← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 427

البناية شرح الهداية

بدر الدين العيني

Полный текст (7 019 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

والمذي رقيق يضرب إلى البياض يخرج عند ملاعبة الرجل أهله، ــ [البناية] ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق: ٧] (الطارق: الآية ٧) . قال أبو الليث: يعني خلق من ماء الأب ومن ماء الأم، فماء الأب يخرج من الصلب، وماء المرأة يخرج من الترائب، وهو موضع القلائد. فإن قلت: كان ينبغي أن يقال من ماءين. قلت: قال الزمخشري ولم يقل ماءين لامتزاجهما في الرحم واتحادهما حين ابتداء خلقه، وقال أيضا الدفق في الحقيقة لصاحبه، والإسناد مجازي وصاحب الدفق هو الرجل، والمرأة ليس لها دفق. وقال أبو إسحاق العراقي: المني يخرج من الدماغ بعد نضجه ويصير دما أحمر في فقار الظهر إلى أن يصل إلى الكليتين فينضجانه، ثم يصبانه إلى أنثيين فينضجانه منيا أبيض، وهو خاثر رائحته كرائحة الطلع فيه لزوجة ينكسر الذكر عند خروجه وهذه صفة مني الرجل دون المرأة. والعجب من الأكمل أنه رضي بما قال الأترازي فقال: والتعريف الجامع لمني الرجل والمرأة أنه ماء دافق يخرج من صلب الرجل وترائب المرأة، وقد قلنا: إن المرأة ليس لها دفق وهذا يمكن أن يكون تعريفا للمني المصبوب في رحم المرأة من جهتها الذي يتولد منه الولد إذا أراد الله. أما المني الذي تتعلق به الأحكام فاثنان: أحدهما مني المرأة والثاني مني الرجل، فلكل واحد منهما تعريف وحده، وإلا فتعريف القسمين بما ذكره كتعريف الإنسان والفرس بأنهما حيوان. ثم الفعل من المني مني وأمنى ومنى بالتشديد. وفي " نكت ابن الصلاح " في المني لغتان تشديد الياء وتخفيفها ولم يحكه الجوهري. م: (والمذي رقيق يضرب إلى البياض يخرج عند ملاعبة الرجل أهله) ش: المذي بفتح الميم وسكون الذال المعجمة، يقال: مذى الرجل بالفتح وأمذى بالألف وفي المطالع هو ماء رقيق يخرج عند التذكار والملاعبة بسكون الذال وكسرها يقال: مذى وأمذى ومذي. وقال عياض: فيه وجهان مذي بالتخفيف ومذي بالتشديد. ويقال: المذي من المرأة أيضا قال المبرد في " الكامل ": كل فحل يمذي وكل أنثى تمذي. قلت: من مذت الشاة إذا ألقت من رحمها بياضا. وقال الأترازي: فإن قلت: لم ذكر تعريف الودي سابقا والمني ثانيا والمذي ثالثا. قلت: لأن المصنف ذكر المذي والودي بعدما ذكر حكم المني سابقا، واستدل على عدم الغسل في المذي لقوله ﷺ : «كل فحل يمذي وفيه الوضوء» . ثم احتاج إلى الدليل في الودي فذكر

стр. 247

وهذا التفسير مأثور عن عائشة ﵂ ــ [البناية] تعريفه لقربه بالبول لأنه يخرج عقيبه، فوقع تعريفه ثانيا ثم أراد أن يعرف المني والمذي، فقدم المني على المذي لقوة في المني دون المذي، فوقع تعريف المني ثانيا، والمذي ثالثا. قلت: هذا الذي ذكره مطولا ليس فيه مزيد الفائدة، والفقهاء لا ينظرون إلى رعاية محاسن التراكيب وإنما نظرهم في بيان المقصود ولا يرى ذلك إلا في التراكيب التي تقع في كلام الشارع لبيان الإعجاز وبيان الفصاحة، وسترى تساؤلا في كلام المصنف وغيره في الألفاظ والعبارات على ما ستقف عليه في مواضع إن شاء الله تعالى. م: (وهذا التفسير) ش: أي التفسير المذكور في المني والمذي والودي م: (مأثور عن عائشة ﵂) ش: ثم لم يثبت هذا عن عائشة ﵂. روى عبد الرزاق في "مصنفه " عن قتادة وعكرمة قالا: هي ثلاثة المني والمذي والودي، فالمني هو الماء الدافق الذي يكون فيه الشهوة، ومنه يكون الولد ففيه الغسل، وأما المذي فهو الذي يخرج إذا لاعب الرجل امرأته فعليه غسل الفرج والوضوء، وأما الودي فهو الذي يكون مع البول وبعده. وفيه غسل الفرج والوضوء.

стр. 248

باب الماء الذي يجوز به الوضوء وما لا يجوز به الطهارة من الأحداث جائزة بماء السماء والأودية والعيون والآبار والبحار ــ [البناية] [باب في الماء الذي يجوز به الوضوء وما لا يجوز] م: (باب في الماء الذي يجوز به الوضوء وما لا يجوز) ش: أي هذا باب في بيان أحكام الماء الذي يجوز به الوضوء وفي بيان الماء الذي لا يجوز به الوضوء أيضا، غير أن المطلوب الأهم بيان ما يجوز به اقتصر عليه، ومعنى الباب في اللغة النوع، وفي الاصطلاح هو طائفة من مسائل العلم الفقهية يشتمل عليه الكتاب. والكتاب يجمع الأبواب والأبواب تجمع الفصول. ولما فرغ من بيان الوضوء والغسل وما يوجبهما شرع في بيان الآلة التي تحصل بها الطهارة في النوعين وهي الماء المطلق، والألف واللام في الماء للجنس، والماء جوهر سيال سببه خوف العطش وأصله موه قلبت الواو ألفا لتحريكها وانفتاح ما قبلها، والدليل عليه أن جمعه في القلة أمواه وفي الكثرة مياه، والهمزة فيه بدل من الهاء كما في شاء. وذكر صاحب " المحكم " ماه في لغته تدل على أن الإبدال غير لازم، ولفظة يجوز تارة تطلق على معنى يحل وتارة تستعمل بمعنى يصح وتارة بمعنى تصلح لهما. م: (الطهارة من الأحداث) ش: هو جمع حدث والحدث ينقسم إلى الأصغر والأكبر، ويقال: الأخف والأغلظ، وفي " الزيادات ": وإذا اجتمع حدثان فالأغلظ أهم، فلو قال: من الحدثين كان أولى، ولعله جمعه باعتبار كثرة محاله أو لاختلاف أنواعه. وقوله: "من الأحداث" ليس للاختصار لأن الأخباث تشاركهما، واللام فيه للعهد أي الطهارة من الأحداث التي سبق ذكرها، ويجوز أن تكون للجنس، والحدث اسم يطلق على الحكمي والخبث يطلق على الحسي والنجس مشترك يقع عليهما بدلا، ثم قيد الأحداث اتفاقي لأنه يجوز بالمياه التي ذكرها الطهارة من الحدث والخبث جميعا، ويجوز أن يكون قيده بها لكونه قد ذكرها فيما سبق في الطهارتين فاحتاج إلى بيان الآلة التي يحصلان بها. وقوله الطهارة: مبتدأ وخبره قوله: م: (جائزة بماء السماء) ش: وهو المطر والثلج والبرد إذا ذابا، وقوله: م: (والأودية) ش: عطف عليه وهو جمع وادي أي وماء الأودية وهو الماء الذي يجتمع فيها من الأمطار والسيول التي تتحصل بها م: (والعيون) ش: جمع عين وهي التي تنبع من الأرض وتخرج إلى ظاهرها م: (والآبار والبحار) ش: جمع بئر أصله بهمزة ساكنة في وسطها، وجمعها في القلة أبئر وآبار بهمز بعد الباء، ومن العرب من يقلب الهمزة فيكون أبار، فإذا كثرت فهي أبيار. وأما البحار جمع بحر قال الجوهري: البحر خلاف البر، يقال: سمي به لعمقه واتساعه

стр. 249

لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] (الفرقان: الآية ٤٨) وقوله ﵇: «الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه» . ــ [البناية] والجمع أبحر وبحار وبحور، وكل نهر عظيم بحر. قلت: فلذلك قيل لنهر مصر بحر النيل ولكن إذا أطلق البحر يراد به البحر المالح م: (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] (الفرقان: الآية ٤٨)) ش: وجه التمسك بالآية في حق ماء السماء والأودية الحاصلة بماء السماء ظاهر وأما في حق العيون والآبار فإما لأن أصل المياه جميعا من السماء لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٢١] (الزمر: الآية ٢١) . وإما لأن التمسك بالآية يرجع إلى ماء السماء، والتمسك بطهورية باقي المياه بالحديثين اللذين ذكرهما. فإن قلت: ليس في الآية أن جميع المياه نزلت من السماء، لأن قوله: ماء نكرة في سياق الإثبات فلا تعم. قلت: تعم بقرينة الامتنان به فإن الله ذكره في تعريف الامتنان به، فلو لم يدل على العموم لفات المطلوب، والنكرة في الإثبات تفيد العموم بقرينة تدل عليه كما في قَوْله تَعَالَى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤] (التكوير: الآية ١٤) . وقَوْله تَعَالَى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ [الانفطار: ٥] (الانفطار: الآية ٥) . فإن قلت: لا يتم الاستدلال بالآية ولا بالحديث، لأن الطهور من طهر الشيء وهو لازم، فلا يستفاد منه التعدي فيكون بمعنى الطاهر كما في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١] (الإنسان: الآية ٢١) أي طاهرا فلا يتم الاستدلال في التطهير. قلت: كون الماء مطهرا لغيره لا من حيث إن الطهور بمعنى الطهر بل من حيث إنه معدول عن صيغة الطاهر إلى صيغة الطهور التي هي المبالغة في ذلك الفعل كالغفور والشكور فيهما مبالغة ما ليس في الغافر والشاكر، فلا بد في الطهور من معنى زائد ليس في الطاهر وليس ذلك إلا بالتطهير. م: (وقوله ﵇: «الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه» ش: لم يثبت هذا الحديث بهذا اللفظ إلا أن ابن ماجه رواه من حديث أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الماء طهور لا ينجسه إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه» .

стр. 250

وقوله ﵇ في البحر «هو الطهور ماؤه والحل ميتته» ــ [البناية] وفي إسناده راشد بن سعد أخرجه النسائي وابن معين وابن حبان وأبو حاتم ومعاوية بن أبي صالح، وقال أبو حاتم: لا يحتج به، وقال الدارقطني: لم يروه غير راشد بن سعد وليس بالقوي. وقال الشيخ تقي الدين: قد رفع من وجهين غير طريق راشد بن سعد أخرجهما البيهقي أحدهما عن عطية بن بقية بن الوليد عن أبيه عن ثور بن يزيد عن راشد بن سعد عن أبي أمامة عن النبي ﷺ : «إن الماء طهور إلا أن يتغير ريحه أو طعمه أو لونه بنجاسة تحدث فيه» . الثاني: عن حفص بن عمر حدثنا ثور بن يزيد عن راشد بن سعد عن أبي أمامة مرفوعا: «الماء لا ينجس إلا ما غير طمعه أو ريحه» . وقال البيهقي: والحديث غير قوي، رواه عبد الرزاق في "مصنفه " والدارقطني في "مسنده " عن الأحوص بن حكيم عن راشد بن سعد عن النبي ﷺ مرسلا والأحوص فيه مقال. وأخرج الدارقطني في "سننه " عن معاوية بن أبي صالح عن راشد بن سعد عن ثوبان عن النبي ﷺ قال: «الماء طهور إلا ما غلب على ريحه أو طعمه أو لونه» . وسنده ضعيف. وأخرجه الأربعة والشافعي وأحمد والدارقطني والحاكم والبيهقي من حديث أبي سعيد الخدري من حديث بئر بضاعة، قال ﵇: «إن الماء طهور لا ينجسه شيء» . وهو لفظ الترمذي، وقال: حديث حسن، وقد جوده أبو أسامة وصححه أحمد ويحيى بن معين. وقد علمت بهذا أن الحديث الذي احتج به المصنف نصفه الأول صحيح وهو قول: «الماء طهور لا ينجسه شيء» والنصف الثاني روي من وجوه كثيرة وهو ضعيف، وروى الدارقطني والطحاوي من طريق راشد بن سعد مرسلا: «الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه أو طعمه» . وزاد الطحاوي «أو لونه» وصحح أبو حاتم إرساله قاله في المذهب والروياني في "البحر " نص الشارع على الطعم والريح، وقاس الشافعي اللون عليهما وليس كذلك، فإن اللون أيضا مذكور في الحديث، وكأنهما لم يقفا عليه حتى قالا ذلك. [ماء البحر] م: (وقوله ﵇ في البحر: «هو الطهور ماؤه والحل ميتته» ش: وقوله بالجر عطف على قوله الذي قبله، هذا الحديث روي عن ثمانية أنفس من الصحابة وهم: أبو هريرة، وجابر، وعلي بن

стр. 251

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] أبي طالب، وأنس، وابن عباس، وعبد الله بن عمرو، وابن الفراسي، وأبو بكر ﵃. فحديث أبي هريرة عند الأربعة عن أبي هريرة ﵁ «أن رجلا سأل رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء فإن توضأنا به عطشنا فنتوضأ من البحر فقال ﵇ هو الطهور ماؤه والحل ميتته» . قال الترمذي: حديث حسن صحيح، ورواه مالك والشافعي، وابن خزيمة، وابن حبان، وابن الجارود، والحاكم، والدارقطني، والبيهقي وصححه البخاري فيما حكاه عنه الترمذي، وتعقبه ابن عبد البر بأنه لو كان صحيحا لأخرجه في "صحيحه"، وهذا مردود لأنه لم يلتزم الاستيعاب، ثم حكم ابن عبد البر بعد ذلك بصحته فتلقاه العلماء بالقبول ورجح ابن منده صحته، وصححه أيضا ابن المنذر وأبو محمد البغوي. وحديث جابر عن ابن ماجه في "سننه " من طريق أحمد بن حنبل عن جابر ﵁ «أن النبي ﷺ سئل عن ماء البحر، فقال: "هو الطهور ماؤه، الحل ميتته» . ورواه ابن أبي شيبة في "مصنفه " والدارقطني كذلك وابن حبان في "صحيحه ". وحديث علي ﵁ عند الحاكم في "المستدرك " والدارقطني في "سننه " من حديث الحسين بن علي بن أبي طالب عن أبيه مرفوعا سواء وسكت الحاكم عنه. وحديث أنس ﵁ عند عبد الرزاق في "مصنفه " والدارقطني في "سننه " عن أنس عن النبي ﵇ مثله، وفي إسناده أبان وهو متروك قاله الدارقطني. وحديث ابن عباس عند الدارقطني من حديث موسى بن سلمة عن ابن عباس مرفوعا نحوه، ثم قال: والصواب موقوف ورواه الحاكم في "المستدرك " وسكت [عنه] .

стр. 252

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] وحديث عبد الله بن عمرو عند الدارقطني أيضا من جهة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا نحوه، ورواه الحاكم في "المستدرك " وسكت عنه. وحديث ابن الفراسي عند ابن عبد البر المعتد بإسناده عن مسلم بن يحيى أنه حدث أن «الفراسي قال كنت أصيد في البحر الأخضر على أرماث وكنت أحمل قربة لي فيها ماء فإذا لم أتوضأ من القربة أمس وقف ذلك لي ونصب لي ذلك بي وبقيت لي فجئت رسول الله ﷺ فقصصت ذلك» . وقال عبد الحق في "أحكامه ": حديث الفراسي هذا لم يروه فيما أعلم إلا بكر بن سوادة، وقال ابن القطان في كتابه: وقد خفي على عبد الحق ما فيه من الانقطاع فإن ابن يحيى لم يسمع من الفراسي، وإنما يرويه عن ابن الفراسي عن أبيه. ويوضح ذلك ما حكاه الترمذي في "علله " قال: سألت محمد بن إسماعيل عن حديث ابن الفراسي في ماء البحر، فقال: حديث مرسل لم يدرك ابن الفراسي النبي ﵇، وابن الفراسي له صحبة فمسلم بن يحيى إنما يرويه عن ابن الفراسي وروايته عن الأب مرسلة، وحديث ابن الفراسي رواه ابن ماجه في "سننه " عن مسلم بن يحيى «عن ابن الفراسي قال: كنت أصيد وكانت لي قربة أجعل فيها ماء، وإني توضأت بماء البحر فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته» وقال البخاري إن مسلم بن يحيى لم يدرك الفراسي نفسه وإنما يروي عن ابنه وإن الابن ليست له صحبة. وحديث أبي بكر ﵁ عند الدارقطني من حديث عبد العزيز عن وهب بن كيسان عن جابر بن عبد الله عن أبي بكر الصديق ﵄ «أن رسول الله ﷺ سئل عن ماء البحر الحديث» عبد العزيز بن عمران وهو ابن أبي ثابت، قال الذهبي: مجمع على ضعفه. ثم أخرجه عن عبيد الله بن عمر ﵁ عن عمرو بن دينار عن أبي الطفيل عن أبي بكر ﵁ موقوفا، قال الذهبي: هذا سند صحيح واسم الرجل الذي سأل قيل

стр. 253

ومطلق الاسم يطلق على هذه المياه. قال: ولا يجوز بما اعتصر من الشجر والثمر؛ ــ [البناية] عبيد وقيل عبد العزيز، وفي الحديث دليل على جواز ركوبه إلا في حال ارتجاجه، وتوقفهم على الوضوء به إما لكونه لا يشرب أو لكونه طبق جهنم على ما ورد. فإن قلت: ما الحكمة في أنه ﷺ لم يقل: نعم عند سؤال الرجل، قلت: لو قال: نعم لم يجز الوضوء به إلا للضرورة، لأنه سأله بصفة الضرورة، وكان يرتبط نعم بسؤاله فاستأنف بيان الحكم لجواز الوضوء به مطلقا. فإن قلت: لم يسأله عن السمك فكيف زاد بيان حكمه، قلت: لأن حاجة الناس إلى ذلك ولا يركبون البحر في بعض الأوقات إلا للصيد ولا سيما ركوب السائل كان لأجل الصيد وهو زيادة من الشارع حملا له على الجواب. ومن الناس من كره الوضوء بماء البحر المالح لحديث ابن عمرو أنه ﷺ قال: «لا يركب البحر إلا حاج أو معتمر أو غاز في سبيل الله فإن تحت البحر نارا أو تحت النار بحرا» أخرجه أبو داود متفردا به، وكان ابن عمر لا يرى جواز الوضوء ولا الغسل به عن جنابة، وكذا عن أبي هريرة وعن أبي العالية أنه كان يتوضأ فيه ويكره الوضوء بماء البحر لأنه طبق جهنم، وما كان طبق جهنم لا يكون طريق طهارة ورحمة على قوله: على أرماث بفتح الهمزة وسكون الراء وبعد الألف ثاء مثلثة جمع رمث بفتحتين، وهو خشب ضم بعضه إلى بعض ويركب في البحر. [الوضوء بما اعتصر من الشجر والثمر] م: (ومطلق الاسم يطلق على هذه المياه) ش: أي يطلق اسم الماء في الآية والحديثين المذكورين، ويطلق الاسم المتعرض للذات دون الصفات لا بالنفي ولا بالإثبات والمراد بالمطلق هنا ما سبق إلى الأفهام عند استعمال لفظ الماء. وقال الأترازي: وجه التمسك بالآية والحديث أن الماء لما ذكر فيهما مطلقا من غير قيد بواحد من هذه المياه، والمطلق ينصرف إلى تقدير البلد. م: (ولا يجوز) ش: أي الطهارة م: (بما اعتصر من الشجر والثمر) ش: ما اعتصر بالقصد على أن ما موصولة. قال الأكمل: هكذا المسموع. وقال تاج الشريعة: ما اعتصر غير ممدود وكذا قال في " المستصفى ". وقال السغناقي: بالقصر لأنها موصولة وإن كان يصح معنى الممدود، ولكن المنقول هو الموصولة، ولأن في الممدود وهم جواز التوضؤ بماء العصر هو بنفسه وليس الأمر كذلك وقال الأترازي لا نسلم، ولئن سلمنا الوهم، لكن لا يجوز التوضؤ بالعصر بنفسه من غير إعصار، لأنه خارج بلا علاج كما ذكره في المتن حيث قال:

стр. 254

لأنه ليس بماء مطلق، والحكم عند فقده منقول إلى التيمم، والوظيفة في هذه الأعضاء تعبدية ــ [البناية] وأما الذي يقطر من الكرم، على ما يجيء، يعني الماء الذي يخرج منه بالتقاطر يجوز التوضؤ به ذكره في جامع أبي يوسف ﵀ لأنه ماء خرج من غير علاج. وفي " المحيط " لا يتوضأ بماء خرج من الكرم لكمال الامتزاج. وقال بعضهم: إذا قيل بالمد لوقع في الوهم أن المراد الماء المطلق. قال الأترازي: لا نسلم لأنه قيده بصفة الاعتصار فكيف يقع وهم الإطلاق لأنه عند إطلاق الماء لا يطلق عليه، مثلا: إذا كان في بيت شخص ماء بئر أو بحر أو عين وماء اعتصر من الشجر أو الثمر فقال لأحد هات لي ماء لا يسبق إلى ذهن المخاطب إلا الأول، ولا يعني بالمطلق أو المقيد إلا هو والإضافة نوعان: إضافة تعريف كغلام زيد، وأنه لا يغير المسمى، وإضافة تقييد كماء العنب، وأنه بغيره لأنه لا يفهم من مطلق اسم الماء، ولهذا يصح أن يقال: فلان لم يشرب الماء. وإن كان يشرب ماء العنب وماء الباقلاء والحقيقة لا تنفي عن المسمى بالإضافة إلى الماء وأخواته من القسم الأول وإضافته إلى المعتصر من الثاني. م: (لأنه ليس بماء مطلق) ش: إذ لا يفهم بمطلق قولنا الماء م: (والحكم عند فقده) ش: أي عند فقد الماء المطلق، وأراد بالحكم الطهارة م: (منقول إلى التيمم) ش: لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦] (المائدة: الآية ٦) ومن ضرورة النقل عدم جواز استعمال هذه المائعات، والأصل في هذا أن التوضؤ به جائز ما دامت صفة الإطلاق باقية ولم يخالطه نجاسة، وإن زالت صفة الإطلاق لا يجوز التوضؤ به أو زوالها بغلبة الممتزج وبكمال الامتزاج، وغلبة الممتزج بكثرة الأجزاء، وكمال الامتزاج بطبخ الماء بالمخلوط الطاهر أو يشرب الشارب الماء حتى يبلغ الامتزاج مبلغا يمنع خروج الماء منه إلا بعلاج، والامتزاج بالطبخ إنما يمنع التوضؤ به إذا لم يكن ذلك الامتزاج المقصود للغرض المطلوب وهو التنظيف، وأما إذا كان كالأشنان إذا خلط بالماء فإنه يجوز التوضؤ به، والامتزاج: الاختلاط بين الشيئين بحيث يسع أحدهما في الآخر حتى يمنع التمييز، فإذا عرف هذا فلا يجوز التوضؤ بما اعتصر. م: (والوظيفة في هذه الأعضاء تعبدية) ش: هذا جواب عن سؤال مقدر تقديره أن يقال إن الماء المعتصر من الشجر أو الثمر وإن لم يكن ماء مطلقا لكنه في معناه في الإزالة، فيلحق بالمطلق كما ألحقه أبو حنيفة وأبو وسف - رحمهما الله - بالمطلق في إزالة النجاسة الحقيقية فيجب أن يكون في الحكمية كذلك. وتقدير الجواب أن يقال: إن الوظيفة في هذه الأعضاء الأربعة في الوضوء تعبدية يعني غير معقولة لأن الله تعالى أمرنا بذلك وعبدنا به، فيجب علينا الامتثال من غير أن يدرك معناه، لأن أعضاء الحدث غير نجسة حقيقة لعدم إصابتها، وحكما لجواز صلاة حامل الجنب أو المحدث

стр. 255

فلا تتعدى إلى غير المنصوص عليه. وأما الماء الذي يقطر من الكرم فيجوز التوضؤ به، لأنه ماء خرج من غير علاج، ذكره في جوامع أبي يوسف ﵀، ــ [البناية] وتطهير الطاهر محال ولكنه أمر تعبدي كما ذكرنا م: (فلا تتعدى إلى غير المنصوص عليه) ش: لأن شرط القياس أن لا يكون حكم الأصل معدولا به عن القياس، وليس فيما نحن فيه كذلك فلا يصح القياس بخلاف إزالة النجاسة الحقيقية، فإنها معقولة المعنى لوجوبها حسا فجاز فيها الإلحاق. فإن قلت: إن لم تمكن التعدية بطريق القياس يلتحق بالدلالة فإنه كونه معقولا ليس بشرط فيه، قلت: سائر المائعات ليس في معنى الماء من كل وجه لأن الماء مبذول عادة لا يبالي نجسه، وسائر المائعات ليس كذلك. فإن قلت: كيف ألحقته به في النجاسة الحقيقية، قلت: قياسا لا دلالة لأنه معقول المعنى. فإن قلت: من شرط الدلالة أن يكون الملحق به في معنى الوصف الذي هو مناطق الحكم في كل وجه لا غير، والوصف فيما نحن فيه هو إزالة النجاسة والماء والمائع في ذلك سيان، وكون الماء مبذولا لا دخل له في ذلك، قلت: إنهما سيان في إزالة النجاسة الحقيقية أو مطلقا فالأول مسلم وليس الكلام فيه، والثاني ممنوع. فإن قلت: إذا كان الغسل في هذه الأعضاء تعبديا يلزم أن تكون النية فيه شرطا، وقد قلتم: إن الماء مزيل للحدث بالطبع فيلزم أن يكون مائعا كذلك لأنه مزيل بالطبع. قلت: إنما يكون مزيلا بالطبع إذا كان المزال نجاسة حقيقية، وأما لو كانت نجاسة حكمية فلا يكون كذلك ولكن يلزم عليه الوضوء، فإن المزال فيه حكمي فينبغي أن يشترط فيه النية. فإن قلت: غسل النجاسة بالماء المطلق على خلاف القياس لأنه يقتضي تنجيسه بأول الملاقاة وقد عديتم إلى المائعات الطاهرة. قلت: المزال من النجاسة مشاهد فلما ترك القياس في حق الماء للضرورة يترك في حق غيره مما يعمل عمل الماء، وكذا عند ورود النجاسة على الماء في غسل الثوب النجس في الإجابات الثلاث حتى خرج من الثالثة طاهرا. [الوضوء بالماء الذي يقطر من الكرم] م: (أما الماء الذي يقطر من الكرم فيجوز التوضؤ به لأنه ماء خرج من غير علاج) ش: هذا كأنه جواب عما يرد على قوله ولا يجوز بماء اعتصر من الشجر والثمر، فلذلك قال: وأما الماء الذي يقطر بكلمة أما، وقد ذكر في " المحيط " لا يتوضأ بما يسيل من الكرم لكمال الامتزاج وهذا المنقول عن شمس الأئمة م: (ذكره في جوامع أبي يوسف ﵀) ش: ذكر فيه ضميرا مرفوعا

стр. 256

وفي الكتاب إشارة إليه حيث شرط الاعتصار، ولا يجوز بماء غلب عليه غيره فأخرجه عن طبع الماء كالأشربة والخل وماء الورد وماء الباقلا والمرق وماء الزردج. ــ [البناية] ومنصوبا، أي ذكر أبو يوسف ﵁ في "جوامعه " جواز الوضوء بالماء الذي يقطر من الكرم أياما، وهو أيام تنظيف فروعه من أطرافه ليقوي الأصول، وتطرح العنب كثيرا. فإن قلت: فيه إضمار قبل الذكر. قلت: جاز ذلك للقرينة كما في قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢] (ص: الآية ٣٢) أي الشمس ويجوز أن يكون الضمير المرفوع فيه راجعا إلى جمع الجوامع آخذا عن أبي يوسف ﵀. م: (وفي الكتاب) ش: أي القدوري م: (إشارة إليه) ش: أي إلى جواز التوضؤ بالماء الذي يقطر من الكرم م: (حيث شرط الاعتصار) ش: لأن الذي يقطر من الكرم منعصر بنفسه لا معتصر، ويجوز أن يقرأ شرط على صيغة المعلوم وعلى صيغة المجهول، ففي المعلوم يعود الضمير الذي فيه إلى القدوري بقرينة قوله في الكتاب لأن الألف واللام فيه بدل من المضاف إليه، أي وفي كتاب القدوري، ويكون الاعتصار منصوبا على أنه مفعول شرط وفي المجهول يكون الاعتصار على أنه نائب عن الفاعل وذكر المفعول مطوي. [الطهارة بماء غلب عليه غيره] م: (ولا يجوز) ش: أي الطهارة م: (بماء غلب عليه غيره) ش: أي غير الماء من المائعات الطاهرة م: (فأخرجه عن طبع الماء) ش: هذا كالتفسير لكونه غلب على غيره، فلذلك ذكره بالفاء التفسيرية وطبع الماء كونه مرويا، لأنه يقطع العطش، وقيل قوة نفوذه، وقيل: كونه غير متلون، وقيل: ما يبقى له أثر الغليان والإخراج عن طبعه أن لا يبقى له أثر بالغليان م: (كالأشربة والخل وماء الورد وما الباقلاء) ش: بالمد وتخفيف اللام وإذا شدد اللام قصر الحاصل أن فيه لغتين ونظيره المزغر أو المزغري بكسر الميم وفتحها ذكره في الفصيح. م: (والمرق وماء الزردج) ش: بفتح الزاي وسكون الراء وفتح الدال المهملة وفي آخره جيم وهو ما يخرج من العصفر المنقوع يطرح ولا يصبغ به ذكره المطرزي. وقيل: ماء عروقه الزعفران. قال الأترازي: كأنه معرب. قلت: هو معرب زرده. واعلم أن قوله: كالأشربة اه. إن أراد به الأشربة المتخذة من الشجر كشراب الرمان والحماض وبالخل الخالص، كان من نظير المعتصر من الشجر والثمر، وكان ماء الباقلا والمرق نظير الماء الذي غلب عليه غيره، وكان فيه صفة اللف والنشر وهو أن يلف شيئين ثم ينشرهما، نظيره من التنزيل ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [القصص: ٧٣] (القصص: الآية ٧٣) وإن أراد بالأشربة الحلو المخلوط به والخل المخلوط بالماء كانت الأربعة كلها نظير الماء الذي غلب عليه غيره.

стр. 257

لأنه لا يسمى ماء مطلقا. والمراد بماء الباقلا وغيره ما تغير بالطبخ. وإن تغير بدون الطبخ يجوز التوضؤ به. قال: ويجوز الطهارة بماء خالطه شيء طاهر فغير أحد أوصافه. ــ [البناية] م: (لأنه) ش: أي لأن الماء الذي غلب عليه غيره، أو لأن كل واحد من هذه الأشياء المذكورة م: (لا يسمى ماء مطلقا) ش: لأن مطلق الشيء ما يتبادر إليه الفهم عند ذكره، والفهم لا يتبادر إلى هذه المياه عند ذكر الماء م: (والمراد بماء الباقلاء ما تغير بالطبخ) ش: بأن صار ثخينا حتى صار كالمرق حتى إذا طبخ ولم يثخن ورقة الماء فيه باقية يجوز الوضوء به م: (وإن تغير) ش: أي ماء الباقلاء م: (بدون الطبخ يجوز التوضؤ به) ش: لإطلاق اسم الماء عليه لغلبة الماء. [الطهارة بالماء الذي خالطه شيء طاهر فغير أحد أوصافه] م: (ويجوز الطهارة بماء خالطه شيء طاهر فغير أحد أوصافه) ش: وهي اللون والطعم والريح، وفيه إشارة إلى أنه لا يجوز التوضؤ به إذا غير وصفين، ولكن الرواية الصحيحة بخلافها، ألا ترى إلى ما قال في " شرح الطحاوي "، وأما الحوض والبئر إذا تغير لونه أو طعمه أو ريحه إما بمرور الزمان أو بوقوع الأوراق كان حكمه حكم الماء المطلق، ولا شك أن الماء إذا تغير لونه تغير طعمه أيضا، ولكن يشترط أن يكون باقيا على رقته، أما إذا غلب عليه غيره وصار به ثخينا فلا يجوز. وفي الرواية في قوله: فغير أحد أوصافه إشارة إلى أنه إذا تغير اثنان أو ثلاثة لا يجوز التوضؤ به، وإن كان المغير طاهرا لكن صحة الرواية بخلافه، وكذا عن الكرخي وفي " المجتبى " لا يقبل التغير به حتى لو غير الأوصاف الثلاثة بالأشنان أو الصابون أو الزعفران أو الأوراق أو اللبن ولم يسلب اسم الماء عنه ولا معناه فإنه يجوز التوضؤ به. وفي " زاد الفقهاء ": الماء المغلوب من الخلط الطاهر يلحق بالماء المقيد غير أنه يعتبر الغلبة أولا من حيث اللون ثم من حيث الطعم ثم من حيث الإجزاء. فإن كان لونه مخالف للون الماء كاللبن والعصير والخل وماء الزعفران فالعبرة باللون، فإن غلب لون الماء يجوز وإلا فلا، فإن توافقا لونا لكن تفاوتا طعما كماء البطيخ والمشمش والأنبذة فالعبرة للطعم، إن غلب طعم الماء يجوز وإلا فلا، وإن توافقا لونا وطعما كماء الكرم فالعبرة للإجزاء. وسئل المداني عن الماء الذي يتغير لونه بكثرة الأوراق في الكف إذا رفع منه هل يجوز التوضؤ به قال: لا، ولكنه يجوز شربه وغسل الأشياء. وفي " فتاوي قاضيخان " إذا طبخ بما يقصد به المبالغة في التنظيف كالسدر والحرض، فإن تغير لونه ولكن لم تذهب رقته يجوز التوضؤ به، ولو صار ثخينا مثل السويق لا يجوز. فإن قلت: قد ذكر من قوله ﷺ «إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه» وذلك يقتضي عدم التوضؤ به عند تغير أحد الأوصاف.

стр. 258

كماء المد والماء الذي اختلط به الزعفران أو الصابون أو الأشنان قال ﵁ أجري في المختصر ماء الزردج مجرى المرق. والمروي عن أبي يوسف ﵀ أنه بمنزلة ماء الزعفران هو الصحيح، ــ [البناية] قلت: معنى قوله ﷺ «الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غير.» الحديث، أي لا ينجسه شيء نجس وكلامنا في المختلط الطاهر هكذا أجاب الأكمل، وتبع في ذلك تاج الشريعة فإنه أيضا قال المعنى إلا ما غيره شيء نجس فيكون معناه حينئذ لا ينجسه شيء إلا بالمتغير النجس وهذا لأنه ورد في الماء الجاري ولا يجوز استعماله حيث ترى فيه النجاسة أو يوجد طعمها أو ريحها لأنه يدل على قيام النجاسة، وأجاب الأترازي بجوابين أحدهما مما ذكرنا والآخر إن الشرط لم يصح عن رسول الله ﷺ . قلت: في الجميع نظر، أما في كلام الأكمل فلأن الحديث عام والتخصيص بلا مخصص لا يجوز، وأما في كلام تاج الشريعة: فلأن دعواه بأنه ورد في الماء الجاري لم يثبت، ومن ذكر هذا من شراح الحديث، وأما كلام الأترازي فلأن الشرط أراد به إلا ماء غير طعمه أو لونه أو ريحه لم يصح عن رسول الله ﷺ وإن لم يصح مسندا فقد صح مرسلا كما ذكره والمرسل حجة عندنا. م: (كماء المد) ش: أي السيل لأنه يجيء بتغير طين هذا إذا كان رقة الماء غالبة وإن كان الطين غالبا لا يجوز الوضوء به كذا في " الذخيرة " م: (والماء الذي اختلط به الزعفران أو الصابون أو الأشنان) ش: بضم الهمزة وكسرها حكاهما الجوالقي وأبو عبيدة، وهو معرب وهو الحرض بضم الحاء وسكون الراء المهملتين وفي آخره ضاد معجمة. وعن أبي يوسف ماء الصابون إذا كان ثخينا قد غلب على الماء لا يتوضأ به وإن كان رقيقا يجوز وكذا ماء الأشنان. وعن أبي يوسف إذا طبخ الآس أو البابونج في الماء وغلب عليه حتى يقال ماء الآس والبابونج لا يجوز الوضوء بهما. وفي " الفتاوى الظهيرية " إذا طرح الزاج في الماء حتى اسود جاز الوضوء به، وكذا العفص إذا كان الماء غالبا. م: (قال ﵁) ش: أي المصنف م: (أجري في المختصر) ش: أي أجري أبو الحسن القدوري في كتابه المختصر المسمى بالقدوري م: (ماء الزردج مجرى المرق) ش: أي جعل حكمها واحدا، حيث لا يجوز التوضؤ بها م: (والمروي عن أبي يوسف بمنزلة ماء الزعفران) ش: حيث يجوز التوضؤ بها م: (هو الصحيح) ش: أي المروي عن أبي يوسف ﵀ هو الصحيح. وقال السغناقي في قوله هو الصحيح احتراز عن قول محمد ﵀، فإنه يعتبر العلة بتغير اللون والطعم والريح كذا في " فتاوى قاضيخان ". وقال الأترازي أنا أقول لا خلاف في هذه المسألة في الحقيقة اه. حاصله يقتضي إلى أنه إن كان المراد به ما إذا كان الماء مغلوبا بماء الزردج فلا خلاف بينهما ثم قال في آخر كلامه فافهم، فإنه غفل عنه الشارحون.

стр. 259

كذا اختاره الناطفي والإمام السرخسي، وقال الشافعي ﵀: لا يجوز التوضؤ بماء الزعفران وأشباهه مما ليس من جنس الأرض؛ لأنه ماء مقيد، ألا ترى أنه يقال ماء الزعفران. ــ [البناية] قلت: هذا الموضع ليس من المواضع التي فيها غموض حتى ينسب الغفلة إلى الشراح م: (كذا اختاره الناطفي) ش: أي كذا اختار المروي عن أبي يوسف الإمام الناطفي، وهو أبو العباس أحمد بن محمد بن عمرو الناطفي أحد الأئمة الأعلام، وصاحب " الواقعات " و " النوازل " ومن تصانيفه " الأجناس " و " الفروق " والواقعات "، مات بالري سنة ست وأربعين وأربعمائة، ونسبه إلى عمل الناطف وبيعه، وهو تلميذ الشيخ أبي عبد الله الجرجاني، وهو تلميذ أبي بكر الجصاص الرازي، وهو تلميذ الشيخ أبي الحسن الكرخي، وهو تلميذ أبي حازم القاضي، وهو تلميذ عيسى بن أبان، وهو تلميذ محمد بن الحسن. م: (والإمام السرخسي) ش: هو شمس الأئمة أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي، وهو تلميذ الإمام محمد بن الفضل البخاري، وهو تلميذ الشيخ عبد الله بن يعقوب السيد مولى، وهو تلميذ عبد الله بن أبي حفص الكبير وهو تلميذ أبيه وشيخه أبي حفص الكبير وهو تلميذ محمد بن الحسن ﵏، والإمام السرخسي هو صاحب " المبسوط " أملاه وهو في السجن باذر جند، وهو من كبار علماء ما وراء النهر صاحب الأصول والفروع كان إماما حجة من فحول الأئمة ذا فنون. مات في حدود الأربعمائة وعشرين، ونسبته إلى سرخس بفتح السين والراء المهملتين ثم خاء معجمة ساكنة وفي آخره سين مهملة مدينة من مدن خراسان بين نيسابور ومرو في أرض سهلة. م: (وقال الشافعي ﵀ لا يجوز التوضؤ بماء الزعفران وأشباهه مما ليس من جنس الأرض) ش: كماء الصابون والأشنان ونحوهما م: (لأنه) ش: أي لأن ماء الزعفران ونحوه م: (ماء مقيد) ش: لأنه قيد بشيء آخر فخرج عن الإطلاق، ثم أوضح ذلك بقوله م: (ألا ترى أنه يقال ماء الزعفران) ش: بالإضافة فصار مقيدا فلا يجوز التوضؤ به. ومذهب الشافعي على التحرير أن الماء إذا تغير أحد أوصافه مما لا يمكن حفظ الماء عنه كالطحلب وما يرى على الماء من الملح والنورة وغيرهما جاز الوضوء به لعدم إمكان صون الماء عنه، وإن كان مما يمكن حفظه منه فإن كان ترابا طرح فيه فكذلك لأنه يوافق الماء في كونه مطهرا فهو كما لو طرح فيه ماء آخر فتغير به، وإن كان شيئا سوى ذلك كالزعفران والطحلب إذا رق وطرح فيه وغير ذلك مما يتغير الماء منه لم يجز الوضوء به، لأنه زال إطلاق اسم الماء بمخالطة ما ليس بطاهر والماء مستغن عنه فصار كاللحم والمائع المخالط بالماء إن قل جازت الطهارة به وإلا فلا. وبماذا تعرف القلة والكثرة ينظر فإن خالفه في بعض الصفات فالعبرة بالتغير، فإن غيره فكثير وإلا فقليل، وإن وافقه في صفاته كماء الورد وانقطعت رائحته، وفيما يعتبر به القلة والكثرة فيه وجهان:

стр. 260

بخلاف أجزاء الأرض لأن الماء لا يخلو عنها عادة. ولنا أن اسم الماء باق على الإطلاق، ألا ترى أنه لم يتجدد له اسم على حدة وإضافته إلى الزعفران كإضافته إلى البئر والعين. ــ [البناية] أحدهما إن كانت الغلبة للماء جازت الطهارة به، وإن كانت المخالطة لم تجز. ومنهم من قال إذا كان ذلك قدرا لو كان مخالفا للماء في صفاته ولم يغيره لم يمنع، ولو خالط الماء المطلق ماء مستعمل فطريقان أصحهما كالمائع وفيه وجهان وبهذا قطع جمهورهم وصححه الرافعي. والثاني وفي " شرح الوجيز " ما تفاحش بغيره مما يستغني الماء عنه حتى زايله اسم الماء المطلق وإن لم يتجدد اسما آخر كالمتغير بالصابون والزعفران الكثير وأجناسهما سلب اسم الماء عنه لم تجز الطهارة به. وفي " الحلية " وبه قال مالك وأحمد وعند الشافعي لو طرح فيه التراب فتغير الوضوء جائز به على الأظهر، وحكي فيه قولان، ولو طرح فيه الملح فتغير به جاز وعند بعض أصحابه لا يجوز، ولو تغير بعود أو دهن طيب فقال المزني يجوز الوضوء به، وقال البويطي لا يجوز. ولو وقع فيه الكافور فتغير به ريحه فيه وجهان. ولو وقع فيه قطران فغيره قال الشافعي في " الإمام ": لا يجوز الوضوء به، وقال بعده بأسطر لا يجوز، ولو تغير بطول المكث يجوز الوضوء به. وعن ابن سيرين لا يجوز. وشذ الحسن بن صالح بن حسن وجوز الوضوء بالخل وما جرى مجراه. م: (بخلاف أجزاء الأرض) ش: كالطين والجص والنورة والكحل م: (لأن الماء لا يخلو عنها عادة) ش: أي لا يخلو عن أجزاء الأرض، وفي بعض النسخ عند ذكره باعتبار اللفظ. م: (ولنا أن اسم الماء باق على الإطلاق) ش: بعد زوال صفته بمخالطة طاهر م: (ألا ترى أنه لم يتجدد له اسم على حدة) ش: كما تجدد لماء الورد ونحوه قوله على حدة أي منفردا، وأصله وحده حذفت منه الواو تبعا لفعله كما في عدة ثم عوض عنها الهاء ولكن بعد نقل حركة فاء الفعل إلى عين الفعل. م: (وإضافته) ش: أي إضافة الماء م: (إلى الزعفران كإضافته إلى البئر والعين) ش: هذا جواب عما قاله الشافعي ﵀ في تعليله بقوله - لأنه ماء مقيد ألا ترى أنه يقال له ماء الزعفران - تقديره أن يقال إن الألفاظ لا تغير عن المسميات وحيث لم يتجدد له اسم آخر دل على عدم اختلاف المسمى فتكون إضافته إلى الزعفران كإضافته إلى البئر. والحاصل أن الإضافة هنا للتعريف لا للتقييد والفرق بينهما أن المضاف إذا لم يكن خارجا من المضاف إليه بالعلاج فالإضافة للتعريف، وماء الزعفران وماء البئر وماء العين من هذا القبيل وإن كان خارجا منه فهي للتقييد كماء الورد ونحوه والتغير في اللون موجود في بعض المياه المطلقة نحو ماء المد والواقعة فيها الأوراق، وكذا ماء بعض البيار يضرب في السواد فلا يخرج عن

стр. 261

ولأن الخلط القليل لا يعتبر به لعدم إمكان الاحتراز عنه كما في أجزاء الأرض فيعتبر الغالب، والغلبة بالأجزاء لا بتغير اللون هو الصحيح، ــ [البناية] كونه مطلقا. فإن قلت: لم يتجدد لماء البقلاء اسم على حدة ومع هذا لا يجوز التوضؤ به، قلت المضاف هنا خارج من المضاف إليه بالعلاج كما ذكرنا فلا يجوز وإن لم يتجدد له اسم وقال تاج الشريعة: الدليل يقتضي الجواز ولكن الطبخ والخلط يبينان نقصانا في كونه مائعا. م: (ولأن الخلط القليل) ش: هذا دليل ثان وهو أن الاعتبار للخلط ينظر إن كان قليلا م: (لا يعتبر به لعدم إمكان الاحتراز عنه كما في أجزاء الأرض) ش: نحو الطين والجص والنورة، فإن التوضؤ بالماء الذي اختلط به هذه الأشياء يجوز بالاتفاق إذا كان الخلط به قليلا لأن الصفرة قليل، وإن كان كثيرا لا يجوز كماء الزعفران أيضا إذا غلب عليه الزعفران كماء الأترج. ثم تعرف القلة أو الكثرة بالغلبة أشار بقوله م: (فيعتبر الغالب) ش: لقوله ثم الغلبة لما كانت على قسمين أحدهما الغلبة بالأجزاء والآخر الغلبة باللون، ولما كان الاعتبار للقسم الأول أشار بقوله م: (والغلبة بالأجزاء) ش: أي بأجزاء المخالط والمخلوط فإن كانت أجزاء الماء غالبة جاز الوضوء به وإن كانت أجزاء الذي اختلط به غالبة فلا يجوز. فإن قلت: بما تعلم ذلك، قلت ببقائه على رقته أو تجربته، فإن كانت رقته باقية جاز الوضوء به، وإن صار ثخينا بحيث زالت عنه رقته الأصلية لم يجز. م: (لا بتغير اللون) ش: يعني لا تعتبر الغلبة بتغير اللون كما ذهب إليه محمد ﵀، ثم أشار إلى الغلبة بالأجزاء أن الغلبة للأجزاء وهي المعتبرة بقوله م: (هو الصحيح) ش: لأنه حينئذ ينتفي عنه اسم الماء، وأشار به أيضا إلى نفي قول محمد، واعلم أن الماء إذا اختلط بشيء طاهر لا يخلو إما أن يكون لونه الماء أو مخالفا له، فإن كان مخالفا كاللبن والخل والعصير وماء الزعفران والمعصفر وما أشبههما فالعبرة للون، فإن غلب لون الماء يجوز الوضوء به وإن كان مغلوبا فلا يجوز وإن كان موافقا كماء البطيخ والأشجار فالعبرة بالطعم إن كان طعم الماء غالبا يجوز وإلا فلا، وإن لم يكن له طعم فالعبرة لكثرة الأجزاء فإن كان أجزاء الماء أكثر يجوز التوضؤ به وإلا فلا والماء الكثير المنتن إن كان نتنه من نجاسة لا يتوضأ به وإن لم يعلم يجوز. ولا يلزمه السؤال عنه لأن الطهارة أصل ولعل نتنه بمكثه كما قيل الماء إذا سكن سنة تحرك نتنه، وإن طال مكثه ظهر خبثه وفي " شرح مختصر الطحاوي " الماء الطاهر اختلط به نجس حتى صار طينا أو كان الماء نجسا والتراب طاهرا قال أبو بكر الإسكاف العبرة بالماء إن كان طاهرا فالماء طاهر، وإن كان نجسا فالطين نجس ولا ينظر إلى طهارة التراب ونجاسته وقال أبو نصر محمد بن محمد بن سلام: العبرة بالطهارة منهما أيهما كان طاهرا فالكل طاهر، وقال أبو القاسم الصفار: العبرة للنجس منهما

стр. 262

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] أيهما كان نجسا فالطين نجس، وبه أخذ أبو الليث وقال في " المحيط " هذا هو الصحيح. وقيل عند أبي يوسف ﵀ الطين نجس وعند محمد طاهر، وفي " الملتقطات " إذا جعل السرقين في الطين فالطين لا ينجس للضرورة. فروع: خمر وقعت في ماء، وجعلت في وعاء، ثم تخللت طهرت، حوض ينزل إليه الماء من الأنبوب ويغترف الناس منه متداركا لا ينجس كالجاري ولا يجوز الوضوء بماء الملح وهو يجمد في الصيف ويذوب في الشتاء عكس الماء، ولا بأس بالوضوء من جب كورة في نواحي الدار ما لم ينجسه بالحرج والطهارة أصل. وإن أدخل جنب يده في كوز ماء ولم يعلم على يده نجاسة فالمستحب ترك الوضوء به لأنه لا يبقى النجاسة عادة، وإن توضأ أجزأه للأصل. وذكر الحاكم الشهيد عن أبي يوسف فيمن أخذ بفمه ماء من إناء فغسل يده وجسده أو توضأ به لم تجز، ولو غسل به نجاسة في يده أجزأة البزاق والنخامة والمخاط يقع في إناء الوضوء يجوز التوضؤ به محدث معه ماء قليل وعلى يده نجاسة يأخذ الماء بفمه من غير أن ينوي غسل فمه ثم يغسل يده. قال أبو جعفر على قول محمد: لا تطهر يده لأن الماء خالط البزاق فخرج من أن يكون مطلقا فالتحق بسائر المائعات غير الماء كالخل وماء الورد، وغسل اليدين بسائر المائعات غير الماء المطلق فيه روايتان عن أبي يوسف ﵀ في رواية يطهر كالثوب، وفي رواية لا يطهر بخلاف الثوب وعن محمد رواية واحدة أن البدن لا يطهر بخلاف الثوب فإنه يطهر بالاتفاق. التوضؤ بالثلج يجوز إن كان ذائبا يتقاطر، وإلا فلا وعلى هذا التيمم حال وجود الثلج إن كان ذائبا لا يجوز التيمم. إذا أصاب بعض بدنه بول فبل يده ومسحها على ذلك الموضع إن كانت البلة من يده متقاطرة جاز وإلا فلا، والسيل شرط في ظاهر الرواية فلا يجوز الوضوء ما لم يتقاطر الماء. وعن أبي يوسف أنه ليس بشرط وفي مسألة الثلج إذا قطر قطرتان فصاعدا جاز اتفاقا وإلا فعلى قولهما لا يجوز وعلى قول أبي يوسف يجوز. فروع أخر: لا يكره الوضوء والاغتسال بماء زمزم. وعن أحمد يكره وفي " القنية " يكره الطهارة بالماء المشمس «لقوله ﷺ لعائشة ﵂ حين سخنت الماء بالشمس "لا تفعلي يا حميراء لا تفعلي فإنه يورث البرص» .

стр. 263

فإن تغير بالطبخ بعدما خلط به غيره لا يجوز التوضؤ به؛ لأنه لم يبق في معنى المنزل من السماء إذ النار غيرته إلا إذا طبخ فيه ما يقصد به المبالغة في النظافة كالأشنان ونحوه، لأن الميت يغسل بالماء الذي أغلي [ب] السدر بذلك وردت السنة، ــ [البناية] قلت: رواه البيهقي في "سننه " من حديث خالد بن إسماعيل عن هشام عن أبيه «عن عائشة ﵂ أنها سخنت ماء في الشمس "فقال النبي ﷺ يا حميراء لا تفعلي فإنه يورث البرص» . قال ابن عدي: خالد يضع الحديث على الثقات قال الذهبي: تابع خالد أبو المجيري وهب بن وهب وهو مؤتمن وروى أيضا بإسناد منكر عن مالك ﵀ عن هشام، قال الذهبي هكذا مكذوب على مالك وروى البيهقي أيضا من حديث الشافعي أخبرنا إبراهيم بن محمد أخبرني أبي صدقة بن عبد الله عن أبي الزبير عن جابر أن عمر ﵁ كان يكره الاغتسال بالماء المشمس. قال الذهبي: إبراهيم واه: م: (فإن تغير) ش: أي الماء م: (بعدما خلط به غيره) ش: قيد به، لأنه إذا طبخ به وحده وتغير يجوز الوضوء به م: (بالطبخ) ش: مع غيره م: (لا يجوز الوضوء به لأنه لم يبق في معنى المنزل من السماء) ش: أي في الماء لزوال صفة الماء لأن الناظر لو نظر إليه لا يسميه مطلقا. م: (إلا إذا طبخ فيه) ش: أي في الماء والاستثناء من قوله لا يجوز التوضؤ به وطبخ على صيغة المجهول مسند إلى قوله م: (ما يقصد به المبالغة في النظافة كالأشنان ونحوه) ش: مثل السدر والخطمي ونحوهما فإنهم كانوا يغلون الماء بشيء من هذه الأشياء لأن الماء المغلي بذلك يستقضي إخراج الدرن والوسخ عن المغسول، ولكن يشترط أن لا يكون غليظا لما يأتي الآن، ثم أقام الدليل على ذلك بقوله م: (لأن الميت يغسل بالماء الذي أغلي بالسدر بذلك وردت السنة) ش: لم ترد السنة بذلك على الوجه المذكور، ولم أر أحدا من الشراح حققوا نظرة في هذا المكان. أما السروجي قال بذلك: وردت السنة عن «أم عطية الأنصارية ﵂ قالت: دخل علينا رسول الله ﷺ حين توفيت ابنته زينب زوجة أبي العاص بن الربيع قال " اغسليها ثلاثا أو خمسا أو أكثر من ذلك بماء السدر» الحديث رواه البخاري، ومسلم، وهذا الحديث لا يدل على ما ذكره المصنف أو هل فيه أن الماء أغلي بالسدر، وأي دليل دل على هذا. وأما الأكمل فإنه قال لأن السنة وردت به في غسل الموتى بالماء الذي أغلي بالسدر وهذا أعجب من ذلك وأبعد وأما تاج الشريعة فإنه قال وردت لأن السنة في غسل الموتى أن يغلى الماء بالسدر (والحرض) فهو أيضا مثله.

стр. 264

إلا أن يغلب ذلك على الماء فيصير كالسويق المخلوط لزوال اسم الماء عنه وكل ماء وقعت النجاسة فيه لم يجز الوضوء به ــ [البناية] وأما السغناقي والأترازي فبالكلية لم يحوما حوله وكذلك " صاحب الدراية ". وقال السروجي وحديث المحرم الذي وقصته راحلته قال ﷺ : م: «اغسلوه بماء وسدر» ش: الحديث رواه البخاري ومسلم، فلو سلب السدر الطهورية لما أمر النبي ﷺ بذلك وعن عائشة ﵂ «أنه ﷺ كان يغتسل ويغسل رأسه بالخطمي وهو جنب ويجزئ بذلك ويصب عليه الماء» رواه أبو داود وقد «أمر النبي ﷺ بالتعفير بالتراب في ولوغ الكلب» فدل على أن المخالطة لا يسلب طهورية الماء. قلت: حديث المحرم كيف دل على أنهم غسلوه بالماء المغلي بالسدر، وإنما قال ﷺ «اغسلوه بماء وسدر» غاية ما دل أنه يجمع وقت الغسل بين الماء والسدر كما هو عادتهم أنهم يرشون عليه سدر أو يمعكونه ثم يسكبون عليه ماء. وقوله: - لو سلب السدر الطهورية - إلخ. غير مستقيم على ما لا يخفى. وحديث عائشة ﵂ أيضا لا يدل على ذلك لأنها ما قالت إنه كان يغلى الماء بالسدر. وحديث التعفير أيضا لا يدل على ذلك لأن معنى التعفير التمريغ بالتراب، وشيء معفر أو معفور أي مترب. وقال صاحب " المطالع ": يعني وعفروا الثامنة بالتراب اغسلوه بالتراب وليس فيه ما يدل على الإغلاء. م: (إلا أن يغلب ذلك) ش: استثناء من الاستثناء وذلك إشارة إلى الذي يطبخ فيه ما يقصد المبالغة في التنظيف فإن ذلك إذا غلب م: (على الماء فيصير كالسويق المخلوط) ش: السويق قمح أو شعير يغلى ثم يطحن فتزود ويسق تارة بما يترى به أو بسمن أو بعسل وبسمن، وبنو المعسر يقولونه بالصادق قاله ابن دريد، وإذا خلط السويق بالماء لا يجوز التوضؤ به م: (لزوال اسم الماء عنه) ش: بغلبة ما اختلط به عليه. [الوضوء بالماء الذي وقعت فيه نجاسة] م: (وكل ماء وقعت النجاسة فيه لم يجز الوضوء به) ش: أراد بالماء ما لم يكن جاريا ولا ما في حكمه وهو الغدير العظيم لأنه يذكر الجاري فيما يأتي غير قريب. وقال السغناقي: أراد بالماء نحو الحوض الكبير الذي هو عشر في عشر. وقال الأترازي أراد بالماء الراكد الذي لا يبلغ قدر الغدير العظيم. وقال تاج الشريعة أراد من الماء الدائم الذي لم يبلغ عشرا في عشر سواء كان بئرا أو آنية أو غيرهما. وقال السروجي قوله وكل ماء. اه. له وجهان أحدهما معناه لاقته النجاسة وحكمه أن لا يجوز به الوضوء قليلا كان أو كثيرا جاريا كان أو راكدا فعلى هذا لا مناقضة بين هذا، وبين قوله جاز الوضوء من الجانب الآخر لأنه

стр. 265

قليلا كانت النجاسة أو كثيرا ــ [البناية] لم يلاق النجاسة. والوجه الثاني في دفع المناقضة أن يقال المراد بالكثير ما لا يغيره وقوع النجاسة، وهو الذي جعله مالك ﵀ كثيرا، أو القلتان وهو الذي جعله الشافعي كثيرا فيكون هذا لإثبات الكثير المختلف فيه فلا يتناول الذي لا تصل النجاسة فيه إلى الطرف الآخر فلا يمنع الوضوء منه. قلت: المناقضة التي هي تقع ظاهرا بين قوله وكل ما وقعت فيه النجاسة لم يجز الوضوء به وبين قوله الغدير العظيم الذي لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الآخر وإذا وقعت نجاسة في أحد جانبيه جاز الوضوء من الجانب الآخر، بيان ذلك أن قوله أولا وكل ماء يتناول الكلامين جميعا لأن لفظ كل إذا أضيف إلى النكرة يراد به عموم الأفراد، ففي كلامه الأول نفي الجواز، وفي الثاني أثبته وبينهما منافاة وبين الشارح دفع ذلك بالوجهين المذكورين. م: (قليلا كانت النجاسة أو كثيرا) ش: هذه عبارة القدوري وفي بعض نسخ " الهداية " قليلا كانت النجاسة أو كثيرا، وتوجيه عبارة القدوري أن يكون الضمير في كان راجعا إلى الماء في قوله وكل ماء الذي أريد به الماء الراكد، والضمير اسم كان وخبره قوله قليلا مقدما عليه، وتوجيه النسخة الثانية أنه شبه فعيلا الذي هو بمعنى فاعل بفعيل الذي هو بمعنى مفعول كما في قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] (الأعراف: الآية ٥٦) قال بعض شراح القدوري قليلا كان أو كثيرا إن كان وصفا للماء فالكثير من الماء لا ينجس بوقوع النجاسة فيه كالقاذورات في الحياض الكبار والبحار، وإن كان وصفا للنجاسة فلا بد من تاء التأنيث في القليل والكثير لأنه فعيل بمعنى فاعل، ثم قال هو وصف للماء لكن نفى جواز الوضوء بالمحل والجانب الذي وقعت فيه النجاسة. ولمشايخنا في هذه المسألة قولان أن الغدير العظيم إذا وقعت فيه نجاسة هل يجوز التوضؤ من جانب الوقوع، ففي أكثر روايات الحسن عن أبي حنيفة ﵀ وروايات بشر عن أبي يوسف ﵀ أنه يجوز، وفي ظاهر الأصول لا يجوز، وهو اختيار المصنف على ما أشار إليه في مسألة الغدير، ولم يذكر وجه كون القليل والكثير صفة للنجاسة. وقال صاحب " الدراية ": إن كان لفظ القليل صفة للماء كان الخلاف مع الشافعي، وإن كان صفة للنجاسة كان الخلاف مع مالك، فإن عنده لا ينجس الماء القليل بوقوع النجاسة إذا لم ير لها أثر. وفي بعض أصحاب مالك القليل ينجس بالنجاسة القليلة وإن لم يتغير به، والقليل كاف للوضوء والغسل وإن كان لفظ القليل والكثير صفة للنجاسة فذكر فيما مر. وقال الأترازي بعد أن وجه كون القليل والكثير عند كونهما صفة للنجاسة بأن ذكر بالتذكير كما ذكره، وقال بعضهم:

стр. 266

وقال مالك ﵀: يجوز ما لم يتغير أحد أوصافه لما روينا. وقال الشافعي ﵀: يجوز إن كان الماء قلتين؛ لقوله ﵇: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا» ــ [البناية] إن قليلا لا يحتمل أن يكون صفة للماء وذلك سهو منه لأن كان تقتضي اسما وخبرا فالاسم هو النجاسة والخبر هو القليل والكثير، وإذا كان كذلك بأي توجيه يكون القليل والكثير صفة للماء. قلت: كأنه أراد بقول بعضهم صاحب " الدراية " ونسبه إلى السهو وليس كذلك لأن مراده من قوله يحتمل أن يكون صفة للماء باعتبار اختلاف الجنسين. م: (وقال مالك يجوز ما لم يتغير أحد أوصافه) ش: أي يجوز الوضوء بالقليل وإن وقعت فيه النجاسة ما لم يتغير أحد أوصافه وهو اللون والطعم والرائحة. م: (لما روينا) ش: أراد به قوله ﷺ «الماء طهور لا ينجسه شيء» الحديث، وقد مر توجيهه م: (وقال الشافعي يجوز إذا كان الماء قلتين لقوله ﷺ «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا» ش: رواه الأربعة من حديث ابن عمر ﵄، ورواه ابن ماجه في صحيحه ولفظه «لم ينجسه شيء» وأخرجه الحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وأظنه لاختلاف فيه على أبي أسامة عن الوليد بن كثير، ورواه الشافعي في "مسنده "، وأحمد في "مسنده " وابن خزيمة والدارقطني والبيهقي، ولفظ أبي داود: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث» وفي رواية له ولابن ماجه «فإنه لا ينجس» . وقال ابن المنذر: إسناده على شرط مسلم صحيح وأخرجه الطحاوي أيضا بسند صحيح ولكنه اعتل في تركه العمل به بجهالة مقدار القلتين. واختلفوا في تفسير القلة فقيل خمس قرب كل قربة خمسون منا وقيل جرة تسعمائة وخمسة وعشرين منا، وقيل القلتان خمسمائة رطل بالبغدادي، وقيل ستمائة، وقيل ألف وهما بالمساحة ذراع وربع طولا وعرضا وعمقا هكذا قالوا، وليس محررا فإن الماء تختلف أوزانه، وفي " المغني " لابن قدامة القلة هي الجرة ويقع هذا الاسم على الصغيرة والكبيرة، والمراد من القلتين هاهنا من قلال هجر وهما خمس قرب كل قربة مائة رطل بالعراقي فتكون القلتان خمسمائة رطل، هذا هو المشهور في المذهب وعليه أكثر الأصحاب وهو مذهب الشافعي. ووري الأثرم عن الأكمل أنهما أربع قرب وحكاه ابن المنذر أيضا عن أسامة. قلت: وهجر التي تنسب إليها القلال قرية كانت ببلاد المدينة، ويقال: الهجر التي باليمن والأول أصح.

стр. 267

ولنا حديث المستيقظ من منامه وقوله ﵇ «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسلن فيه من الجنابة» . ــ [البناية] م: (ولنا حديث المستيقظ من نومه) ش: قد مر في أوائل الكتاب وجه التمسك به أنه لما ورد النهي عن الغمس لأجل احتمال النجاسة فحقيقة النجاسة أولى أن يكون نجسا م: (وقوله ﵇ «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسلن فيه من الجنابة» ش: رواه بهذا اللفظ أبو داود وابن ماجه من حديث ابن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ الحديث، وهو في " الصحيحين " من حديث أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعا بلفظ: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه» ، وفي لفظ: «ثم يغتسل منه» ، وفي لفظ الترمذي: «ثم يتوضأ منه» . وروى مسلم من حديث أبي السائب عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري وهو جنب" فقال: كيف يفعل يا أبا هريرة؟ فقال: "يتناوله تناولا» . قوله: فقال: كيف يفعل؟ القائل هو أبو السائب مولى هشام بن زهرة. وأخرجه الدارقطني وابن حبان نحوه. وروي أيضا من حديث أبي الزبير عن جابر مرفوعا: «لا يبولن أحدكم في الماء الراكد» ، وروى البيهقي من حديث ابن عجلان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﵇: «أنه نهى أن يبال في الماء الراكد وأن يغتسل فيه من الجنابة» . ووهم الشيخ علاء الدين التركماني في عزوه هذا الحديث لمسلم عن طلحة وإنما رواه مسلم عن أبي هريرة ﵁ وروي بعضه عن جابر ولم يخرج مسلم لطلحة في كتابه إلا في خمسة أحاديث ليس هذا منها. الأول: «جاء رجل من أهل نجد ثائر الرأس.» أخرجه في كتاب الإيمان وشاركه البخاري فيه. الثاني: حديث «الصلاة إلى مؤخرة الرحل» أخرجه في الصلاة. الثالث: «أهدي لنا طير ونحن حرم» أخرجه في الحج. الرابع: حديث «لم يبق مع النبي ﷺ إلا طلحة» . الخامس: «مررت مع رسول الله ﷺ بقوم على رؤوس النخل» أخرجهما في الفضائل، فالمقلد ذهل والمقلد جهل وآفة كل شيء من التقليد، وأخرجه الطحاوي أيضا من حديث عطاء بن يسار عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يتوضأ

стр. 268

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] منه أو يغتسل فيه» وأخرجه الطبراني بهذا الطريق، وأخرجه الطحاوي أيضا من حديث عطاء بن سعيد عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يتوضأ منه أو يشرب» . وأخرجه البيهقي أيضا نحوه. قوله: «أو يشرب» أي منه، وجه التمسك بهذا الحديث أن الغسل من الجنابة لا يغير لون الماء ولا طعمه ولا ريحه وقد نهي عنه فإذا لا ينجسه بوقوع النجاسة بكل حال لم يكن للنهي فائدة ولا فصل في الحديث بين الدائم ودائم فهو على العموم إلا أن يصير في حكم الجاري كالحوض الكبير، ولأن الماء الذي يغتسل فيه أكثر من قلتين طاهر. فإن قلت: الحوض الكبير دائم والحديث مطلق فيدخل تحت إطلاقه فيكون حجة عليه. قلت: إنه في حكم الجاري في عدم اختلاط بعضه ببعض فإن قلت: يجوز أن يكون النهي فيه للتنزيه، قلت: لا يجوز لأن تأكيده وتقييده بالدائم ينافيه فإن الماء الجاري يشاركه في ذلك المعنى فإن البول كما أنه ليس باد في الماء الدائم فكذلك في الجاري فلا يكون للتقييد فائدة. وكلام الشارح مصون عن ذلك. وزعم النووي أن النهي فيه للتحريم في بعض المياه والكراهة في بعضها، فإن كان الماء كثيرا جاريا لم يحرم البول فيه لمفهوم الحديث، ولكن الأولى اجتنابه. وإن كان قليلا جاريا فقال جماعة من أصحابنا يكره، والمختار أنه لا يحرم لأنه يقدره وينجسه على المشهور من مذهب الشافعي، وإن كان كثيرا دائما فقال أصحابنا: يكره ولا يحرم ولو قيل: يحرم لم يكن بعيدا. فقيل: إذا بال في الماء الراكد القليل فقد أطلق جماعة من أصحابنا أنه مكروه والصواب المختار أنه حرام، والتغوط فيه كالبول فيه وأقبح. وكذا إذا بال في إناء ثم صبه في الماء، قلت: زعم أنه من باب استعمال اللفظ الواحد في معنيين مختلفين وفيه من الخلاف ما هو معروف عند أهل الأصول. ثم نتكلم في ألفاظ الحديث فقوله: الدائم، أي الثابت الواقف. وقوله: الذي لا يجري تفسير للدائم وإيضاح لمعناه. قوله: أو الراكد - شك من الراوي من ركد إذا ثبت، قال الجوهري: ركد الماء ركودا ثبت وكل ثابت في مكان راكد. قوله: نهى حكاية النهي كما أن قوله: أمر حكاية الأمر، واختلفوا فيما إذا قال الصحابي أمرنا بكذا، أو نهينا عن كذا، أو السنة كذا، فالمذهب عندنا أنه لا يفهم من هذا المطلق الإخبار بأمر رسول الله ﷺ ولا أنه سنة رسول الله ﷺ . وقال الشافعي ﵀ في القديم: ينصرف إلى ذلك عند الإطلاق، وفي الجديد قال: لا ينصرف إلى ذلك بدون البيان، لاحتمال أن يكون المراد سنة البلدان أو الرؤساء، حتى لو قال في

стр. 269

من غير فصل. والذي رواه مالك ﵀ ــ [البناية] كل موضع: السنة في بلدنا كذا فإنما أراد سليمان بن بلال وكان عريفا بالمدينة. قوله: "ثم يغتسل فيه" برفع اللام لأنه خبر لمبتدأ أي: وهو يغتسل فيه، ويجوز الجزم عطفا على محل لا يبولن لأنه مجزوم، وعدم ظهور الجزم لأجل النون، وقد قيل: يجوز النصب بإضمار أن ويعطى له حكم الواو، قلت: هذا فاسد لأنه يقتضي أن يكون المنهي عنه هو الجمع بينهما دون إفراد أحدهما، ولهذا لم يقل به أحد بل البول فيه منهي سواء أراد الاغتسال فيه أو منه أو لا. وقال القرطبي: الصحيح يغتسل برفع اللام ولا يجوز نصبها إذ لا ينصب بإضمار أن بعد ثم وخالفه في ذلك ابن مالك وأجازه الذي ذكرناه، ويستنبط منه أحكام: الأول: أن أصحابنا احتجوا به أن الماء الذي لا يبلغ الغدير العظيم إذا وقعت فيه نجاسة لم يجز الوضوء به قليلا كان أو كثيرا. الثاني: استدل به أبو يوسف على نجاسة الماء المستعمل فإنه قرن فيه بين الغسل وبين البول فيه، وفي دلالة القران بين الشيئين على استوائهما في الحكم خلاف بين العلماء، فالمذكور عن أبي يوسف والمزني ذلك، وخالفهما غيرهما. الثالث: أن هذا الحديث عام فلا بد من تخصيصه اتفاقا بالماء المستبحر الذي لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الطرف الآخر، وبحديث القلتين كما ذهب إليه الشافعي، أو بالعمومات الدالة على طهارة الماء ما لم يتغير أحد أوصافه الثلاثة كما ذهب إليه مالك. الرابع: أن المذكور فيه البول فيلحق به اغتسال الحائض والنفساء قياسا، وكذلك يلحق به اغتسال الجمعة، والاغتسال عند غسل الميت عند من يوجبها. فإن قلت: يلحق به الغسل المسنون أم لا، قلت: من اقتصر على اللفظ فلا إلحاق عنده كأهل الظاهر، وأما من يعمل بالقياس فمن زعم أن العلة الاستعمال فالإلحاق صحيح، ومن زعم أن العلة رفع الحدث فلا إلحاق عنده، فاعتبر بالخلاف الذي بين أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - في كون الماء مستعملا كما علم في موضعه. م: (من غير فصل) ش: أي حجتنا حديث: «لا يبولن أحدكم» إلخ. فإنه على العموم من غير فصل بين دائم ودائم، وبين ما يتغير لونه وبين ما لا يتغير. فإن قلت: ما محل هذا من الإعراب. قلت: النصب على الحال من قوله: لا يبولن، أي حجتنا عموم قوله ﵇ حال كونه من غير فصل كما ذكرنا. م: (والذي رواه مالك) ش: وهو قوله ﵇: «الماء طهور لا ينجسه شيء» وهذا جواب عن احتجاج مالك بهذا الحديث فيما ذهب إليه من جواز الطهارة من الماء القليل الذي وقعت ما لم

стр. 270

ورد في بئر بضاعة ــ [البناية] يتغير أحد أوصافه م: (ورد في بئر بضاعة) ش: أي الذي رواه مالك في بئر بضاعة وهو ما رواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث عبيد الله بن عبد الله بن رافع بن خديج عن أبي سعيد الخدري قال: «قيل لرسول الله ﷺ : أنتوضأ من بئر بضاعة وهي تلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والمنتن، فقال ﵇: "إن الماء طهور لا ينجسه شيء» قال الترمذي: حسن، وضعفه ابن القطان للاختلاف في إسناده، فقوم يقولون: عبد الله بن عبيد الله بن رافع بن خديج، وقوم يقولون عبيد الله بن عبد الله بن رافع، وقوم يقولون: عبد الله بن عبد الرحمن بن رافع، ومنهم من يقول عبد الرحمن بن رافع، قال: فتحصل فيه خمسة أقوال، وكيف ما كان فهو لا يعرف له حال ولا عين. وله إسناد صحيح من رواية سهل بن سعد أخرجه قاسم بن أصبغ في "مصنفه. «قال سهل: قالوا: يا رسول الله إنك تتوضأ من بئر بضاعة. وفيها ما ينجي الناس والحائض والجنب فقال رسول الله ﷺ : "الماء لا ينجسه شيء» . قال قاسم: هذا أحسن شيء في بئر بضاعة. وحديث أبي سعيد أخرجه الدارقطني والحاكم والبيهقي والشافعي ﵏ أيضا وجوده أبو أسامة وصححه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، ورواه الطحاوي من حديث محمد بن إسحاق عن عبد الله بن عبيد الرحمن عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ «كان يتوضأ من بئر بضاعة فقيل: يا رسول الله إنه يلقى فيها الجيف والمحائض، فقال: "إن الماء لا ينجسه شيء» . وروي من طريق آخر عنه قال: «قيل يا رسول الله إنما نستقي لك من بئر بضاعة وهي بئر يطرح فيها عذرة النساء ومحائض النساء ولحوم الكلاب، فقال: " إن الماء طهور لا ينجسه شيء» . وروي من طريق آخر عنه قال: «أتيت إلى رسول الله ﷺ وهو يتوضأ من بئر بضاعة فقلت: يا رسول الله أتتوضأ منها وهي يلقى فيها ما يلقى من النتن، فقال رسول الله ﷺ : "الماء لا ينجسه شيء» . قوله - أتتوضأ - بتاءين مثناتين من فوق خطاب للنبي ﷺ . وبضاعة بضم الباء هو المشهور، وذكر الجوهري الضم والكسر وهو بالضاد المعجمة وحكي أيضا بالمهملة، وقال المنذري: بئر بضاعة دار لبني ساعدة بالمدينة وبئرها معلوم، وبها مال من أموال أهل المدينة. قيل: بضاعة اسم لصاحب البئر وقيل لموضعها، والحيض بكسر الحاء وفتح الياء جمع الحيضة بكسر الحاء وهي الخرق التي تحشو بها المرأة وتمسح بها دم الحيض. والمحائض

стр. 271

وكان ماؤها جاريا في البساتين ــ [البناية] جمع محيضة وهي مثل الحيض. والنتن الرائحة الكريهة ويقع أيضا على كل مستقبح. قوله: - «ما ينجي الناس» - بضم الياء بعدها نون ساكنة ثم جيم من أنجى الرجل إذا أحدث. قوله: - «لا ينجسه شيء» - نجس ينجس من باب علم يعلم نجسا ونجاسة وجاء فيه بضم الجيم في الماضي والمضارع أيضا. م: (وكان ماؤها) ش: أي ماء بئر بضاعة م: (جاريا في البساتين) ش: يسقى منه خمس بساتين، والماء الجاري لا ينجس بوقوع النجاسة فيه عندنا. فإن قلت: العبرة لعموم اللفظ دون خصوص السبب فكيف اختص بئر بضاعة مع وجود دليل العموم وهو الألف واللام، أجيب بأنه ليس من باب الخصوص في شيء، وإنما هو من باب الحمل للتوفيق فإن الحديثين إذا تعارضا وجهل تاريخهما يعد كأنهما وردا معا ثم بعد ذلك إن أمكن التوفيق بالعمل بينهما يحمل كل منهما على محمل حسن، وإن لم يمكن يطلب الترجيح، وإن لم يمكن يتهاتران، وهاهنا أمكن العمل بأن يحمل هذا الحديث على بئر بضاعة، وحديث المستيقظ وقوله ﷺ : «لا يبولن أحدكم» الحديث على غيرها، فعملنا كذلك دفعا للتناقض. قلت: تحقيق الكلام أن النظر إلى عموم اللفظ دون خصوص السبب إنما يكون إذا لم يرد ما يخصصه من القوة، وقد ورد هنا وهو حديث المستيقظ والأمر بغسل الإناء من ولوغ الكلب، والنهي عن البول في الماء الدائم، وما ورد من الأحاديث في تنجيس الماء بوقوع الحيوان فيها، فيكون خصوصه بها لدفع انتقاض فكان هذا من باب الحمل. وقال تاج الشريعة: سمعت من الشيخ الأستاذ الإمام أن هذا النص خص بالحديثين فجاز أن يخص بالسبب، أو أن العبرة إنما تكون بعموم اللفظ، إذا كانت الألف واللام للجنس، أما إذا كانت للعهد فلا. وقال الطحاوي: والمستحيل أن يكون سؤالهم النبي ﵇ عن بئر بضاعة وجوابه ﵇ إياهم في ذلك بقوله: «إن الماء لا ينجس» وكانت النجاسة في البئر، ولكنه والله أعلم كان بعد أن أخرجت النجاسة من البئر فسألوا النبي ﷺ عن ذلك والبئر تطهر بإخراج النجاسة منها فلا ينجس ماؤها الذي يطرأ عليها بعد ذلك، وذلك موضع مشكل لأن حيطان البئر لم تغسل وطينها لم يستخرج، فقال لهم النبي ﵇: «إن الماء لا ينجس» يريد بذلك الماء الذي يطرأ بعد إخراج النجاسة منها، لأن الماء لا ينجس إذا خالطته النجاسة، وقد قال ﵇: «المؤمن لا ينجس» في حديث «أبي هريرة، قال: لقيت النبي ﵇ وأنا جنب، فمد يده إلي فقبضت يدي عنه، وقلت: إني جنب، فقال: "سبحان الله إن المؤمن لا ينجس» وهذا الحديث أخرجه الجماعة، وفي رواية الشيخين «إن المؤمن لا ينجس» وليس معناه أن بدنه لا ينجس وإن

стр. 272

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] أصابته النجاسة وإنما أراد به لا ينجس بمعنى غير ذلك. وكذلك قوله ﵇: «الأرض لا تنجس» في حديث «وفد ثقيف لما قدم على رسول الله ﷺ فضرب لهم قبة في المسجد فقالوا يا رسول الله نحن قوم أنجاس فقال رسول الله ﷺ إنه ليس على الأرض من أنجاس الناس شيء إنما» رواه الحسن البصري مرسلا. وروي عبد الرزاق في مصنفه عن الثوري عن يونس عن الحسن قال: «جاء رهط من ثقيف فأقيمت الصلاة، فقيل: يا رسول الله إن هؤلاء مشركون، قال: "إن الأرض لا ينجسها شيء» وليس معناه أن الأرض لا تنجس وإن أصابتها النجاسة، وكيف يكون ذلك وقد «أمر بالمكان الذي بال فيه الأعرابي من المسجد أن يصب عليه ذنوب من ماء» والحديث صحيح. وروى طاوس أن النبي ﵇ أمر بمكان أن يحض فكان معنى قوله ﵇ أن «الأرض لا تنجس» أنها لا تبقى نجسة في حال عدم كونها النجاسة فيها، فكذلك قوله ﵇ في بئر بضاعة «إن الماء لا ينجس» ليس هو على حال كون النجاسة فيها إنما هو على حال عدم النجاسة فيها، فهذا وجه قوله ﵇ في بئر بضاعة «الماء لا ينجسه شيء» . وقال أبو نصر المعروف بالأقطع: لا يظن بالنبي ﵇ أنه كان يتوضأ من بئر هذه صفاته مع نزاهته وإيثار الرائحة الطيبة ونهيه عن الامتخاط في الماء، فدل أن ذلك كان في الجاهلية فشك المسلمون في أمرها فبين أنه لا أثر لذلك مع كثرة النزح، وقال الخطابي: قد توهم بعضهم أن هذا كان لهم عادة وتعمدا وهذا لا يظن بذمي ولا وثني فضلا عن مسلم، فلم تزل عادة الناس قديما وحديثا مسلمهم وكافرهم من تنزيه الماء وصونه عن النجاسة فكيف يظن بأهل ذلك الزمان وهو أعلى طبقات أهل الدين، وأفضل جماعة المسلمين والماء ببلادهم أعز، والحاجة إليه أمس أن يكون هذا صنيعهم بالماء وامتهانهم له. وقد «نهى رسول الله ﷺ عن التغوط في موارد الماء ومشارعه» فكيف من اتخذ عيون الماء ومنابعه رصدا للأنجاس ومطرحا للأقذار، وإنما كان ذلك من أجل أن هذا البئر موضعها في حدود من الأرض، وكانت السيول تلم هذه الأقذار من الطرق والأفنية وتحملها فتلقيها فيها، وكان الماء لكثرته، وغزارته لا يتغير من ذلك، فكان من جوابه ﵇ أن الماء الكثير الذي صفته هذه في الكثرة والمقدار لا تؤثر فيها النجاسة، لأن السؤال إنما وقع عن ذلك والجواب إنما يقع عنه.

стр. 273

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] فإن قلت: ما الدليل على كون ماء بئر بضاعة جاريا في البساتين. قلت: روى الطحاوي عن أحمد بن أبي عمران عن أبي عبد الله محمد بن شجاع البلخي عن الواقدي أن بئر بضاعة كانت طريقا للماء إلى البساتين. فإن قلت: كان أهل الحديث يشنعون على الواقدي تشنيعا عظيما، ونقل ابن الجوزي عن ابن عدي أنه كان يضع الحديث في السنة ينسبها إلى أهل الحديث متهما بها. قلت: من جملة تصانيفه كتاب الرد على المشبهة، فكيف يصح هذا عنه وكان دينا صالحا عابدا. وفي " التهذيب ": كان فقيه أهل الرأي في وقته، وصاحب التصانيف، فإن كان الواقدي مجروحا لما رواه عنه، وقال البخاري فيه: متروك الحديث، ثم عن الشافعي أنه قال: كتب الواقدي كذب، نقله البيهقي، وقال: الواقدي لا يحتج بروايته فيما يسنده فكيف فيما يرسله. وقد ضعفه يحيى وكذبه أحمد. قلت: هذا تحامل من البيهقي على الطحاوي في هذا الموضع، والعجب منه أن يشنع هذا التشنيع والحال أنه يخبر عن مشاهدة لأنه من أهل المدينة وهو أدرى بحالها وحال آبارها من غيره، وفيه إسناد وإرسال فيقول ما يقول، وقد طبق الأرض شرقها وغربها ذكره وسارت الركبان بكتبه في فنون العلم كما ذكره الخطيب في ترجمته، وقال إبراهيم بن جابر الفقيه: سمعت الصاغاني وذكر الواقدي فقال: والله لولا أنه عندي ثقة ما حدثت عنه، وحدث عنه الأربعة أئمة الكبار أبو بكر بن أبي شيبة، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وأبو حثمة ورجل آخر، ويمكن أن يكون هو الشافعي لأنه روى عنه. وقال مصعب بن الزبير: الواقدي ثقة مأمون، ولولا هو والبلخي ثقتان عند الطحاوي لما روى عنهما في معرض الاستدلال، وتعريض غيره وتضعيفه إياهما لا يلزمه على ما عرف. واسم الواقدي: محمد بن عمرو الأسلمي أبو عبد الله المدني قاضي بغداد وأحد مشايخ الشافعي ﵀. فإن قلت: قد قيل إن المدينة لم يكن لها ماء جار على عهد رسول الله ﷺ ، وأما عين الزرقاء وعيون حمزة ﵁ فحدثت بعد ذلك، وبئر بضاعة كان ماؤها نبع غير جار وهي باقية إلى اليوم شرقي المدينة بدار بني ساعدة.

стр. 274

وما رواه الشافعي ﵀ ضعفه أبو داود، ــ [البناية] قلت: هذا يرد بما رواه الطحاوي، على أنه يحتمل أن يكون مراد هذا القائل أن المدينة لم يكن بها ماء جار على وجه الأرض مثل النهر، وبئر بضاعة كان ماؤها جاريا تحت الأرض كالقنوات التي تجري تحت الأرض. وقال الأكمل: فإن قيل استدل المصنف في أول الباب إلخ. نقله عن صاحب " الدراية " فإنه قال ذلك ثم قال في آخره كذا قول شيخي ﵀، وهو الإمام علاء الدين بن عبد العزيز. تقرير السؤال أنه قال ﵇ «إن الماء لا ينجس» لما بين أنه ورد في بئر بضاعة لا يستقيم العمل بعمومه في أول الباب حيث أثبت صاحب " الهداية " طهارة المياه الكائنة من السماء والأودية والعيون والآبار وماء البحار بهذا الحديث، فإن كانت اللام في قوله الماء للجنس صح الاستدلال وبطل الحمل وإن كان للعهد صح الحمل ويبطل الاستدلال وتقرير الجواب أن اللام للجنس فالاستدلال صحيح والحمل ليس بباطل، لأن الحديث يشتمل على قضيتين إحداهما الماء طهور والثانية لا ينجسه شيء، والاستدلال بالأول صحيح لأنها تفيد المقصود من غير اقتضاء إلى الثانية والحمل بالثانية. فإن قيل: الضمير في قوله لا ينجسه يرجع إلى ما دخل عليه اللام فكان المراد به الجنس فكيف يصح حمله على المعنيين. أجيب بأن اللفظ إذا احتمل معنيين وأريد به أحدهما ثم أريد بضميره الآخر جاز ويسمى ذلك استخداما كما في قول الشاعر: إذا نزل السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا أريد بالسماء المطر وبضميره النبات. ونظيره قوله ﷺ «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسلن فيه من الجنابة» . فإن القضية الأولى على العموم حتى حرم البول في الماء القليل والكثير جميعا واختصت الثانية بالقليل فوجب تخصيصه حتى لا يحرم الاغتسال في الماء الدائم الكثير مثل الغدير العظيم ونحوه، فيثبت أن حمل الحديث هنا على الماء الجاري لا يمنع التمسك به في أول الباب لعمومه. م: (وما رواه الشافعي ضعفه أبو داود) ش: أراد به حديث القلتين. قال الأترازي: أبو داود هذا هو أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني صاحب كتاب " معالم السنن " إمام ثقة من أئمة الحديث مقبول الرواية عند كل المذاهب، وتبعه الأكمل في ذلك، قلت هذا كلام غير صحيح لأن أبا داود السجستاني الذي ذكره روى حديث القلتين في "سننه". وسكت عنه فهو صحيح عنده على عادته في ذلك قال صاحب " الهداية " لم يعين اسم أبي داود فيحتمل أن يكون أبا داود الطيالسي أو غيره ممكن يكنى بأبي داود من أئمة الحديث.

стр. 275

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] فإن قلت: ويحتمل أن يكون أبو داود وهو الذي قاله الأترازي ويحتمل أنه ضعف هذا الحديث في غير سننه في موضع آخر فإنه نقل بعضهم أن أبا داود قال لا يكاد يصح لأحد من الفريقين حديث عن رسول الله ﷺ في تقدير الماء، ويلزم من هذا تضعيف حديث القلتين ضرورة أنه حديث في الماء، قلت: الاحتمال إذا كان ناشئا عن دليل يفيد وإلا لأدى إلى أن أبا داود قال لا يصح اه. هو أبو داود السجستاني صاحب السنن ويحتمل أن يكون غيره، وما ذكرنا من الرد على حاله. وأما تضعيف حديث القلتين فوجهه وإن كان رواه الأربعة والشافعي ﵀ وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدارقطني والبيهقي وصححه الحاكم وابن المنذر، أنه دائر على معطوف عليه في الرواية ومضطرب فيها أو موقوف. قال أبو بكر بن العربي في " شرح الترمذي ": وحسبك أن الشافعي رواه عن الوليد بن كثير وهو أباضي منسوب إلى عبد الله بن أباض من غلاة الروافض. واختلف في روايته قيل " قلتين أو ثلاثا " رواه يزيد بن هارون عن حماد بن سلمة أخرجه الدارقطني، وروي: "أربعين قلة" عن القاسم بن عبيد الله عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ «إذا بلغ الماء أربعين قلة لم يحمل الخبث» أخرجه الحافظ أبو أحمد بن عبيد الله بن عدي الجرجاني وأبو حفص محمد بن عمرو العقيلي وأبو الحسن علي بن عمرو الدارقطني، وروي " أربعين غربا ". رواه أبو هريرة ﵁، ذكر الخلاف ووقفه على أبي هريرة وعبد الله بن عمر ﵄، وقال أبو بكر بن العربي أيضا والمقداد والدارقطني أن يخلص من رواية هذا الحديث بخبر سفه الذقن ما مضى لها وعلى كثرة طرقه لم يخرجه على شرط الصحة، وأكثر طرقه عن محمد بن إسحاق بن يسار، قال أبو زرعة: ليس يمكن أن يقضى له وكذبه مالك وغيره. وقال الشافعي ﵀: أخبرني مسلم بن خالد بن الزنجي عن ابن جريج بالإسناد ولا يحضر في ذكره أن رسول الله ﷺ قال: «إذا كان الماء قلتين لم يحمل خبثا» وقال في الأحاديث بقلال هجر، قال أصحاب الحديث ما حضره ولا يحضره أبدا. قال الشيخ تقي الدين في " الإمام ": هذا فيه أمران أحدهما أن الإسناد الذي لم يحضره مجهول الرجال فهو كالمنقطع فلا

стр. 276

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] تقوم به الحجة. والثاني قوله: قال في الحديث بقلال هجر يتوهم له أنه من لفظ الرسول ﷺ ، والذي وجد في رواية ابن جريج إنما هو من قول غير الرسول ﷺ . قلت: وفيه علة ثالثة وهو أن شيخه مسلم بن خالد ضعيف ضعفه جماعة منهم البيهقي الذي تنازع فيه مع أئمة الحنفية ولا سيما في هذا الباب، فإن في باب من زعم أن التراويح بالجماعة أفضل، والذي وجد في رواية ابن جريج أنه قول يحيى بن عقيل وبينه البيهقي ويحيى هذا ليس بصاحبي فلا تقوم بقوله حجة. فإن قلت: أسند البيهقي عن محمد عن يحيى بن عقيل قال قلال فأظن أن كل قلة تأخذ فرقتين، زاد أحمد بن علي في رواية والفرق ستة عشر رطلا، قلت في هذا أربعة أشياء أحدها: أنه مرسل. والثاني: أن أحد المذكور فيه هذا يحيى على ما قاله أبو أحمد الحافظ يحتاج إلى الكشف عن حاله. الثالث: أنه ظن من غير جزم. الرابع: أنه إذا كان الفرق ستة عشر رطلا يكون مجموع القلتين أربعة وستين رطلا، وهذا لا يقول به البيهقي ولا إمامه وقد أكثر العلماء في هذا الباب جدا. وحاصله أن حديث القلتين مضطرب لفظا ومعنى، أما اللفظ فمن جهة الإسناد والمتن، أما الإسناد فلأنه روي بروايات مختلفة، وأما المتن فما تقدم وضعفه الحافظ أبو عمر بن عبد البر وابن العربي، وأما من جهة المعنى فقيل إن القلة اسم مشترك يطلق على الجرة والقلة، والقلة على رأس الجبل، وعلى قامة الرجل، والاسم المشترك لا يراد به إلا أحد المعاني الذي دل عليه المرجح، فأي دليل ترجح دل على أن المراد من القلة ما أرادوه لا غير من التقدير. فإن قالوا: الدليل ما روي في الحديث بقلال هجر، فقد أجبنا عنه من قريب. وقال أبو عمر في " التمهيد " في القلتين: مذهب ضعيف من جهة النظر غير ثابت في الأثر، لأن حديث القلتين قد تكلم فيه جماعة من أهل العلم بالنقل ولأنه لا يوقف على حقيقة مبلغهما في أثر ثابت ولا إجماع ولو كان حتما لازما لما منعوه ثم إنهم يقولون إذا تغير لونه أو طمعه أو ريحه بالنجاسة تنجس القلتان وليس في حديثهم ذلك، وإنما جاء في مطلق الماء، وقد ترك جماعة من أصحاب الشافعي مذهبه فيه لضعفه كالغزالي والديواني وغيرهما. وقال أبو عمر في " الاستذكار " حديث معلول رواه إسماعيل القاضي وتكلم فيه. وقال الطحاوي إنما لم يقل به لأن مقدار القلتين لم يثبت.

стр. 277

وهو يضعف عن احتمال النجاسة والماء الجاري إذا وقعت فيه نجاسة جاز الوضوء منه إذا لم ير لها أثر؛ لأنها لا تستقر مع جريان الماء، ــ [البناية] م: (وهو يضعف عن احتمال النجاسة) ش: هذا تأويل معنى حديث القلتين، فإن الشافعي ﵀ يقول معنى قوله لا يحمل الخبث لا يقبل النجاسة ويدفعها، ونحن نقول معناه يضعف عن احتمال النجاسة، فإذا كان كذلك لم يكن التمسك به صحيحا. قلت: معناه يضعف عن مقاومة النجاسة كما يقال فلان لا يحتمل أذى الناس، وفلان لا تحتمل الضرب، وهذه الدلالة لا تحتمل هذا المقدار من الحمل، وهذه الأسطوانة لا تحتمل ثقل السقف، وهذا استعمال عربي فلا يتعين ما ذهب إليه فصار مجملا. وقال النووي: هذا خطأ فاحش من أوجه أحدها أن الرواية الأخرى مصرحة بغلطه وهو قوله فإنه لا ينجس، الثاني أن الضعف عن الحمل إنما يكون في الأجسام كقولنا فلان لا يحمل الخشبة أي يعجز عن حملها لثقلها، وأما في المعاني فمعناه لا يقبله. الثالث أن سياق الكلام يفسره لأنه لو كان المراد أنه يضعف عن حمله لم يكن للتقييد بالقلتين معنى فإن ما دونها أولى بذلك، وأجيب بأن التأويل المذكور في الرواية التي ذكرها المصنف صحيح على ما مر وتأويلهم في هذه الرواية. وأما الرواية الأخرى فالجواب عنها أن العمل متعذر للاختلاف الشديد في تفسير القلتين. وقال ابن حزم لا حجة لهم في حديث القلتين لأنه ﷺ لم يحدد مقدار القلتين، ولاشك أنه ﵇ لو أراد أن يجعلهما حدا بين ما يقبل النجاسة وبين ما لا يقبلها، لما أجمل أن يحدها لنا بحد ظاهر. وأما الشافعي فليس حده في القلتين أولى من حد غيره فسرهما بغير تفسيره وكل قول لا برهان عليه فهو باطل. والقلتان ما وقع عليه في اللغة اسم قلتين صغرتا أم كبرتا، ولا خلاف أن القلة التي تسع عشرة أرطال ماء تسمى عند العرب قلة وليس هذا الخبر دال على قلال هجر، ولا شك أن لهجر قلالا صغارا [لا] كبارا فإنه قيل أنه ﵇ قد ذكر قلال هجر في حديث الإسراء. قلت: نعم وليس ذلك بموجب أن يكون ﵇ متى ذكر قلة فإنما أراد بها من قلال هجر، وليس تفسير ابن جريج القلتين بأولى من تفسير مجاهد الذي قال هما جرتان ويفسر كذلك. م: (والماء الجاري إذا وقعت فيه نجاسة جاز الوضوء منه إذا لم ير لها أثر) ش: أي لم يعلم لها أثر، وفيه إشارة إلى أنها لو كانت مرئية لا يتوضأ من جانب الوقوع، وإذا لم تكن مرئية جاز له الوضوء من أي موضع شاء من موضع وقوع النجاسة فيه أو من غيره م: (لأنها) ش: أي لأن النجاسة م: (لا تستقر مع جريان الماء) ش: أي لا تستقر في موضع وقوعها مع جريان الماء بل تتحول

стр. 278

والأثر هو الطعم أو الرائحة أو اللون، والجاري: ما لا يتكرر استعماله وقيل: ما يذهب بتبنة. قال: والغدير. ــ [البناية] عنه م: (والأثر) ش: أي أثر النجاسة م: (هو الطعم أو الرائحة أو اللون) ش: ذكره بكلمة أو التي للتنوع على أن واحدا منها يكفي عند وجودها م: (والجاري) ش: أي حد الماء الجاري م: (ما لا يتكرر استعماله) ش: وذلك أن الرجل إذا غسل يده وسال الماء منها إلى النهر فإذا أخذه ثانيا لا يكون فيه شيء من الماء الأول. م: (وقيل ما يذهب بتبنة) ش: أو ورق، وقيل إن يضع إنسان يده في الماء عرضا لم تقطع جريانه. وعن أبي يوسف ﵀ إن كان لا ينحسر وجه الأرض بالاغتراف بكفيه. وقيل ما يعده الناس جاريا وهو الأصح، ذكره في " البدائع " و " التحفة " وغيرهما. وفي " الذخيرة " و " البدائع " و " المرغيناني " لو بال إنسان في الماء الجاري فتوضأ به إنسان من أسفل منه جاز. وفي " البدائع " و " شرح الطحاوي " جيفة فأرة في الفرات وتوضأ إنسان أسفل منه إن وجد طعمها أو لونها أو ريحها ينجس الماء وإلا فلا. وفي المرئية كالجيفة إن كان الماء يجري على كلها أو نصفها لا يجوز الوضوء به أسفل منها، والقياس في النصف الجواز وعلى هذا التفصيل الميزاب، وإن لم تكن النجاسة على الميزاب يعتبر تغير لونه أو ريحه أو طعمه، ولو كان الماء يجري في جوف الجيفة وأكثرها لا يلاقيها فهو طهور. وقال أبو نصر: هذا أشبه بقول أصحابنا كلب ميتة سد عرض الساقية والماء يجري من تحته وفوقه فلا بأس بالوضوء به إن لم يتغير عند أبي يوسف خلافا لهما، وعن أبي حنيفة إن كان الماء فوق الكلب مقدار ذراع جاز، وفي " الذخيرة " إذا تغير لا يحكم بطهارته ما لم يزل تغيره بورود ماء طاهر عليه حتى يزيل تغيره. فرع: مسافر معه ميزاب واسع وأرواه ما يحتاج إليه ما يصنع فعند أبي الحسن السندي يأمر رفيقه بصب الماء من طرف الميزاب ويتوضأ من الميزاب، وعند الطرف الآخر منه إناء يجتمع فيه الماء فإن الماء المجتمع منه يكون طهورا والجاري لا يكون مستعملا عند جريانه، ومنهم من أنكر هذا لعدم المادة له، والصحيح الأول، وفي " الكبرى " ماء الثلج جرى على طريق فيه نجاسة إن لم ير أثرها فيه يتوضأ منه لأنه جار. م: (والغدير) ش: على وزن فعيل بمعنى مفعول من غادره إذا تركه، وهو الذي تركه ماء السيل، وقيل بمعنى فاعل لأنه يغدر بأهله لانقطاعه عند شدة الحاجة إليه. وقال الأترازي الغدير القطعة من الماء يغادرها السيل، وهو فعيل بمعنى فاعل من غادره أو بمعنى مفعل من أغدره.

стр. 279

العظيم الذي لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الطرف الآخر إذا وقعت نجاسة في أحد جانبيه جاز الوضوء من الجانب الآخر، لأن الظاهر أن النجاسة لا تصل إليه، إذ أثر التحريك في السراية فوق أثر النجاسة. ثم عن أبي حنيفة ﵀ أنه يعتبر التحريك بالاغتسال، وهو قول أبي يوسف ﵀ وعنه: التحريك باليد، وعن محمد ﵀ بالتوضؤ. ووجه الأول: أن الحاجة إلى الاغتسال في الحياض أشد منها إلى التوضؤ، ــ [البناية] قلت: فيه نظر، لأن غديرا فعيلا من غدر لا من غادر حتى يقول بمعنى مفاعل، ولا هو من أغدر حتى يقول بمعنى مفعل مع أن الثاني منه متعد. م: (العظيم) ش: صفة الغدير وكذا قوله م: (الذي لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الطرف الآخر) ش: لا بالموج م: (إذا وقعت نجاسة في أحد جانبيه جاز الوضوء من الجانب الآخر) ش: إلا أن يتغير طعمه أو لونه أو ريحه فحينئذ لا يجوز كذا في " فتاوى الولوالجي ". فإن قلت: كيف إعراب هذا؟ قلت: الغدير مبتدأ وخبره الجملة وهو قوله إذا وقعت فيه نجاسة اه. وفيها الضمير أعني في جانبه يرجع إلى المبتدأ، وقد علم أن الجملة تقع خبرا سواء كانت اسمية أو فعلية أو شرطية أو ظرفية م: (لأن الظاهر أن النجاسة لا تصل إليه) ش: أي إلى الجانب الآخر م: (إذ أثر التحريك) ش: كلمة إذ للتعليل معناه لأن أثر تحريك الطرف من الغدير م: (بالسراية) ش: إلى الطرف الآخر م: (فوق أثر النجاسة) ش: لأن ذلك أسرع والنجاسة الواقعة في أحد الطرفين لا تصل إلى الآخر. م: (ثم عن أبي حنيفة ﵀ أنه يعتبر التحريك بالاغتسال) ش: يعني إذا اغتسل في طرف منه لا يتحرك الطرف الآخر فإن تحرك لا يجوز الوضوء منه ولا الاغتسال عند وقوع النجاسة. واعلم أنهم اختلفوا في هذا على اثني عشر قولا الأول: هو ما ذكره عن أبي حنيفة ﵀ رواه أبو يوسف ﵀ وإليه أشار بقوله: م: (وهو قول أبي يوسف ﵀) ش: صورة هذا أن يغتسل إنسان في جانب منه اغتسالا وسطا فلم يتحرك الجانب الآخر والثاني هو قوله م: (وعنه) ش: أي عن أبي يوسف ﵀، وعن أبي حنيفة ﵀ أنه يعتبر م: (التحريك باليد) ش: لا غير وهو أيضا نقله أبو يوسف ﵀ عن أبي حنيفة ﵀. والثالث: هو قوله م: (وعن محمد بالتوضؤ) ش: أي روي عن محمد أنه يعتبر التحريك بالتوضؤ منه م: (ووجه الأول) ش: أي القول الأول وهو التحريك بالاغتسال م: (أن الحاجة إلى الاغتسال في الحياض أشد منها إلى التوضؤ) ش: لأن الوضوء يكون في البيوت عادة ولأن هذا

стр. 280

وبعضهم قدروه بالمساحة عشرا في عشر بذراع الكرباس توسعة للأمر على الناس وعليه الفتوى ــ [البناية] أحوط ووجه الرواية عن أبي حنيفة ﵀ وهو التحريك باليد لأنه أخف فكان الاعتبار به أولى توسعة على الناس. والرابع: هو قوله م: (وبعضهم قدروه بالمساحة) ش: أي بعض العلماء وهو أبو سليمان الجرجاني وبه أخذ مشايخ بلخ، وإليه ذهب عبد الله بن المبارك، وبه قال أبو الليث وهو قول أكثر أصحابنا م: (عشرا في عشر) ش: عشرا حال من قوله - بالمساحة - وقوله - في عشر - محلها النصب على الحال أيضا والتقدير بعض العلماء قدروا الماء الذي تقع فيه النجاسة حتى يجوز الوضوء منه بالذراع حال كونه عشرا كائنا في عشر، فيكون مائة والمائة منتهى العشرات والعشر منتهى الآحاد، والألف منتهى المئين، والمائة وسط، وخير الأمور أوسطها فلذلك اختاره أكثر العلماء. ولو كان الحوض مدورا قال في " الفتاوى الظهيرية " أنه يعتبر فيه ثمانية وأربعون ذراعا ودونها ينجس، وقيل ستة وثلاثون وهو الصحيح، وهو مبرهن عند الحساب وفي حيز مطلوب قدره بعضهم ثمانية وأربعين ذراعا. وقيل يعتبر أربعة وأربعون. وقيل أربعة وثلاثون لأن العمود عشرة أذرع فإذا ضربتها في ثلاثة وثلث فالخارج ثلاث وثلاثون وثلث فكملوا الثلث تسهيلا واحتياطا واحترازا عن الكسر، وكأن من قدره بأكثر من ذلك اعتبر الزوايا. م: (بذراع الكرباس) ش: الباء تتعلق بقوله قدروا، ثم اختلفت ألفاظ الكتب في تعيين الذراع فجعل الصحيح في " فتاوى قاضيخان " ذراع المساحة وهو سبع مشتان فوق كل مشتية إصبع قائمة وهو ذراع الملك، واختارها في حيز مطلوب والمصنف اختار للفتوى ذراع الكرباس وهي سبع مشتيات ليس فوق كل مشتية إصبع قائمة. وقيل أربع وعشرون إصبعا بعدد حروف لا إله إلا الله محمد رسول الله م: (توسعة للأمر) ش: نصب على التعليل أي لأجل التوسعة م: (على الناس وعليه الفتوى) ش: أي على هذا القول. وفي " المحيط " أنه يعتبر في كل مكان وزمان ذراعاتهم من غير تعرض للمساحة والكرباس. والخامس: من الأقوال الاثني عشر يعتبر فيه أكثر الرأي والتحري، فإن غلب على الظن وصول النجاسة إلى الجانب الآخر فهو نجس، وإن غلب عدم وصولها فهو طاهر، فهذا هو الأصح، وهو ظاهر الرواية عن أبي حنيفة، وقال السروجي: والمذهب الظاهر التحري والتفويض إلى رأي المبتلى به من غير تحقيق بالتقدير أصلا عند الإمام وبه أخذ الكرخي. السادس: يلقي فيه قدر النجاسة صبغ فإن لم يظهر أثره في الجانب الآخر لا ينجس، حكي عن أبي حفص الكبير في " المبسوط " و" البدائع ". السابع: يعتبر بالتكدر روي عن أبي نصر محمد بن محمد بن سلام ذكره في " البدائع "

стр. 281

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [البناية] و" المفيد ". الثامن: إذا كانت ثمانيا في ثمان قاله محمد بن سلمة. التاسع: قدر بعضهم اثني عشر في اثني عشر أخذ من مسجد محمد بن الحسن من خارجه؛ لأنه لما سئل عن ذلك قال: مثل مسجدي هذا، فمسحوه من داخله فكان ثمانيا في ثمان ومن خارجه كان اثني عشر في اثني عشر. العاشر: خمسة عشر في خمسة عشر قاله عبد الله بن المبارك ثانيا وبه أخذ أبو المطيع البلخي، وقال: أرجو أن يجوز. الحادي عشر: عشرين في عشر، قال أبو مطيع حينئذ لا أجد في قلبي شيئا. والثاني عشر: عن محمد بن الحسن لو انغمس رجل في جانب لا يتحرك الجانب من ساعته، وهذا قريب من معنى ما تقدم. فإن قلت: نصب المقدرات بالرأي لا يجوز وكيف اخترتم في حد الماء الكثير بالعشر في العشر وما استنادكم وهذا كل أحد من الأئمة الثلاثة استند في هذا الباب على الأثر. أما مالك فإنه اعتمد على حديث أبي سعيد الخدري وقال: إن الماء لا ينجس بشيء إلا إذا تغير أحد أوصافه وبه قال الأوزاعي والليث بن سعد وعبد الله بن وهب وإسماعيل بن إسحاق ومحمد بن بكير والحسن بن صالح وبه قال أحمد في رواية. وأما الشافعي ﵀ فإنه اعتبر القلتين بالحديث الوارد فيهما وبه قال أحمد في المشهور عنه. وقالت الظاهرية: الماء لا ينجس أصلا سواء كان جاريا أو راكدا وسواء كان قليلا أو كثيرا تغير طعمه أو لونه أو ريحه أو لم يتغير لظاهر حديث أبي سعيد الخدري. وقال ابن حزم في " المحلى ": وممن روي عنه القول مثل قولنا: إن الماء لا ينجسه شيء: عائشة أم المؤمنين وعمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس والحسن بن علي بن أبي طالب وميمونة أم المؤمنين وأبو هريرة وحذيفة بن اليمان ﵃ والأسود بن يزيد وعبد الرحمن أخوه وعبد الرحمن بن أبي ليلى وسعيد بن جبير ومجاهد وسعيد بن المسيب والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق والحسن البصري وعكرمة وجابر بن زيد وعثمان البتي وغيرهم. قلت: حديث بئر بضاعة يصلح أن يكون استنادا في التقدير بالعشر بيان ذلك أن محمدا لما سئل عن ذلك قال: إن كان قدر مسجدي فهو كثير فلما قاسوه وجدوه ثمانيا في ثمان من داخله

стр. 282

والمعتبر في العمق أن يكون بحال لا ينحسر بالاغتراف هو الصحيح، وقوله في الكتاب: جاز الوضوء من الجانب الآخر، إشارة إلى أنه ينجس موضع الوقوع، وعن أبي يوسف ﵀ أنه لا ينجس إلا بظهور النجاسة فيه كالماء الجاري ــ [البناية] وعشرا في عشر من خارجه وقيل: اثني عشر في اثني عشر، وكان وسع بئر بضاعة ثمانيا في ثمان، والدليل عليه ما قله أبو داود: وقدرت بئر بضاعة بردائي مددتها عليها ثم ذرعته فإذا عرضها ستة أذرع، وسألت الذي فتح لي الباب وأدخلني إليه هل غيرتموها عما كانت عليه؟ فقال: لا، ورأيت الماء فيها متغير اللون، انتهى. فإذا كان عرضها ستة أذرع يكون طولها أكثر منها؛ لأن الغالب أن يكون الطول أمد من العرض، ولو كانت البئر مدورة يقال: فإذا دورها ستة أذرع فإن أضيف ما في الطول من الزيادة إلى العرض يكون مقداره الثمانية أو أكثر؛ لأن منشأ ذلك على التقدير لا على التحرير، فأخذ محمد من هذا ولكن ما اعتبر إلا خارج مسجده الأصلي للاحتياط في باب العبادات. م: (والمعتبر في العمق) ش: بفتح العين المهملة وضمها وسكون الميم م: (أن يكون الماء بحال لا ينحسر) ش: أي لا ينكشف. م: (بالاغتراف) ش: باليد؛ لأنه إذا انحسر ينقطع الماء بعضه عن بعض ويصير الماء في مكانين فتخلص إليه النجاسة، وهو اختيار الفقيه أبي جعفر الهندواني م: (هو الصحيح) ش: أي الذي ذكره بقوله: والمعتبر في العمق اهـ. واحترز به عن أقوال أخرى قال الكاساني: الصحيح أنه إذا أخذ الماء وجه الأرض يكفي، وقيل: مقدار ذراع بذراع الكرباس أو أكثر، وقيل: مقدار شبر، وقيل: زيادة على عرض الدرهم الكبير المثقال، ولا تقدير فيه في ظاهر الرواية. م: (وقوله) ش: أي وقول القدوري م: (في الكتاب) ش: أي في " مختصر القدوري " م: (جاز الوضوء من الجانب الآخر إشارة إلى أنه ينجس موضع الوقوع) ش: أي موضع وقوع النجاسة ولم يفرق بين كونها مرئية وغير مرئية، وهو المحكي عن مشايخ العراق. ومشايخ بخارى وبلخ فرقوا بينهما وقالوا في غير المرئية: يتوضأ من الجانب الذي وقعت فيه النجاسة بخلاف المرئية. م: (وعن أبي يوسف أنه) ش: أي موضع الوقوع م: (لا ينجس إلا بظهور النجاسة فيه) ش: أي في موضع الوقوع م: (كالماء الجاري) ش: يعني حكمه حكم الماء الجاري إذا وقعت فيه نجاسة يجوز الوضوء منه ما لم يظهر أثرها فيه؛ لأنها لا تستقر مع جريان الماء، وقيل: على هذا إذا غسل وجهه من حوض كبير فسقط غسالة وجهه في الماء فرفع الماء من موضع الوقوع قبل التحريك لا يجوز عند العراقيين، وجوزه مشايخ بخارى وبلخ توسعة على الناس لعموم البلوى به.

стр. 283

قال: وموت ما ليس له نفس سائلة في الماء لا ينجسه كالبق والذباب والزنابير ــ [البناية] وقيل: ماء الحمام كالماء الجاري لا ينجس بإدخال اليد النجسة للضرورة، ولو انصب ماء الحوض النجس وجفت أرضه حتى طهرت ثم دخله الماء ففي كونه نجسا روايتان عن الإمام والأصح تنجيسه. وكذا المني لو أصابه ماء بعد فركه، وجلد الميتة بعد تتريبه وتشميسه، والبئر إذا عاد ماؤها بعد ما تنجسه ثم عاد الماء. قال نصر بن يحيى: يحكم بطهارتها وهذا أرفق بالناس. وقال محمد بن سلمة: ينجس وهو أوثق. وروى هشام عن محمد كقول محمد بن سلمة. وفي " الفتاوى الظهيرية " الماء إذا كان له طول ولا عرض له إن كان بحال لو جمع يصير عشرا في عشر وصار عمقه بقدر شبر جاز الوضوء فيه عند الميداني، وبه أخذ الزندروسي، وقال بكر ابن طرجاز: لا يجوز، وفي التجنيس ما له طول وعمق ولا عرض له ولو قدر يصير عشرا في عشر فلا بأس بالوضوء منه تيسيرا على المسلمين. خندق طوله أربعون ذراعا وعرضه ذراع قال أبو سليمان: يجوز الوضوء منه، قيل: لو وقعت فيه نجاسة؟ قال: ينجس من كل جانب عشرة أذرع، وفي " المجتبى " حوض كبير تنجس فدخل فيه ماء طاهر حتى كثر فهو نجس، وقيل: يطهر إذا خرج مثله وإن قل، وفي " المحيط " وهو الأصح، وقيل: إذا خرج مثله، وقيل: ثلاثة أمثاله، وقيل: يطهر. وقال الوصاني: وبه يفتى. ولو تنجس حوض الماء فدخل فيه ماء حتى خرج مثله يطهر، وقيل: ثلاثة أمثاله، ولو خاض في ماء الحمام يجب غسل قدميه، وقيل: لا يجب، والأصح أنه إن علم أن في الحمام خبثا يجب، وإلا فلا والأول أحوط كذا في " المجتبى ". [حكم موت ما ليس له نفس سائلة في الماء] م: (قال: وموت ما ليس له نفس سائلة في الماء لا ينجسه) ش: المراد من النفس الدم وفي " المستصفى " النفس بسكون الفاء الدم وتأنيثه باعتبار لفظ النفس، قال الله تعالى ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [النساء: ١] (النساء: الآية ١) والمراد به آدم ﵇، ويقال: النفس إما دم أو الدم محل النفس على حسب اختلاف الحكماء، فكان إطلاقا لاسم الحال على المحل. م: (كالبق) ش: جمع بقية وهي البعوضة. قال الجوهري: وأهل المصر يقولونه لدويبة تنشأ في الحصر والأخشاب وغير ذلك له ريحة كريهة م: (والذباب) ش: جمع ذبابة ولا يقال ذبانة، وجمع القلة أذببة، والكثير ذباب مثل غراب وأغربة وغربان، م: (والزنابير) ش: جمع زنبور بضم الزاي، قالت الشراح: إنما جمع الزنابير دون غيرها؛ لأنها أنواع شتى، قلت: الكل مذكور بلفظ الجمع كما ذكرنا ولا معنى لتخصيص الزنابير بذلك. فإن كانت القلة في ذكر المصنف الزنابير بذكر الجمع هي كونها على أنواع شتى فكذلك البواقي هي البعوض على أنواع شتى وهي التي يقول لها أهل المصر الناموس، وكذلك الذباب

стр. 284

والعقارب ونحوها، وقال الشافعي ﵀: يفسده؛ ــ [البناية] على أنواع شتى. م: (والعقارب) ش: جمع عقرب والأنثى عقربة وعقرب مصروف وغير مصروف، والذكر عقربان بالضم وهو دابة له أرجل طوال وليس ذنبه كذنب العقارب، وهذا كما رأيت جمع عقرب ذكره المصنف بلفظ الجمع، فكيف قالت الشراح: إنما جمع الزنابير دون غيرها؟ فإن قلت: البق والبقة والذباب والذبابة مثل التمر والتمرة بخلاف الزنابير فلذلك قالت الشراح: إنما جمع الزنابير دون غيرها. قلت: يرد عليك ذكره العقارب فافهم فإنه لا يخفى. م: (ونحوها) ش: مثل القراد والجراد والخنفساء والنحل والنمل والصراصير والجعلان وبنات وردان وحمار قبان والبرغوث والقمل، والخنفساء بضم الفاء وفتحها، والجعلان بضم الجيم جمع جعيل، وهي دويبة تكون في الزبل، وحمال قبان علم على فعلان لدويبة يمنع ويصرف بتقدير زيادة الألف والنون، وأحمالها من قب أو قب في الأرض، وهذه الأشياء طاهرة عندنا فلا تنجس بالموت. وقال ابن المنذر في كتاب " الإجماع ": قال في " الأشراف ": ولا أعلم فيه خلافا إلا أحد قولي الشافعي، قال النووي وجماعة بعد الشافعي: أتى خرق الإجماع في قوله بالتنجيس، قال: ونقل عن محمد بن المنكدر ينجسه بموت العقرب فيه. م: (وقال الشافعي: يفسده) ش: أي موت هذه الأشياء المذكورة ينجس الماء إذا ماتت فيه، وهذا أحد قوليه، والقول الآخر كمذهبنا وهو الذي صححه جمهور أصحابه. وشذ المحاملي في " المقنع " والروياني في " البحر " فرجح النجاسة، وقال النووي: وهذا ليس بشيء والصواب الطهارة، وهو قول جمهور العلماء، ونقل الخطابي وغيره عن يحيى بن أبي كثير أنه قال: ينجس الماء بموت العقرب فيه، ونقل ذلك عن محمد بن المنكدر وهما إمامان من التابعين فلا يخرق الشافعي الإجماع. قلت: سلمنا في العقرب وما يقال في غيره، وقال النووي: القولان عن الشافعي إنما هو في نجاسة الماء بموت هذا الحيوان، أما الحيوان نفسه ففيه طريقان: أحدهما: أن في نجاسته القولين إن قلنا: نجس نجس الماء وإلا فلا وهذا القول اختاره البقالي. والثاني: القطع بنجاسة الحيوان، وبهذا قطع العراقيون وغيرهم، وهو الصحيح لأنه من جملة الميتات. قال: وذكر صاحب " التقريب " قولا ثالثا في المسألة الأولى وهو أن ما يعم لا ينجسه كالذباب والبعوض ونحوهما، وما لا يعم كالخنافس والعقارب ينجسه لتعذر الاحتراز

стр. 285

لأن التحريم لا بطريق الكرامة آية النجاسة، بخلاف دود الخل، وسوس الثمار؛ لأن فيه ضرورة. ولنا قوله ﵇ فيه: «هذا هو الحلال أكله وشربه والوضوء منه» ــ [البناية] وعدمه، قال: وهذا القول غريب. م: (لأن التحريم لا بطريق الكرامة آية النجاسة) ش: أي علامة النجاسة، واحترز بقوله: لا بطريق الكرامة عن الآدمي فإنه حرام لكرامته، وقال أبو زيد: حرمة الشيء مع صلاحيته للغذاء دليل نجاسته كالكلب والخنزير م: (بخلاف دود الخل وسوس الثمار) ش: هذا من كلام الشافعي ﵀، وهذا كأنه جواب لمن يقول ما تقول في دود الخل وسوس الثمار، فقال: كلامنا في موت حيوان أجنبي عنه، أما الدود المتولد في الخل ونحوه والتين والتفاح ونحوهما لا ينجس ما مات فيه م: (لأن فيه ضرورة) ش: لأنه تولد منه، والضرورة تمنع الحكم بتنجيسه وحكاية الدارمي عن بعض أصحاب الشافعي أن ما مات فيه ينجس غلط ولا خلاف عندهم في ذلك، ولكن هذا الحيوان ينجس بالموت على المذهب عندهم ولا ينجس على قولهم. وقال إمام الحرمين: وإن جمع منه شيئا وتعمد أكله فوجهان؛ لأنه كجزء منه طبعا وطعما ومع الطعام لا يحرمه أكله على الصحيح. م: (ولنا قوله ﵇ فيه) ش: أي في الماء الذي مات فيه ما ليس له نفس سائلة، وهو الذي فسر به أوجه وأحسن من قول الأكمل أي في مثل هذه الحادثة، ونقل الأكمل ذلك عن شيخه صاحب " الدراية " وعن الأترازي في " النهاية ". م: (هذا هو الحلال أكله وشربه والوضوء منه) ش: هذا الحديث رواه سلمان الفارسي ﵁ قال النبي ﷺ : «يا سلمان كل طعام وشراب وقعت فيه دابة ليس لها دم فماتت فيه فهو حلال أكله وشربه ووضوءه» رواه الدارقطني في "سننه " حدثني سعيد بن أبي سعيد الزبيدي عن بشر بن منصور عن علي بن زيد بن أحمد عن سعيد بن المسيب عن سلمان ﵁. قال الدارقطني: لم يروه غير سعيد بن أبي سعيد الزبيدي وهو ضعيف، ورواه ابن عدي في " الكامل " وأعله بسعيد هذا، وقال: هو شيخ مجهول، وحديثه غير محفوظ، والعجب من شراح " الهداية " يذكرون هذا الحديث ولا يبينون حاله غير أن الأترازي قال: وقد روى أبو بكر الجصاص الرازي في شرحه لمختصر الطحاوي بإسناده إلى سعيد بن المسيب عن سلمان ﵁ الحديث، ولم يذكر رجال الإسناد حتى ينظر فيه هل هم المذكورون في إسناد الدارقطني وابن عدي أم غيرهم، وذكر الأكمل نحوه. وأما صاحب "الدراية " والسغناقي فاكتفيا بمجرد الذكر، وأما السروجي فإنه نسبه إلى الدارقطني ومضى.
следующие страницы →