Полный текст (7 019 стр.). Показаны 6511–6550 · переход к 6516.
стр. 6511
وإن كانت القيمة أكثر من الدين، فعن أبي حنيفة ﵀ أنه يعتبر بقدر الأمانة؛ لأن الفضل ليس في ضمانه فأشبه جناية العبد الوديعة على المستودع. وعنه: أنها لا تعتبر؛ لأن حكم الرهن وهو الحبس فيه ثابت، فصار كالمضمون، وهذا بخلاف جناية الرهن على ابن الراهن أو ابن المرتهن؛ لأن الأملاك حقيقة متباينة، فصار كالجناية على الأجنبي.
قال: ومن رهن عبدا يساوي ألفا بألف إلى أجل فنقص في السعر فرجعت قيمته إلى مائة ثم قتله رجل وغرم قيمته مائه ثم حل الأجل فإن المرتهن يقبض المائة قضاء عن حقه، ولا يرجع على الراهن بشيء. وأصله: أن النقصان من حيث السعر لا يوجب سقوط الدين عندنا خلافا لزفر ﵀،
ــ
[البناية]
م: (وإن كانت القيمة أكثر من الدين) ش: بأن كانت القيمة ألفين والدين ألفا م: (فعن أبي حنيفة ﵀ أنه يعتبر بقدر الأمانة) ش: أي إن حكم الجناية يثبت في مقدار الأمانة م: (لأن الفضل ليس في ضمانه فأشبه جناية العبد الوديعة على المستودع) ش: فإن جنايته على المودع معتبرة.
م: (وعنه) ش: أي وعن أبي حنيفة رواه عنه أبو يوسف: م: (أنها لا تعتبر) ش: أي أن حكم الجناية لا يعتبر م: (لأن حكم الرهن وهو الحبس فيه ثابت، فصار كالمضمون) ش: لأن مقدار الأمانة رهن في يده، فصار لمقدار المضمون م: (وهذا) ش: أي ما ذكرنا من كون الجناية على الراهن والمرتهن هدر.
م: (بخلاف جناية الرهن على ابن الراهن أو ابن المرتهن) ش: فإنها معتبرة بالاتفاق م: (لأن الأملاك حقيقة متباينة) ش: أي بين الأب والابن م: (فصار) ش: أي حكم الجناية م: (كالجناية على الأجنبي) ش: وروى الحسن عن أبي حنيفة ﵀ أنه لا يعتبر جنايته على ابن الراهن ولا على ابن المرتهن.
[رهن عبدا يساوي ألفا بألف إلى أجل فنقص العبد في السعر]
م: (قال) ش: أي قال محمد في " الجامع الصغير ": م: (ومن رهن عبدا يساوي ألفا بألف إلى أجل فنقص) ش: أي العبد م: (في السعر فرجعت قيمته إلى مائة ثم قتله رجل وغرم قيمته مائة ثم حل الأجل فإن المرتهن يقبض المائة قضاء عن حقه، ولا يرجع على الراهن بشيء) ش: أي من تسع مائة.
م: (وأصله) ش: أي أصل حكم هذه المسألة: م: (أن النقصان) ش: أي أن نقصان الرهن م: (من حيث السعر لا يوجب سقوط الدين) ش: يعني لا يذهب به شيء من الدين م: (عندنا) ش: وهنا ثلاث فصول: الأول: هو المذكور وفيه خلاف زفر، أشار إليه بقوله: م: (خلافا لزفر ﵀) .
الفصل الثاني: هو قوله: وإن أمره الراهن أن يبيعه.
стр. 6512
هو يقول: إن المالية قد انتقصت فأشبه انتقاص العين. ولنا: أن نقصان السعر عبارة عن فتور رغبات الناس وذلك لا يعتبر في البيع، حتى لا يثبت به الخيار، ولا في الغصب حتى لا يجب الضمان، بخلاف نقصان العين؛ لأن بفوات جزء منه يتقرر الاستيفاء فيه، إذ اليد يد الاستيفاء، وإذا لم يسقط شيء من الدين بنقصان السعر بقي مرهونا بكل الدين، فإذا قتله حر غرم قيمته مائة؛ لأنه تعتبر قيمته يوم الإتلاف في ضمان الإتلاف؛ لأن الجابر بقدر الفائت وأخذه المرتهن؛ لأنه بدل المالية في حق المستحق. وإن كان مقابلا بالدم على أصلنا، حتى لا يزداد على دية الحر؛ لأن المولى استحقه بسبب المالية وحق المرتهن متعلق بالمالية، فكذا فيما قام مقامه، ثم لا يرجع على الراهن بشيء: لأن يد الرهن يد الاستيفاء من الابتداء وبالهلاك يتقرر،
ــ
[البناية]
والفصل الثالث: هو قوله: وهو ما إذا قتله عبد قيمته مائة، وفيه خلاف على ما يأتي إن شاء الله تعالى خلافا لزفر م: (هو) ش: أي زفر ﵀ م: (يقول إن المالية قد انتقصت فأشبه انتقاص العين) ش: فإذا انتقص من عينه شيء ذهب قسطه من الدين اتفاقا.
م: (ولنا: أن نقصان السعر عبارة عن فتور رغبات الناس، وذلك لا يعتبر في البيع حتى لا يثبت به الخيار، ولا في الغصب حتى لا يجب الضمان) ش: ونقصان السعر لا تعلق له بالرهن؛ لأن ذلك شيء يحدث في قلوب العباد بقلة الرغبات، وتحدث زيادة السعر بكثرة الرغبات، ولهذا لم يعتبر نقصان السعر في المبيع إذا انتقض قبل قبض المشتري، حتى لا يكون له خيار الرد وكذلك لا يعتبر في الغصب أيضا حتى إذا رده الغاصب إلى المالك لا يضمن نقصان السعر.
م: (بخلاف نقصان العين؛ لأن بفوات جزء منه يتقرر الاستيفاء فيه، إذ اليد يد الاستيفاء، وإذا لم يسقط شيء من الدين بنقصان السعر بقي) ش: أي العبد م: (مرهونا بكل الدين، فإذا قتله حر غرم قيمته مائة؛ لأنه تعتبر قيمته يوم الإتلاف في ضمان الإتلاف؛ لأن الجابر بقدر الفائت وأخذه المرتهن؛ لأنه بدل المالية) ش: أي لأن حقه متعلق بمالية الرهن م: (في حق المستحق) ش: أي المرتهن.
م: (وإن كان مقابلا بالدم على أصلنا) ش: أي وإن كان البدل مقابلا بالدم، وأوضح ذلك بقوله: م: (حتى لا يزداد) ش: أي البدل م: (على دية الحر) ش: لأنه إذا زيد ينتفي المقابلة م: (لأن المولى استحقه بسبب المالية) ش: هذا دليل قوله: لأنه بدل المالية في حق المستحق.
م: (وحق المرتهن متعلق بالمالية، فكذا فيما قام مقامه) ش: أي فكذا يتعلق حقه فيما يقوم مقام حقه بالمالية، حتى لا يرجع على الراهن بشيء من التسعمائة، وهو معنى قوله: م: (ثم لا يرجع على الراهن بشيء) ش: أي بشيء زائد على المالية م: (لأن يد الرهن يد الاستيفاء من الابتداء) ش: أي من أول الأمر م: (وبالهلاك يتقرر) ش: أي وبهلاك الرهن يتقرر أن الاستيفاء من الابتداء،
стр. 6513
وقيمته كانت في الابتداء ألفا فيصير مستوفيا للكل من الابتداء. أو نقول: لا يمكن أن يجعل مستوفيا الألف بمائة؛ لأنه يؤدي إلى الربا، فيصير مستوفيا المائة وبقي تسعمائة في العين، فإذا هلك يصير مستوفيا تسعمائة بالهلاك، بخلاف ما إذا مات من غير قتل أحد؛ لأنه يصير مستوفيا الكل بالعبد؛ لأنه لا يؤدي إلى الربا. قال: وإن كان أمره الراهن أن يبيعه فباعه بمائة وقبض المائة قضاء من حقه فيرجع بتسعمائة؛ لأنه لما باعه بإذن الراهن صار كأن الراهن استرده وباعه بنفسه. ولو كان كذلك يبطل الرهن ويبقى الدين إلا بقدر ما استوفى، وكذا هذا. قال: وإن قتله عبد قيمته مائة فدفع مكانه أفتكه بجميع الدين، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله -. وقال محمد ﵀: هو بالخيار إن شاء أفتكه بجميع الدين، وإن
ــ
[البناية]
أي من أول الأمر م: (وقيمته كانت في الابتداء ألفا فيصير) ش: أي المرتهن م: (مستوفيا للكل من الابتداء) ش: أي من الرهن فلا يأخذ شيئا غير المالية.
م: (أو نقول) ش: هذا دليل آخر م: (لا يمكن أن يجعل) ش: أي المرتهن م: (مستوفيا الألف بمائة؛ لأنه يؤدي إلى الربا، فيصير مستوفيا المائة وبقي تسعمائة في العين) ش: أي في عين الرهن قبل الهلاك م: (فإذا هلك) ش: أي الباقي وهو التسعمائة م: (يصير) ش: أي المرتهن م: (مستوفيا تسعمائة بالهلاك) ش: لأن بالهلاك يصير مساويا ويسقط بقية الدين.
م: (بخلاف ما إذا مات) ش: أي العبد المرهون م: (من غير قتل أحد؛ لأنه) ش: أي لأن المرتهن م: (يصير مستوفيا الكل) ش: أي كل الدين م: (بالعبد) ش: أي الناقص في السعر م: (لأنه لا يؤدي إلى الربا) ش: لأنه لا يتحقق الربا من العبد والدين.
م: (قال) ش: أي قال محمد في " الجامع الصغير ": م: (وإن كان أمره الراهن أن يبيعه) ش: أي إذا أمر الراهن المرتهن ببيع العبد الرهن المذكور م: فباعه بمائة وقبض المائة قضاء من حقه) ش: أي لأجل القضاء من حقه، أي الدين.
م: (فيرجع بتسعمائة؛ لأنه لما باعه) ش: أي لأن المرتهن لما باع العبد م: (بإذن الراهن صار كأن الراهن استرده) ش: أي العبد م: (وباعه بنفسه. ولو كان كذلك يبطل الرهن ويبقى الدين إلا بقدر ما استوفى، وكذا هذا) ش: وفي بعض النسخ: كذلك هذا.
م: (قال) ش: أي محمد في " الجامع الصغير ": م: (وإن قتله عبد) ش: أي فإن قتل العبد المرهون الذي كان يساوي ألفا بألف في ابتداء الرهن ثم نقص سعره فرجعت قيمته إلى مائة فقتله عبد مثله م: (قيمته مائة فدفع) ش: السيد م: (مكانه أفتكه) ش: أي الراهن م: (بجميع الدين) ش: من غير خيار م: (وهذا) ش: أي هذا الحكم م: (عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله -. وقال محمد ﵀: هو بالخيار) ش: أي الراهن مخير م: (إن شاء أفتكه بجميع الدين، وإن
стр. 6514
سلم العبد المدفوع إلى المرتهن بماله. وقال زفر ﵀: يصير رهنا بمائة، له: أن يد الراهن يد استيفاء وقد تقرر بالهلاك، إلا أنه أخلف بدلا بقدر العشر فبقي الدين بقدره. ولأصحابنا على زفر ﵀: أن العبد الثاني قائم مقام الأول لحما ودما. ولو كان الأول قائما وانتقص السعر لا يسقط شيء من الدين عندنا لما ذكرنا، فكذلك إذا قام المدفوع مكانه. ولمحمد ﵀ في الخيار: أن المرهون تغير في ضمان المرتهن فيخير الراهن كالمبيع إذا قتل قبل القبض، والمغصوب إذا قتل في يد الغاصب يخير المشتري والمغصوب منه، كذا هذا. ولهما: أن التغير لم يظهر في نفس العبد لقيام الثاني مقام الأول لحما ودما كما ذكرناه مع زفر ﵀،
ــ
[البناية]
شاء سلم العبد المدفوع إلى المرتهن بماله. وقال زفر ﵀: يصير رهنا بمائة) ش: ويفتكه بمائة ويسقط تسعة أعشار الدين م: (له) ش: أي لزفر م: (أن يد الراهن يد استيفاء وقد تقرر بالهلاك) ش: أي قد تقرر الاستيفاء بهلاك الرهن وهو العبد المقتول م: (إلا أنه) ش: أي أن العبد المقتول م: (أخلف بدلا بقدر العشر فبقي الدين بقدره) ش: أي بقدر عشر الدين.
م: (ولأصحابنا على زفر ﵀: أن العبد الثاني قائم مقام الأول) ش: أي مقام العبد الأول م: (لحما ودما) ش: يعني صورة ومعنى، أما صورة: فظاهر، وأما معنى: فلأن القاتل كالمقتول في الآدمية، والشرع اعتبره حراما من حيث الآدمية دون المالية، ألا ترى إلى استوائهما في حق القصاص، فكذا في الرفع أيضا.
م: (ولو كان الأول قائما وانتقص السعر لا يسقط شيء من الدين عندنا لما ذكرنا) ش: أشار إلى قوله أن نقصان السعر عبارة عن فتور رغبات الناس إلى آخره، م: (فكذلك إذا قام المدفوع) ش: أي العبد المدفوع م: (مكانه) ش: أي مكان العبد الأول.
م: (ولمحمد ﵀ في الخيار: أن المرهون تغير في ضمان المرتهن) ش: لأنه غيره في الحقيقة والتغير لا بد من أن يوجب الخيار، فإذا كان كذلك م: (فيخير الراهن كالمبيع) ش: أي في العبد المبيع م: (إذا قتل قبل القبض) ش: فدفع به العبد القاتل مكانه. م: (والمغصوب) ش: أي وكان المغصوب م: (إذا قتل في يد الغاصب) ش: يعني إذا غصب عبدا قيمته ألف فقتله عبد قيمته مائة فدفع م: (يخير المشتري) ش: في مسألة البيع م: (والمغصوب منه) ش: في مسألة الغصب والمشتري يتخير بين أن يأخذ المدفوع وبين أن يفسخ البيع لتغير المبيع، وإن شاء أخذ المدفوع مكانه، م: (كذا هذا) ش: أي أن يخير الراهن في مسألة الرهن إذا تغير في ضمان المرتهن.
م: (ولهما) ش: أي لأبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله -: م: (أن التغير لم يظهر في نفس العبد لقيام الثاني مقام الأول لحما ودما كما ذكرناه، مع زفر ﵀) ش: فلو كان الأول
стр. 6515
وعين الرهن أمانة عندنا، فلا يجوز تمليكه منه بغير رضاه؛ ولأن جعل الرهن بالدين حكم جاهلي وأنه منسوخ، بخلاف البيع لأن الخيار فيه حكمه الفسخ، وهو مشروع، وبخلاف الغصب؛ لأن تملكه بأداء الضمان مشروع، ولو كان العبد تراجع سعره حتى صار يساوي مائة ثم قتله عبد يساوي مائة فدفع به فهو على هذا الخلاف.
وإذا قتل العبد الرهن قتيلا خطأ فضمان الجناية على المرتهن وليس له أن يدفع؛ لأنه لا يملك التمليك. قال: ولو فدى طهر المحل فبقي الدين على حاله، ولا يرجع على الراهن بشيء
ــ
[البناية]
قائما وتراجع سعره لم يكن له خيار كذلك هنا م: (وعين الرهن أمانة عندنا) ش: كما مر في أول كتاب الرهن، م: (فلا يجوز تمليكه منه بغير رضاه) ش: أي بغير رضا المرتهن.
م: (ولأن جعل الرهن بالدين حكم جاهلي) ش: رواه النبي ﷺ بقوله «لا يغلق الرهن» م: (وأنه منسوخ) ش: أي الشرع نسخ ذلك، فلا يجوز المصير إليه م: (بخلاف البيع) ش: هذا جواب عن قياس محمد بالبيع، بيانه: أن القياس بالبيع في الخيار لا يصح م: (لأن الخيار فيه حكمه الفسخ، وهو مشروع، وبخلاف الغصب؛ لأن تملكه بأداء الضمان مشروع) ش: بخلاف ما نحن فيه.
م: (ولو كان العبد تراجع سعره حتى صار يساوي مائة ثم قتله عبد يساوي مائة فدفع به فهو على هذا الخلاف) ش: وقال الأترازي: هذا تكرار لا محالة؛ لأن وضع المسألة في الفصل الثالث، وهو قوله فإن قتله عبد قيمته مائة فدفع مكانه أفتكه بجميع الدين، فلا حاجة بعد ذلك بعينه فهو على الخلاف. وقال الأكمل ﵀: قيل في بعض الشروح: هذا تكرار لا محالة.
قلت: أراد به الأترازي، ثم ذكر قوله لما ذكرنا إلى قوله فهو على الخلاف، ثم قال: وكذلك قال صاحب " النهاية " جعل الصورة الثالثة فيما إذا تراجع السعر، لكنه لم يتعرض لوقوع التكرار، وهو لازم عليه أيضا، وفي ذلك سوء ظن بمثل صاحب " الهداية " الذي جاز قصبات السبق في التحقيق، وإنما الصورة الثالثة: في غير تراجع السعر كما ذكرنا، وهذه المسألة في صورة التراجع ولا تكرار به.
[قتل العبد الرهن قتيلا خطأ]
م: (وإذا قتل العبد الرهن قتيلا خطأ فضمان الجناية على المرتهن) ش: لأن العبد كله في ضمانه ودينه مستغرق لرقبته؛ لأن المسألة فيما إذا كانت قيمته والدين سواء لأن قيمته لو كانت أكثر من الدين بعدها م: (وليس له أن يدفع) ش: أي وليس للمرتهن دفع العبد م: (لأنه) ش: أي لأن الرهن م: (لا يملك التمليك) ش: لأن الدفع تمليك الرقبة وهو لا يملك تمليكها.
م: (قال: ولو فدى) ش: أي لو فدى المرتهن م: (طهر المحل) ش: بالطاء المهملة، أي طهر العبد عن الجناية م: (فبقي الدين) ش: في الرهن م: (على حاله، ولا يرجع على الراهن بشيء من
стр. 6516
من الفداء؛ لأن الجناية حصلت في ضمانه، فكان عليه إصلاحها. قال: ولو أبى المرتهن أن يفدي قيل للراهن ادفع العبد أو افده بالدية؛ لأن الملك في الرقبة قائم له، وإنما أبى المرتهن الفداء لقيام حقه. قال: فإذا امتنع عن الفداء يطالب الراهن بحكم الجناية، ومن حكمها التخيير بين الدفع والفداء. فإن اختار الدفع سقط الدين؛ لأنه استحق المعنى في ضمان المرتهن، فصار كالهلاك. قال: وكذلك إن فدى لأن العبد كالحاصل له بعوض كان على المرتهن وهو الفداء. بخلاف ولد الرهن إذا قتل إنسانا أو استهلك مالا حيث يخاطب الراهن بالدفع أو الفداء في الابتداء؛ لأنه غير مضمون على المرتهن، فإن دفع خرج من الرهن ولم يسقط شيء من الدين، كما لو هلك في الابتداء، وإن فدى فهو رهن مع أمه على حالهما. قال: ولو استهلك العبد المرهون مالا يستغرق رقبته، فإذا أدى المرتهن الدين الذي لزم العبد فديته على حاله كما في الفداء، وإن أبى قيل للراهن: بعه في الدين إلا أن يختار أن يؤدى عنه،
ــ
[البناية]
الفداء؛ لأن الجناية حصلت في ضمانه، فكان عليه إصلاحها. قال: ولو أبى المرتهن أن يفدي، قيل للراهن ادفع العبد أو افده بالدية؛ لأن الملك في الرقبة قائم له) ش: أي للراهن م: (وإنما أبى المرتهن الفداء لقيام حقه. قال: فإذا امتنع عن الفداء يطالب الراهن بحكم الجناية ومن حكمها) ش: أي من حكم الجناية م: (التخيير بين الدفع والفداء. قال: فإن اختار الدفع سقط الدين؛ لأنه) ش: أي لأن العبد م: (استحق المعنى) ش: وهو الجناية م: (في ضمان المرتهن، فصار كالهلاك) ش: أي كهلاك العبد، والجامع زوال ملك الراهن عن الرهن في ضمان المرتهن.
م: (قال: وكذلك إن فدى) ش: أي وكذلك يقسط الدين إن فدى م: (لأن العبد كالحاصل له بعوض كان على المرتهن وهو الفداء) ش: يعني إذا كان على المرتهن دين وقد أداه الراهن وجب على المرتهن مثل ما أدى إلى ولي الجناية، وللمرتهن على الراهن دين فالتقيا قصاصا فيسلم الرهن للراهن. ولا يكون متبرعا في أداء الفداء، لا أنه يسعى في تخليص ملكه كعير الرهن.
م: (بخلاف ولد الرهن إذا قتل إنسانا أو استهلك مالا حيث يخاطب الراهن بالدفع أو الفداء في الابتداء) ش: أي في أول الأمر م: (لأنه غير مضمون على المرتهن، فإن دفع) ش: أي الراهن إلى المرتهن م: (خرج من الرهن ولم يسقط شيء من الدين، كما لو هلك في الابتداء) ش: أي في أول الأمر هلك بدون الجناية يخرج من الرهن ولم يسقط شيء من الدين م: (وإن فدى) ش: أي الراهن م: (فهو) ش: أي الابن م: (رهن مع أمه على حالهما) ش: تبعا لها.
م: (قال: ولو استهلك العبد المرهون مالا يستغرق رقبته، فإذا أدى المرتهن الدين الذي لزم العبد فديته على حاله كما في الفداء) ش: أي كما ينبغي الدين على حاله إذا فداه م: (وإن أبى) ش: أي المرتهن م: (قيل للراهن بعه) ش: أي العبد م: (في الدين إلا أن يختار أن يؤدى عنه) ش: الدين م:
стр. 6517
فإن أدى بطل دين المرتهن كما ذكرنا في الفداء. قال: وإن لم يؤد وبيع العبد فيه يأخذ صاحب دين العبد دينه؛ لأن دين العبد مقدم على دين المرتهن وحق ولي الجناية لتقدمه على حق المولى.
ــ
[البناية]
(فإن أدى بطل دين المرتهن) ش: على الراهن م: (كما ذكرنا في الفداء) ش: وهو قوله: وكذلك إن فدى.
م: (قال: وإن لم يؤد) ش: أي الراهن م: (وبيع العبد فيه) ش: أي في الدين م: (يأخذ صاحب دين العبد دينه؛ لأن دين العبد مقدم على دين المرتهن وحق ولي الجناية) ش: وعلى حق ولي الجناية أيضا، حتى لو جنى وعليه دين يدفع إلى ولي الجناية، ولفظه: وحق الجناية مجرور؛ لأنه عطف على دين المرتهن.
وحاصل المعنى: دين العبد مقدم على حق ولي الجناية أيضا، حتى لو جنى وعليه دين يدفع إلى ولي الجناية ثم يباع للغرماء على ما يأتي في جناية المملوك في الديات، قاله الكاكي. وكذا قاله الأكمل وتاج الشريعة.
وقال الأترازي: قوله: " وحق ولي الجناية " بالنصب أو بالرفع عطفا على لفظ " للدين ومحله "، معناه: أن دين العبد مقدم على دين المرتهن. وكذلك حق ولي الجناية أيضا مقدم على دين المرتهن؛ لأن كل واحد منهما مقدم على حق الولي فلأنه مقدم على حق المرتهن أولى. لأن حق المالك أقوى.
ثم قال: وقال بعضهم في شرحه: قوله: " وحق ولي الجناية "، بالجر، أي دين العبد مقدم على دين المرتهن، ويقدم أيضا على حق ولي الجناية، حتى لو جنى وعليه دين يدفع إلى ولي الجناية. ثم يباع للغرماء فالقول هذا في غاية الضعف. لأن المسألة التي استشهد بها يدفع كلامه؛ لأنه قال: دين العبد مقدم على حق ولي الجناية وفي المسألة قدم حق ولي الجناية ثم رتب عليه حق الغرماء. فإنه مناقضة لا محالة. قلت أراد بقوله: " وقال وبعضهم " في " شرح الكاكي ": كما ذكر كلامه في إعراب وحق غير موجه يعرف بالتأمل. وأما اعتراضه عليه في المسألة المستشهد بها فلا وجه لأنه يجيء.
م: (لتقدمه على حق المولى) ش: أي لتقدم كل واحد منها من دين العبد ومن حق ولي الجناية على حق المولى، كذا فسره الأترازي، وقال الكاكي: أي لتقدم حق العبد على حق المولى يكون مقدما على حق من يقوم مقامه وهو المرتهن وولي الجناية؛ لأن المرتهن يقوم مقام الولي في المالية وولي الجناية مقام الولي في ملك العين. وكذا فسره الأكمل ﵀، والفرق بين التفسيرين بحسب تفسيرهم قوله: " وحق الجناية ".
стр. 6518
قال: فإن فضل شيء ودين غريم العبد مثل دين المرتهن أو أكثر فالفضل للراهن وبطل دين المرتهن لأن الرقبة استحقت لمعنى هو في ضمان المرتهن فأشبه الهلاك. قال: وإن كان دين العبد أقل سقط من دين المرتهن بقدر دين العبد وما فضل من دين العبد يبقى رهنا كما كان. ثم إن كان دين المرتهن قد حل أخذه به لأنه من جنس حقه. وإن كان لم يحل أمسكه حتى يحل. وإن كان ثمن العبد لا يفي بدين الغريم أخذ الثمن ولم يرجع بما بقي على أحد حتى يعتق العبد؛ لأن الحق في دين الاستهلاك يتعلق برقبته، وقد استوفيت فيتأخر إلى ما بعد العتق. قال: ثم إذا أدى بعده لا يرجع على أحد؛ لأنه وجب عليه بفعله. قال: وإن كانت قيمة العبد ألفين وهو رهن بألف وقد جنى العبد، يقال لهما: افدياه: لأن النصف منه مضمون، والنصف أمانة، والفداء في المضمون على المرتهن. وفي الأمانة على الراهن،
ــ
[البناية]
م: (قال: فإن فضل شيء) ش: أي من ثمن العبد الذي بيع م: (ودين غريم العبد) ش: الواو فيه للحال م: (مثل دين المرتهن أو أكثر فالفضل للراهن وبطل دين المرتهن؛ لأن الرقبة استحقت لمعنى هو في ضمان المرتهن فأشبه الهلاك) ش: أي هلاك العبد حيث يبطل دين المرتهن به.
م: (قال: وإن كان دين العبد أقل) ش: من دين المرتهن م: (سقط من دين المرتهن بقدر دين العبد) ش: لأن ذلك استحق بسبب كان في يد المرتهن م: (وما فضل من دين العبد يبقى رهنا كما كان) ش: رهنا أو لا.
م: (ثم إن كان دين المرتهن قد حل أخذه به) ش: أي بدينه م: (لأنه من جنس حقه) ش: فلا معنى لحسن الدرهم بالدرهم فيستوفيه م: (قال: وإن كان) ش: أي دينه م: (لم يحل أمسكه) ش: أي أمسك الباقي م: (حتى يحل) ش: دينه م: (وإن كان ثمن العبد لا يفي بدين الغريم أخذ الثمن ولم يرجع بما بقي) ش: من دينه م: (على أحد حتى يعتق العبد) ش: فإذا أعتق رجع عليه م: (لأن الحق في دين الاستهلاك يتعلق برقبته وقد استوفيت) ش: أي الرقبة قد استحقت بسبب كان في يده م: (فيتأخر) ش: أي الدين الباقي م: (إلى ما بعد العتق. قال: ثم إذا أدى بعده) ش: أي ثم إذا أدى العبد الباقي بعد العتق م: (ولا يرجع) ش: أي العبد م: (على أحد) ش: بما أدى م: (لأنه وجب عليه بفعله) ش: لأن الباقي وجب عليه بفعل نفسه.
م: (قال: وإن كان قيمة العبد ألفين وهو) ش: أي العبد م: (رهن بألف وقد جنى العبد) ش: جناية على النفس م: (يقال لهما) ش: أي للراهن والمرتهن م: (افدياه؛ لأن النصف منه مضمون، والنصف أمانة، والفداء في المضمون على المرتهن. وفي الأمانة على الراهن) ش: لأن النصف الجناية في الأمانة يلزم المالك للرقبة كما يلزم المودع وحكمها في المضمون يتعلق بالراهن، فلذلك قيل لهما: افديا فديا.
стр. 6519
فإن أجمعا على الدفع دفعاه وبطل دين المرتهن والدفع لا يجوز في الحقيقة من المرتهن لما بينا، وإنما منه الرضا به. قال: فإن تشاحا فالقول لمن قال: أنا أفدي راهنا كان أو مرتهنا. أما المرتهن فلأنه ليس في الفداء إبطال حق الراهن، وفي الدفع الذي يختاره الراهن إبطال حق المرتهن، وكذا في جناية ولد الرهن إذا قال المرتهن: أنا أفدي له ذلك وإن كان المالك يختار الدفع؛ لأنه إن لم يكن مضمونا فهو محبوس بدينه وله في الفداء غرض صحيح ولا ضرر على الراهن، فكان له أن يفدي. وأما الراهن فلأنه ليس للمرتهن ولاية الدفع لما بينا، فكيف يختاره. قال: ويكون المرتهن في الفداء متطوعا في حصة الأمانة، حتى لا يرجع على الراهن؛ لأنه يمكنه أن لا يختاره فيخاطب الراهن
ــ
[البناية]
م: (فإن أجمعا على الدفع دفعاه) ش: ولفظ " دفعاه " يجوز؛ لأنه لدفع تمليك لا بملك المرتهن ذلك، وإنما معنى أن المرتهن رضي بالدفع حين امتنع من الفداء فدفع إلى الراهن وأضاف الدفع إليهما؛ لأنه تم باختيارهما، وإن لم يقم بفعله كذا ذكر القدوري في " شرحه "، م: (وبطل دين المرتهن والدفع لا يجور في الحقيقة من المرتهن لما بينا) ش: إشارة إلى قوله لأنه يملك التمليك. وفي بعض النسخ: لما ذكرنا م: (وإنما منه الرضا به) ش: أي من المرتهن الرضا بالدفع وقد ذكرنا هذا من شرح القدوري آنفا.
م: (قال: فإن تشاحا) ش: أي الراهن والمرتهن فقال المرتهن أنا أفدي، وقال الراهن أنا أدفع م: (فالقول لمن قال أنا أفدي راهنا كان أو مرتهنا. أما المرتهن فلأنه ليس في الفداء إبطال حق الراهن، وفي الدفع الذي يختاره الراهن إبطال حق المرتهن، وكذا في جناية ولد الرهن) ش: أي وكذا الحكم في جناية ولد الرهن م: (إذا قال المرتهن: أنا أفدي له ذلك وإن كان المالك يختار الدفع) ش: كلمة " إن " واصلة بما قبلها م: (لأنه) ش: أي لأن الولد م: (إن لم يكن مضمونا فهو محبوس بدينه) ش: أي بدين المرتهن، أي وللمرتهن م: (وله في الفداء غرض صحيح) ش: وهو أن يكون الولد رهنا كأصله، وكذا قاله شيخي العلاء.
وقال تاج الشريعة: عوض صحيح، أي حبس الرقبة لجانب الاستيفاء.
م: (ولا ضرر على الراهن) ش: لأن المرتهن لم يرجع عليه بشيء م: (فكان له أن يفدي. وأما الراهن فلأنه ليس للمرتهن ولاية الدفع لما بينا) ش: يعني به أن الرقبة ليست له، فكيف يملكها من غيره وهو معنى قوله م: (فكيف يختاره. قال: ويكون المرتهن في الفداء متطوعا في حصة الأمانة حتى لا يرجع على الراهن) ش: يعني إن كان الذي يختار الفداء هو المرتهن كان متطوعا في حصة الأمانة؛ لأن اختار مع تمكينه من الامتناع لحصول الراهن، فكان كالأجنبي م: (لأنه) ش: أي لأن المرتهن م: (يمكنه أن لا يختاره) ش: أي الفداء م: (فيخاطب الراهن) ش: لأنه بعدما التزم
стр. 6520
فلما التزمه والحالة هذه كان متبرعا، وهذا على ما روي عن أبي حنيفة ﵀: أنه لا يرجع مع الحضور، وسنبين القولين إن شاء الله تعالى. قال: ولو أبى المرتهن أن يفدي وفداه الراهن، فإنه يجب على المرتهن نصف الفداء من دينه؛ لأن سقوط الدين أمر لازم فدى أو دفع فلم يجعل الراهن في الفداء متطوعا، ثم ينظر إن كان نصف الفداء مثل الدين أو أكثر بطل الدين، وإن كان أقل سقط من الدين بقدر نصف الفداء، وكان العبد رهنا بما بقي؛ لأن الفداء في النصف كان عليه، فإذا أداه الراهن وهو ليس بمتطوع كان له الرجوع عليه، فيصير قصاصا بدينه كأنه أوفى نصفه، فيبقى العبد رهنا بما بقي. قال: ولو كان المرتهن فدى والراهن حاضر فهو متطوع، وإن كان غائبا لم يكن متطوعا، وهذا قول أبي حنيفة ﵀. وقال أبو يوسف ومحمد والحسن وزفر ﵏: المرتهن متطوع في الوجهين؛ لأنه فدى ملك غيره بغير أمره، فأشبه الأجنبي.
ــ
[البناية]
المرتهن الفداء لا يتمكن الراهن من الدفع، فتغير الفداء يخاطب به م: (فلما التزمه والحالة هذه كان متبرعا) ش: أي فلما التزم الفداء المرتهن مع تمكينه الفداء يكون متبرعا.
م: (وهذا) ش: أي المذكور م: (على ما روي عن أبي حنيفة ﵀: أنه) ش: أي أن المرتهن م: (لا يرجع مع الحضور) ش: أي مع حضور الراهن أو كان غائبا م: (وسنبين القولين إن شاء الله تعالى) ش: والقولان وهما قول أبي حنيفة وقول مخالفيه؛ لأنه المذكور بعد هذا، فافهم، أي بعد هذا بخطوط عند قوله م: (قال: ولو أبى المرتهن أن يفدي وفداه الراهن) ش: حاضر، ولو أبى المرتهن أن يفدي وفداه الراهن م: (فإنه يجب المرتهن نصف الفداء من دينه؛ لأن سقوط الدين أمر لازم فدى أو دفع فلم يجعل الراهن في الفداء متطوعا، ثم ينظر إن كان نصف الفداء مثل الدين أو أكثر بطل الدين) ش: يعني أن موجب الجناية الدفع أو الفداء أو على التقديرين.
م: (وإن كان أقل سقط من الدين بقدر نصف الفداء، وكان العبد رهنا بما بقي؛ لأن الفداء في النصف كان عليه، فإذا أداه الراهن وهو ليس بمتطوع كان له الرجوع عليه، فيصير قصاصا بدينه كأنه أوفى نصفه، فيبقى العبد رهنا بما بقي. قال: ولو كان المرتهن فدى والراهن حاضر فهو متطوع، وإن كان غائبا) ش: أي غيبته منقطعة، ذكره في " الأسرار " م: (لم يكن متطوعا، وهذا قول أبي حنيفة ﵀. وقال أبو يوسف ومحمد والحسن وزفر ﵏: المرتهن متطوع في الوجهين) ش: أي الحضور والغيبة. وبه قالت الأئمة الثلاثة.
وروي عن أبي حنيفة عكس هذا، وهو: الراهن إذا كان حاضرا لا يكون متطوعا، وإن كان غائبا يكون متطوعا م: (لأنه فدى ملك غيره بغير أمره فأشبه الأجنبي) .
стр. 6521
وله: أنه إذا كان الراهن حاضرا أمكنه مخاطبته، فإذا أفداه المرتهن فقد تبرع كالأجنبي، فأما إذا كان الراهن غائبا تعذر مخاطبته، والمرتهن يحتاج إلى إصلاح المضمون، ولا يمكنه ذلك إلا بإصلاح الأمانة فلا يكون متبرعا. قال: وإذا مات الراهن باع وصية الرهن وقضى الدين؛ لأن الوصي قائم مقامه. ولو تولى الموصي حيا بنفسه كان له ولاية البيع بإذن المرتهن، فكذا الوصية. قال: وإن لم يكن له وصي نصب القاضي له وصيا وأمره ببيعه؛ لأن القاضي نصب ناظرا لحقوق المسلمين إذا عجزوا عن النظر لأنفسهم، والنظر في نصب الوصي ليؤدي ما عليه لغيره ويستوفي ماله من غيره.
قال: وإن كان على الميت دين فرهن الوصي بعض التركة عند غريم من غرمائه لم يجز وللآخرين أن يردوه؛ لأنه آثر بعض الغرماء بالإيفاء الحكمي
ــ
[البناية]
م: (وله) ش: أي ولأبي حنيفة: م: (أنه إذا كان الراهن حاضرا أمكنه مخاطبته، فإذا أفداه المرتهن فقد تبرع كالأجنبي، فأما إذا كان الراهن غائبا تعذر مخاطبته، والمرتهن يحتاج إلى إصلاح المضمون) ش: وهو تظهير الرهن عند الجناية م: (ولا يمكنه ذلك إلا بإصلاح الأمانة) ش: لأن الفداء للمرتهن لا يجزئ لكونه غائبا م: (فلا يكون متبرعا) .
م: (قال) ش: أي القدوري م: (وإذا مات الراهن باع وصية الرهن وقضى الدين؛ لأن الوصي قائم مقامه. ولو تولى الموصي حيا) ش: أي حال كونه حيا م: (بنفسه كان له ولاية البيع بإذن المرتهن، فكذا الوصية) ش: أي البيع بإذن المرتهن وبلا إذنه لا يجوز؛ لأنه ولاء للوصي.
م: (قال: وإن لم يكن له) ش: أي للراهن الميت م: (وصي نصب القاضي له وصيا وأمره ببيعه؛ لأن القاضي نصب ناظرا لحقوق المسلمين إذا عجزوا عن النظر لأنفسهم، والنظر في نصب الوصي ليؤدي ما عليه لغيره ويستوفي ماله من غيره. قال: وإن كان على الميت دين فرهن الوصي بعض التركة عند غريم من غرمائه لم يجز للآخرين) ش: أي ولبقية الغرماء م: (أن يردوه؛ لأنه) ش: أي لأن الولي م: (آثر) ش: أي اختار م: (بعض الغرماء بالإيفاء الحكمي) ش: يعني أن موجب عقد الرهن ثبوت يد الاستيفاء للمرتهن.
وليس للوصي أن يخص بعض الغرماء بذلك، كذا قال تاج الشريعة.
وقال الحاكم الشهيد في " الكافي ": لأن في الرهن معنى إيفاء الدين من وجه على وجه طلب الحقيقة عند الهلاك، والوصي لا يكون بحل من إيفاء حق بعض الغرماء دون البعض لتعلق حقهم على السواء في التركة، إلا إذا قضى ديونهم قبل أن يردوه كما في الإيفاء الحقيقي.
стр. 6522
فأشبه الإيثار بالإيفاء الحقيقي. قال: فإن قضى دينهم قبل أن يردوه جاز؛ لزوال المانع بوصول حقهم إليهم. قال: ولو لم يكن للميت غريم آخر جاز الرهن اعتبارا بالإيفاء الحقيقي. قال: وبيع في دينه؛ لأنه يباع فيه قبل الرهن فكذا بعده. قال: وإذا ارتهن الوصي بدين الميت على رجل جاز؛ لأنه استيفاء وهو يملكه، قال ﵁: وفي رهن الوصي تفصيلات نذكرها في كتاب الوصايا إن شاء الله تعالى.
ــ
[البناية]
وهذا الشرح لكلام المصنف قوله: م: (فأشبه الإيثار بالإيفاء الحقيقي) ش: فلا يجوز.
م: (قال: فإن قضى) ش: أي الوصي م: (دينهم) ش: أي دين الغرماء م: (قبل أن يردوه جاز لزوال المانع) ش: وهو إيثارهم بالإيفاء الحكمي م: (بوصول حقهم إليهم. قال: ولو لم يكن للميت غريم آخر) ش: غير الغرماء المذكورين م: (جاز الرهن اعتبارا بالإيفاء الحقيقي. قال: وبيع في دينه؛ لأنه يباع فيه قبل الرهن فكذا بعده) ش: لأنه لا مزاحم له.
م: (قال: وإذا ارتهن الوصي بدين للميت على رجل جاز؛ لأنه استيفاء) ش: أي لأن ارتهان الوصي من باب استيفاء الحقوق م: (وهو يملكه) ش: أي الوصي بملك الاستيفاء؛ لأنه نصب لاستيفاء الحقوق وإيفائها.
م: (قال ﵁) ش: أي المصنف: م: (في رهن الوصي تفصيلات، نذكرها في كتاب الوصايا إن شاء الله تعالى) ش: قال الأترازي: هذه حوالة غير رائجة؛ لأن رهن الوصي لم يذكره في كتاب الوصايا فضلا عن تفصيلاته، ثم طول الكلام فيه، وملخصه: أن الورثة إذا كانوا كلهم كبارا حضورا لا يجوز، وإن كانوا صغارا وكبارا إن كان الكبار حضورا ملك بدين على الميت في قول أبي حنيفة، وعندهما: لا يصح وإن كان بدين استدانه عليهم أو على الصغار: لم يصح في حق الكل بالإجماع، سواء كان الكبار حضورا أو غيبا. وإن كان بدين على الميت فلا يكون النظر واقعا للميت، بل يقع للوارث فلا يستقيم إثبات الولاية على غيره بتقدير النظر في حقه، ولو كان الرهن بدين استدانه في بقية الرقيق فالجواب فيه كالجواب فيما إذا كان الرهن بدين على الميت.
стр. 6523
فصل قال: ومن رهن عصيرا بعشرة قيمته عشرة فتخمر، ثم صار خلا يساوي عشرة فهو رهن بعشرة؛ لأن ما يكون محلا للبيع يكون محلا للرهن، إذ المحلية بالمالية فيهما، والخمر وإن لم يكن محلا للبيع ابتداء فهو محل له بقاء، حتى إن من اشترى عصيرا فتخمر قبل القبض يبقى العقد، إلا أنه يتخير في البيع لتغير وصف المبيع بمنزلة ما إذا تعيب.
ــ
[البناية]
[فصل في بيان المسائل المتفرقة في كتاب الرهن]
[رهن عصيرا بعشرة قيمته عشرة فتخمر ثم صار خلا يساوي عشرة]
م: (فصل) ش: أي هذا فصل في بيان المسائل المتفرقة التي نذكرها في أواخر الكتب.
م: (قال) ش: أي قال محمد في " الجامع الصغير ": م: (ومن رهن عصيرا بعشرة قيمته عشرة فتخمر) ش: أي صار خمرا م: (ثم صار خلا يساوي عشرة فهو رهن بعشرة) ش: لكن هذا إذا لم ينقص من مقداره بالتخمر، والغالب النقصان، فإذا انتقص سقط من الدين بقدره، وإذا انتقص سعره لا مقدار هلا يسقط شيء من الدين، ولكن الراهن يتخير، كما إذا انكسر القلب إن شاء أفتكه ناقصا بجميع الدين، وإن شاء ضمنه قيمته ويكون قيمته رهنا عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله -، وعند محمد: إن شاء أفتكه ناقصا، وإن شاء أفتكه بالدين، وإن لم ينقص قيمته لا يخير فيه، فيبقى رهنا كما كان؛ لأنه لا ضرر في الجبر على الفكاك م: (لأن ما يكون محلا للبيع يكون محلا للرهن، إذ المحلية بالمالية فيهما) ش: أي في البيع والرهن.
م: (والخمر وإن لم يكن محلا للبيع ابتداء فهو محل له بقاء، حتى إن من اشترى عصيرا فتخمر قبل القبض يبقى العقد) ش: أي لا ينقض م: (إلا أنه) ش: أي أن المشتري م: (يتخير في البيع لتغير وصف المبيع بمنزلة ما إذا تعيب) ش: المبيع قبل القبض.
والحاصل هنا: أن رهن العصير جائز لبيعه بلا خلاف، فإذا تخمر وهما مسلمان يفسد الرهن بلا خلاف، فإذا فسد فسد الرهن فللمرتهن أن يخللها وليس للراهن أن يبيعه بالاسترداد، فإن خللها المرتهن أو صارت خلا فقد عادت المالية ويعود حكم الرهن عندنا، وبه قال مالك.
وعند الشافعي وأحمد: لا يجوز بالتخليل. ويعود بأن صارت خلا بنفسه. ولو كانا كافرين يبقى الرهن بتخمره لبقاء ماليته عندهما. ولو كان الراهن مسلما والمرتهن كافرا فتخمر يفسد الرهن. ولو كان الراهن كافرا والمرتهن مسلما فله أن يأخذ الرهن والدين على حاله. وليس للمسلم أن يخللها لبقاء المالية في حق الراهن.
стр. 6524
قال: ولو رهن شاة قيمتها عشرة بعشرة فماتت، فدبغ جلدها فصار يساوي درهما فهو رهن بدرهم؛ لأن الرهن يتقرر بالهلاك، فإذا حيي بعض المحل يعود حكمه بقدره، بخلاف ما إذا ماتت الشاة المبيعة قبل القبض فدبغ جلدها، حيث لا يعود البيع؛ لأن البيع ينتقض بالهلاك قبل القبض والمنتقض لا يعود. أما الرهن يتقرر بالهلاك على ما بيناه. ومن مشايخنا من يمنع مسألة البيع ويقول: يعود البيع. قال: ونماء الرهن للراهن وهو مثل الولد والثمر واللبن والصوف؛ لأنه متولد من ملكه، ويكون رهنا مع الأصل لأنه تبع له، والرهن حق لازم فيسري إليه. قال: فإن هلك يهلك بغير شيء
ــ
[البناية]
م: (قال: ولو رهن شاة قيمتها عشرة بعشرة فماتت فدبغ جلدها فصار يساوي درهما فهو رهن بدرهم؛ لأن الرهن يتقرر بالهلاك) ش: لأن المرتهن يصير مستوفيا لهلاك وبالاستيفاء تأكد عقد الرهن. وقوله فهو رهن بدرهم معناه إن كانت قيمة الجلد يوم الرهن درهما. وأما إذا كانت قيمته يومئذ درهمين فهو رهن بدرهمين، ويعرف ذلك بأن ينظر إلى قيمة الشاة حية ومسلوخة، فإن كانت قيمتها حية عشرة، وقيمتها مسلوخة تسعه كانت قيمة الجلد يوم الارتهان درهما. وإن كانت قيمتها مسلوخة ثمانية كانت درهمين.
م: (فإذا حيي بعض المحل) ش: بأن عادت المالية بالدباغ م: (يعود حكمه بقدره) ش: يعني يسقطه م: (بخلاف ما إذا ماتت الشاة المبيعة قبل القبض فدبغ جلدها حيث لا يعود البيع؛ لأن البيع ينتقض بالهلاك) ش: أي بهلاك المبيع م: (قبل القبض والمنتقض لا يعود. أما الرهن يتقرر بالهلاك على ما بيناه) ش: أشار به إلى قوله " لأن الرهن يتقرر بالهلاك " فيما مضى بسطرين. م: (ومن مشايخنا من يمنع مسألة البيع ويقول: يعود البيع) ش: كالرهن.
م: (قال) ش: أي القدوري م: (ونماء الرهن للراهن) ش: أي الزيادة الحاصلة في الرهن للراهن وقد بين المصنف ذلك بقوله: م: (وهو مثل الولد) ش: أي بأن كان الراهن أمة فولدت ولدا م: (والثمر) ش: بأن كان الرهن شجرا فظهرت فيه ثمرة م: (واللبن) ش: بأن كان الرهن حيوانا من ذوات الألبان م: (والصوف) ش: بأن كان الرهن غنما فنمى فيه صوف، أو جملا فنمى فيه وبر ونحو ذلك كله رهن مع الأصل م: (لأنه متولد من ملكه) ش: أي من ملك الراهن م: (ويكون رهنا مع الأصل؛ لأنه) ش: أي لأن المتولد م: (تبع له، والرهن حق لازم) ش: يعني مستنفر في العين م: (فيسري إليه) ش: أي فيسري التبع إلى الأصل.
م: (قال: فإن هلك) ش: أي النماء م: (يهلك بغير شيء) ش: والرهن على حاله بجميع الدين. وفي " المحيط " و " المبسوط ": الأصل عندنا أن كل ما يتولد من عين الرهن كالوالد والتمر يسري حكم الرهن إليهم. وكذا كل ما كان بدل جزء منه وما كان بدل المنفعة أو به لا يتولد منه
стр. 6525
لأن الأتباع لا قسط لها مما يقابل بالأصل؛ لأنها لم تدخل تحت العقد مقصودا، إذ اللفظ لا يتناولها.
ــ
[البناية]
كالعلة، والكسب لا يسري حكم الرهن إليه، وبقولنا قال الثوري. وقال أحمد المتولد منه وما حدث منه بسبب حادث كالغلة والكسب يدخل الكل، وهو قول النخعي والشعبي.
وقال مالك: يدخل الولد خاصة دون غيره.
وقال الشافعي وأبو ثور وابن المنذر: لا يدخل شيء في الرهن من النماء المنفصل ولا من الكسب لحق الجناية، حتى قال الشافعي ﵀: لو رهنه ماشية مخاضا فنتجت فالنتاج خارج من الرهن، وخالف أبو ثور وابن المنذر.
فإن قلت احتجوا بقوله ﷺ «لا يغلق الرهن من راهنه له غنمه وعليه غرمه» والنماء غنم فيكون من الراهن. قلت قد ذكرنا تأويله فيما مضى، لئن سلم فنقول به إن النماء ملكه، لكن حق المرتهن متعلق به وله حبسه، حتى يستوفي جميع حقه من الدين ولا سبيل للراهن عليه قبل ذلك، ولهذا قالت الفقهاء الأوصاف القارة في الأمهات تسري إلى الأولاد والرهن من الأوصاف القارة في الأمهات، فتسري إلى الأولاد.
ولا يلزم على هذا الأصل ولد المغصوبة وولد المشاجرة وولد المنكوحة وولد الموصى بها بالخدمة وولد الجانية وولد التي تثبت حق الزكاة بعد الحول. وكذا ولد التي كفلت حيث لا تسري هذه الأحكام إلى الولد؛ لأن المراد من الأوصاف: الأوصاف الزانية في الأم لكونها بقيعة وحرة وقنة ومدبرة ومكاتبة ومرهونة لا الأوصاف التي تثبت في ذمتها كما في كفالة الحر ولا في ذمة مالك الأم كما في الزكاة وأن يكون الولد هنا لكان حكم ذلك الوصف كالمبيع والتحرير، والكتابة والتدبير والرهن، أما الولد لا يثبت فيه حكم الغصب عندنا، وكذا لا يقبل حكم الإجارة؛ لأن حكم المتاجر في المنفعة لا في العين، وكذا ولد المنكوحة لا يقبل للمحل في حق الزوج وكذا ولد الموصى بخدمتها لا يكون صالحا للخدمة حتى ينفصل، وكذا ولد الجناية والدفع به غير لازم.
م: (لأن الأتباع لا قسط لها مما يقابل بالأصل؛ لأنها لم تدخل تحت العقد مقصودا) ش: أي لفظ العقد م: (إذ اللفظ لا يتناولها) ش: أي الأتباع، وذلك كولد المبيع فإنها تصير مبيعا تبعا، فلا يكون له حصة في الثمن، إلا إذا صار مقصودا بالنص، فكذا في الرهن إذا صار مقصودا بالفكاك، فلا يكون له حصة من الضمان قبله. كذا في " الإيضاح ": وغيره.
стр. 6526
قال: وإن هلك الأصل وبقي النماء أفتكه الراهن بحصته يقسم الدين على قيمة الرهن يوم القبض وقيمة النماء يوم الفكاك؛ لأن الرهن يصير مضمونا بالقبض، والزيادة تصير مقصودة بالفكاك إذا بقي إلى وقته والتبع يقابله شيء إذا صار مقصودا كولد المبيع، فما أصاب الأصل يسقط من الدين؛ لأنه يقابله الأصل مقصودا، وما أصاب النماء أفتكه الراهن لما ذكرنا، وصور المسائل على هذا الأصل تخرج، وقد ذكرنا بعضها في " كفاية المنتهي "، وتمامه في " الجامع " و " الزيادات ".
ــ
[البناية]
م: (قال: وإن هلك الأصل وبقي النماء أفتكه الراهن بحصته يقسم الدين على قيمة الرهن يوم القبض وقيمة النماء يوم الفكاك؛ لأن الرهن يصير مضمونا بالقبض، والزيادة تصير مقصودة بالفكاك إذا بقي إلى وقته) ش: أي وقت الفكاك م: (التبع يقابله شيء إذا صار مقصودا كولد المبيع) ش: صورته: المبيعة إذا ولدت ولدا في يد البائع قبل التسليم إلى المشتري ثم قبضها المشتري يكون الولد مقصودا بالقبض، ويقسم الثمن على الأم، والولد وفائدته لو هلكت الأم أو الولد قبل التسليم يسقط بحصته من الثمن.
م: (فما أصاب الأصل يسقط من الدين لأنه يقابله الأصل مقصودا، وما أصاب النماء أفتكه الراهن) ش: أي بما أصاب النماء م: (لما ذكرنا) ش: أشار به إلى قوله تصير مقصودة بالفكاك.
وقال الكرخي: ويقسم الدين على قيمة الرهن يوم وقع عليه العقد، وعلى ما نما منه يوم يفتكه هذه حقيقة القسمة، وما وقع من القسمة قبل ذلك فإنما هو على الظاهر إلى أن ينظر ما يؤول إليه قيمة النماء يوم الفكاك فإن كانت قيمته زائدة يوم الفكاك، فصارت العين سعرا وبدين كان في الولد ثلث الدين وفي الأم ثلث، فلو كانت لما ولدت الولد قيمته مثل قيمتها، إن كانت اعورت بعد الولادة، أو كانت اعورت قبلها ذهب من الدين بعورها ربعه مائتان وخمسون.
فإن مات الولد وقد اعورت الأم قبل الولادة أو بعدها ذهب نصف الدين، فإن اعور الولد لم يذهب بعوره شيء، فإن كانت الأم اعورت قبل الولادة أو بعدها أو قبل اعورار الولد أو بعده ذهب بعورها أيضا ثلث الدين؛ لأن قيمتها يوم العقد ألف وقيمة الولد يوم الفكاك وهو أعور خمسمائة وفيه ثلث الدين وفيها ثلث الدين، فلما اعورت ذهب نصف ما فيها وهو ثلث الدين ويفتكها وولدها بثلث الدين.
م: (وصور المسائل على هذا الأصل) ش: يعني ما ذكرنا من قسمة الدين على قيمتها يوم القبض والفكاك م: (تخرج، وقد ذكرنا بعضها في " كفاية المنتهي "، وتمامه في " الجامع " و " الزيادات ") ش: وفي ذلك كثرة وتطويل، فأعرض عنها المصنف هاهنا. قال الأكمل: وتابعناه في ذلك.
стр. 6527
قال: ولو رهن شاة بعشرة وقيمتها عشرة، وقال الراهن للمرتهن: احلب الشاة فما حلبت فهو لك حلال فحلب وشرب فلا ضمان عليه في شيء من ذلك، أما الإباحة فيصح تعليقها بالشرط والخطر؛ لأنها إطلاق وليس بتمليك فتصح مع الخطر. قال: ولا يسقط بشيء من الدين؛ لأنه أتلفه بإذن المالك. قال: فإن لم يفتك الشاة حتى ماتت في يد المرتهن قسم الدين على قيمة اللبن الذي شرب وعلى قيمة الشاة. فما أصاب الشاة سقط، وما أصاب اللبن أخذه المرتهن من الراهن؛ لأن اللبن تلف على ملك الراهن بفعل المرتهن، والفعل حصل بتسليط من قبله، فصار كأن الراهن أخذه وأتلفه فكان مضمونا عليه، فيكون له حصته من الدين فبقي بحصته، وكذلك ولد الشاة إذا أذن له الراهن في أكله، وكذلك جميع النماء الذي يحدث على هذا القياس. قال: وتجوز الزيادة في الرهن،
ــ
[البناية]
قلت: نحن أيضا تابعناه؛ لأن المقصود من شرح هذا الكتاب حل ألفاظه وبيان صورة مسائله، وليس المقصود أن يذكر فيه ما ذكره المتقدمون من المجمل والمفصل.
م: (قال: ولو رهن شاة بعشرة وقيمتها عشرة، وقال الراهن للمرتهن احلب الشاة فما حلبت فهو لك حلال فحلب وشرب فلا ضمان عليه في شيء من ذلك. أما الإباحة فيصح تعليقها بالشرط والخطر) ش: أراد بالشرط قوله: فما حلبت فإن كلمة ما تضمنت معنى الشرط، ولهذا دخلت الفاء في جرها، كما في قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] (النحل الآية: ٥٣) م: (لأنها) ش: أي الإباحة م: (إطلاق، وليس بتمليك فتصح مع الخطر. قال: ولا يسقط بشيء من الدين؛ لأنه أتلفه بإذن المالك) ش: وفيه إشارة إلى أنه لو أتلفه بغير إذن ضمن، وكانت القيمة رهنا مع الشاة.
وكذلك لو فعل الراهن ذلك بدون إجازة المرتهن، وبه قالت الأئمة الثلاثة إلا أحمد في رواية عنه: أنه لو حلبها بعرض فنقصه فإنه لا يحتسب عليه.
م: (قال: فإن لم يفتك الشاة حتى ماتت في يد المرتهن قسم الدين على قيمة اللبن الذي شرب وعلى قيمة الشاة. فما أصاب الشاة سقط، وما أصاب اللبن أخذه المرتهن من الراهن؛ لأن اللبن تلف على ملك الراهن بفعل المرتهن، والفعل حصل بتسليط من قبله) ش: أي من قبل الراهن م: (فصار كأن الراهن أخذه وأتلفه فكان مضمونا عليه، فيكون له حصته من الدين، فبقي بحصته) ش: فإن كانت قيمة اللبن خمسة صار بإضافة ثلث الدين، فيسقط ثلث الدين بهلاك الشاة، ويؤدي ثلثه.
م: (وكذلك ولد الشاة إذا أذن له الراهن في أكله، وكذلك جميع النماء الذي يحدث على هذا القياس) ش: يعني إن كان بإذن الراهن لا يضمن، وإن كان بغير إذنه يضمن، ولا يعلم فيه خلاف، ويكون ضمانه رهنا عندنا.
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (وتجوز الزيادة في الرهن) ش: صورته أن يرهن ثوبا بعشرة
стр. 6528
ولا تجوز في الدين عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله -، ولا يصير الرهن رهنا بها. وقال أبو يوسف ﵀: تجوز الزيادة في الدين أيضا. وقال زفر والشافعي - رحمهما الله -: لا تجوز فيهما. والخلاف معهما في الرهن والثمن والمثمن والمهر والمنكوحة سواء، وقد ذكرناه في البيوع. ولأبي يوسف ﵀ في الخلافية الأخرى: أن الدين في باب الرهن كالثمن في البيع، والرهن كالمثمن فتجوز الزيادة فيهما كما في البيع. والجامع بينهما الالتحاق بأصل العقد للحاجة
ــ
[البناية]
قيمته عشرة، ثم زاد الراهن ثوبا ليكون رهنا مع الأول بعشرة، وبه قالت الأئمة الثلاثة م: (ولا تجوز في الدين عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله -) ش:، وبه قال الشافعي في الجديد، م: (ولا يصير الرهن رهنا بها) ش: أي بالدين.
م: (وقال أبو يوسف ﵀: تجوز الزيادة في الدين أيضا) ش: بأن رهن عبدا بألف ثم حدث للراهن دين آخر بالشراء والاستقراض، فيجعلان العبد رهنا بالدين القديم، الحادث، وبه قال مالك والشافعي - رحمهما الله - في القديم، واختاره المزني. وعن بعض أصحابه: أن للشافعي قولين كالقديم.
م: (وقال زفر والشافعي - رحمهما الله -: لا تجوز فيهما) ش: أي زيادة الرهن في الرهن وزيادة الدين في الدين م: (والخلاف معها) ش: أي مع زفر والشافعي - رحمهما الله - م: (في الرهن والثمن والمثمن) ش: أما الخلاف في الرهن، أي في الزيادة في الدين فيه الخلاف أيضا م: (والمهر والمنكوحة سواء) ش: قوله سواء خبر، أعني قوله: " والخلاف بينهما " أي وفي المهر والمنكوحة الخلاف أيضا، صورة زيادة المنكوحة: رجل زوج أمته من رجل بمهر مقدر، ثم زوجه أمة أخرى بذلك المهر وقبل الزوج يصح، ويقسم الألف عليهما عندنا. وقال الكاكي: ولو قال المولى: " زوجتك أمة أخرى بتلك الألف " لا يجوز، كذا وجد بخط العلامة حافظ الدين.
وفي " النهاية ": في " الأسرار " ما يدل على جوازه. وقال الأكمل عن حميد الدين الضرير: أنه قال يجوز أن يكون مرادهم من قولهم: " لا يحوز الزيادة في المنكوحة " أن يقول المولى رددت لك أمة أخرى بذلك المهر. أما لو قال: " زوجتك هذه الأمة الأخرى بذلك المهر " لزم أن يصح م: (وقد ذكرناه في البيوع) ش: أي في الفصل الذي ذكره في المرابحة والتولية.
م: (ولأبي يوسف ﵀ في الخلافية الأخرى) ش: أي مسألة الزيادة في الدين م: (أن الدين في باب الرهن كالثمن في البيع، والرهن كالمثمن فتجوز الزيادة فيهما) ش: أي في الدين والرهن. م: (كما في البيع) ش: أي كما تجوز الزيادة في الثمن والمبيع في البيع م: (والجامع بينهما) ش: أي بين الرهن والبيع في الزيادة فيهما م: (الالتحاق بأصل العقد للحاجة) ش: فيهما إلى مال
стр. 6529
والإمكان. ولهما وهو القياس: أن الزيادة في الدين توجب الشيوع في الرهن، وهو غير مشروع عندنا، والزيادة في الرهن توجب الشيوع في الدين، وهو غير مانع من صحة الرهن، ألا ترى أنه لو رهن عبدا بخمسمائة من الدين جاز وإن كان الدين ألفا، وهذا شيوع في الدين، والالتحاق بأصل العقد غير ممكن في طرف الدين؛ لأنه غير معقود عليه، ولا معقود به، بل وجوبه سابق على الرهن. وكذا يبقى بعد انفساخه، والالتحاق بأصل العقد في بدلي العقد، بخلاف البيع؛ لأن الثمن بدل يجب بالعقد، ثم إذا صحت الزيادة في الرهن وتسمى هذه زيادة قصدية يقسم الدين على قيمة الأول يوم القبض، وعلى قيمة الزيادة يوم قبضت، حتى لو كانت قيمة الزيادة يوم قبضها خمسمائة، وقيمة الأول يوم
ــ
[البناية]
آخر فيأخذه من المرتهن فيجعلانه رهنا م: (والإمكان) ش: أي والإمكان في الإلحاق بأصل العقد؛ لأن العقد بعد الإلحاق مغير إلى أصل مشروع بأن يصير قيمة الرهن مثل الدين أو أقل، فإنه مشروع في الابتداء، فكذا إذا تغير في الانتهاء.
م: (ولهما) ش: أي ولأبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - م: (وهو القياس) ش: أي وقولهما القياس: م: (أن الزيادة في الدين توجب الشيوع في الرهن، وهو غير مشروع عندنا، والزيادة في الرهن توجب الشيوع في الدين، وهو غير مانع من صحة الرهن، ألا ترى أنه لو رهن عبدا بخمسمائة من الدين) ش: الذي هو ألف جاز، ولو رهن ثوبا بعشرين، نصفه بعشرة ونصفه بعشرة لم يصح، وهنا شيوع في الدين م: (جاز) .
م: (وإن كان الدين ألفا وهذا شيوع في الدين، والالتحاق بأصل العقد) ش: هذا إفساد للجامع الذي ذكره أبو يوسف، بيانه: أن الالتحاق بأصل العقد م: (غير ممكن في طرف الدين؛ لأنه) ش: أي لأن الدين م: (غير معقود عليه ولا معقود به، بل وجوبه) ش: أي وجوب الدين م: (سابق على الرهن. وكذا يبقى بعد انفساخه) ش: أي الرهن م: (والالتحاق بأصل العقد في بدلي العقد) ش: هذا جواب عن قول أبي يوسف ﵀، يعني أن الالتحاق بأصل العقد إنما يكون فيها هو المعقود عليه كالبيع، أو معقود به كالثمرة، ولهذا جازت الزيادات في الرهن إلحاقا بأصل العقد؛ لأنه معقود عليه، والدين غير معقود، وعليه عقد الرهن. ولهذا لا يسقط بفسخ الرهن، ولهذا لم يجز الزيادات في الدين.
م: (بخلاف البيع؛ لأن الثمن بدل يجب بالعقد، ثم إذا صحت الزيادة في الرهن، وتسمى هذه زيادة قصدية) ش: أي بخلاف نماء الرهن، فإنه ليس بزيادة قصدية، بل قيمته، فلهذا اختلفا حكما، وقوله م: (يقسم الدين) ش: جواب، أما قوله: " وتسمى هذه زيادة قصدية " معترضة بينهما " أي يقسم الدين م: (على قيمة الأول) ش: وفي بعض النسخ على قيمة الأصل م: (يوم
стр. 6530
القبض ألفا والدين ألفا، يقسم الدين أثلاثا في الزيادة ثلث الدين. وفي الأصل ثلثا الدين اعتبارا بقيمتهما في وقتي الاعتبار، وهذا لأن الضمان في كل واحد منهما يثبت بالقبض، فتعتبر قيمة كل واحد منهما وقت القبض. وإذا ولدت المرهونة ولدا ثم إن الراهن زاد مع الولد عبدا وقيمة كل واحد ألف، فالعبد رهن مع الولد خاصة يقسم ما في الولد عليه، وعلى العبد الزيادة؛ لأنه جعله زيادة مع الولد دون الأم. ولو كانت الزيادة مع الأم يقسم الدين على قيمة الأم يوم العقد، وعلى قيمة الزيادة يوم القبض، فما أصاب الأم قسم عليها وعلى ولدها؛ لأن الزيادة دخلت على الأم.
قال: فإن رهن عبدا يساوي ألفا بألف، ثم أعطاه عبدا آخر قيمته ألف رهنا مكان الأول ، فالأول رهن حتى يرده إلى الراهن والمرتهن في الآخر، أمين حتى يجعله مكان الأول لأن الأول إنما دخل في ضمانه بالقبض والدين، وهما باقيان فلا
ــ
[البناية]
القبض، وعلى قيمة الزيادة يوم قبضت، حتى لو كانت قيمة الزيادة يوم قبضها خمسمائة، وقيمة الأول يوم القبض ألفا والدين ألفا، يقسم الدين أثلاثا في الزيادة ثلث الدين وفي الأصل ثلثا الدين اعتبارا بقيمتهما في وقتي الاعتبار) ش: وهما وقت القبض.
م: (وهذا) ش: توضيح لما قبله م: (لأن الضمان في كل واحد منهما يثبت بالقبض، فتعتبر قيمة كل واحد منهما وقت القبض) ش: ثم ذكر على سبيل التفريع. قوله م: (وإذا ولدت المرهونة ولدا ثم إن الراهن زاد مع الولد عبدا وقيمة كل واحد ألف، فالعبد رهن مع الولد خاصة يقسم ما في الولد عليه، وعلى العبد الزيادة؛ لأنه جعله زيادة مع الولد دون الأم. ولو كانت الزيادة مع الأم) ش: بأن قال: رهنتك هذا العبد مع الأم م: (يقسم الدين على قيمة الأم يوم العقد، وعلى قيمة الزيادة يوم القبض، فما أصاب الأم قسم عليها وعلى ولدها؛ لأن الزيادة دخلت على الأم) ش: قال الكرخي: ولم يزد الغلام مع الأم وزاده مع ولده هذه زيادة في الولد نماء في عتق الولد من الرهن، ثم زاد الولد حتى صار يساوي ألفين كان هو والغلام رهنا بثلثي الألف. فإن مات الولد صار الغلام رهنا بغير شيء ورده على الراهن.
ولو ماتت الأم وبقي ولدها وقيمته ألف مثل قيمة الأم فإن الأم تذهب بمائتين وخمسين، وبذلك لأن الدين انقسم فيها، وفي الزيادة نصفين فأصابها خمسمائة فانقسمت فيها وفي ولدها نصفين. ولو زادت قيمة الأم ثم يعتبر ما في الزيادة ولم ينقص ذلك ولم يزد.
[رهن عبدا يساوي ألفا بألف ثم أعطاه عبدا آخر قيمته ألف رهنا مكان الأول]
م: (قال) ش: أي قال محمد ﵀ في " الجامع الصغير " م: (فإن رهن عبدا يساوي ألفا بألف، ثم أعطاه عبدا آخر قيمته ألف رهنا مكان الأول فالأول رهن حتى يرده إلى الراهن والمرتهن في الآخر أمين حتى يجعله مكان الأول؛ لأن الأول إنما دخل في ضمانه بالقبض والدين، وهما باقيان فلا
стр. 6531
يخرج عن الضمان إلا بنقض القبض ما دام الدين باقيا، وإذا بقي الأول في ضمانه لا يدخل الثاني في ضمانه؛ لأنهما رضيا بدخول أحدهما فيه لا بدخولهما، فإذا رد الأول دخل الثاني في ضمانه، ثم قيل: يشترط تجديد القبض؛ لأن يد المرتهن على الثاني يد أمانة، ويد الرهن يد استيفاء وضمان، فلا ينوب عنه، كمن له على آخر جياد فاستوفى زيوفا ظنها جيادا ثم علم بالزيافة وطالبه بالجياد وأخذها، فإن الجياد أمانة في يده ما لم يرد الزيوف ويجدد القبض، وقيل: لا يشترط؛ لأن الرهن تبرع كالهبة على ما بيناه من قبل. وقبض الأمانة ينوب عن قبض الهبة، ولأن الرهن عينه أمانة، والقبض يرد على العين فينوب قبض الأمانة عن قبض العين ولو أبرأ المرتهن الراهن عن الدين أو وهبه منه ثم هلك الرهن في المرتهن يهلك بغير شيء استحسانا خلافا لزفر: لأن الرهن مضمون بالدين أو بجهته عند توهم الوجود كما في الدين الموعود. ولم يبق الدين بالإبراء أو الهبة ولا جهة
ــ
[البناية]
يخرج عن الضمان، إلا بنقض القبض) ش: وهذا احتراز عن الإبراء على ما يجيء، فإن الإبراء يرتفع الضمان، وإن لم ينقض القبض بالرد إلى الراهن م: (ما دام الدين باقيا، وإذا بقي الأول في ضمانه لا يدخل الثاني في ضمانه؛ لأنهما رضيا بدخول أحدهما فيه لا بدخولهما، فإذا رد الأول دخل الثاني في ضمانه) .
م: (ثم قيل: يشترط تجديد القبض؛ لأن يد المرتهن على الثاني يد أمانة، ويد الرهن يد استيفاء وضمان، فلا ينوب عنه، كمن له على آخر جياد فاستوفى زيوفا ظنها جيادا ثم علم بالزيافة وطالبه بالجياد وأخذها، فإن الجياد أمانة في يده ما لم يرد الزيوف ويجدد القبض، وقيل: لا يشترط) ش: أي تجديد القبض م: (لأن الرهن تبرع كالهبة على ما بيناه من قبل) ش: أي في صدر الكتاب م: (وقبض الأمانة ينوب عن قبض الهبة؛ ولأن الرهن عينه أمانة، والقبض يرد على العين) أي قصدا، وعلى المالية ضمنا م: (فينوب قبض الأمانة عن قبض العين) .
وقوله: م: (ولو أبرأ المرتهن الراهن) ش: إلى آخر كتاب الرهن، ذكرت على سبيل التفريع م: (عن الدين أو وهبه منه ثم هلك الرهن في يد المرتهن يهلك بغير شيء استحسانا خلافا لزفر) ش: هو القياس؛ لأن الضمان في باب الرهن إنما يجب باعتبار القبض وهو قائم، فكان بعد الإبراء وقبله سواء، ولهذا كان مضمونا بعد الاستيفاء. وإن لم يبق الدين بعد قوله: م: (لأن الرهن مضمون بالدين) ش: دليل أصحابنا وبه قالت الأئمة الثلاثة، بيانه أنه لما كان مضمونا بالدين فات بالإبراء.
م: (أو بجهته) ش: دليل آخر، أي أو الرهن مضمون بحصة الدين م: (عند توهم الوجود كما في الدين الموعود) ش: أي عند وجود الدين، كما إذا قبض الرهن ليفرضه فهلك قبل الإقراض هلك مضمونا م: (ولم يبق الدين بالإبراء أو الهبة) ش: أي بسببها م: (ولا جهة) ش: أي في جهة
стр. 6532
لسقوطه، إلا إذا أحدث منعا؛ لأنه يصير به غاصبا إذ لم يبق له ولاية المنع. وكذا إذا ارتهنت المرأة رهنا بالصداق فأبرأته أو وهبته أو ارتدت والعياذ بالله قبل الدخول، أو اختلعت منه على صداقها ثم هلك الرهن في يدها يهلك بغير شيء في هذا كله ولم تضمن شيئا لسقوط الدين كما في الإبراء. ولو استوفى المرتهن الدين بإيفاء الراهن أو بإيفاء متطوع ثم هلك الرهن في يده يهلك بالدين ويجب عليه رد ما استوفى إلى ما استوفى منه، وهو من عليه أو المتطوع، بخلاف الإبراء ووجه الفرق: أن بالإبراء يسقط الدين أصلا كما ذكرنا، وبالاستيفاء لا يسقط لقيام الموجب، إلا أنه يتعذر الاستيفاء لعدم الفائدة؛ لأنه يعقب مطالبة مثله، فأما هو في نفسه فقائم، فإذا هلك يتقرر الاستيفاء الأول فانتقض الاستيفاء الثاني.
ــ
[البناية]
الدين م: (لسقوطه) ش: أي لسقوط الدين، قيد به لأن الدين بالاستيفاء ينتهي ولا يسقط كما يجيء.
م: (إلا إذا أحدث) ش: جواب عما يقال سقوط الدين لا يوجب سقوط الضمان، فإنه إذا طالبه الراهن ومنع المرتهن بعد الإبراء فإنه يضمن وقد سقط الدين، وبيان الجواب بقوله إلا إذا أحدث م: (منعا؛ لأنه يصير به غاصبا إذ لم يبق ولاية المنع، وكذا) ش: أي الحكم م: (إذا ارتهنت المرأة رهنا بالصداق فأبرأته أو وهبته أو ارتدت والعياذ بالله قبل الدخول، أو اختلعت منه على صداقها ثم هلك الرهن في يدها يهلك بغير شيء في هذا كله) ش: أي في هذا المذكور كله م: (ولم تضمن) ش: أي المرأة م: (شيئا لسقوط الدين كما في الإبراء) ش: أي كما لا تضمن في الإبراء.
م: (ولو استوفى المرتهن الدين بإيفاء الراهن أو بإيفاء متطوع ثم هلك الرهن في يده يهلك بالدين، ويجب عليه) ش: أي على المرتهن م: (رد ما استوفى إلى ما استوفى منه، وهو من عليه أو المتطوع) ش: وقال زفر ﵀ والأئمة الثلاثة: لا يجب عليه ذلك؛ لأن الرهن بعد الاستيفاء أمانة في يده م: (بخلاف الإبراء) ش: يعني في صورة الإبراء يهلك بغير شيء.
م: (ووجه الفرق) ش: أي بين هلاك الرهن بعد استيفاء الدين حيث يهلك بالدين، وبين هلاكه بعد الإبراء حيث يهلك بغير شيء: م: (أن بالإبراء يسقط الدين أصلا كما ذكرنا، وبالاستيفاء لا يسقط لقيام الموجب) ش: للضمان، وهو قبض الرهن م: (إلا أنه) ش: أي غير أنه م: (يتعذر الاستيفاء) ش: أي الاستيفاء المرتهن م: (لعدم الفائدة) ش: لأنه لما استوفى ثانيا يطالبه الراهن بمثله، وهو معنى قوله: م: (لأنه يعقب مطالبة مثله، فأما هو) ش: يعني تعدد الاستيفاء م: (في نفسه فقائم، فإذا هلك) ش: يعني الرهن م: (يتقرر الاستيفاء الأول) ش: وهو الاستيفاء الحكمي، فأما هو، أي الدين باستيفاء حكم الاستيفاء إلى وقت قبض الرهن، م: (فانتقض الاستيفاء الثاني) ش: وهو الاستيفاء الحقيقي لئلا يتكرر الاستيفاء.
стр. 6533
وكذا إذا اشترى بالدين عينا أو صالح عنه على عين لأنه استيفاء. وكذلك إذا أحال الراهن المرتهن بالدين على غيره، ثم هلك الرهن بطلت الحوالة ويهلك بالدين لأنه في معنى البراءة بطريق الأداء؛ لأنه يزول به عن ملك المحيل مثل ما كان له على المحتال عليه، أو ما يرجع عليه به إن لم يكن للمحيل على المحتال عليه دين؛ لأنه بمنزلة الوكيل. وكذا لو تصادقا على أن لا دين ثم هلك الرهن يهلك بالدين لتوهم وجوب الدين بالتصادق على قيامه فتكون الجهة باقية، بخلاف الإبراء، والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.
ــ
[البناية]
م: (وكذا إذا اشترى بالدين عينا أو صالح عنه على عين) ش: هذا معطوف على قوله ولو استوفى المرتهن الدين، إلى قوله ويجب عليه رد ما استوفى، يعني إذا اشترى المرتهن بالدين عينا من الراهن سقط الدين عن المرتهن بطريق المقاصة، ويجب على المرتهن رد الرهن على الراهن، فلو هلك قبل أن يرده يجب عليه رد قيمته، وكذا إذا صالح المرتهن مع الراهن عن الدين على عين يجب عليه رد الرهن إن كان قائما وقيمته إن هلك بعد الصلح، م: (لأنه) ش: أي لأن الصلح عن الدين على العين م: (استيفاء) ش: للدين.
م: (وكذلك إذا أحال الراهن المرتهن بالدين على غيره، ثم هلك الرهن بطلت الحوالة ويهلك بالدين؛ لأنه في معنى البراءة) ش: أي لأن الحوالة على تأويل عقد الحوالة، وإنما قال في معنى الإبراء إشارة إلى الجواب عما يقال في ذمة المحيل تبرأ بالحوالة عما عليه، فكان ينبغي أن يكون معنى الإبراء فيهلك أمانة.
ووجه ذلك: ما أشار إليه أن الحوالة وإن كانت إبراء لكنها م: (بطريق الأداء) ش: دون الإسقاط م: (لأنه يزول به) ش: أي بعقد الحوالة م: (عن ملك المحيل مثل ما كان له على المحتال عليه أو ما يرجع عليه) ش: أي أو يزول ما يرجع، أي المحتال م: (به إن لم يكن للمحيل على المحتال عليه دين) ش: أي على المحيل في المال م: (لأنه) ش: أي لأن المحتال عليه م: (بمنزلة الوكيل) ش: بقضاء الدين عن المحيل.
م: (وكذا لو تصادقا على أن لا دين ثم هلك الرهن يهلك بالدين لتوهم وجوب الدين بالتصادق على قيامه) ش: يعني بعد التصادق على عدمه بجواز أن يتذاكرا، ووجوبه بعد التصادق على انتفائه م: (فتكون الجهة باقية) ش: وضمان الرهن يتحقق بتوهم الوجوب م: (بخلاف الإبراء، والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب) ش: هذا راجع إلى قوله ولو استوفى في ذلك؛ لأنه من ثمة إلى هاهنا بعوض على جواب الاستحسان في صورة الإبراء، والأولى أن يرجع إلى قوله فتكون الجهة باقية.
وقال الأترازي: قوله: بخلاف الإبراء يتصل بقوله: يهلك بالدين. يعني أن المرتهن إذا
стр. 6534
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[البناية]
أبرأ الراهن عن الدين ثم هلك الرهن في يده هلك بغير شيء.
فروع: اختلفا في قيمة الرهن بعد الهلاك فالقول للمرتهن، وبه قالت الأئمة الثلاثة في صورة ضمان الرهن أن يفدي المرتهن في الرهن. ولو اختلفا في قدر الدين بأن يقول الراهن رهن بألف، ويقول المرتهن بألفين فالقول للراهن. وبه قال الشافعي وأحمد وأبو ثور والنخعي والثوري والبستي ﵏.
وقال مالك ﵀: القول للراهن ما لم يجاوز الثمن الرهن أو قيمته، وبه قال الحسن وقتادة. ولو اختلفا في قدر الرهن بأن يقول المرتهن الرهن بهذين العبدين، وقال الراهن أحدهما بعينه فالقول للراهن. ولا نعلم فيه خلافا.
وكذلك لو اختلفا في رد الرهن فالقول للمرتهن بلا خلاف؛ لأنه ينكر. والقول له مع اليمين. ولو أعتق الراهن المرهون وادعى أنه أعتقه بإذن المرتهن، والراهن ينكر، فالقول للمرتهن ولو قال الراهن رهن بالدين المؤجل وقال المرتهن بل للحال فالقول للراهن، كما لو أنكر أصل الدين. ولو كان لأحدهما بينة حكم بها بلا خلاف في جميع هذه المسائل.
стр. 6535
كتاب الجنايات قال: القتل على خمسة أوجه عمد، وشبه عمد، وخطأ، وما أجري مجرى الخطأ، والقتل بسبب. والمراد بيان قتل تتعلق به الأحكام.
ــ
[البناية]
[كتاب الجنايات]
[الجناية عند الفقهاء]
م: (كتاب الجنايات) ش: أي هذا كتاب بيان أحكام الجنايات، وهي جمع جناية، وهي لغة: اسم لما يجنيه من شر أي يكسبه، تسميته بالمصدر إذ هي في الأصل مصدر جنى عليه شرا، وأصله من جني الثمر وهو أخذه من الشجر، وهو عام، إلا أنه خص بما يحرم من الفعل شرعا سواء جنى بنفس، أو بمال.
ويراد بإطلاق اسم الجناية عند الفقهاء، فعل حل في النفس أو الطرف. وقال شيخ الإسلام الجناية على النفس يسمى قتلا. وفيما دون النفس قطعا وجرحا.
والقتل فعل مضاف إلى العباد بحيث يزول به الحياة، وزوال الحياة بدون قتل العباد يسمى موتا. وسببها سبب الحدود، وشرطها كون المحل حيوانا ولما كان ملاك الولاية الدينية والدنيوية والرياسة الإحسان أتى إلى العدل والسياسة.
فإن بالإحسان يستعبد الإنسان ويرفع التباغض والعدوان. وبالسياسة تزجر السفهاء عن الطغيان، وبالعدل يستقيم الملك وتعمر البلدان.
كان شرع أحكام الجنايات من معظم معاقد الأمور، فأتبعها المصنف ﵀ بالعبادات والمعاملات وأخرجها لأنها ترجع إلى العارض. فأوردها عقيب الرهن إذ كل واحد للوقاية والصيانة، فإن الرهن وثيقة لصيانة المال عن الهلاك. فكذا حكم الجناية مشروعة لصيانة المكلف عن الهلاك.
م: (قال) ش: أي القدوري م: (القتل على خمسة أوجه: عمد، وشبه عمد، وخطأ، وما أجري مجرى الخطأ، والقتل بسبب) ش: إلى هنا لفظ القدوري، وقال المصنف: م: (والمراد) ش: أي مراد القدوري م: (بيان قتل تتعلق به الأحكام) ش: قيد به لأن أنوع القتل أكثر من خمسة: وقد ذكر في " مبسوط شيخ الإسلام ": أنوع القتل أكثر من خمسة، من رجم وقصاص، وقتل حربي، وقتل لقطع الطريق، وقتل المرتد. فعلم أن المراد به القتل الموجب للضمان وهو خمسة، وفي الأصل: القتل على ثلاثة أوجه: عمد، وشبه عمد، وخطأ.
ونقل الطحاوي والكرخي في " مختصريهما " هذه العبارة. وقال صاحب " النافع ": القتل
стр. 6536
قال: فالعمد ما تعمد ضربه بسلاح أو ما أجري مجرى السلاح كالمحدود من الخشب وليطة القصب والمروة المحددة والنار لأن العمد هو القصد ولا يوقف عليه إلا بدليله، وهو استعمال الآلة القاتلة، فكان متعمدا فيه عند ذلك.
ــ
[البناية]
على أربعة أوجه: عمد، وشبه عمد، وخطأ، والقتل بسبب.
قيل: وجه الانحصار: أن القتل لا يخلو إما أن يكون بسلاح أو بغيره. فإن صدر بسلاح فلا يخلو إما أن يكون به قصد القتل أو لا، فالأول عمد، والثاني خطأ. وإن صدر بغير سلاح، فأما إن كان معه قصد التأديب أو الضرب أم لا، فإن كان فهو شبيه العمد وإلا فلا يخلو إما أن يكون جاريا مجرى الخطأ أو لا فإن كان فهو، وإن لم يكن فهو القتل بالسبب، وقيل: وجه الحصر الاستقراء التام، ونسب هذا إلى أبي بكر الرازي ﵀.
م: (قال) ش: أي القدوري م: (فالعمد ما تعمد ضربه بسلاح أو ما أجري مجرى السلاح) ش: يعني في تفريق الأجزاء م: (كالمحدود من الخشب وليطة القصب) ش: الليطة بكسر اللام قشر القصب م: (والمروة المحددة) ش: وهي القطعة من الحجر الصوان، يكون لها أطراف تقطع ما أصابته.
م: (والنار) ش: التي هي أسرع للهلاك، وفي " المغني ": الحدة ليست بشرط إذا كانت الآلة من الحديد، فقال: العمد، أن يتعمد الإنسان في قتل من لا يحل قتله بالحديد سواء كان سلاحا نحو السيف، والسكين، والرمح أو لم يكن سلاحا كالإبرة والأشفار، سواء كان له حد ينصع أو لا، كالعمود وصنجة الميزان، وسواء كان الغالب منه الهلاك أو لم يكن، هذا كله على رواية الأصل. وذكر الطحاوي عن أبي حنيفة ﵀: لو قتله بصنجة عمود أو حديد لا حد له فهو ليس بعمد محض، فلا يجب القصاص، بل هو خطأ وعمد.
وفي " فتاوى قاضي خان " ﵀: في ظاهر الرواية في الحديد وما يشبه الحديد كالنحاس والصفر، والرصاص، والذهب والفضة، والإبريز لا يشتط الجرح لوجوب القصاص.
وفي " المبسوط " عن أبي حنيفة ﵀: قتله بعمود أو صنجة حديد لا حد له فليس بعمد عنده، بل هو خطأ وعمد عندهما، إن كان الغالب منه الهلاك، فعمد محض وإلا فخطأ عمد. م: (لأن العمد هو القصد ولا يوقف عليه إلا بدليله) ش: أي بدليل العمد م: (وهو) ش: أي دليله م: (استعمال الآلة القاتلة فكان متعمدا فيه) ش: أي في عمده باستعمال الآلة القاتلة.
م: (عند ذلك) ش: أي عند وجود العمد باستعمال الآلة القاتلة؛ لأن القاتلة إرقاق للحياة،
стр. 6537
وموجب ذلك المأثم لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣] الآية، وقد نطق به غير واحد من السنة،
ــ
[البناية]
وهو غير محسوس. فيكون القصد إلى إرقاق الحياة بالضرب بالسلاح الذي هو خارج عامل في الظاهر والباطن جميعا م: (وموجب ذلك) ش: أي مقتضى العمد الموصوف بتلك الأوصاف م: (المأثم) ش: أي حصول الإثم العظيم. وروي عنه ﷺ : «لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل امرئ مسلم» هذا حديث ذكره غالب الشراح. ولم يذكروا من رواه، ولا من أخرجه.
قلت: هذا أخرجه الترمذي والنسائي - رحمهما الله - من حديث عبد الله بن عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أن النبي ﷺ قال: «لزوال الدنيا» ... " الحديث.
م: (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣] الآية) ش: (النساء: الآية ٩٣) ويكفي هذه الآية موعظة في قتل النفس بغير حق م: (وقد نطق به غير واحد من السنة) ش: أي السنة فيه أكثر من أن يحصى، وأظهر من أن يخفى منها ما رواه الترمذي ﵀ عن أبي الحكم، عن أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، يذكران عن النبي ﷺ قال: «لو أن أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبهم الله في النار» .
ومنها: ما رواه البخاري ﵀ عن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما» .
ومنها: ما رواه النسائي عن أبي إدريس الخولاني عائذ الله، عن معاوية: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافرا، أو الرجل يقتل مؤمنا متعمدا» .
ومنها: ما رواه ابن ماجه من حديث سعيد بن المسيب ﵀ عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قال: قال رسول الله ﷺ : «من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة لقي الله تعالى مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله » . والأحاديث في هذا الباب كثيرة جدا.
стр. 6538
وعليه انعقد إجماع الأمة. قال: والقود لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨] (البقرة: الآية ١٧٨) إلا أنه تقيد بوصف العمدية لقوله ﵊: «العمد قود»
ــ
[البناية]
م: (وعليه انعقد إجماع الأمة) ش: أي وعلى التحريم إجماع أمة النبي ﷺ على الوجه المذكور.
م: (قال والقود) ش: عطف على قوله المأثم أي وموجبة أيضا وجوب القود أي القصاص.
م: (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨] (البقرة: الآية ١٧٨) ش: وما كتب على عباده فهو فرض. م: (إلا أنه تقيد بوصف العمدية) ش: يعني أن الآية بظاهرها لم تفرق بين العمد والخطأ، إلا أنه، أي غير أن القتل تقيد بوصف العمدية. م: (لقوله ﵊) ش: أي لقول النبي ﷺ : م: «العمد قود» ش: هذا الحديث رواه ابن أبي شيبة في " مسنده " من حديث طاوس، عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قال: قال رسول الله ﷺ : «العمد قود إلا أن يعفو ولي المقتول» .
ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث ابن عباس ﵄ أيضا طويلا، وفيه: «من قتل عمدا فهو قود» . والحديث مشهور زيد به على الكتاب، فما بقي الكتاب على إطلاقه فصار كالمجمل. فيجوز عندنا أن يكون الحديث بيانا له وإن كان خبرا واحدا كما في بيان قدر مسح الرأس. وفسر المصنف ﵀ قوله ﷺ : «العمد قود» بقوله: م: (أي موجبة) ش: أي موجب العمد أي الذي يقتضيه قود. أي قصاص لأن غير العمد ليس بقصاص.
стр. 6539
أي موجبة؛ ولأن الجناية بها تتكامل وحكمة الزجر عليهما تتوفر، والعقوبة المتناهية لا شرع لها دون ذلك. قال: إلا أن يعفو الأولياء أو يصالحوا لأن الحق لهم، ثم هو واجب علينا، وليس للولي أخذ الدية إلا برضا القاتل، وهو أحد قولي الشافعي ﵀ إلا أن له حق العدول إلى المال من غير مرضاة القاتل؛ لأنه تعين مدفعا للهلاك فيجوز بدون رضاه.
ــ
[البناية]
م: (ولأن الجناية بها) ش: أي بالعمدية م: (تتكامل) ش: ليجب القصاص لأن قتل الخطأ ليس بجناية محضة. م: (وحكمة الزجر) ش: مبتدأ م: (عليهما) ش: أي على الجناية، م: (تتوفر) ش: خبر مبتدأ من توفر على الشيء إذا ادعى حرماته ووفر عليه حقه توفيرا، واستوفره إذا استوفاه كاملا، وحاصل المعنى: أن العمدية تحصل بالجناية الكاملة، كل ما تتكامل به الجناية كانت حكمة الزجر عليها أكمل؛ لأن حكمة الزجر المنع عن الإقدام على الجنايات، لمراعاة حرمتها لا للمجاراة المحضة إذ الدنيا ليست بدار الجزاء ودار الجزاء هي الآخرة.
م: (والعقوبة المتناهية لا شرع لها) ش: هذه حجة أخرى، وأراد بالعقوبة المتناهية القصاص. قوله م: (دون ذلك) ش: أي دون قيد العمدية. وقال تاج الشريعة ﵀: العقوبة المتناهية إزالة حياة لا تشرع بدون تكامل الجناية.
م: (قال) ش: أي القدوري م: (إلا أن يعفو الأولياء) ش: هذا لفظ القدوري ﵀ وقوله م: (أو يصالحوا) ش: لفظ المصنف ﵀ يعني إذا عفا الأولياء عن القصاص أو يصالحوا على مال فيسقط القصاص م: (لأن الحق لهم) ش: أي للأولياء. م: (ثم هو) ش: أي القصاص م: (واجب علينا) ش: أي من حيث التعين من الشارع. ونتيجته تظهر من قوله: م: (وليس للولي أخذ الدية إلا برضا القاتل) ش: لأن حقه القصاص بتعيين الشارع، وليس هو المخير بين أخذ الدية والقصاص.
م: (وهو أحد قولي الشافعي ﵀) ش: وبه قال مالك ﵀ في رواية. وهو قول إبراهيم النخعي، وسفيان الثوري، والحسن بن حي، وابن شبرمة ﵏.
م: (إلا أن له) ش: أي للولي م: (حق العدول إلى المال من غير مرضاة القاتل؛ لأنه) ش: أي المال م: (تعين مدفعا للهلاك) ش: وصيانة النفس عن الهلاك فرض بقدر الإمكان.
وقال تاج الشريعة: قوله: من غير مرضاة القاتل م: (فيجوز بدون رضاه) ش: أي يجوز بغير رضاه لأنه ملكه ما يجيء، به نفسه، فيلزم هذا التمليك شاء القاتل أو أبى، كمن أصابه مخمصة، فبذل له إنسان طعاما بثمن المثل، يلزمه هذا التمليك. وهذا لأن إحياء النفس فرض على الإنسان ما أمكن.
стр. 6540
وفي قول: الواجب أحدهما لا بعينه، ويتعين باختياره؛ لأن حق العبد شرع جابرا وفي كل واحد نوع جبر فيتخير، ولنا ما تلونا من الكتاب وروينا من السنة؛ ولأن المال لا يصلح موجبا لعدم المماثلة، والقصاص يصلح للتماثل وفيه مصلحة الأحياء زجرا وجبرا فيتعين،
ــ
[البناية]
[القتل العمد]
م: (وفي قول) ش: أي للشافعي ﵀: م: (الواجب أحدهما) ش: أي إما القصاص أو أخذ المال م: (لا بعينه) ش: يعني من غير تعيين م: (ويتعين) ش: أي أحدهما م: (باختياره) ش: أي باختيار القاتل.
م: (لأن حق العبد شرع جابرا) ش: يعني النظر للولي تشرعه لا يبقى الضمان الأصلي ولم يمكن الجمع بينهما.
م: (وفي كل واحد) ش: من القصاص وأخذ المال م: (نوع جبر فيتخير) ش: وقال مالك ﵀ في رواية، وأبو ثور وإسحاق ومحمد بن سيرين وسعيد بن المسيب والأوزاعي وأبو سليمان وجمهور أصحاب الحديث ﵏ واحتجوا بقوله ﷺ : «من قتل قتيلا فأهله بين خيرتين إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا العقل - أي الدية» وهذا تنصيص على أن كل واحد منهما يوجب القتل.
قال الكاكي ﵀: هذا الحديث رواه شريح والكعبي.
قلت: الجواب عنه أنه خبر واحد فلا يعارض الكتاب، والسنة المشهورة. وأيضا هو محمول على الرضاء. وللشافعي ﵀ قول آخر ذكره تاج الشريعة حيث قال: في المسألة ثلاثة أقاويل، يعني للشافعي: في قول: الواجب هو القصاص إلا أن يعفو الولي، وفي قول: الواجب أحدهما والتعيين إلى الولي، وفي قول: بالعكس.
م: (ولنا ما تلونا من الكتاب) ش: وهو قَوْله تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨] ، ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] .
م: (وروينا من السنة) ش: وهو قوله ﵇: «العمد قود» .
م: (ولأن المال) ش: دليل عقلي وبيانه: أن المال م: (لا يصلح موجبا) ش: في القتل العمد. م: (لعدم المماثلة) ش: أي لعدم المماثلة بين المال والآدمي؛ لأن المال مملوك مبتذل، والآدمي مالك يتبذل فأنى يتماثلان.
م: (والقصاص يصلح للتماثل) ش: لأنه لغة روح بإزاء روح مثله. م: (وفيه) ش: أي وفي القصاص م: (مصلحة الأحياء زجرا) ش: للغير عن وقوعه فيه، م: (وجبرا) ش: للورثة، م: (فيتعين) ش: أي القصاص.
стр. 6541
وفي الخطأ وجوب المال ضرورة صون الدم عن الإهدار، ولا يتيقن بعدم قصد الولي بعد أخذ المال، فلا يتعين مدفعا للهلاك، ولا كفارة فيه عندنا، وعند الشافعي ﵀: تجب لأن الحاجة إلى التكفير في العمد أمس منها إليه في الخطأ، فكان أدعى إلى إيجابها. ولنا: أنه كبيرة محضة وفي الكفارة معنى العبادة، فلا تناط بمثلها،
ــ
[البناية]
م: (وفي الخطأ) ش: هذا جواب عما يقال كيف يصلح موجبا في الخطأ، والفائت فيه مثل الفائت في العمد؟
وتقرير الجواب أن: م: (وجوب المال ضرورة صون الدم عن الإهدار) ش: والآدمي مكرم لا يجوز إهدار دمه وأنه لما لم يكن الاقتصاص فيه هدر الدم لو لم يجب المال م: (ولا يتيقن بعدم قصد الولي بعد أخذ المال) ش: هذا جواب عن قوله: م: (فلا يتعين مدفعا للهلاك) ش: تقريره أنه متعين بعدم قصد الولي القتل بعد أخذ المال؛ لأنه يجوز أن يأخذ المال، ثم تهيجه الضغينة وتحركه العداوة على ارتكاب قتله، وإن لم يكن له ذلك شرعا، فإذا كان كذلك فلا يتعين مدفعا للهلاك.
فإن قيل: هذا الوهم موجود فيما إذا أخذ المال صلحا، وقد جاز؟
أجيب: بأن في الصلح المراضاة، والقتل بعده ظاهر العدم.
م: (ولا كفارة فيه) ش: أي في القتل العمد سواء كان عمدا يجب فيه القصاص، أو لا يجب كالأب إذا قتل ابنه عمدا، ومسلم قتل من أسلم في دار الحرب ولم يهاجر إلينا عمدا.
م: (عندنا) ش:، وبه قال مالك وأحمد في المشهور عنه، وبه قال الثوري وأبو ثور وابن المنذر م: (وعند الشافعي ﵀ تجب) ش: وبه قال أحمد ﵀ في رواية. ولا خلاف في وجوب الكفارة في الخطأ، إلا ما حكي عن مالك أنه قال: لا تجب الكفارة في القتل العمد أو الكفارة خطأ. وللشافعي وجهان في سقوط الكفارة عن القاتل إذا قتل قصاصا، والأصح أنه لا يسقط ويؤدى من تركته.
م: (لأن الحاجة إلى التكفير في العمد أمس منها إليه) ش: أي إلى التكفير م: (في الخطأ) ش: لأنها لستر الذنب، والذنب في العمد أعظم. م: (فكان أدعى إلى إيجابها) ش: أي فكان الذنب أدعى إلى إيجاب الكفارة م: (ولنا: أنه) ش: أي القتل أو العمد م: (كبيرة محضة) ش: أي ليس فيه جهة الإباحة. م: (وفي الكفارة معنى العبادة) ش: يعني دائرة بين العبادة والعقوبة فلا بد أن يكون سببها دائرا بين الخطر والإباحة كما في الغموس. م: (فلا تناط) ش: أي الكفارة م: (بمثلها) ش: أي بمثل الكبيرة المحضة.
стр. 6542
ولأن الكفارة من المقادير، وتعينها في الشرع لدفع الأدنى لا يعينها لدفع الأعلى، ومن حكمه حرمان الميراث لقوله ﵊: «لا ميراث لقاتل» .
قال: وشبه العمد عند أبي حنيفة ﵀: أن يتعمد الضرب بما ليس بسلاح ولا ما أجري مجرى السلاح
ــ
[البناية]
م: (ولأن الكفارة) ش: جواب عن قياس الشافعي ﵀ يعني إلحاقه العمد بالخطأ. تقديره أن الكفارة م: (من المقادير وتعينها في الشرع لدفع الأدنى لا يعينها لدفع الأعلى) ش: وهو القصاص، فلا يمكن إلحاق العمد بالخطأ؛ لأنه لا مدخل للرأي في تقدير العقوبات والجناية.
فإن قلت: يشكل بكفارة قتل صيد الحرم، فإنه كبيرة محضة. ومع هذا يجب فيه الكفارة؟
قلت: هو جناية على المحل، ولهذا لو اشترك حلالان في قتل صيد الحرم يلزم جزاء واحدا. ولو كان جناية الفعل، لوجب جزاء. والجناية على المحل يستوي فيها العمد والخطأ.
م: (ومن حكمه) ش: أي حكم القتل العمد م: (حرمان الميراث لقوله ﵊) ش: أي لقول النبي ﷺ م: «لا ميراث لقاتل» ش: هذا أخرجه ابن ماجه، من حديث عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مطولا، وفيه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ليس لقاتل ميراث» .
ورواه مالك في " الموطأ "، وعن مالك رواه الشافعي في " مسنده "، وعبد الرزاق في " مصنفه "، وأخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «القاتل لا يرث» .
وقال الترمذي ﵀: هذا حديث لا يصح لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وفيه إسحاق عن عبد الله بن أبي فروة تركه بعض أهل العلم، منهم أحمد بن حنبل ﵁.
[القتل شبه العمد]
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (وشبه العمد عند أبي حنيفة ﵀: أن يتعمد الضرب بما ليس بسلاح ولا ما أجري مجرى السلاح) ش: سواء كان الدلالة به غالبا كالحجر والعصا الكبيرين ومدقة القصار أو لم يكن كالعصا الصغيرة.
стр. 6543
وقال أبو يوسف ومحمد وهو قول الشافعي ﵏: إذا ضربه بحجر عظيم أو بخشبة عظيمة، فهو عمد، وشبه العمد: أن يتعمد ضربه بما لا يقتل به غالبا؛ لأنه يتقاصر معنى العمدية باستعمال آلة صغيرة لا يقتل بها غالبا لما أنه يقصد بها غيره كالتأديب ونحوه، فكان شبه العمد، ولا يتقاصر باستعمال آلة لا تلبث؛ لأنه لا يقصد به إلا القتل كالسيف، فكان عمدا موجبا للقود
ــ
[البناية]
وفي " المبسوط " سمي به هذا الفعل الذي لا يوجب القود ويشبه العمد أي خطأ يشبه العمد لما فيه من معنى العمد بالنظر إلى قصد الفاعل إلى الضرب. ومعنى الخطأ باعتبار انعدام قصد القتل وبالنظر إلى الآلة التي استعملها هي آلة الضرب للتأديب دون القتل والعاقل إنما يقصد إلى كل فعل بآلته، فكان ذلك خطأ يشبه العمد بلا خلاف.
وعن مالك ﵀ في رواية إن قصد القتل يجب القود، والخلاف في تفسير شبه العمد وفي " الأوضح ": شبه العمد عند أبي حنيفة ﵀: أن يتعمده بكل آلة لم توضع للقتل.
م: (وقال أبو يوسف ومحمد وهو قول الشافعي ﵏: إذا ضربه بحجر عظيم أو بخشبة عظيمة فهو عمد، وشبه العمد: أن يتعمد ضربه بما لا يقتل به غالبا؛ لأنه يتقاصر معنى العمدية باستعمال آلة صغيرة لا يقتل بها غالبا لما أنه يقصد بها غيره) ش: أي غير القتل م: (كالتأديب ونحوه) ش: كالتحريق م: (فكان شبه العمد، ولا يتقاصر باستعمال آلة لا تلبث؛ لأنه لا يقصد به إلا القتل كالسيف، فكان عمدا موجبا للقود) ش: أي القصاص.
وقال صاحب (" المجتبى ": يشترط عند أبي حنيفة ﵀ أن يقصد التأديب دون الإتلاف، وعندهما: إن كان متعمدا بما كان الإتلاف غالبا فعمد محض.
وعند الشافعي ومالك وأحمد: بكل آلة لا تصلح للقتل، فلو ضربه بسوط صغير، سوطا أو سوطين فمات فهو شبه العمد عند الكل، ولو والى في الضربات إلى أن مات. فإن كان جملة ما والى بحيث يقتل مثله غالبا، فهو عمد محض عندهما. وبه قالت الأئمة الثلاثة ﵏، وقال بعضهم هو شبه العمد على قولهما، كقول أبي حنيفة ﵀ ولو خيفة فمات، فهو شبه عمد لا قصاص فيه، إلا أن يكون معروفا بذلك.
وعند الأئمة الثلاثة ﵏: يجب القود. وقال بعضهم: شبه العمد عند أبي حنيفة ﵀ أن يتعمده بكل آلة لم توضع للقتل. وعندهما: بكل آلة لا تقتل غالبا. وقد ذكرنا هذا.
стр. 6544
وله قوله ﵊: «ألا إن قتيل خطأ العمد، قتيل السوط والعصا وفيه مائة من الإبل» ، ولأن الآلة غير موضوعة للقتل ولا مستعملة فيه إذ لا يمكن استعمالها على غرة من المقصود قتله، وبه يحصل القتل غالبا، فقصرت العمدية نظرا إلى الآلة
ــ
[البناية]
م: (وله) ش: أي ولأبي حنيفة ﵀: م: (قوله ﵊) ش: أي قول النبي ﷺ م: «ألا إن قتيل خطأ العمد قتيل السوط والعصا وفيه مائة من الإبل» ش: هذا الحديث رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ألا إن دية الخطأ شبه العمد ما كان بالعصا مائة من الإبل منها أربعون في بطونها أولادها» .
وروي أيضا عن عبد الله بن عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، أخرجه الثلاثة المذكورون عنه: «أن رسول الله ﷺ خطب يوم الفتح بمكة، الحديث. وفيه: " ألا إن دية الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط أو العصا مائة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها» .
ورواه أحمد والشافعي وإسحاق في " مسانيدهم "، ورواه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق في " مصنفيهما " والتمسك به أنه ﷺ لم يقصد بين الصغير والكبير، وعليهما عملا بالإطلاق.
وقال تاج الشريعة ﵀: في إعراب حديث الباب أي " قتله " بالنصب على البدل. وخبر إن " فيه مائة من الإبل ". وروي بالرفع فيكون هو خبر المبتدأ. ويكون قوله: " فيه مائة " كلاما مستأنفا.
م: (ولأن الآلة) ش: سواء كانت كبيرة أو صغيرة م: (غير موضوعة للقتل ولا مستعملة فيه، إذ لا يمكن استعمالها) ش: أي في القتل لأنه لا يمكن استعمال هذه الآلة م: (على غرة) ش: بكسر الغين المعجمة، وتشديد الراء على غفلة. م: (من المقصود قتله، وبه) ش: أي وبالاستعمال على غرة م: (يحصل القتل غالبا، فقصرت العمدية نظرا إلى الآلة) ش: يعني القصد إلى القتل أمر باطن لا يوقف الأمر عليه، فأقام الشرع الضرب بآلة وضعت للقتل مقام القصد إلى القتل، وأقام الضرب بآلة وضعت للتأديب مقام عدم القصد، فسقط اعتبار حقيقة القصد، واعتبر السبب القائم مقامه. كذا في " مبسوط شيخ الإسلام ".
стр. 6545
فكان شبه العمد كالقتل بالسوط والعصا الصغيرة. قال وموجب ذلك على القولين الإثم لأنه قتل وهو قاصد في الضرب والكفارة لشبهه بالخطأ والدية مغلظة على العاقلة والأصل أن كل دية وجبت بالقتل ابتداء لا بمعنى يحدث من بعد فهي على العاقلة اعتبارا بالخطأ، وتجب في ثلاث سنين لقضية عمر بن الخطاب ﵁ وتجب مغلظة، وسنبين صفة التغليظ من بعد إن شاء الله تعالى. ويتعلق به حرمان الميراث لأنه جزاء القتل، والشبهة تؤثر في سقوط القصاص
ــ
[البناية]
م: (فكان شبه العمد كالقتل بالسوط والعصا الصغيرة) ش: لأن تتقاصر الآلة بتقاصر معنى العمدية. فيكون شبه العمد م: (قال وموجب ذلك) ش: أي موجب شبه العمد م: (على القولين) ش: أي على قول أبي حنيفة ﵀ وقولهما: م: (الإثم لأنه قتل وهو قاصد في الضرب) ش: قتل على صيغة فعل الماضي، والواو في وهو للحال.
م: (والكفارة) ش: بالرفع عطفا على قوله: " الإثم ". أي وموجبه أيضا وجوب الكفارة م: (لشبهه بالخطأ) ش: أي بالنظر إلى الآلة. وبه قالت الأئمة الثلاثة.
وفي " الإيضاح ": وجدت في كتب أصحابنا أن لا كفارة في شبه العمد عند أبي حنيفة ﵀ لأن الإثم كامل متناه. وتناهيه يمنع شرع الكفارة لأن ذلك من باب التخفيف.
وفي " الكافي ": والصحيح أنها تجب عنده. ذكره الطحاوي والجصاص.
م: (والدية) ش: بالرفع أيضا. أي وموجب ذلك أيضا وجوب الدية حال كونها م: (مغلظة) ش: أي دية مغلظة وسيجيء تفسيرها إن شاء الله تعالى م: (على العاقلة والأصل) ش: أي في هذا الباب م: (أن كل دية وجبت بالقتل ابتداء) ش: يعني كل دية يوجبها القتل من الابتداء م: (لا بمعنى يحدث من بعد) ش: احترز به بما يصالحوا فيه على الدية، وعن قتل الوالد ولده عمدا وعن إقرار القاتل بالقتل خطأ، وقد كان قتله عمدا. فإن في هذه الصور تجب الدية على القاتل في ماله.
وقوله: " من بعد " بضم الدال لأنه لما بعد من الكسر بالإضافة بني على الضم. وقوله م: (فهي على العاقلة) ش: خبر أن. وسيجيء تفسير العاقلة في باب مستقبل م: (اعتبارا بالخطأ) ش: أي قياسا عليه. م: (وتجب في ثلاث سنين لقضية عمر بن الخطاب ﵁ وتجب مغلظة) ش: أي الدية حال كونها مغلظة. م: (وسنبين صفة التغليظ من بعد إن شاء الله تعالى) ش: في كتاب الديات.
م: (ويتعلق به) ش: أي شبه العمد م: (حرمان الميراث لأنه جزاء القتل، والشبهة تؤثر) ش: أي لأن حرمان الميراث م: (في سقوط القصاص) ش: كان ينبغي أن يؤثر أيضا في حرمان الميراث.
стр. 6546
دون حرمان الميراث، ومالك ﵀ وإن أنكر معرفة شبه العمد فالحجة عليه ما أسلفناه.
قال: والخطأ على نوعين: خطأ في القصد، وهو أن يرمي شخصا يظنه صيدا فإذا هو آدمي، أو يظنه حربيا فإذا هو مسلم. وخطأ في الفعل، وهو أن يرمي غرضا فيصيب آدميا. وموجب ذلك الكفارة والدية على العاقلة لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] (النساء: الآية ٩٢) ، وهي على عاقلته في ثلاث سنين لما بيناه. قال: ولا إثم فيه يعني في الوجهين، قالوا: المراد إثم القتل.
ــ
[البناية]
وتقرير الجواب: أن شبه العمد تؤثر في سقوط القصاص للشبهة م: (دون حرمان الميراث) ش: لأن الحرمان جزاء القتل بالنص وهو قوله ﵇: «لا ميراث للقاتل» .
م: (ومالك ﵀ وإن أنكر معرفة شبه العمد فالحجة عليه ما أسلفناه) ش: وفي " المبسوط ": وكان مالك ﵀ يقول: لا أدري ما شبه العمد وأن القتل عمد وخطأ. وقال المصنف ﵀: فالحجة عليه، أي على مالك ﵀ ما أسلفناه. وقال الأكمل ﵀: قيل: أراد به قوله ﵇: «ألا إن قتيل العمد قتيل السوط والعصا» ، ولكن المعهود من المصنف ﵀ في مثله أن يقول ما روينا والحق أن يقال إنما قال أسلفنا نظرا إلى الحديث والمعنى المنقول.
قلت: كان الأوجه أن يقول: لما ذكرنا على ما لا يخفى.
[القتل الخطأ]
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (والخطأ على نوعين: خطأ في القصد، وهو أن يرمي شخصا يظنه صيدا فإذا هو آدمي، أو يظنه حربيا فإذا هو مسلم) ش: قوله: " يظنه " جملة حالية. والفاء في " فإذا " في الموضعين للمفاجآت.
م: (وخطأ في الفعل، وهو أن يرمي غرضا) ش: بفتح الغين المعجمة والراء، وبالضاد المعجمة وهو الهدف. م: (فيصيب آدميا. وموجب ذلك) ش: أي ما يقتضيه الخطأ بنوعيه م: (الكفارة والدية على العاقلة لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] (النساء: الآية ٩٢) وهي على عاقلته في ثلاث سنين لما بيناه) ش: أراد به قوله: ويجب في ثلاث سنين بقضية عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -.
م: (قال: ولا إثم فيه) ش: من كلام القدوري ﵀، وقال المصنف ﵀: م: (يعني في الوجهين) ش: يعني عدم وجوب الإثم في الوجهين المذكورين لقوله ﵇: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان» .
م: (قالوا) ش: أي المشايخ م: (المراد إثم القتل) ش: أي إثم قصد القتل، بحذف المضاف لأن
стр. 6547
فأما في نفسه فلا يعرى عن الإثم من حيث ترك العزيمة والمبالغة في التثبت في حال الرمي إذ شرع الكفارة يؤذن باعتبار هذا المعنى ويحرم من الميراث لأن فيه إثما فيصح تعليق الحرمان به، بخلاف ما إذا تعمد الضرب موضعا من جسده فأخطأ فأصاب موضعا آخر فمات حيث يجب القصاص؛ لأن القتل قد وجد بالقصد إلى بعض بدنه، وجميع البدن كالمحل والواحد.
وقال: وما أجرى مجرى الخطأ مثل النائم ينقلب على رجل فيقتله، فحكمه حكم الخطأ في الشرع. وأما القتل بسبب كحافر البئر وواضع الحجر في غير ملكه وموجبه إذا تلف فيه آدمي، الدية على العاقلة لأنه سبب التلف، وهو متعد فيه فأنزل موقعا دافعا فوجبت الدية. ولا كفارة فيه ولا يتعلق به حرمان الميراث. وقال الشافعي ﵀:
ــ
[البناية]
إثم القتل غير منفي وهو معنى قوله: م: (فأما في نفسه فلا يعرى عن الإثم من حيث ترك العزيمة والمبالغة في التثبت في حال الرمي، إذ شرع الكفارة يؤذن باعتبار هذا المعنى) ش: الإثم لأنه لم يباشر الرخصة بطريق السلامة والمباح مفيد بهذا كالمرور في الطريق، وإذا كان فيه نوع إثم يستقيم تعليق حرمان الميراث به، وهو معنى قوله: م: (ويحرم من الميراث لأن فيه إثما فيصح تعليق الحرمان به) ش: أي بالقتل الخطأ بنوعيه.
م: (بخلاف ما إذا تعمد الضرب) ش: هذا متصل بقوله ويوجب ذلك الكفارة والدية، وصورة ذلك أن يتعمد الرجل أن يضرب م: (موضعا) ش: بأن قصد ضرب يده م: (من جسده فأخطأ فأصاب موضعا آخر) ش: بأن أصاب عنقه م: (فمات حيث يجب القصاص؛ لأن القتل قد وجد بالقصد إلى بعض بدنه، وجميع البدن كالمحل الواحد) ش: حتى إذا أصاب عنق غيره فهو خطأ.
[ما أجري مجرى الخطأ في القتل والقتل بسبب]
م: (قال:) ش: أي القدوري ﵀ م: (وما أجري مجرى الخطأ مثل النائم ينقلب على رجل فيقتله، فحكمه حكم الخطأ في الشرع) ش: لكنه دون الخطأ حقيقة، فإنه ليس من أهل القصد أصلا، وإنما وجبت الكفارة لتحرك التحرز عن نومه، في موضع يتوهم أن يصير قاتلا، والكفارة في قتل الخطأ إنما تجب لترك التحرك أيضا. وإنما جعل محروما عن الميراث لجواز أن يكون تقاوم ولم يكن قائما حقيقة. وهذا معتبر في حق الحرمان.
وفي الأوضح: لو وقع من سطح على إنسان فقتله، أو كان على دابة فأوطأت إنسانا فمات، أو كان في يده لبنة أو خشبة فسقطت على إنسان فقتله، فهذا مثل النائم ينقلب لكونه قتلا معصوما فأجري مجرى الخطأ.
م: (وأما القتل بسبب كحافر البئر وواضع الحجر في غير ملكه وموجبه إذا تلف فيه آدمي، الدية على العاقلة لأنه سبب التلف؛ وهو متعد فيه فأنزل موقعا) ش: يعني في البئر م: (دافعا) ش: يعني في الحجر م: (فوجبت الدية، ولا كفارة فيه ولا يتعلق به حرمان الميراث. وقال الشافعي ﵀:
стр. 6548
يلحق بالخطأ في أحكامه لأن الشرع أنزله قاتلا. ولنا: أن القتل معدوم منه حقيقة فألحق به في حق الضمان فبقي في حق غيره على الأصل، وهو إن كان يأثم بالحفر في غير ملكه، لا يأثم بالموت على ما قالوا، وهذه كفارة ذنب القتل، وكذا الحرمان بسببه وما يكون شبه عمد في النفس فهو عمد فيما سواها؛ لأن إتلاف النفس يختلف باختلاف الآلة، وما دونها لا يختص إتلافه بآلة دون آلة، والله أعلم
ــ
[البناية]
يلحق بالخطأ في أحكامه) ش: أي في أحكام الخطأ. فيجب الكفارة ويحرم عن الميراث. وبه قال مالك ﵀ وأحمد ﵀؛ م: (لأن الشرع أنزله قاتلا) ش: يعني في الضمان فكان كالمباشرة فعندهم المسبب كالمباشر.
م: (ولنا: أن القتل معدوم منه حقيقة) ش: لأنه ليس بمباشر للقتل حقيقة لأن مباشرة القتل إيصال فعل من القاتل بالمقتول ولم يوجد م: (فألحق به) ش: أي بالمباشر م: (في حق الضمان) ش: صيانة للدم عن الهدر على خلاف الأصل م: (فبقي في حق غيره) ش: وهو حق الكفارة وحرمان الميراث.
م: (على الأصل) ش: وهو عدم القتل، وهو إن كان يأثم، هذا جواب عما يقال: الحافر في غير ملكه يأثم. وما فيه إثم من الفعل يصح تعليق الحرمان به، كما ذكرتم في الخطأ.
وتقرير الجواب: هو أنه م: (وهو إن كان يأثم بالحفر في غير ملكه، لا يأثم بالموت على ما قالوا) ش: أي المشايخ م: (وهذه كفارة) ش: أي الكفارة التي ينازعها فيها كفارة م: (ذنب القتل) ش: هنا ولا كفارة. م: (وكذا الحرمان) ش: عن الميراث م: (بسببه) ش: أي بسبب القتل ولا قتل هنا فلا حرمان.
م: (وما يكون شبه العمد في النفس فهو عمد فيما سواها) ش: يعني ليس فيما دون النفس شبه عمد إنما هو عمد أو خطأ م: (لأن إتلاف النفس يختلف باختلاف الآلة) ش: فإن إتلاف النفس لا يقصد إلا بالسلاح وما يجري مجراه م: (وما دونها) ش: أي ما دون النفس م: (لا يختص إتلافه بآلة دون آلة، والله أعلم) ش: ألا ترى أن فقء العين كما يقصد بالسكين، يقصد بالسوط والعصا الصغيرة.
стр. 6549
باب ما يوجب القصاص وما لا يوجبه قال: القصاص واجب بقتل كل محقون الدم على التأبيد إذا قتل عمدا أما العمدية فلما بيناه.
وأما حقن الدم على التأبيد فلتنتفي شبهة الإباحة وتتحقق المساواة.
ــ
[البناية]
[باب ما يوجب القصاص وما لا يوجبه]
[القصاص واجب بقتل كل محقون الدم]
م: (باب ما يوجب القصاص وما لا يوجبه) ش: أي هذا باب في بيان ما يوجب القصاص، وفي بيان ما لا يوجب القصاص. ولما فرغ من بيان أقسام القتل وكان من جملتها العمد: وهو قد يوجب القصاص، وقد لا يوجبه، احتاج إلى التفصيل ذلك في باب على حدة.
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (القصاص واجب بقتل كل محقون الدم) ش: من حقن دمه: إذا منعه أن يسفك من وجه دخل على التأبيد احترز به عن المستأمن، ولا يشكل بقتل الأب ابنه، فإنه قتل مسلم لمسلم محقون الدم، مع أنه لا يجب القصاص لأن ذلك من العوارض فلا يدخل تحت القواعد والكلام في الأصول.
م: (على التأبيد إذا قتل عمدا) ش: قيد به لأنه إذا قتل خطأ لا يجب القصاص.
م: (أما العمدية فلما بيناه) ش: في أوائل كتاب الجنايات من قوله ﵇: «العمد قود» ، وأن الجناية شامل بها.
م: (وأما حقن الدم على التأبيد) ش: احترز به عن المستأمن؛ لأن فيه شبهة الإباحة، والعود إلى دار الحرب أشار إليه بقوله م: (فلتنتفي شبهة الإباحة وتتحقق المساواة) ش: بين القاتل والمقتول.
وقال الأكمل ﵀: وفيه بحث من أوجه:
الأول: أن العفو مندوب إليه وذلك ينافي وصف القصاص بالوجوب.
الثاني: أن حقن الدم على التأبيد غير متصور لأنه انتهى ما يتصور منه أن يكون المسلم في دار الإسلام، وهو يزول بالارتداد والعياذ بالله.
الثالث: أنها منقوضة بمسلم قتل ابنه المسلم، فإنها موجودة فيه ولا قصاص.
الرابع: أن قيد التأبيد لثبوت المساواة، وإذا قتل المستأمن مسلما وجب القصاص ولا مساواة بينهما.
والجواب عن الأول: أن المراد بالوجوب ثبوت حق الاستيفاء. ولا منافاة بينه وبين العفو.
وعن الثاني: أن المراد بالحقن على التأبيد، ما هو بحسب الأصل والارتداد عارض لا يعتبر به، ورجوع الحزبي إلى داره أصل لا عارض.
стр. 6550
قال: ويقتل الحر بالحر، والحر بالعبد للعمومات. وقال الشافعي ﵀: لا يقتل الحر بالعبد لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة: ١٧٨] . ومن ضرورة هذه المقابلة أن لا يقتل حر بعبد؛ ولأن مبنى القصاص على المساواة،
ــ
[البناية]
وعن الثالث: بأن القصاص ثابت، ولكنه انقلب ما لا شبهة الأبوة.
وعن الرابع: بأن التفاوت إلى نقصان غير مانع من الاستيفاء بخلاف العكس.
م: (قال) ش: أي القدوري ﵀: م: (ويقتل الحر بالحر، والحر بالعبد للعمومات) ش: يريد به قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨] ، وقوله: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣] ، وقوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] وقوله ﷺ : «العمد قود» .
وقال الكاكي ﵀: والحر بالعبد، وكذا بالأمة. ولكن لا يقتل بعبد نفسه عندنا.
وقال النخعي وداود: يقتل بعبد نفسه أيضا. لما روى الحسن ﵀ عن سمرة ﵁ أنه ﷺ قال: «من قتل عبده قتلناه، ومن جدعه جدعناه» .
قلنا: الحسن ما سمع: " من قتل " من سمرة ﵁، ولئن صح كان محمولا على الزجر دون إرادة الإيقاع. وقيل: هذا منسوخ بدليل سقوط القصاص بين الحر والعبد بالإجماع.
م: (وقال الشافعي ﵀: لا يقتل الحر بالعبد) ش: وبه قال مالك ﵀، وأحمد: بل يضمن قيمته.
م: (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة: ١٧٨] ، ومن ضرورة هذه المقابلة) ش: وهي مقابلة: الحر بالحر، والعبد بالعبد م: (أن لا يقتل الحر بعبد؛ ولأن مبنى القصاص على المساواة) ش: بين القاتل
следующие страницы →