وقوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها؛﴾ أي في الجنّات، ﴿يَدْعُونَ فِيها؛﴾ في الجنات، ﴿بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرابٍ﴾ (٥١)؛أي يدعون في الجنات بألوان الفاكهة وألوان الشّراب. والاتّكاء: هو الاستمساك بالسّناد على هيئة جلوس الملوك.
وقوله تعالى: ﴿*وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أَتْرابٌ﴾ (٥٢)؛أي وعندهم حور في الجنّة قاصرات الطّرف على أزواجهنّ لا يردن غيرهم بقلوبهم ولا ينظرن إلى غير أزواجهنّ. وقوله ﴿(أَتْرابٌ)﴾ أي مستويات على ميلاد امرأة واحدة، مستويات في السّنّ والشباب والحسن، كلّهن بنات ثلاث وثلاثين سنة.
قوله تعالى: ﴿هذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسابِ﴾ (٥٣)؛قرأ ابن كثير وأبو عمرو بالياء؛ ومعناه: قل للمتّقين: هذا ما يوعدون به ليوم الحساب. وقرأ الباقون «(يوعدون)» بالياء؛ أي هذا الذي تقدّم ذكره ما يوعد به المتّقون على لسان النبيّ ﷺ .
ومعنى الآية: هذا الذي ذكرناه ما توعدون به يوم الحساب.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ هذا لَرِزْقُنا؛﴾ أي هذا الذي ذكرناه رزقنا لهم، ﴿ما لَهُ مِنْ نَفادٍ﴾ (٥٤)؛أي ما له من انقطاع ولا فناء. قال ابن عبّاس: (ليس بشيء في الجنّة نفاد، ما أكل من ثمارها خلّف مكانه مثله، وما أكل من حيوانها وطيرها عاد حيّا مكانه) (١).
قوله تعالى: ﴿هذا وَإِنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ (٥٥)؛أي هذا الثواب الذي تقدّم ذكره للمتّقين، ثم ابتدأ الخبر عمّا للطّاغين فقال: ﴿(وَإِنَّ لِلطّاغِينَ)﴾ أي الذين طغوا على الله وكذبوا الرّسل وجاوزوا الحدّ في الكفر والمعصية ﴿(لَشَرَّ مَآبٍ)﴾ أي لشرّ مرجع ومصير، ثم أخبر بذلك فقال:
﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها؛﴾ أي يلزمونها يوم القيامة، ﴿فَبِئْسَ الْمِهادُ﴾ (٥٦)؛يمهّدنّها لأنفسهم،
﴿هذا﴾ العذاب ﴿فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسّاقٌ﴾ (٥٧)؛أي يقال لهم في ذلك اليوم: هذا حميم وغسّاق فليذوقوه.
стр. 2347
والحميم: الماء الحارّ الذي قد انتهى حرّه من طينة الخبال وهي عصارة أهل النّار. والغسّاق: ما سال من جلود أهل النّار من القيح والصّديد، من قولهم: غسقت عينه إذا تصبّت، والغسقان الانصباب.
قرأ حمزة والكسائي وخلف: ﴿(وَغَسّاقٌ)﴾ بالتشديد على معنى أنه يسال من صديد أهل النار. وقرأ الباقون بالتخفيف مصدر غسق يغسق إذا سال.
قال الكلبيّ: (الغسّاق هو الزّمهرير البارد الّذي قد انتهى برده، يحرقهم ببرده كما تحرقهم النّار).وقال ابن زيد: (هو المنتن بلغة التّرك والطّخاريّة (١) والعماليق) (٢).وقال الحسن: (لا أدري ما الغسّاق وما سمعت فيه شيئا من الصّحابة إلاّ أنّه بعض ما أعدّ لأهل النّار، قوم أخفوا من المعصية أعمالا فأخفى الله لهم عقابا).
قوله تعالى: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ﴾ (٥٨)؛قرأ الأكثرون ﴿(وَآخَرُ)﴾ على الوحدان؛ أي وعذاب آخر من شكل العذاب الأوّل، والشّكل المثل؛ يعني ضربا من العذاب على مثل الحميم والغسّاق في الكراهة. وقرأ أهل البصرة «(وأخر)» على الجمع على معنى: وأنواع أخر من شكله؛ أي وأصناف من العذاب، وقوله ﴿(أَزْواجٌ)﴾ أي ألوان وأنواع وأشباه.
وقوله تعالى: ﴿هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ؛﴾ معناه: أنّ القادة والرؤساء من المشركين إذا دخلوا النار ثم دخل بعدهم الاتباع، قال الملائكة من الخزنة للقادة: هذا فوج؛ أي قطيع من الناس مقتحم معكم النار، أي داخلون معكم النار، فتقول القادة:
﴿لا مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صالُوا النّارِ﴾ (٥٩)؛كما صليناها، فيقول الاتباع للقادة:
﴿قالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا؛﴾ أي أنتم بدأتم بالكفر قبلنا، ﴿فَبِئْسَ الْقَرارُ﴾ (٦٠)؛جهنّم للمشركين.
стр. 2348
ثم يقول الأتباع: ﴿قالُوا رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً فِي النّارِ﴾ (٦١)؛أي يقولون ربّنا من شرّع لنا هذا الكفر وسنّة لنا فزده عذابا ضعفا في النار. والاقتحام: هو الدخول في الشّيء بشدّة وصعوبة، وذلك أنّ أهل النار يساقون إليها فوجا فوجا، فيقال للرّؤساء: هؤلاء الاتباع داخلون معكم، فيقولون لا مرحبا بهم، كيف يدخلون معنا ونحن في هذا الضّيق (١)؟! فيقول لهم الخزنة: إنّهم صالوا النّار؛ أي داخلونها كما دخلتم.
والرّحب في اللغة هو السّعة، وكذلك المرحب، ومعنى لا مرحبا بهم يعني لا اتّسعت بهم مساكنهم ولا كرامة لهم، وهذا إخبار أن مودّتهم تنقطع وتصير عداوة، فيقول لهم الأتباع: ﴿(بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ)﴾ أي لا وسّع الله عليكم، أنتم شرعتم لنا بهذا العذاب، فيقول الله تعالى: ﴿(فَبِئْسَ الْقَرارُ)﴾ أي بئس المكان الذي أنتم فيه.
قوله تعالى: ﴿(قالُوا رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً فِي النّارِ)﴾ أي قالت الأتباع والقادة جميعا: ربّنا من سنّ لنا هذا الكفر قبلنا فزده عذابا ضعفا مما علينا من العذاب، يعني حيّات وعقارب وأفاعي. قال الحسن: (ما من أحد من أهل النّار إلاّ وهو يعرف يوم القيامة شيطانه الّذي يضلّه ويوسوس إليه في الدّنيا).
قوله تعالى: ﴿وَقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالاً كُنّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ﴾ (٦٢)؛ قال الكلبيّ: (وذلك أنّ كفّار قريش ينظرون في النّار، فلا يرون من كان يخالفهم من المؤمنين في دار الدّنيا يعني فقراء المؤمنين، فعند ذلك يقولون: ربّنا ما لنا لا نرى رجالا كنّا نعدّهم في الدّنيا من الأشرار؛ أي كنّا نعدّهم في الدّنيا من السّفلة، ونقول لهم: أنتم تتركون شهواتكم تطلبون بذلك النّعم بعد الفناء، فهذا معنى ﴿(كُنّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ)﴾ وهم عمّار وخبّاب وصهيب وبلال وسلمان وسالم وأشباههم من فقراء المؤمنين).
стр. 2349
قوله تعالى: ﴿أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ﴾ (٦٣)؛أي يقولون قد اتّخذناهم سخريّا؛ أي مالت أبصارنا عنهم فلم نكن نعدّهم شيئا، قال الحسن: (كلّ ذلك قد فعلوه، اتّخذوهم سخريّا وزاغت عنهم أبصارهم محقّرة لهم).
ومن قرأ ﴿(أَتَّخَذْناهُمْ)﴾ بقطع الألف وفتحها معناه الاستفهام؛ كأنّهم ينكرون ذلك على أنفسهم، وهم يقولون في الآخرة سخّرناهم وزاغت أبصارهم عنهم لضعفهم، فيقولون: ما لنا لا نراهم، ولم يدخلوا معنا في النار، أم دخلوا معنا ولكن لا نراهم.
وفي قوله ﴿(سِخْرِيًّا)﴾ قراءتان: ضمّ السّين وكسرها، فمن ضمّها فهو من السّخرية؛ أي استذلّوهم، ومن قرأها بالكسر فهو من الهزؤ (١).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ؛﴾ أي إنّ الذي وصف عنهم لصدق كائن واقع، ثم بيّن ما هو فقال: ﴿تَخاصُمُ أَهْلِ النّارِ﴾ (٦٤)؛أي تخاصم القادة والأتباع على ما أخبر به عنهم.
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ؛﴾ أي قل يا محمّد لأهل مكّة: إنّما أنا منذر لكم أحذّركم عقوبة الله، ﴿وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ (٦٥)؛أي وقل لهم أيضا: ما من إله إلاّ الله الواحد لا شريك له، القهّار لخلقه الغالب عليهم،
﴿رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفّارُ﴾ (٦٦)؛أي المنتقم ممّن لا يؤمن به، المتجاوز عمّن تاب وآمن به.
قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ (٦٧)؛أي قل يا محمّد لهم هذا القرآن الذي أتيتكم به عظيم الشّأن والشرف، أنتم عن تدبّره والعمل به معرضون. وقيل:
معناه أمر القيامة عظيم؛
﴿أَنْتُمْ عَنْهُ؛﴾ عن الاستعداد له، ﴿مُعْرِضُونَ﴾ (٦٨).
وقوله: ﴿ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ (٦٩)؛معناه: إن النبأ الذي أتيتكم به من قصّة آدم وإبليس دليل واضح على نبوّتي؛ لأن ذلك
стр. 2350
لا يعلم إلاّ بوحي من الله تعالى أو بقراءة الكتب، ثم بيّنه من بعد بقوله:
﴿إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها﴾ (١) الآية أي إنّي ما علمت ذلك إلاّ بوحي من الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿إِنْ يُوحى إِلَيَّ؛﴾ معناه: ما يوحى إليّ هذا القرآن، ﴿إِلاّ أَنَّما؛﴾ لأنّي؛ ﴿أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (٧٠)؛أي ما يوحى إليّ إلاّ لأنّي نبيّ ونذير مبين، أبيّن لكم ما تأتون من الفرائض والسّنن، وما تتركون من الحرام والمعصية.
قوله تعالى: ﴿إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ (٧٢) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلاّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ﴾ (٧٤)؛قد تقدّم تفسير هذا.
وقوله: ﴿قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ؛﴾ أي ما منعك عن السّجود لمن تولّيت خلقه من غير واسطة وسبب، وقوله: ﴿أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ﴾ (٧٥)،أي رفعت نفسك فوق قدرك، ﴿(أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ)﴾ الذين علو في منزلة من السّجود لمثله.
قال ابليس: ﴿قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ (٧٦)؛ والنار شيء مضيء، والطّين شيء مظلم.
وقوله تعالى: ﴿قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ (٧٧)؛أي قيل: من السّماء، وقيل: من الجنّة، وقيل: من الأرض إلى جزائر البحار. والرّجيم: هو المرجوم بالخزي والفضيحة والشّهب إذا رجع إلى السّماء.
﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨) قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (٧٩).
قوله تعالى: ﴿قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ (٨١)؛المؤجّلين إلى وقت النّفخة الأولى، فلم يجبه إلى ما سأل، ولم يعرّفه ذلك الوقت.
стр. 2351
وقوله تعالى: ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٨٢)؛أي لأدعونّهم إلى الغواية ولأضلّنّهم،
﴿إِلاّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ (٨٣)،إلاّ عبادك الذين أخلصتهم وعصمتهم فلا سبيل لي عليهم.
قوله تعالى: ﴿قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٨٥)؛قول مجاهد والأعمش وحمزة وخلف: برفع الأوّل ونصب الثاني؛ أي بمعنى فأنا الحقّ أو فمنّي الحقّ وأقول، وقرأ الباقون بنصبهما.
واختلف النّحاة في وجه ذلك، فقيل: نصب الأول على الإغراء، والثاني بإيقاع القول عليه. وقيل: الأول قسم، والثاني مفعول، تقديره: قال فبالحقّ وهو الله، أقسم بنفسه ثم حذف الخافض فنصب كما يقول الله: لأفعلنّ، أقسم الله تعالى ليملأنّ جهنّم من إبليس وأتباعه (١).
قوله تعالى: ﴿قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ؛﴾ أي قل يا محمّد لكفّار مكّة:
ما أسألكم على تبليغ الوحي والقرآن من مال تعطونيه جعلا، ﴿وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ (٨٦)؛أي لم أتكلّف دعاءكم اليه من تلقاء نفسي بل أمرت بذلك.
قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ (٨٧)؛أي ما القرآن إلاّ موعظة للحقّ أجمعين،
﴿وَلَتَعْلَمُنَّ؛﴾ أنتم يا كفار مكّة، ﴿نَبَأَهُ؛﴾ أي خبر صدقه، ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾ (٨٨)؛أي بعد الموت، وقيل: يوم القيامة. وقال الحسن: (يا ابن آدم؛ عند الموت يأتيك الخبر اليقين) (٢).
آخر تفسير سورة (ص) والحمد لله ربّ العالمين
стр. 2352
سورة الزّمر
سورة الزّمر مكّيّة إلاّ قوله (١): ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ .. ﴾. الآية، وهي أربعة آلاف وسبعمائة وثمانية أحرف، وألف واثنان وتسعون كلمة، وخمس وسبعون آية. قال رسول الله ﷺ : [من قرأ سورة الزّمر لم يقطع الله رجاءه، وأعطاه ثواب الخائفين] (٢).
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (١)؛معناه: هذا تنزيل من الله العزيز بالنّقمة لمن لا يؤمن، الحكيم في أمره وقضائه. ويجوز أن يكون ﴿(تَنْزِيلُ)﴾ مبتدأ وخبره ﴿(مِنَ اللهِ)﴾ كما يقال: نعم الدّنيا والدين من الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿إِنّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ؛﴾ أي أنزلنا إليك هذا القرآن بالحقّ ولم ينزله باطلا، وقوله تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾ (٢)؛أي اعبد الله وحده لا كما يعبده عبدة الأوثان.
وقوله: ﴿أَلا لِلّهِ الدِّينُ الْخالِصُ؛﴾ أي إنّ العبادة الخالصة لله، وفي هذا بيان أنّ غير الخالص لا يكون لله، والإخلاص أن يقصد العبد بنيّته وعمله خالقه لا يجعل ذلك تعرّضا للدّنيا.
стр. 2353
وقيل: معنى ﴿(أَلا لِلّهِ الدِّينُ الْخالِصُ)﴾ أي إن الدين الخالص من الشّرك هو لله، وما سواه من الأديان فليس بدين الله الذي أمره به. قال قتادة: (الدّين الخالص شهادة أن لا إله إلاّ الله) (١).
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ؛﴾ يعني الذين يعبدون الأصنام والملائكة والشّمس والقمر والنجوم يقولون: ﴿ما نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى؛﴾ أي يقولون ما نعبدهم إلاّ ليشفعوا لنا إلى الله.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ؛﴾ أي بين أهل الأديان يوم القيامة، ﴿فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ؛﴾ من أمور الدين، كلّ يقول: الحقّ ديني، فهم مختلفون، وحكم الله بينهم: أن يعذّب كلاّ على قدر استخفافه، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفّارٌ﴾ (٣)؛أي لا يرشد لدينه من كذب في زعمه أنّ الآلهة تشفع له الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿لَوْ أَرادَ اللهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ أي لو أراد أن يتّخذ لنفسه ولدا كما زعم بعض الكفّار أنّ الملائكة بنات الله! لما اقتصر على الأدون من البنات دون الأعلى من الذّكران، وهذا كقوله تعالى ﴿أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً﴾ (٢)،وقال تعالى ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى﴾ (٣).
وقيل: معناه: لو أراد أن يتّخذ ولدا كما قالت النصارى في المسيح واليهود في العزير لاختار خلقا أفضل من عيسى ﵇ وعزير. وقوله تعالى: ﴿سُبْحانَهُ؛﴾ أي تنزيها له في كلّ صفة لا تكون من أرفع الصّفات، وقوله: ﴿هُوَ اللهُ الْواحِدُ؛﴾
стр. 2354
لا شريك له و «ليس» (١) شيء كمثله، ﴿الْقَهّارُ﴾ (٤)؛الغالب على خلقه الذي لا يحتاج إلى ولد وظهير.
قوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ؛﴾ أي خلق السّماوات والأرض عبرة للخلق، وإقامة للحقّ لا للعبث والباطل، يدير الليل على النهار، ويدير النهار على الليل، وكلّ واحد على الآخر، ويزيد من ساعات أحدهما في ساعات الآخر.
والتكوير: هو إدارة الشيء على الشيء، ومنه كور العمامة، وقد تسمّى الزيادة كورا، كما قيل في الدّعاء: (اللهمّ إنّي أعوذ بك من الحور بعد الكور) (٢) أي من النّقصان بعد الزيادة. وقوله: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى؛﴾ أي إلى الوقت الذي وقّت الله الدنيا إليه وهو انقضاؤها وفناؤها، وقوله:
﴿أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفّارُ﴾ (٥)؛أي خالق هذه الأشياء هو الله الغالب على كلّ شيء، الغفّار لأوليائه وأهل طاعته.
وقوله تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها؛﴾ أي خلقكم من نفس آدم وحدها ثم خلق منها زوجها حوّاء من ضلع من أضلاعه القصيرة، ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ؛﴾ يعني الإنزال ههنا الإنشاء والخلق؛ أي وخلق لكم من كلّ صنف من الإبل والبقر والضّأن والمعز زوجين ذكرا وأنثى.
وقوله: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ،﴾ أي خلقكم نطفة ثم علقة ثم مضغة إلى أن تخرجوا من البطون، ﴿فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ؛﴾ يعني
стр. 2355
ظلمة البطن وظلمة الرحم وظلمة المشيمة (١).وقيل: ظلمة الأصلاب وظلمة الأرحام وظلمة البطون. وقوله تعالى: ﴿ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ؛﴾ الدائم الذي لا يزول، ولا خالق غيره، ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَأَنّى تُصْرَفُونَ﴾ (٦)؛بعد هذا البيان والبرهان.
قوله تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ؛﴾ أي إن تكفروا يا أهل مكّة بنعم الله، فإنّ الله غنيّ عنكم، لم يأمركم بالإيمان من حاجة له إليكم لا لجلب منفعة ولا لدفع مضرّة، وإنما آمركم به لنفعكم، ﴿وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ؛﴾ أي لا يرضى لأوليائه وأهل طاعته الكفر. وقيل: معناه: ولا يرضى لعباده المخلصين الذي قال «فيهم» (٢) ﴿إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ (٣) فألزمهم شهادة لا إله إلاّ الله وحبّبها إليهم.
وقال السديّ: (ولا يرضى لعباده المؤمنين أن يكفروا)،وهذه طريقة من قال بالتخصيص في هذه الآية ومن أجراها على العموم فمعناه: لا يرضى الكفر لأحد، وكفر الكافر غير مرض، وإن كان بإرادة، فالله تعالى مقدّر الكفر غير راض به لأنه «ما» يمدحه (٤) ولا يثني عليه، قال قتادة: (ما رضي الله لعبد ضلالة ولا أمره بها ولا دعاه إليها، ولكن قدّره عليه) (٥).
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ؛﴾ معناه: وإن تشكروا ما أنعم عليكم من التوحيد يرض ذلك الشكر لكم ويثيبكم عليه، ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى؛﴾ أي لا تؤخذ نفس وزرا بذنب أخرى، ﴿ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ؛﴾
стр. 2356
في الآخرة، ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ،﴾ فيجزيكم، ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ،﴾ في الدّنيا، ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ (٧)،بعزائم القلوب.
قوله تعالى: ﴿*وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ؛﴾ إذا أصاب الكافر شدّة في عيشه أو بلاء في جسده دعا ربّه راجعا إليه بقلبه، قال عطاء: (يريد عتبة بن ربيعة) (١)،وقال مقاتل: (يعني أبا حذيفة بن المغيرة) (٢).
وقوله: ﴿ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ؛﴾ أي ثم إذا أعطاه نعمة منه؛ أي أغناه وأنعم عليه بالصحّة، ﴿نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ؛﴾ أي نسي الضرّ الذي كان يدعو الله إلى كشفه، ﴿وَجَعَلَ لِلّهِ أَنْداداً؛﴾ أي رجع إلى عبادة الأوثان، ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ؛﴾ أي ليزلّ عن دين الإسلام، ويضلّ الناس، ﴿قُلْ؛﴾ يا محمّد لهذا الكافر: ﴿تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً؛﴾ في الدّنيا إلى أجلك، لفظه لفظ الأمر ومعناه التهديد والوعيد، ﴿إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النّارِ﴾ (٨)؛في الآخرة فما ينفع التمتّع القليل من الدنيا.
قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ؛﴾ معناه: هذا خير أيّها الكافر أم من هو قانت؟ وقيل: معناه: أمّن هو قانت كمن جعل لله أندادا. وقيل: معناه: أهذا الخير أم من هو قانت لله؟.
والقانت: هو المواظب على طاعة الله تعالى، القائم بما يجب عليه لأمر الله. و ﴿(آناءَ اللَّيْلِ)﴾ ساعاته.
وقوله: ﴿(ساجِداً وَقائِماً)﴾ نصب على الحال؛ أي تارة ساجدا وتارة قائما، يفعل ذلك حذرا من العذاب وطمعا في الثواب. وقرأ نافع وابن كثير: «(أمن)» بالتخفيف؛ لأن ألف الاستفهام دخلت على (من) هو استفهام إنكار، والمعنى: أمن هو قانت
стр. 2357
كالأوّل. وروي أنّ قوله: (أم من هو قانت آناء اللّيل ساجدا وقائما) نزلت في عثمان ابن عفّان ﵁ (١).
وقوله تعالى: و ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ؛﴾ أي لا يستوي العالم والجاهل، فكذلك لا يستوي المطيع والعاصي، ﴿إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ (٩)؛أي يتّعظ بمواعظ الله ذوو العقول من الناس.
وقال مقاتل: (نزلت هذه الآية في عمّار بن ياسر وأبي حذيفة بن المغيرة المخزوميّ. ﴿(قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ)﴾ يعني عمّار ﴿(وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ)﴾ يعني أبا حذيفة).
وعن ابن عبّاس؛ أنّه قال: (من أحبّ أن يهوّن عليه الموقف يوم القيامة، فليره الله ساجدا في سواد اللّيل (٢) ساجدا أو قائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه) (٣).
قوله تعالى: ﴿قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ؛﴾ أي أطيعوه واجتنبوا معاصيه، وتمّ الكلام ثم قال: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا؛﴾ أي وحّدوا الله وأحسنوا العمل، ﴿حَسَنَةٌ؛﴾ يعني الجنّة.
قوله تعالى: ﴿وَأَرْضُ اللهِ واسِعَةٌ؛﴾ أي ارحلوا من مكّة، وهذا حثّ لهم على الهجرة من مكّة إلى حيث يأمنون، فيه بيان أنه لا عذر لأحد في ترك طاعة الله تعالى لكونه بأرض لا يتمكّن فيها من ذلك.
стр. 2358
وقوله تعالى: ﴿إِنَّما يُوَفَّى الصّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ (١٠)؛معناه:
إنما يوفّى الصّابرون على دينهم فلا يتركونه بمشقّة تلحقهم. وهذه الآية نزلت في جعفر بن أبي طالب وأصحابه حين لم يتركوا دينهم، ولمّا اشتدّ عليهم الأمر صبروا وهاجروا (١)،والمعنى: يعطون أجرهم كاملا على صبرهم على البلاء، وهجران أهلهم وأوطانهم بغير وزن ولا مقدار، بل يعطون نعيما وثوابا لا يهتدي إليه عقل ولا وصف.
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾ (١١)؛أي قل يا محمّد لكفّار مكّة: إنّي أمرت أن أعبد الله،
﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (١٢)،وأمرت أن أعبده على التوحيد والإخلاص، لا يشوب عبادته شرك.
قال مقاتل: (وذلك أنّ كفّار قريش قالوا له: يا محمّد ما يحملك على ما أتيتنا به؟ ألا تنظر إلى ملّة أبيك وجدّك وسادة قومك يعبدون اللاّت والعزّى فتأخذ بها؟ فأنزل الله هذه الآية) (٢).أي قل لهم إنّي أمرت بالقرآن بتوحيد الله تعالى، وأن آمر الخلق كلهم بذلك، وأمرت أن أكون أوّل من أسلم من أهل هذا الزّمان.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (١٣)؛ بالرّجوع إلى دين آبائي،
﴿قُلِ اللهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي﴾ (١٤)؛بالتوحيد لا أشرك به شيئا،
﴿فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ؛﴾ هذا أمر تهديد، ﴿قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ؛﴾ بأن صاروا إلى النار، ﴿أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ﴾ (١٥)،يعني الكفار هم الذين خسروا أنفسهم وأهليهم من الأزواج والخدم بالتخلية في النار. ويقال: خسران الأهل أن يخسروا أهلهم من الحور العين التي أعدّت لهم في الجنّة لو أسلموا.
стр. 2359
وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ؛﴾ أي أطباق من النار تلهب عليهم، ﴿وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ؛﴾ أي مهاد من النار. يريد بذلك أنّهم جعلوا بين أطباق جهنّم، فأحاطت بهم النار من كلّ جانب.
وإنما سمي الذي من تحتهم ظلا لأنه ظلل لا يكون أسفل منهم. وقوله تعالى:
﴿ذلِكَ يُخَوِّفُ اللهُ بِهِ عِبادَهُ؛﴾ أي ذلك الذي ذكر من عذاب الكفّار تخويف للمؤمنين ليخافوه فيتّقونه بالطاعة والتوحيد. ثم أمرهم بذلك فقال: ﴿يا عِبادِ فَاتَّقُونِ﴾ (١٦)؛أي اتّقوا عذابي بامتثال أوامري.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها؛﴾ يعني اجتنبوا كلّ ما يعبد من دون الله، ﴿وَأَنابُوا إِلَى اللهِ؛﴾ أي ورجعوا إلى طاعة الله بعزائمهم وأقوالهم وأفعالهم، ﴿لَهُمُ الْبُشْرى،﴾ بالجنّة،
﴿فَبَشِّرْ عِبادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ؛﴾ وذلك لأنّ القرآن يشتمل على ذكر المباحات والطّاعات، والمباحات حسنة، والطاعات أحسن، واستحقاق الثواب يتعلّق بفعل الأحسن.
ويجوز أن يكون معنى الآية: أن العفو عن القصاص أحسن من استيفاء القصاص، والصبر أحسن من الانتصار، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ (١)،وقال الله تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (٢)،وقال الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ (٣) فجعل الأخذ بأحسن الطّريقين أعظم للصواب.
وقيل: معنى ﴿(فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ)﴾ أي أحسنه وكلّه حسن، قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللهُ؛﴾ أي الذين وصفناهم، ﴿وَأُولئِكَ،﴾ هم الذين وفّقهم الله للصواب، ﴿هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ (١٨)؛أي ذوو العقول.
стр. 2360
وقال عطاء عن ابن عبّاس: (أنّ أبا بكر ﵁ آمن بالنّبيّ ﷺ فصدّقه، فجاء عثمان ﵁ وعبد الرّحمن بن عوف وطلحة والزّبير وسعد وسعيد، فسألوه فأخبرهم بإيمانه فآمنوا، فنزل فيهم ﴿(فَبَشِّرْ عِبادِ، الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ)﴾ أي يستمعونه من أبي بكر ﴿(فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ)﴾ أي حسنه، وكلّه حسن، أولئك الّذين هداهم الله وأولئك هم ذوو العقول) (١).
وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ؛﴾ معناه: أفمن وجبت عليه كلمة العذاب بكفره كمن ليس كذلك، ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النّارِ﴾ (١٩)؛أي سبق في علم الله أنه من أهل النار، أفأنت تنقذه فتجعله مؤمنا، يعني لا تقدر على ذلك.
قال عطاء: (يريد أبا لهب وأولاده ومن تخلّف من عشيرة النّبيّ ﷺ عن الإيمان به) (٢).
قوله تعالى: ﴿لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ؛﴾ بالإيمان والطاعة، ﴿لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ؛﴾ أي لهم منازل في الجنّة رفيعة وفوقها منازل أرفع منها، ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَعْدَ اللهِ لا يُخْلِفُ اللهُ الْمِيعادَ﴾ (٢٠)،وعدهم الله تلك الغرف والمنازل وعدا لا يخلفه.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً؛﴾ يعني المطر، ﴿فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ؛﴾ أي فأجراه في الأرض ينابيع وهو جمع ينبوع، والينبوع: المكان الذي ينبع منه الماء. قال مقاتل: معناه (فجعله عيونا وركايا (٣) في الأرض) (٤) وذلك أنّ أصل المياه الّتي في الأرض من السّماء.
стр. 2361
وقوله: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ؛﴾ أي ثم يخرج بالمطر زرعا من بين أحمر وأصفر وأبيض وأخضر، ﴿ثُمَّ يَهِيجُ؛﴾ أي ييبس، ﴿فَتَراهُ؛﴾ بعد الخضرة، ﴿مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ؛﴾ الله، ﴿حُطاماً؛﴾ أي متكسّرا متفتّتا دقاقا، ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾ (٢١)؛أي الذي ذكر من صنع الله وقدرته لدلالة ذوي العقول على سرعة زوال الدّنيا، وعلى قدرة الله على البعث بعد الموت.
قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ؛﴾ معناه: أفمن وسّع الله صدره لقبول الإسلام، فهو على بيان وحجّة من ربه يبصر به الحقّ من الباطل، كمن طبع الله على قلبه فلم يهتد للحقّ لقسوته، قال قتادة: ﴿(فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾:النّور هو كتاب الله تعالى، فيه يأخذ وبه ينهى) (١).
وتقدير الآية: أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه، كمن قسي قلبه. وعن ابن مسعود ﵁ أنه قال: (تلا رسول الله ﷺ هذه الآية، قالوا: يا رسول الله وما هذا الانشراح؟ قال: [إذا دخل نور القلب انشرح وانفسح] قلنا يا رسول الله؛ وما علامة ذلك؟ قال: [الإنابة إلى دار الخلود، والتّجافي عن دار الغرور، والتّأهّب للموت قبل لقاء الموت] (٢).قيل: إنّ هذه الآية نزلت في عمّار بن ياسر (٣)،وقال مقاتل: (أفمن شرح الله صدره للإسلام يعني النّبيّ ﷺ .
قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللهِ؛﴾ هم أبو جهل وأصحابه من الكفّار، ﴿أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (٢٢).وقيل: إنّ قوله ﴿(أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ)﴾ يعني عليّا وحمزة، وقوله تعالى ﴿(فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللهِ)﴾ هو أبو لهب وأولاده (٤).وقوله ﴿(مِنْ ذِكْرِ اللهِ)﴾ أي عن ذكر الله.
стр. 2362
قوله تعالى: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ؛﴾ يعني القرآن، سمي حديثا لأن النبيّ ﷺ كان يحدّث به قومه. وقوله: ﴿كِتاباً؛﴾ منصوب على البدل من أحسن الحديث. قوله: ﴿مُتَشابِهاً؛﴾ أي يشبه بعضه بعضا في كونه حكمة ومصلحة، وفي أنه حقّ لا تناقض فيه.
وقوله تعالى: ﴿مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ؛﴾ أي مكرّر الأنباء والقصص للإبلاغ والتأكيد، وتثنى تلاوته في الصّلاة وفي غيرها فلا يمل من سماعه.
وقوله: ﴿(تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ)﴾ خوفا مما في القرآن من الوعيد، ومعنى تقشعرّ: تأخذهم قشعريرة وهي تغيّر يحدث في جلد الإنسان عند الوجل والخوف. قال رسول الله ﷺ : [إذا اقشعرّ جلد العبد من خشية الله، تحاتّت عنه ذنوبه كما يتحاتّ عن الشّجرة ورقها] (١).وقال الزجّاج: (إذا ذكرت آيات العذاب اقشعرّت جلود الخائفين) (٢)،وقال النّبيّ ﷺ : [إذا اقشعرّ جلد الإنسان من خشية الله حرّمه الله على النّار] (٣).
وعن عبد الله بن عروة قال: قلت لأسماء بنت أبي بكر ﵁: كيف كان أصحاب رسول الله ﷺ يفعلون إذا قرئ عليهم القرآن؟ قالت: (كانوا كما نعتهم الله تعالى، تدمع عيونهم وتقشعرّ منه جلودهم) فقلت لها: إنّ ناسا اليوم إذا قرئ عليهم القرآن خرّوا مغشيّا عليهم؟ قالت: (أعوذ بالله من الشّيطان) (٤).
стр. 2363
وروي: أنّ ابن عمر ﵁ مرّ برجل من أهل العراق ساقط فقال: (ما بال هذا؟) فقالوا: إنّه إذا قرئ عليه القرآن وسمع ذكر الله سقط، فقال ابن عمر ﵁: (إنّا لنخشى الله ولا نسقط) وقال ابن عمر: (إنّ الشّيطان ليدخل في جوف أحدهم! ما كان هذا صنع أصحاب رسول الله ﷺ (١).
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللهِ؛﴾ أي تسكن رعدة أعضائهم إذا سمعوا آيات الرّحمة، وقيل: تلين جلودهم وقلوبهم؛ أي تطمئنّ وتسكن إلى ذكر الله للجنّة والثواب.
قال قتادة: (هذا نعت أولياء الله، وصفهم الله بأن تقشعرّ جلودهم وتطمئنّ قلوبهم إلى ذكر الله، ولم ينعتهم بذهاب عقولهم والغشيان عليهم، إنّما ذلك في أهل البدع وهو من الشّيطان) (٢).
وقوله تعالى: ﴿ذلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ؛﴾ يعني أحسن الحديث وهو القرآن، هدى الله يهديه، ﴿مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ﴾ (٢٣).
قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ؛﴾ قال ابن عبّاس: (وذلك أنّ الكافر يلقى في النّار مغلول اليد إلى العنق، لا يتهيّأ له أن يتّقي النّار إلاّ بوجهه) (٣)،فكان معنى الآية: أفمن يتّقي بوجهه شدّة العذاب يوم القيامة كمن يدخل الجنة ويتلذذ بنعيمها.
стр. 2364
قيل: إنّ هذه الآية نزلت في أبي جهل، قال الكلبيّ: (ينطلق به إلى النّار مغلولا، فإذا دفعته الخزنة فيها تتلقّفه النّار بأوّل وجهه)،وقوله: ﴿وَقِيلَ لِلظّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ (٢٤)؛أي يقول الخزنة للكفار: ذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون في الدّنيا من الكفر والمعاصي.
قوله تعالى: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ؛﴾ أي كذب الذين من قبل كفّار مكّة رسلهم، ﴿فَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ (٢٥)؛يعني وهم آمنون في أنفسهم غافلون عن العذاب. وفي هذه الآية تحذير لأهل مكّة لئلاّ يسلكوا طريقة من قبلهم فينزل بهم من العذاب ما نزل بمن قبلهم.
وقوله تعالى: ﴿فَأَذاقَهُمُ اللهُ الْخِزْيَ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا؛﴾ أي الهوان والعذاب في الحياة الدنيا، ﴿وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ؛﴾ مما أصابهم في الدّنيا، ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (٢٦)؛ولكنّهم لم يعلموا ذلك.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ؛﴾ أي ولقد ضربنا لأهل مكّة في هذا القرآن من كلّ مثل لهم فيه من كلّ وجه ما يحتاجون إليه، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (٢٧)؛فيؤمنوا.
وقوله تعالى: ﴿قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (٢٨)؛قرآنا نصبه على الحال كما يقال: جاءني زيد رجلا صالحا، وقوله تعالى ﴿(غَيْرَ ذِي عِوَجٍ)﴾ أي مستقيم وليس مختلف، وعن ابن عبّاس: ﴿(غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾؛أي غير مخلوق) (١)،وقيل:
غير تضادد واختلاف، لا يخالف الكتب المنزّلة قبله.
قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ؛﴾ أي وصف الله مثل آلهتهم التي يعبدونها من دون الله، يقول الله: الذي يعبد آلهة شين في أخلاقهم وشراسة، والذي يعبد ربّا واحدا خالصا في عبادته إياه، والمعنى فيه شركاء متشاحّون، ورجلا سلما لرجل سلم له من غير منازع، وقيل: معناه: أنّ أربابا كثيرة فيه
стр. 2365
شركاء متشاحّون سيّئة أخلاقهم، وكلّ واحد منهم يستخدمه بقدر نصيبه، يقال: رجل شكس وشرس، وضرس وضبس، إذا كان سيّء الخلق ومخالفا للناس.
قوله تعالى: ﴿وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ؛﴾ «(ورجلا سالما)» هذه قراءة ابن كثير وأبي عمرو ومجاهد والحسن ويعقوب، واختيار أبي عبيد؛ لأن السالم «الخالص» (١) ضدّ المشترك، وقرأ الباقون ﴿(سَلَماً)﴾ من غير ألف بفتح اللام وهو ضدّ المحارب، ولا موضع للحرب ههنا، والمعنى ورجلا ذا سلم لرجل، من قولهم: هو لك سلم؛ أي مسلم لا منازع لك فيه.
وقوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً؛﴾ أي هل يستوي عندك شرك فيه مختلفون يملكونه جميعا ورجل خالص لرجل لا شركة فيه لأحد. والمعنى هل يستوي من يعبد آلهة شتّى مختلفة، يعني الكافر، والذي يعبد ربّا واحدا، يعني المؤمن، وهذا استفهام معناه الإنكار؛ أي لا يستويان.
قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ؛﴾ أي الشكر لله دون غيره من المعبودين، وقوله:
﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٢٩)؛ما يصيرون إليه من العقاب، والمراد بالأكثر الكلّ.
قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ (٣٠)؛إنك يا محمّد ميّت عن قليل وإنّهم ميّتون، وقيل: معناه: إنك ستموت وإنّهم سيموتون،
﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ (٣١)؛يعني المحقّ والمبطل، والظالم والمظلوم.
قوله: ﴿*فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللهِ،﴾ بأن جعل له ولدا وشريكا، ﴿وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جاءَهُ؛﴾ وكذب بالصدق بالتوحيد والقرآن إذ جاء به محمّد ﷺ ، وقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ﴾ (٣٢)؛ لفظة استفهام وهو تقدير وتحقيق؛ أي مثواهم جهنّم.
قوله: ﴿وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ؛﴾ رسول الله ﷺ ، ﴿وَصَدَّقَ بِهِ؛﴾ أبو بكر ﵁ كان يصدّقه في كلّ ما أخبر به، فلذلك سمي صدّيقا، وقوله تعالى:
стр. 2366
﴿أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (٣٣)؛يعني أبا بكر وأصحابه المؤمنين، وقوله تعالى:
﴿لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ؛﴾ يعني لهم ما يشاءون من الكرامة في الجنّة و ﴿ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣٤)؛في أقوالهم وأعمالهم. وقوله تعالى:
﴿لِيُكَفِّرَ اللهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا؛﴾ أي ليكفّر الله عنهم أقبح أعمالهم التي عملوها في الدّنيا بحسناتهم، ﴿وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٣٥)،قال مقاتل: (بالمحاسن من أعمالهم، ولا يجزيهم بالمساوئ) (١).
قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكافٍ عَبْدَهُ؛﴾ وذلك «أن» (٢) المشركين من أهل مكّة قالوا للنبيّ ﷺ : إنّك لا تزال تشتم آلهتنا وتعيبها فاتّقها أن لا تصيبك بشيء فتخبلك! فأنزل الله هذه الآية. وقيل: معناه: أليس الله بكاف عبده محمّدا ﷺ يكفيه عداوة من يعاديه.
ومن قرأ «(عباده)» فالمراد بالعباد الأنبياء، وذلك أنّ الأمم قصدتهم بالسّوء، وهو قوله تعالى: ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ﴾ (٣) فكفاهم الله شرّ من عاداهم، يعني إنه كافيك كما كفى هؤلاء الرسل قبلك.
وقوله تعالى: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ،﴾ أي بالذين يعبدون من دونه هم الأصنام.
﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٣٦) وَمَنْ يَهْدِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ﴾ (٣٧).
قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ أَرادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ؛﴾ وذلك أنّهم «مع» (٤) عبادتهم غير الله يقرّون أن الله خالق هذه الأشياء، فجعل الله إقرارهم بذلك حجّة عليهم.
стр. 2367
وبيّن أنه تعالى إذا أراد بعبده ضرّا لم تقدر الأصنام على دفعه عنه، وإذا أراد بعبد رحمة لم تقدر الأصنام على حبسها عنه، فكيف يعبدونها ويتركون عبادة الله الذي له هذه الصفات.
قوله تعالى: ﴿(قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ)﴾ أي أمر الله النبيّ ﷺ أن يحتجّ عليهم بأن جميع ما تعبدون من دون الله لا يملكون كشف ضرّ، قال ابن عبّاس ﵁: (والمعنى:
أرادني الله بفقر أو مرض أو بلاء أو شدّة، هل هنّ كاشفات ضرّه، أو أرادني برحمة أي بخير وصحّة، هل هنّ حابسات تلك الرّحمة عنّي).
قرأ أبو عمرو ويعقوب «(كاشفات)» و «(ممسكات)» بالتنوين؛ لأنّ اسم الفاعل غير واقع، وما لم يقع منه فوجهها التنوين، وقرأ الباقون بغير تنوين استخفافا، وكلا الوجهين حسن.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللهُ؛﴾ أي يكفيني الله تعالى الذي بيده الضرّ والرحمة، ﴿عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (٣٨)؛أي به يثق الواثقون لا بغيره.
قوله تعالى: ﴿قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ؛﴾ أي على ناحيتكم التي اخترتموها، ﴿إِنِّي عامِلٌ؛﴾ على ناحيتي وجهتي، ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ؛﴾ أي يفضحه ويهلكه في الدّنيا، ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ (٤٠)؛وينزل عليه عذاب دائم في الآخرة. ويجوز أن يكون قوله ﴿(مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ)﴾ ابتداء كلام من الله تعالى، وخبره ﴿(يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ)﴾.
قوله تعالى: ﴿إِنّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنّاسِ بِالْحَقِّ؛﴾ يعني القرآن لتعلموا ما فيه وتعملوا به، ﴿فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ؛﴾ أي فمنفعة اهتدائه راجعة إلى نفسه، ﴿وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها،﴾ ومن ضلّ فضلاله راجع إليه، ﴿وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ (٤١)؛أي بحفيظ؛ أي تجبرهم بالإيمان، وهذا كان قبل أن يؤمر بقتالهم.
стр. 2368
قوله تعالى: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها﴾ معناه: الله يقبض الأرواح عند انقضاء آجالها، ويقبض الأرواح التي لم تمت في منامها، ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى؛﴾ فيحبس الأرواح التي قضى عليها الموت ولا يردّها إلى الأجساد، ويردّ أرواح النائمين إليهم عند الاستيقاظ، ﴿إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى؛﴾ أي إلى الأجل الذي قدّر الله لهم وهو انقضاء الأجل، ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ؛﴾ إن في ردّ الأرواح بعد القبض لعلامات، ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٤٢)؛في قدرة الله تعالى، فيستدلّون بذلك على قدرته على البعث.
قال الزجّاج: (لكلّ إنسان نفسان؛ أحدهما: نفس التّمييز؛ وهي الّتي تفارقه إذا نام فلا يعقل. والأخرى: نفس الحياة؛ إذا زالت زال معها النّفس، والنّائم يتنفّس) (١).
وعن ابن جريج عن ابن عبّاس أنه قال: (إنّ النّفس الّتي هي العقل والتّمييز، والرّوح هو الشّعاع الّذي به يتحرّك الإنسان، فإذا نام العبد قبض الله نفسه ولم يقبض روحه، وإذا مات قبض نفسه وروحه) (٢).
ويقال: إن الأشباح له نفس وروح وحياة، والبهائم لها أرواح، والنبات له حياة، فنما النبات بحياته، وتحرّك البهائم بأرواحها، وتمييز الإنسان بنفسه، فإذا نام غرب عنه عقله وفهمه وتمييزه، فإذا انتبه عاد كما كان، وكذلك الميّت إذا بعث عاد يبعث كما كان.
стр. 2369
وسئل رسول الله ﷺ : أينام أهل الجنّة؟ فقال: [النّوم أخو الموت، وأهل الجنّة لا ينامون ولا يموتون] (١).وروي أن في التوراة مكتوب: يا ابن آدم كما تنام تموت، وكما تستيقظ تبعث.
وقوله ﴿(فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ)﴾ أي يمسكها عن جسد، يعني الروح التي توفّاها فلا تعود إلى الجسد، وقوله ﴿(وَيُرْسِلُ الْأُخْرى)﴾ يعني النّفس إلى الجسد (إلى أجل مسمّى) أي إلى انقضاء الأجل.
قرأ الأعمش وحمزة والكسائي وخلف: «(قضي عليها)» بضمّ القاف وكسر الضاد وفتح الياء، ورفع «(الموت)» على ما لم يسمّ فاعله. وقرأ الباقون: ﴿(قَضى)﴾ على الفعل الماضي، ونصب «(الموت عليها)» (٢).
قوله تعالى: ﴿(اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ)﴾ قال المفسّرون: إن أرواح الأحياء والأموات تلتقي في المنام فتعارفوا ما شاء الله، ثم يمسك الله أرواح الأموات فلا يردّها، وأرسل أرواح الأحياء إلى الأجساد إلى وقت انقضاء مدّة حياتها. وعن رسول الله ﷺ أنه قال: [إذا أوى أحدكم إلى فراشه فليضطجع على جنبه الأيمن، وليقل: باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصّالحين] (٣).
قوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ شُفَعاءَ؛﴾ نزلت في أهل مكّة، زعموا أن الأصنام شفعاؤهم عند الله، فقال تعالى منكرا عليهم (أم اتخذوا من دون الله آلهة) أي بل اتّخذوا من دون الله آلهة يعبدونها طمعا في شفاعتها، ﴿قُلْ،﴾
стр. 2370
لهم يا محمّد: ﴿أَوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ﴾ (٤٣)، أتعبدونهم وإن كانوا لا يقدرون على شيء من الشفاعة ولا يعقلون الشفاعة، فكيف يشفعون؟ وقيل: ولا يعقلون أنّكم تعبدونهم.
ثم أخبر أنه لا شفاعة إلاّ بإذنه، فقال: ﴿قُلْ لِلّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٤٤)؛أي لا يشفع أحد إلاّ بإذنه، والمعنى لا يملك (١) أحد الشفاعة إلاّ بتمليكه، وهو إبطال لشفاعة الأصنام.
قوله تعالى: ﴿وَإِذا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ؛﴾ وذلك أنّ المشركين إذا قيل لهم لا إله إلاّ الله وحده نفروا من ذلك واستكبروا.
والاشمئزاز في اللّغة: النّفور والاستكبار. قال ابن عبّاس ﵁: (اشمأزّت انقبضت عن التّوحيد) وقال قتادة: (استكبرت) (٢)،وقال أبو عبيدة: (نفرت).
قوله تعالى: ﴿وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ؛﴾ يعني الأصنام التي يعبدونها من دون الله، ﴿إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ (٤٥)؛والمعنى إذا قيل لهم: لا إله إلاّ الله، نفروا من ذلك، وإذا ذكرت أصنامهم فرحوا بذكرها. فقيل له:
﴿قُلِ؛﴾ لهم يا محمّد: ﴿اللهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ؛﴾ أي خالقهما، ﴿عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ؛﴾ أي عالم ما غاب عن العباد، وما علمه العباد، ﴿أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ،﴾ أي تقضي بين عبادك، ﴿فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (٤٦)؛من الدّين.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ؛﴾ أي لو كان للّذين ظلموا أنفسهم بالشّرك ما في الأرض جميعا من المال ومثله معه لفدوا به أنفسهم لشدّة ما ينزل بهم من العذاب، ثم لا يقبل منهم ذلك الفداء، وظهر لهم من عقاب الله ما لم يكونوا يتوقّعون في الدّنيا أنه ينزل بهم في الآخرة.
стр. 2371
وذلك أنّهم لمّا كانوا لا يقرّون بالبعث والنّشور كانوا لا يتوقّعون أهوال يوم القيامة، بل كانوا ينتظرون ثواب الله أن لو قامت القيامة كما أخبر الله عنهم بقوله ﴿وَما أَظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ (١) فإذا رأوا العذاب فقد،
﴿وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧) وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا؛﴾ وظهر لهم عقوبات ما كسبوا من المعاصي، ﴿وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ (٤٨)،وحلّ بهم جزاء استهزائهم بالكتاب والرسول.
قوله تعالى: ﴿فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا؛﴾ أي إذا أصابه مكروه دعانا لنكشف عنه، ﴿ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنّا،﴾ ثم أعطيناه نعمة منّا من صحّة وعافية، ويسر بعد شدّة، ﴿قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ؛﴾ الله أنّني أهل لذلك، وقال: على علم منّي فيه بوجوه مكاسبة.
وقوله: ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ؛﴾ أي بل النعمة والشدّة بليّة وامتحان من الله للغنيّ والفقير، للغنيّ بالشّكر وللفقير بالصبر، ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٤٩)؛ أنّها من الله.
قوله تعالى: ﴿قَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ؛﴾ أي قد قال تلك الكلمة قارون حين قال ﴿إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ (٢).والمعنى قد قالها الذين من قبل هؤلاء الكفّار، ﴿فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٥٠)؛أي ما أغنى عنهم الكفر من العذاب شيئا، والمعنى أنّهم ظنّوا إنما آتيناهم لكرامتهم علينا، ولم يكن كذلك؛ لأنّهم وقعوا في العذاب، ولم يغن عنهم ما كسبوا شيئا، وقوله تعالى:
﴿فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا؛﴾ أي جزاؤها.
ثم أوعد كفار مكّة فقال: ﴿وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا؛﴾ أي جزاء ما قالوا وعملوا، ﴿وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ (٥١)؛لأن مرجعهم الله، فهم لا يعجزونه ولا يفوتونه فيجازيهم بأعمالهم.
стр. 2372
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ؛﴾ معناه:
أو لم يعلموا أنّ الله يوسع الرزق على من يشاء ويضيّق على من يشاء، كلّ ذلك من عنده لا بحول الإنسان وقوته، ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٥٢)؛إنّ في البسط والتقتير لآيات لقوم يصدّقون أنّها من الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿*قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ؛﴾ قال ابن عبّاس ﵁: (إنّ هذه الآية نزلت في وحشي وأصحابه الّذين قتلوا حمزة عمّ النّبيّ ﷺ وجماعة من المؤمنين، أرسلوا إلى النّبيّ ﷺ رسولا يطلبون التّوبة، فأنزل هذه الآية) (١).
وعن ابن عبّاس ﵁ قال: (بعث رسول الله ﷺ إلى وحشي يدعوه إلى الإسلام، فأرسل إليه: يا محمّد كيف تدعوني إلى دينك وأنت تزعم أنّه من قتل أو أشرك أو زنى يلق أثاما، يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا؟! وأنا قد فعلت ذلك كلّه، فهل تجد لي فيه رخصة؟ فأنزل الله تعالى ﴿إِلاّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صالِحاً﴾ (٢).
فقال وحشي: هذا شرط شديد لا أقدر على هذا، فهل غير ذلك؟ فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ (٣) وقال وحشي:
وإنّي في شبهة فلا أدري أيغفر لي أم لا، فهل غير ذلك؟ فأنزل الله ﴿(قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ)﴾ فجاء وحشي فأسلم، فقال المسلمون: هذه له خاصّة أم للمسلمين عامة؟ فقال: [بل للمسلمين عامّة] (٤).
معنى الآية: قل يا عبادي الذي جاوزوا الحدّ في المعاصي بالكفر والزّنا والقتل ونحوها: لا تيأسوا من رحمة الله، ﴿إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً؛﴾ أي الصغائر
стр. 2373
والكبائر، ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ؛﴾ لمن تاب وآمن، ﴿الرَّحِيمُ﴾ (٥٣)؛بمن تاب على التوبة.
قوله تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ؛﴾ أي ارجعوا إلى طاعة ربكم بالتوبة، ﴿وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ (٥٤)،واستسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تمنعون مما يراد بكم.
قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ؛﴾ وهو القرآن، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ (٥٥)؛ وقت مجيئه.
قوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ؛﴾ معناه: بادر واحذر من أن تقول نفسي، أو حذار من أن تصير إلى حالة تتحسّرون فيها على التفريط فيما ينال به ثواب الله، قال الفرّاء: (معنى قوله ﴿(فِي جَنْبِ اللهِ)﴾:هو القرب؛ أي في قرب الله وجواره) (١).
والمعنى: أن تقول نفسي: يا حسرتا على ما فرّطت في طلب جوار الله وقربه وهو الجنّة، وقال عطاء: (معناه: على ما ضيّعت من ثواب).وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ﴾ (٥٦)؛أي وما كنت إلاّ من المستهزءين بالقرآن والمؤمنين في الدّنيا وبمن دعاني إلى التوحيد.
قوله تعالى: ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ)﴾ (٥٧)؛ أي وخوفا أن تقول لو أنّ الله نجّاني من العذاب لكنت من جملة المتّقين الشّرك.
قوله تعالى: ﴿أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ،﴾ الموحدين، ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ (٥٨)؛أو تقول حين ترى العذاب أو لئلاّ تقول حين ترى العذاب: لو أنّ لي رجعة إلى الدّنيا فأكون من الموحّدين المحسنين.
стр. 2374
فيقال لهذا القائل: ﴿بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي؛﴾ يعني القرآن؛ ﴿فَكَذَّبْتَ بِها؛﴾ أي قلت: ليست من عند الله، ﴿وَاسْتَكْبَرْتَ؛﴾ أي وتكبّرت من الإيمان بها، وتعظّمت عن الإقرار بذلك، ﴿وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ﴾ (٥٩)،وصرت من الجاحدين لنعم الله، فأصابك ما أصابك بجنايتك على نفسك.
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ؛﴾ أي وترى يا محمّد يوم القيامة الذين كذبوا على الله في قولهم: عزير ابن الله، وقولهم: المسيح ابن الله، وقولهم: الملائكة بنات الله تعالى، وقول عبدة الأصنام: ما نعبدهم إلاّ ليقرّبونا إلى الله زلفى، ترى هؤلاء تسودّ وجوههم وتزرقّ أعينهم. وقوله:
﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ (٦٠)؛تحقيق وتقرير، والمثوى: هو المنزل، والمتكبر: هو المتعظّم عن الإيمان.
قوله تعالى: ﴿وَيُنَجِّي اللهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ؛﴾ أي يخلّصهم من العذاب بفوزهم الذي استحقّوه بأعمالهم، قال المبرّد: (المفازة: مفعلة من الفوز) (١) وهي السّعادة وإن جمع فحسن كقولهم السّعادة والسّعادات، ويقرأ «(بمفازاتهم)».وقوله: ﴿لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ؛﴾ أي لا يصيبهم العذاب، ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٦١)؛لأنّهم رضوا بالثواب.
وقوله تعالى: ﴿اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ؛﴾ أي جميع ما في الدّنيا والآخرة من شيء فالله خالقه، وهو المستحقّ للعبادة، قوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (٦٢)؛أي الأشياء كلّها موكلة إليه، فهو القائم بحفظها، المدبر لأمورها، الكفيل بأرزاقها.
قوله تعالى: ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ؛﴾ أي له خزائن السّماوات والأرض، يفتح الرزق على من يشاء ويغلقه، قال ابن عبّاس: (المقاليد المفاتيح) (٢) واحد المقاليد مقليد، كما يقال منديل ومناديل، وقال الضحّاك: (مقاليد السّماوات
стр. 2375
والأرض خزائنها) (١).ويجوز أن تكون المقاليد جمع المقلاد، وهو مفعال من المقلادة؛ أي هو مالك الخلق وله طاعتهم وبيده قلوبهم.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ (٦٣)؛ معناه: والذين كفروا بالقرآن هم الذين خسروا حتى صاروا في النار.
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ﴾ (٦٤)؛ وذلك أنّ المشركين من قريش قالوا للنّبيّ ﷺ : أتؤمن ببعض آلهتنا ونؤمن بإلهك، فأنزل الله هذه الآية (٢).والمعنى أتأمرونني أن أعبد غير الله أيّها الجاهلون بالنعمة.
قرأ نافع «(تأمروني)» بنون واحدة خفيفة على التخفيف، وقرأ ابن عامر بنونين على الأصل، وقرأ الباقون بنون واحدة مشدّدة على الإدغام.
وقوله: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ (٦٥)؛أي ليحبطنّ عملك الذي عملته قبل الشّرك، وهذا أدب من الله لنبيّه ﷺ وتهديد لغيره، لأنّ الله قد عصمه من الشّرك ومداهنته الكفار.
قوله تعالى: ﴿بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ؛﴾ أي وحّد؛ لأن عبادته لا تصحّ إلاّ بتوحيده، ﴿وَكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ (٦٦)؛لإنعامه عليك به.
قوله تعالى: ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ؛﴾ أي ما عرفوا الله حقّ معرفته، ولا عظّموه حقّ تعظيمه، إذ عبدوا الأوثان من دونه، وأمروا النبيّ ﷺ بعبادة غيره. ثم أخبر عن عظمته فقال: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ؛﴾ أي وجميع الأرض في مقدوره يوم القيامة كالذي يقبض عليه القابض في قبضته، وهذا كما يقال:
فلان في قبضة فلان؛ أي تحت أمره وقبضته، والقبضة في اللغة: ما قبضت عليه بجمع كفّك، أخبر الله تعالى عن قدرته فذكر أن الأرض كلّها مع عظمتها وكثافتها في مقدوره، كالشّيء الذي يقبض عليه القابض بكفّه.
стр. 2376
قوله تعالى: ﴿وَالسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ؛﴾ ذكر اليمين للمبالغة في الاقدار، يعني أنّه يطويها بقدرته كما يطوي الواحد منّا الشيء المقدور له طيّه بيمينه، قال الأخفش: (معناه مطويّات في قدرته نحو قوله أو ما ملكت أيمانكم؛ أي ما كانت لكم عليه قدرة وليس الملك لليمين دون الشّمال) (١).وقد يذكر اليمين بمعنى القوّة كما قال الشاعر (٢):
إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقّاها عرابة باليمين
ثم نزّه نفسه عن شركهم فقال: ﴿سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ (٦٧).
قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ؛﴾ قد ذكرنا أن النفخة نفختان في قول أكثر المفسّرين وبينهما أربعون سنة، فالنفخة الأولى هي نفخة الصّعق.
والصعق: هو الموت بصيحة شديدة حالّة هائلة، ومنها الصواعق وهي التي تأتي بشدّة الرّعد، وعن عبد الله بن عمر قال: سألت رسول الله ﷺ عن الصّور فقال:
[قرن ينفخ فيه فيصعق من في السّماوات ومن في الأرض] (٣) أي يموتون من الفزع وشدّة الصوت. قوله تعالى: ﴿إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ؛﴾ يعني الملك الذي ينفخ في الصّور، ثم يميته الله بعد ذلك، وقال الحسن: (يعني جبريل وميكائيل وإسرافيل وحملة العرش وملك الموت) (٤).وعن أبي هريرة ﵁: أنّ رسول الله ﷺ سأل
стр. 2377
جبريل عن هذه الآية: [من الّذي شاء الله أن يصعقهم؟ قال: هم الشّهداء متقلّدون أسيافهم حول العرش] (١).
عن أنس بن مالك قال: سئل رسول الله ﷺ عنهم وقال لهم: [جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، فيقول الله تعالى: يا ملك الموت خذ نفس إسرافيل، فيأخذها؛ ثمّ يقول: خذ نفس ميكائيل، فيأخذها، ثمّ يقول الله تعالى: يا ملك الموت من بقي؟ فيقول: سبحانك يا رب تباركت وتعاليت بقي جبريل وملك الموت، فيقول الله تعالى: مت يا ملك الموت، فيموت، ثمّ يقول الله تعالى: يا جبريل من بقي؟ فيقول: تباركت وتعاليت بقي وجهك الباقي الدّائم، وبقي جبريل الميّت الفاني، فيقول: يا جبريل مت، فيبقى ساجدا يخفق بجناحيه فيموت] (٢).
وقال الضحّاك: (معنى قوله: ﴿(إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ)﴾ هم رضوان والحور ومالك والزّبانية)،وقال قتادة: (الله أعلم بثنياه).وقيل: هم عقارب النار وحيّاتها (٣).
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى؛﴾ يعني نفخة البعث، ﴿فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ (٦٨)؛ماذا يقال لهم.
قوله تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها؛﴾ وأضاءت الأرض يومئذ بعدل ربها، فسمّي العدل نورا كما سمّي النبيّ ﷺ نورا وسمّي القرآن نورا. ويقال:
إن نور الأرض العدل، كما أنّ نور الدين العلم، وقال بعضهم: يخلق الله تعالى يومئذ نورا يضيء لأهل القيامة غير الشمس والقمر.
قوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتابُ؛﴾ يعني صحائف الأعمال، ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ؛﴾ قال ابن عبّاس ﵁: (المراد بقوله ﴿(وَالشُّهَداءِ)﴾ هم الّذين
стр. 2378
يشهدون للرّسل بتبليغ الرّسالة) (١) وهم أمّة محمّد ﷺ ، وقال عطاء: (يعني الحفظة) (٢) وقال السديّ: (يعني الّذين استشهدوا في طاعة الله) (٣).
وقوله تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ؛﴾ أي قضي بين الرّسل والأمم بالعدل، ﴿وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ (٦٩)؛أي لا ينقص من حسنات أحد ولا يزاد في سيّئات أحد. قوله:
﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ؛﴾ أي أعطيت كلّ نفس برّة أو فاجرة جزاء ما عملت من خير أو شرّ، ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ﴾ (٧٠)؛وهو أعلم بفعلهم، لا يحتاج إلى كاتب ولا شاهد.
قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً؛﴾ وذلك أنّهم يساقون إلى جهنّم فوجا فوجا، الأوّل فالأول، يساق كفار كلّ أمة على حدة، والزّمر:
جماعات في تفرقة بعضها على إثر بعض، يساقون سوقا عنيفا، يسحبون على وجوههم إلى جهنّم، ﴿حَتّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها؛﴾ عند مجيئهم، ﴿وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها؛﴾ وهم الزّبانية: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ،﴾ ويخوفونكم، ﴿لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا،﴾ اليوم، ﴿قالُوا بَلى،﴾ أتونا بالرسالة، ﴿وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ (٧١)؛ولكن وجبت كلمة العذاب على الكافرين، فيقول لهم الزبانية:
﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ (٧٢)؛ادخلوا أبواب جهنّم السبعة خالدين فيها.
ومعنى قوله (ولكن حقّت كلمة العذاب على الكافرين) هو قوله تعالى:
﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (٤).واختلف القراء في قوله (فتحت) فخفّفها الكوفيّون، وشدّدها الباقون على التكثير.
стр. 2379
قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً؛﴾ وذلك أنّ المؤمنين ينطلق بهم إلى الجنّة فوجا فوجا بالتلطّف والإكرام، ﴿حَتّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها؛﴾ قال الأخفش: (هذه الواو زائدة) (١) والمعنى: فتحت أبوابها حتّى تكون جوابا لقوله ﴿(حَتّى إِذا جاؤُها)﴾.وقال الزجّاج: (القول عندي أنّ الجواب محذوف، تقديره: حتّى إذا جاؤها وفتحت أبوابها وسلّم عليهم خزنتها ساروا إلى السّعادة ووصلوا إلى مقصودهم) (٢).
وقيل: هذه الواو واو الحال تقديره: حتى إذا جاؤها وقد فتحت أبوابها، وأدخل الواو ههنا لبيان أنّها قد كانت مفتّحة قبل مجيئهم، وحذفها من الآية الأولى لبيان أنّها قد كانت مغلقة قبل مجيئهم.
ويقال: زيدت الواو ههنا لأن أبواب الجنّة ثمانية وأبواب جهنّم سبعة فزيدت الواو فرقا بينهما. وحكي عن أبي بكر بن عيّاش (٣): (أنّها تسمّى واو الثّمانية) (٤) وذلك أنّ من عادة قريش أنّهم يعدّون العدد من الواحد إلى الثّمانية، فإذا بلغوا الثّمانية زادوا فيها الواو، فيقولون: خمسة ستّة سبعة وثمانية، يدلّ عليه قوله تعالى ﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيّامٍ﴾ (٥)،وقال الله ﴿التّائِبُونَ الْعابِدُونَ﴾ (٦) فلمّا بلغ الثامن (٧) ﴿وَالنّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ،﴾ وقال تعالى ﴿سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ (٨)،وقال تعالى
стр. 2380
﴿ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً﴾ (١)).وقيل: زيادة الواو في صفة الجنّة علامة لزيادة رحمة الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ (٧٣)؛قال ابن عبّاس: (معنى قوله ﴿(طِبْتُمْ)﴾ أي طاب لكم المقام) (٢)، وقيل: معناه ظفرتم بصالح أعمالكم وكنتم طيّبين في الدنيا. وقيل: طابت لكم الجنّة فادخلوها خالدين. فلما دخلوها
﴿وَقالُوا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ،﴾ أي أنجزنا وعده، ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ،﴾ وأنزلنا أرض الجنّة، ﴿نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ؛﴾ أي نتّخذ فيها من المنازل ما نشاء، لقول الله تعالى ﴿فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ﴾ (٧٤)؛أي نعم ثواب العاملين لله في الدّنيا الجنّة.
قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ؛﴾ أي محدقين حول العرش محيطين به، ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ؛﴾ إجلالا لعظمته، ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ؛﴾ الخلائق، ﴿بِالْحَقِّ؛﴾ أي بالعدل وانتصف بعضهم من بعض، ﴿وَقِيلَ،﴾ ويقال لهم بعد الفراغ: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٧٥)؛وذلك أنّ الله تعالى ابتدأ خلق الأشياء بالحمد فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ (٣) فلمّا بعث الخلق واستقرّ أهل الجنّة في الجنة، وأهل النار في النار، ختمه بقوله: ﴿(الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ)﴾.
آخر تفسير سورة (الزمر) والحمد لله رب العالمين.
стр. 2381
سورة المؤمن (غافر)
سورة المؤمن مكّيّة (١)،وهي أربعة آلاف وسبعمائة وستّون حرفا (٢)،وتسع وتسعون كلمة، وخمس وثمانون آية.
قال رسول الله ﷺ : [من قرأ حم المؤمن، لم يبق روح نبيّ ولا صدّيق إلاّ صلّوا عليه واستغفروا له] (٣).قال النّبيّ ﷺ : [من أحبّ أن يرتع في رياض الجنّة، فليقرأ الحواميم في صلاة اللّيل] (٤)،وقال النّبيّ ﷺ : [الحواميم أدباج القرآن] (٥).
قال النّبيّ ﷺ : [الحواميم سبع، وأبواب جهنّم سبع، فيجيء كلّ حم منهنّ يوم القيامة على باب من هذه الأبواب تقول: لا يدخل النّار من كان يقرءوني] (٦).
وقال النّبيّ ﷺ : [لكلّ شيء ثمرة، وثمرة القرآن الحواميم، هنّ روضات حسنات مخصبات، فمن أحبّ أن يرتع في رياض الجنّة فليقرأ الحواميم] (٧).وقال ابن مسعود: (إذا وقعت في الحواميم وقعت في روضات أتأنّق فيهنّ) (٨).
стр. 2382
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿حم﴾ (١)؛قال رسول الله ﷺ : [حم، اسم من أسماء الله تعالى، وهي مفتاح خزائن ربك] (١)،وقال ابن عباس: [هو اسم الله الأعظم] (٢).وعن عكرمة قال: (الر وحم ون حروف الرّحمن مقطّعة) (٣)،وقيل: (أقسم الله بحملة «عرشه» وملائكته لا يعذّب أحدا عاد إليه يقول: لا إله إلاّ الله مخلصا من قلبه) (٤)، وقال عطاء الخراسانيّ: (الحاء: افتتاح أسماء الله: حليم وحميد وحيّ وحكيم، والميم: افتتاح أسمائه: ملك ومجيد ومنّان) (٥)،وقال الضحّاك: (حم قضى ما هو كائن) (٦).
قوله تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (٢)؛أي هذه تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم بخلقه، وقرأ حم بفتح الميم؛ أي اتل حميم.
قوله تعالى: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ؛﴾ أي غافر الذنب لمن قال لا إله إلاّ الله، وهم أولياؤه وأهل طاعته، وقابل التّوب من الشّرك، شديد العقاب لمن مات على الشّرك.
стр. 2383
والتّوب: جمع التّوبة، ويجوز أن يكون مصدرا من تاب يتوب توبا، قوله تعالى:
﴿ذِي الطَّوْلِ؛﴾ أي ذي الغنى عمّن لا يوحّده ولا يقول: لا إله إلاّ الله. وقال الكلبيّ: (ذو الفضل على عباده والمانّ عليهم)،وقال مجاهد: (ذو السّعة والغنى).
قوله تعالى: ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ؛﴾ أي لا معبود للخلق سواه، ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ (٢)؛أي مصير من آمن، ومصير من لم يؤمن، وعن الحسن ﵁: (أنّ عمر بن الخطّاب ﵁ سأل عن بعض إخوانه الّذين كانوا بالشّام، فقال: ما فعل أخي فلان؟ وقالوا: ذاك أخو الشّيطان يخالط أهل الأشرفيّة وخالف أصحابه. فقال: إذا خرجتم إلى الشّام فآذنوني. فلمّا أرادوا الخروج أعلموه، فكتب:
من عبد الله عمر بن الخطّاب أمير المؤمنين إلى فلان بن فلان. بسم الله الرّحمن الرّحيم. سلام عليك؛ فإنّي أحمد إليك الله الّذي لا إله إلاّ هو.
أمّا بعد: فإنّ الله تعالى قال: ﴿(حم تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ... )﴾ إلى قوله ﴿(إِلَيْهِ الْمَصِيرُ)﴾.والسّلام عليك ورحمة الله وبركاته.
فلمّا جاءه الكتاب قالوا له: اقرأ كتابك أيّها الرّجل، فلمّا قرأ ﴿(الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ)﴾ قال: عليم بما أصنع، ﴿(غافِرِ الذَّنْبِ)﴾ إن استغفرت غفر لي، و ﴿(قابِلِ التَّوْبِ)﴾ إن أنا تبت ليقبل توبتي، ﴿(شَدِيدِ الْعِقابِ)﴾ إن لم أفعل عاقبني ﴿(ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ)﴾.ثمّ قال: صدق الله ونصح عمر ﵁، فأقبل بطريقة حسنة إلى أن مات.
فلمّا بلغ عمر أمره، قال: هكذا فاصنعوا؛ إذا رأيتم أخاكم نزل فشدّدوه ووفّقوه، وادعوا الله له أن يتوب عليه، ولا تكونوا أعوانا للشّيطان عليه) (١).
قوله تعالى: ﴿ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا؛﴾ أي ما يخاصم في آيات الله لتكذيبها والطّعن فيها والمراء عليها إلاّ الذين كفروا، ﴿فَلا يَغْرُرْكَ﴾
стр. 2384
﴿تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ﴾ (٤)؛بالتّجارات وسلامتهم في تصرّفاتهم بعد كفرهم، فإنّ عاقبة أمرهم العذاب كعاقبة من قبلهم من الكفّار. وقيل: معناه: فلا يغررك ذهابهم ومجيئهم في الأسفار بالتّجارات، فإنّهم ليسوا على شيء.
قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ؛﴾ أي قبل قومك، ﴿قَوْمُ نُوحٍ؛﴾ وقوله تعالى: ﴿وَالْأَحْزابُ مِنْ بَعْدِهِمْ؛﴾ وهم الذين تحزّبوا على أنبيائهم بالتكذيب نحو عاد وثمود؛ أي كذبوا رسلهم كما كذبك قومك، ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ؛﴾ فيقتلوه، ﴿وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ؛﴾ أي وخاصموا الرّسل بالباطل ليبطلوا به الحقّ الذي جاءت به الرسل، ﴿فَأَخَذْتُهُمْ،﴾ بعاقبة الاستئصال، ﴿فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ (٥)؛لهم.
قوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا؛﴾ أي مثل ما حقّ على الأمم المكذّبة حقّت كلمة ربك بالعذاب على الذين كفروا من قومك، ﴿أَنَّهُمْ أَصْحابُ النّارِ﴾ (٦)،في الآخرة.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ؛﴾ يعني حملة العرش والطائفين به، وهم الكرّوبيّون وهم سادة الملائكة، ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ؛﴾ بأنه واحد لا شريك له، ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا،﴾ ويقولون: ﴿رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً؛﴾ أي وسعت رحمتك كلّ شيء، ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا؛﴾ عن الشّرك والمعصية، ﴿وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ؛﴾ الطريق الذي دعوتهم إليه، ﴿وَقِهِمْ،﴾ وادفع عنهم،
﴿عَذابَ الْجَحِيمِ (٧) رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنّاتِ عَدْنٍ؛﴾ أي ربّنا وأدخلهم بساتين إقامة، ﴿الَّتِي وَعَدْتَهُمْ؛﴾ في الكتب على ألسنة الرّسل، وأدخل معهم، ﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيّاتِهِمْ؛﴾ ونسائهم وأولادهم، ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ؛﴾ في ملكك وسلطانك، ﴿الْحَكِيمُ﴾ (٨)؛في أمرك وقضائك،
﴿وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ؛﴾ وادفع عنهم عقوبة السّيئات، ﴿وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ﴾ ومن يدفع عنه عقوبة السيئات، ﴿فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٩)؛أي النجاة الوافرة.
стр. 2385
وانتصب قوله (رحمة وعلما) على التمييز، قال ابن عبّاس: (حملة العرش ما بين كعب أحدهم إلى أسفل قدمه مسيرة خمسمائة عام، ومستقرّ أرجلهم في الأرض السّابعة السّفلى، ورءوسهم تحت العرش، وهم خشوع لا يرفعون أبصارهم، وهم أشدّ خوفا من أهل السّماوات السّبع) (١).
وعن الضحّاك قال: (لمّا خلق الله حملة العرش قال لهم: احملوا عرشي، ولم يطيقوا! فخلق مع كلّ ملك من الأعوان مثل جنود سبع سماوات من الملائكة، وقال لهم: احملوا عرشي، فلم يطيقوا! فخلق مع كلّ واحد من الأعوان مثل جنود سبع سماوات وأرضين من الملائكة، ومثل من في الأرضين من الخلق، وقال لهم:
احملوا عرشي، فلم يطيقوا! فخلق مع كلّ واحد منهم مثل جنود سبع سماوات وجنود سبع أرضين وعدد ما في الرّمل من الحصى والثّرى (٢) وقال: احملوا عرشي، فلم يطيقوا! فقال: قولوا: لا حول ولا قوّة إلاّ بالله، فلمّا قالوها حملوا العرش)، وقال ﷺ : [أذن لي أن أتحدّث عن ملك من حملة العرش ما بين شحمتي أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام] (٣).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ (١٠)؛وذلك أن الكفار لمّا دخلوا النار مقتوا أنفسهم، ومقت بعضهم بعضا لاشتغالهم في الدّنيا بما قادهم إلى النار، فيناديهم مناد: ﴿(لَمَقْتُ اللهِ أَكْبَرُ)﴾ أي مقت الله إيّاكم في الدّنيا ﴿(إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ فَتَكْفُرُونَ)﴾ أكبر من مقتكم أنفسكم اليوم.