتوسط في أخذ الزكاة، فلا يؤخذ من المزكى كرائم ماله، ولا الرديء المغمض فيه.
رابعا: فرق الشارع الحكيم في الزكاة في الخارج من الأرض من الثمار فما خرج منها بمؤنة كسقي ففيه نصف العشر، وما خرج منها بلا مؤنة كسقي المطرففيه العشر، وهذا مشروط بأن تبلغ ثلاثمائة صاع فصاعدا.
خامسا: ما عثرعليه من دفن الجاهلية سواء كان كثيرا أوقليلا ففيه الخمس، وهو المعروف بالركاز، للحديث المتفق عليه: في الركاز الخمس (١) ، وهذا من اليسر، حيث لم يأخذه كله أو نصفه.
سادسا: أوجب الشرل الزكاة في الخارج من الأرض من الثمار عند حصاده، لقوله تعالى: (وءاتوا حقه يوم حصاده) الأنعام ١٤١، وهذا فيه يسر من ناحيتين:
الأولى: يسر اخراجه على مالكه.
والثانية: تعلق طمع المحتاج إليه في تلك الحالة (٢) .
سابعا: لم يوجب الشرع الزكاة في بهيمة الأنعام حتى تبلغ النصاب المقدر شرعا
(ثم من تسهيله لم يوجب ثا هذا النوع حتى تتغذى بالمباح، وتسوم الحول أوأكثره، فإذا كان صاحبها يعلفها، فلا يجمع عليه بين مؤنة العلف وايجاب الزكاة عليه (٣) .
الاَثار المترتبة على أداء الزكاة:
أولا: تحقيق الطاعة والعبودية لله سبحانه، والِإتباع لرسوله علميه، قال تعالى: (ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما) الأحزاب ٧١.
ثانيا: كونهاتطهيراللنفس وتزكية لها.
قال تعالى: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها..) التوبة ١٠٣.
стр. 96
يقول ابن سعدي ﵀: ولهذا سميت زكاة لأنها تزكى صاحبها فيزداد إيمانه
ويتم إسلامه.
ثالثا: كونها تطهيراً للمال وزيادة يا نمائه وسببا في بركته:
قال تعالى: (وماءاتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون) الروم ٣٩.
وقال تعالى: (ويمحق الله الربا ويربب الصدقات) البقرة ٢٦٨.
وقال تعالى: (وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين) سبأ ٣٩.
رابعا: القضاء على الشح فإنه خصلة ذميمة وخلق سيء:
قال تعالى: (لووكان الانسان قتوراً) الِإسراء١٠٠.
وقال تعالى: (وأحضرت الأنفس الشح) النساء١٢٨.
والإِقتار والشح قيود للإِنسان وعبودية، والمطلوب منه أن يكسرتلك القيود ويخلص العبودية لخالقه، فبإخراجه الزكاة طيبة بها نفسه خالصة بها نيته علو وارتفاع.
خامسا: التعود على الِإنفاق والبذل والعطاء.
والِإنفاق خصلة كريمة، وصفة رفيعة، وخلق جميل، ضد الشح تماما، بل هو علامة على الإِسلام والإِيمان والتقوى.
قال تعالى: (والذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون) البقرة ٣.
وقال تعالى: (الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقا
لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم) الأنفال ٢، ٣.
يقول عبد القادر عودة:
"على أن الإِنفاق يعتبرها الاسم أصلا من أصول البر، أي الخير، فلا يتم الخيرإلا بالِإنفاق، لقوله تعالى: (ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر منءامن بالله واليوم الاَخر والملائكة والكتاب والنبي!! ن وءاتى المال على حبه ذوي القربى
стр. 97
واليتامى والمساكن وابن السبيل والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون) (١) .
ولقد ورد الحث على الِإنفاق في القرآن في مواطن متعددة، ومن أهم ذلك أن القرآن المكي اعتنى بهذا الخلق العظيم:
قال تعالى: (والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما زقناهم ينفقون) الشورى ٣٨.
وقال تعالى: (والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم) المعارج ٢٥.
وقال تعالى: (فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى ومايغني عنه ماله إذا تردى) الليل ٥- اا.
وقال تعالى: (وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلأ ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى) (٢) .
سادسا: كونها عونا لأهل الحاجات ورفعا لكرامتهم وصونا لها:
يقول القرضاوي: والزكاة بالنظر لأخذها تحرير للِإنسان مما يمس كرامة الإِنسان، ومؤازرة عملية ونفسية له في معركته الدائرة مع أحداث الحياة، وتقلبات الزمان، فمن الذي يأخذ الزكاة ويستفيد منها من الأفراد:
إنه الفقيى الذي أتعبه الفقر.
أو المسكين الذي أرهقته المسكنة.
أو الرقيق الذي أذله الرق.
أو الغارم الذي أضناه الدين.
أو ابن السبيل الذي أبأسه الانقطاع عن الأهل والمال (٣) .
стр. 98
الصوم في القرآن الكريم
فرض الله سبحانه الصوم على هذه الأمة كما فرضه على الذين من قبلهم، طاعة لربهم، ووقاية لهم من الذنوب والمعاصي: قال تعالى: (يا أيها الذينءامنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) البقرة ١٨٣.
والصوم سوأء كان فرضا أو نفلًا له فضل عظيم عند الله، بينت السنة الصحيحة
ثوابه ومنزلته.
ففي الصحيحين وغيرهما عن سهل بن سعد الساعدي ﵁ أن النبي ﷺ قال: إن في الجنة باباً يقال له الريان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لايدخل منه أحد غيرهم، يقال: أين الصائمون؟ فيقومون فيدخلون، فإذا أغلق عليهم لم يدخل منه أحد (١) .
ومن فضل الصوم أن الله سبحانه تولى الجزاء عليه، وأضافه إليه سبحانه:
ففي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "والذي نفسي بيده، لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، يقول الله عزوجل: إنها ترك شهوته وطعامه من أجلي فالصيام لي، وأنا أجزي بهإ (٢) .
وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: من صام
يوما في سبيل الله باعد الله وجهه عن النارسبعين خريفا (٣) .
قال القرطبي:
وإنما خص الصوم بأنه له، وإن كانت العبادات كلها له، لأمرين باين الصوم بهما
سائر العبادات:
أحدهما: أن الصوم يمنع من ملاذ النفس وشهواتها، مما لايمنع منه سائر
العباد ات.
стр. 99
الثاني: أن الصوم سر بين العبد وبين ربه، لا يظهر إلا له، فلذلك صار مختصا
به، وماسواه من العبادات ظاهر، ربما فعله تصنعا ورياء، فلهذا صار أخص بالصوم من غيره، وقيل غيرهذا (١) .
تعريف الصوم لغة وشرعاً:
يطلق الصوم في اللغة على الكف والِإمساك عن الكلام، ومنه قوله تعالى عن مريم ﵍: (إني نذرت للرحمن صوما فلن كلم اليوم إنسيا) مريم ٢٦.
ومنه قول النابغة الذيباني:
خيل صيام وخيل غيرصائمة تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما
قال ابن فارس في مادة صوم:
الصاد والواو والميم أصل يدل على امساك وركود في مكان، من ذلك صوم الصائم،
وهو امساكه عن مطعمه ومشربه وسائرمامنعه، ويكون الامساك عن الكلام صوما (٢) . وأما في الشرع، فهو الِإمساك عن الأكل والشرب والجماع من الفجر حتى غروب الشمس، كما حدده الشارع الحكيم.
قال تعالى: (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل) البقرة ١٨٧.
قالط القرطبي: وتمامه وكماله باجتناب المحظورات، وعدم الوقوع في المحرمات، لقوله ﵊: من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه " (٣) .
معاني الصوم في القرآن:
يطلق الصوم في القرآن الكريم على معنيين:
الأول: الصوم الشرعي المعروف الذي هو الِإمساك والكف عن الأكل والشرب
стр. 100
والجماع، من طلوع الفجر حتى غروب الشمس، ومنه قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) البقرة ١٨٣. وقوله تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) مهو البقرة ١٨٥.
الثاني: الصمت والكف عن الكلام.
ومنه قوله تعالى: (إني نذرت للرحمن صوما فلن كلم اليوم إنسيا) (١) مريم ٢٦.
عناية القرآن الكريم بالصوم:
تتجلى العناية القرآنية بالصوم في الأمور التالية:
أولا: إن الصوم كان مفروضا على الأمم السابقة.
ثانيا: إن الصوم مفروض على هذه الأمة، وهذه زيادة في العناية به على من سبق،
ويدل على هذين الأمرين قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) البقرة ١٨٣.
ثالثا: إن الصوم مفروض على المريض والمسافر، لقوله تعالى:! الوفمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر! هو البقرة ١٨٤.
وهذا يدل على الاهتمام والعناية به، حتى في حالات الطوارىء التي تطرأ على الإِنسان.
رابعا: تعدد أنواعه يا القرآن الكريم كما سيأتي بيانه.
أنلا الصيام في القرآن الكريم:
أولا: صوم الفرض، الذي هو صوم شهررمضان:
قالت تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه) البقرة ١٨٣: ١٨٥.
стр. 101
ثانيا: صوم الفدية، وهو نوعان:
النوع الأول: مقداره عشرة أيام، ولايكون إلا عند العجز عن الاتيان بالفدية، ويؤدى على مرحلتين:
المرحلة الأولى: صوم ثلاثة أيام في الحج.
المرحلة الثانية: صوم سبعة أيام إذا رجع إلى أهله:
قال تعالى: (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام
ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب) .
النوع الثاني: مقداره ثلاثة أيام، وذلك عندما يخل الِإنسان ببعض نسك الحج لطارىء طرأ عليه، كالمرض والأذى: قال تعالى:! وفمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام..! الآية البقرة ١٩٦.
وقد بينت السنة النبوية مقدار هذا الصيام:
أخرج البخاري بسنده عن عبد الله بن معقل قال: قعدت إلى كعب بن عجرة في
هذا المسجد- يعني مسجد الكوفة- فسألته عن فدية من صيام، فقال: حملت إلى النبي ﷺ سَبيهإِ، والقمل يتناثر على وجهي، فقال: ماكنت أرى أن الجهد بلغ بك هذا، أما تجد شاة؟ قلت: لا، قال: صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكن، لكل مسكيئ نصف صاع من طاعم، واحلق رأسك، فنزلت في خاصة، وهي لكم عامة (١) .
ثالثا: صوم الكفارة، وهي أنلا:
الأول: صح كفارة القتل، ومقداره شهران متتابعان:
قال تعالى: (ما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير
رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله عليما حكيما) النساء٩٢.
стр. 102
وصوم هذين الشهرين الشرط فيه التتابع، لا إفطار فيها إلا من عذر شرعي كالمرض أو النفاس أو الحيض، فإن قدر أنه أفطر من غيى عذر، استأنف الصيام من جديد.
الثاني: صح كفارة الظهار، ومقداره شهران متتابعان:
لقوله تعالى: (والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعن من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا.. . الآية) المجادلة ٣، ٤. الثالث: صوم كفارة اليمين، ومقداره ثلاثة أيام:
وذلك بعد العجز عن اعتاق رقبة أو اطعام عشرة مساكين أو كسوتهم:
قال تعالى: (لايؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدّتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ماتطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبذلن الله لكم آياته لعلكم تشكرون) المائدة ٨٩.
الرابع: صوم كفارة قتل الصيد وهومحرم:
قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لاتقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ماقتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه. والله عزيز ذو انتقام) المائدة ٩٥.
ومقدار الصيام في هذه الكفارة مطلق غيى مقيد، ولم يرد بتحديده وتعيينه نص شرعي في حد علمي، وبناء على هذا اختلفت أقوال أهل العلم في تقديره.
والذي يدل عليه ظاهر الاَية أن المحرم الذي ارتكب ذلك المحظور فهو مخدر بين
أحد ثلاثة أمور: إما المثل، وإما اطعام مساكين، واما عدل ذلك من الصيام، أي عدل الطعام صياما، سواء كثر ذلك الطعام أو قل.
يقول الشيخ الشنقيطي:
"واعلم أن ظاهر الآية الكريمة أنه يصوم عدل الطعام المذكور. ولوزاد الصيام عن
стр. 103
شهرين أو ثلاثة، وقال بعض العلماء: لايتجاوز صيام الجزاء شهرين، لأنهما أعلى الكفارات، واختاره ابن العربي، وله وجه من النظر، ولكن ظاهر الاَية يخالفه (١) انتهى. الخامس: صوم كفارة الجماع، ومقداره شهران متتابعان:
وهذا النوع من الصيام لم يرد له ذكر في القرآن الكريم، وإنما السنة النبوية هي التي نصت عليه وبينته.
ففي الصحيحن من حديث أبي هريرة ﵁ قال: بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ إذ جاءه رجل فقال: يارسول الله هلكت، قال: مالك؟ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال رسول الله عييه: هل تجد رقبة تعتقها، قال: لا، قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا ... الحديث (٢) واللفظ للبخاري. رابعا: صوم النفل:
وهو أنه، منها ماهو مطلق، ومنها ماهو مقيد.
خامسا: صوم محرم:
وهذان الأخيران ورد بيانهما في السنة النبوية، ولم يرد لهما ذكر أو اشارة في القرآن الكريم، فلم أدخل في بيان تفصيلاتها وذكر أفى لتها.
أوجه اليسر في الصيام:
الصيام عبادة تولى الله سبحانه الاجزاء عليها، ومضاعفة الثواب لمن قام بها خير قيام، ومع هذا، فهي ميسرة، ليس فيها تكليف بما لايطيق العبد، أو تذمر وملل، وسبحان العالم بما يصلح أحوال النفوس البشرية ويهذبها وبربيها ويخضعها للامتثال الشرعي سرا وعلانية، ومن أوجه اليسر يا الصيام الآتي:
أولا: إن الله سبحانه لما كتب على عباده الصوم جعل له مدة معينة محدودة، وأياما معدودة، ولم يفرضه على الاطلاق في جميع الأوقات على الِإنسان، حتى لايشق عليه، بل وعينه في شهرواحد، وهوشهررمضان المبارك:
стр. 104
قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياما معدودات..) الاَية. البقرة ٨٣ أ-١٨٤.
ثانيا: إن الله سبحانه لما فرض علينا صيام تلك الأيام المعدودة شرع لنا صيام النهار، والاقتصار عليه من الفجر حتى غروب الشمس، وأباح لنا الافطار والأكل والشرب لا بقية الجزء الاَخر وهو الليل: قال تعالى: (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل) البقرة ١٨٧. ثالثا: إن الله سبحانه لم يكلف المريض صيام ما افترض عليه حتى يبهأ من مرضه، وكلفه القضاء من أيام أخر:
قال تعالى: (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر ... ) البقرة ١٨٤.
رابعا: إن الله سبحانه رخص للمسافر أن يفطر في سفره، وألزمه القضاء في أيام أخر: قال تعالى: (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر ... ) البقرة ١٨٤.
خامسا: إن من فاته شيء من رمضان لعذرما وجب القضاء موسعاً، فله قضاؤه من رمضان إلى رمضان وهذا من اليسرفي قضاء الصوم.
стр. 105
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
...
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
(المعروف) : اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله والتقرب إليه، والِإحسان إلى الناس، وكل ماندب إليه الشرع، ونهى عنه من المحسنات والمقبحات.
وهو من الصفات الغالبة: أي أمر معروف بين الناس، إذا رأوه لاينكرونه (١) . (والمنكر: ضد المعروف، وكل ما قبحه الشرع وحرمه وكرهه فهومنكر (٢) .
ومن خلال هذا التعريف للمعروف والمنكر يتضح للناظر شمولية كل من المعروف والمنكر للشرع كله: أمره ونهيه، بمعنى أن المعروف يشمل كل ما أمر به الشارع، والمنكر يشمل كل مانهى عنه الشارع، وعلى هذا، فإن أل التعريف تفيد الاستغراق الذي يفيد العموم (٣) . وباب الأمر والنهى لايختصان بجانب واحد من الحياة بل يعمان جميع جوانب الحياة كلها (٤) . وقد فهم السلف الصالح ﵏ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كذلك يقول ابن جرير:
"وأصل المعروف كل ماكان معروفا فعلا، جميلا مستحسنا غيرمستقبح في أهل الِإيمان بالله، وإنما سميت طاعة الله معروفا، لأنها مما يعرفه أهل الِإيمان، ولا يستنكرون فعله.
وأصل المنكر ما أنكره الله، ورأوه قبيحا فعله، ولذلك سميت معصية الله منكرا،
لأن أهل الِإيمان بالله يستنكرون ويستعظمون ركوبها (٥) .
ويقول عند تفسيره لقوله تعالى: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف) آل عمران ١٠٤.
يقول: (ولتكن منكم) أيها المؤمنون (وأمة) يقول جماعة، (ويدعون) الناس (إلى الخير) ويعني الِإسلام وشرائعه التي شرعها الله لعباده، (ويأمرون بالمعروف)
стр. 106
ويقول: يأمرون الناس باتباع محمد ﷺ ، ودينه الذي جاء به من عند الله، (وينهون عن المنكر) يعني عن الكفر بالله والتكذيب بمحمد عنه وبما جاء به من عند الله بجهادهم بالأيدي والجوارح حتى ينقادوا لكم بالطاعة (١) .
وقال في تفسير قوله تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف) آل عمران ١٠٩.
وأما قوله: (تأمرون بالمعروف) فإنه يعني: تأمرون بالإِيمان بالله ورسوله والعمل بشرائعه ... ، (وتنهون عن المنكر) ويعني وتنهون عن الشرك بالله وتكذيب رسوله، وعن العمل بمانهى عنه (٢) .
وعن أبي العالية الرياحي قال: كل آية ذكرها الله في القرآن في الأمر بالمعروف فهو الإِسلام، والنهي عن المنكر هو عبادة الأوثان (٣) .
وقال الجصاص:
المعروف هو أمر الله ... والمنكر هو مانهى الله عنه (٤) .
وقال أبو حيان:
فسر بعضهم المعروف بالتوحيد، والمنكر بالكفر، ولاشك أن التوحيد رأس المعروف، والكفررأس المنكر، ولكن الظاهر العموم في كل معروف مأمور به في الشرع، وفي كل منهي عنه في الشرع (ْ٥)
وقال ابن حجر الهيثمي:
المراد بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: الأمر بواجبات الشرع والنهي عن محرماته (٦) .
стр. 107
وقال الألوسي: والمتبادر من المعروف الطاعات، ومن المنكر المعاصي التي أنكرها الشرع (١) .
ويقول ابن تيميه:
ويدخل في المعروف كل واجب، وفي المنكركل قبيح، والقبائح هي السيئات وهي المحظورات كالشرك والكذب والظلم والفواحش (٢) .
وقال أيضا:
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الذي أنزل الله به كتبه، وأرسل به رسله، وهو من الدين، فإن رسالة الله إما اخبار وإما إنشاء: فالاخبار عن نفسه ، وعن خلقه، مثل: التوحيد والقصص الذي يندرج فيه الوعد والوعيد، والانشاء: الأمر والنهي والاباحة (٣) .
ويقول عبد القادر عودة:
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يدخل فيه الأمر بكل ما أوجبت الشريعة عمله، وأوجبت للناس فعله من صلاة وصيام وحد وتوحيد وغيرذلك، والنهي عن كل ماخالف الشريعة من أفعال وعقائد، فيدخل فيه النهي عن التثليث وعن القول بصلب المسيح وقتله، ويدخل فيه النهي عن الترهيب، وعن شرب الخمر، وعن أكل لحم الخنزير، وغير ذلك مما خالف فيه الشريعة الِإسلامية الأديان الأخرى (٤) .
فهذا هو فهم بعض السلف الصالح لبعض نصوص الكتاب والسنة الواردة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي نصوص مطلقة في هذا بحيث لايصح لانسان حصرها في مفهوم معين كما هومعروف في هذا الزمان لدى طلاب العلم وغيرهم من أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر محصور في الوعظ والِإرشاد فقط (ْ٥)
стр. 108
عناية القرآن الكريم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
أولا: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان واجبا على الأمم المتقدمة.
قال تعالى: (إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم) آل عمران ٢١.
قال القرطبي في تفسيىه:
دلت هذه الآية على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان واجبا في الأمم المتقدمة، وهو فائدة الرسالة، وخلافة النبوة (١) .
قال تعالى: (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون) البقرة ٤٤.
وهذه الاَية نزلت يأ اليهود، وبالأخص منهم العلماء:
قال ابن عباس: كان يهود المدينة يقول الرجل منهم لصهره ولذي قرابته، ولمن بينه وبينه رضاع من المسلمين: اثبت على الذي أنت عليه، وما يأمرك به هذا الرجل - يريدون محمدا ﷺ فإن أمره حق، فكانوا يأمرون الناس بذلك ولايفعلونه (٢) .
قال تعالى: (يابني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور) لقمان ١٧.
يقول القرطبي:
وصى ابنه بعظم الطاعات، وهي الصلاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا إنما يريد به بعد أن يمتثل ذلك هو في نفسه ويزدجرعن المنكر، وهذه هي الطاعات والفضائل أجمع.
وقال تعالى: (ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين) آل عمران ١٣ ا-١١٤.
стр. 109
ثانيا: أن الله سبحانه أوجب اللعنة على بعض تلك الأمم لتركها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
قال تعالى: (لعن الذين كفروا من بني اسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لايتناهون عن منكر فعلوه لبئس ماكانوا يفعلون) المائدة ٧٨، ٧٩.
قال ابن كثير:
"أي كان لاينهى أحد منهم أحدا عن ارتكاب المآثم والمحارم، ثم ذمهم على ذلك ليحذر أن يرتكب مثل الذي ارتكبته، فقال: لبئس ماكانوا يفعلون (١) .
وأخرج الِإمام أحمد بسنده عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : لما وقعت بنو اسرائيل في المعاصي، نهتهم علماؤهم، فلم ينتهوا، فجالسوهم في مجالسهم.
قال يزيد: أحسبه قال: في أسواقهم، وواكلوهم وشاربوهم. فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم (وذلك بما عصوا وكانوا يعتدون) ، وكان رسول الله علييه متكئا فجلس، وقال: لا والذي نفسي بيده، حتى تأطروهم على الحق أطراً (٢) .
ثالثا: الايجاب والتأكيد على الأمة المحمدية بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
قال تعالى: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) آل عمران ١٠٤.
ذكر القرطبي أن (من) تحتمل أمرين:
الأول: أنها تبعيضية.
الثاني: أنها لبيان الجنس.
والفرق بين الأمرين:
أن المعنى على القول الأول: أن الأمرين يجب أن يكونوا علماء وليس كل الناس علماءبل بعضهم.
стр. 110
وعلى الثاني فالمعنى: لتكونوا كلكم كذلك.
قال القرطبي: قلت: القول الأول أصح، فإنه يدل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض على الكفاية، وقد عينهم الله تعالى بقوله: (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة..) الاَية. وليس كل الناس مكنوا أهـ (١) .
وقال الشوكاني في تفسيى هذه الآية:
وفي الاَية دليل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ووجوبه ثابت بالكتاب والسنة، وهو من أعظم واجبات الشريعة المطهرة وأصل عظيم من أصولها، وركن مشيد من أركانها وبه يكمل نظمها ويرتفع سنامها. أهـ (٢) .
وقال ابن كثير: والمقصود من هذه الاَية أن تكون فرقة من هذه الأمة متصدية لهذا الشأن، وإن كان ذلك واجبا على كل فرد من هذه الأمة بحسبه (٣) .
وهذا هو الذي يظهر لي، وأنه واجب على كل فرد مسلم كل بحسبه وطاقته وأنه على مراتب، ولايمنع هذا من تكليف فرقة من الأفةِ بالقيام بهذا الركن العظيم.
رابعا: إن الله سبحانه رتب على القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الخير والصلاخ، وأن هذه الأمة استحقت الخيرية لقيامها بهذا الأمر العظيم:
قال تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ... ) آية عمران: ١١٥.
قال مجاهد: (كنتم خير أمة أخرجت للناس) على الشرائط المذكورة فى الآية (٤) .
قال القرطبي: وعلى قول مجاهد: كنتم خيرأمة إذا كنتم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر (٥) .