← Тафсир

Тафсир · id 43

تفسير الطبري جامع البيان - ط دار التربية والتراث

ابن جرير الطبري

Полный текст (14 577 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بركة من الله وأمر الحمد لله رب العالمين الرحمنِ الرحيم مَلِكِ يومِ الدين والحمد لله الذي خلق السمواتِ والأرضَ وجعل الظلماتِ والنورَ. والحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب، ولم يجعلْ له عِوَجًا. والحمد لله الذي له ما في السمواتِ والأرضِ، وله الحمد في الآخرة، وهو الحكيمُ الخبيرُ. والحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنَّا لنهتديَ لولا أنْ هدانا الله. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمدٍ، رسول الله وخيرته من خلقه، خاتم النبيين، وأشرف المرسلين. وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإِحسانٍ إلى يوم الدين. "فصلَّى الله على نبيِّنا كلَّما ذكره الذاكرون، وغَفَل عن ذكره الغافلون. وصلى الله عليه في الأوَّلين والآخرين. أفضلَ وأكثرَ وأزكى ما صلَّى على أحدٍ من خلقه. وزكَّانا وإياكم بالصلاة عليه، أفضلَ ما زكَّى أحدًا من أمته بصلاته عليه، والسلام عليه ورحمة الله وبركاته" (١)

стр. 2

أما بعد: فإن هذا التفسير الجليل، باكورة عمل عظيم، تقوم به (دار المعارف بمصر) ، لإحياء (تُراث الإسلام) ، وإخراج نفائس الكنوز. التي بقيتْ لنا من آثار سلفنا الصالح، وعلمائنا الأفذاذ. الذين خدموا دينَهم، وعُنُوا بكتاب ربّهم، وسنّة نبيّهم، وحفظِ لغتهم، بما لم تصنعه أمةٌ من الأمم، ولم يبلغْ غيرُهم مِعْشارَ ما وفّقهم الله إليه. فكان أَوّلَ ما اخترنا، باكورةً لهذا المشروع الخطير: كتابُ (تفسير الطبري) . وما بي من حاجةٍ لبيان قيمته العلمية، وما فيه من مزايا يندر أَن توجدَ في تفسيرٍ غيرِه. وهو أعظم تفسير رأيناه، وأعلاه وأثبتُه. استحقَّ به مؤلفُه الحجةُ أن يسمَّى (إمامَ المفسّرين) . وكنتُ أخشى الإقدامَ على الاضطلاع بإِخراجه وأُعْظِمُه، عن علمٍ بما يكتنفُ ذلك من صعوباتٍ، وما يقوم دونَه من عقباتٍ، وعن خبرةٍ بالكتاب دهرًا طويلا أربعين سنةً أو تزيد. لولا أنْ قوَّى من عزمي، وشدَّ من أزْري، أخي الأصغر، الأستاذ محمود محمد شاكر. وهو - فيما أعلم - خير من يستطيع أن يحمل هذا العبء، وأن يقوم بهذا العمل حقَّ القيام، أو قريبًا من ذلك. لا أعرف أحدًا غيرَه له أهلا. وما أريد أن أشهدَ لأخي أو أُثْنيَ عليه. ولكني أقرّ بما أعلم، وأشهد بما أَسْتَيْقن.

стр. 3

وقد أَبَى أخي السيد محمود إلا أن يُلْقِيَ عليّ بعضَ العبء، بالتعاون معه في مراجعة الكتاب، وبتخريج أحاديثه، ودَرْس أسانيده. وهذا - وحدَه - عملٌ فوقَ مقدوري. ولكنّي لم أستطع التخليَ عنه، فقبلتُ وعملتُ، متوكلا على الله، مستعينًا به. وأسأل الله سبحانه الهدى والسداد، والرعاية والتوفيق. إنه سميع الدعاء. كتبه أحمد محمد شاكر عفا الله عنه بمنه القاهرة يوم الجمعة ٤ جمادى الآخرة سنة ١٣٧٤

стр. 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نزلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا * وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لأنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا * وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا * وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلا * قُلْ أَنزلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ * * * ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا * وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلا كُفُورًا﴾ * * * والحمد لله الذي أرسلَ رسولَه محمدًا ﷺ بالهُدَى ودِينِ

стр. 5

الحقِّ ليُظْهِرَه عَلَى الدِّين كُلِّه وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْركونَ. ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأمِّيِّينَ رَسُولا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ * * * اللَّهُمّ إِنّا نبرأُ إليك من كُلِّ حَوْلٍ وقوَّةٍ، ونستَعينك ونَسْتَهديك، ونعوذُ برضاكَ من غَضَبِك، فاغفر لَنا وارْحَمنا وتبْ علينا إنّك أنْتَ التَّوَّابُ الرَّحيم. ربَّنا وَلا تجعلنَا من الذين فرَّقُوا دِينَهم وَكانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُون. * * * اللهُمَّ اجعلنا مسلمِينَ لك، وَافِين لك بالميثاق الذي أخذتَ علينا: أن نكون قوّامين بالقِسْط شُهَداءَ على الناس، اللهُمَّ اهدنا صراطَك المستقيم، صراطَ الذين أنعمت عليهم من النبيّين والصِّدِّيقين والشُّهَداء، الذين قالوا ربُّنا الله ثم استقاموا، وعلموا أنك أنت الجبّارُ الذي خَضَعتْ لجَبرُوتِه الجبَابرة، والعزيزُ الذي ذلّتْ لعزَّته الملوكُ الأعِزَّة، وخَشَعت لمهَابة سَطْوتِه ذوُو المهابة، فلم يُرهِبْهم بغيُ باغٍ ولا ظُلْم سفّاحٍ ظالم: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ ﴿وَلا تحْسَبَنَّ اللَّهَ

стр. 6

غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ * * * اللهُم اغفر لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، وتغمّده برحمتك، واجعله من السابقين المقرَّبين في جنّات النعيم، فقد كان - ما عَلِمْنا- من الذين بَيَّنوا كتابَك للناس ولم يكتموه، ولم يشتَرُوا به ثَمَنًا قليلا من مَتاع هذه الحياةِ الدنيا؛ ومن الذين أدَّوْا ما لزمهم من حقِّك، وذادُوا عن سنة نبِّيك؛ ومن الذين ورَّثوا الخلَفَ من بعدهم علم ما عَلموا، وحَمَّلوهم أمانةَ ما حَمَلوا، وخلعُوا لك الأندادَ، وكفَروا بالطاغوتِ، ونَضَحوا عن دينك، وذبُّوا عن شريعتك، وأفضَوْا إليك ربَّنا وهمْ بميثاقك آخذون، وعلى عهدك محافظون، يرجون رَحْمتَك ويخافُون عذابَك. فاعفُ اللهمّ عنا وعنهم، واغفر لنَا ولهم، وارحمنا وارحمهم، أنت مولانَا فانصرنَا على القومِ الكافرين. * * * كان أبو جعفر ﵁ يقول: "إِنّي لأعجبُ مَمنْ قرأ القرآن ولم يعلَم تأويلَه، كيف يلتذُّ بقراءته؟ ". ومنذ هداني الله إلى الاشتغال بطلب العلم، وأنا أصاحب أبا جعفر في كتابيه: كتاب التفسير، وكتاب التاريخ. فقرأتُ تفسيره صغيرًا وكبيرًا، وما قرأتُه مرَّةً إلا وأنا أسمعُ صوته يتخطّى إليّ القرون: إني لأعجب ممن قرأ القرآن ولم يعلم تأويله، كيف يلتذُّ بقراءته؟ فكنتُ أجدُ في تفسيره مصداقَ قوله ﵁.

стр. 7

بيد أني كنتُ أجدُ من المشقّة في قراءتِه ما أجد. كان يستوقفني في القراءةِ، كثرةُ الفُصُول في عبارته، وتباعُد أطراف الجُمَل. فلا يسلم لي المعنى حتى أعيد قراءة الفقرة منه مرتين أو ثلاثًا. وكان سبب ذلك أنّنا ألفنَا نهجًا من العبارة غيرَ الذي انتهج أبو جعفر، ولكن تبيَّن لي أيضًا أن قليلا من الترقيم في الكتابِ، خليقٌ أن يجعَل عبارته أبينَ. فلما فعلتُ ذلك في أنحاءٍ متفرقة من نسختي، وعدتُ بعدُ إلى قراءتِها، وجدتُها قد ذهب عنها ما كنت أجد من المشقّة. ولما راجعتُ كتب التفسير، وجدتُ بعضَهم ينقلُ عَنْه، فينسبُ إليه ما لم أجده في كتابه، فتبيَّنَ لي أن سبب ذلك هو هذه الجمل التي شقّت عليَّ قراءتها. يقرؤها القارئ، فربّما أخطأ مُرادَ أبي جعفرٍ، وربَّما أصابَ. فتمنَّيت يومئذٍ أن ينشر هذا الكتاب الجليلُ نشرةً صحيحة محقّقة مرقّمةً، حتى تسهُل قراءتُها على طالب العلم، وحتى تجنّبه كثيرًا من الزَّلل في فهم مُرَاد أبي جعفر. ولكنْ تبيَّن لي على الزمن أن ما طبع من تفسير أبي جعفر، كانَ فيه خطأ كثير وتصحيفٌ وتحريف، ولما راجعتُ التفاسير القديمة التي تنقلُ عَنْه، وجدتُهم يتخطّونَ بعض هذه العبارات المصحفة أو المحرفة، فعلمتُ أن التصحيف قديم في النسخ المخطوطة. ولا غرو، فهو كتابٌ ضخْمٌ لاَ يكادُ يسلُم كلّ الصواب لناسخه. وكان للذين طبعوه عذرٌ قائمٌ، وهو سقم مخطوطاته التي سلمت من الضياع، وضخامة الكتاب، واحتياجه إلى مراجعة مئات من الكتب، مع الصبْر على المشقة والبَصَر بمواضع

стр. 8

الخَلَل. فأضمرتُ في نَفْسي أن أنشُر هذا الكتابَ، حتى أؤدّي بعض حقِّ الله عليَّ، وأشكرُ به نعمةً أنالُها - أنَا لَهَا غيرُ مستحقّ - من ربٍ لاَ يؤدّي عبدٌ من عباده شكرَ نعمة ماضيةٍ من نعمه، إلا بنعْمة منه حادثةٍ توجِب عليه أن يؤدّي شكرها، هي إقدارُه على شكر النعمة التي سلفت؛ كما قال الشافعي ﵁. وتصرَّم الزَّمن، وتفانت الأيّامُ، وأنا مستهلَكٌ فيما لاَ يُغْني عنّي شيئًا يوم يقوم الناس لربّ العالمين. حتَّى أيقظَنِي عدوانُ العادِين، وظُلْم الظّالمين، وطغيانُ الجبابرة المتكبّرين، فعقدت العزمَ على طبع هذا التفسير الإمامِ، أتقرَّبُ به إلى ربِّ العالمين، ملك يوم الدين. وأفضيتُ بما في نفسي إلى أخي الأكبر السيد أحمد محمد شاكر - أطال الله بقاءه، وأقبسني من علمه- فرأى أن تنشره "دار المعارف"، باكورةَ أعمالها في نشر (تُراث الإسلام) . ولم يمض إلا قليل حتى أعدَّت الدار عُدّتها لنشر هذا الكتاب الضخم، مشكورةً على ما بذلته في إحياء الكتاب العربيّ. وكنت أحبُّ أن يكون العمل في نشر هذا الكتاب مشاركة بيني وبين أخي في كلّ صغيرةٍ وكبيرة، ولكن حالت دون ذلك كثرة عمله. وليتَه فَعَل، حتى أستفيد من علمهِ وهدايته، وأتجنّبَ ما أخاف من الخطإ والزلل، في كتابٍ قال فيه أبو عمر الزاهد، غلام ثعلب: "قابلتُ هذا الكتاب من أوّله إلى آخره، فما وجدتُ فيه حرفًا خطأً في نحو أو لغة". وأنَّى لمثلي أن يحقّق كلمة أبي عمر في كتاب أبي جعفر!

стр. 9

ونحن أهل زمانِ أُوتوا من العجز والتهاون، أَضعافَ ما أُوتي أسلافُهم من الجدّ والقدرة! فتفضل أخي أن ينظُرَ في أسانيد أبي جعفر، وهي كثيرة جدًّا، فيتكلّم عن بعض رجالها، حيثُ يتطلب التحقيق ذلك، ثم يخرِّج جميع ما فيه من أحاديث رسول الله ﷺ . فإن وجدَ بعد ذلك فراغًا نَظَر في عملي وراجعه واستدرك عليه. فشكرتُ له هذه اليدَ التي طوّقني بِها، وكم له عندي من يدٍ لاَ أملك جزاءَها، عنْد الله جزاؤها وجزاءُ كلّ معروفٍ. وحسبُه من معروف أنّه سدّد خُطايَ صغيرًا، وأعانني كبيرًا. وتوليتُ تصحيحَ نصّ الكتاب، وضبطه، ومقابلته على ما بين أيدينا من مخطوطاته ومطبوعاته، ومراجعته على كتب التفسير التي نقلت عنه. وعلّقتُ عليه، وبيّنت ما استغلقَ من عبارته، وشرحتُ شواهده من الشعر. وبذلتُ جُهْدي في ترقيمه وتفصيله. فكلّ ما كان في ذلك من إحسانٍ فمن الله، وكلّ ما فيه من زَلَلٍ فمنّي ومن عجزي، ولا حول ولا قوة إلا بالله. والنسخ المخطوطة الكاملة من تفسير الطبري، لاَ تكادُ تُوجَد، والذي مِنْها في دار الكتب أجزاءٌ مفردة من الجزء الأوّل، والجزء السادس عشر، ومنها مخطوطة واحدة كانت في خمسة وعشرين مجلَّدًا ضاع منها الجزء الثاني والثالث، وهي قديمةً غير معروفة التاريخ. وهي على ما فيها تكادُ تكون أصحّ النسخ. وهي محفوظة بالدار برقم: ١٠٠ تفسير.

стр. 10

فجعلتها أمًّا لنشر هذا الكتاب. أما سائر المخطوطات فهي سقيمة رديئة، لم تنفع في كثير ولا قليل، فضْلا عن أنها قطع صغيرة منه. فنهجتُ نهجًا آخر في تصحيح هذا التفسير، وذلك بمراجعة ما فيه من الآثار على كتاب "الدرّ المنثور" للسيوطي، "وفتح القدير" للشوكاني، فهما يكثران النقل عن تفسير أبي جعفر. أما ابن كثير في تفسيره، فإنه لم يقتصر على نقل الآثار، بل نقل بعض كلام أبي جعفر بنَصِّه في مواضع متفرقة، وكذلك نقل أبو حيان والقرطبي في مواضع قليلة من تفسيريهما. فقابلتُ المطبوع والمخطوط من تفسير أبي جعفر على هذه الكتب. وكنت في هذا الجزء الأوَّل من التفسير أذكر مرجع كلّ أثرٍ في هذه الكتب، ثم وجدتُ أن ذلك يطيل الكتاب على غير جدوى، فبدأت منذ الجزء الثاني أغفل ذكر المراجع، إِلا عند الاختلاف، أو التصحيح، أو غير ذلك مما يوجب بيان المراجع. وراجعتُ كثيرًا ممّا في التفسير من الآثار، على سائر الكتب التي هي مظّنة لروايتها، وبخاصّة تاريخ الطبري نَفْسِه، ومن في طبقته من أصحاب الكتب التي تروي الآثار بالأسانيد. وبذلك استطعتُ أن أحرّر أكثرها في الطبري تحريرًا أرجو أن يكون حسنًا مقبولا. أمّا ما تكلّم فيه من النحو واللغة، فقد راجعته على أصوله، من ذلك "مَجاز القرآن" لأبي عبيدة، "ومعاني القرآن" للفراء، وغيرهما ممّن يذكر أقوال أصحاب المعاني من الكوفيين والبصريين. وأما شواهدُه فقد تتبعتُ ما استطعتُ منها في دواوين العربِ، ونسبت

стр. 11

ما لم يكن منها منسوبًا، وشرحتُها، وحققت ما يَحتاجُ إلى تحقيق من قصائدها، مختصرًا في ذلك ما استطعت. وقد رأيتُ في أثناء مراجعاتي أنّ كثيرًا ممن نقل عن الطبري، ربّما أخطأ في فهم مُرَاد الطبري، فاعترض عليه، لمّا استغلقَ عليه بعضُ عبارته. فقيدت بعضَ ما بدا لي خلالَ التعليق، ولم أستوعِبْ ذلك استيعَابًا مخافة الإطالة، وتركت كثيرًا مما وقفتُ عليه من ذلك في الجزء الأوّل، ولكني أرجو أنْ أستدرِك ما فاتني من ذلك في الأجزاء الباقية من التفسير إن شاء الله ربُّنَا سبحانه. وبيّنتُ ما وقفتُ عليه من اصطلاح النحاة القدماء وغيرهم، ممّا استعمله الطبري، وخالفَه النحاةُ وغيرهم في اصطلاحهم، بعد ذلك، إلى اصطلاح مُسْتَحدَث. وربّما فاتني من ذلك شيءٌ، ولكني أرجو أنْ أبيّن ذلك فيما يأتي من الأجزاء. وقد وضعتُ فهرسًا خاصًّا بالمصطلحات، في آخر كلّ جزءٍ، حتى يتيسّر لطالب ذلك أن يجدَ ما استبهَمَ عليه من الاصطلاح في موضع، في جزءٍ آخر من الكتاب.

стр. 12

وكنتُ أحبُّ أن أبيّن ما انفردَ به الطبريّ من القول في تأويل بعض الآياتِ، وأشرح ما أَغْفَله المفسّرون غيرُه، ولكني خفتُ أن يكونَ ذلك سببًا في زيادة الكتاب طولا على طوله؛ مع أني أَرَى أن هذا أمرٌ يكشف عن كتاب الطبري، ويزيدنا معرفة بالطبري المفسّر، وبمنهجه الذي اشتقّه في التفسير، ولم اختلف المفسّرون من بعده، فأغفلوا ما حرصَ هو على بيانه؟ وكنتُ أحبُّ أيضًا أن أُسَهِّل على قارئ كتابه، فأجعل في آخرِ الآياتِ المتتابعة التي انتهى من تفسيرها، مُلَخَّصًا يجمَعُ ما تفرَّق في عشراتٍ من الصفحاتِ. وذلك أني رأيتُ نفسي قديمًا، ورأيت المفسِّرين الذين نقلوا عَنْهُ، كانوا يقرأون القطعة من التفسير مفصولةً عمَّا قبلها، أو كانوا يقرأونه متفرِّقًا. وهذه القراءةُ، كما تبيِّن لي، كانتْ سببًا في كثيرٍ من الخَلْط في معرفة مُرَادِ الطبري، وفي نسبة أقوالٍ إليه لم يقلْها. لأنَّه لما خاف التكرار لطول الكتابِ، اقتصَر في بعض المواضِع على ما لاَ بُدَّ منه، ثقَةً منه بأنّه قد أبان فيما مضى من كتابه عن نهجه في تفسير الآيات المتصلة المعاني. والقارئ الملتمِس لمعنى آيةٍ من الآياتِ، ربَّما غَفَل عن هذا الترابُط بين الآية التي يقرؤها، والآيات التي سبقَ للطبري فيها بيانٌ يتّصل كل الاتصال ببيانه عن هذه الآية. ولكني حين بدأت أفعل ذلك، وجدت الأمر شاقًا عسيرًا، وأنه يحتاجُ إِلى تكرار بعضِ ما مضى، وإلى إِطالةٍ في البيانِ. وهذا شيءٌ يزيدُ التفسيرَ طولا وضخامة. ولمَّا رأيتُ أن كثيرًا من العلماء كان يعيبُ على الطبري أنه حشَدَ في كتابِهِ كثيرًا من الرواية عن السالفين، الذين قرأوا الكُتُب، وذكروا في معاني القرآنِ ما ذكروا من الرواية عن أهل الكتابَيْن السالِفَيْن: التَّوراة والإنجيل - أحببتُ أن أكشف عن طريقة الطبري في الاستدلال بهذه الرواياتِ روايةً روايةً، وأبيّن كيف أخطأ الناسُ في فهم مقصده، وأنّه لم يَجْعل هذه الروايات قطُّ مهيمنةً على كتاب الله الذي لاَ يأتيه الباطل من يديه ولا من خلفه. وأحببتُ أن أبيّن عند كُلِّ روايةٍ مقالة الطبريّ في إِسنادِها، وأنه إسنادٌ لاَ تقوم به حُجَّةٌ في دين الله، ولا في تفسير كتابه،

стр. 13

وأن استدلاله بها كان يقوم مقام الاستدلالِ بالشِّعر القديم، على فهم معنى كلمة، أو للدلالة على سياقِ جملة. وقد علقتُ في هذا الجزء ١: ٤٥٤، ٤٥٨ وغيرهما من المواضع تعليقًا يبينُ عن نهج للطبري في الاستدلال بهذه الآثار، وتركتُ التعليقَ في أماكنَ كثيرة جدًّا، اعتمادًا على هذا التعليق. ورأيتُ أن أدَعَ ذلك حتى أكتب كتابًا عن "الطبري المفسِّر" بعد الفراغ من طبع هذا التفسير. لأني رأيتُ هناكَ أشياء كثيرةً، ينبغي بيانُها، عن نهج الطبري في تفسيره. ورأيتني يجدّ لي كُلَّ يوم جديدٌ في معرفة نهجه، كلَّما زدتُ معرفةً بكتابه، وإلفًا لطريقته. فاسأل الله أن يعنيني أن أفردَ له كتابًا في الكلام عن أسلوبه في التفسير، مع بيان الحجّة في موضع موضعٍ، على ما تبيّن لي من أسلوبه فيه. ورحمَ الله أبا جعفر، فإنه، كما قال، كان حدَّث نفسه بهذا التفسيرِ وهو صبيٌّ، واستخار الله في عمله، وسأله العونَ على ما نواه، ثلاثَ سنين قبل أن يعمله، فأعانه الله سبحانه. ثم لما أراد أن يملي تفسيره قال لأصحابه: أتنشطون لتفسير القرآن؟ قالوا: كم يكون قدرُه؟ فقال: ثلاثون ألف ورقة. فقالوا: هذا ممّا تفنَى فيه الأعمارُ قبل تمامه! فاختصره لهم في ثلاثة آلاف ورقةٍ. فكان هذا الاختصار سببًا في تركه البيانَ عمّا نجتهد نحنُ في بيانه عند كل آية. وهذا الاختصارُ بيّنٌ جدًّا لمن يتتبّع هذا التفسيرَ من أولِه إِلى آخره. هذا وقد كنتُ رأيتُ أن أكتب ترجمةً للطبري أجْعَلُها مقدّمَةً للتفسير. ولكنّي وجدت الكتابة عن تفسيره في هذه الترجمة، لن تتيسّر لي

стр. 14

إلا بعد الفراغ من كتابه، وكشف النقاب عمّا استبهم من منهاجِه في تفسيره. فأعرضتُ عن ذلك، وقلت أجمع ترجمةً للطبري، فجمعتُ كُلّ ما في الكتب المطبوعة والمخطوطة من ترجمة وأخبار، وما قيل في تصانيفه وتعدادها، فإذا هي قد تجاوزت ما يمكن أن يكونَ ترجمةً في صدر هذا التفسير، فآثرتُ أن أفردها كتابًا قائمًا بنفسه، سوف يخرجُ قريبًا بعون الله سبحانه. أمّا الفهارسُ، فإِنّي كنت أريدُ أن أدعَها حتى أفرغَ من الكتاب كُلِّه، فأصدرها في مجلداتٍ مستقلّة، ولكن الكتابَ كبيرٌ، وحاجةُ الناسِ، وحاجتي أنَا، إلى مراجعة بعضه على بعض، وربط أوّله بآخره أوجبتْ أن أتعجَّل فأُفرد بعض الفهارس مع كُلّ جزء. فجعلت فهرسًا للآيات التي استدلّ بها في غير موضعها من التفسير. فقد تبيّن لي أنّه ربّما ذكر في تفسير الآية في هذا الموضع، قولا في الآية لم يذكرُه في موضعها من تفسير السورة التي هي منها. وأفردت فهرسًا ثانيًا لألفاظ اللغة، لأنه كثير الإحالة على ما مضى في كتابه، وليكون هذا الفهرس مرجعًا لكل اللُّغَة التي رواها الطبري، وكثير منها ممّا لم يرد في المعاجم، أو جاء بيانه عن معانيها أجودَ من بيان أصحاب المعاجم. وهو فهرسٌ لاَ بُدَّ أن يتم عند كُلّ جزء، حتى لاَ يسقط عليّ شيءٌ من لغة الطبري. وأفردت فهرسًا ثالثًا لمباحث العربيّة، لأنّه كثيرًا ما يحيلُ على هذه المواضِع، ولأنّ فيها نفعًا عظيمًا تبيّنتُه وأنا أعمل في هذا التفسير. وزدت

стр. 15

فهرسًا رابعًا للمصطلحات القديمة التي استحدث الناسُ غيرها، ليسْهُل على قارئ كتابه أن يجد تفسيرها في موضعها، فإِني لم أفسِّرها عند كُلّ موضع ذكرتْ فيه، لكثرة تكرارها في الكتاب. وفهرسًا خامسًا، هو ردوده على الفرق وأصحاب الأهواءِ. وأفردتُ فهرسًا سادسًا للرجال الذي تكَلَّم عنهم أخي السيد أحمد في المواضع المتفرقة من التفسير، حتى يسهلُ على من يريد أن يحقّق إسنادًا أن يجد ضالّته. فإِنّه حفظه الله، لم يلتزم الكتابة على الرجال عند كُلّ إِسنادٍ. وهذا فهرسٌ لاَ بُدّ منه مع كُلِّ جزءٍ حتى لاَ تتكرّر الكتابة على الرجال في مواضع مختلفة من الكتاب، ولتصحيح أسماء الرجال حيث كانوا من التفسير. أما الفهرس العام للكتاب، فقد اقتصرت فيه على ذِكْرِ ما سوى ذلك، ولم أذكر فيه بدأه في تفسير كُلّ آية، لأنّ آيات المصحف مرقمة، وأثبتنا أرقام الآيات في رأس الصفحات. فمن التمس تفسير آية، فليستخرج رقمها من المصحف، وليطلبْ رقمها في تفسير الطبري من رؤوس الصفحات. * * * هذا، وقد تركتُ أن أصْنَع للشعر فهرسًا مع كلِّ جزءٍ، فإني سأجعلُ لَهُ فهرسًا مفردًا بعد تمام طبع الكتابِ، على نمط اخترتُه لصناعته. وأمَّا فهارس الكتاب عامَّة، فستكون بعد تمام الكتاب كله. وهي تشتمل فهارس أسانيد الطبري، على طراز أرجُو أن أكون موفقًا في اختياره وعمله. ثم فهرس الأعلام، وفهرس الأماكن، وفهرسُ المعاني،

стр. 16

والفهارس الجامعة لما أفردتُه من الفهارس مع كلِّ جزء. وهذا شيءٌ لاَ بُدَّ منه، لضبط ما في التفسير من مناحي العلم المختلفة، وليتيسّر على الطالب أن يجد بُغْيته حيث شاء من كتاب الطبري، لأنّه كثير الإحالة في كتابه على ما مضى منه. * * * وبعد، فقد بذلتُ جهدي، وتحرَّيتُ الصوابَ ما استطعتُ، وأردتُ أن أجعَلَ نشرَ هذا الكتابِ الإمامِ في التفسير، زُلْفَى إِلى اللهِ خالصةً. ولكن كيف يخلُص في زماننا عملٌ من شائبة تشوبهُ! فأسألُ الله أن يتقبَّل مني ما أخلصتُ فيه، وأن يغفر لي ما خالطه مِنْ أمرِ هذه الدنيا، وأن يتغمّدني برحمته يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ، إلا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ. وأضرع إليه أن يغفر لَنَا ولإخوانِنا الَّذِينَ سَبَقُونَا بالإيمان، وآخرُ دَعْوَانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين. محمود محمد شاكر

стр. 17

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بركة من الله وأمر قرئ على أبي جعفر محمد بن جرير الطَّبري في سنة ست وثلثمئة، قال: الحمد لله الذي حَجَّت الألبابَ بدائعُ حِكَمه، وخَصَمت العقولَ لطائفُ حُججه (١) وقطعت عذرَ الملحدين عجائبُ صُنْعه، وهَتفتْ في أسماع العالمينَ ألسنُ أدلَّته، شاهدةٌ أنه الله الذي لاَ إله إلا هو، الذي لاَ عِدْلَ له معادل (٢) ولا مثلَ له مماثل، ولا شريكَ له مُظاهِر، ولا وَلدَ له ولا والد، ولم يكن له صاحبةٌ ولا كفوًا أحدٌ؛ وأنه الجبار الذي خضعت لجبروته الجبابرة، والعزيز الذي ذلت لعزّته الملوكُ الأعزّة، وخشعت لمهابة سطوته ذَوُو المهابة، وأذعنَ له جميعُ الخلق بالطاعة طوْعًا وَكَرْهًا، كما قال الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [سورة الرعد: ١٥] . فكل موجود إلى وَحدانيته داع، وكل محسوس إلى رُبوبيته هاد، بما وسَمهم به من آثار الصنعة، من نقص وزيادة، وعجز وحاجة، وتصرف في عاهات عارضة، ومقارنة أحداث لازمة، لتكونَ له الحجة البالغة. ثم أرْدف ما شهدتْ به من ذلك أدلَّتُه، وأكد ما استنارت في القلوب منه بهجته، برسلٍ ابتعثهم إلى من يشاء من عباده، دعاةً إلى ما اتضحت لديهم صحّته، وثبتت في العقول حجته، ﴿لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [سورة النساء: ١٦٥]

стр. 18

وليذَّكَّر أولو النهي والحلم. فأمدَّهم بعوْنه، وأبانهم من سائر خلقه، بما دل به على صدقهم من الأدلة، وأيدهم به من الحجج البالغة والآي المعجزة، لئلا يقول القائل منهم (١) ﴿مَا هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ * وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ [سورة المؤمنون: ٣٣-٣٤] فجعلهم سفراءَ بينه وبين خلقه، وأمناءه على وحيه، واختصهم بفضله، واصطفاهم برسالته، ثم جعلهم -فيما خصهم به من مواهبه، ومنّ به عليهم من كراماته- مراتبَ مختلفة، ومنازل مُفترقة، ورفع بعضهم فوق بعض درجات، متفاضلات متباينات. فكرَّم بعضهم بالتكليم والنجوى، وأيَّد بعضهم برُوح القدس، وخصّه بإحياء الموتى، وإبراء أولى العاهة والعمى، وفضَّل نبينا محمدًا ﷺ ، من الدرجات بالعليا، ومن المراتب بالعُظمى. فحباه من أقسام كرامته بالقسم الأفضل (٢) وخصه من درجات النبوّة بالحظ الأجزَل، ومن الأتباع والأصحاب بالنصيب الأوفر. وابتعثه بالدعوة التامة، والرسالة العامة، وحاطه وحيدًا، وعصمه فريدًا، من كل جبار عاند، وكل شيطان مارد (٣) حتى أظهر به الدّين، وأوضح به السبيل، وأنهج به معالم الحق، وَمَحق به منار الشِّرك. وزهق به الباطلُ، واضمحل به الضلالُ وخُدَعُ الشيطان وعبادةُ الأصنام والأوثان (٤) مؤيدًا بدلالة على الأيام باقية، وعلى الدهور والأزمان ثابتة، وعلى مَرِّ الشهور والسنين دائمة، يزداد ضياؤها على كرّ الدهور إشراقًا، وعلى مرّ الليالي والأيام

стр. 19

ائتلاقًا، خِصِّيصَى من الله له بها دون سائر رسله (١) -الذين قهرتهم الجبابرة، واستذلَّتهم الأمم الفاجرة، فتعفَّتْ بعدهم منهم الآثار، وأخملت ذكرهم الليالي والأيام- ودون من كان منهم مُرْسلا إلى أمة دون أمة، وخاصّة دون عامةٍ، وجماعة دون كافَّة. فالحمدُ لله الذي كرمنا بتصديقه، وشرّفنا باتِّباعه، وجعلنا من أهل الإقرار والإيمان به وبما دعا إليه وجاء به، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أزكى صلواته، وأفضلَ سلامه، وأتمَّ تحياته. ثم أما بعد (٢) فإنّ من جسيم ما خصّ الله به أمة نبينا محمد ﷺ من الفضيلة، وشرَّفهم به على سائر الأمم من المنازل الرفيعة، وحباهم به من الكرامة السنية، حفظَه ما حفظ عليهم -جلّ ذكره وتقدست أسماؤه- من وحيه وتنزيله، الذي جعله على حقيقة نبوة نبيهم ﷺ دلالة، وعلى ما خصه به من الكرامة علامةً واضحة، وحجةً بالغة، أبانه به من كل كاذب ومفترٍ، وفصَل به بينهم وبين كل جاحد ومُلحِد، وفرَق به بينهم وبين كل كافر ومشرك؛ الذي لو اجتمع جميعُ من بين أقطارها، من جِنِّها وإنسها وصغيرها وكبيرها، على أن يأتوا بسورة من مثله لم يأتوا بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا (٣) . فجعله لهم في دُجَى الظُّلَم نورًا ساطعًا، وفي سُدَف الشُّبَه شهابًا لامعًا (٤) وفي مضَلة المسالك دليلا هاديًا، وإلى سبل النجاة والحق حاديًا، ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [سورة المائدة: ١٦] . حرسه بعين

стр. 20

منه لاَ تنام، وحاطه برُكن منه لاَ يضام، لاَ تَهِي على الأيام دعائمه، ولا تبيد على طول الأزمان معالمه، ولا يجوز عن قصد المحجَّة تابعه (١) ولا يضل عن سُبُل الهدى مُصَاحبه. من اتبعه فاز وهُدِى، ومن حاد عنه ضلَّ وغَوَى، فهو موئلهم الذي إليه عند الاختلاف يَئِلون، ومعقلهم الذي إليه في النوازل يعقلون (٢) وحصنهم الذي به من وساوس الشيطان يتحصنون، وحكمة ربهم التي إليها يحتكمون، وفصْل قضائه بينهم الذي إليه ينتهون، وعن الرضى به يصدرون، وحبله الذي بالتمسك به من الهلكة يعتصمون. اللهم فوفقنا لإصابة صواب القول في مُحْكَمه ومُتَشابهه، وحلاله وحرامه، وعامِّه وخاصِّه، ومجمَله ومفسَّره، وناسخه ومنسوخه، وظاهره وباطنه، وتأويل آية وتفسير مُشْكِله. وألهمنا التمسك به والاعتصام بمحكمه، والثبات على التسليم لمتشابهه. وأوزعنا الشكر على ما أنعمتَ به علينا من حفظه والعلم بحدوده. إنك سميع الدعاء قريب الإجابة. وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم تسليما. اعلموا عبادَ الله، رحمكم الله، أن أحقَّ ما صُرِفت إلى علمه العناية، وبُلِغت في معرفته الغاية، ما كان لله في العلم به رضًى، وللعالم به إلى سبيل الرشاد هدى، وأن أجمعَ ذلك لباغيه كتابُ الله الذي لا ريب فيه، وتنزيله الذي لا مِرْية فيه، الفائزُ بجزيل الذخر وسنىّ الأجر تاليه، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيلٌ من حكيم حَميد (٣) . ونحن -في شرح تأويله، وبيان ما فيه من معانيه- منشئون إن شاء الله ذلك، كتابًا مستوعِبًا لكل ما بالناس إليه الحاجة من علمه، جامعًا، ومن سائر الكتب

стр. 21

غيره في ذلك كافيًا. ومخبرون في كل ذلك بما انتهى إلينا من اتفاق الحجة فيما اتفقت عليه منه (١) واختلافها فيما اختلفت فيه منهُ. ومُبيِّنو عِلَل كل مذهب من مذاهبهم، ومُوَضِّحو الصحيح لدينا من ذلك، بأوجز ما أمكن من الإيجاز في ذلك، وأخصر ما أمكن من الاختصار فيه. والله نسألُ عونه وتوفيقه لما يقرب من محَابِّهِ، ويبْعد من مَساخِطه. وصلى الله على صَفوته من خلقه وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا. وأولُ ما نبدأ به من القِيل في ذلك: الإبانةُ عن الأسباب التي البدايةُ بها أولى، وتقديمها قبل ما عداها أحْرى. وذلك: البيانُ عما في آي القرآن من المعاني التي من قِبَلها يدخل اللَّبْس على من لم يعان رياضةَ العلوم العربية، ولم تستحكم معرفتُه بتصاريف وجوه منطق الألسُن السليقية الطبيعية.

стр. 22

(القولُ في البيانِ عن اتفاق معاني آي القرآن ، ومعاني منطِق مَنْ نزل بلسانه القرآن من وَجْه البيان -والدّلالة على أن ذلك من الله تعالى ذكره هو الحكمة البالغة- مع الإبانةِ عن فضْل المعنَى الذي به بَايَن القرآنُ سائرَ الكلام) قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبريّ، ﵀: إن من أعظم نعم الله تعالى ذكره على عباده، وجسيم مِنَّته على خلقه، ما منحهم من فَضْل البيان الذي به عن ضمائر صُدورهم يُبينون، وبه على عزائم نفوسهم يَدُلّون، فذَلَّل به منهم الألسن (١) وسهَّل به عليهم المستصعب. فبِهِ إياه يُوَحِّدون، وإيَّاه به يسَبِّحون ويقدِّسون، وإلى حاجاتهم به يتوصّلون، وبه بينهم يتَحاورُون، فيتعارفون ويتعاملون. ثم جعلهم، جلّ ذكره -فيما منحهم من ذلك- طبقاتٍ، ورفع بعضهم فوق بعض درجاتٍ: فبَيْنَ خطيب مسْهِب، وذَلِقِ اللسان مُهْذِب، ومفْحَمٍ (٢) عن نفسه لا يُبين، وَعىٍّ عن ضمير قلبه لا يعبَر. وجعل أعلاهم فيه رُتبة، وأرفعهم فيه درجةً، أبلغَهم فيما أرادَ به بَلاغًا، وأبينَهم عن نفسه به بيانَا. ثم عرّفهم في تنزيله ومحكم آيِ كتابه فضلَ ما حباهم به من البيان، على من

стр. 23

فضّلهم به عليه من ذى البَكَم والمُستَعْجِم اللسان (١) فقال تعالى ذكرُه: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [سورة الزخرف: ١٨] . فقد وَضَحَ إذا لذوي الأفهام، وتبين لأولي الألباب، أنّ فضلَ أهل البيان على أهل البَكَم والمستعجمِ اللسان، بفضل اقتدار هذا من نفسه على إبانة ما أراد إبانته عن نفسه ببيانه، واستعجام لسان هذا عما حاول إبانته بلسانه. فإذْ كان ذلك كذلك -وكان المعنى الذي به باينَ الفاضلُ المفضولَ في ذلك، فصار به فاضلا والآخرُ مفضولا هو ما وصفنا من فضْل إبانة ذى البيان، عما قصّر عنه المستعجمُ اللسان، وكان ذلك مختلفَ الأقدار، متفاوتَ الغايات والنهايات- فلا شك أن أعلى منازل البيان درجةً، وأسنى مراتبه مرتبةً، أبلغُه في حاجة المُبِين عن نفسه، وأبينُه عن مراد قائله، وأقربُه من فهم سامعه. فإن تجاوز ذلك المقدار، وارتفع عن وُسْع الأنام، وعجز عن أن يأتي بمثله جميعُ العباد، كان حجةً وعَلَمًا لرسل الواحد القهار -كما كان حجةً وعَلَمًا لها إحياءُ الموتى وإبراءُ الأبرص وذوي العمى، بارتفاع ذلك عن مقادير أعلى منازل طبّ المتطببين (٢) وأرفع مراتب عِلاج المعالجين، إلى ما يعجز عنه جميع العالَمِين. وكالذي كان لها حجةً وعَلَمًا قطعُ مسافة شهرين في الليلة الواحدة، بارتفاع ذلك عن وُسع الأنام، وتعذّر مثله على جميع العباد، وإن كانوا على قطع القليل من المسافة قادرين، ولليسير منه فاعلين. فإذْ كان ما وصفْنا من ذلك كالذي وصفْنا، فبيّنٌ أنْ لا بيان أبْيَنُ، ولا حكمة أبلغُ، ولا منطقَ أعلى، ولا كلامَ أشرفُ- من بيان ومنطق تحدّى به

стр. 24

امرؤ قومًا في زمان هم فيه رؤساء صناعة الخطب والبلاغة، وقيلِ الشعرِ والفصَاحة، والسجع والكهانة، على كل خطيب منهم وبليغ (١) وشاعر منهم وفصيح، وكلّ ذي سجع وكهانة -فسفَّه أحلامهم، وقصَّر بعقولهم (٢) وتبرأ من دينهم، ودعا جميعهم إلى اتباعه والقبول منه والتصديق به، والإقرار بأنه رسولٌ إليهم من ربهم. وأخبرهم أن دلالته على صدْق مقالته، وحجَّتَه على حقيقة نبوّته- ما أتاهم به من البيان، والحكمة والفرقان، بلسان مثل ألسنتهم، ومنطق موافقةٍ معانيه معانيَ منطقهم. ثم أنبأ جميعهم أنهم عن أن يأتوا بمثل بعضه عَجَزَة، ومن القدرة عليه نقَصَةٌ. فأقرّ جميعُهم بالعجز، وأذعنوا له بالتصديق، وشهدوا على أنفسهم بالنقص. إلا من تجاهل منهم وتعامى، واستكبر وتعاشى، فحاول تكلُّف ما قد علم أنه عنه عاجز، ورام ما قد تيقن أنه عليه غير قادر. فأبدى من ضعف عقله ما كان مستترًا، ومن عِيّ لسانه ما كان مصُونًا، فأتى بما لا يعجِزُ عنه الضعيف الأخرق، والجاهل الأحمق، فقال: "والطاحنات طحنًا، والعاجنات عجنًا، فالخابزات خبزًا، والثاردات ثَرْدًا، واللاقمات لَقْمًا"! (٣) ونحو ذلك من الحماقات المشبهةِ دعواه الكاذبة. فإذْ كان تفاضُلُ مراتب البيان، وتبايُنُ منازل درجات الكلام، بما وصفنا قبل -وكان الله تعالى ذكرُه وتقدست أسماؤه، أحكمَ الحكماء، وأحلمَ الحلماء،

стр. 25

- كان معلومًا أن أبينَ البيان بيانُه، وأفضلَ الكلام كلامه، وأن قدرَ فضْل بيانه، جلّ ذكره، على بيان جميع خلقه، كفضله على جميع عباده. فإذْ كان كذلك -وكان غيرَ مبين منّا عن نفسه مَنْ خاطبَ غيره بما لا يفهمه عنه المخاطب- كان معلومًا أنه غير جائز أن يخاطبَ جل ذكره أحدٌا من خلقه إلا بما يفهمه المخاطَبُ، ولا يرسلَ إلى أحد منهم رسولا برسالة إلا بلسانٍ وبيانٍ يفهمه المرسَلُ إليه. لأن المخاطب والمرسَلَ إليه، إن لم يفهم ما خوطب به وأرسل به إليه، فحالهُ -قبل الخطاب وقبل مجيء الرسالة إليه وبعدَه- سواءٌ، إذ لم يفدْه الخطابُ والرسالةُ شيئًا كان به قبل ذلك جاهلا. والله جل ذكره يتعالى عن أن يخاطب خطابًا أو يرسل رسالةً لا توجب فائدة لمن خُوطب أو أرسلت إليه، لأن ذلك فينا من فعل أهل النقص والعبث، والله تعالى عن ذلك مُتَعالٍ. ولذلك قال جل ثناؤه في محكم تنزيله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [سورة إبراهيم: ٤] . وقال لنبيه محمد ﷺ : ﴿وَمَا أَنزلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [سورة النحل: ٦٤] . فغير جائز أن يكونَ به مهتديًا، منْ كانَ بما يُهْدَى إليه جاهلا. فقد تبين إذًا -بما عليه دللنا من الدِّلالة- أن كلّ رسول لله جل ثناؤه أرسله إلى قوم، فإنما أرسله بلسان من أرسله إليه، وكلّ كتاب أنزله على نبي، ورسالة أرسلها إلى أمة، فإنما أنزله بلسان من أنزله أو أرسله إليه. فاتضح بما قلنا ووصفنا، أن كتاب الله الذي أنزله إلى نبينا محمد ﷺ ، بلسان محمد ﷺ . وإذْ كان لسان محمد ﷺ عربيًّا، فبيِّنٌ أن القرآن عربيٌّ. وبذلك أيضًا نطق محكم تنزيل ربنا، فقال جل ذكره: ﴿إِنَّا أَنزلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [سورة يوسف: ٢] . وقال: ﴿وَإِنَّهُ

стр. 26

لَتَنزيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نزلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [سورة الشعراء: ١٩٢-١٩٥] . وإذْ كانت واضحةً صحةُ ما قلنا -بما عليه استشهدنا من الشواهد، ودللنا عليه من الدلائل- فالواجبُ أن تكون معاني كتاب الله المنزل على نبينا محمد ﷺ ، لمعاني كلام العرب موافقةً، وظاهرُه لظاهر كلامها ملائمًا، وإن باينه كتابُ الله بالفضيلة التي فضَلَ بها سائرَ الكلام والبيان، بما قد تقدّم وَصْفُنَاهُ. فإذْ كان ذلك كذلك، فبيِّن -إذْ كان موجودًا في كلام العرب الإيجازُ والاختصارُ، والاجتزاءُ بالإخفاء من الإظهار، وبالقلة من الإكثار في بعض الأحوال، واستعمالُ الإطالة والإكثار، والترداد والتكرار، وإظهارُ المعاني بالأسماء دون الكناية عنها، والإسرار في بعض الأوقات، والخبرُ عن الخاصّ في المراد بالعامّ الظاهر، وعن العامّ في المراد بالخاصّ الظاهر، وعن الكناية والمرادُ منه المصرَّح، وعن الصفة والمرادُ الموصوف، وعن الموصوف والمرادُ الصفة، وتقديمُ ما هو في المعنى مؤخر، وتأخيرُ ما هو في المعنى مقدّم، والاكتفاءُ ببعض من بعض، وبما يظهر عما يحذف، وإظهارُ ما حظه الحذف- (١) أن يكون ما في كتاب الله المنزل على نبيه محمد ﷺ من ذلك، في كلّ ذلك له نظيرًا، وله مِثْلا وشبيهًا. ونحن مُبَيِّنو جميع ذلك في أماكنه، إن شاء الله ذلك وأمدّ منه بعونٍ وقوّة.

стр. 27

القول في البَيَان عن الأحرف التي اتفقت فيها ألفاظ العرب وألفاظ غيرها من بعض أجناس الأمم قال أبو جعفر: إن سألنا سائل فقال: إنك ذكرت أنه غيرُ جائز أن يخاطب الله تعالى ذكرهُ أحدًا من خلقه إلا بما يفهمه، وأن يرسل إليه رسالة إلا باللسان الذي يفقهه.. ١- فما أنت قائل فيما حدثكم به محمد بُن حُميد الرازي، قال: حدثنا حَكّام بن سَلْم، قال: حدثنا عبْسة، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص عن أبي موسى: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [سورة الحديد: ٢٨] ، قال: الكفلان: ضعفان من الأجر، بلسان الحبشة (١) . ٢- وفيما حدثكم به ابن حُمَيْد، قال: حدثنا حكام، عن عَنبسة، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ [سورة المزمل: ٦] قال: بلسان الحبشة إذا قامَ الرجلُ من الليل قالوا: نَشأ (٢) . ٣- وفيما حدّثكم به ابن حميد قال: حدّثنا حكام، قال: حدثنا عنبسة، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ قال: سبِّحي، بلسان الحبشة (٣) ؟ قال أبو جعفر: وكل ما قلنا في هذا الكتاب "حدّثكم" فقد حدثونا به.

стр. 28

٤- وفيما حدّثكم به محمد بن خالد بن خِداش الأزديّ، قال: حدثنا سلم ابن قتيبة، قال: حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس ﵄ أنه سأل عن قوله: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ [سورة المدثر: ٥١] قال: هو بالعربية الأسد، وبالفارسية شار، وبالنبطية أريا، وبالحبشية قسورة (١) . ٥- وفيما حدثكم به ابن حميد قال: حدّثنا يعقوب القمّى، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جُبَير قال: قالت قريش: لولا أنزل هذا القرآن أعجميٌّا وعربيًّا؟ فأنزل الله تعالى ذكره: ﴿لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [سورة فصلت: ٤٤] فأنزل الله بعد هذه الآية في القرآن بكل لسان فيه. ﴿حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [سورة هود: ٨٢، وسورة الحجر: ٧٤] قال: فارسية أعربت "سنك وكل (٢) . ٦- وفيما حدثكم به محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهديّ، قال: حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة، قال: في القرآن من كل لسان (٣) . وفيما أشبه ذلك من الأخبار التي يطولُ بذكرها الكتاب، مما يدل على أن فيه من غير لسان العرب؟ قيل له: إنّ الذي قالوه من ذلك غير خارج من معنى ما قلنا -من أجل أنهم لم يقولوا: هذه الأحرف وما أشبهها لم تكن للعرب كلامًا، ولا كان ذاك

стр. 29

لها منطقًا قبل نزول القرآن، ولا كانت بها العرب عارفةً قبل مجيء الفرقان- فيكون ذلك قولا لقولنا خِلافًا (١) . وإنما قال بعضهم: حرف كذا بلسان الحبشة معناهُ كذا، وحرفُ كذا بلسان العجم معناه كذا. ولم نستنكر أن يكون من الكلام ما يتفق فيه ألفاظ جميع أجناس الأمم المختلفة الألسن بمعنى واحد، فكيف بجنسين منها؟ كما وجدنا اتفاق كثير منه فيما قد علمناه من الألسن المختلفة، وذلك كالدرهم والدينار والدواة والقلم والقرْطاس، وغير ذلك -مما يتعب إحصاؤه وُيمِلّ تعداده، كرهنا إطالة الكتاب بذكره- مما اتفقت فيه الفارسية والعربية باللفظ والمعنى. ولعلّ ذلك كذلك في سائر الألسن التي نجهل منطقها ولا نعرف كلامها. فلو أن قائلا قال -فيما ذكرنا من الأشياء التي عددْنا وأخبِرْنا اتفاقَه في اللفظ والمعنى بالفارسية والعربية، وما أشبهَ ذلك مما سكتنا عن ذكره-: ذلك كله فارسي لا عربي، أو ذلك كله عربي لا فارسي، أو قال: بعضه عربي وبعضه فارسي، أو قال: كان مخرج أصله من عند العرب فوقع إلى العجم فنطقوا به، أو قال: كان مخرج أصله من عند الفرس فوقع إلى العرب فأعربته - كان مستجهَلا (٢) لأن العربَ ليست بأولى أن تكون كان مخرجُ أصل ذلك منها إلى العجم، ولا العجم أحقَّ أن تكون كان مخرج أصل ذلك منها إلى العرب، إذ كان استعمال ذلك بلفظ واحد ومعنى واحد موجودًا في الجنسين. وإذْ كان ذلك موجودًا على ما وصفنا في الجنسين، فليس أحدُ الجنسين أولى بأن يكون أصلُ ذلك كان من عنده من الجنس الآخر. والمدّعي أن مخرج صل ذلك إنما كان من أحد الجنسين إلى الآخر، مدّعٍ أمرًا لا يوصَل إلى حقيقة صحّته إلا بخبر يوجب العلم، ويزيل الشكّ، ويقطع العذرَ صحتُه.

стр. 30

بل الصواب في ذلك عندنا: أن يسمَّى: عربيًّا أعجميًّا، أو حبشيًّا عربيًّا، إذ كانت الأمّتان له مستعملتين -في بيانها ومنطقها- استعمالَ سائر منطقها وبيانها. فليس غيرُ ذلك من كلام كلّ أمة منهما، بأولى أن يكون إليها منسوبًا- منه (١) . فكذلك سبيل كل كلمة واسم اتفقت ألفاظ أجناس أمم فيها وفي معناها، ووُجد ذلك مستعملا في كل جنس منها استعمالَ سائرِ منطقهم، فسبيلُ إضافته إلى كل جنس منها، سبيلُ ما وصفنا -من الدرهم والدينار والدواة والقلم، التي اتفقت ألسن الفرس والعرب فيها بالألفاظ الواحدة والمعنى الواحد، في أنه مستحقٌّ إضافته إلى كل جنس من تلك الأجناس- اجتماعٌ واقترانٌ (٢) . وذلك هو معنى من روينا عنه القولَ في الأحرف التي مضت في صدر هذا الباب، من نسبة بعضهم بعضَ ذلك إلى لسان الحبشة، ونسبة بعضهم بعضَ ذلك إلى لسان الفرس، ونسبة بعضهم بعضَ ذلك إلى لسان الروم. لأنّ من نسب شيئًا من ذلك إلى ما نسبه إليه، لم ينفِ -بنسبته إياه إلى ما نسبه إليه- أن يكون عربيًّا، ولا من قال منهم: هو عربيّ، نفى ذلك أن يكون مستحقًّا النسبةَ إلى من هو من كلامه من سائر أجناس الأمم غيرها. وإنما يكون الإثبات دليلا على النفي، فيما لا يجوز اجتماعه من المعاني، كقول القائل: فلان قائم، فيكون بذلك من قوله دالا على أنه غير قاعد، ونحو ذلك مما يمتنع اجتماعه لتنافيهما. فأمّا ما جاز اجتماعه فهو خارج من هذا المعنى. وذلك كقول القائل فلان قائم مكلِّمٌ فلانًا، فليس في تثبيت القيام له ما دلَّ على نفي كلام آخر،

стр. 31

لجواز اجتماع ذلك في حالٍ واحدٍ من شخص واحد. فقائل ذلك صادق إذا كان صاحبه على ما وصفه به. فكذلك ما قلنا -في الأحرف التي ذكرنا وما أشبهها- غيرُ مستحيل أن يكون عربيًّا بعضها أعجميًّا، وحبشيًّا بعضها عربيًّا، إذ كان موجودًا استعمالُ ذلك في كلتا الأمتين. فناسِبُ ما نَسبَ من ذلك إلى إحدى الأمتين أو كلتيهما محقٌّ غيرُ مبطل. فإن ظن ذو غباءٍ أن اجتماع ذلك في الكلام مستحيلٌ -كما هو مستحيل في أنساب بني آدم- فقد ظنّ جهلا. وذلك أن أنساب بني آدم محصورة على أحد الطرفين دون الآخر، لقول الله تعالى ذكره: ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [سورة الأحزاب: ٥] . وليس ذلك كذلك في المنطق والبيان، لأنّ المنطق إنما هو منسوب إلى من كان به معروفًا استعمالُه. فلو عُرِف استعمالُ بعض الكلام في أجناس من الأمم -جنسين أو أكثر- بلفظ واحد ومعنى واحد، كان ذلك منسوبًا إلى كل جنس من تلك الأجناس، لا يستحق جنسٌ منها أن يكون به أولى من سائر الأجناس غيره. كما لو أنّ أرضًا بين سَهل وجبل، لها هواء السهل وهواء الجبل، أو بين برٍّ وبحرٍ، لها هواء البر وهواءُ البحر- لم يمتنع ذو عقل صحيح أن يصفها بأنها سُهْلية جبلية (١) . أو بأنها بَرِّية بِحْرية، إذ لم تكن نسبتها إلى إحدى صفتيها نافيةً حقَّها من النسبة إلى الأخرى. ولو أفردَ لها مفردٌ إحدى صفتيها ولم يسلبها صفتها الأخرى، كان صادقًا محقًّا. وكذلك القول في الأحرف التي تقدم ذكرناها في أول هذا الباب. وهذا المعنى الذي قلناه في ذلك، هو معنى قول من قال: في القرآن من كل لسان- عندنا بمعنى، والله أعلم: أنّ فيه من كلّ لسان اتفق فيه لفظ العرب ولفظ غيرها من الأمم التي تنطق به، نظيرَ ما وصفنا من القول فيما مضى.

стр. 32

وذلك أنه غيرُ جائز أن يُتوهّم على ذي فطرة صحيحة، مقرّ بكتاب الله، ممن قد قرأ القرآن وعرف حدود الله -أن يعتقد أنّ بعضَ القرآن فارسي لا عربيّ، وبعضه نبطي لا عربيّ، وبعضه روميّ لا عربيّ، وبعضه حبشي لا عربي (١) ، بعد ما أخبر الله تعالى ذكرُه عنه أنه جعله قرآنًا عربيًّا. لأن ذلك إنْ كان كذلك، فليس قولُ القائل: القرآن حبشيٌّ أو فارسيٌّ، ولا نسبةُ من نسبه إلى بعض ألسن الأمم التي بعضُه بلسانه دون العرب- بأولى بالتطويل من قول القائل (٢) : هو عربي. ولا قولُ القائل: هو عربيٌّ بأولى بالصّحة والصواب من

стр. 33

قول ناسبه إلى بعض الأجناس التي ذكرنا. إذ كان الذي بلسان غير العرب من سائر ألسن أجناس الأمم فيه، نظيرَ الذي فيه من لسان العرب. وإذا كان ذلك كذلك، فبيِّن إذًا خطأ من زعم أن القائل من السلف: في القرآن من كل لسان، إنما عنى بقيله ذلك، أنّ فيه من البيان ما ليس بعربيّ، ولا جائز نسبته إلى لسان العرب. ويقال لمن أبى ما قلنا -ممن زعم أن الأحرف التي قدمنا ذكرها في أول الباب وما أشبهها، إنما هي كلام أجناس من الأمم سوى العرب، وقعت إلى العرب فعرَّبته-: ما برهانك على صحة ما قلت في ذلك، من الوجه الذي يجب التسليم له، فقد علمتَ من خالفك في ذلك، فقال فيه خلاف قولك؟ وما الفرقُ بينك وبين من عارضك في ذلك فقال: هذه الأحرف، وما أشبهها من الأحرف غيرها، أصلها عربي، غير أنها وقعت إلى سائر أجناس الأمم غيرها فنطقت كل أمة منها ببعض ذلك بألسنتها- من الوجه الذي يجبُ التسليم له؟ فلن يقول في شيء من ذلك قولا إلا ألزم في الآخر مثله. فإن اعتلَّ في ذلك بأقوال السلف التي قد ذكرنا بعضها وما أشبهها، طولبَ

стр. 34

-مطالبَتنا من تأوَّل عليهم في ذلك تأويله- بالذي قد تقدم بيانه. وقيل له: ما أنكرتَ أن يكون من نسب شيئًا من ذلك منهم إلى من نسبه من أجناس الأمم سوى العرب، إنما نسبه إلى إحدى نسبتيه التي هو لها مستحق، من غير نَفيٍ منه عنه النسبة الأخرى؟ ثم يقال له: أرأيتَ من قال لأرض سُهْلية جبلية: هي سُهلية، ولم ينكر أن تكون جبلية، أو قال: هي جبلية، ولم يدفعْ أن تكون سُهْلية، أنافٍ عنها أن تكون لها الصفة الأخرى بقيله ذلك؟ فإن قال: نعم! كابر عَقْلَه. وإن قال: لا قيل له: فما أنكرت أن يكون قولُ من قال في سجّيل: هي فارسية، وفي القسطاس: هي رومية- نظيرَ ذلك؟ وسأل الفرقَ بين ذلك، فلن يقولَ في أحدهما قولا إلا ألزِم في الآخر مثله.

стр. 35

القول في اللغة التي نزل بها القرآن من لغات العرب قال أبو جعفر: قد دللنا، على صحة القول بما فيه الكفاية لمن وُفِّق لفهمه، (١) على أن الله جل ثناؤه أنزل جميع القرآن بلسان العرب دون غيرها من ألسن سائر أجناس الأمم، وعلى فساد قول من زعم أن منه ما ليس بلسان العرب ولغاتها. فنقول الآن -إذ كان ذلك صحيحًا- في الدّلالة عليه بأيِّ ألسن العرب أنزل: أبألسن جميعها أم بألسن بعضها؟ إذ كانت العرب، وإن جمَع جميعَها اسمُ أنهم عرب، فهم مختلفو الألسن بالبيان، متباينو المنطق والكلام. وإذْ كان ذلك كذلك -وكان الله جل ذكرُه قد أخبر عبادَه أنه قد جعلَ القرآن عربيًّا وأنه أنزل بلسانٍ عربيّ مبين، ثم كان ظاهرُه محتملا خصوصًا وعُمومًا- لم يكن لنا السبيلُ إلى العلم بما عنى الله تعالى ذكره من خصوصه وعمومه، إلا ببيان مَنْ جعل إليه بيانَ القرآن، وهو رسول الله ﷺ . فإذ كان ذلك كذلك - (٢) وكانت الأخبار قد تظاهرت عنه ﷺ ٧ - بما حدثنا به خلاد بن أسلم، قال: حدثنا أنس بن عياض، عن أبي حازم، عن أبي سلمة، قال-: لا أعلمه إلا عن أبي هريرة-: أن رسول

стр. 36

الله ﷺ قال: أنزل القرآنُ على سبعة أحرف، فالمِراءُ في القرآن كفرٌ -ثلاث مرات- فما عرْفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردُّوه إلى عالمه (١) . ٨- حدثني عبيد بن أسباط بن محمد، قال: حدثنا أبي، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : أنزل القرآن على سبعة أحرف، عليمٌ حكيم، غفورٌ رحيم (٢) . ٩- حدثنا أبو كريب، قال: حدثني عبدة بن سليمان، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ مثلَه. ١٠- حدثنا محمد بن حميد الرازي، قال: حدثنا جرير بن عبد الحميد، عن مغيرة، عن واصل بن حيّان، عمَّن ذكره، عن أبي الأحوص، عن عبد الله ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : أنزل القرآن على سبعة أحرف، لكل حرف منها ظهر وبطنٌ، ولكل حرف حَدٌّ، ولكل حدٍّ مُطَّلَع (٣) .

стр. 37

١١- حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا مهران، قال: حدثنا سفيان، عن إبراهيم الهَجَريّ، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ مثله. ١٢- حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، قال: حدثنا عاصم، عن زِرٍّ، عن عبد الله، قال: اختلفَ رجلان في سورةٍ، فقال هذا: أقرَأني النبي ﷺ . وقال هذا: أقرأني النبي ﷺ . فأتى النبيّ ﷺ فأخبر بذلك، قال فتغير وجههُ، وعنده رجلٌ فقال: اقرأوا كما عُلِّمتم -فلا أدري أبشيء أمِرَ أم شيء ابتدعه من قِبَل نفسه- فإنما أهلك من كان قبلكم اختلافُهم على أنبيائهم. قال: فقام كلّ رجل منا وهو لا يقرأ على قراءة صاحبه. نحو هذا ومعناه (١) ١٣- حدثنا سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا الأعمش -وحدثني أحمد بن منيع، قال: حدثنا يحيى بن سعيد الأموي، عن الأعمش- عن عاصم، عن زر بن حبيش، قال: قال عبد الله بن مسعود: تمارينا في سورة من القرآن، فقلنا: خمس وثلاثون أو ست وثلاثون آية. قال: فانطلقنا إلى رسول الله ﷺ ، فوجدنا عليًّا يُنَاجِيه،

стр. 38

قال: فقلنا: إنا اختلفنا في القراءة. قال: فاحمرَّ وجهُ رسول الله ﷺ وقال: إنما هلكَ من كان قبلكم باختلافهم بينهم. قال: ثم أسرّ إلى عليّ شيئًا، فقال لنا علي: إنّ رسول الله ﷺ يأمرُكم أن تقرأوا كما عُلِّمتم (١) . ١٤- حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، عن عيسى بن قرطاس، عن زيد القصار، عن زيد بن أرقم، قال: كنا معهُ في المسجد فحدثنا ساعة ثم قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: أقرأني عبد الله بن مسعود سورة، أقرأنيها زيدٌ وأقرأنيها أبيّ بن كعب، فاختلفت قراءتهم، فبقراءةِ أيِّهم آخُذُ؟ قال: فسكت رسول الله ﷺ ، قال: وعليٌّ إلى جنبه، فقال علي: ليقرأ كل إنسان كما عُلِّم، كلٌّ حسنٌ جميل (٢) . ١٥- حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عروة بن الزبير: أن المِسْوَر بن مَخْرمة وعبد الرحمن بن عبد القاريّ أخبراه: أنهما سمعا عمر بن الخطاب ﵁ يقول: سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورةَ الفرقان في حياة رسول الله ﷺ ، فاستمعت لقراءته، فإذا هو يقرؤها على حروف كثيرة لم يُقْرِئنيها رسول الله ﷺ ، فكدت أساوره في الصلاة، فتصبَّرت حتى سلَّم، فلما سلّم

стр. 39

لبَّبته بردائه فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتُك تقرؤها؟ قال: أقرأنيها رسول الله ﷺ ! فقلت: كذبت، فوالله إن رسول الله ﷺ لهو أقرأني هذه السورة التي سمعتُك تقرؤها! فانطلقت به أقوده إلى رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تُقْرِئنيها، وأنت أقرأتني سورة الفرقان! قال: فقال رسول الله ﷺ : أرسله يا عمر، اقرأ يا هشام. فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرؤها، فقال رسول الله ﷺ : هكذا أنزلتْ. ثم قال رسول الله ﷺ : اقرأ يا عمر. فققرأتُ القراءة التي أقرأني رسول الله ﷺ ، فققال رسول الله ﷺ : هكذا أنزلتْ. ثم قال رسول الله ﷺ : إنّ هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرأوا ما تيسر منها (١) . ١٦- حدثني أحمد بن منصور، قال: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: حدثنا حرب بن ثابت من بني سُلَيم، قال: حدثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أبيه، عن جده، قال: قرأ رجل عند عمر بن الخطاب ﵁ فغيَّر عليه، فقال: لقد قرأتُ على رسول الله ﷺ فلم يغيِّر عليَّ. قال: فاختصما عند النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، ألم تقرئني آية كذا وكذا؟ قال: بلى! قال: فوقع في صدر عمرَ شيء، فعرف

стр. 40

النبي ﷺ ذلك في وجهه، قال: فضربَ صدره وقال: ابعَدْ شيطانًا -قالها ثلاثًا- ثم قال: يا عمرُ، إن القرآن كلَّه صواب، ما لم تجعلْ رحمةً عذابًا أو عذابا رحمةً (١) . ١٧- حدثنا عبيد الله بن محمد الفريابي، قال: حدثنا عبد الله بن ميمون، قال: حدثنا عبيد الله (٢) -يعني ابن عمر- عن نافع، عن ابن عمر، قال: سمع عمر بن الخطاب ﵁ رجلا يقرأ القرآن، فسمع آية على غير ما سمع من النبي ﷺ ، فأتى به عمرُ إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن هذا قرأ آية كذا وكذا. فقال رسول الله ﷺ : أنزل القرآن على سبعة أحرف، كلها شافٍ كافٍ (٣) .
следующие страницы →