Полный текст (7 019 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
وهو الأصح هو يقول إن التخفيف للضرورة، ولا ضرورة هاهنا لعدم المخالطة فلا تخفف، ولهما أنها تذوق من الهواء والتحامي عنه متعذر فتحققت الضرورة، ولو وقع في الإناء قيل: يفسده وقيل لا يفسده لتعذر صون الأواني عنه.
ــ
[البناية]
الكرخي ومع محمد على رواية الهندواني كما هو صريح في " المنظومة "، و " المختلف " ولا يفهم هذا من لفظ " الهداية "، بل الذي يفهم منه أن أبا يوسف في " الجامع الصغير " مع أبي حنيفة على الروايتين جميعاً، وجعل فخر الإسلام قول أبي يوسف في " الجامع الصغير " مع أبي حنيفة على رواية خفة نجاسة الخرء.
وعلى رواية طهارته م: (وهو الأصح) ش: أي كون الاختلاف في المقدار هو الأصح، نص عليه في " جامع قاضي خان " و " المحيط "، لأنه مما حاله طبع الحيوان إلى نتن وفساد، ولكن ذكر في " المبسوطين " و " محيط السرخسي " خلاف هذا فقال: ليس لما ينفصل من الطيور نتن وخبث رائحة ولا ينحى شيء من الطيور عن المساجد، فعرفنا أن خرء الجميع طاهر، ولأنه لا فرق في الخرء بين ما يؤكل لحمه وبين ما لا يؤكل لحمه.
وفي " المجتبى " قيل: خرء الحمار نجس إن كان سلطاً لكثرة علفها. وقال النووي: خرء الدجاج طاهر للبلوى، وخرء دود القز والفأرة وبولها نجس، وعن محمد: لا بأس ببولها وبول السنور الذي يعتاد من البول على الثياب لا بأس به للبلوى، وعن محمد: بوله طاهر وبه قال أبو نصر، وقيل: خفيفه، وفي " الإيضاح ": وبول الخنافس وخرؤها ليس بشيء لتعذر الاحتراز عنه، وخرء الحمام والعصفور طاهر.
م: (هو يقول أن التخفيف للضرورة) ش: أي محمد يقول بتخفيف النجاسة إنما يكون للضرورة م: (ولا ضرورة هاهنا لعدم المخالطة) ش: أي لعدم مخالطة هذه الطيور التي لا يؤكل لحمها مع الناس ولا تأوي البيوت م: (فلا تخفف) ش: بل تغلظ بخلاف الحمام والعصفور لوجود المخالطة فيهما.
م: (ولهما) ش: أي لأبي حنيفة وأبي يوسف م: (أنها) ش: أي أن هذه الطيور م: (تذرق من الهواء) ش: بالذال المعجمة، من ذرق يذرق، ويذرق من باب نصر ينصر وضرب يضرب، ومعناه [رمى بسَلحِه] ، وذرق الطائر خرؤه (والتحامي عنه متعذر) أي التحفظ عنه صعب، لأنه يأتي بغتة من غير روية (فتحققت الضرورة) فتحققت للبلوى.
م: (ولو وقع) ش: خرء طير من هذه الطيور م: (في الإناء قيل: يفسده) ش: أي يفسد ما في الإناء، سواء كان ماء أو غيره من المائعات، وقال هذا أبو بكر الأعمش لإمكان صون الإناء بالتغطية ونحوها م: (وقيل: لا يفسده) ش: قائله الكرخي م: (لتعذر صون الأواني عنه) ش: أي عن
стр. 632
وإن أصابه من دم السمك أو لعاب البغل أو الحمار أكثر من قدر الدرهم أجزأت الصلاة فيه، أما دم السمك فليس بدم على التحقيق. فلا يكون نجسا. وعن أبي يوسف ﵀ أنه اعتبر فيه الكثير الفاحش فاعتبره نجسا.
وأما لعاب البغل والحمار فلأنه مشكوك فيه فلا يتنجس به الطاهر،
ــ
[البناية]
الخرء المذكور، ولهذا قالوا يفسده خرء الدجاج لأنه لا ضرورة فيه حيث يمكن صون الأواني عنه.
[قدر الدرهم من دم السمك أو لعاب البغل أو الحمار]
م: (وإن أصابه) ش: أي الثوب م: (دم السمك أو لعاب البغل أو الحمار أكثر من قدر الدرهم أجزأت الصلاة فيه) ش: أي في ذلك الثوب م: (أما دم السمك فليس بدم على التحقيق) ش: لأن الدم على التحقيق يسود إذا شمس، ودم السمك يبيض، ولهذا يحل تناوله من غير ذكاة، ولأن طبع الدم حار وطبع الماء بارد، فلو كان للسمك دم لم يدم سكونه في الماء.
وفي " مبسوط شيخ الإسلام " أنه ما أخذ أي ما يتغير، وقال بعضهم: هو دم ولكنه طاهر، لأنه لو كان نجساً لأمر بالطهارة فصار حكمه حكم الكبد والطحال ودم يبقى في العروق كذا في " الإيضاح "، وفيه: أنه ما يلون، لأن الدم لا يمكن فيه.
فإن قلت: أثبت المصنف ﵀ أولاً أنه دم ثم نفاه وهذا تناقض. قلت: أجاب الأترازي بأنه أراد بالإثبات صورة الدم وبالنفي حقيقة الدم، قلت: يجوز أن يقال إن الإثبات بالنسبة إلى قول من قال: إنه دم حقيقة والنفي بالنسبة إلى قول الجمهور: أنه ليس بدم على التحقيق.
وقال أبو يوسف في قول الشافعي: هو نجس إلحاقاً بسائر الدماء، وهو ضعيف، ودم البق والبراغيث ليس بشيء، وبه قال مالك وأحمد في رواية لأنه ليس بمسفوح، ودم الحدأة والأوزاغ نجس؛ لأنه دم سائل وما يبقى في العروق واللحم طاهر لا يمنع جواز الصلاة وإن كثر لأنه ليس بمسفوح، ولهذا حل تناوله. وعن أبي يوسف أنه معفو عنه في الثياب لعدم الاحتراز فيه دون الثوب.
م: (فلا يكون نجساً) ش: هذا نتيجة قوله - فلأنه ليس بدم على التحقيق - فإذا لم يكن دماً حقيقة فلا يكون نجساً فلا يمنع الصلاة.
م: (وعن أبي يوسف ﵀ أنه اعتبر فيه) ش: أي في السمك م: (الكثير الفاحش فاعتبره نجساً) ش: مخففاً للضرورة، وهذه رواية المعلى عنه.
[لعاب البغل والحمار]
م: (وأما لعاب البغل والحمار فلأنه مشكوك فيه) ش: كسؤرها، ومعنى الشك تقدم م: (فلا يتنجس به الطاهر) ش: أي لا يتنجس بالمشكوك فيه الثوب الطاهر، فلا يمنع جواز الصلاة وإن كثر، وعن أبي يوسف أن لعاب البغل والحمار يمنعان جواز الصلاة إذا كثر، لأن اللعاب يتولد من
стр. 633
وإن انتضح عليه البول مثل رءوس الإبر فذلك ليس بشيء، لأنه لا يستطاع الامتناع عنه.
قال: والنجاسة ضربان: مرئية وغير مرئية، فما كان منها مرئيا فطهارتها بزوال عينها، لأن النجاسة حلت المحل باعتبار العين فتزول بزوالها إلا أن يبقى من أثرها ما يشق إزالته لأن الحرج مدفوع.
ــ
[البناية]
اللحم النجس.
م: (وإن انتضح) ش: أي وإن ترشرش، وهو بالضاد المعجمة والحاء المهملة م: (عليه) ش: أي على المصلي م: (البول) ش: أراد به البول الذي أجمع على نجاسته بالتغليظ م: (مثل رءوس الإبر) ش: بكسر الهمزة وفتح الباء الموحدة جمع إبرة الخياط م: (فذلك ليس بشيء) ش: أي ليس بشيء معتبر، ولا مانع من جواز الصلاة معه.
فإن قلت: هذا شيء موجود فكيف يصح نفيه؟
قلت: من التفسير يعلم جوابه. وفي " الكافي " أما لو انتضح مثل رءوس المسلة يمنع لعدم الضرورة، وعن الفقيه أبي جعفر ما قاله محمد ﵀ في الكتاب مثل رءوس الإبر دليل على أن الجانب الآخر من الإبر معتبر، وغيره من المشايخ لا يعتبر الجانبين دفعاً للحرج. ولو انتضح ويرى أثره لا بد من غسله، وإن لم يغسل حتى صلى به وهو بحال لو جمع كان أكثر من الدرهم أعاد كذا ذكر البقالي والمحبوبي في "جامعه ".
م: (لأنه) ش: أي لأن الشأن م: (لا يستطاع الامتناع عنه) ش: خصوصاً في مهب الرياح.
[أنواع النجاسة]
م: (قال) ش: أي القدوري م: (والنجاسة ضربان) ش: أي نوعان م: (مرئية) ش: أي يرى بالعين ويدرك بالنظر كالدم والعذرة، والآخر لا يرى ولا يدرك بالنظر وهو معني قوله م: (وغير مرئية) ش: كالبول ونحوه م: (فما كان منها) ش: أي من النجاسة م: (مرئياً فطهارتها بزوال عينها) ش: أي عين النجاسة من غير اشتراط عدد فيه م: (لأن النجاسة حلت المحل باعتبار العين فتزول بزوالها) ش: أي بزوال العين، وفي بعض النسخ بزواله بالضمير المذكر، أي بزوال العين أيضاً.
م: (إلا أن يبقى من أثرها ما يشق إزالته لأن الحرج مدفوع) ش: الكلام فيه في مواضع: الأول: في الاستثناء. قال السغناقي ما ملخصه: أن المستثنى منه محذوف غير مذكور لفظاً، لأن استثناء الأثر من العين لا يصح، لأنه ليس من جنسه فكان تقديره؛ فطهارته زوال عينه وأثره، إلا أن يبقى من أثره ما يشق إزالته، ثم استشكل بأن حذف المستثنى منه في المثبت فلا يجوز، فلا يقال: ضربني إلا زيد، ثم استدرك ذلك بأن هذا لا يجوز عند استقامة المعنى، وعند عدم الاستقامة يجوز بقولك: قرأت إلا يوم كذا، لأنه يجوز أن يقرأ الأيام كلها إلا يوماً، بخلاف: ضربني إلا زيد، فإنه لا يستقيم أن يضربه كل ويستثني زيداً، وهذا من قبيل ما يستقيم فيه المعنى، فإن قولك: فطهارته زوال عينه وأثره في جميع الصور إلا في صورة تشق إزالة أثره، مستقيم، وهو
стр. 634
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
صاحب " الدراية " أخذ هذا يومئذ في شرحه. وأما الأكمل فإنه قال: وهذا استثناء العرض من العين فيكون منقطعاً.
قلت: لم يكن له حاجة إلى ادعاء حذف المستثنى منه ولا الاستشكال، والجواب عنه بل الأوجه هنا أن يقول: إلا هاهنا استثناء من قوله: فتزول بزوالها. والمعنى: فالنجاسة لا تبقى بزوال عينها كما حمل لفظ يأبى في قَوْله تَعَالَى ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ [التوبة: ٣٢] (التوبة: ٣٢) ، على معنى: لا يريد بهما بمعنى واحد، وكذلك هنا معنى قوله: فتزول، فلا تبقى، فحينئذ وجد الشرط في هذا الاستثناء وهو كون الكلام غير إيجاب، فيكون معنى فتزول النجاسة فلا تبقى النجاسة فتزول عنها إلا بقاء أثرها الذي يشق إزالته، فإنه معنوي فيجيء كلام الأكمل وهو استثناء العرض من العين فانتفى قول السغناقي، لأن استثناء الأثر من العين لا يصح.
الثاني: أن المراد من الأثر هو اللون والرائحة وتعريفهم المشقة بالاحتياج في قلعه إلى شيء أخر نحو الصابون والحرص وغيرها، ومنه قال الأكمل: ما يشق إزالته بالاحتياج إلى الإزالة إلى غير الماء كالصابون والأشنان.
قلت: هذا التفسير ليس بشيء لأن المعنى ليس على هذا، بل المعنى الذي يقتضيه التركيب؛ عدم إزالة الأثر بالماء لا يضر، والدليل عليه «حديث خولة بنت يسار سألت النبي ﷺ عن دم الحيض، فقال: "اغسليه" فقلت: فإن لم يخرج الدم؟، فقال ﷺ : "لا يضرك أثره» ، أخرجه أبو داود في رواية ابن الأعرابي والبيهقي من طريقين.
وقال إبراهيم الحربي: لم يسمع بخولة بنت يسار إلا في هذا الحديث.
ورواه الطبراني في "الكبير " من حديث خولة بنت حكيم، ووهم ابن الأعرابي حيث عزاه إلى أبي داود، وليس كذلك، فإن أبا داود إنما رواه من حديث خولة بنت يسار كما ذكرنا، ولأن الأثر إذا لم يزل كان ذلك ضرورة فيسقط بهم حكم النجاسة، ولأن الأثر عبارة عن اللون والنجاسة ما كانت باعتبار اللون بل باعتبار العين والنتن وقدر الأقل.
فإن قلت: روى أبو داود عن معاذة قالت: سألت عائشة ﵂ عن الحائض يصيب ثوبها الدم، قالت: تغسله، فإن لم يذهب أثره فلتغيره بشيء من صفرة، وفي رواية الدارمي: باصفرار الزعفران، فهذا يدل أن الاحتياج إلى شيء غير الماء.
قلت هذا موقوف، وأيضاً فلا يدل على أن الاحتياج المذكور ضروري، وإنما أمرت عائشة ﵂ بذلك لتغيير اللون لا للإزالة، فإن ذلك يشق وفيه حرج وهو مدفوع.
стр. 635
وهذا يشير إلى أنه لا يشترط الغسل بعد زوال العين وإن زالت بالغسل مرة واحدة، وفيه كلام، وما ليس بمرئي فطهارته أن يغسل حتى يغلب على ظن الغاسل أنه قد طهر، لأن التكرار لا بد منه للاستخراج ولا يقطع بزواله فاعتبر غالب الظن كما في أمر القبلة، وإنما قدروا بالثلاث
ــ
[البناية]
فإن قلت روى أبو داود وغيره من «حديث أم قيس بنت محصن تقول: سألت النبي ﷺ عن دم الحيض يكون في الثوب، قال: "حكيه بضلع واغسليه بماء وسدر" ففيه إضافة سدر إلى الماء» .
قلت: إنما أمرها مبالغة في الإنقاء وقطع أثر دم الحيض لا غير، واسم أم قيس: أميمة، قاله السهيلي، وقيل خزامة، ويعفى بقاء ريحه بعد زوال العين، قال الكرخي في " شرح الجامع الصغير ": الثوب أصابته نجاسة كثيرة فغسل وبقيت رائحتها لم يكن لها حكم، وقال الأترازي: في هذا الموضع إلا إذا بقي ما في إزالته مشقة بأن لا يزول بالماء الصرف كاللون فيعفى عن ذلك «لقوله ﷺ في دم الحيض: "حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء ولا يضرك أثره» .
قلت: ولم يبين أحد هذا الحديث ولا من خرجه ويحتج به تماماً. والحديث رواه أبو داود من «حديث أسماء بنت أبي بكر، قالت: سألت امرأة رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله ﷺ أرأيت إحدانا إذا أصاب ثوبها الدم من الحيضة كيف تصنع؟ قال: "إذا أصاب إحداكن الدم من الحيض فلتقرصه ثم لتنضحه بالماء ثم لتصل» " وليس فيه ولا يضرك أثره.
الموضوع الثالث: فيه إشارة إلى أن عين النجاسة إذا زالت بمرة واحدة لا يحتاج إلى غسل بعده، أشار إليه بقول م: (وهذا) ش: أي لفظ القدوري م: (يشير إلى أنه لا يشترط الغسل بعد زوال العين) ش: أي عين النجاسة م: (وإن زالت بالغسل مرة واحدة) ش: كلمة إن واصلة بما قبله، والمعطوف عليه في الحقيقة محذوف تقديره إن لم يزل وإن زالت م: (وفيه كلام) ش: أي اختلاف المشايخ.
وقال الهندواني والطحاوي: يغسل مرتين بعد زوال العين، وقال بعضهم: يطهر وإن كانت بمرة واحدة كذا في " المبسوط " وفي " الجامع الكردري ": يغسل ثلاثاً بعده، وكذا في فخر الإسلام: يغسل ثلاثاً بعد زوال العين، ذكره في " الجامع الكبير " م: (وما ليس بمرئي) ش: أي النجس الذي لا يرى بالعين م: (فطهارته أن يغسل حتى يغلب على ظن الغاسل أنه قد طهر) ش: لأن الظن أصل في الشرع.
فإن قلت: لو غسل الصبي أو المجنون طهر ولا ظن.
قلت: غسلهما مثل الماء الذي جرى على الثوب النجس وغلب على ظنهما زوال نجاسته بزوال استعماله ولا نجاسة هاهنا.
م: (لأن التكرار لا بد منه للاستخراج ولا يقطع بزواله) ش: يعني لا يعلم قطعاً ويقيناً بزوال ما ليس بمرئي م: (فاعتبر غالب الظن كما في أمر القبلة) ش: إذا اشتبهت م: (وإنما قدروا بالثلاث) ش:
стр. 636
لأن غالب الظن يحصل عندهم فأقيم السبب الظاهر مقامه تيسيرا، ويتأيد ذلك بحديث المستيقظ من منامه ثم لا بد من العصر في كل مرة في ظاهر الرواية لأنه هو المستخرج
ــ
[البناية]
يعني إنما قدر المشايخ المتقدمون بالثلاث م: (لأن غالب الظن يحصل عندهم) ش: أي عند الثلاث م: (فأقيم السبب الظاهر) ش: وهو الثلاث م: (مقامه) ش: بضم الميم، أي مقام غالب الظن م: (تيسيراً) ش: أي جرى التيسير لأجل التيسير وهو منصوب لأنه مفعول م: (ويتأيد ذلك) ش: أي يتأيد تقدير الثلاث م: (بحديث المستيقظ من منامه) ش: وهو قوله ﷺ «إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً» وقد مر هذا مع ما فيه من الأحكام والأبحاث في أول الكتاب، وقد شرط ثلاث في النجاسة الموهومة، ففي النجاسة المتحققة أولى.
م: (ثم لا بد من العصر في كل مرة) ش: لأن العصر له قوة الاستخراج م: (في ظاهر الرواية) ش: احترز به عما روي عن محمد في غير رواية الأصول أنه إذا غسل ثلاثاً وعصر في الثالثة يطهر.
ثم اعلم أن اشتراط العصر فيما ينعصر بالعصر، أما فيما لا ينعصر كالحنطة إذا تنجست بمائع والجرد والحديد والسكين المموه مما ينجس والحصير إذا تنجس فعند أبي يوسف يغسل ثلاثاً ويجفف في كل مرة فيطهر، وقال محمد: لا يطهر أبداً لأن النجاسة لا تزول إلا بالعصر، ولأبي يوسف أن التجفيف يقوم مقام العصر في الاستخراج إذ لا طريق سواه. م: (لأنه هو المستخرج) ش: أي لأن العصر هو الذي يستخرج النجاسة.
١ -
فروع: إذا انتضح من الغسالة المنفصلة من المرة الأولى وجب غسله ثلاثاً في ظاهر المذهب، وفي رواية الطحاوي ﵀: يغسل مرتين، وفي المرة الثانية يغسل مرتين بعصر، وفي الثالثة مرة، وعند الشافعي والحنابلة على اعتبار العدد، والنفع شرط عندهم في جميع النجاسات، ذكره ابن قدامة في " المغني " والنووي.
وفي " شرح المهذب ": اغتسل جنب في عشر آبار أفسدها ولا يجزئه غسله عند أبي يوسف، وعند محمد يخرج من الثانية طاهراَ سواء كان على بدنه نجاسة حقيقية، أو لم يكن، فإن كانت على بدنه منها شيء فالمياه الثلاثة نجسة وما بعدها مستعملة، وإن لم يكن فالمياه الثلاثة مستعملة، وكذا لو أدخل يده في عشر أواني فطهر عندهما ولا يطهر عند أبي يوسف، وفي عشر جرار خل يطهر عند أبي حنيفة ﵀ ولا يطهر عند محمد.
كذا في " المحيط " وقعت فأرة في خمر وماتت ثم صارت خلاً، قيل يباح أكله، وقيل: لا، وقيل: إن انتفخت لا يحل وإلا حل، هذا إذا أخرجت قبل أن يصير الخمر خلاً، ولو صارت خلاً والفأرة فيها لا تحل.
ولو وقع الكلب في العصير ثم تخمر ثم تخلل يجب أن يكون نجساً، ولو وقع خرء الفأرة
стр. 637
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
في قفيز حنطة وطحنت لم يجز أكلها، ويفسد الدهن عند الحسن بن زياد.
وقال محمد بن مقاتل الرازي: لا يفسد الدهن ولا الحنطة ما لم يتغير طعمه. وفي " المرغيناني ": يرمى خرء الفأرة من الخبز ويؤكل إذا كان صلباً. ولو وقع في الدهن أو الماء لا يفسده، وكذا في الحنطة إذا كان قليلاً، وفي " مسائل الشيخ الزاهد أبي حفص ": لا يفسد الخل ولا الزيت، وعن أبي إسحاق الضرير: لو كان لي لشربته.
وبول الهرة نجس إلا قولاً شاذاً، والدودة الساقطة من السبيلين نجسة، وذكر الفقيه أبو حفص في "غرائب الرواية ": أنها طاهرة، وإن سقطت من اللحم فهي طاهرة أيضاً.
وجرة البعير بكسر الجيم وتشديد الراء ما يخرج من جوفه من الاجترار نجسة، وبه قال الشافعي، والحمار لو شرب من العصير لا يجوز شربه، وقال محمد بن مقاتل: لا بأس بشربه، وقال أبو الليث: هذا خلاف قول أصحابنا، وبخار النجاسة إذا تجمد ثم سال نجس.
وقال في " المرغيناني ": لا ينجس في الصحيح. موضع الحجامة يمسح بثلاث خروق رطاب، ويجزئه عن الغسل ذكره أبو الليث وعن أبي يوسف: يشترط غسله. الحصير النجس إن كانت نجاسته يابسة دلكه، وإن كانت رطبة أجرى عليه الماء ثلاث مرات، وفي " الذخيرة ": يطهر عند أبي يوسف ﵀ خلافاً لمحمد.
والبساط يجعل في نهر جار ليلة ليطهر العذرة إذا صارت تراباً، قيل: تطهر كالحمار الميت إذا وقع في المملحة حتى صار ملحاً عند محمد. قال في الذخيرة: عندهما وعند قول أبي يوسف نجس، وكذا السرقين والعذرة إذا أحرقت بالنار وصارت رماداً فهي على هذا الخلاف.
وفي " الفتاوى ": رأس الشاة إذا أحرق حتى زال الدم تطهر، وكذا بلة التنور النجسة تزول بالإحراق، وعند الشافعي: الأعيان النجسة لا تطهر بالإحراق بالنار. وقال في الحضري منهم: رماد هذه الأشياء طاهرة، وفي دخان النجاسة وجهان مشهوران عندهم.
وفي " الذخيرة ": لا توقيت في إزالة النجاسة إذا أصابت الحجر أو الآجر أو الأواني بل يغسل حتى يغلب على ظن الغاسل طهارتها ولا يبقى لها رائحة ولا طعم ولا لون وسواء كانت الآنية من خذف أو غيره أو كانت قديمة أو حديثة، وعن محمد أن الخذف الجديد لا يطهر أبداً.
وفي " المرغيناني " حانة الخمر لو غسلت ثلاث مرات تطهر إذا لم تبق لها رائحة الخمر، وإن بقيت فلا. ولو صب الماء في الخمر ثم صارت خلاً تطهر في الصحيح.
الحنطة المتنجسة قبل أن تنتفخ تغسل ثلاثاً وتؤكل إذا لم يبق لها رائحة، ولا طعم.
وفي " شرح الطحاوي ": لا يحل وهو قول محمد ﵀، وإن طبخت بالخمر حتى
стр. 638
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
[ ... ] يطبخ بعده ثلاث مرات تنتفخ في كل مرة ويجفف بعد كل طبخة. وعند أبي حنيفة: إذا طبخت بالخمر لا تطهر أبداً لقول محمد. ولو وقعت الحنطة في الخمر ثم قلبت لا تطهر أبداً.
والدقيق إذا أصابته الخمر لا يؤكل وليس له حيلة.
وفي " الذخيرة ": صب خمر في قدر [به لحم] قبل الغليان يطهر اللحم بالغسل ثلاثاً وبعده لا يطهر، وقيل: يغلى ثلاث مرات كل مرة بماء طاهر، ويجفف في كل مرة ويجففه بالزبد. والخبز الذي عجن بالخمر لا يطهر بالغسل، ولو صب فيه الخل وذهب أثرها يطهر. ولو صبغ يده بحناء نجس أو شعره بأن خلط ببول أو خمر أو دم فغسله فزالت العين وبقي اللون فهو طاهر وهو الصحيح.
قال صاحب " الحاوي ": فإن قلنا: لا يطهر وكان عليها شعر كاللحية لا يلزمه حلقها بل يصلي، فإذا اتصل أعاد الصلاة وكذا على البدن، وإن كان مما لا يصل كالوسم فإن أمن التلف يلزمه قطعه، وإن جاوز وكان غيره أكرهه عليه تركه، وإن كان هو الذي فعل فوجهان، ولو غسل يده من دهن نجس طهرت ولا يضره أثر الدهن على الأصح.
ولو تنجس العسل يكفأ ويصب عليه الماء ويغلى حتى يعود إلى المقدار الأول، هكذا يفعل ثلاثاً، وعلى هذا الدبس [ ... ] إذا اتزر في الحمام وصب الماء على جسده ثم صب الماء على الإزار يحكم بطهارته.
امرأة سجرت التنور ثم مسحته بخرقة مبتلة نجسة ثم حرقت فيه، فإن أكلت حرارة النار البلة قبل إلصاق الخبز بالتنور لا ينجس الخبز.
المسك حلال على كل حال يؤكل في الطعام ويجعل في الأدوية وإن كان أصله دماً على ما قيل بعد. وأما الزناد إن كان لبن سنور، وفي " البحر ": طاهر عرق سنور بري كما قيل: فهو عرق غير مأكول اللحم.
الذي صلى ومعه جلد حية أكثر من قدر الدرهم لا تجوز صلاته وإن كانت مذبوحة، وأما قميص الحية ففيه اختلاف المشايخ، فقيل: إنه نجس، وقيل: إنه طاهر. وأشار شمس الأئمة إلى الصحيح أنه طاهر. الماء الذي يسيل من فم النائم طاهر في الأصح.
стр. 639
فصل في الاستنجاء
ــ
[البناية]
[فصل في الاستنجاء]
م: (فصل في الاستنجاء) ش: أي: هذا فصل في بيان الاستنجاء وأحكام الكلام، فيه أنواع:
الأول: أنه ذكر هذا الفصل في هذا الباب، لأن الاستنجاء إزالة النجاسة العينية، فذكره أشق، وأيضاً اتبع المصنف فيه القدوري وهو اتبع محمداً في أنه لم يورده عند ذكر سنن الوضوء.
وقيل فيه أوجه أخرى لا طائل تحتها.
الثاني: في معنى الاستنجاء وهو على وزن استفعال، تقول: استنجى يستنجي استنجاء، والسين فيه للطلب وهو على قسمين:
أحدهما: صريح نحو استكتبته، أي طلبت منه الكتابة.
والثاني: أن يكون تقديراً نحو استخرجت الوتد من الحائط، فليس هنا طلب صريح بل المعنى له أول المطلق، والحبلى حتى تخرج، ونزل ذلك منزلة الطلب.
فإن قلت: الاستنجاء من أيهما.
قلت: من الثاني، فإن المستنجي لم يزل يتلطف حتى يزول النجو عن موضعه، وهذا هو التحقيق هنا.
وأكثر الشراح قالوا: السين للطلب وسكتوا عليه، وليس ذلك يفيد المقصود على ما لا يخفى، والنجو ما يخرج من البطن، يقال: نجى وأنجى إذا أحدث، يقال: نجى الغائطة نفسه ينجو، وقال الأصمعي: استنجى أي مسح موضع النجو أو غسله ولهذه المادة معان، يقال: نجا من كذا ينجو نجاءً بالمد، ونجاة بالقصر ونجوت أيضاً نجاء ممدوداً أي أسرعت وانبعثت، واستنجى: أي أسرع، ونجوت فلاناً [.....] النحل إذا التقطت رطبها، عن الأصمعي، وقال أيضاً: نجوت غصون الشجرة إذا قطعتها، والنجاة بالقصر، والجمع نجا، والنجو السحاب [
..] والجمع نجا بكسر النون، والنجا المكان المرتفع لا يعلوه السيل [.....] ، قال: نجوته نجواً ساررته، وكذلك ناجيته، والنجوى اسم ومصدر. وفي المغرب: نجا وأنجى إذا أحدث وأصله من النجوة وهو المكان المرتفع لأنه يتستر بها وقت قضاء الحاجة، ثم قالوا: استنجى إذا مسح موضع النجو وهو ما يخرج من البطن أو غسله، وقيل: من نجى الجلد إذا مر، قلت: يمكن أن تراعى المعاني المشهورة في لفظ الاستنجاء في هذا الباب.
الثاني: أن معنى الاستنجاء والاستطابة والاستجمار كلها عبارة عن إزالة الجاري من السبيلين عن مخرجه، فالاستنجاء والاستطابة يكونان بالماء وغيره كالحجر ونحوه، والاستجمار يختص
стр. 640
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
بالأحجار مأخوذ من الجمار، وهي الحصى الصغار، والاستطابة أعم من الطيب لأنه يطيب نفسه بإزالة الخبث، قلت: فعلى هذا الاستطابة أعم وبقي الاستنجاء والاستنقاء والاستبراء والاستنزاه. فالاستنجاء قد ذكرناه.
والاستنقاء طلب النقاوة بالحجر والمدر أو نحوهما. وقال بعضهم: هو أن يدلك مقعدته حتى تذهب الرائحة الكريهة وذلك بيده اليسرى. وقال بعضهم: هو أن يدلك مقعدته حتى يتيقن أنها قربت للجفاف.
وقال بعضهم: هو أن ينشف بالمنشفة أو بالخرقة حتى لا يقطر منه شيء من الماء المستعمل على الثوب.
وأما الاستبراء فهو طلب البراءة وهو أن يركض برجله على الأرض حتى يزول عنه [.....] .
وأما الاستنزاه فهو طلب النزه بضم النون وسكون الزاء المعجمة وهو البعد عن البول.
النوع الثالث: في آداب الاستنجاء وقضاء الحاجة الإبعاد: روى مسلم من «حديث المغيرة، قال: انطلق رسول الله ﷺ حتى توارى عنا فقضى حاجته» . وروى أبو داود والترمذي «أنه ﷺ : كان إذا ذهب المذهب أبعد» روى محمد بن الحسن عن عيسى بن أبي عيسى الخياط عن الشعبي عن عمر سمع النبي ﷺ يقول: «اتقوا الملاعن الثلاث وأعدوا النبل» رواه أبو عبيد عن محمد بن الحسن، وقال: سمعته يقول: النبل: هي الحجارة للاستنجاء وهو بضم النون وفتح الباء الموحدة، قاله الأصمعي، وقال أبو عبيد: والمحدثون يقولون: النبل بالفتح سميت نبلاً لصغرها، وهذا من الأضداد، يقال للعظام نبل، وللصغار نبل، والكبير لقضاء الحاجة. وعن عبد الله بن جعفر قال: «كان أحب ما استنزه به رسول الله ﷺ لقضاء حاجته هدف أو حائش نخل» رواه مسلم.
وقال "الفارس": الهدف كل شيء عظيم، وقيل ما ارتفع من الأرض [.....] ، والحائش بالحاء المهملة والشين المعجمة جماعة النخل وإدامة الستر حتى يدنو من الأرض، وعن ابن عمر ﵁ «أنه ﷺ كان إذا أراد قضاء الحاجة لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض»
стр. 641
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
رواه أبو داود [ ... ] المكان للبول عن أبي موسى الأشعري واسمه عبد الله بن قيس مع رسول الله ﷺ ذات يوم فأراد أن يبول فأتى دمثا في أصل جدار فبال، ثم قال: «إذا أراد أحدكم أن يبول فليرتد لبوله» الدمث: بفتح الدال المهملة والميم، المكان اللين السهل، وكراهة البول في الهواء عن أبي هريرة ﵁ «أنه ﵇ كان يكره البول في الهواء» .
وفي مسند أبي يوسف النعر وهو ضعيف، وفي حديث الحضرمي وكان من أصحاب رسول الله ﷺ أنه ﷺ قال: «إذا بال أحدكم فلا يستقبل الريح ببوله فيرد عليه» ، ذكره في " الإمام ". والخاتم عليه اسم الله، عن أنس ﵁ «كان رسول الله ﷺ إذا دخل الخلاء وضع خاتمه» رواه أبو داود، وقال: منكر ورواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. وكراهة ذكر الله في الخلاء، روي عن ابن عباس هكذا، وهو قول عطاء ومجاهد والشعبي وعكرمة، وبه قال أصحابنا وهو الاحتياط بتركها لاسم الله تعالى واحتراما له.
وروي عن مالك والنخعي إباحته واتقاء الملاعن، روى أبو داود من حديث معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «اتقوا الملاعن الثلاث البراز في الموارد وقارعة الطريق والظل» ، والبراز بكسر الباء الموحدة الموحدة كناية عن الغائط.
وروى أبو داود أيضاً عن عبد الله بن سرجس: «أنه ﵇ نهى أن يبال في الجحر» "، قال قتادة: كان يقال: إنها مساكن الجن، وفي " المراسيل " عن مكحول «نهى رسول الله ﷺ أن يبال في أبواب المساجد» وعن أبي مجلز «أنه ﷺ أمر عمر أن ينهى عن أن يبال في قبلة المسجد» وعن أبي هريرة: «لا يبولن أحدكم في الماء الناقع» ، أخرجه ابن ماجه، الناقع بالنون والقاف الماء المجتمع، وعنه ﷺ : «أنه نهى عن البول في المغتسل» ، رواه أبو داود والنسائي والدارمي.
стр. 642
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
وعن عبد الله بن مغفل قال رسول الله ﷺ : «لا يبولن أحدكم في مستحمه ثم يغتسل فيه، فإن عامة الوسواس منه» أخرجه الأربعة، ويجتنب القعي في قضاء الحاجة، عن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : «من جلس على قبر يتغوط أو يبول [عليه] فكأنما جلس على جمرة» ، أخرجه أبو جعفر البغوي، ما جاء من الذكر عند دخول الخلاء فليقل: «إني أعوذ بك من الخبث والخبائث» ، أخرجه الجماعة.
والخبث بضمتين جمع خبيث والخبائث جمع خبيثة، فاستعاذ ﵇ من ذكران الجن وإناثهم، وقال الخطابي: وعامة المحدثين يقولون بسكون الباء وهو غلط والصواب الضم.
قلت: يجوز تسكينها تخفيفا، وذكر أبو عبيد بالسكون ومعناه الرد والكفر أو الشيطان. وعن علي ﵁ قال رسول الله: ﷺ «ستر ما بين أعين الجن وعورات بني آدم إذا دخل الكنيف أن يقول بسم الله» ، أخرجه ابن ماجه، الستر بكسر السين الحجاب: وعن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا خرج من الخلاء قال: "غفران» ، أخرجه الأربعة.
وروى البيهقي من جهة ابن خزيمة زيادة: " غفرانك ربنا وإليك المصير "، وقال الخطابي: قيل في سبب غفرانك في هذا الموضوع قولان: أحدهما: أنه استغفر من تركه ذكر الله
стр. 643
والاستنجاء سنة، لأن النبي ﵇ واظب عليه
ــ
[البناية]
حال لبثه على الخلاء.
فإن قيل: فتركه مأمور به فكيف يسأل المغفرة قيل: المخرج إلى الخلاء من قبل نفسه، الثاني: استغفر خوفا من تقصيره في شكر نعمة الله تعالى من خلاصه من الأذى وغفرانك مصدر منصوب بتقدير: أسألك أو اغفر بغفرانك، وعن أميمة بنت رقيقة قالت: «كان له ﵇ قدح من عيدان تحت سريره يبول فيه بالليل» رواه أبو داود والنسائي والبيهقي، والعيدان بفتح العين المهملة، وواحدة عيدانة وهي النخل الطوال المتجردة.
[حكم الاستنجاء]
م: (والاستنجاء سنة) ش: وبه قال مالك وابن سيرين وسعيد بن جبير والمزني، وقال الشافعي: واجب من البول والغائط وكل خارج ملوث من السبيلين وهو شرط في حصة الصلاة وبه قال أحمد والحسن وداود وأبو ثور، والخلاف مبني على عفو القليل من النجاسة وعدم عفوه، وقد تقدم م: (لأن النبي ﷺ واظب عليه) ش: أي على الاستنجاء، والدليل على مواظبته ﵇ أحاديث كثيرة.
منها ما رواه ابن ماجه في "سننه " من حديث عائشة ﵂ قالت: «ما رأيت رسول الله ﷺ خرج من غائط قط إلا مس ماء» ".
ومنها ما أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة ﵁ قال: «كان النبي ﷺ إذا أتى الخلاء أتيته بماء في تور أو ركوة فاستنجى ثم مسح يده على الأرض ثم أتيته بإناء آخر فتوضأ» .
ومنها ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث أنس ﵁ «كان رسول الله ﷺ يدخل الخلاء فأحمل أن وغلام نحوي إدواة من ماء وعنزة فيستنجي بالماء» .
فإن قلت: مواظبة النبي ﷺ على فعل يدل على وجوبه فكيف قال المصنف: الاستنجاء سنة؟، لأن النبي ﷺ واظب عليه فكان ينبغي أن يكون واجبا.
قلت: عادة المصنف على هذا الاصطلاح أنه يجعل مواظبته ﵇ دليلاً على السنة، لكن مراده السنة المؤكدة وهي في قوة الواجب، ولكنه ليس بواجب مطلقا بل تارة يكون واجبا وتارة يكون فرضاً وتارة يكون سنة وتارة يكون مستحبا وتارة يكون بدعة، وأما الواجب فهو ما
стр. 644
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
إذا كانت النجاسة مقدار الدرهم.
وأما الفرض فهي ما إذا كانت النجاسة أكثر من قدر الدرهم، وأما السنة فهي ما إذا كانت النجاسة أقل من قدر الدرهم فالاستنجاء حينئذ سنة، وأما المستحب فهو ما إذا بال ولم يتغوط فإنه يغسل قبله دون دبره، وأما البدعة فهي ما إذا خرج من غير السبيلين شيء أو خرج ريح من دبره أو دودة فالاستنجاء فيه بدعة.
ثم إن المصنف أطلق كلامه ولم يبين أي نوع من الاستنجاء سنة، وكذلك لم يبين أنه بالماء أو بالحجر ونحوه. وفي " مبسوط شيخ الإسلام ": الاستنجاء نوعان نوع بالحجر والمدر، ونوع بالماء والاستنجاء بالحجر أو ما يقوم مقامه كالأعيان الطاهرة والعود والخرقة سنة، لأنه ﵇ فعله على سبيل المواظبة وكذلك الصحابة ﵃ اتباع الماء أدب لأنه ﵇ كان يستنجي بالماء مرة وتركه أخرى وهو حد الأدب، وهكذا روي عن بعض الصحابة قال مشايخنا: إنما كان ذلك أدبا في الزمان الأول. وأما في زماننا سنة حتى قيل للحسن البصري: ﵀ كيف يكون سنة وقد فعله ﵇ مرة وتركه أخرى، وكذا الصحابة كعمر وابن مسعود ﵄ فقال: إنهم كانوا يبعرون بعراً وأنتم تثلطون، ولا خلاف في الأفضلية. قلت: فعلى هذا قول المصنف الاستنجاء سنة محمول على الاستنجاء بالحجر ونحوه، ومع هذا تجاوزت النجاسة المخرج أكثر من قدر الدرهم لا يجوز إلا بالماء كما يصرح به عن قريب. قال الأكمل في هذا الموضع: وهو سنة لأن النبي ﷺ واظب عليه، والمواظبة على ذلك والترك دليل السنة.
قلت: من ذكر من الصحابة والتابعين أنه ﵇ ترك الاستنجاء في الجملة حتى قيد بهذا القيد، ولم ينقل الترك عنه ﵇، وفي " الكافي ": أجاب عن هذا السؤال، وقال: والدليل أن المراد عدم الوجوب؛ لأن قدر الدرهم معفو يعلم أن الاستنجاء ليس بواجب.
وقال صاحب " الدراية " وفيه تأمل، فإن عند الخصم قدر الدرهم غير معفو، بل نقول: نفس المواظبة دليل السنة، وعدم الترك لم يثبت فلا يدل على الوجوب، وعدم فعل الترك لا يدل على عدمه.
قلت: الإشكال يأتي لأن المواظبة مع عدم الترك تدل على الوجوب، وقوله نفس المواظبة دليل السنة وعدم الترك لم يثبت فيه نظر، لأن نفس المواظبة قليل الوجوب، وإن لم يثبت عدم الترك لم يثبت الترك أيضاً، وذكر المواظبة من غير قيد يفهم منه الوجوب وإن كان نفس الأمر يحتمل الترك وعدمه، والاحتمال الثاني عند غيره دليل لا يعتبر ولا يترك دلالة صريح اللفظ بأمر
стр. 645
ويجوز فيه الحجر وما قام مقامه يمسحه حتى ينقيه لأن المقصود هو الإنقاء فيعتبر ما هو المقصود
ــ
[البناية]
موهوم فافهم.
[ما يجوز به الاستنجاء به وما لا يجوز]
م: (ويجوز فيه الحجر) ش: أي يجوز في الاستنجاء استعمال الحجر م: (وما قام مقامه) ش: أي ويجوز أيضاً بما قام مقام الحجر كالمدر والتراب والعود والخرقة والقطن والجلد ونحو ذلك.
وفي " المفيد ": وكل شيء طاهر غير مطعوم يعمل عمل الحجر عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ «إذا قضى أحدكم حاجته فليستنج بثلاثة أحجار أو ثلاثة أعواد أو ثلاثة حثيات من الترب» ، رواه الدارقطني وبه قال مالك والشافعي، وقال أهل الظاهر: لا يجوز بغير الأحجار وضبط في " تهذيب الشافعية " بكل جامد طاهر مزيل للعين ليس له جرم ولا جزء من حيوان، قالوا: وسواء في ذلك الأحجار والأخشاب والخرق والخذف والآجر ليس من سرقين وما أشبه ذلك، ولا يشترط اتحاد جنسيته بل يجوز في الغسل جنس آخر، ويجوز أن يكون الثلاثة حجر أو خشبة أو خرقة نص عليه الشافعي.
م: (يمسحه حتى ينقيه) ش: أي يمسح الموضع إلى أن ينقيه وهو بضم الياء من الإنقاء وهو التنظيف، وأصله من نقي الشيء بالكسر ينقى بالفتح نقاوة بفتح النون فهو نقي أي نظيف، والنقاء ممدود: النظافة، والنقاء مقصور: الكثيب من الرمل، ونقاوة الشيء بضم النون: خياره، كذلك النقاية.
فإن قلت: يمسحه فيه ضميران، أحدهما: ضمير مرفوع مستتر والآخر منصوب ظاهر، وليس لهما موجع وهو إضمار قبل الذكر، وهو لا يجوز.
قلت: يجوز إذا قامت لعدم الالتباس، وهاهنا فصل الاستنجاء وهو مستلزم المستنجي، وموضع الاستنجاء، وليس لهذه الجملة محل من الإعراب لأنها ابتدائية.
م: (لأن المقصود) ش: من الاستنجاء م: (هو الإنقاء) ش: أي التنظيف م: (فيعتبر ما هو المقصود) ش: فلا حاجة إلى غير المقصود، وكيفية الاستنجاء: أن يجلس معتمداً على يساره، منحرفاً عن القبلة، والريح والشمس والقمر، ومعه ثلاثة أحجار، يدبر بأحدهما ويقبل الثاني ويدبر بالثالث وقال الفقيه أبو جعفر: هذا في الصيف وفي الشتاء يقبل بالأول ويدبر بالثاني، ويقبل بالثالث؛ لأن خصيتيه في الصيف مدلتان دون الشتاء، والمرأة تفعل في الأوقات كلها كما يفعل الرجل في الشتاء، وفي " المجتبى ": المقصود هو الإنقاء، فيختار ما هو أبلغ فيه والأسلم من زيادة التلوث، وفي " الدراية ": ولنا كيفية الاستنجاء هو أن يأخذ الذكر بشماله ويمره على حجر أو مدر، يأتي
стр. 646
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
من الأرض ولا يأخذ الحجر بيمينه ولا الذكر به لأنه ﵇ «نهى عن الاستنجاء باليمنى ومسح الذكر به» .
وأما صفته بالماء فهو أن يستنجي بيده اليسرى بعدما ترخى موضع الاستنجاء مع الإدخال حتى يتم التنظيف إذا لم يكن صائما ويستنجى بأصبع أو أصبعين أو بثلاثة أصابع عرضاً ببطونها لا برؤوسها احترازاً عن الاستمتاع بها، ويصعد أصبعه الوسطى على سائر أصابعه صعوداً قليلا في ابتداء الاستنجاء ويغسل موضعه ثم يصعد بنصره ويغسل موضعه ثم يصعد خنصره ثم سبابته ويغسل حتى يطمئن قلبه أنه قد طهر، وعن محمد: من لم يدخل أصبعه في دبره لا تطفأ. قال " الأسبيجابي ": هذا غير معروف، وقيل ذلك يورث الباسور وينقض صومه، لأن أصبعه لا يخلو عن بلة ويبدأ فيه بالغسل حتى لا تتلوث يده، فإن كان لا ينبغي أن يقوم من موضع الاستنجاء حتى ينشف الموضع بخرقة كيلا يصل الماء باطنه فيفسد صومه.
والمرأة كالرجل إلا أنها تقعد بين رجليها وتغسل ما ظهر منها ولا تدخل الأصابع في فرجها. وقيل: تستنجي برؤوس أصابعها؛ لأنها تحتاج في تطهير فرجها الخارج، وقيل: يكفيها مزاجها. وقيل تعرض أصابعها، والعذر ألا تستنجي بإصبعها خوفا لزوال عذرتها. وفي " النظم ": المرأة تصعد ينصرها ووسطاها أولاً معا دون الواحد كيلا يقع في قبلها فتنزل فيجب الغسل، وفي "الجامع الأصغر": لها أن تغسل ما يقع من فرجها على راحتها، قاله أبو مطيع، وقد تدير أصبعها في فرجها.
قال محمد بن سلمة: قول أبي مطيع أحب إلي، ولو جرى بالاستنجاء على الخف يحكم بطهارته، وكذا لو دخل من جانب وخرج من جانب آخر وفي موضع احتاج إلى كشف العورة ليستنجي بالحجر لا بالماء، ولو كشف العورة للاستنجاء صار فاسقاً، وكشفه عند الشافعي وجهان، قال علي بن أبي هريرة: يضع حجراً على مقدم الصفحة اليمنى ويمره إلى مؤخرها ثم يدبرها إلى مؤخرها ويمره عليها إلى الموضع الذي بدأ ويأخذ الثاني فيمره مرة من مقدم صفحته اليسرى ويمره إلى مؤخرها ويدبرها إلى على ما ذكرناه، ويأخذ الثالث فيمره على الصفحتين ويمس به.
وقال عبد الحق: يأخذ حجرين للصفحتين وحجراً للمس والأول أصح، وينبغي أن يضع الحجر على موضع طاهر بالقرب من النجاسة، وإن كان يستنجي من البول أمسك ذكره باليسار ومسحه على الحجر والثيب والبكر سواء، والصحيح والواجب أن تغسل ما ظهر من فرجها عند جلوسها وذلك دون البكر كذا في " الحلية ". والاستنجاء على شط النهر يجوز عند مشايخ بخارى خلافا لمشايخ العراق، ولو أخرج دبره وهو صائم فغسله لا يقوم من مقامه حتى ينشفه بخرقة قبل
стр. 647
وليس فيه عدد مسنون. وقال الشافعي ﵀: لا بد من الثلاث لقوله ﵇: «وليستنج أحدكم بثلاثة أحجار»
ــ
[البناية]
رده، وهو جائز في الدم والماء وغير ذلك إذا خرج من السبيلين، وفي " جوامع الفقه ": إن خرج من فرجه قيح أو دم يجب غسله، وقيل: يجوز الحجر في الكل، وفي " العتبية ": إذا أصاب موضع الاستنجاء نجاسة من الخارج أكثر من قدر الدرهم يطهر بالحجر، وقيل: الصحيح أن لا يطهر إلا بالغسل والاستنجاء من الريح والنوم بالإجماع.
م: (وليس فيه) ش: أي في الاستنجاء بالحجر ونحوه م: (عدد مسنون) ش: أي عدد فيه سنة، لأن النجاسة مرئية فكان المقصود زوال عينها أو حقيقتها فلا يعتبر بالعدد في ذلك، والحاصل أن عندنا المقصود هو التنقية دون العدد، حتى إذا حصلت التنقية بالمرة الواحدة لا يحتاج إلى الثانية، وإذا لم تحصل التنقية بثلاث مرات يزاد على الثلاث.
م: (وقال الشافعي: لا بد من الثلاثة) ش: أي من ثلاثة أحجار م: (لقوله ﷺ «وليستنج أحدكم بثلاثة أحجار» ش: هذا الحديث رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه وأحمد في "مسنده " كلهم بلفظ: «وكان يأمر بثلاثة أحجار» وتمام الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إنما أن لكم بمنزلة الوالد أعلمكم، فإذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها بغائط ولا بول، وليستنج بثلاثة أحجار "، ونهى عن الروث والرمة وأن يستنجي الرجل بيمينه» وأخرجه البيهقي أيضاً في "سننه " بلفظ الكتاب. وروى الدارقطني أيضاً بلفظ الكتاب من حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قضى أحدكم حاجته فليستنج بثلاثة أحجار أو ثلاثة أعواد أو ثلاث حثيات من تراب» ، قال زمعة بن صالح وهو أحد رواته: فحدثت به ابن طاوس فقال: أخبرني أبي عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : - بهذا سواء. قال الدارقطني: لم يسنده عن غير المضري وهو كذاب، والمضري أحد رواته وهو أحمد بن الحسن وغيره يرويه عن طاوس مرسلاً ليس فيه ابن عباس ﵄. وقد رواه ابن عيينة عن سلمة عن طاوس قوله.
وحديث آخر في هذا الباب رواه ابن عدي في " الكامل " عن حماد بن الجعد حدثنا قتادة حدثني خلاد الجهني عن أبيه السائب أن النبي ﷺ قال: «إذا دخل أحدكم الخلاء فليستنج بثلاثة أحجار» ، وضعف حماد بن الجعد عن ابن معين. والنسائي من حديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار فليستطب بها
стр. 648
ولنا قوله ﵇: «من استجمر فليوتر فمن فعل فحسن ومن لا فلا حرج»
ــ
[البناية]
فإنها تجزئ عنه» وقال: إسناده صحيح. وآخر رواه الطبراني في "معجمه " من حديث أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا تغوط أحدكم فليتمسح بثلاثة أحجار فإن ذلك كافيه» ". م: (ولنا قوله ﷺ : «من استجمر فليوتر، فمن فعل فحسن ومن لا فلا حرج» ش: الحديث رواه أبو داود وابن ماجه من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج» ، وأخرجه أحمد في "مسنده " والبيهقي في "سننه " وابن حبان في "صحيحه " والحديث في " الصحيحين " دون هذه الزيادة عن أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «من استجمر فليوتر» ، وفي لفظ لمسلم: «فليستجمر وترا» ".
قوله: - ومن لا فلا حرج - أي فلا إثم عليه، ولفظ الحديث - فقد أحسن - ولفظ الكتاب - فحسن - والمعنى صحيح قريب.
فإن قلت: قال البيهقي: بعد أن روى هذا الحديث: إن صح، فإنما أراد وترا بعد الثلاث، ثم استدل على هذا التأويل بحديث أخرجه عن أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «إذا استجمر أحدكم فليوتر، فإن الله وتر يحب الوتر، أما ترى السموات سبعاً والأراضين سبعاً والطواف؟!!» وذكر أشياء.
قلت: هذا مكابرة، فكيف يقول إن صح وقد رواه ابن حبان وصححه؟ وتأويله بوتر يكون بعد الثلاث غير صحيح لأن دعوى من غير دليل، ولو صح ذلك يلزم منه أن يكون الوتر بعد الثلاث مستحباً؛ لأمره ﵇ به على مقتضى هذا التأويل، وعندهم لو حصل النقاء بالثلاث فالزيادة عليها ليست بمستحبة بل هي بدعة، وإن لم يحصل النقاء بالثلاث فالزيادة عليها واجبة لا يجوز تركها. ثم حديث: «أما ترى السموات سبعاً» على تقدير صحته لا يدل على أن المراد بالوتر ما يكون بعد الثلاث؛ لأنه ذكر فردا من أفراد الوتر، إذا لو أريد بذلك السبع بخصوصها للزم بذلك وجوب الاستنجاء بالسبع؛ لأنها المأمور به في ذلك الحديث.
فإن قلت: قال الخطابي: وفيه وجه آخر وهو رفع الحرج بالزيادة على الثلاث، وذلك أن مجاوزة الثلاث في الماء عدوان وترك للسنة، والزيادة في الأحجار ليست بعدوان وإن صارت شفعا.
стр. 649
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
قلت: هذا الوجه لا يفهم من هذا الكلام على ما لا يخفى على الفطن، وأيضاً مجاوزة الثلاث في الماء كيف يكون عدوانا إذا لم تحصل الطهارة بالثلاث والزيادة بالأحجار وإن كانت شفعا كيف لا يصير عدوانا وقد نص عليه الأنباري فافهم.
قلت: نحن نستدل بحديث أخرجه البخاري في "صحيحه ": حدثنا أبو نعيم حدثنا زهير عن أبي إسحاق قال: ليس أبو عبيدة ذكره، ولكن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه أنه سمع عبد الله يقول: «أتى النبي ﷺ الغائط فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين والتمست الثالث فلم أجد، فأخذت روثة فأتيته بها فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال: "هذا ركس» ". وجه الاستدلال به ظاهر لأنه أنقى بالحجرين ولم يبتغ ثالثاً.
وقال الطحاوي: حديث عبد الله دليل على أن الثلاثة ليست بشرط، بيانه أنه ﷺ قعد للغائط في مكان لم يكن فيه حجارة لقوله لعبد الله: "ناولني ثلاث"، ولو كان بحضرة حجارة لما احتاج أن يناوله غيره من غير ذلك المكان، ولما اقتصر على الحجرين دل ذلك على أن الاستنجاء يجزئ بهما ما يجزئ منه الثلاثة إذ لو لم تجزئ الثلاثة لما اكتفى بالحجرين ولأمر عبد الله أن يأتيه بالثلاث، وقال ابن القصار: وقد روي في بعض الآثار التي لا تصح: أنه أتى بحجر ثالث.
قال: ولو صح ذلك فالاستدلال لنا به صحيح لأنه ﷺ اقتصر للموضعين على حجرين أو ثلاثة يحصل لكل واحد منهما أقل من ثلاثة أحجار ضرورة ولا يقتصر على الاستنجاء لأحد الموضعين ويترك الآخر، ولعل ذكر الثلاثة خرج مخرج الغالب في الاكتفاء بحصول الإنقاء بها لا مخرج الشرط أو تحمل الثلاث على الاستحباب، ولأن الثلاثة متروكة عندهم حتى إنه بالحجر الواحد إذا كان له ثلاثة أحرف فيقوم مقام الثلاث فكذا يقوم الحجر أو الحجران إذا حصل الإنقاء مقام الثلاثة لحصول المقصود من الإنقاء فلا معنى للمحمول على لفظة الثلاثة مع حصول المقصود المفهوم من الشرع. وعن محمد لا يجزئه حجر له ثلاثة أحرف.
فإن قلت: يحمل الوتر المطلق، على المقيد وهو الثلاثة.
قلت: هذا النوع على أصلنا، ولئن سلمنا فقد يقع الحرج على تاركه فانتفى وجوب الاستنجاء بثلاثة أحجار، وبين أن المراد بالأمر الاستحباب والندب
فإن قلت: قد فهمنا أن النهي لمعنى الكراهة وتركها لا يمنع الجواز.
قلت: ونحن فهمنا أيضا أن المقصود من الأمر بالتثليث تحصيل إزالة النجاسة وجعلها وتحقيقها، فإذا حصل ذلك كفى.
стр. 650
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
فإن قلت: يحمل قوله - ومن لا فلا حرج - على ترك الوتر بعد الثلاث.
قلت: هذا فاسد لأنه إن حصل النقاء بالثلاث، فإن زاد على الثلاث لا تكون مستحبة عندكم، وإن لم يحصل بالثلاثة فالزيادة واجبة عندكم كما قررناه عن قريب.
فإن قلت: قال ابن المنذر: قد ثبت أنه قال لا يكفي أحدكم دون ثلاثة أحجار.
قلت: لا نسلم ذلك، ولئن سلمناه فمعناه لا يكفي لإقامة الأمر المستحب، وأيضاً قد تركوه في الحجر له ثلاثة أحرف، وأيضاً فإنه ﷺ قد اكتفى بحجرين ولم يطلب الثالث، ولأنه إذا زالت بالأول لا يكون الثاني والثالث استنجاء، لأنه أزاله، ولم يزله.
فإن قلت: الثلاثة يعد كالإقرار في العدة، لأن فراغ الرحم يحصل بالواحد.
قلت: نحوه يفسد ما في باب العدة بالصغير والآيسة وعدة الوفاة قبل الدخول بخلاف ما نحن فيه، فإنه لا يجب بخروج الصوت والريح والدودة والحصاة. وجواب آخر أن العدة على خلاف القياس.
فإن قلت: الآخر لا يستعمل إلا في الواجب.
قتل: باطل بدليل ما أخرجه البخاري عن أبي بردة في الأضحية، «قال: عندي جذعة قال: "اذبحها ولن تجزئ عن أحد بعدك» "، والأضحية غير واجبة عندكم بل هي سنة.
فإن قلت: حديث البخاري الذي استدل به فيه ثلاثة أشياء.
الأول: أن فيه الانقطاع بين أبي إسحاق وعبد الرحمن بن الأسود.
الثاني: فيه التدليس من أبي إسحاق ذكره البيهقي [في] الخلافات عن ابن الشاذكوني قال: ما سمعت بتدليس قط أعجب من هذا ولا أخفى، قال أبو عبيدة: لم يحدثني ولكن عبد الرحمن عن فلان [عن فلان] ولم يقل: حدثني، فجاز الحديث وسار الاعتراض.
الثالث: الاختلاف في إسناده، قال ابن أبي حاتم: سمعت أبا زرعة يقول في حديث إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله «أن النبي ﷺ استنجى بحجرين وألقى الروثة» فقال أبو زرعة: اختلفوا في إسناده، فمنهم من يقول: عن أبي إسحاق عن أبي الأسود عن عبد الله، ومنهم من يقول: عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله. ومنهم من يقول: عن أبي إسحاق عن علقمة عن عبد الله، والصحيح عندي حديث أبي عبيدة وكذلك روى إسرئيل عن أبي عبيدة، وإسرائيل أحفظهم [....] .
стр. 651
وما رواه متروك الظاهر، فإنه لو استنجى بحجر له ثلاثة أحرف جاز بالإجماع وغسله بالماء أفضل
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة: ١٠٨] (التوبة: الآية ١٠٨) ،
ــ
[البناية]
[و] روى الدارقطني ثم البيهقي من طريق عبد الرزاق عن معمر عن أبي إسحاق عن علقمة ابن قيس عن ابن مسعود «أن رسول الله ﷺ ذهب في حاجته فأمر ابن مسعود أن يأتيه بثلاثة أحجار، فأتاه بحجرين وروثة فألقي الروثة وقال: "إنها ركس ائتني بحجر» .
الجواب عن الأول والثاني: أن البخاري لما خرج هذا الحديث قال: وقال إبراهيم بن يوسف عن أبيه عن أبي إسحاق: حدثني عبد الرحمن هذا، فزال الانقطاع والتدليس أيضاً، ودليل آخر على رفع التدليس ما ذكره الإسماعيلي في "صحيحه " المستخرج على البخاري بعد رواية الحديث من جهة يحيى بن سعيد عن زهير بن معاوية عن أبي إسحاق عن عبد الله بن يحيى بن سعيد لا يرضى أن يأخذ عن زهير عن أبي إسحاق ما ليس بسماع لأبي إسحاق.
والجواب الثالث: إن البخاري لم ير ذلك متعارضا وجعلهما إسنادين أو أسانيد، ورجح رواية زهير لكونه أحفظ وأتقن من إسرائيل.
والجواب عن الرابع: أن الحديث في البخاري وليس فيه الزيادة المذكورة، والإيتار يقع على الواحد يعني لما قال رسول الله ﷺ «من استجمر فليوتر» ، أمر بالإيتار، والإيتار قد يقع على الواحد ولا يلزم أن يكون ثلاثاً أو خمساً؛ وأصل الإيتار أوتار، قلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها. م: (وما رواه) ش: أي ما رواه الشافعي من قوله ﷺ : «وليستنج بثلاثة أحجار» م: (متروك الظاهر فإنه لو استنجى بحجر له ثلاثة أحرف) ش: والأحرف جمع حرف، وحرف كل شيء طرفه وشفره وحده م: (جاز بالإجماع) ش: فلا يصح استدلاله به على الخصم أو يقول ما رواه يحتمل الاستحباب، وما رويناه محكم فيحمل المجمل على المحكم توفيقا بين الحديثين م: (وغسله) ش: أي غسل موضع الاستنجاء م: (بالماء أفضل) ش: من الاستنجاء بالحجر.
[ما يكون به الاستنجاء]
واختلف السلف في الاستنجاء، أما المهاجرون فكانوا يستنجون بالأحجار، وأنكر الاستنجاء بالماء سعد بن أبي وقاص وحذيفة وابن الزبير وابن المسيب قالوا: إنما ذلك وصف للنساء، وكان الغسل لا يتغسل بالماء. وقال عطاء: وكان الأنصار يستنجون بالماء، وكان ابن عمير بعد أن لم يكن يراه، وقال: جربناه ووجدناه دواء وطهوراً، وبه قال رافع بن خديج وعن أنس كان يستنجي بالحرض.
م: (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة: ١٠٨] (التوبة: الآية ١٠٨) ش: وأنزلت في أقوام كانوا يتبعون الحجارة بالماء) أراد بالأقوام: أهل قباء، «وقال الشعبي: لما نزلت هذه الآية، قال ﷺ : "يا أهل قباء ما هذا الشأن الذي أثني عليكم» ، قالوا: ما من أحد منا إلا وهو يستنجي
стр. 652
وأنزلت في أقوام كانوا يتبعون الحجارة بالماء، ثم هو أدب وقيل هو سنة في زماننا. ويستعمل الماء إلى أن يقع في غالب ظنه أنه قد طهر ولا يقدر بالمرات إلا إذا كان موسوسا
ــ
[البناية]
بالماء، وفي رواية قال: «يا معشر الأنصار إن الله قد أثنى عليكم فما الذي تصنعون عند الوضوء أو عند الغائط"، قالوا: يا رسول الله ﷺ نتبع الغائط بالأحجار الثلاثة ثم نتبع الأحجار الماء، فتلى النبي ﷺ : ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة: ١٠٨] » ، واحتج الطحاوي الاستنجاء بالماء بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] (البقرة: الآية ٢٢٢) ، يعني المتطهرين بالماء، قال بهذا عطاء ومثله عن علي ﵁ وأبى الجواز.
م: (ثم هو أدب) ش: أي الغسل بالماء بعد استعمال الحجر أو المدر أدب لما روي «عن عائشة ﵂ "أنه ﷺ كان يغسل مقعدته ثلاثاً» ، رواه ابن ماجه، «وعن عائشة قالت: "مروا أزواجكن أن يغسلوا أثر الغائط والبول بالماء، فإن رسول الله ﷺ كان يفعله وأن أستحييهم» ، رواه أحمد والترمذي وصححه، وعن علي ﵁ " [إن من كان قبلكم] كانوا يبعرون بعرا وأنتم تثلطون ثلطا فأتبعوا الحجارة الماء "، رواه أبو بكر بن أبي شيبة. وفي " المحيط ": ليس فيه عدد لازم بالماء، وكان أدبا في عصره ﷺ ثم صار سنة أشار إليه بقوله (وقيل هو سنة في زماننا) ش: رواية عن علي ﵁ المذكورة آنفا في " الحلية ": الأفضل الجمع بينهما، فإذا اقتصر على أحدهما فالماء أولى، وإن اقتصر على الحجر جاز. وفي " شرح الوجيز ": لو كان الخارج من السبيلين نادراً كالدم والقيح ففيه قولان:
أحدهما أنه يتعين إزالته بالماء لأن الاقتصار على الحجر تخفيف على خلاف القياس فيقتصر على ما تعم به البلوى، فلا يلحق به غيره.
الثاني أنه يجوز الاقتصار على الحجر وهو الأصح نظرا إلى المخرج. وفي " المبسوط ": استنجى من الغائط والبول والمذي والودي والمني والدم الخارج من السبيلين دون سائر الأحداث، وفي " الدراية ": كون الغسل أفضل إذا أنقاه بالأحجار، لأن النص ورد على هذا الوجه.
م: (ويستعمل الماء إلى أن يقع في غالب ظنه أنه قد طهر) ش: أي يستعمل المستنجي الماء إلى وقوع غلبة ظنه أن الموضع قد طهر، وأشار بهذا إلى أن العدد فيه ليس بشرط، ونبه عليه أيضاً بقوله: م: (ولا يقدر بالمرات) ش: أي ولا يقدر استعمال الماء بالعدد، بل الاعتبار غلبة الظن م: (إلا إذ كان) ش: أي المستنجي م: (موسوسا) ش: بكسر السين على صيغة الفاعل لأنه هو الذي يلقي الوسوسة في خلده، والوسوسة حديث النفس. وقال الأترازي: ولا يقال بالفتح. قلت: لا مانع من ذلك، لأن صاحب " الكافي " قال: الوسوسة [ ... ] الذي يرى في المرأة كإيقاع الشيطان شيئاً في قلب المؤمن فهي وسوسة فتأمل، وتجد للفتح باباً، والشيطان الذي يوسوس في هذا
стр. 653
فيقدر بالثلاث في حقه وقيل بالسبع،
ولو جاوزت النجاسة مخرجها لم يجز إلا الماء
ــ
[البناية]
الحالة يسمى ولهان م: (فيقدر بالثلاث في حقه) ش: أي في حق الموسوس وذلك كما في غير الرؤية.
م: (وقيل بالسبع) ش: وقيل يقدر في حقه سبع مرات اعتباراً بالحديث الذي ورد في ولوغ الكلب، كذا قاله الأترازي والأكمل أيضاً. قلت: أصحابنا ما اعتبروا السبع هناك فكيف يعتبرونه هاهنا، وقيل: بالتسع وقيل: بالعشر، وقيل: يقدر في القبل بالثلاث وفي المقعدة بالخمس. وروى صالح بن أحمد عن أبيه أنه قال: أقل ما يقدر من الماء في الاستنجاء سبع مرات، وفي " المجتبى " يفوض ذلك إلى رأي المبتلى به.
م: (ولو جاوزت النجاسة مخرجها لم يجز إلا الماء) ش: هذا قول محمد ﵀ في اشتراط الماء لإزالة النجاسة. وفي " المحيط ": إنما يجب غسلها عند محمد، ولأنه يزيد على قدر الدرهم. وفي " الذخيرة ": وما جاوز موضع الفرج وزاد على قدر الدرهم فإنه يغسل إجماعاً ولا تكفيه الأحجار، وكذا لو زاد على قدر الدرهم من البول في طرف الإحليل، وإن كانت الزيادة على قدر الدرهم على موضع الفرج يجوز فيه الحجر عندهما، وعند محمد لا يجوز إلا الماء، وكذا روي عن أبي يوسف أيضاً، وإن كانت النجاسة في موضع الاستنجاء أكثر من قدر الدرهم فإنقاؤها بالأحجار ولم يغسلها بالماء، قال الفقيه أبو بكر: لا يجوز به، وعن أبي شجاع: يجزئه، وهكذا في النجاسة فصلاته فاسدة، فكذا إذا كانت تحت إحدى قدميه وهو الأصح، وقيل: ينجسه، وإذا كان في موضع السجود دون القدم ففي رواية عن محمد عن أبي حنيفة ﵀ أنه لا يجوز، وهو الأصح، وهو قولهما. وفي رواية أبي يوسف وأبي حنيفة أنه لا يجوز، وإن كان موضع يديه أو ركبتيه يجزئه عندنا خلافاً للشافعي ﵁ وزفر.
ولو صلى على مكان طاهر وسجد عليه لكن إذا سجد وقعت ثيابه على الأرض النجسة جازت صلاته، ولو افتتحها على مكان طاهر ثم تحول إلى مكان نجس ثم تحول منه إلى مكان طاهر جازت صلاته إلا أن يمكث.
ولو صلى على بساط وعلى طرف منه نجاسة قد يجوز في الكبير دون الصغير، وحده إذا رفع أحد طرفيه [لم يتحرك الآخر] إلا إذا كان أحد وجهيها نجسا فقام بالماء "ثم نضحه". وفي وراية له: «فإن رأت فيه دما فلتقرصه بشيء من ماء ولتنضح ما لم تر، وتصلي فيه» ، ورواه ابن أبي شيبة في "مصنفه " وفيه قال: «اقرصيه بالماء واغسليه وصلي فيه» . ورواه الإمام أبو عبد الله بن علي بن الجارود في كتاب " المنتقى "، في رواية: «حتيه واقرصيه ورشيه بالماء» .
стр. 654
وفي بعض النسخ إلا المائع، وهذا يحقق اختلاف الروايتين في تطهير العضو بغير الماء على ما بينا، وهذا لأن المسح غير مزيل، إلا أنه اكتفي به في موضع الاستنجاء فلا يتعداه، ثم يعتبر المقدار المانع وراء موضع الاستنجاء عند أبي حنيفة وأبي يوسف ﵏ لسقوط اعتبار ذلك الموضع وعند محمد ﵀ مع موضع الاستنجاء اعتبارا بسائر المواضع
ولا يستنجي بعظم ولا بروث، لأن النبي ﵇ نهى عن ذلك
ــ
[البناية]
قوله: - حتيه - من حت يحت من باب نصر ينصر، عن الطحاوي، قال الفقيه في " التساوي ": وبه نأخذ. وفي " الملتقطات ": لو أصاب موضع الاستنجاء نجاسة من خارج الدبر قدر الدرهم يطهر بالحجر، وقيل: الصحيح أنه لا يطهر، ذكره المرغيناني.
واتفق المتأخرون على سقوط اعتبار ما بقي من النجاسة في حق الفرد، وإن زاد عل قدر الدرهم ولم يرو عنهم فيما إذا جلس هذا المستنجي فيها قليلاً فهل تنجس؟ حكي عن الفقيه أبي جعفر أنه قال: لا ينجس فله وجه، وإن قيل: ينجس، فله وجه، وهو الصحيح، وذكر في " المبسوط ": أنه يتنجس ولم يذكر خلافاً.
م: (وفي بعض النسخ) أي وفي بعض نسخ القدوري لم يجز م: (إلا المائع) ش: أي الطاهر المزيل وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف م: (وهذا) ش: أي وهذا الذي قاله إلا الماء وإلا المائع م: (يحقق اختلاف الروايتين في تطهير العضو بغير الماء) ش: فقوله الماء يدل على أن إزالة النجس الحقيقي عن البدن لا يجوز إلا بالماء، وقوله - إلا المائع - يدل على أن إزالته يجوز بالمائع المزيل م: (على ما بينا) ش: في أول باب الأنجاس.
م: (وهذا) ش: أي هذا الذي قنا من اشتراط المائع إذا جاوزت النجاسة مخرجها م: (لأن المسح غير مزيل) ش: بالكلية م: (إلا أنه اكتفي به) ش: أي بالمسح م: (في موضع الاستنجاء) ش: بضرورة، والثابت بالضرورة يتقدر بقدرها م: (فلا يتعداه) ش: أي فلا يتعدى موضع الاستنجاء إلى غيره م: (ثم يعتبر المقدار المانع وراء موضع الاستنجاء عند أبي حنيفة وأبي يوسف لسقوط اعتبار ذلك الموضع) ش: فكان طاهراً حكما، فبقيت العبرة لما عداها، فإن كان أقل من درهم لا يمنع، وإن كان أكثر يمنع، [وفي] موضع آخر: فإنه لم يسقط اعتباره شرعاً.
م: (وعند محمد مع موضع الاستنجاء) ش: أي المعتبر عند محمد - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في المقدار المانع موضع الاستنجاء م: (اعتباراً بسائر المواضع) ش: يعني أن في سائر المواضع قدر الدرهم عفواً، فإذا زاد عليه يكون مانعاً، فكذا في موضع الاستنجاء.
[الاستنجاء بالعظم والروث]
م: (ولا يستنجي بعظم ولا بروث، لأن النبي ﷺ نهى عن ذلك) ش: أي عن الاستنجاء بالعظم والروث، وفيه أحاديث، فروى البخاري في "بدء الخلق" من «حديث أبي هريرة، قال له النبي
стр. 655
ولو فعل يجزئه لحصول المقصود، ومعنى النهي في الروث النجاسة، وفي العظم كونه زاد الجن، ولا يستنجي بطعام لأنه إضاعة وإسراف ولا بيمينه «لأن النبي ﵇ نهى عن الاستنجاء باليمين»
ــ
[البناية]
ﷺ : "ابغني أحجارا استنفض بها ولا تأتني بعظم ولا بروثة"، قلت: ما بال العظام والروثة، قال: "إنهما من طعام الجن» .
وروى الجماعة غير البخاري من حديث سلمان ﵁ قال: «نهانا رسول الله ﷺ أن نستقبل القبلة بغائط أو بول أو أن نستنجي برجيع أو عظم» ، وفي لفظ: «ونهى عن الروث والعظام» .
وروى مسلم من حديث ابن مسعود حديث الوضوء بالنبيذ وفيه: "وسألوه الزاد، فقال: «لكم كل عظم ولكم بعرة علف لدوابكم"، ثم قال: "لا تستنجوا بالروث ولا بالعظام فإنهما زاد أخوانكم من الجن» .
م: (ولو فعل يجزئه) ش: أي ولو فعل الاستنجاء بالعظم أو بالروث يجزئه، ولكن يكره وبه قال مالك إذا كان العظم طاهراً، وقال الشافعي: لا يجزئه م: (لحصول المقصود) ش: وهو إنقاء الموضوع م: (ومعنى النهي في الروث: النجاسة، وفي العظم: كونه زاد الجن) ش: أشار بهذا إلى أن النهي يعد في غيره فلا ينفي المشروعية، كما لو توضأ بماء مغصوب واستنجى بحجر مغصوب.
م: (ولا يستنجى بطعام لأنه إضاعة وإسراف) ش: وهما حرام، لأنه ﷺ نهى عن الاستنجاء بالعظم لكونه زاد الجن، فهي زاد الإنس بطريق الأولى، ويكره الاستنجاء بعشرة أشياء: العظم والرجيع والروث والطعام واللحم والزجاج وورق الشجر والشعر، ولو استنجى بها يجزئه مع الكراهة خلافا للشافعي ﵁ وأحمد في الطعام والعظم والروث.
وفي سقوط الغرض بالطعام وجهان عند الشافعي [ ... ] . وفي " المبسوط ": يكره الاستنجاء بالآجر والخزف والفحم، وليس له قيمة أو حرمة كحرمة الديباج والأطارش، وفي " النظم ": ويستنجى بثلاثة الماء، فإن لم يجد فالأحجار، فإن لم يجد فثلاثة أكف من تراب، ولا يستنجى بما سواها من القرفة والقطن ونحوهما؛ لأنه روي في الحديث أنه يورث النقرس، وعنده يجوز الاستنجاء بقطعة من الخشب ومن الذهب والفضة في أظهر الروايتين كما يجوز بالقطعة من الديباج عنه، وروى الدارقطني من حديث رجل من أصحاب النبي ﷺ عن رسول الله ﷺ : «أنه نهى أن يستطيبه أحدكم بعظم أو روثة أو جلد» قال الدارقطني: لا يصح ذكر الجلد.
وقال ابن القطان في رواية: مجهول م: (ولا بيمينه) ش: أي ولا يستنجي بيمينه م: (لأن النبي ﷺ «نهى عن الاستنجاء باليمين» ش: أخرجه الجماعة في "كتبهم" ومختصراً من حديث أبي
стр. 656
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
قتادة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا بال أحدكم فلا يمس ذكره بيمينه، وإذا أتى الخلاء فلا يتمسح بيمينه، وإذا شرب فلا يشرب نفساً واحدا» . وللجماعة غير البخاري من حديث سلمان ﵁ عن النبي ﷺ وفيه: «نهى عن الاستنجاء باليمين» .
قوله: - لا يمس ذكره - هذا إذا كان في الخلاء، وعلى الإطلاق ما روي عن عثمان ﵁ أنه قال: ما تعنيت ولا تمنيت ولا مسست ذكري بيميني منذ بايعت رسول الله ﷺ ، وهذا إكرام اليمين وإجلال النبي ﷺ ، وهو من باب الآداب عند الفقهاء، [فمني] أكل بالشمال لا يحرم عليه طعامه.
انتهى المجلد الأول ويليه المجلد الثاني وأوله كتاب الصلاة
стр. 657
كتاب الصلاة .
ــ
[البناية]
[كتاب الصلاة] [تعريف الصلاة]
م: (كتاب الصلاة)
ش: أي: هذا كتاب في بيان أحكام الصلاة، فارتفاع كتاب على أنه خبر مبتدأ محذوف، ويجوز أن يكون مبتدأ محذوف الخبر، أي كتاب الصلاة هذا، ويجوز نصب الكتاب على تقدير: خذ كتاب الصلاة. وقد مضى تفسير الكتاب في أول الكتاب.
ولما فرغ من بيان الطهارات التي فيها شروط الصلاة، شرع في بيان الصلاة التي هي مشروطة، فلذلك أخرها عن الطهارات لأن شرط الشيء يسبقه وحكمه تبع، ثم معنى الصلاة في اللغة العامة: الدعاء؛ قال الله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] (التوبة: الآية ١٠٣) أي ادع لهم، وفي حديث إجابة الدعوة: «وإن كان صائما فليصل» أي فليدع بالخير والبركة، ومنه قول الأعشى:
وصهباء طاف يهود بها ... وأبرزها وعليها ختم
وقابلها الريح في دنها ... وصلى على دنها وارتسم
يصف الخمرة ودعا لها بالسلامة والبركة، والصهباء اسم من أسماء الخمر سميت بها للونها في الشعر، فإن الصهبة [حمرة] بين الشعر، قوله أبرزها أي أظهرها، قوله: وارتسم ضبطه الأترازي بالشين المعجمة وهو غلط، وإنما هو بالسين المهملة. قال الجوهري: في فصل: ارتسم الرجل كبر ودعى.
ثم قال الأعشى: وقابلها الريح إلى آخره، ومادته من الرسوم بالمهملة، وأما الرشم بالمعجمة فمعناه الختم، وهو قريب من معنى الرسم بالمهملة، ولكن هاهنا لا يصلح أن يكون قوله ارتشم بالمعجمة لأن معناه دعا عطفا على قوله: وصلى، ومضى أيضا معنى الختم في آخر البيت الأول، وسميت الصلاة الشرعية صلاة؛ لاشتمالها عليه، قالوا: هذا هو الصحيح، وبه قال الجمهور من أهل اللغة.
وقيل هي مشتقة من صليت العود على النار إذا قومته، قال النووي: وهذا باطل لأن لام الكلمة من الصلاة واو؛ بدليل الصلوات، وفي صليت ياء فكيف يصح الاشتقاق مع اختلاف الحروف الأصلية.
قلت: دعواه بالبطلان غير صحيحة لأن اشتراط اتفاق الحروف الأصلية في الاشتقاق الصغير دون الكبير والأكبر، وأيضا فإن الجوهري ذكر مادة صلى ثم قال: الصلاة الدعاء هو اسم يوضع موضع المصدر، تقول صليت صلاة، ولا يقال تصلية، وصليت على النبي ﷺ ،
стр. 658
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
وصليت العصا بالنار إذا لينتها وقومتها، وقال قيس بن هير:
فلا تعجل بأمرك واستدمه ... فما صلى عصاك المستقيم
والمصلي تالي السابق، وصليت اللحم وغيره أصليه صليا مثال رميته رميا إذا شويته، وصلي فلان بالنار بالكسر يصلي صليا أحرق واصطليت بالنار وتصليت بها، وذكر غير ذلك، ولم يفرق بين الواوية والمادة اليائية، وفي الحقيقة ما يفرق بينهما إلا برد الكلمة إلى الجمع والتصغير.
فإن قلت: الصلاة لو كانت واوية كان ينبغي أن يقال صلوات ولم يقل ذلك.
قلت: هذا لا ينبغي أن تكون واوية لأنهم يقلبون الواو ياء إذا وقعت رابعة.
وقيل: الصلاة مشتقة من الصلوين تثنية الصلاة وهو ما عن يمين الذنب وشماله. قال الجوهري: قلت: هما العظمان الناتئان عن العجيزة. وقال المطرزي: الصلا هو العظم الذي عليه الأليتان، لأن المصلي يحرك صلويه في الركوع والسجود.
وقيل: مشتقة من المصلي وهو الفرس الثاني من خيل السباق، لأن رأسه قد تكون [عند صلا] السابق، وقيل: إن أصلها في اللغة التعظيم، وسميت المادة المخصوصة صلاة لما فيها من تعظيم الرب ، وقيل: من الرحمة، وقيل: من الشواء من قولهم شاة مصلية وهي التي قربت إلى النار، وقيل: من اللزوم.
قال الزجاج: يقال صلي واصطلى إذا لزم. وقيل: هي الإقبال على الشيء وأنكر غير واحد بعض هذه الاشتقاقات لأن لام الكلمة في الصلاة واو. وفي بعض هذه الأقوال ياء فلا يصح الاشتقاق مع اختلاف الحروف.
قلت: الجواب عنه ما ذكرته.
وأما معناها الشرعي: فهو أنها عبارة عن الأركان المعهودة والأفعال المخصوصة. قال الأكمل ﵀: سميت بالصلاة لاشتمالها على المعنى اللغوي فهو من المنقولات الشرعية.
قلت: إذا كان فيها زيادة مع بقاء اللغة تكون تفسيرا لا نقلا لأنه لا يراعى المعنى اللغوي في النقل، وفي المعنيين يكون باقيا ولكنه زيد عليه شيء آخر.
١ -
وسبب وجوب الصلوات الخمس أوقاتها، وشرائطها ستة، الطهارة وستر العورة واستقبال القبلة، والوقت، والنية، وتكبيرة الإحرام. وإنما عد الوقت من الشروط مع أنه سبب لأنه شرط للأداء وسبب للوجوب. وأركانها، القيام والقراءة والركوع والسجود والقعدة الأخيرة مقدار
стр. 659
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
التشهد، وحكمها سقوط الواجب بالأداء في الدنيا، وحصول الثواب الموعود في الآخرة.
وحكمتها تعظيم الله تعالى بجميع الأركان بالأعضاء ظاهرها وباطنها تنزها عن عبادة الأوثان قولا وفعلا وهيئة وثبوت نفس الصلاة بالكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] (النساء: الآية ١٠٢) ، أي فرضا مؤقتا، وغيرها من الآيات.
وأما السنة: فحديث ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا» . متفق عليه.
وأما الإجماع، فقد أجمعت الأمة من زمن رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا من غير نكير منكر ولا رد راد، فمن أنكر شرعيتها فقد كفر بلا خلاف.
وأما فرضية الخمس فقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] (البقرة: الآية ٢٣٨) ، وهذه الآية قاطعة الدلالة على فرضية الخمس لأنه تعالى فرض جمعا من الصلوات والصلاة الوسطى معها وأقل جمع صحيح معه وسطى هو الأربع دون الثلاث، وما قيل: إن اللام إذا دخلت على الجمع يراد بها الجنس، لا يستقيم هاهنا لأنه إنما يراد به الجنس إذا لم يكن ثمة معهودة فهو منه، وهاهنا يرجع إلى المفروضات في الشرع. ولئن سلم حمله على الجنس لا يمكن حمله على أقل الجنس، هاهنا بالإجماع ولا على كله بالإجماع، فعلم أن المراد أقل الجمع الذي يصح به الوسطى خمس، وعلى قول أكثر أهل اللغة لا تصير للجنس بدخول اللام بل يبقى جمعا عاما في أنواع الجموع، وهو اختيار صاحب " الكشاف " و " المفتاح "، فحينئذ لا يرد الإشكال وهو قَوْله تَعَالَى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ [الروم: ١٧] (الروم: الآية ١٧) أراد به المغرب والعشاء، وحين تصبحون أراد به الصبح وعشيا أراد به صلاة العصر وحين تظهرون الظهر.
وأما من السنة، فحديث طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب قال: «جاء إلى رسول الله ﷺ رجل من أهل نجد ثائر الرأس يسمع دوي صوته ولا يفهم ما يقول حتى دنى من رسول الله ﷺ فإذا هو يسأل عن الإسلام فقال رسول الله ﷺ : " خمس صلوات في اليوم والليلة "، فقال: هل علي غيرها؟ قال: " لا، إلا أن تطوع.» رواه البخاري ومسلم. قوله ثائر الرأس أي منتفش الشعر، وطلحة بن عبيد الله أحد العشرة المبشرة بالجنة، قتل يوم الجمل لعشر خلون من جمادى الأولى سنة ست وثلاثين، ودفن بالبصرة.
١ -
فإن قلت: متى فرضت الصلاة؟ وكيف فرضت؟
стр. 660
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
قلت: جاء في " مسند الحارث بن أبي أسامة " من حديث أسامة بن زيد «أن جبريل ﵇ أتاه ﵇ في أول ما أوحي إليه فعلمه الوضوء والصلاة» . وابن ماجه بلفظ: «علمني جبريل الوضوء» . وذكر الحربي أن الصلاة قبل الإسراء كانت صلاة قبل غروب الشمس، وصلاة قبل طلوعها. قال الله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [غافر: ٥٥] (غافر: الآية ٥٥) . وذكر الحكيم الترمذي: أن أول فرض كتب على هذه الأمة الصلاة، وأهلها مسئولون عنها يوم القيامة، في أول حشر من الحشور السبعة.
وفي " صحيح البخاري " عن عائشة ﵂ «الصلاة حين فرضها ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر» . وفي " الصحيح «فرضت الصلاة بمكة ركعتين ركعتين فلما هاجر فرضت أربعا وأقرت في صلاة السفر ". وفي رواية " بعد الهجرة بسنة» ، وفي " مسند أحمد ": «فرضت ركعتان ركعتان إلا المغرب فإنها كانت ثلاثا» ". وقال ابن عمر وروي «عن ابن عباس أن الصلاة فرضت في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين» وبذلك قال نافع، وابن جبير، والحسن، وابن جريج، ولا خلاف في أن فرض الصلوات الخمس كانت ليلة المعراج، وروي البيهقي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري أنه قال: أمر بها رسول الله ﷺ قبل خروجه إلى المدينة بسنة، وعن [......] : فرض على رسول الله ﷺ الخمس ببيت المقدس ليلة أسري به قبل ثمانية عشر شهرا، وقال القرطبي، وعياض: لا خلاف أن خديجة صلت مع النبي ﷺ بعد فرض الصلاة وأنها توفيت قبل الهجرة بثلاث سنين، وقيل بخمس سنين. والعلماء مجمعون أن فرض الصلاة كان ليلة الإسراء.
فإن قلت: ما الحكم في كون الظهر والعصر والعشاء أربع ركعات، والصبح ركعتين، والمغرب ثلاثا؟
قلت: كل صلاة صلاها نبي؛ فالفجر صلاها آدم ﵇ حين خرج من الجنة، وأظلمت الدنيا عليه وجن الليل، فلما انشق الفجر صلى ركعتين الأولى: شكرا للنجاة من ظلمة الليل، والثانية: شكرا لرجوع ضوء ذلك النهار، فكان متطوعا عليه وفرضا علينا. والظهر صلاها إبراهيم ﵇ حين أمر بذبح الولد وذلك عند الزوال. الأولى: شكرا لزوال غم الولد، والثانية لمجيء الفداء، والثالثة لرضى الله تعالى، والرابعة شكرا لصبر ولده، وكان متطوعا وفرض علينا. والعصر صلاها يونس ﵇ حين أنجاه الله تعالى من أربع ظلمات: ظلمة الذلة، وظلمة البحر، وظلمة الحوت، وظلمة الليل. والمغرب صلاها عيسى ﵇ الأولى لنفي الألوهية عن نفسه، والثانية: لنفي الألوهية عن أمه، والثالثة: لإثبات الألوهية لله
стр. 661
..
....
....
....
..
ــ
[البناية]
تعالى. والعشاء صلاها موسى ﵇ حين خرج من اليابس ودخل الطريق، وكان في غم المرأة، وغم أخيه هارون، وغم غرق فرعون، وغم أولاده، وشكرا لله تعالى حيث نجاه من الغرق وأغرق عدوه، فلما نجاه الله من ذلك كله، ونودي من شاطئ الوادي صلى أربعا شكرا تطوعا، فأمرنا بذلك لينجينا الله من شر الشيطان.
стр. 662
باب المواقيت
أول وقت الفجر إذا طلع الفجر الثاني،
ــ
[البناية]
[باب المواقيت]
م: (باب المواقيت) ش: أي: هذا باب في بيان مواقيت الصلاة؛ فإعرابه مثل إعراب كتاب الصلاة، والمواقيت جمع ميقات والميقات ما وقت به أي حدد من زمان، كمواقيت الصلاة، أو مكان كمواقيت الإحرام، ويقال: المواقيت جمع وقت على غير القياس، يقال: وقت الشيء بوقته ووقته: إذا بين حده.
والتوقيت والتأقيت: أن يجعل للشيء وقت يختص به وهو بيان مقدار المدة، وأصل ميقات موقاة، قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها. قال الجوهري: الميقات الوقت المضروب للمصلي والموضع أيضا، يقال هذا ميقات أهل الشام. للموضع الذي يحرمون منه.
ولما كانت الصلوات قسمين، الأول: لازمة كالخمس والجمعة والعيدين، والثاني عارضة كصلاة الجنازة والكسوف والاستسقاء ونحوها، واللازمة يلزم بأوقاتها، ووقت بعضها يتكرر في السنة مرة، وبعضها في الجمعة مرة وبعضها في كل يوم خمسا، كان معرفة الأوقات أهم معالم الصلوات. ولأن التوقيت سبب، والسبب يقدم على المسبب؛ فلذلك بدأ المصنف بباب المواقيت، وله جهتان: جهة أنه وجه الشرط لأنه سبب للوجوب، وشرط للأداء فلذلك استحق التقديم.
[وقت صلاة الفجر]
[أول وقت الفجر]
م: (أول وقت الفجر إذا طلع الفجر الثاني) ش: قدم بيان وقت الفجر وكان الواجب أن يبتدئ وقت الظهر، لأنها أول صلاة أمه فيها جبريل ﵇، ولكن وقت الفجر وقت متفق في أوله وآخره، ولأنه صلاة وجبت بعد النوم، والنوم أخو الموت فكان إيراده بأول وقت يخاطب المرء بأدائها إذ الخطاب على اليقظان لا على النائم، ولأن صلاة الفجر أول من صلاها آدم ﵇ حين أهبط من الجنة كما ذكرنا عن قريب.
فإن قلت: كيف قلت وقت الفجر وقت اختلف في أوله وآخره، وقد قال أبو سعيد الإصطخري من الشافعية: إذا أسفر يخرج الوقت وتكون الصلاة بعد طلوع الشمس قضاء؟.
قلت: هذا القول خارق للإجماع فلا يلتفت إليه. وقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على من يصلي الصبح قبل طلوع الشمس أنه يصليها في وقتها، ولأن صلاة الفجر أول الخمس في الوجوب، إذ لم يختلفوا في أن الصلوات الخمس فرضت في ليلة الإسراء، فالفجر صبيحة ليلة وجوبها، وذلك لما روى أنس بن مالك قال: « [فرضت] على النبي ﷺ الصلوات ليلة الإسراء، خمسين صلاة ثم نقصت حتى جعلت خمسا، ثم نودي يا محمد إنه لا يبدل القول لدي وإن لك بهذه الخمس خمسين» . رواه النسائي وأحمد والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
стр. 663
وهو البياض المعترض في الأفق وآخر وقتها ما لم تطلع الشمس؛ لحديث إمامة جبريل ﵇، فإنه أم رسول الله ﵇ فيها في اليوم الأول حين طلع الفجر وفي اليوم الثاني حين أسفر جدا وكادت الشمس تطلع،
ــ
[البناية]
[آخر وقت صلاة الفجر]
وقال السروجي: والشافعية بدءوا بصلاة الظهر لإمامة جبريل ﵇، ثم قال: ولنا أنه ﵇ بدأ بالفجر للسائل بالمدينة، وهو متأخر عن الأول الذي هو فعل جبريل ﵇ وناسخ لبعضه فلهذا استحسنوا ترتيبه.
قلت: بدأ محمد في أصل " الجامع الصغير " بصلاة الظهر. وقال الأترازي: لأن أول صلاة الفجر فالمضاف محذوف.
قوله: إذا طلع الفجر الثاني أي الصادق. وفي " الجمهرة ": اختلف المشايخ في أن العبرة لأول طلوعه أو لاستطارته وانتشاره.
م: (وهو) ش: أي الفجر الثاني م: (البياض المعترض في الأفق) ش: أي في أفق السماء وهو طرفه وناحيته. قال الجوهري: الآفاق النواحي. الواحد أفق وأفق مثل عشر وعشر، قال الأكمل: احترز به عن الفجر الكاذب، وفسره أيضا على ما يأتي عن قريب، ومقصوده هاهنا بيان الفجر الثاني، وهو الفجر الصادق الذي يدخل به وقت صلاة الصبح، وهو الفجر المعترض أي المنتشر في الأفق عرضا لا يزال يزداد، وسمي الصادق به لأنه صدق عن الصبح.
م: (وآخر وقتها) ش: أي آخر وقت صلاة الفجر م: (ما لم تطلع الشمس) ش: المراد به جزء قبل طلوع الشمس. وفي " البداية " في قوله ما لم تطلع الشمس إطلاق اسم الكل على البعض لأن قوله ما لم تطلع للشمس يتناول من أول الوقت إلى ما قبل طلوع الشمس، والمراد به الجزء كما ذكرنا.
م: (لحديث إمامة جبريل ﵇ فإنه أم رسول الله ﷺ فيها في اليوم الأول حين طلع الفجر، وفي اليوم الثاني حين أسفر جدا، وكادت الشمس تطلع) ش: حديث إمامة جبريل ﵇ رواه جماعة من الصحابة ﵃ منهم ابن عباس، [وأبو] مسعود، وأبو هريرة، وعمرو بن حزم، وأبو سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وابن عمر، وبريدة، وأبو موسى الأشعري، والبراء بن عازب.
أما حديث ابن عباس ﵁ فرواه أبو داود، والترمذي عنه أن النبي ﷺ قال: «أمني جبريل ﵇ عند البيت مرتين فصلى الظهر في الأولى منهما حين كان الفيء مثل الشراك، ثم العصر حين كان ظل كل شيء مثله، ثم صلى المغرب حين وجبت الشمس وأفطر الصائم، ثم صلى العشاء حين غاب الشفق، ثم صلى الفجر حين برق الفجر وحرم الطعام على الصائم، وصلى المرة الثانية
стр. 664
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
الظهر حين كان ظل كل شيء مثله لوقت العصر بالأمس، ثم صلى العصر حين كان ظل كل شيء مثليه، ثم صلى المغرب لوقته الأول، ثم صلى العشاء الآخرة حين ذهب ثلث الليل، ثم صلى الصبح حين أسفرت الأرض، ثم التفت إلى جبريل ﵇ فقال: يا محمد، هذا وقت الأنبياء من قبلك والوقت ما بين هذين الوقتين» . قال الترمذيِ: حديث حسن. ورواه ابن حبان في " صحيحه " والحاكم في " مستدركه "، وأبو بكر بن خزيمة في " صحيحه ".
فإن قلت: في إسناده عبد الرحمن بن الحارث تكلم فيه أحمد وقال: متروك الحديث، ولينه النسائي، وابن معين، وأبو حاتم الرازي.
قلت: هذا الحديث هو العمدة في هذا الباب، ومثل هؤلاء الأئمة صححوه، وعبد الرحمن بن الحارث وثقه ابن سعد وابن حبان. وقال ابن عبد البر في " التمهيد ": وقد تكلم بعض الناس في حديث ابن عباس ﵁ هذا بكلام لا وجه له، ورواته كلهم مشهورون بالعلم، وأخرجه عبد الرزاق عن الثوري عن عبد الرحمن بن الحارث بإسناده عن العمري عن عمر بن نافع بن حبيب بن مطعم عن أبيه عن ابن عباس ﵁ نحوه.
وأما حديث جابر فرواه الترمذي والنسائي عنه واللفظ له: «جاء جبريل ﵇ إلى النبي ﷺ حين مالت الشمس فقال: " قم يا محمد فصل الظهر حين مالت الشمس، ثم مكث حتى إذا كان فيء الرجل مثله جاءه للعصر فقال: قم يا محمد فصل العصر، ثم مكث حتى إذا غابت الشفق جاءه فقال: قم فصل المغرب فقام فصلاها، حين غابت الشمس، ثم مكث حتى إذا غاب الشفق جاءه فقال: قم فصل العشاء فقام فصلاها ثم جاءه حين سطع الفجر بالصبح فقال: قم يا محمد فصل فقام فصلى الصبح، ثم جاءه من الغد حين كان فيء الرجل مثله، فقال: قم يا محمد فصل الظهر، ثم جاءه حين كان فيء الرجل مثليه فقال: قم يا محمد فصل العصر، ثم جاءه المغرب حين غابت الشمس وقتا واحدا لم يزل عنه فقال: قم يا محمد فصل المغرب، ثم جاءه للعشاء حين ذهب ثلث الليل الأول، فقال: قم يا محمد فصل العشاء، ثم جاءه الصبح حين أسفر جدا فقال: قم يا محمد فصل فصلى الصبح، ثم قال ما بين هذين وقت كله» .
قال الترمذي: قال محمد يعني البخاري: حديث جابر أصح شيء في المواقيت، ورواه ابن حبان في " صحيحه " والحاكم في " مستدركه "، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه لعله حديث الحسين الأصغر، وهو من جملة رواته، وثقه النسائي وابن حبان. رواه أحمد وإسحاق بن راهويه.
فإن قلت: قال ابن القطان في " كتابه ": هذا الحديث يجب أن يكون مرسلا، لأن جابرا لم يذكر من حدثه بذلك، وجابر لم يشاهد ذلك، صحة الأمر لما علم أنه أنصاري، وإنما صحت
стр. 665
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
بالمدينة، ولا يلزم بذلك من حديث ابن عباس ﵁ وأبي هريرة، فإنهما رويا إمامة جبريل ﵇ من قول النبي ﷺ .
قلت: هذا إرسال غير ضار، فمن ثم يبعد أن يكون جابر سمعه من تابعي غير صحابي. وقد اشتهر أن مراسيل الصحابة مقبولة والجهالة غير ضارة.
وأما حديث أبي مسعود فرواه ابن راهويه مطولا في " مسنده "، ورواه [البيهقي] في " سننه "، ثم قال: إنه منقطع، لم يسمع أبو بكر من أبي مسعود ﵁ وإنما هو بلاغ.
قلت: أبو بكر هو ابن عمرو بن حزم، وأبو مسعود اسمه عقبة بن عمرو الأنصاري. وحديث أبي مسعود هذا في " الصحيحين " إلا أنه غير مفسر، ولفظهما عن أبي مسعود الأنصاري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «نزل جبريل ﵇ فأمني فصليت معه، ثم جاء مرة أخرى فأمني فصليت معه ويحسب بأصابعه خمس صلوات ثم قال: بهذا أمرت» . وليس في " الصحيحين " غير ذلك.
وأما حديث أبي هريرة فعند البزار والنسائي والحاكم في " مستدركه "
وأما حديث عمرو بن حزم فعند عبد الرزاق في " مصنفه "، وعنه رواه إسحاق بن راهويه في " مسنده ".
وأما حديث أبي سعيد الخدري فعند أحمد في " مسنده " والطحاوي في " شرح الآثار ".
وأما حديث أنس فعند الدارقطني في " سننه "، وقال ابن القطان: في إسناده محمد بن سعيد وهو مجهول، والراوي عنه أبو حمزة إدريس بن يونس بن يناق الفراء ولا يعرف حاله.
وأما حديث ابن عمر فعند الدارقطني أيضا، ورواه ابن حبان في كتاب " الضعفاء "، وأعله بمحبوب بن الجهم أحد رواته.
وأما حديث بريدة فعند مسلم أن رجلا سأل النبي ﷺ عن وقت الصلاة أخرجه مطولا.
وأما حديث أبي موسى الأشعري ﵁ فعند مسلم، إلا أن فيه أنه أخر المغرب في اليوم الثاني وأن ذلك كان في صلاة النبي ﷺ في المدينة، ثم الكلام في حديث ابن عباس ﵁ فقوله: «أمني جبريل ﵇ عند البيت» أراد به الكعبة شرفها الله تعالى. واعترض النووي على الغزالي في قوله هذا الخبر عند باب البيت، وقال: المعروف عند البيت وليس له وجه، لأن الشافعي هكذا رواه فقال: حدثنا عمرو بن أبي سلمة بن عبد العزيز عن عبد الرحمن بن الحارث، وفيه: «أمني جبريل ﵇ عند باب البيت» . وهكذا رواه البيهقي والطحاوي أيضا في " شرح الآثار ": «أمني جبريل ﵇ مرتين عند باب البيت» .
١ -
стр. 666
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
قوله: حين زالت الشمس، ورد أن انحطاطها عن كبد السماء يسير. قوله: قدر الشراك، هو أحد سواري النعل التي تكون على وجهها، وقدره هاهنا ليس على معنى التحديد، ولكن زوال الشمس لا يتبين إلا بأقل ما يرى من الظل، وكان حينئذ يمكن تحديد هذا القدر، والظل يختلف باختلاف الأمكنة والأزمنة، وإنما يتبين ذلك في مثل مكة من البلاد التي ينتقل فيها الظل، فإذا كان أطول النهار، واستوت الشمس فوق الكعبة لم ير شيء من جوانبها، وظل كل بلد يكون أقرب إلى خط الاستواء، وعدل النهار يكون الظل فيه أقصر، وكل ما بعد عنها إلى جهة الشمال يكون الظل فيه أطول.
قوله: حين كان ظله مثله، وفي بعض الرواية حين صار كل شيء مثله. قوله: حين غاب الشفق، وهو البياض عند أبي حنيفة على ما يأتي. قوله: حين حرم الطعام والشراب على الصائم، وهو أول طلوع الفجر الثاني الصادق.
قوله: حين كان ظله مثليه، وهو آخر وقت الظهر عند أبي حنيفة على ما يأتي إن شاء الله تعالى.
قوله: وصلى بي المغرب حين أفطر الصائم، يعني حين غابت الشمس، والإجماع على أن وقت المغرب غروب الشمس.
واختلفوا في آخر وقتها فقال مالك ﵀ والأوزاعي والشافعي ﵃: لا وقت للمغرب إلا وقت واحد. وعن الشافعي: ووقت المغرب بقدر وقوع فعلها فيه مع شروطها حتى لو بقي ما يسع فيه ذلك فقد انقضى الوقت. وعند أبي حنيفة وأصحابه: وقت المغرب من غروب الشمس إلى غروب الشفق، وبه قال أحمد والثوري وإسحاق بن راهويه وهو قول الشافعي في القديم، وقال الثوري: هو الصحيح واختاره النووي والخطابي والبيهقي والغزالي. وعن مالك ثلاث روايات أحدها: كقولنا. والثانية: كقول الشافعي في الجديد. والثالثة: تبقى إلى طلوع الفجر، وهو قول عطاء وطاوس.
وقوله: وصلى بي العشاء إلى ثلث الليل، يجوز أن يكون إلى هاهنا بمعنى في، أي صلى في ثلث الليل ومنه قَوْله تَعَالَى: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [النساء: ٨٧] (النساء: الآية ٨٧) أي في يوم القيامة، وهذا وقت الاستحباب، أما وقت الجواز ما لم يطلع الفجر. وقال الشافعي ومالك وأحمد: هو وقت الفجر.
وأما آخره عند أصحابنا ما لم يطلع الفجر. وقال الشافعي: إلى الإنقاء لأصحاب الرفاهية ولمن لا عذر له. وقال: ومن صلى ركعة من الصبح قبل طلوع الشمس لم يفته الصبح، وهذا في أصحاب الأعذار والضرورات. وقال مالك وأحمد وإسحاق: من صلى ركعة من الصبح
стр. 667
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
وطلعت الشمس أضاف إليها أخرى وقد أدرك الصبح.
قوله: هذا وقت الأنبياء قبلك، هذا يدل على أن الأنبياء ﵈ كانوا يصلون في هذه الأوقات، ولكن لا يلزم أن يكون قد صلى كل منهم في جميع هذه الأوقات. والمعنى أن صلاتهم كانت في هذه الأوقات [....
.....] ، وإلا فلم تكن هذه الصلوات على هذه المواقيت إلا لهذه الأمة خاصة، وإن كان غيرهم قدره لهم في بعضها. ألا ترى أن ما روى أبو داود في القسمة وفيه: «اغتنموا بهذه الصلاة فإنكم قد فضلتم بها على سائر الأمم» .
قوله: والوقت مبتدأ.
وقوله: ما بين هذين الوقتين إشارة إلى وقت اليوم الأول والثاني الذي أم فيها جبريل ﵇.
فإن قلت: هذا يقتضي أن لا يكون الأول والآخر وقتا لها.
قلت: لما صلى في أول الوقت وآخره وجد البيان منه فعلا وبقي الاحتياج إلى ما بين الأول والآخر فتبين ما يقول. وجواب آخر أن هذا بيان للوقت المستحب إذ الأداء في أول الوقت ما يتعين على الناس، ويؤدي أيضا إلى تقليل الجماعة، وفي التأخير إلى آخر الوقت خشية الفوات، فكان المستحب ما بينهما مع قوله ﷺ «خير الأمور أوساطها» ، ثم إن الشافعية استدلوا بإمامة جبريل ﵇ على صحة إمامة المفترض بالمنتفل، وقالوا: إن جبريل ﵇ كان متنفلا معلما والنبي ﷺ مفترض.
قلنا: هذه دعوى فمن أين لهم أنه كان متنفلا أو مفترضا؟ أما كونه معلما فبين: قالوا: لا تكليف على ملك في هذه الشريعة، وإنما هو على الجن والإنس.
قلنا: هذا لا يعلم عقلا وإنما علم بالشرع، وجبريل ﵇ مأمور بالإمامة بالنبي ﷺ ولم يؤمر غيره من الملائكة ملك، فلما خص بالإمامة جاز أن يخص بالفرضية، وروي في حديث أبي مسعود في " الصحيحين " الذي مضى ذكره، بهذا أمرت بضم التاء وفتحها، أما الفتح فظاهر، وأما الضم فيدل على أن جبريل كان مأمورا ولكن لم يعلم كيفية أمر الله تعالى له، هل قال له بلغ قولا أو فعلا أو كيف شئت، ولا يقال أمره أن يبلغه قولا ويبلغ فعلا لأنه يكون مخالفا غير ممتثل.
فإن قلت: لا شك أن النبي ﷺ كان مقتديا بجبريل ﵇ والناس صلوا سواء.
قلت: في حديث عمرو بن حزم قال: جبريل ﵇ فصلى بالنبي ﷺ وصلى النبي
стр. 668
ثم قال في آخر الحديث: «ما بين هذين الوقتين وقت لك ولأمتك» .
ولا معتبر بالفجر الكاذب، وهو البياض الذي يبدو طولا ثم يعقبه الظلام؛ لقوله ﵇: «لا يغرنكم أذان بلال ولا الفجر المستطيل، وإنما الفجر المستطير في الأفق» .
ــ
[البناية]
ﷺ بالناس الحديث.
م: (ثم قال في آخر الحديث) ش: أي قال جبريل ﵇ في أخر حديث إمامته.
م: (" ما بين هذين الوقتين وقت لك ولأمتك ") ش: أشار بهذين إلى الوقتين اللذين صلى فيهما جبريل ﵇ في اليوم الأول واليوم الثاني، وقد مر أن هذا الحديث أخرجه جماعة من الصاحبة، وليس في حديث واحد منهم هذا اللفظ بهذه العبارة، فعبارة حديث ابن عباس: «والوقت فيما بين هذين الوقتين» وعبارة حديث جابر: «ما بين هذين وقت كله» ، وعبارة حديث أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال جبريل ﵇: «ما بين هذين وقت صلاة» .
وعبارة حديث أبي هريرة ﵁ ما بين هذين وقت، بدون لفظة كله مما في حديث جابر ﵁، وفي طريق آخر لأبي هريرة أخرجه النسائي ثم قال: " الصلاة ما بين صلاتك أمس وصلاتك اليوم ". وفي حديث أبي موسى ﵁ أن سائلا سأل النبي ﷺ الحديث، وفي آخره ثم قال أي النبي ﷺ : «أين السائل عن وقت الصلاة؟ الوقت: فيما بين هذين» . وفي حديث أبي بريدة: «وقت صلاتكم ما بين ما رأيتم»
قوله: وقت مرفوع على الابتداء وخيره مقدم هو قوله: ما بين هذين، محل لك من الإعراب رفع لأنه صفة لقوله -: وقت - ومتعلق اللام محذوف تقديره وقت كائن لك.
م: (ولا معتبر بالفجر الكاذب) ش: يعني الاعتبار بدخول وقت الصبح، ولا في خروج وقت العشاء.
م: (وهو البياض الذي يبدو طولا ثم يعقبه الظلام) ش: هذا تفسير الفجر الكاذب وهو الذي يبدأ يظهر ضوؤه مستطيلا ذاهبا في السماء كذنب السرحان وهو الذي يعقبه ظلمة.
يعني: يمضي أثره ويصير الجو أظلم ما كان، ويسمى كاذبا لأنه يضيء ثم يسود ويذهب النور فيختلف ويعقبه ظلمة فكان كاذبا، والعرب تشبهه بذنب السرحان لمعنيين: أحدهما طوله.
والثاني: أن ضوءه يكون في الأعلى دون الأسفل، كما أن الذنب يكثر شعره في أعلاه لا في أسفله، والأحكام متعلقة بالفجر الثاني دون الأول، به يدخل وقت صلاة الصبح، ويخرج وقت العشاء، ويحرم الأكل والشرب والجماع على الصائم، وينقضي الليل ويدخل النهار، ولا يتعلق [بالأول] شيء من الأحكام بإجماع المسلمين.
م: (لقوله ﷺ «لا يغرنكم أذان بلال، ولا الفجر المستطير، إنما الفجر المستطير في الأفق» هذا
стр. 669
أي المنتشر فيها.
و أول وقت الظهر إذا زالت الشمس؛ لإمامة جبريل ﵇ في اليوم الأول حين زالت الشمس.
ــ
[البناية]
الحديث أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي والترمذي ﵏ كلهم - في الصوم، واللفظ للترمذي من حديث سوادة بن حنظلة عن سمرة بن جندب ﵃ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال ولا الفجر المستطيل ولكن الفجر المستطير في الأفق» .
ولفظ مسلم: «لا يغرنكم من سحوركم أذان بلال ولا بياض الأفق المستطيل هذا حتى يستطير هكذا» . وحكى حماد قال: يعني مفترضا، وبلفظ الترمذي ﵁ رواه أحمد ﵁ وابن راهويه وأبو يعلى الموصلي في مسانيدهم، والطبراني في " معجمه "، وابن أبي شيبة في " مصنفه ".
قوله - الفجر المستطيل هو الفجر الكاذب، والفجر المستطير هو الفجر الصادق، وقد فسره المصنف بقوله م: (أي المنتشر فيها) ش: أي في الأفق، وإنما أنث الضمير فيها إلى معنى الناحية وعليه قوله ابن عباس ﵁ يمدح النبي ﷺ .
وأنت لما ولدت أشرقت الأرض ... وضاءت بنورك الأفق
قوله: ضاءت، لغة في أضاءت. ويجوز أن يكون الأفق واحدا وجمعا كالفلك، والمستطير المنتشر المتفرق في نواحيها، والاستطارة والتطاير: التفرق والذهاب. والسين فيه للطلب كأنه يطلب الطيران في نواحي الأفق.
[وقت صلاة الظهر]
[أول وقت الظهر]
م: (وأول وقت الظهر) ش: أي أول وقت صلاة الظهر م: (إذا زالت الشمس) ش: وزوال الشمس عبارة عن ميلانها من جانب الشمال إلى اليمين لمستقبل القبلة، وفي " المبسوط ": لا خلاف في أول وقت الظهر أنه يدخل بزوال الشمس إلا شيء نقل عن بعض الناس أنه يدخل إذا صار الفيء بقدر الشراك. وقال النووي عن أبي الطيب: هو خلاف ما اتفق عليه الفقهاء.
م: (لإمامة جبريل ﵇ في اليوم الأول حين زالت الشمس) ش: قد تقدم في حديث ابن عباس ﵁: «أمني جبريل ﵇ عند البيت مرتين فصلى بي الظهر حين زالت الشمس» .
وقد تقدم أيضا حديث جابر ﵁ «جاء جبريل ﵇ إلى النبي ﷺ حين زالت الشمس» . أخرجه الترمذي وغيره.
وفي حديث عمرو بن حزم قال: «جاء جبريل ﵇ فصلى بالنبي ﷺ وصلى النبي بالناس من حين زالت الشمس الظهر» .
وفي حديث بريدة: «ثم أمره بالظهر حين زالت الشمس عن بطن السماء» . رواه عبد الرزاق -
стр. 670
وآخر وقتها عند أبي حنيفة ﵀ إذا صار ظل كل شيء مثليه
ــ
[البناية]
﵀، وأخرج مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا: «وقت صلاة الظهر إذا زالت الشمس ما لم يحضر وقت العصر» . وروى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا: «أن للصلاة أولا وآخرًا وأول وقت صلاة الظهر حين زوال الشمس» . وأخرجه مسلم أيضا من حديث أبي موسى الأشعري ﵁: «ثم أمر فأقام بالظهر حين زالت الشمس» .
فإن قلت: جاء عنه ﵇ قال: «أمني جبريل ﵇ عند البيت مرتين فصلى الظهر في المرة الأولى حين كان الفيء مثل الشراك» .
قلت: هذا محمول على الفراغ منها، والأحاديث المذكورة محمولة على الشروع فيها، توفيقا بين الأحاديث، ويدل عليه قَوْله تَعَالَى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] (الإسراء: الآية ٧٨) أي لزوالها، وهو قول ابن عمر وابن عباس وأنس وعائشة والحسن البصري.
وقال النووي: المراد به أنه حين زالت الشمس كان الفيء حينئذ مثل الشراك من ورائه، لا أنه أخر إلى أن صار مثل الشراك، وهو أحد سيور النعل، وهو يكون على وجهها، والمعنى أن الظل قد رجع حين وقع النعل، والظل من أول النهار إلخ. والفيء لا يكون إلا بعد الزوال لأنه ظل فاء أي رجع، والفيء مهموز معناه الرجوع، والمراد هاهنا رجوع الظل من جانب المغرب إلى جانب المشرق.
[آخر وقت الظهر]
م: (وآخر وقتها) ش: أي آخر وقت الظهر م: (عند أبي حنيفة ﵁ إذا صار ظل كل شيء مثليه) ش: قال الأكمل: قوله آخر الوقت إذا صار ظل كل شيء مثليه فيه تسامح لأن آخر الشيء منه، فماذا صار ظل كل شيء مثليه خروج وقت الظهر عنده، وكذا إذا صار مثله عندهما قال: وتأويله آخر الوقت الذي يتحقق عنده خروج الظهر بدليل قوله فيما بعد - وآخر وقت المغرب حين يغيب الشفق يتحقق الخروج.
قلت: هذا كلام السغناقي فإنه أخذ منه، وملخص كلامه: أن آخر الشيء من أجزاء ذلك الشيء فيكون وقت الظهر باقيا عنده عند المثلين، وعندهما المثل. ورواية " المنظومة " يقتضي أن لا يبقى وقت الظهر على القولين على هذا التقدير، والذي في المنظومة هو قوله:
والعصر حين المرء يلقى ظله ... قد صار مثليه وقالا مثله
فيحتاج إلى التوفيق بينهما. فأجاب عنه بجوابين: أحدهما ما ذكرناه، والآخر أن المراد بآخر الوقت هو القرب منه الذي يتحقق الخروج عنده وهو نظير قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ٢] (البقرة: الآية ٢٣٤) أي قارب بلوغ أجلهن، فكان لفظة آخر بمنزلة لفظ الأجل لأن كل منهما اسم لتمام الشيء، ثم يذكر الأجل ويراد به القرب، ويذكر ويراد به الانقضاء.
следующие страницы →