← Тафсир

Тафсир · id 419

تفسير الحداد المطبوع خطأ باسم التفسير الكبير للطبراني

أبو بكر الحداد

Полный текст (3 082 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ؛﴾ الذّرّيّة تكون واحدا وجمعا، فكونها الواحد: قوله تعالى: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ (١)،وكونها للجمع قوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةً ضِعافاً﴾ (٢).وقوله تعالى ﴿(قُرَّةَ أَعْيُنٍ)﴾: ﴿(يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيّاتِنا)﴾ أراد أتقياء. وقال مقاتل: (معناه: اجعلهم صالحين فنقرّ أعينا بذلك) (٣).وقال الحسن: (ما من شيء أقرّ لعين المسلم من أن يرى ولده وولد ولده مطيعين لله) (٤). وقوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً﴾ (٧٤)؛أي يقتدي بنا في الخير، والمعنى: اجعلنا صالحين نأتمّ بمن قبلنا من المسلمين حتى يأتمّ بنا من بعدنا. قال الفرّاء: (إنّما قال ﴿(إِماماً)﴾ ولم يقل: أئمّة كما قال: ﴿(إِنّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ)﴾ للاثنين، يعني: إنّه من الواحد الّذي يريد به الجميع) (٥).وفي الحديث: [من رزق إيمانا وحسن خلق فذاك إمام المتّقين] (٦). وقوله تعالى: ﴿أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا؛﴾ أي أهل هذه الخصال هم الذين يجزون الغرفة في الجنّة بصبرهم على الطاعة وعن المعصية وعلى مكاره الزّمان ومحن الدّنيا. والغرفة هي البناء العالي المرتفع، قال مقاتل: (يعني غرف الجنّة).وقال مقاتل: (هي غرفة من الزّبرجد والدّرّ والياقوت). قوله تعالى: ﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلاماً﴾ (٧٥)؛أي وتتلقّاهم الملائكة في تلك الغرف بالتحيّة والسّلام من الله تعالى. قرأ أهل الكوفة «(يلقون)» بفتح الياء والتخفيف. وقوله تعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً﴾ (٧٦) أي حسنت تلك الغرف في المستقرّ والمقام.

стр. 1962

قوله تعالى: ﴿قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ؛﴾ أي قل لهم: ما يصنع بكم ربي وهو لا يحتاج إليكم لولا دعاؤه إيّاكم إلى الإسلام وإلى الطاعة لتنتفعوا أنتم بذلك. وقيل: معناه: أيّ وزن وقدر لكم عند ربي لولا دعاؤكم وعبادتكم إياه. وقيل: معناه: ما يفعل بكم يا أهل مكّة لولا عبادتكم غير الله، ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ؛﴾ يا أهل مكة، ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ؛﴾ جزاء تكذيبهم، ﴿لِزاماً﴾ (٧٧)؛أي أسروا وأخذوا بالأيدي. وقيل: أراد به يوم بدر. واللّزام بنصب اللام مصدرا أيضا. والخطاب بقوله ﴿(فَقَدْ كَذَّبْتُمْ)﴾ يا أهل مكّة؛ أي إنّ الله دعاكم بالرّسول إلى توحيده وعبادته، فقد كذبتم الرسول، ولم تجيبوا دعوته، فسوف يكون تكذيبكم لزاما يلزمكم فلا تعطون التّوبة، فقتلوا يوم بدر واتّصل بهم عذاب الآخرة. آخر تفسير سورة (الفرقان) والحمد لله رب العالمين

стр. 1963

سورة الشّعراء سورة الشّعراء مكّيّة إلى قوله ﴿وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ﴾ إلى آخر السّورة، فإنّها مدنيّة، وهي خمسة آلاف وخمسمائة واثنان وأربعون حرفا، وألف ومائتان وسبع وتسعون كلمة، ومائتان وسبع وعشرون آية. ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿طسم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ﴾ (٢)؛أول السورة قسم؛ وهو من أسماء الله تعالى. قال القرظيّ: (أقسم الله بطوله وسنائه وملكه) (١)، قوله تعالى: ﴿(تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ)﴾ أي هذه آيات الكتاب المبين أنزلها على رسوله. قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلاّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (٣)؛أي لعلّك مهلك نفسك؛ أي قائل بأن لا يكونوا مؤمنين، وكان ﷺ حريصا على إيمانهم ونجاتهم من عذاب الله، وذلك أنه لمّا كذبت قريش النبيّ ﷺ شقّ عليه ذلك، وكان يحرص على إيمانهم، فأنزل الله هذه الآية: لعلّك قاتل نفسك لتركهم الإيمان. قوله تعالى: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ﴾ (٤)؛إعلام من الله تعالى أنه لو أراد أن ينزّل آية تضطرّهم إلى الطاعة لقدر على ذلك، ولكنه لم يفعل؛ لأنه أراد منهم إيمانا فيستحقّون عليه المدح والثواب، فإذا جاء الإلجاء ذهب المدح والثّواب.

стр. 1964

قوله تعالى: ﴿(فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ)﴾ أي أذلاّء منقادين لا يلوون أعناقهم إلى معصية. قال قتادة: (المعنى: لو شاء الله لأنزل عليهم آية يذلّون بها، فظلّت جماعتهم لها خاضعين) (١).والأعناق: الجماعات، يقال: جاءني عنق من الناس (٢)؛أي جماعة، ولو كان المراد الأعناق التي هي الخارجة لقال: خاضعات. قوله تعالى: ﴿وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلاّ كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ (٥)؛أي ما يأتي جبريل ﵇ النبيّ ﷺ بشيء بعد شيء من القرآن إلاّ كانوا معرضين عن ذلك. قوله تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا؛﴾ أي بالقرآن، ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ (٦)؛أي فسيأتيهم خبر ذلك في القيامة. وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ (٧) معناه: أولم ير أهل مكّة إلى الأرض كم أخرجنا فيها من كلّ صنف حسن في المنظر من النّبات بعد أن كانت ميتة لا نبات فيها. والزّوج: هو صنف وأضرب الحسن، (والمعنى: من كلّ زوج نافع لا يقدر على إنباته إلاّ ربّ العالمين) (٣)،من أسود وأحمر وأصفر وأخضر، وحلو وحامض مما يأكل الناس والأنعام. (والكريم في اللّغة: هو المحمود فيما يحتاج إليه) (١)،يقال: نخلة كريمة إذا طاب حملها أو كثر، وناقة كريمة إذا كانت غزيرة اللّبن. قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً؛﴾ إنّ في اختلاف ألوان النبات للدلالة على وحدانيّة الله وكمال قدرته، ﴿وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٨)؛في علم الله؛ أي قد سبق في علم الله أنّ أكثرهم لا يؤمنون، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (٩)؛أي المنتقم من أعدائه الرّحيم بأوليائه.

стр. 1965

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ (١٠)؛ أي اتل على قومك أو اذكر لقومك: ﴿(إِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى)﴾ حين رأى الشجرة والنار، وقال له: يا موسى ائت القوم الظّالمين، يعني الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والمعصية، وظلموا بني إسرائيل بأن ساموهم سوء العذاب، ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾. ثم أخبر عنهم فقال: ﴿أَلا يَتَّقُونَ﴾ (١١)،عقابي في مقامهم على الكفر وترك الإيمان. ﴿قالَ﴾ موسى: ﴿رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ (١٢)؛ بالرّسالة ويقولون: ليست من عند الله، ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي؛﴾ بتكذيبهم إيّاي، ﴿وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي؛﴾ للعقدة التي فيه، ﴿فَأَرْسِلْ﴾ جبريل ﴿إِلى هارُونَ﴾ (١٣) ليكون معي معينا يؤازرني على إظهار الدّعوة وتبليغ الرّسالة. ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ؛﴾ أي دعوى ذنب؛ يعني الوكزة التي وكزها القبطيّ فمات منها، ﴿فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ (١٤)؛بوشايته. قوله تعالى: ﴿قالَ كَلاّ؛﴾ أي كلاّ لا يقتلونك لأنّي لا أسلّطهم عليك، ﴿فَاذْهَبا؛﴾ أنت وأخوك، ﴿بِآياتِنا؛﴾ يعني بما أعطاهما من المعجزة، ﴿إِنّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ (١٥)؛وإنّما قال ﴿(مَعَكُمْ)﴾ لأنه أجراها مجرى الجماعة، والمعنى: أسمع ما يقولونه وما يجيبونك به. وقيل: إنّ معنى قوله ﴿(كَلاّ)﴾ أي قال الله لموسى: ارتدع (١) عن هذا الظّنّ وهذا الخوف، ﴿(فَاذْهَبا بِآياتِنا)﴾ أي بدلائلنا ﴿(إِنّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ)﴾ أي شاهدون بحفظكم ونصركم. قوله تعالى: ﴿فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (١٦)؛أي ﴿(رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ)﴾ إليك لتؤمننّ بالله وتطلق بني إسرائيل عن الاستعباد، وترسلهم معنا إلى الأرض المقدّسة، والرّسول يذكر ويراد به الجمع، كما تقول العرب:

стр. 1966

ضيف (١) وعدوّ، ومنه قوله ﴿وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ (٢)،وقيل: إنّما قال ﴿(رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ)﴾ ولم يقل رسولا؛ لأنّه أراد المصدر؛ أي رسالة، وتقديره: ذوو رسالة (٣) رب العالمين، كقول الشّاعر: لقد كذب الواشون ما بحت عندهم ... بسرّ ولا أرسلتهم برسول (٤) أي برسالة، وقيل: معناه: وكلّ واحد منّا رسول رب العالمين. قوله تعالى: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ (١٧)؛أي بأن أرسل معنا بني إسرائيل إلى فلسطين ولا تستعبدهم. وكان فرعون استعبدهم أربعمائة سنة، وكانوا في ذلك الوقت ستّمائة ألف وثلاثين ألفا، فانطلق موسى وهارون بالرّسالة إلى مصر، فلمّا بلغوا دار فرعون لم يؤذن لهم بالدّخول عليه إلاّ بعد مدّة، فدخل البوّاب؛ وقال لفرعون: هذا إنسان يدّعي أنه رسول رب العالمين، فقال فرعون: ائذن له لعلّنا نضحك منه. فدخلا عليه وأدّيا رسالة الله تعالى. فعرف موسى؛ لأنه نشأ في بيته، ف ﴿قالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً؛﴾ أي صبيّا صغيرا، ﴿وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ (١٨)؛وهي ثلاثون سنة، ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ؛﴾ يعني قتل قبطيّ، ﴿وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ﴾ (١٩)؛ أي من الجاحدين لنعمتي، وحقّ تربيتي، فربّيناك فينا وليدا، فهذا الذي كافأتنا به أن قتلت منّا نفسا، وكفرت بنعمتنا. ويروى أنّ موسى لمّا انطلق إلى مصر لتبليغ الرّسالة، وكان هارون يومئذ بمصر، التقى كلّ واحد منهما بصاحبه، فانطلقا كلاهما إلى فرعون، أدّيا جميعا الرسالة، وعرف فرعون موسى، قال له فرعون: ﴿(أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً)﴾ أي صغيرا، ومكثت

стр. 1967

عندنا سنينا من عمرك، ﴿(وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ)﴾ أي قتلت القبطيّ ﴿(وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ)﴾ أي الجاحدين لنعمتي وتربيتي. ﴿قالَ﴾ موسى: ﴿فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضّالِّينَ﴾ (٢٠)؛أي فعلت تلك الفعلة وأنا من الجاهلين، لم يأتني من الله شيء، ولا يجوز أن يكون المراد بهذا الإضلال عن الهدى؛ لأن ذلك لا يجوز أن يكون على الأنبياء. وقيل: معناه: وأنا من المخطئين، نظيره ﴿إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ﴾ (١).وقيل: من النّاسين، نظيره قوله تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى﴾ (٢). قوله تعالى: ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمّا خِفْتُكُمْ؛﴾ أي هربا منكم إلى مدين لمّا خفتكم على نفسي أن تقتلوني بالذي قتلته، ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً؛﴾ أي نبوّة، وقيل: فهما وعلما، ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٢١)؛وإنّي لأبلّغكم التوحيد والشّرائع. قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ (٢٢)؛ قال المفسّرون: هذا إنكار من موسى أن يكون ما ذكر فرعون نعمة على موسى، واللفظ لفظ خبر (٣) وفيه تبكيت للمخاطب على معنى: إنّك لو كنت لم تقتل بني إسرائيل كانت أمّي مستغنية عن قذفي في اليمّ، فكأنّك تمنّ عليّ بما كان بلاؤك سببا له. وقيل: معناه: إنّ فرعون لمّا قال لموسى: ألم نربك فينا وليدا؟ قال له موسى: تلك نعمة تعدّها عليّ لأنّك عبّدت بني إسرائيل؛ أي استعبدتهم، ولو لم تعبدهم لكفلني أهلي فلم يلقوني في اليمّ. يقال: استعبدت فلانا وأعبدته وتعبّدته وعبّدته؛ أي اتّخذته عبدا. وقيل: معنى الآية: أتمنّ عليّ بذلك وأنت استعبدت بني إسرائيل، فأبطلت نعمتك عليّ بإساءتك إليهم باستعبادك إيّاهم؟ وبأن أخذت أموالهم وأنفقت على موسى منها؟ وكانت أمّي هي التي تربيني، فأيّ نعمة لك عليّ.

стр. 1968

قوله تعالى: ﴿(أَنْ عَبَّدْتَ)﴾ في موضعها وجهان؛ أحدهما: النصب بنزع الخافض، والثاني: الرفع على البدل من (نعمتي) (١). قوله تعالى: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ (٢٣)؛أي قال له فرعون: وما ربّ العالمين؟ أي قال له فرعون: أيّ شيء ربّ العالمين الذي تدعوني إليه، ﴿قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ (٢٤)؛بأنّ المستحقّ للربوبيّة من يكون هذه صفته، وأنّ هذه الأشياء التي ذكرت ليست من فعلكم. فلما قال موسى ذلك تحيّر فرعون ولم يردّ جوابا ينقض به هذا القول. ﴿قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ﴾ (٢٥)؛مقالة موسى؟! و ﴿قالَ﴾ موسى: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ (٢٦)؛بيّن أنّ المستحقّ للربوبية من هو ربّ أهل كلّ عصر وزمان؛ أي الذي خلق آباءكم الأوّلين، وخلقكم من آبائكم. فلم يقدر فرعون على جوابه، ف ﴿قالَ﴾ فرعون لجلسائه: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ (٢٧)؛أي ما هذا بكلام صحيح إذ يزعم أن له إلها غيري. فلم يشتغل موسى بالجواب عن ما نسبه إليه من الجنون، ولكن اشتغل بتأكيد الحجّة والزّيادة، ﴿قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٢٨)؛ توحيد الله، فإن كنتم ذوي عقول لم يخف عليكم ما أقول. فلم يجبه فرعون بشيء ينقض حجّته، بل هدّده و ﴿قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ (٢٩)؛أي لأحبسنّك مع من حبسته في السّجن. ظنّ بجهله أن يخافه ويترك عبادة الله ويتخذ فرعون إلها. وكان سجن فرعون أشدّ من القتل؛ لأنه كان إذا حبس الرجل طرحه في مكان وحده لا يسمع فيه شيئا، ولا يبصر فيه شيئا، وكان يهوي به في الأرض. و ﴿قالَ﴾ موسى لفرعون حين توعّده بالسّجن: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ (٣٠)؛يعني لو جئتك بأمر ظاهر تعرف فيه صدقي وكذبك. و ﴿قالَ؛﴾ فرعون على وجه التهزئة: ﴿قالَ فَأْتِ بِهِ﴾

стр. 1969

﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ (٣١). ﴿فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ (٣٢) أي حيّة صفراء، ذكر عظيم أعظم ما يكون من الحيّات، قال فرعون: فهل غير هذه؟! ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ؛﴾ من جيبه، ﴿فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ؛﴾ بياضا نوريّا لها شعاع الشّمس، ﴿لِلنّاظِرِينَ﴾ (٣٣). فإن قيل: كيف سمّى العصا ثعبانا في هذه الآية، وسماها جانا في آية أخرى حيث قال ﴿كَأَنَّها جَانٌّ﴾ (١) والجانّ الخفيفة؟ قلنا: إنّما سمّاها ثعبانا لعظم حسّها، وسمّاها جانّا لسرعة مشيته وحركته، وفي ذلك ما يدلّ على عظم الآية. فلم يكن لفرعون دفع لما شاهد إلاّ أن (٢) قال: هذا «سحر» سحرتموه، فأوهم أصحابه أنه لا صحّة له، وذلك قوله تعالى: ﴿قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ (٣٤)؛قال ابن عبّاس: (وكان الملأ حوله خمسمائة من أشراف قومه، عليهم الأسورة) فقال لهم: إنّ هذا لساحر حاذق بالسّحر، ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ؛﴾ يلقي الفرقة والعداوة بينكم فيخرجكم من بلادكم، ﴿بِسِحْرِهِ فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ (٣٥)؛أي ماذا تشيرون عليّ في أمره، ولو تفكّر هؤلاء الجهّال في قوله ذلك لعلموا أنه ليس بإله لافتقاره إلى رأيهم، ولكنّهم لفرط جهلهم موّه عليهم. قوله تعالى: ﴿قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (٣٦) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحّارٍ عَلِيمٍ﴾ (٣٧)؛أي قال له الملأ: أخّر أمره وأمر أخيه لا يناظرهما إلى أن يبعث إلى المدائن الشّرط يحشرون السّحرة، ليصنع السّحرة مثل ما صنع موسى، ولا يثبت له عليك حجّة. قوله تعالى: ﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ (٣٨)؛أي لميعاد يوم زينتهم وهو يوم عيدهم، ﴿وَقِيلَ لِلنّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾ (٣٩)؛اجتمعوا لتنظروا إلى السّحرة، ﴿لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ؛﴾ أي نتّبع دينهم، ﴿إِنْ كانُوا هُمُ﴾

стр. 1970

﴿الْغالِبِينَ﴾ (٤٠)؛لموسى، ويقال: أرادوا بالسّحرة موسى وهارون ﴿(إِنْ كانُوا هُمُ الْغالِبِينَ)﴾ على سحرهم. قوله تعالى: ﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ قالُوا لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنا لَأَجْراً؛﴾ أي جعلا، ﴿إِنْ كُنّا نَحْنُ الْغالِبِينَ﴾ (٤١)؛لموسى. ﴿قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ؛﴾ مع ما أعطيتكم من الأموال، ﴿إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ (٤٢)؛في المرتبة والمنزلة وللدخول عليّ. قوله تعالى: ﴿قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ (٤٣)؛أي اطرحوا من أيديكم ما تريدون طرحه من الحبال والعصيّ، وهذا أمر تهديد لا أمر تحقيق، ﴿فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ؛﴾ أي بمنعته، ﴿إِنّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ﴾ (٤٤)؛لموسى، فامتلأ الوادي حيّات، فهابه ذلك، فقيل لموسى: ألق عصاك، ﴿فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ (٤٥)؛فألقاها فصارت حيّة عظيمة تلقف ما صنعوا من السّحر، ثم أخذها موسى فعادت عصا كما كانت، ولو لم يوجد لما تلقفه أثر. قوله تعالى: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ (٤٦)؛فسجدت السّحرة عند ذلك لله تعالى لما علموا أن ذلك ليس بسحر، وإنّما هو من عند الله، و ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٤٧)؛قال لهم فرعون: إيّاي تعنون؟ قالوا: ﴿رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (٤٨) قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ؛﴾ أي صدّقتم به قبل أن آمركم بذلك، ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٤٩)،وكان فرعون أوّل من قطع وصلب. قال ابن عبّاس: (إنّهم من سرعة سجودهم لله كأنّهم ألقوا). قوله تعالى: ﴿قالُوا لا ضَيْرَ إِنّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ (٥٠)؛أي قالت السّحرة: لا يضرّنا ما تصنع بنا في الدّنيا في جنب ثواب الله في الآخرة، إنّا إذا رجعنا إلى ربنا مؤمنين لنأخذ حقّنا من الظالم، ﴿إِنّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا؛﴾ شركنا أي يتجاوز تأخّرنا، ﴿أَنْ كُنّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٥١)؛أي بأن كنّا أوّل المؤمنين لموسى من أهل الجمع اليوم، فكانوا سحرة في أوّل النهار شهداء في آخره.

стр. 1971

قوله تعالى: ﴿*وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي؛﴾ أي ببني إسرائيل ليلا، ﴿إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ (٥٢)،وأخبرهم أنّ فرعون وقومه يتّبعونهم وينجيهم الله من ضررهم، فأسرى بهم موسى ليلا إلى البحر، ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ (٥٣)؛يحشرون النّاس ويجمعون له الناس الجيش، ثم قال فرعون لقومه: ﴿إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ (٥٤)؛يعني موسى وأصحابه، والشّر ذمة: الفئة القليلة، والشّر ذمة في كلام العرب: القليل من كلّ شيء من الناس والأموال. روي أنّ هؤلاء الذين اشغلهم فرعون يومئذ ستّمائة ألف وسبعون ألفا، وكان هامان على مقدّمة فرعون ومعه ألفا ألف، وفرعون في أكثر من خمسة عشر ألف ألف. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ﴾ (٥٥)؛أي لفاعلون ما يغيظنا لإظهارهم خلاف ديننا، وأخذهم حبلنا وقتلهم أبكارنا. وذلك أنّ الله تعالى أوحى إلى موسى أن اجمع أولاد بني إسرائيل كلّ أهل أربعة أبيات في بيت، ثم اذبحوا الأولاد واضربوا بدمائها على أبوابكم، فإنّي سآمر الملائكة لا يدخلون بيتا على بابه دم، وسآمرهم بقتل أبكار آل فرعون، ثم أسر بعبادي، ففعل ذلك، فلمّا أصبحوا، قال فرعون: هذا عمل موسى وقومه، قتلوا أبكارنا وأخذوا أموالنا، فأخذ في طلبهم. قوله تعالى: ﴿وَإِنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ (٥٦)؛قرأ الكوفيّون وابن عامر ﴿(حاذِرُونَ)﴾ بالألف؛ أي شاكّون في السّلاح، ذوو أداة وقوّة وكراع، وبنوا اسرائيل لا سلاح لهم. وقرأ الباقون «(حذرون)» أي مسقطون خائفون شرّهم (١). قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ (٥٧)؛يعني فرعون وقومه من بساتين وعيون جارية، ﴿وَكُنُوزٍ؛﴾ أي وخزائن مدّخرة من الذهب والفضّة، ﴿وَمَقامٍ كَرِيمٍ﴾ (٥٨)؛أي مجالس رفيعة من مجالس الملوك والرؤساء،

стр. 1972

﴿كَذلِكَ؛﴾ فعلنا بهم، ﴿وَأَوْرَثْناها؛﴾ وأورثنا أرضهم وديارهم وأموالهم، ﴿بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ (٥٩)؛وذلك أنّ الله ردّ بني إسرائيل إلى مصر بعد ما أغرق فرعون وقومه، وأعطاهم جميع ما كان لفرعون من الأموال والعقار والمساكن. قوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾ (٦٠)؛يعني قوم فرعون أدركوا موسى وقومه حين أشرقت الشمس. قوله تعالى: ﴿فَلَمّا تَراءَا الْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ (٦١)؛أي فلمّا توافى الفريقان، وتقابلا بحيث يرى كلّ فريق صاحبه، وعاين بعضهم بعضا، قال أصحاب موسى: سيدركنا قوم فرعون، ولا طاقة لنا بهم! ﴿قالَ﴾ لهم موسى: ﴿كَلاّ؛﴾ أي لن يدركنا، ارتدعوا وانزجروا عن هذه المقالة، ﴿إِنَّ مَعِي رَبِّي؛﴾ ناصري وحافظي، ﴿سَيَهْدِينِ﴾ (٦٢)؛إلى طريق النّجاة منهم. قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ؛﴾ فصار اثنا عشر طريقا، لكلّ سبط طريق، ووقف الماء لا يجري، وكان بين كلّ طريقين قطعة من الماء، ﴿فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ (٦٣)؛كالجبل العظيم، وهذا البحر بحر القلزم، تسلك الناس فيه من اليمن ومكّة إلى مصر. قوله تعالى: ﴿وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾ (٦٤)؛يعني قوم فرعون؛ أي قرّبناهم إلى الهلاك، وقذفناهم في البحر، وأدنينا بعضهم من بعض، وجمعناهم فيه بما يسرّنا لبني إسرائيل من سلوك البحر، فكان ذلك سبب قربهم من البحر حين اقتحموه. وسمّي (المزدلفة) مزدلفة لاجتماع الناس فيها (١)،فلمّا تكامل جنود فرعون في البحر انطبق عليهم فغرقوا جميعا، ﴿وَأَنْجَيْنا مُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ﴾ (٦٥)؛من الغرق، ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾ (٦٦)؛أي فرعون وقومه.

стр. 1973

قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً؛﴾ أي إنّ في ذلك الانفلاق الذي صار نجاة بني اسرائيل، وفي الانطباق الذي كان سبب غرق آل فرعون لآية على توحيد الله وصدق نبوّة موسى، ﴿وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٦٧)؛أي لم يكن قوم فرعون مع وضوح الأدلة على وحدانيّة الله مصدقين، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ؛﴾ أي القاهر المنتقم من الكفّار، ﴿الرَّحِيمُ﴾ (٦٨)،بعباده، ولم يكن آمن من أهل مصر غير آسية بنت مزاحم، وحزقيل المؤمن، ومريم بنت ناموثية التي دلّت على عظام يوسف (١)،فلذلك قال ﴿(وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ)﴾.وقيل: معنى قوله ﴿(وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ)﴾ أي العزيز في انتقامه من أعدائه حين أغرقهم، الرّحيم بالمؤمنين حين أنجاهم. قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ﴾ (٦٩)؛أي اقرأ يا محمّد على قومك، ﴿إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ (٧٠) قالُوا نَعْبُدُ أَصْناماً فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ (٧١)؛أي فنقيم عليها عابدين، مقيمين على عبادتها، قال بعض العلماء: إنّما ﴿(فَنَظَلُّ لَها)﴾ لأنّهم كانوا يعبدونها بالنّهار دون الليل، ﴿قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾ (٧٣)؛أي هل يسمعون دعاءكم إن دعوتموهم أو ينفعونكم إن دعوتموهم، أو يضرّونكم إن لم تدعوهم. وقال ابن عبّاس: (معناه: أو يرزقونكم أو يكشفون عنكم الضّرّ). قوله تعالى: ﴿قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ (٧٤)؛فنحن نقتدي بهم، ﴿قالَ أَفَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ﴾ (٧٦)؛أي قال لهم إبراهيم: أفرأيتم هذا الذي تعبدونه أنتم وآباؤكم المتقدّمون، ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاّ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾ (٧٧)؛أي فإنّني أعاديهم، أتبرّأ منهم. وقوله تعالى: ﴿(إِلاّ رَبَّ الْعالَمِينَ)﴾. روي أنّهم كانوا يعبدون الله مع الأصنام، فتبرّأ إبراهيم من جميع ما يعبدونه إلاّ من عبادة الله. وإنّما قال ﴿(عَدُوٌّ لِي)﴾ على التوحيد في موضع الجمع على معنى: أنّ كلّ واحد منهم عدوّ لي.

стр. 1974

ويقال: إنّ قوله تعالى ﴿(عَدُوٌّ)﴾ في موضع المصدر، كأنّه قال ذوو عداوة، فوقعت الصفة موقع المصدر، كما يقع المصدر موقع الصفة في رجل عدل، ويجوز أن يكون قوله تعالى ﴿(إِلاّ رَبَّ الْعالَمِينَ)﴾ استثناء منقطع، معناه: ولكنّ ربّ العالمين الذي خلقني ليس بعدوّ لي هو يهدين؛ أي يرشدني إلى الحقّ، وذلك أنّهم كانوا يزعمون أن أصنامهم هي التي تهديهم، فقال إبراهيم ردّا عليهم: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ (٧٨)؛إلى الدّين والرّشد لا ما تعبدون. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ (٧٩)؛أي هو رازقي، فمن عنده طعامي فهو الذي يشبعني إذا جعت، ويرويني إذا عطشت، ﴿وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ (٨٠)؛أي يعافيني من المرض، وذلك أنّهم كانوا يقولون: المرض من الزّمان، والأغذية والشّفاء من الأطبّاء والأدوية، فأخبر إبراهيم أنّ الذي أمرض هو الذي يشفي وهو الله ، ولم يقل إبراهيم فأمرضتني؛ لأنه يقال مرضت، وإن كان المرض بخلق الله وقضائه، ولا يقال أمرضني الله. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ (٨١)؛أي هو الذي يميتني في الدّنيا ثم يحييني في الآخرة للبعث، ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي؛﴾ معناه: والذي أعلم وأرجو أن يغفر لي يوم الحساب. وذكره بلفظ الطّمع؛ لأن ذلك أقرب إلى حسن الأدب. وقال بعض المفسّرين (١):يعني الكذبات الثلاث، قوله: إنّي سقيم، وقوله: بل فعله كبيرهم هذا، وقوله لسارة: هي أختي. وزاد الحسن والكلبيّ قوله أيضا للكواكب: هذا ربي. قال الزجّاج: (إنّ الأنبياء بشر (٢) يجوز أن تقع منهم الخطيئة، إلاّ أنّهم لا تكون منهم الكبيرة؛ لأنّهم معصومون) (٣).قوله تعالى: ﴿يَوْمَ الدِّينِ﴾ (٨٢)؛أي يوم الجزاء والحساب.

стр. 1975

قوله تعالى: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً؛﴾ يريد به النبوّة بعد نبوّة، وإنّما أراد: زدني علما إلى علم وفقها إلى فقه، ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ (٨٣)؛أي بالنبيّين من قبلي في الدرجة والمنزلة والثواب. والصلاح هو الاستقامة على ما أمر الله به. وقوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ (٨٤)؛أراد به الثناء الحسن؛ أي اجعل لي ثناء حسنا في الدّين يكون بعدي إلى يوم القيامة. وقد استجاب الله دعاءه حين أحبّه أهل الأديان كلّهم. وقيل: واجعل لي في ذرّيتي من يقوم بالحقّ ويدعو إليه، وهو محمّد ﷺ ومن اتّبعه، فإنّهم هم الذين أظهروا شرائعه وفضائله. قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ (٨٥)؛أي أدخلني الجنّة واجعلني من الذين يرثون الفردوس، ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ (٨٦)؛ أي من المشركين، وإنّما دعا إبراهيم لأبيه لموعدة وعدها إياه، فلما تبيّن له أنه عدوّ لله تبرّأ منه، وكان هذا الدعاء قبل أن يتبرّأ منه. والضّالّ هو الذاهب عن طريق الحقّ. قوله تعالى: ﴿وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ (٨٧)؛أي لا تفضحني ولا تهتك ستري يوم القيامة، يوم تبعث الخلق. وقيل: معناه: ولا تعذّبني يوم تبعث الخلائق، وإنّما قال ذلك مع علمه أنه لا يخزيه، إمّا على طريق التّعبّد وإما حثّا لغيره على أن يقتدي به في مثل هذا الدّعاء. ثم فسّر ذلك اليوم؛ فقال: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ﴾ (٨٨)؛أي لا ينفع ذا المال ماله الذي كان في الدّنيا، ولا ينفعه بنوه ولا يواسونه بشيء من طاعتهم، ولا يحملون شيئا من معاصيه، وقوله تعالى: ﴿إِلاّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (٨٩)؛ يعني من الشّرك والنفاق، فإنه ينفعه سلامة قلبه. وقيل: القلب السّليم هو الصحيح وهو قلب المؤمن، وقلب الكافر المنافق مريض. وقال أهل المعاني في تفسير هذه الآيات أقوالا غير هذه، فقال بعضهم: معنى ﴿(الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ)﴾ أي الذي خلقني في الدّنيا على فطرته فهو يهدين في الآخرة إلى جنّته، وقوله تعالى ﴿(وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ)﴾ أي يطعمني أيّ طعام شاء، ويسقيني أيّ شراب شاء.

стр. 1976

قال محمّد بن كثير: (صحبت سفيان الثّوريّ بمكّة، فكان يأكل من السّبت إلى السّبت كفّا من الرّمل) (١).وعن الحجّاج بن عبد الكريم قال: (خرجت من بلخ في طلب إبراهيم بن أدهم فوجدته بحمص، فسلّمت عليه، فلبثت معه يومي ذلك، فقال: لعلّ نفسك تنازعك إلى شيء من الطّعام؟ فقلت: نعم، فأخذ رمادا وترابا وخلطهما وأعطانيه فأكلته، ثمّ أقبل عليّ وأنشأ يقول: اخلط التّراب بالرّماد وكله ... وازجر النّفس عن مقام السّؤال وقال أبو بكر الورّاق: (معنى يطعمني بلا طعام، ويسقيني بلا شراب) يشبعني ربي ويرويني من غير علاقة، كما قال ﷺ : [إنّي أبيت يطعمني ربي ويسقيني] (٢). وقال عليّ بن قادم: (كان عبد الله بن أبي نعيم لا يأكل في شهر إلاّ مرّة! فبلغ ذلك الحجّاج، فدعاه فأدخله بيتا وأغلق عليه بابه خمسة عشر يوما، ثمّ فتحه، ولم يشكّ أنّه قد مات، فوجده قائما يصلّي، فقال: يا فاسق أتصلّي بغير وضوء؟! فقال: يا حجّاج؛ إنّما يأكل الطّعام من يخرج (٣) ويشرب، فأنا على الطّهارة الّتي أدخلتني عليها هذا البيت)،وقال ذو النّون: (معنى قوله تعالى ﴿(يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ)﴾ أي يطعمني طعام المعرفة، ويسقيني شراب المحبّة. ثمّ أنشأ يقول: شراب المحبّة خير شراب ... وكلّ شراب سواه سراب وقال أبو يزيد البسطاميّ: (إنّ لله شرابا يقال له شراب المحبّة، ادّخره لأفاضل عباده، فإذا وصلوا اتّصلوا، فهم في مقعد صدق عند مليك مقتدر).وقال الجنيد: (يحشر النّاس يوم القيامة عراة إلاّ من لبس لباس التّقوى، وجياعا إلاّ من أكل طعام المعرفة، وعطاشى إلاّ من شرب شراب المحبّة).وقوله تعالى ﴿(وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ﴾

стр. 1977

﴿يَشْفِينِ)﴾ قال جعفر الصّادق: (إنّي إذا مرضت بالذّنوب فهو يشفيني بالتّوبة).وقال بسطام بن عبد الله: (إذا أمرضتني مقاساة الخلق شفاني بذكره والأنس به) (١). قوله تعالى: ﴿(وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ)،﴾ قال أهل المعرفة: يميتني بالعدل ويحييني بالفضل، يميتني بالمعصية ويحييني بالطاعة، يميتني بالفراق ويحييني بالتّلاق، يميتني بالجهل ويحييني بالعقل، يميتني بالخذلان ويحييني بالتوفيق. قوله تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٩٠)؛أي قربت وأدنيت لهم حتى نظروا إليها، ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ﴾ (٩١)؛أي أظهرت وكشفت للضّالين عن الهدى، ﴿وَقِيلَ لَهُمْ؛﴾ للضّالّين في ذلك اليوم على وجه التّوبيخ: ﴿أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللهِ؛﴾ أي أين آلهتكم التي تعبدونها من دون الله؟ هل يدفعون العذاب عنكم، ﴿هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ؛﴾ هل ﴿يَنْتَصِرُونَ﴾ (٩٣)؛لأنفسهم؛ أي يدفعون عن أنفسهم. ثم يؤمر بهم فيلقون في النار، فذلك قوله تعالى: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ﴾ (٩٤)؛وقال الزجّاج: (طرح بعضهم على بعض) (٢)،وقال ابن قتيبة: (ألقوا على رءوسهم)،وقال مقاتل: (قذفوا فيها هم والغاوون) (٣)،قال السديّ: (يعني الآلهة والمشركين) (٤)،وقال عطاء: (هم وما يعبدون من دون الله وجنود إبليس أجمعون، يعني ذرّيّة إبليس كلّهم). وقيل: معنى (كبكبوا):أجمعوا وهم كفّار مكّة، وكفار الجنّ والإنس وآلهتهم وذريّة إبليس حتى صاروا كبّة واحدة وطرحوا في النار. قوله تعالى: ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥) قالُوا وَهُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ﴾ (٩٦)؛ أي في النار مع آلهتهم ورؤسائهم: ﴿تَاللهِ إِنْ كُنّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (٩٧)؛وقوله

стр. 1978

تعالى: ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٩٨)؛أي تالله ما كنّا إلاّ في ضلال مبين حيث سوّيناكم بربّ العالمين، فأعظمناكم وعبدناكم وعدلناكم به، يقرّون على أنفسهم بالخطإ، ﴿وَما أَضَلَّنا؛﴾ عن الهدى، ﴿إِلاَّ الْمُجْرِمُونَ﴾ (٩٩)؛يعني الشّياطين. وقيل: أضلّونا الذين اقتدينا بهم، ﴿فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ﴾ (١٠٠)؛ يشفع لنا من الملائكة والنبيّين والمؤمنين حين يشفعون لأهل التوحيد، ﴿وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ (١٠١)؛أي ولا ذي قرابة يهمّه أمرنا. والحميم: القريب الذي تودّه ويودّك. قال ابن عبّاس: (إنّ المؤمن يشفع يوم القيامة للمؤمن المذنب والصّديق الصّاحب الّذي يصدق في المودّة).وفي الحديث: أنّ النبيّ ﷺ قال: [إنّ الرّجل يقول في الجنّة: ما فعل صديقي فلان؟ وصديقه في النّار، فيقول الله : أخرجوا له صديقه إلى الجنّة، فيقول من بقي: فما لنا من شافعين، ولا صديق حميم] (١). ثم قالوا: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً؛﴾ أي رجعة إلى الدّنيا، ﴿فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١٠٢)؛المصدّقين بالتوحيد ليحلّ لنا الشفاعة كما حلّت لأهل التوحيد. قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً؛﴾ أي فيما أخبر من قصّة إبراهيم واختصام أهل النّار، وتبرّؤ بعضهم من بعض لعبرة للعقلاء من بعدهم، ﴿وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (١٠٤)؛أي الغالب على تعجيل الانتقام بالإمهال إلى أن يؤمنوا، والمنعم عليهم بعد التوبة. قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ (١٠٥)؛قال الزجّاج: (دخلت التّاء هاهنا، و ﴿(قَوْمُ)﴾ مذكّر؛ لأنّ المراد الجماعة) (٢) أي كذبت جماعة قوم نوح ومن قبله من الرّسل، ﴿إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ﴾ (١٠٦)؛عذاب الله

стр. 1979

بتوحيده وطاعته، وكان أخوهم من النّسب لا من جهة الدّين، ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ (١٠٧)؛على الرّسالة فيما بيني وبين ربكم. وقيل: معناه: كنت أمينا فيكم قبل اليوم، فكيف تتّهموني اليوم، ﴿فَاتَّقُوا اللهَ؛﴾ فيما أمركم به، ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ (١٠٨)؛فيما أدعوكم إليه وأطيعوني فيما أمركم به من الإيمان والتوحيد. ﴿وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ؛﴾ أي على الدّعاء إلى التّوحيد، ﴿مِنْ أَجْرٍ؛﴾ ما، ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (١٠٩)؛ وقيل: ما أسألكم على تبليغ الوحي والرّسالة مالا فيصدّكم عن القبول منّي، وتعتقدون فيّ الطمع. وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ﴾ (١١٠)؛أي اتّقوا عقاب الله، وأطيعوا أمري، وتكرير ﴿(فَاتَّقُوا اللهَ)﴾:لأنّ الأول (اتّقوا الله وأطيعون) لأنّي رسول رب العالمين أمين، والثاني (اتّقوا الله وأطيعون) لأنّي ما أسألكم عليه من أجر. ف ﴿*قالُوا﴾ له: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ (١١١)؛أي أنقرّ بك ونصدّقك وقد اتّبعك سفلتنا وهم الأرذلون الأقلّون، وكان قد آمن بنوح ضعفاء قومه وبنوه، وكان أكثر من اتّبعه يخصّون بصناعات خسيسة مثل الحوك والأساكفة، فلذلك قال له أشراف قومه: ﴿(وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ)﴾،ويقرأ: «(وأتباعك الأرذلون)» وهي قراءة يعقوب؛ أي أشياعك وأهل دينك (١).قال الزجّاج: (والصّناعات لا تضرّ في باب الدّيانات) (٢)،وقال عطاء: (يعنون بالأرذلون: المساكين الّذين ليس لهم مال). قوله تعالى: ﴿قالَ وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١١٢)؛أي قال نوح: ما أعلم أعمالهم وصنائعهم، ولم أكلّف ذلك، وإنّما كلّفت أن أدعوهم، ولا أسأل عمّا كانوا يعملون، ولا أطلب علم صنائعهم، وإنّما العيب في المعاصي لا في خساسة الصّناعة.

стр. 1980

وقوله تعالى: ﴿إِنْ حِسابُهُمْ إِلاّ عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ (١١٣)؛أي ما حسابهم فيما يعملون ﴿(إِلاّ عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ)﴾ لو تعلمون ما عاقبتموهم بصنائعهم. وقيل: إنّهم نسبوا قومه الذين آمنوا به إلى النّفاق وإضمار الكفر، فقال: ﴿(إِنْ حِسابُهُمْ إِلاّ عَلى رَبِّي)﴾ أي ما جزاؤهم إلاّ على ربي ﴿(لَوْ تَشْعُرُونَ)﴾. قوله تعالى: ﴿وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١١٤)؛أي لا أطردهم من عندي مع إظهارهم الإيمان بسبب فقرهم، وطعنكم عليهم. قوله تعالى: ﴿إِنْ أَنَا إِلاّ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (١١٥)؛أي ما أنا إلاّ معكم بموضع المخافة لتحذروها، فمن قبل قرّبته، ومن ردّ باعدته، ولم أكلّف علم ما في الضمائر. قوله تعالى: ﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ؛﴾ أي لئن لم تنته عما تقول، ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ (١١٦)؛المقتولين بالحجارة، ﴿قالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١١٨)؛أي فاقض بيننا قضاء يكون بنجاتنا وهلاك عدوّنا. قوله تعالى: ﴿فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ؛﴾ في السّفينة المملوءة من الناس والبهائم والسّباع والطير، فذلك قوله تعالى: ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ (١١٩)؛أي الذي قد ملئ مما ذكرنا من جميع الحيوان، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ الْباقِينَ﴾ (١٢٠)؛ أي بعد نجاة نوح ومن معه أغرقنا الآخرين. قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً؛﴾ أي في إغراق الكافرين ونجاة المؤمنين في السّفينة لعلامة تدلّ على وحدانيّة الله وكمال قدرته، ﴿وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ؛﴾ أكثر قوم نوح، ﴿مُؤْمِنِينَ﴾ (١٢١)؛ مع قيام الحجّة، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ؛﴾ أي القادر على أخذ الأعداء، المنتقم منهم، ﴿الرَّحِيمُ﴾ (١٢٢)؛بالأولياء، المنعم عليهم. قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ (١٢٣)؛التأنيث بمعنى القبيلة، أريد بعاد القبيلة، والمعنى: كذبت عاد هودا وجماعة المرسلين، ﴿إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ؛﴾ في النّسب: ﴿أَلا تَتَّقُونَ﴾ (١٢٤)؛عبادة غير الله، ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ (١٢٥)؛أرسلني الله إليكم وائتمنني على الرّسالة،

стр. 1981

﴿عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (١٢٧). قوله تعالى: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ (١٢٨)؛الرّيع: هو المكان المرتفع. قال ابن عبّاس: (معناه: أتبنون بكلّ شرف)،وقال مقاتل والكلبي والضحّاك: (أتبنون بكلّ طريق آية؛ أي بنيانا وعلما متميّزا عن سائر الأبنية، تعبثون بمن يمرّ في الطّريق). والمعنى: بكلّ طريق، بالموضع المرتفع بنيانا لتشرفوا على المارّة فتسخروا منهم، وتعبثوا بهم. وقيل: معنى قوله ﴿(تَعْبَثُونَ)﴾ أي تبنون ما تستغنون عنه ولا تسكنونه عبثا منكم، يسمّى بناؤهم عبثا؛ لأنّهم كانوا يسرفون في البناء، فيبنون فوق الحاجة، ويقصدون بذلك التفاخر والتكاثر، ومن ذلك سمّي كلّ لعب لا لذة فيه عبثا، والذي يكون فيه لذة لعبا. وقال الوالبي عن ابن عبّاس: (﴿بِكُلِّ رِيعٍ﴾؛أي بكلّ شرف) (١)،وقال قتادة والضحّاك: (بكلّ طريق) (٢)،وعن مجاهد: (الرّيع: الثّنية الصّغيرة) (٣)،وقيل: المنظرة، وقال عكرمة: (بكلّ واد). قوله تعالى: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ؛﴾ قال ابن عبّاس: (هي الأبنية)،وقال مجاهد: (المصانع قصور مشيّدة) (٤)،وقيل: هي الحصون. وقال عبد الرزاق: (المصانع عندنا بلغة اليمن: القصور؛ واحدتها مصنعة).وقال الكلبيّ: (هي القصور والحصون).وقيل: هي المباني التي يصنعها الناس من البساتين وغيرها. وقيل: هي مجامع الماء وهي الحياض، وواحد المصانع مصنعة. وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ (١٢٩)؛أي كأنّكم تخلدون؛ أي ستبقون في بناء المصانع، كأنّهم يخلدون فيها فلا يموتون. و (لعلّ) تأتي في الكلام

стр. 1982

بمعنى (كأنّ) من قوله ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ أي كأنّك قاتل نفسك إن لم يؤمنوا. وقيل: معناه: تتّخذون ذلك رجاء أن تخلدوا وأنتم لا تخلدون. قوله تعالى: ﴿وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ (١٣٠)؛أي إذا بطشتم بمن دونكم بطشتم متكبرين ومتجبرين، ضربا بالسّوط وبالسّيف، تقتلون على الغضب. والمعنى: إذا عاقبتم قتلتم. والبطش: هو الأخذ بالشّدّة، والجبّار: هو العالي بالقدرة، يقال: نخلة جبّارة إذا كانت مرتفعة لا تنالها الأيدي، وهي صفة مدح الله تعالى؛ لأن هذا المعنى حقيقة فيه، وهو صفة ذمّ لغيره لأنه كذب فيه. قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ﴾ (١٣١)؛أي اتّقوا عذاب الله بإصراركم على ما أنتم عليه، ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ﴾ (١٣٢)؛من النّعمة والخير، ﴿أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ (١٣٤)؛فيه بيان بعض النّعم، قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (١٣٥)؛أي إنّي أعلم أنه سينزل بكم عذاب عظيم إن لم تؤمنوا، يريد به العذاب الذي أهلكوا به. وقوله تعالى: ﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ﴾ (١٣٦)؛ أي سواء علينا أو عظتنا أم لم تعظنا فلا نترك هذه العبادة، قوله تعالى: ﴿إِنْ هذا إِلاّ خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ (١٣٧)؛أي ما هذا الذي تقول يا هود إلاّ كذب الأوّلين، وهذا قول ابن مسعود ومجاهد (١).والخلق والاختلاق هو الكذب. ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً﴾ (٢). قرئ ﴿(خُلُقُ الْأَوَّلِينَ)﴾ بضمّ الخاء واللام؛ أي عادة الأوّلين، والمعنى: ما هذا الذي نحن فيه إلاّ عادة الأوّلين من قبلنا يعبثون ما عاشوا ثم يموتون ولا بعث ولا حساب، ﴿وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ (١٣٨)؛على ما نفعل.

стр. 1983

قوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ؛﴾ بالعذاب في الدّنيا، ﴿فَأَهْلَكْناهُمْ؛﴾ بالرّيح. وقوله تعالى ﴿(فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْناهُمْ)﴾ أي كذبوا هودا بعد وضوح الحجّة فأهلكناهم بريح صرصر عاتية. قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً؛﴾ أي إنّ في إهلاكنا إياهم مع شدّة قوّتهم لآية بأضعف الأشياء وهي الريح للدلالة على وحدانيّتنا وصدق نبوّة هود، ﴿وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١٣٩)؛بالله؛ فإنه لم يؤمن منهم إلاّ قليل، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (١٤٠). قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٤٢) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٤٣) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١٤٤) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (١٤٥)؛ظاهر المعنى. قوله تعالى: ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ (١٤٦)؛أي قال لهم صالح: أتتركون في الدّنيا آمنين من الموت والعذاب تأكلون وتشربون وتمتّعون ولا تكلّفون. وقوله تعالى: ﴿فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ (١٤٧)؛أي أتظنّون أنّكم تتركون في بساتين ومياه ظاهرة، ﴿وَزُرُوعٍ،﴾ وحروث، ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ (١٤٨)؛أي ثمرها نضيج مدرك ناعم، والنّضيج: هو الرّخو اللّيّن اللطيف البالغ، ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ؛﴾ أي تنقبون في الجبال ﴿بُيُوتاً فارِهِينَ﴾ (١٤٩)؛أي أشرين بطرين. وقرأ ابن عامر والكوفيّون: ﴿(فارِهِينَ)﴾ بالألف أي حاذقين بنحتها، مأخوذ من قولهم: فره الرجل فراهة فهو فاره، ويقال: الفره والفاره بمعنى واحد. وقيل: إنّ الهاء من قوله (فرهين) بدل من إلحاق الفرح في كلام العرب: الأشر والبطر (١)،ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ (٢)، ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ﴾ (١٥٠).

стр. 1984

قوله تعالى: ﴿وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ﴾ (١٥١)؛أي أمر رؤسائكم وكبرائكم الذين يفرطون في الشّرك والمعاصي، ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ؛﴾ قال مقاتل: (هم التّسعة الّذين عقروا النّاقة، وهم الّذين يفسدون في الأرض بالمعاصي) (١) ﴿وَلا يُصْلِحُونَ﴾ (١٥٢)؛أي ولا يطيعون الله فيما أمرهم. قوله تعالى: ﴿قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٥٣) ما أَنْتَ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا؛﴾ أي قال له قومه: إنّما أنت ممّن سحر مرّة بعد مرة، فلا نؤمن بك. ويقال: المسحّر هو المعلّل بالطعام والشّراب، والسّحر مجرى الطعام، يقال: انتفخ سحره؛ أي رئته والمعنى: لست بملك، إنّما أنت بشر مثلنا لا تفضلنا في شيء، لست بملك ولا رسول، ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ (١٥٤)؛إنك رسول الله إلينا. قال ابن عبّاس: (سألوه أن يخرج لهم ناقة حمراء عشراء من صخرة ملساء، فتضع ونحن تنظر، وترد هذا الماء فتشرب. فخرج بهم إلى تلك الصّخرة الّتي ذكروها، ثمّ دعا الله تعالى فتمخّضت تلك الصّخرة كما تتمخّض المرأة الحامل عند الولادة، فخرجت منها ناقة على الصّفة الّتي سألوها لا نظير لها في النّوق، وكان يسدّ جنباها ما بين الجبلين من عظمها) (٢). ف ﴿قالَ﴾ لهم صالح: ﴿هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ (١٥٥)؛أي اجعلوا الشّرب بينها وبينكم مناوبة، لها نوبة يوم لا تحضرون معها، ولكم نوبة يوم لا تحضر معكم. قال قتادة: (فكان يوم شربها تشرب ماءهم كلّه أوّل النّهار ولا يبقى لهم منه شيء، وتسقيهم اللّبن حتّى تملأ جميع آنيتهم، فإذا كان يوم شربهم كان الماء لهم ولمواشيهم لا تزاحمهم النّاقة فيه) (٣). والشّرب في اللغة: هو النّصيب من الماء، والشّرب بضمّ الشين المصدر، والشّرب بفتح الشين جماعة الشّراب.

стр. 1985

قوله تعالى: ﴿وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ؛﴾ أي تعقروها ولا تؤدوها، وذروها تأكل في أرض الله، فإنّكم إن تمسّوها بسوء، ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (١٥٦). قوله تعالى: ﴿فَعَقَرُوها فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ (١٥٧)،فعقروها واقتسموا لحمها، فبلغ ألفا وثمانمائة منزل، ثم أصبحوا نادمين على قتلها، ﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ؛﴾ في اليوم الثالث وهو يوم السّبت، صاح بهم جبريل فماتوا أجمعين، ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١٥٨)؛أي في إخراج النّاقة من الصّخرة، وفي إهلاكهم بعقرها علامة وعبرة لمن بعدهم ولم يكن أكثرهم مؤمنين، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (١٥٩). قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (١٦٤)؛إلى قوله تعالى ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ﴾ (١٦٥)،ظاهر المعنى. قوله تعالى: ﴿وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ؛﴾ معناه: أتنكحون الذّكور حراما في أدبارهم، وتتركون ما أحلّ الله لكم من فروج نسائكم، ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ (١٦٦)؛أي متجاوزون الحدّ في الظّلم والحرام. قوله تعالى: ﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ (١٦٧)؛ أي لئن لم تسكت يا لوط عن الإنكار علينا وتقبيح أفعالنا لنخرجنّك من أرضنا. ﴿قالَ؛﴾ لوط: ﴿إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ﴾ (١٦٨)؛أي لمن المبغضين، والقالي: هو الباغض للشّيء التارك له غاية الكراهة. قوله تعالى: ﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ (١٦٩)؛أي خلّصني وأهلي من عقوبة أعمالهم الخبيثة حتى لا نراهم ولا نرى أعمالهم الخبيثة، ﴿فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾ (١٧٠)؛أي خلّصناهم من العذاب الذي وقع بهم، وقوله تعالى ﴿(فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ)﴾ أي نجّيناه وبناته.

стр. 1986

وقوله تعالى: ﴿إِلاّ عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ﴾ (١٧١)؛يعني امرأته فإنّها كانت من الغابرين؛ أي من الباقين في موضع العذاب فهلكت معهم، وكانت تدلّ المشركين على أضيافه، قوله تعالى: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾ (١٧٢)؛أي أهلكناهم بالخسف والحصب، وهو أنّ الله تعالى خسف بقراهم، كما روي [أنّ جبريل رفعهم ببلادهم حتّى بلغ بهم إلى السّماء، فقلبهم وجعل عاليها سافلها] (١). قوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً؛﴾ أي أمطرنا على ساكنهم ومسافريهم حجارة، ﴿فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ (١٧٣)؛أي فبئس مطر الذين أنذروا فلم يؤمنوا. قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١٧٤)؛أي في إهلاكنا إيّاهم لدلالة وعبرة لمن بعدهم، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (١٧٥). قوله تعالى: ﴿كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ﴾ (١٧٦)؛اختلفوا في الأيكة، قال بعضهم: هو اسم مدين، وقال بعضهم: الأيكة اسم لمدينة أخرى غير مدين، وكان شعيب مبعوثا إلى كلّ واحدة من المدينتين، غير أنّه كان أخا مدين، ولم يكن أخا الأيكة، فلذلك لم يقل في هذه الآية: إذ قال لهم أخوهم، وإنّما قال: ﴿إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (١٨٠)؛وقيل: الأيكة الغيطة ذات الشّجر الكثيف، وجمعه أيك. وقيل: الأيك: شجر الدّوم وهو المقل، وكان أكثر شجرهم الدّوم. وتقرأ: «ليكة»،بغير ألف وتفتح. قوله تعالى: ﴿*أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١) وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ (١٨٢)؛أي أتمّوا الكيل إذا كلتم، ولا تكونوا من الذين يبخسون حقوق الناس في الكيل والوزن، ﴿وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (١٨٣)؛قد تقدّم تفسيره. قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾ (١٨٤)؛أي اتّقوا الله الذي خلقكم وخلق ﴿(الْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ)﴾ أي وخلق الخلق الذين من قبلكم، والجبلّة بكسر الجيم والباء وبضمهما: الخلق الكثير.

стр. 1987

قوله تعالى: ﴿قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ (١٨٥)؛أي من المخوّفين مثلنا ممّن له سحر، ﴿وَما أَنْتَ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا؛﴾ وما أنت إلاّ آدميّ مثلنا، ﴿وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ﴾ (١٨٦)؛فيما تقول. قوله تعالى: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ؛﴾ أي جانبا من السّماء، ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ (١٨٧)؛أنّك مبعوث إلينا، وأنّ هذا العذاب نازل بنا، وهذا اذا قرأت «(كسفا)» بإسكان السّين، وأما إذا فتحتها فهو جمع الكسفة وهي القطعة. قوله تعالى: ﴿قالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ (١٨٨)؛أي هو أعلم بعملكم، وبما تستحقّون من العذاب، وبوقت الاستحقاق، فينزل بكم العذاب على ما توجب الحكمة، ﴿فَكَذَّبُوهُ؛﴾ أي كذبوا شعيبا بعد ظهور الحجّة، ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ؛﴾ انشأ الله سحابة عليهم حتى أظلّتهم في يوم حرّ شديد، فاجتمعوا تحتها مستجيرين بها بما نالهم من الحرّ، فأطبقت عليهم وأمطرت عليهم نارا فأهلكتهم. قال المفسّرون: وذلك أن الله تعالى كان قد حبس عليهم الرّيح سبعة أيّام، وسلّط عليهم الحرّ حتى أخذ بأنفاسهم ولم ينفعهم ظلّ ولا ماء، وكانوا يدخلون الاسراب ليبردوا فيها، فإذا دخلوها وجدوها أشدّ حرّا من الظاهر، فدخلوا أجواف السّرب، فدخل عليهم الحرّ وأخذ بأنفاسهم، فخرجوا هاربين الى البرّيّة، فبعث الله عليهم سحابة أظلّتهم من الشّمس فوجدوا لها بردا ونسيما، فنادى بعضهم بعضا حتى اجتمعوا كلّهم تحتها، فأمطرت عليهم نارا فاحترقوا، فكان من أعظم يوم في الدّنيا، فذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨٩) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (١٩١). والظّلّة: هي السّحابة التي أظلّتهم. قال قتادة: (بعث الله شعيبا إلى أمّتين: أصحاب الأيكة وأهل مدين، فأمّا أصحاب الأيكة فأهلكوا بالظّلّة، وأمّا أهل مدين

стр. 1988

فأهلكوا بالصّيحة، صاح بهم جبريل فهلكوا جميعا) (١). قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (١٩٢)؛أي وإنّ القرآن لإنزال ربّ العالمين، ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ (١٩٣)؛قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحفص ﴿(نَزَلَ)﴾ بالتخفيف ورفع الحاء، يعنون نزل جبريل بالقرآن، وقرأ الباقون بالتشديد والنّصب؛ أي نزّل الله جبريل بالقرآن وهو أمين (٢)،قوله تعالى: ﴿عَلى قَلْبِكَ؛﴾ أي نزل به فأودعه قلبك كي لا تنساه، قوله تعالى: ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ (١٩٤)؛أي من المعلمين بموضع المخافة، ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (١٩٥)؛أي لتنذر العرب بلغتهم فيكون ذلك أقرب إلى فهمهم، وأقطع لعذرهم. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ (١٩٦)؛يعني أن ذكر القرآن مذكور في كتب الأوّلين، ولم يرد به غير القرآن؛ لأنه تعالى خصّ محمّدا ﷺ بإنزال القرآن عليه، فلو كان مذكورا بعينه في الكتب لبطل التخصيص، ولكنّه تعالى ذكر في الكتب المتقدّمة أنه سيبعث نبيّا في آخر الزمان صفته كذا، وسينزل عليه كتابا صفته كذا كما قال الله تعالى: ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ (٣)،وهذا معنى قوله ﴿إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى. صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى﴾ (٤) أي مذكور في الصّحف الأولى أن الناس في الغالب يؤثرون الدّنيا على الآخرة، وأنّ الآخرة خير وأبقى. قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ (١٩٧)؛ روي أن سبب نزولها أنّ أهل مكّة بعثوا إلى أهل الكتاب يستخبرونهم عن محمّد ﷺ وعن ما يدّعي من الرّسالة وصدقوهم في بعثه وصفته، فأخبرهم أهل الكتاب أنّ ذكره عندنا وأنه مبعوث فاتّبعوه. والمعنى: أولم يكن لأهل مكّة علامة لنبوّة محمّد ﷺ أن يعلمه علماء بني إسرائيل مثل عبد الله بن سلام وأصحابه.

стр. 1989

قال الزجّاج في قراءة قرأ ﴿(آيَةً)﴾ بالنّصب، فقوله ﴿(أَنْ يَعْلَمَهُ)﴾ اسم كان، و ﴿(آيَةً)﴾ خبره. ومعناه: أولم يكن لهم علم علماء بني إسرائيل أنّ محمّدا نبيّ حقّ، ودلالة نبوّته (١).قال عطية: (كان علماء بني إسرائيل الّذين آمنوا خمسة: عبد الله بن سلام؛ وابن يامين؛ وثعلبة؛ وأسد؛ وأسيد) (٢)،وقرأ ابن عامر: «(أولم تكن)» بالتاء «(آية)» رفعا، قال الفراء: (جعل «آية» بعد الاسم و ﴿(أَنْ يَعْلَمَهُ)﴾ خبر كان) (٣). قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ﴾ (١٩٨)؛أي لو نزّلنا القرآن على رجل أعجميّ لا يفصح، ﴿فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ؛﴾ بغير لغة العرب ما آمنوا به، وقالوا: ما نفقه هذا! فذلك قوله تعالى: ﴿ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ (١٩٩) وفي هذا بيان معاندتهم. والأعجم والأعجميّ بمعنى واحد؛ وهو الّذي في لسانه عجمة، ومنه العجماء؛ وهي الدّابة. فأما العجميّ فهو منسوب إلى العجم أفصح أو لم يفصح. وعن ابن مسعود: أنّه سئل عن هذه الآية وهو راكب ناقته، فأشار إلى ناقته، فقال: (هذه من الأعجمين) كأنه ذهب إلى أنّ معنى الآية: أنه لو أنزلنا القرآن على البهائم فأنطقناها به، فقرأت عليهم ما آمنوا به (٤). ثم ذكر الله سبب تركهم الإيمان فقال: ﴿كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ (٢٠٠)،قال ابن عبّاس: (معناه: سلكنا الشّرك والتّكذيب في

стр. 1990

قلوب المجرمين إذا قرأه عليهم محمّد ﷺ .قال مقاتل: (يعني مشركي مكّة) (١)، أخبر الله تعالى أنه أدخل الشّرك في قلوبهم، فلم يؤمنوا إلاّ عند نزول العذاب حتى لم ينفعهم، وهو قوله تعالى: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ (٢٠١)؛ يعني عند الموت، ﴿فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ (٢٠٢)؛به في الدّنيا فيتمنّوا الرجعة والنّظرة. قوله تعالى: ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ (٢٠٣)؛فنؤمن ونصدّق. فلمّا أوعدهم النبيّ ﷺ بالعذاب قالوا: فمتى العذاب؟! تكذيبا له، فقال الله تعالى: ﴿أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ (٢٠٤)؛ قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ﴾ (٢٠٥)؛معناه أفرأيت يا محمّد إن أمهلنا كفار مكّة سنين، يريد منذ خلق الله الدّنيا إلى أن تنقضي، وقيل: مدّة أعمارهم، ﴿ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾ (٢٠٦)؛من العذاب، ﴿ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ (٢٠٧)؛ به في تلك السّنين. والمعنى: وإن طال تمتّعهم بنعيم الدّنيا، فإذا أتاهم العذاب لم يغن طول التمتّع عنهم شيئا، يكون كأنّهم لم يكونوا في نعيم قط، وهذه موعظة ما أبلغها! يحكى أنّ عمر بن عبد العزيز كان إذا قعد للقضاء كلّ يوم ابتدأ بهذه الآية، فوعظ بها نفسه، ثم ذكر هذه الأبيات: تسرّ بما يفنى وتفرح بالمنى ... كما اغترّ باللّذات في النّوم حالم حياتك يا مغرور سهو وغفلة ... وليلك نوم والرّدى لك لازم قوله تعالى: ﴿وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاّ لَها مُنْذِرُونَ﴾ (٢٠٨)؛أي ما أهلكنا من قرية بالعذاب في الدّنيا إلاّ لها رسلا ينذرونهم بالعذاب أنه نازل بهم. والمعنى: إلاّ لها منذرون قبل الهلاك، ونظيره ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ (٢).

стр. 1991

وقوله تعالى: ﴿ذِكْرى؛﴾ أي موعظة وتذكيرا، ﴿وَما كُنّا ظالِمِينَ﴾ (٢٠٩)؛فنعذّب من غير ذنب ونعاقب من غير تذكير وإنذار. ويجوز أن يكون ﴿(ذِكْرى)﴾ في موضع نصب على معنى: إلاّ لها مذكّرون ذكرى، ويجوز أن يكون في موضع نصب رفع على معنى: ذلك ذكرى؛ أي ذلك موعظة لهم. قوله تعالى: ﴿وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ (٢١٠) وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ﴾ (٢١١)؛قال مقاتل: (قالت قريش: إنّما يجيء بالقرآن الشّياطين، فتلقيه على لسان محمّد، فأنزل الله تعالى ﴿(وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ)﴾ أي بالقرآن (١) ﴿(وَما يَنْبَغِي لَهُمْ)﴾ أن ينزلوا به ﴿(وَما يَسْتَطِيعُونَ)﴾ أي لا يقدرون على ذلك، ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ (٢١٢)؛أي أنّهم عن استماع القرآن لمحجوبون؛ لأنّهم يرجمون بالنّجوم. قوله تعالى: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ؛﴾ الخطاب للنبيّ ﷺ والمراد به غيره، والمعنى: كلّ من دعا مع الله إلها آخر كان مع المعذبين. قوله تعالى: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ (٢١٣)؛أي رهطك الأدنين وهم بنو هاشم وبنو المطّلب خاصّة. فلما نزلت هذه الآية نادى رسول الله ﷺ [يا آل غالب؛ يا آل لؤيّ بن كعب؛ يا آل مرّة؛ يا آل كلاب؛ يا آل قصيّ؛ يا آل عبد مناف] فأتوه وقالوا: ما تريد؟! قال: [أرأيتم لو حدّثتكم أنّ جيشا ظلّكم؛ أكنتم تصدّقونني؟] قالوا: نعم، قال: [فإنّي نذير لكم بين يدي عذاب شديد، وإنّي لا أملك لكم من الله شيئا إلاّ أن تقولوا: لا إله إلاّ الله]. ثمّ قال: [يا معشر قريش؛ اشتروا أنفسكم من الله؛ فإنّي لا أغني عنكم من الله شيئا، يا بني عبد مناف؛ لا أغني عنكم من الله شيئا، يا عبّاس بن عبد المطّلب؛ لا أغني عنك من الله شيئا، يا صفيّة عمّة محمّد؛ لا أغني عنك من الله شيئا، يا فاطمة

стр. 1992

بنت محمّد؛ لا أغني عنك من الله شيئا] (١). وعن ابن عبّاس قال: (لمّا نزل قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (٢١٤)؛صعد رسول الله ﷺ على الصّفا فقال: [يا صباحاه!] فاجتمعت إليه قريش؛ فقالوا: ما لك؟! قال: [أرأيتم إن أخبرتكم أنّ العدوّ مصبحكم أو ممسّيكم؛ أما كنتم تصدّقونني؟] قالوا: بلى، قال: [فإنّي نذير لكم بين يدي عذاب شديد]. قال أبو لهب: تبّا لك! ألهذا دعوتنا جميعا؟ فأنزل الله تعالى ﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ﴾ إلى آخرها) (٢).ومعنى الآية: عرّف قرابتك يا محمّد أنّك لا تغني عنهم من الله شيئا إن عصوه. والفائدة في تخصيص الأقربين بالإنذار: أنّهم كانوا أقرب إليه، كما قال تعالى ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفّارِ﴾ (٣) وكما أنّ الأولى بالإنسان في البرّ والصّلة أن يبدأ بالأقرب فالأقرب. قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢١٥)؛ أي أكرم من اتّبعك من المؤمنين وألن لهم القول، وأظهر لهم المحبّة والكرامة. قوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ (٢١٦)؛أي إن عصاك الأقربون من عشيرتك؛ فقل: إنّي بريء ممّا تعملون من الكفر وعبادة غير الله، ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ (٢١٧)؛أي فوّض أمرك إليه، وثق به فإنه العزيز في نعمته، الرّحيم بهم حين لم يعجّل لهم العقوبة. قوله تعالى: ﴿الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السّاجِدِينَ﴾ (٢١٩) أي توكّل على العزيز؛ أي الغالب القادر على أن يكفيك كيد أعدائك، الرّحيم بالمؤمنين خاصّة، فكيف لا تفوّض أمرك إليه وهو الذي يراك حين تقوم إلى الصّلاة،

стр. 1993

ويرى قيامك وركوعك وسجودك وتضرّعك في المصلّين مع الجماعة. والمعنى: أنه يراك إذا صلّيت وحدك، ويراك إذا صلّيت في الجماعة راكعا وساجدا وقائما، ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٢٢٠)؛أي السّميع لقولك، العليم بما في قلبك. قوله تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ﴾ (٢٢١)؛أي قل يا محمّد لأهل مكّة: هل أخبركم على من تنزّل الشّياطين؟ وهو راجع إلى قوله تعالى ﴿وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ﴾. ثم أخبر فقال: ﴿تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفّاكٍ أَثِيمٍ﴾ (٢٢٢)؛ أي على كلّ كذاب فاجر. قال قتادة: (هم الكهنة) (١) مثل مسيلمة وغيرهم. قوله تعالى: ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ﴾ (٢٢٣)؛معناه: أنّ الشياطين يسترقون السّمع من كلام الملائكة، ثم يضيفون الكذب إلى ذلك، فيلقونه إلى الكهنة، وقوله تعالى ﴿(وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ)﴾ يعني لأنّهم يخلطون كذبا كثيرا، وهذا كان قبل الوحي إلى النبيّ ﷺ ، وبعد ذلك فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا. قوله تعالى: ﴿وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ﴾ (٢٢٤)؛قال ابن عبّاس: (يريد شعر المشركين) (٢).وذكر مقاتل أسماءهم فقال: (منهم عبد الله بن الزّبعرى السّهميّ، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطّلب، وهبيرة بن وهب المخزوميّ، وشافع بن عبد مناف الجمحيّ، وأبو عزّة عمرو بن عبد الله، كلّهم من قريش، وأميّة ابن الصّلت الثّقفيّ، تكلّموا بالكذب والباطل، وقالوا: نحن نقول مثل ما يقول محمّد! واجتمع إليهم غواة من قومهم يستمعون أشعارهم، ويروون عنهم حتّى يهجون النّبيّ ﷺ وأصحابه) (٣).فذلك قوله تعالى: ﴿(يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ)﴾ يعني الذين يروون هجاء المسلمين وسبّ الصّحابة. وقال قتادة ومجاهد: (الغاوون هم الشّياطين) كما قال تعالى حاكيا عنهم ﴿فَأَغْوَيْناكُمْ إِنّا كُنّا غاوِينَ﴾ (٤).وقيل: الغاوون كفّار الجنّ والإنس. وفي الحديث:

стр. 1994

[لئن ملئ جوف أحدكم صديدا حتّى يصير جاريا أحبّ إليّ أن يمتلئ شعرا] (١) وأراد به الشّعر المذموم. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ﴾ (٢٢٥)؛أي في كلّ فنّ من الكذب يتكلّمون، وفي كلّ لغو يخوضون، يمدحون بباطل ويستمعون لباطل، فالوادي مثل لفنون الكلام، وهيمانهم فيه: قولهم على الجميل بما يقولون من لغو وباطل وغلوّ في مدح أو ذمّ. وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾ (٢٢٦)؛أي يقولون فعلنا وفعلنا وهم كذبة، ويصفون أنفسهم بما ليس فيها. قوله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ؛﴾ استثناء الشّعراء المسلمين حسّان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك الذين مدحوا رسول الله ﷺ ، كان يقول لحسّان: [أهجهم ومعك روح القدس] (٢).قوله تعالى: ﴿وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا؛﴾ يعني أنّهم كانوا يذكرون الله كثيرا في أشعارهم، ويناضلون عن النبيّ ﷺ بألسنتهم وأيديهم من بعد هجائهم الكفار. والانتصار بالشّعر جائز في الشّريعة بما يجوز ذكره فيها، لما قال تعالى في آية أخرى ﴿لا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاّ مَنْ ظُلِمَ﴾ (٣). ويروى: أنّ كعب بن مالك قال: يا رسول الله؛ ما تقول في الشّعر، فقال: [إنّ المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه، والّذي نفسي بيده؛ لكأنّما ينضحونهم بالنّبل] (٤).وقال ﷺ : [إنّ من الشّعر لحكمة] (٥).

стр. 1995

وقالت عائشة: (الشّعر كلام، فمنه حسن ومنه قبيح، فخذوا الحسن ودعوا القبيح) (١).وعن الشعبيّ قال: (كان أبو بكر ﵁ يقول الشّعر، وكان عمر يقول الشّعر، وكان عليّ أشعر الثّلاثة) (٢). قوله تعالى: ﴿(وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيراً)﴾ لم يشغلهم الشّعر عن ذكر الله، ولم يجعلوا الشّعر همّهم، وانتصروا من بعد ما ظلموا أي انتصروا من المشركين لأنهم بدءوا بالهجاء. ثم أوعد شعراء المشركين فقال: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ (٢٢٧)؛أي سيعلم الّذين أشركوا وهجوا النّبيّ ﷺ والمؤمنين أيّ منقلب ينقلبون، قال ابن عبّاس: (إلى جهنّم يخلدون فيها).والمعنى: سيعلمون إلى أين مصيرهم وهو نار جهنّم، فعلى هذا يكون قوله ﴿(أَيَّ مُنْقَلَبٍ)﴾ منصوبا بدلا من المصدر، ولا يجوز أن يكون منصوبا بقوله ﴿(سَيَعْلَمُ)﴾ لأن ﴿(أَيَّ)﴾ لا يعمل فيه ما قبله؛ لأنه من حروف الاستفهام، وموضع حروف الاستفهام صدر الكلام، فكان انتصاب قوله ﴿(أَيَّ مُنْقَلَبٍ)﴾ على معنى المصدر، أو بقوله ﴿(يَنْقَلِبُونَ)﴾. وعن أبيّ بن كعب عن رسول الله ﷺ أنّه قال: [من قرأ سورة الشّعراء، كان له من الأجر عشر حسنات، بعدد من صدّق بنوح وكذب به، وهود وشعيب وصالح وإبراهيم ولوط واسحاق ويعقوب وموسى وعيسى، وبعدد من صدّق بمحمّد ﷺ ] (٣). آخر تفسير سورة (الشعراء) والحمد لله رب العالمين آخر المجلد الرابع من التفسير الكبير للإمام الطبراني

стр. 1996

سورة النّمل سورة النّمل مكّيّة، وهي أربعة آلاف وسبعمائة وتسعة وتسعون حرفا، ومائة وألف وتسع وأربعون كلمة، وثلاث وتسعون آية. ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿طس تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ؛﴾ قال ابن عبّاس: (طس اسم من أسماء الله، أقسم به أنّ هذا القرآن الآيات الّتي وعدتم بها) (١) فقال قتادة: (هو اسم من أسماء القرآن) (٢).وقيل: هو اسم من أسماء السّورة. وقوله تعالى: ﴿وَكِتابٍ مُبِينٍ﴾ (١) معناه: وآيات الكتاب المبين بالحلال والحرام. وقوله تعالى: ﴿هُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢)؛يجوز أن يكون ﴿(هُدىً)﴾ في موضع رفع؛ أي هو هدى، والمعنى: ﴿(هُدىً)﴾ أي بيان من الضّلالة لمن عمل به، ﴿(وَبُشْرى)﴾ بما فيه من الثواب للمصدّقين به أنه من عند الله. ثم عرّفهم فقال: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ (٣)؛ظاهر المعنى. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ (٤) أي زيّنّا لهم صلاتهم حتى رأوها حسنة، ﴿(فَهُمْ يَعْمَهُونَ)﴾ أي يتردّدون فيها متحيّرين، ﴿أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ (٥)؛لأنّهم خسروا أنفسهم وأهليهم وصاروا إلى النار.

стр. 1997

قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ (٦)؛أي إنّك لتعي القرآن وحيا من عند الله تعالى، أنزله بعلمه وحكمته. قوله تعالى: ﴿إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ؛﴾ أي واذكر إذ قال موسى لامرأته: ﴿إِنِّي آنَسْتُ ناراً؛﴾ أبصرتها، وكانت امرأته يومئذ ابنة شعيب ﵇، فقال لها حين ضلّ الطريق: أنّي أبصرت نارا، فامكثوا هاهنا، ﴿سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ،﴾ أي حتّى آتيكم من عند النار بخبر الماء والطريق، فإن لم أجد أحدا يخبرني عن الطريق آتيكم بشعلة نار، وهو قوله تعالى: ﴿أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ؛﴾ والشّهاب: خشبة فيها نور ساطع، ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ (٧)؛أي لكي تصطلوا من البرد، وكان ذلك في شدّة الشّتاء، يقال: صلى بالنار وأصلى بها إذا استدفأ، والمعنى: أو آتيكم بالشّعلة المقبسة من النار لكي تذودوا (١) من البرد. والشّهاب: هو النار المستطار، ومنه قوله ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ (٢) والقبس والجذوة: كلّ عود أشعل في طرفه نار. قرأ أهل الكوفة «(بشهاب قبس)» منوّن على البدل أو النعت للشهاب. قوله تعالى: ﴿فَلَمّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النّارِ؛﴾ معناه: فلما جاء موسى إلى النار التي رآها نودي نداء الوحي: أن بورك من في طلب النار وهو موسى، ﴿وَمَنْ حَوْلَها﴾ من الملائكة. وهذه تحيّة من الله لموسى بالبركة كما حيّا إبراهيم بالبركة على ألسنة الملائكة حين دخلوا عليه، فقالوا: رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت. وقيل: المراد بالنار هو النّور، وذلك أن موسى رأى نورا عظيما، ولذلك ذكره بلفظ النار، ومن في النار هم الملائكة؛ لأن النور الذي رآه موسى كان فيه ملائكة لهم زجل بالتسبيح والتقديس، ومن حولها هو موسى؛ لأنه كان بالقرب منها ولم يكن فيها. وأهل اللغة يقولون: بورك فلان؛ وبورك فيه؛ وبورك له وعليه، بمعنى واحد. والمراد بالبركة هاهنا ما نال موسى من كرامة الله له بالنبوّة.

стр. 1998

قوله تعالى: ﴿وَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٨)؛كلمة تنزيه عمّا تظنّ المشبهة أنّ الله تعالى كان في تلك النار، تعالى الله عمّا يقولون علوّا كبيرا. قوله تعالى: ﴿يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٩)؛أي أنا الدّاعي الذي يدعوك، أنا الله العزيز في ملكي، الحكيم في أمري وقضائي. فإن قيل: بماذا عرف موسى؟ قلنا: إنّما عرف نبوّة نفسه أن ذلك النداء من الله تعالى حتى جعل يدعو الناس إلى نبوّة نفسه بالمعجزة، وذلك أنه رأى شجرة أخضر ما يكون من الشّجر في أنضر ما يكون، لها شعاع يرتفع إلى السّماء في الهواء، والنار تلتهب في أوراقها والأغصان، فلا النار تحرق الأوراق ولا رطوبة الشجر والأغصان تطفئ النار، فلما رأى ذلك بخلاف العادة، علم أنه لا يكون ذلك إلاّ من صنع الله تعالى. قوله: ﴿وَأَلْقِ عَصاكَ؛﴾ أي وقيل له: ألق عصاك من يدك، فألقاها فاهتزّت ﴿فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ؛﴾ أي تضطرب كأنّها جانّ، والجانّ: الحيّة البيضاء الخفيفة السريعة، السريع شدّة الاضطراب يقال لها المسلّة. وإنّما شبّهها بالجانّ في خفّة حركتها وسرعة انتشارها عن الأعين، وشبّهها في موضع آخر بالثّعبان لعظمها. قوله تعالى: ﴿وَلّى مُدْبِراً؛﴾ أي أعرض موسى هاربا من الخوف من الحيّة، ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ أي لم يرجع ولم يلتفت إلى شيء وراءه، يقال: عقّب فلان إذا رجع. فقال الله: ﴿يا مُوسى لا تَخَفْ،﴾ من ضررها، ﴿إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ (١٠)؛أي لا يخاف عندي وفي حكمي من أرسلته، ﴿إِلاّ مَنْ ظَلَمَ؛﴾ من المرسلين بارتكاب الصغيرة ﴿ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ،﴾ ثمّ تاب من بعد ذلك، ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١١)؛به، فكان السبب في هذا الاستثناء أنّ موسى كان مستشعرا حقّه لما كان منه من قبل القبطيّ، فأمّنه الله بهذا الكلام.

стр. 1999

والصغائر والكبائر من الذّنوب تسمّى ظلما؛ ولذلك قال موسى ﴿إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ (١).ويقال: إن قوله ﴿(إِلاّ مَنْ ظَلَمَ)﴾ استثناء منقطع، ومعناه: لكن من ظلم، فإنه يخافني إلاّ أن يتوب ويعمل صالحا، فإنّي أغفر له وأرحمه. والمعنى: إلاّ من ظلم نفسه بالمعصية ﴿(ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً)﴾ أي توبة وندما ﴿(بَعْدَ سُوءٍ)﴾ عمله ﴿(فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ)﴾ كأنه قال: لا يخاف لديّ المرسلون الأنبياء والتّائبون، وقال بعضهم: ﴿(إِلاّ)﴾ هاهنا بمعنى (ولا) كأنه قال: ﴿(لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ إِلاّ مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ)﴾ (٢). قوله تعالى: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ؛﴾ فيه بيان أنّ الله تعالى أعطاه آية أخرى في ذلك المكان، ومعنى ﴿(تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ)﴾ أي بيضاء لها شعاع من غير برص (٣)،والجيب جيب القميص. وقوله تعالى: ﴿فِي تِسْعِ آياتٍ؛﴾ أظهرها بين الآيتين، والآيات التّسع: قلب العصاة حيّة، وجعل يده بيضاء، وما أصاب فرعون من الجدب في بواديهم، ونقص الثّمرات في مزارعهم، وإرسال الطّوفان والجراد والقمّل والضفادع والدّم، فهذه الآيات التّسع، قوله تعالى: ﴿إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ﴾ (١٢)؛أي خارجين عن طاعة الله. قوله تعالى: ﴿فَلَمّا جاءَتْهُمْ آياتُنا؛﴾ أي فلمّا جاءت فرعون وقومه الآيات التسع، ﴿مُبْصِرَةً؛﴾ أي بيّنة واضحة، ﴿قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (١٣)؛ كذبوا بالآيات التسع كلّها ونسبوا موسى إلى السّحر، ﴿وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ؛﴾ أي جحدوا بألسنتهم وأنكروا تلك الآيات، وعلموا بقلوبهم أنّ تلك الآيات ليست من جنس أفعال السّحر، وأنّها من الله تعالى، أي علموا يقينا أنّها من عند الله لكن جحدوا بها تجبّرا وتكبّرا وذلك قوله تعالى: ﴿ظُلْماً وَعُلُوًّا؛﴾ أي شركا وتكبّرا عن أن يؤمنوا، ﴿فَانْظُرْ؛﴾ يا محمّد، ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ (١٤)؛في الأرض بالمعاصي، كيف أهلكهم الله بالغرق في اليمّ.

стр. 2000

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً؛﴾ أي أعطيناهما معرفة الدّين وأحكام الشّريعة، وقيل: علما بقضاء الطّير والدّواب وتسبيح الجبال، فقابلا تلك النعمة بالشّكر، ﴿وَقالا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي فَضَّلَنا؛﴾ بالنبوّة والكتاب وإلانة الحديد وتسخير الشّياطين والجنّ والإنس، ﴿عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١٥). قوله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ؛﴾ أي ورث نبوّته وعلمه وملكه، وذلك أنه كان لداود تسعة عشر ابنا ذكرا، فورث سليمان ملكه ومجلسه ومقامه ونبوّته من بينهم. وعن أبي هريرة قال: (نزل كتاب من السّماء إلى داود ﵇ مختوما، فيه عشر مسائل؛ أن اسأل ابنك سليمان عنهنّ، فإن أخرجهنّ فهو الخليفة من بعدك. قال: فدعا داود (١) سبعين قسّيسا وسبعين حبرا، وأجلس سليمان بينهم، وقال له: يا نبيّ الله؛ إنّه نزل كتاب من السّماء فيه عشر مسائل، أردت أن أسألك عنهنّ، فإن أنت أخرجتهنّ فأنت الخليفة من بعدي. فقال سليمان: لتسأل نبيّ الله ﵇ عمّا الله يراه، وما توفيقي إلاّ بالله. قال: أخبرني يا نبيّ: ما أبعد الأشياء؟ وما أقرب الأشياء؟ وما آنس الأشياء؟ وما أوحش الأشياء؟ وما القائمان؟ وما المختلفان؟ وما المتباغضان؟ وما الأمر الّذي إذا ركبه الرّجل حمد آخره؟ وما الأمر الّذي إذا ركبه الرّجل ذمّ آخره؟ فقال سليمان: أمّا أقرب الأشياء فالآخرة، وأمّا أبعد الأشياء فما فاتك من الدّنيا، وأمّا آنس الأشياء فجسد فيه روح، وأمّا أوحش الأشياء فجسد لا روح فيه، وأمّا القائمان فالسّماء والأرض، وأمّا المختلفان فاللّيل والنّهار، وأمّا المتباغضان فالموت والحياة، وأمّا الأمر الّذي إذا ركبه الرّجل حمد آخره فالحلم على الغضب، وأمّا الأمر الّذي إذا ركبه ذمّ آخره فالحدّة على الغضب. قال: ففكّ الختم فإذا هي هذه المسائل سواء على ما نزل من السّماء. فقال القسّيسون والأخبار: لن نرضى حتّى نسأله عن مسألة، فإن هو أخرجها فهو الخليفة
следующие страницы →