← Фатава

Фатава · id 432

فتاوى دار الإفتاء المصرية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (4 930 стр.). Показаны 3851–3890 · переход к 3856.

стр. 3851

العمل مع صاحبه فى القبر المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل يأتى عمل الرجل الصالح فى قبره على هيئة رجل أبيض جميل الثياب، أما غيره فيأتيه عل هيئة رجل أسود ردئ الثياب؟ الجواب جاء فى "الترغيب والترهيب " للحافظ المنذرى ج ٤ ص ١٢٤ ما يلى: روى أحمد بإسناد رواته محتج بهم فى الصحيح حديث قبض الروح وسؤال الملكين، وجاء فيه أن العبد المؤمن يأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح فيقول له: أبشر بالذى يسرك، هذا يومك الذى كنت توعد، فيقول: من أنت فوجهك الوجه الحسن يجىء بالخير؟ فيقول: أنا عملك الصالح. وجاء فيه عن الكافر: "ويأتيه رجل قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الريح فيقول: أبشر بالذى يسوءك هذا يومك الذى كنت توعد، فيقول: من أنت فوجهك الوجه القبيح يجىء بالشر؟ قال: أنا عملك الخبيث ". ومما يدل على أن العمل هو الذى يصاحب الميت فى قبره، بصرف النظر عن كون الله يجعله فى صورة رجل أو لا، قول النبى ﷺ فى الميت حين يشيع إلى قبره، إن المشيعين يتركونه فى القبر، ويعودون إلى بيوتهم، ولا يصاحبه فى قبره إلا عمله -فقد روى البخارى ومسلم أنه قال "يتبع الميت ثلاث: أهله وماله وعمله، فيرجع اثنان ويبقى واحد، يرجع أهله وماله، ويبقى عمله" وفسر المال فى الحديث بالعبيد المملوكين له

стр. 3852

ضمة القبر المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال ما الحكمة من ضمة القبر، وهل ينجو منها أحد، وهل هناك عمل ينجى منها؟ الجواب جاء فى "مشارق الأنوار" للعدوى ص ٣٠ أن النبى ﷺ قال -كما رواه النسائى-فى سعد بن معاذ بن جبل "لقد تحرك له العرش، وفتحت له أبواب السماء، وشهده سبعون ألفا من الملائكة، ولقد ضم ثم فرِّج عنه " وفى رواية عن عائشة رضى الله عنها أنه قال "للقبر ضغطة لو نجا أحد منها لنجا منها سعد بن معاذ" وقوله "لو نجا منها أحد" لا يتناقض مع قوله "ما عفى لأحد عن ضغطة القبر إلا فاطمة بنت أسد" وهى زوجة عمه أبى طالب: قيل يا رسول الله ولا ابنك القاسم؟ قال "ولا إبراهيم الذى هو أصغرهما" لأن نجاة فاطمة بنت أسد بسبب أن الرسول ﷺ نزل فى قبرها ونرغ قميصه وتمعَّك فى لحدها، ولما سئل عن ذلك قال "أردت ألا تمسها النار أبدا إن شاء الله وأن يوسع عليها قبرها" قال الحكيم الترمذى: سبب هذه الضمة أنه ما من أحد إلا وقد ألمَّ بخطيئة ما وإن كان صالحا، فجعلت هذه الصغطة جزاء له، ثم تدركه الرحمة، ولهذا كانت ضغطة سعد للتقصير فى البول فأما الأنبياء فلا ضم ولا سؤال لعصمتهم. هذا ما قاله الزرقانى فى شرح المواهب، وناقشه العدوى بأن ضغطة القبر لا تكون بسبب الخطيئة، فما هى خطيئة إبراهيم بن الرسول وقد مات صغيرا ولم يكلف؟ ولا يظن بسعد أنه قصر فى البول تقصيرا يؤدى إلى فساد فى عبادته أو مكروه، ويؤيد هذا أن ضمها للمؤمن الكامل ضمة شفقة ورأفة فالذين لا تشملهم ضغطة القبر مستثنون لخصوصية فيهم. قال الشعرانى فى مختصر التذكرة: لا ينجو من ضمة القبر أحد إلا أربعة، فاطمة بنت محمد، وفاطمة بنت أسد، والأنبياء، ومن قرأ ﴿قل هو الله أحد﴾ فى مرضه ولو مرة واحدة. وروى مرفوعا، "إن العبد إذا وضع فى قبره فقال أهله: واسيداه واأميراه، واشريفاه، قال له الملك: اسمع ما يقولون. أكنت سيدا؟ أكنت أميرا؟ أكنت شريفا؟ فيقول الميت: ليتهم سكتوا عنى، قال: فيضغطه القبر ضغطة تختلف فيها أضلاعه. . فالخلاصة: أن ضغطة القبر عامة، ولا ينجو منها إلا من لهم خصوصيات، وهى لا تستدعى ذنبا وقع، وهى تكون شفقة ورأفة على المؤمن الكامل، والذى يجعلها خفيفة هو العمل الصالح بوجه عام، ومنه قراءة ﴿قل هو الله أحد﴾ كما تقدم، وهذه كلها من الغيب الذى يحتاج فى اعتقاده إلى دليل قوى " الزرقانى ج ٢ ص ١٤٢ "

стр. 3853

التعرف على الأقارب يوم القيامة المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل سيتعرف الإنسان على أقاربه يوم القيامة؟ الجواب التعرف على الأقارب بمعنى رؤيتهم ومعرفتهم أمر ممكن إن تيسر اللقاء بهم، أما التعرف بمعنى النفع والإفادة فقد ورد فيه قول الله تعالى ﴿يوم يفر المرء من أخيه. وأمه وأبيه ث وصاحبته وبنيه. لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه﴾ عبس: ٣٤-٣٧. وستكون هناك شفاعة الولد الصغير الذى صبر أبوه على موته، ويأخذ بيده ويدخل معه الجنة كما ثبت فى الحديث

стр. 3854

العزاء فى المنتحر المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل يجوز تقديم العزاء فى المنتحر؟ الجواب المنتحر إن لم يعلم أنه استحل الانتحار فهو مؤمن غير كافر، ومن هنا يجوز تقديم العزاء فيه، ولو علم أنه كفر فلا مانع أيضا من عزاء أهله فيه، فالمراد من التعزية تسليتهم، وذلك من حق المسلم على المسلم، وفيه حديث رواه ابن ماجه والبيهقى بسند حسن "ما من مؤمن يعزى أخاه بمصيبة إلا كساه الله من حلل الكرامة يوم القيامة" وقال العلماء فى هذا الصدد: إن عزى مسلما بكافر قال: أعظم الله أجرك وأحسن عزاءك. ولا يقول: غفر لميتك أو رحمه الله

стр. 3855

الوصية بالدفن المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال أوصانى والدى إذا مات أن يدفن فى مكان معين، فهل يجب تنفيذ هذه الوصية؟ الجواب الوصية هى التصرف المضاف لما بعد الموت. كالوصية ببناء مسجد من ماله بعد موته، أو الوصية لولده بحفظ القرآن ونحو ذلك. وتنفيذ الوصية يكون فيما ليس فيه ظلم أو خروج على المصلحة المشروعة، وهذا التنفيذ مطلوب قال تعالى ﴿فمن بدَّله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه﴾ البقرة: ١٨١ وذلك بعد الأمر بالوصية للوالدين والأقربين بالمعروف، وقال ﴿فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه﴾ البقرة: ١٨٢ والجنف هو الميل عن الحق. ومن البر بالوالدين تنفيذ وصيتهما بعد موتهما، لحديث أبى داود وابن ماجه وابن حبان أن رجلا سأل النبى ﷺ : هل بقى من بر أبوى شىء بعد موتهما؟ فقال "نعم، الصلاة عليهما -أى الدعاء والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التى لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما ". وإنفاذ عهدهما من بعدهما قد يراد به أن ينفذ الولد العهود التى تعهد بها والداه لغيرهما من الناس ولم يستطيعا تنفيذها قبل الموت، كالديون مثلا، وقد يراد تنفيذ العهود والوعود التى عهد الوالدان للولد أن ينفذها بعد الموت، لكن ذلك كله فى الشىء الواجب فيكون التنفيذ واجبا، وفى المندوب يكون التنفيذ مندوبا وفى غير ذلك فلا تنفيذ لأى عهد، مثل أن يوصى بأن يدفن فى بلد كذا، أو فى مقبرة فلان مثلا، فقد قرر العلماء أن الأولى دفن الميت فى البلد الذى مات فيه، وقال المالكية بجواز نقله للمصلحة، كمكان ترجى بركته أو تتيسر فيه زيارة أهله له. وحرَّم الشافعية نقله إلا لجوار قوم صالحين. أو لجهة مشرفة كمكة والمدينة والقدس إن كانت قريبة. وعلى هذا فإن تنفيذ الوصية بالدفن فى مكان معين يكون من البر إن كان لهذا المكان ميزة كفضل البقعة أو القرب من الأهل لسهولة الزيارة، وفى غير ذلك لا يجب تنفيذ الوصية، بل يحرم نقله عند الشافعية

стр. 3856

الذكر عند تشيع الجنازة المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل يجوز ترديد بعض العبارات مثل "لا إله إلا الله " اثناء تشييع الجنازة؟ الجواب يقول النووى فى كتابه "الأذكار": واعلم أن الصواب والمختار وما كان عليه السلف ﵃ -السكوت في حال السير مع الجنازة، فلا يرفع صوت بقراءة ولا ذكر ولا غير ذلك، والحكمة فيه ظاهرة، وهى أنه أسكن لخاطره وأجمع لفكره فيما تعلق بالجنازة، وهو مطلوب فى هذا الحال، فهذا هو الحق. قال ابن المنذر، كان أصحاب رسول الله ﷺ يكرهون رفع الصوت عند ثلاث: عند الجنازة وعند الذكر وعند القتال، وكره سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والحسن والنخعى وأحمد وإسحاق قول القائل خلف الجنازة: استغفروا له. قال فضيل بن عمر: بينما ابن عمر فى جنازة إذ سمع قائلا يقول: استغفروا له غفر الله له. فقال ابن عمر: لا غفر الله لك. هذا الحكم فى رفع الصوت بالذكر، أما الإسرار به بحيث لا يسمع إلا نفسه فلا مانع منه

стр. 3857

من وصايا الميت المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال يحدث أن بعض الناس عندما تقرب نهايتهم يتركون وصية بأن يصلى عليه الجنازة فلان، وأن يدفن فى مكان معين، أو يكون كفنه من قماش معين، وغير ذلك من الوصايا، فهل يجب تنفيذ تلك الوصية، حتى لو صادف التنفيذ بعض الصعاب؟ الجواب جاء فى كتاب "الأذكار" للنووى "ص ١٦٥ " حديث رواه البخارى عن عائشة رضى الله عنها قالت: دخلت على أبى بكر رضى الله عنه، يعنى وهو مريض فقال: فى كم كفنتم النبى ﷺ فقلت: فى ثلاثة أثواب، قال: فى أى يوم توفى رسول الله ﷺ ؟ قالت: يوم الإثنين، قال فأى يوم هذا؟ قالت: يوم الإثنين، قال: أرجو فيما بينى وبين الليل. فنظر إلى ثوب عليه كان يمرَّض فيه، به رَدْعٌ -أثر- من زعفران فقال: اغسلوا ثوبى هذا، وزيدوا عليه ثوبين، فكفنونى فيها، قلت: إن هذا خلق - قديم - قال؟ إن الحى أحق بالجديد من الميت، إما هو للمهلة -بضم الميم وفتحها وكسرها وسكون الهاء، وهو الصديد الذى يتحلل من بدن الميت - فلم يتوف حتى أمسى من ليلة الثلاثاء ودفن قبل أن يصبح. وروى البخارى أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال لمَّا جرح: إذا أنا قبضت فاحملونى، ثم سلِّم وقل - لعائشة -: يستأذن عمر، فإن أذنت لى فأدخلونى، وإن ردتنى ردونى إلى مقابر المسلمين. وروى مسلم عن عامر بن سعد بن أبى وقاص قال: قال سعد: ألحدوا لى لحدا، وانصبوا علىَّ اللَّبِن نصبا كما صنع برسول الله ﷺ وروى مسلم أيضا عن عمرو بن العاص رضى الله عنه أنه قال، وهو فى سياقة الموت: إذا أنا مت فلا تصحبنى نائحة ولا نار، فإذا دفنتمونى فشنوا علىَّ التراب شنا، ثم أقيموا حول قبرى قدر ما ينحر جزور ويقسم لحمها، حتى أستأنس بكم وأنظر ماذا أراجع به رسل ربى، قوله شنوا، روى بالسين المهملة، وبالمعجمة يعنى بالشين، ومعناه صبوه قليلا قليلا. ثم قال النووى بعد هذه الروايات: وينبغى ألا يقلِّد الميت ويتابع فى كل ما وصَّى به، بل يعرض ذلك على أهل العلم، فما أباحوه فعل وما لا فلا، وأنا أذكر من ذلك أمثلة، فإذا أوصى بأن يدفن فى موضع من مقابر بلدته، وذلك الموضع معدن الأخيار يعنى بجوار الصالحين فينبغى أن يحافظ على وصيته، وإذا أوصى بأن يصلى عليه أجنبى فهل يقدَّم فى الصلاة على أقارب الميت؟ فيه خلاف للعلماء، والصحيح فى مذهبنا أن القريب أولى، لكن إن كان الموصى له ممن ينسب إلى الصلاح أو البراعة فى العلم مع الصيانة والذكر الحسن استحب للقريب الذى ليس هو فى مثل حاله إيثاره، ورعاية لحق الميت، وإذا أوصى بأن يدفن فى تابوت لم تنفذ وصيته، إلا أن تكون الأرض رخوة أو ندية يحتاج فيها إليه، فتنفذ وصيته، وكذلك إذا كان فى الأرض سباع يخشى أن تأكل الجثة ولا يحميها إلا التابوت، ويكون من رأس المال كالكفن، وإذا أوصى بأن ينقل إلى بلد آخر لا تنفذ وصيته، فإن النقل حرام على المذهب الصحيح المختار الذى قاله الأكثرون وصرح به المحققون، وقيل مكروه، قال الشافعى ﵀: إلا أن يكون بقرب مكة أو المدينة أو بيت المقدس، فينقل إليها لبركتها، وإذا أوصى بأن يدفن تحته مضربة أو مخدة تحت رأسه أو نحو ذلك لم تنفذ وصيته، وكذا إذا أوصى بأن يكفن فى حرير فإن تكفين الرجال فى الحرير حرام، وتكفين النساء فيه مكروه ليس بحرام. ولو أوصى بأن يكفن فيما زاد على عدد الكفن المشروع أو فى ثوب لا يستر البدن لا تنفذ وصيته، ولو أوصى بأن يقرأ عند قبره أو يتصدق عنه وغير ذلك من أنواع القرب نفذت، إلا أن يقترن بها ما يمنع الشرع منها بسببه، ولو أوصى بأن تؤخر جنازته زائدا عن المشروع لم تنفذ، ولو أوصى بأن يبنى عليه فى مقبرة مسبَّلة للمسلمين لم تنفذ ولو أوصى بأن يبنى عليه فى مقبرة للمسلمين لم تنفذ وصيته، بل ذلك حرام

стр. 3858

صلاة الجنازة بعد الدفن المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال توفى ولد صغير لى فى مكان منعزل فغسلته وكفنته فى ملابسه ودفنته حيث مات دون صلاة عليه، لأنى لم أجد أحدا يصلى عليه فماذا أعمل؟ الجواب المفروض فى صلاة الجنازة أن تكون قبل دفن الميت، فلو دفنت بدون صلاة عليها وجب إخراجها من القبر إن لم تتحلل ولم تنتهك حرمتها، فان تعذر إخراجها لذلك وجبت الصلاة عليها وهى فى القبر، وتكون أمام المصلى كما لو كانت قبل الدفن. أما الصلاة عليها بعيدة عن القبر فقيل بعدم جوازها، وما حصل من صلاة النبى ﷺ على النجاشى فهو خصوصية له. وقيل بالجواز ونفى الخصوصية إن كانت بعد الموت بشهر فأقل كما رآه الحنابلة، وقيل بالجواز مطلقا كما رآه الشافعية "انظر الفقه على المذاهب الأربعة ". هذا، وصلاة الجنازة فى المقبرة بين القبور كرهها جماعة لحديث "الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام" وقال آخرون لا بأس بها، لأن الرسول صلى على قبر وهو فى المقبرة وصلى أبو هريرة على عائشة وسط قبور البقيع، ولم ينكره ابن عمر

стр. 3859

إتباع الجنازة المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال كيف يكون السير بالجنازة، وهل المشى أمامها أفضل أم خلفها؟ الجواب اختار جمهور العلماء السير أمام الجنازة لأن الرسول ﷺ وأبا بكر عمر كانوا يمشون أمامها، كما رواه أحمد وأصحاب السنن. ويرى الحنفية أن السير خلفها أفضل، لأنه هو الذى يدل على معنى "اتباع الجنازة" الذى أمر به الرسول ﷺ والمتبع هو الذى يمشى خلف من يتبعه. ويرى أنس بن مالك أن كل ذلك سواء، لأن الرسول ﷺ قال "الراكب يسير خلف الجنازة والماشى يمشى خلفها وأمامها وعن يمينها وعن يسارها قريبا منها" وروى البيهقى وابن أبى شيبة بإسناد حسن أن أبا بكر وعمر كانا يمشيان أمام الجنازة، وكان على يمشى خلفها فقيل لعلىٍّ إنهما - أى أبا بكر وعمر - يمشيان أمامها، فقال: إنهما يعلمان أن المشى خلفها أفضل من المشى أمامها، كفضل صلاة الرجل فى جماعة على صلاته فذًّا ولكنهما يسهلان للناس

стр. 3860

الدفن فى مقبرة خاصة المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال أوصى رجل أن يعمل له قبر خاص بجوار بيته، فهل يجب تنفيذ الوصية أم الأفضل أن يدفن فى المقبرة العامة؟ الجواب جاء فى "المغنى لابن قدامة" ج ٢ ص ٣٨٨ أن الدفن فى مقابر المسلمين أولى عند الإمام أحمد من الدفن فى البيوت، لأنه أقل ضررا على الأحياء من ورثته، وأشبه بمساكن الآخرة، وأكثر للدعاء له والترحم عليه، ولم يزل الصحابة والتابعون ومن بعدهم يقبرون فى الصحارى. فإن قيل: فالنبى ﷺ قُبر فى بيته، وقبر صاحباه معه، قلنا: قالت عائشة رضى الله عنها: إنما فعل ذلك لئلا يتخذ قبره مسجدا، رواه البخارى، ولأن النبى ﷺ كان يدفن أصحابه بالبقيع، وفعله أولى من فعل غيره، وإنما أصحابه رأوا تخصيصه بذلك ولأنه روى: يدفن الأنبياء حيث يموتون، وصيانة لهم عن كثرة الطُّراق، وتمييزا للنبى عن غيره. اهـ. وفى مشارق الأنوار للعدوى "ص ٥٢ " أن الدفن فى مقابر المسلمين أولى من الدفن فى البيت، وأرى أن الوصية بالدفن فى قبر خاص فى بيته لا يلزم تنفيذها، فالدفن فى المقابر أفضل

стр. 3861

توجيه الميت فى القبر المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل يجب أن يوجه الميت في قبره إلى جهة القبلة، أم يجوز توجهه إلى غيرها؟ الجواب جاء فى فقه المذاهب الأربعة أنه يجب أن يوضع الميت فى قبره مستقبل القبلة، وذلك رأي الجمهور، أما المالكية فقالوا: إن توجيهه إلى القبلة بوضعه على جنبه الأيمن مندوب وليس بواجب. وجاء فيه أنه لو وضع الميت غير موجَّه للقبلة ولم يُهَلْ عليه التراب وجب تدارك ذلك، فإن أهيل عليه التراب لم ينبش، ورأى الشافعية والحنابلة وجوب نبش القبر ولو بعد إهالة التراب عليه، لتوجيهه إلى القبلة، وذلك قبل أن تتغير الجثة، وإلا فلا

стр. 3862

عمل الكافر المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل المفكرون والمخترعون والمكتشفون والمصلحون ممن لم يعتنقوا الإسلام، يأخذون من الله أجرا على أعمالهم التى أفاد منها الكثيرون؟ الجواب ليكن معلوما أن الثواب فى الآخرة بدخول الجنة شرطه الإيمان بالله والإخلاص له، فالكافر بالله لا يستحق ثوابا لأنه لم يؤمن والمؤمن غير المخلص لا يستحق كذلك ثوابا، لأنه عمل لغير الله، وكل ما فعله غير المؤمن من صالحات مردود عليه يوم القيامة، والنصوص فى ذلك كثيرة، منها قوله تعالى فى الذين لا يؤمنون بلقاء الله ﴿وقدِمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا﴾ الفرقان: ٢٣ وقوله ﴿قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا. الذين ضل سعيهم فى الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا. ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا واتخذوا آياتى ورسلى هزوا﴾ الكهف: ١٠٣ - ١٠٦ ﴿ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم فى الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾ البقرة: ٢١٧ وقوله عن المنافقين ﴿قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما فاسقين. وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون﴾ التوبة: ٥٣، ٥٤ وقوله ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو فى الآخرة من الخاسرين﴾ آل عمران: ٨٥. فالكافر محروم من الثواب على أعماله الصالحة ولن يدخل الجنة أبدا ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ النساء:٤٨ والمؤمن الذى يرائى بعمله هو مشرك شركا خفيا، والنصوص فى حرمانه من الثواب كثيرة. هذا بالنظر إلى الآخرة، أما بالنظر إلى الدنيا فإن كل إنسان يستحق أن ينال جزاء عمله فيها بمشيئة الله، إن خيرا فخير وإن شرا فشر، فالكافر لا يحرم من ثواب على أعماله الصالحة بمثل احترام الناس له ومكافأته على خدماته وتكريمه بأية وسيلة من وسائل التكريم ولا يحرمه الله من الرزق على الرغم من كفره قال تعالى ﴿وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير﴾ البقرة: ١٢٦ وقال ﴿لا يغرنك تقلب الذين كفروا فى البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد﴾ آل عمران: ١٩٦، ١٩٧ وقال ﴿من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون. أولئك الذين ليس لهم فى الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون﴾ هود: ١٥، ١٦ وقال ﴿من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا. ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا. كلاً نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا﴾ هود: ١٨ - ٢٠ العاجلة - الدنيا - فهذه الآيات تدل على أن الكافر الذى يريد الدنيا بأعماله قد ينال ثوابا دنيويا إذا أراد الله ذلك لقوله ﴿ما نشاء لمن نريد﴾ وليس له فى الآخرة نصيب من التكريم، والمؤمن والكافر يتمتعان فى الدنيا بنعم الله، وفى الآخرة يفترقان، فالمؤمن مصيره الجنة، والكافر مصيره النار. روى مسلم عن عائشة رضى الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله، ابن جُدعان كان فى الجاهلية يصل الرحم ويطعم المسكين، فهل ذلك نافعه؟ قال "لا ينفعه، إنه لم يقل يوما: رب اغفر لى خطيئتى يوم الدين" وابن جدعان اسمه عبد الله كان من بنى تيم بن مرة من أقرباء عائشة لأنه ابن عم أبى قحاقة والد أبى بكر، اتخذ جفنة للضيفان يرقى إليها بسلم، وكان من رؤساء قريش فى الجاهلية، وروى ذلك عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ "إن الله لا يظلم مؤمنا حسنة يعطى بها فى الدنيا ويجزى بها فى الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل لله بها فى الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يجزى بها". هذا هو حكم الكافر إذا مات على كفره، لا يجازى بخير فى الآخرة، وقد يعترض على هذا بأن الله أثاب أبا طالب على حمايته للنبى على الرغم من موته على الكفر، فقد روى مسلم أن العباس عم النبى ﷺ قال له: يا رسول الله إن أبا طالب كان يحوطك وينصرك فهل نفعه ذلك؟ قال "نعم وجدته فى غمرات من النار فأخرجته إلى ضحضاح " وروى مسلم عن أبى سعيد الخدرى أن رسول الله ﷺ ذكر عنده عمه أبو طالب فقال "لعله تنفعه شفاعى يوم القيامة، فيجعل فى ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلى منه دماغه ". لا يعترض بهذا لأن أبا طالب لا تشفع له حمايته للنبى ألا يدخل النار، فهو داخل فيها لا محالة، محروم من الجنة، وإن كان عذاب النار خفيفا عليه، فإن الفائز هو من ينتهى إلى الجنة، قال تعالى ﴿كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز﴾ آل عمران:١٨٥. بقى أن نعرف حكم الكافر إذا أسلم ومات على الإسلام، هل تنفعه أعمال الخير وهو كافر فيثاب عليها فى الآخرة، أو يحبطها الله بسبب أنها عملت بدون إيمان بالله الآخر؟ روى مسلم حديث حكيم بن حزام الذى قال للنبى ﷺ أرأيت أمورا كنت أتحنث بها فى الجاهلية، من صدقة أو عتاقة أو صلة رحم، أفيها أجر؟ فقال ﷺ "أسلمت على ما أسلفت من خير" وحكيم عاش مائة وعشرين سنة، منها ستون سنة فى الجاهلية. وستون سنة فى الإسلام، أعتق فى الجاهلية مائة رقبة، وحمل على مائة بعير، فما معنى قول النبى له "أسلمت على ما أسلفت من خير"؟ يقول بعض العلماء: إن المعنى أنك كنت ذا طبع جميل فى الجاهلية، وصحبك طبعك فى الإسلام، فالاستعداد الطيب هو الذى ساقه إلى الإسلام، وبهذا يكون ثوابه على أعماله الطيبة مسكوتا عنه. أو يعطى حكم أعمال الكافرين. لا ثواب لها فى الآخرة، وثوابها فى الدنيا أن الله وفقه إلى الإسلام. ويقول البعض الآخر: إن المعنى أن من أسلم يحفظ الله له ما قدمه حال كفره ولا يحرمه من ثوابها، أما من لم يسلم فلا ينفعه ذلك عند الله. من هذا نرى أن من أدرك الإسلام ولم يسلم ومات على كفره يحبط عمله فى الآخرة ولا يثاب عليه، أما فى الدنيا فينال أجر عمله، من رزق الله له وتمتعه بمكاسب الدنيا المادية والأدبية، وكفى ذلك ثوابا

стр. 3863

القيام للجنازة المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال مرت علينا جنازة ونحن جالسون، فقام بعضنا ولم يقم البعض الآخر وكل يقول: إن ما فعله هو السنة، فهل هذا صحيح؟ الجواب روى مسلم عن على رضى الله عنه أنه قال: رأينا النبى ﷺ قام فقمنا فقعد فقعدنا، يعنى فى الجنازة قال الترمذى: حديث علىٍّ حسن صحيح، وفيه أربعة من التابعين بعضهم عن بعض، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وقال الشافعى: هذا أصح شىء فى هذا الباب. يؤخذ من هذا أن القيام للجنازة عندما تمر بالإنسان مشروع، بل هو مندوب لفعل النبى ﷺ بل لأمره بذلك أيضا كما فى رواية أحمد عن على: كان النبى ﷺ أمرنا بالقيام فى الجنازة ثم جلس بعد ذلك وأمرنا بالجلوس، وقال الإمام أحمد: إن شاء قام وإن شاء لم يقم، ووافقه ابن الماجشون من المالكية قال النووى: والمختار أنه مستحب. قال ابن حزم: ويستحب القيام للجنازة إذا رآها المرء وإن كانت جنازة كافر حتى توضع أو تخلِّفه، فإن لم يقم فلا حرج. وذلك لحديث رواه الجماعة. وروى البخارى ومسلم عن سهل بن حنيف وقيس بن سعد أنهما كانا قاعدين بالقادسية، فمروا عليهما بجنازة فقاما فقيل لهما: إنها من أهل الأرض -أى من أهل الذمة- فقالا: إن رسول الله ﷺ مرت به جنازة فقام، فقيل له: إنها جنازة يهودى، فقال "أو ليست نفسا"؟ والحكمة فى القيام لها ما جاء فى رواية أحمد وابن حبان والحاكم مرفوعا، "إنما تقومون إعظاما للذى يقبض النفوس" ولفظ ابن حبان "إعظاما لله تعالى الذى يقبض الأرواح". فالخلاصة أن القيام للجنازة فيه أقوال، قيل بالكراهة، وقيل بالاستحباب، وقيل بالتخيير بين الفعل والترك، ولكل واحد أن يختار القول الذى يطمئن إليه

стр. 3864

صلاة الجنازة على الطفل والشهيد المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال ما فائدة الصلاة على الميت إذا كان طفلا وهو لم يرتكب معصية وكذلك الشهيد المغفور له؟ الجواب من المتفق عليه بين الفقهاء أن صلاة الجنازة على الميت المسلم واجبة أو فرض والفرض كفائى، بمعنى أن البعض لو صلى عليها سقط الطلب عن الباقين وذلك لأمر النبى ﷺ بها، ولترغيبه فيها بأن من صلى عليها وتبعها حتى تدفن كان له قيراطان من الأجر، ومن صلى عليها ثم رجع كان له قيراط واحد مثل جبل أحد كما رواه مسلم وغيره، ولم يستثن من وجوبها إلا الشهيد والسقط الذى نزل من بطن أمه قبل تمام حمله فى بعض الصور. والحكمة فيها هى تكريم الميت ومجاملة أهله، وتوديع له حين فارق أهله ودنياه، والدعاء أن يغفر الله له ويرحمه، حتى لو لم يكن قد اقترف إثما ومن أجل هذا صلَّى الصحابة على النبى ﷺ وإن كان الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، والصلاة على الشهيد جائزة وإن كانت غير واجبة، ففيها تكريم ومجاملة وإن كان مغفورا له بالنظر لما رأيناه منه، أما الحقيقة فهى عند الله وحده، والطفل الذى لم يكلَّف يصلى عليه للتكريم لابن آدم وللمجاملة، وفى الدعاء المفروض فى الصلاة يدعى لأهله بالصبر، فقد روى البخارى والبيهقى أن الحسن البصرى كان يقول فى الصلاة على الطفل: اللهم اجعله لنا سلفا وفرطا وذخرا. قال النووى: إن كان الميت صبيا أو صبية يقتصر على ما جاء فى الحديث الذى رواه أحمد وأصحاب السنن: "اللهم اغفر لحينا وميتنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، وشاهدنا وغائبنا، اللهم من أحيبته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تضلنا بعده" ويضم إلى ذلك: اللهم اجعله فرطا لأبويه وسلفا وذخرا وعظة واعتبارا وشفيعا، وثقِّل به موازينهما، وأفرغ الصبر على قلوبهما ولا تفتنهما بعده ولا تحرمهما أجره. هذا فى الطفل الذى مات بعد أن ولد وعاش، أما الطفل الذى ولد ميتا فإن نزل قبل مرور أربعة أشهر على بدء الحمل به فلا يغسَّل، ولا يصلَّى عليه ويلفُّ فى خرقة ويدفن، وهذا ما اتفق عليه جمهور الفقهاء. فإن نزل بعد أن تم له أربعة أشهر فأكثر واستهل أى صاح أو عطس أو ظهرت منه علامة تدل على أنه كانت فيه حياة فهذا لو مات يغسل ويصلَّى عليه باتفاق، فإذا لم يستهل فلا يصلى عليه عند الحنفية والمالكية لحديث رواه الترمذى والنسائى وابن ماجه والبيهقى أن النبى ﷺ قال "إذا استهل السقط صُلِّى عليه وورث " فاشترط الحديث الاستهلال لأجل الصلاة عليه، أما الحنابلة فيرون الصلاة عليه، لحديث رواه أحمد وأبو داود جاء فيه "والسقط يصلَّى عليه ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة" فلم يقيد الحديث السقط بالاستهلال، فيصلى عليه لأنه نسمة نفخت فيها الروح فيعطى حكم المستهل فى الصلاة عليه، وقال الحنابلة: إن الحديث الذى اشترط الاستهلال مضطرب ومعارض بما هو أقوى منه فلا يصلح لأن يكون حجة. وجاء فى فقه المذاهب الأربعة عند الكلام على غسل الميت الذى يتصل بالصلاة عليه أن الحنفية قالوا: إن السقط إذا نزل حيًّا بأن سمع له صوت أو رويت له حركة وإن لم يتم نزوله وجب غسله، سواء كان قبل تمام مدة الحمل -وهى ستة أشهر ولحظتان- أو بعدها. أما إذا نزل ميتا فإن كان تام الخلق فإنه يغسل كذلك، وإن لم يكن تام الخلق بل ظهر بعض خلقه فإنه لا يغسل الغسل المعروف وإنما يصب عليه الماء ويلف فى خرقة وعلى كل حال فإنه يسمى لأنه يحشر يوم القيامة. والمالكية قالوا: إذا كان السقط محقق الحياة بعد نزوله بعلامة تدل على ذلك كالصراخ والرضاع الكثير الذى يقول أهل المعرفة إنه لا يقع مثله إلا ممن فيه حياة مستقرة وجب تغسيله، وإلا كره. والحنابلة قالوا: السقط إذا تم فى بطن أمه أربعة أشهر كاملة ونزل وجب غسله، وأما إن نزل قبل ذلك فلا يجب غسله. والشافعية قالوا: إن السقط النازل قبل عدة تمام الحمل -وهى ستة أشهر ولحظتان إما أن تعلم حياته فيكون كالكبير فى افتراض غسله، وإما ألا تعلم حياته، وفى هذه الحالة: إما ألا يكون قد ظهر خلقه فيجب غسله أيضا دون الصلاة عليه، وإما أن يظهر خلقه فلا يفترض غسله، وأما السقط النازل بعد المدة المذكورة فإنه يفترض غسله وإن نزل ميتا، وعلى كل حال فإنه يسن تسميته بشرط أن يكون قد نفخت فيه الروح. ولتوضيح صلاة الجنازة على الشهيد، وهو الذى قتل فى معركة بين المسلمين والكافرين، نقول: قد وردت أحاديث صحيحة تصرح بعدم الصلاة عليه، منها ما وراه البخارى أن النبى ﷺ أمر بدفن شهداء أُحد فى دمائهم ولم يغسلهم ولم يصل عليهم كما قال جابر. كما وردت أحاديث أخرى صحيحة تصرح بأنه يصلى عليه، منها ما رواه البخارى أن النبى ﷺ خرج يوما فصلى على أهل أحد صلاته على الميت بعد ثمان سنين كالمودع للأحياء والأموات. لكن يرد على هذا الحديث بأن الكلام فى الصلاة على الشهيد قبل الدفن، وروى البيهقى حديثا مرسلا-سقط منه الصحابى-عن أبى مالك الغفارى قال: كان قتلى أُحد يؤتى منهم بتسعة وعاشرهم حمزة فيصلى عليهم رسول الله ﷺ ثم يحملون ثم يؤتى بتسعة فيصلى عليهم وحمزة مكانه حتى صلى عليهم رسول الله ﷺ . وحديث جابر أصح من حديث أبى مالك الغفارى. ومن هنا قال ابن حزم يجوز أن يُصلَّى على الشهيد وألا يصلى عليه، فإن صلى عليه فحسن، وإن لم يصل عليه فحسن، وهو إحدى الروايات عن أحمد، واستصوب ابن القيم هذا الرأى وقال: والأظهر من أمر شهداء أحد أنه لم يصل عليهم عند الدفن، وقد قتل معه بأحد سبعون نفسا فلا يجوز أن تخفى الصلاة عليهم. وحديث جابر فى ترك الصلاة عليهم صحيح، لأن أباه عبد الله كان أحد القتلى يومئذ فعنده من الخبرة ما ليس عند غيره. ويرجح أبو حنيفة وجوب الصلاة على الشهيد، ويرجح مالك والشافعى وأحمد فى رواية عدم وجوب الصلاة عليه. ومع كون الصلاة على الشهيد غير واجبة فإنها تجوز ولا تحرم، لعدم الدليل على المنع، وللحديث الذى رواه البيهقى. هذا فى الشهيد الذى قتل فى المعركة بين المسلمين والكافرين، أما الشهيد فى غير ذلك كالمبطون وبقية شهداء الآخرة المذكورين فى الأحاديث فيغسلون ويصلى عليهم. "راجع ما سبق فى ص ٦٢٠ من المجلد الرابع بخصوص صلاة الجنازة على الطفل "

стр. 3865

التوالد فى الجنة المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال إذا كان فى الجنة زوجات يدخلنها مع أزواجهن، وزوجات من الحور العين، هل يكون هناك توالد وتناسل؟ ومن أين يجئ الولدان المذكورون فى القرآن؟ الجواب يقول الله سبحانه: ﴿إن أصحاب الجنة اليوم فى شغل فاكهون. هم وأزواجهم فى ظلال على الأرائك متكئون﴾ يس: ٥٥، ٥٦ قال المفسرون: إن الشغل هو المتعة التى تكون بين الأزواج والزوجات، ونُسِبَ هذا التفسير إلى ابن عباس رضى الله عنهما، بل نُسب إلى النبى ﷺ فى حديث رواه أبو يعلى والطبرانى والبيهقى، وجاء فى ذلك حديث أخرجه البزار والطبرانى وغيرهما" أهل الجنة إذا جامعوا نساءهم عُدْنَ أبكارا". وفى مجال الحديث عن هذه المتعة تحدث العلماء عن أثرها فى الإِنجاب والتوالد، فذكر العدوى فى كتابه "مشارق الأنوار ص ١٨٦" أن العلماء اختلفوا فى ذلك، فقال بعضهم هناك توالد ونسل، مستدلين بحديث رواه الترمذى بسند حسن "المؤمن إذا اشتهى الولد فى الجنة كان حمله ووضعه وسِنُّه فى ساعة كما يشتهى" قال الترمذى: اختلف أهل العلم فى هذا، فقال بعضهم: فى الجنة جماع ولا يكون ولد، وهو مروى عن طاوس وعن مجاهد والنخعى، وقال إسحاق بن إبراهيم فى هذا الحديث: إذا اشتهى ولكن لا يشتهى. وقال جماعة: فيها الولد إذا اشتهاه الإِنسان. فالخلاصة أن هناك رأيين فى التوالد، قال بعضهم: لا توالد، وقال بعضهم الآخر: فيه توالد ولكن إذا اشتهى الرجل ذلك، ويكون الحمل والوضع والسِّنُّ -الذى يريده الإِنسان طفلا أو شابا مثلا- فى ساعة أى زمن وجيز، وهذا الكلام قيل: إنه موقوف لم يرفع إلى النبى ﷺ ، وقيل: مرفوع إليه بإسناد حسن، أو كالمرفوع إليه لأنه لا مجال فيه للرأى. ومثل هذه الأمور الغيبية لا يقبل فى اعتقادها إلا الدليل القوى بدرجة خاصة من القرآن والسنة فى قطعية الثبوت والدلالة، فالأولى ترك الجدال فيها، وسنعرف ذلك عند دخول الجنة إن شاء الله. وطريق ذلك الإيمان والعمل الصالح. هذا، وعلى رأى من يقولون: ليس فى الجنة توالد ونسل فمن أين يجىء الولدان المذكورون فى القرآن بأنهم من متعة الجنة؟ . يقول الله سبحانه فى أهل الجنة ﴿على سرر موضونة. متكئين عليها متقابلين. يطوف عليهم ولدان مخلدون. بأكواب وأباريق وكأس من معين﴾ الواقعة: ١٥-١٨ وجاء ذكر الولدان فى مواضع أخرى من القرآن. ففى بعض الأقوال أن الله أنشأهم لأهل الجنة كما شاء من غير ولادة، وقال على بن أبى طالب والحسن البصرى: الولدان هاهنا ولدان المسلمين الذين يموتون صغارا ولا حسنة لهم ولا سيئة، وقال سلمان الفارسى: أطفال المشركين هم خدم أهل الجنة. قال الحسن: لم تكن لهم حسنات يجزون بها، ولا سيئات يعاقبون عليها، فوضعوا هذا الموضع. ثم قال القرطبى بعد ذكر هذه الأقوال: والمقصود أن أهل الجنة على أتم السرور والنعمة، والنعمة إنما تتم باحتفاف الخدم والولدان بالإِنسان. وفَسَّر كلمة ﴿مخلَّدون﴾ بأنهم لا يموتون، أو لا يهرمون ولا يتغيرون، أو مُقَّرطون أى لابسون للقُرْطِ كما قال سعيد بن جبير، حيث يقال للقُرْط الخَلَدَة، ولجماعة الحلى الخِلْدة، وقيل هم مسوَّرون، وقيل ممنطقون أى لابسون للمناطق وهى الأحزمة، " تفسير القرطبى ج١٧ ص ٢٠٢،٢٠٣" يقول ابن كثير "ج ٨ ص ٣١٧ ": إن أنواع الحلية التى تكون على الولدان دليل على أنهم صغار، لأن الكبار لا يليق بهم ذلك، وقد جاء فى وصفهم قوله تعالى ﴿إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا﴾ الإِنسان: ١٩ يقول ابن كثير أى إذا رأيتهم فى انتشارهم فى قضاء حوائج السادة وكثرتهم وصباحة وجوههم وحسن ألوانهم وثيابهم وحليهم، حسبتهم لؤلؤا منثورا، ولا يكون فى التشبيه أحسن من هذا، ولا فى المنظر أحسن من اللؤلؤ المنثور على المكان الحسن. هذا والتمتع بالولدان هو كالتمتع بالخدم من حيث وجودهم مع الإِنسان على غرار ما كان فى الدنيا، وليس تمتعا كما ظن بعض المتحدثين فى الدين بلا علم أو ببواعث ليست لائقة

стр. 3866

مصير الحيوانات المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال قال تعالى فى سورة التكوير: ٥ ﴿وإذا الوحوش حشرت﴾ هل معنى هذا أن الحيوانات ستحشر يوم القيامة، وما هى الحكمة من ذلك مع أنها غير مكلفة؟ الجواب اختلف العلماء فى حشر الحيوانات يوم القيامة وحسابها، فقال الأشعرى: تحشر الحيوانات ولا يجرى القصاص بينها لأنها غير مكلفة. وما ورد من قوله ﷺ "يقتص من القرناء للجماء، ويسأل العود: لم خدش العود". فهو على سبيل المثل والإِخبار عن شدة التقصى فى الحساب والانتصاف من الظالم للمظلوم، وقال الإِسفرايينى: يجرى القصاص بينها، وليس القصاص انتقاما، لأنها غير مكلفة، ولكن لإظهار عدل الله، وجاء فى القرآن الكريم قوله تعالى ﴿وما من دابة فى الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا فى الكتاب من شىء ثم إلى ربهم يحشرون﴾ الأنعام: ٣٨ وفى صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ قال "لتؤدين الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء والجلحاء هى التى ليس لها قرون تدافع بها عن نفسها من الشاة القرناء ذات القرون التى تنطحها، ومثلها الجماء. وجاء فى تفسير القرطبى فى سورة الأنعام من قول أبى هريرة أنه بعد اقتصاص الله للشاة الجماء من القرناء يقول للبهائم "كونى ترابا" يعنى لا تدخل جنة ولا نارا، حيث لا تكليف عليها فى الدنيا تستحق به جزاء فى الآخرة، وتوضيح ذلك فى كتابه "التذكرة فى أحوال الموتى وأمور الأخرة". فالحكمة من حشرها إظهار العدل، وقد تكون شاهده للعبد كالأضحية النى ورد أنها تأتى يوم القيامة بقرونها وأشعارها وأظلافها، كما رواه الترمذى وابن ماجه والحاكم عن عائشة مرفوعا إلى النبى ﷺ . فحشر الدواب صحيح كما رآه المحققون وصححه النووى واختاره. وعدم حشرها قول مرجوح "مشارق الأنوار للعدوى ص ١٤٦". ومهما يكن من شىء فالواجب أن نهتم بمصيرنا نحن، وأن نستعد ليوم الحشر بعمل الطاعات والبعد عن المعاصى، وأن نؤمن بعدل الله فى مجازاتنا، وبرحمته لمن يشاء من عباده

стр. 3867

البكاء على الميت المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال ما حكم البكاء على الميت، وهل صحيح أنه يعذب بالبكاء عليه؟ الجواب لقد أمرنا الله بالصبر والرضا بقضائه عند وقوع أى مكروه، كما قال تعالى ﴿وبشر الصابرين، الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون. أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون﴾ البقرة: ١٥٥-١٥٧. وحرم كل قول أو فعل يتنافى مع الإِيمان بالله فيما قضاه وقدره، فقد صح فيما رواه البخارى ومسلم " ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية" والمعنى أنه ليس بمؤمن من فعل ذلك معتقدا أنه حلال. أما من فعله على أنه حرام فهو مؤمن عاص ناقص الإِيمان. وجاء فى تأثر الميت بمظاهر الحزن عليه التى لا يقرها الدين قوله ﷺ "ما من ميت يموت فيقوم باكيهم فيقول: واجبلاه واسيداه أو نحو ذلك إلا وكل به ملكان يلهزانه: هكذا أنت"؟ رواه ابن ماجه والترمذى وقال: حديث حسن، واللهز هو الدفع فى الصدر بجميع اليد. وقوله " إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه " وفى رواية "يعذب بما نيح عليه". يقول النووى فى شرح صحيح مسلم "ج ٦ ص ٢٢٨": اختلف العلماء فى تأويل الأحاديث التى وردت بتعذيب الميت بما نيح عليه، فحملها الجمهور على من وصَّى بأن يبكى عليه ويناح بعد موته فنفذت وصيته، فهذا يعذب ببكاء أهله عليه ونوحهم، لأنه بسببه ومنسوب إليه. فأما من بكى عليه أهله وناحوا من غير وصية منه فلا يعذب، لقول الله تعالى ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ فاطر: ١٨ وكان من عادة العرب الوصية بذلك، ومنه قول طرفة بن العبد: إذا مت فانعينى بما أنا أهله * وشُقِّى علىَّ الجيب يا ابنة معبد وقيل: إن الميت يعذب، أى يتألم بسبب بكائهم عليه وكان يحب لهم ألا يبكوا، وإليه ذهب محمد بن جرير الطبرى. وقال عياض: هو أولى الأقوال، واحتجوا بحديث " إن أحدكم إذا بكى استعبر له صويحبه، فيا عباد الله لا تعذبوا إخوانكم " والمراد بذلك كله ليس مجرد البكاء ولكن النياحة. وقال النووى فى كتابه " الأذكار المنتخبة من كلام سيد الأبرار" ص ١٤٨: روينا فى صحيحيهما - أى البخارى ومسلم - عن أبى موسى الأشعرى رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ برئ من الصالقة والحالقة والشاقة. قلت: الصالقة التى ترفع صوتها بالنياحة، والحالقة التى تحلق شعرها عند المصيبة، والشاقة التى تشق ثيابها عند المصيبة، وكل هذا حرام باتفاق العلماء. وكذلك يحرم نشر الشعر ولطم الخدود وخمش الوجه والدعاء بالويل، وروينا فى صحيحيهما عن أم عطية رضى الله عنها قالت: أخذ علينا رسول الله ﷺ فى البيعة ألا ننوح، وروينا فى صحيح مسلم قوله ﷺ " اثنتان فى الناس هما بهم كفر، الطعن فى النسب والنياحة على الميت " وفى سنن أبى داود عن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه قال: لعن رسول الله ﷺ النائحة والمستمعة. والنياحة هى رفع الصوت بالندب، والندب تعديد النادبة بصوتها محاسن الميت، وقيل: هو البكاء عليه مع تعديد محاسنه. ثم قال النووى: قال أصحابنا: ويحرم رفع الصوت بإفراط فى البكاء، وأما البكاء على الميت من غير ندب ولا نياحة فليس بحرام. فقد روينا فى صحيحى البخارى ومسلم عن ابن عمر رضى الله عنهما أن رسول الله ﷺ عاد سعد بن عبادة ومعه عبد الرحمن بن عوف وسعد ابن أبى وقاص وعبد الله بن مسعود، فبكى رسول الله ﷺ ، فلما رأى القوم بكاءه بكوا، فقال "ألا تسمعون أن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا أو يرحم" وأشار إلى لسانه. وروينا فى صحيحيهما عن أسامة بن زيد رضى الله عنهما أن رسول الله ﷺ رفع إليه ابن ابنته وهو فى الموت ففاضت عينا رسول الله ﷺ ، فقال له سعد: ما هذا يا رسول الله؟ قال: " هذه رحمة جعلها الله تعالى فى قلوب عباده وإنما يرحم الله تعالى من عباده الرحماء" وفى صحيح البخارى أن الرسول ﷺ دخل على ابنه إبراهيم - فى دار ظئره المرضع - أبى سيف القين أى الحداد - وهو يجود بنفسه، أى يحتضر، فجعلت عينا الرسول ﷺ تذرفان، فقال له عبد الرحمن بن عوف: وأنت يا رسول الله؟ فقال " يا ابن عوف إنها رحمة" ثم أتبعها بأخرى فقال "إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون". وأما الأحاديث الصحيحة أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه فليست على ظاهرها وإطلاقها، بل هى مؤولة، واختلف العلماء فى تأويلها على أقوال، أظهرها - والله أعلم - أنها محمولة على أن يكون له سبب فى البكاء، إما بأن يكون أوصاهم به أو غير ذلك. وقد جمعت كل ذلك أو معظمه فى كتاب الجنائز من شرح المهذب. قال أصحابنا: ويجوز البكاء قبل الموت وبعده، ولكن قبله أولى، للحديث الصحيح "فبذا وجبت فلا تبكين باكية" وقد نص الشافعى ﵀ والأصحاب على أنه يكره البكاء بعد الموت كراهية تنزيه ولا يحرم، وتأولوا حديث " فلا تبكين باكية" على الكراهة. انتهى ملخصا من الأذكار. من هذا نعلم: ١- أن الصبر على المكاره ومنها الموت مطلوب. ٢- مظاهر الجزع والسخط على القضاء ممنوعة، من استحلها كفر، ومن لم يستحلها كان عاصيا. ٣- الميت إذا أوصى بالحزن الخارج عن الحدود يناله نصيب من المسئولية، وإن لم يوص لا يعذب بذلك، ولكن كان يود ألا تقع منهم هذه المظاهر. ٤- أن مجرد البكاء على الميت مسموح به طبعا وشرعا، فهو رحمة فى قلوب الرحماء، والرسول ﵊ جرت عليه هذه السنة الطبيعية، فبكى محتفظا بإيمانه ورضائه بالقضاء. ٥- إذا صحب البكاء قول أو فعل يتنافى مع الإيمان بقضاء الله كان معصية. وبناء على جواز البكاء بدون مظاهر الجزع ماذا نقول فيما رواه البخارى ومسلم أن النبى ﷺ أمر رجلا أن يَحْثُوَ التراب فى أفواه النساء وهن يبكين جعفر بن أبى طالب؟ والجواب أن ابن الأثير أورد هذا الخبر فى كتابه " أسد الغابة " وذكر معه أن النبى ﷺ دخل على امرأة جعفر، وهى أسماء بنت عميس، فعزاها، ودخلت فاطمة وهى تبكى فقال "على مثل جعفر فلتبك البواكى" ثم وفق ابن الأثير بين الخبر المانع للبكاء والخبر المبيح له، بأن المنع كان لنسوة يبكين مع ندب ونياحة ولطم خدود، والإِباحة كانت للبكاء المجرد عن ذلك. وجاء التوضيح فى رواية أحمد عندما ماتت زينب بنت رسول الله ﷺ ، فبكت النساء فجعل عمر يضربهن بسوطه، فقال له " مهلا يا عمر ثم قال " إياكن ونعيق الشيطان " ثم قال " إنه مهما كان من العين والقلب فمن الله ومن الرحمة، وما كان من اليد واللسان فمن الشيطان "

стр. 3868

موت الجن المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال فى القرآن إن الله أجاب إبليس بعدم الموت قبل يوم القيامة، فهل ذريته كذلك لا يموتون؟ الجواب يقول الله تعالى لما طرد إبليس من الجنة ﴿قال رب فأنظرنى إلى يوم يبعثون. قال فإنك من المنظرين. إلى يوم الوقت المعلوم﴾ ص: ٧٩ -٨١ وقال مثل ذلك فى آيات أخرى تدل على أن إبليس لا يموت إلا يوم القيامة الذى يموت فيه كل كائن حى ﴿كل نفس ذائقة الموت﴾ آل عمران:١٨٥ ﴿كل من عليها فان. ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإِكرام﴾ الرحمن: ٢٦، ٢٧. أما ذرية إبليس فيموتون كما يموت بنو آدم، ولكل أجل طال أو قصر، وذلك لما يأتى: ١ -أنه لا يوجد دليل على أنهم منظرون كإبليس، فيصدق عليهم ما يصدق على كل كائن حى. ٢ - قوله تعالى عن الكفار ﴿أولئك الذين حق عليهم القول فى أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس﴾ الأحقاف: ١٨ فهناك أمم سبقت من الجن والإنس، أى ماتت. ٣-وردت أخبار عن جن ماتوا ودفنوا وكان بعضهم ممن لقى النبى ﷺ " آكام المرجان للمحدِّث الشبلى ص ٣٨ - ٤٤ ". ٤ -وردت آثار تدل على أن ابن عباس رضى الله عنه سئل عن موت الجن فقال: يموتون إلا إبليس. "المرجع السابق ص ١٥٢"

стр. 3869

دخول الجنة قبل الموت المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال نعلم أن الجنة دار النعيم يدخلها بعد القيامة المؤمنون، فهل دخلها أحد قبل يوم القيامة وهو على قيد الحياة؟ الجواب سبق فى ص ٥٠٦ من المجلد الأول بيان أن الجنة والنار مخلوقتان الآن وهو رأى جمهور العلماء، وأن أرواح الشهداء فى حواصل طير خضر تسرح فى الجنة تأوى إلى قناديل تحت العرش كما رواه مسلم وغيره، وذلك بعد مفارقة الحياة لهم بالموت فى سبيل الله، حيث يحييهم الله وينعم عليهم كما قال سبحانه ﴿ولا تحسبن الذين قُتلوا فى سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾ آل عمران: ١٦٩. أما أن يدخل الجنة أحد فى الدنيا قبل موته فذلك ممكن إذا رأى ذلك فى المنام،كما يرى أشياء من الصعب تحققها فى عالم اليقظة كالطيران والطواف حول الأرض وما إلى ذلك وقد رأى النبى ﷺ فى منامه الجنة، وأنه ارتقى إلى مدينة مبنية بلبنٍ ذهب ولَبِنٍ فضة فدخلها، وقال له الملكان: هذه جنة عدن وهذا منزلك. فطلب منهما دخوله فقالا له: إنه بقى لك عمر لم تستكمله، فلو استكملته أتيت منزلك. رواه البخارى. "رياض الصالحين ص ٥٦٣، ٥٦٥" فظاهر الحديث أنه دخل الجنة ولم يدخل منزله. وثبت فى البخارى وغيره أنه ﷺ دخل الجنة ليلة المعراج " الزرقانى على المواهب اللدنية ج٦ص٩٠" حيث قال كما رواه أبو ذر وأخرجه البخارى فى كتاب الصلاة "ثم أدخلت الجنة" ومعلوم أن الصحيح فى الإِسراء والمعراج أنهما كانا بالروح والجسد ولم يكونا مناما، ليظهر امتياز الرسول على غيره ممن يُسْرى بأرواحهم مناما ويرون العجائب. وقال ﷺ عن ليلة المعراج كما ذكره أنس ورواه البخارى ومسلم "بينما أنا أسير فى الجنة" "المرجع السابق ص ٩١". فالخلاصة أن النبى ﷺ دخل الجنة ليلة المعراج بروحه وبجسده على الصحيح، كما دخلها فى الرؤيا المنامية ورؤيا الأنبياء حق. وذلك فضل كرَّم الله به رسوله، ونرجو أن ننعم بدخولها معه بعد الحساب، وذلك عن طريق الإِيمان والعمل الصالح والأمل فى رحمة الله وفضله

стр. 3870

حساب العلماء المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال قرأنا فى بعض الكتب أن الله لا يحاسب العلماء يوم القيامة، فهل هذا صحيح؟ الجواب هناك تحذير شديد فى القرآن والسنة من عدم عمل الإِنسان بعلمه، وبخاصة إذا كان يعلِّم الناس الخير والبر، وينسى نفسه فلا يعمل الخير والبر، وكذلك من يعلِّم الناس غير مخلص لله فى ذلك، بل للرياء والسمعة، وهو من أول من تسعَّر بهم النار يوم القيامة كالذى يقاتل ليقال: إنه شجاع، ويتصدق ليقال: إنه جواد. والآيات والأحاديث فى ذلك معروفة. لكن ذكر السفارينى فى كتابه غذاء الألباب "ج ١ ص ٢٩ " أنه روى عن النبى ﷺ أنه قال "يجمع الله تعالى العلماء يوم القيامة ثم يقول: يا معشر العلماء، إنى لم أضع علمى فيكم إلا لعلمى بكم، ولم أضع علمى فيكم لأعذبكم، اذهبوا فقد غفرت لكم " قال ابن القيم فى كتابه " مفتاح دار السعادة " ص ١٢٨: وهذا وإن كان غريبا فله شواهد حسان، فقد ذكر ابن عبد البر عن عبد الله بن داود قال: إذا كان يوم القيامة عزل الله سبحانه العلماء عن الحساب، فيقول: ادخلوا الجنة على ما فيكم، إنى لم أجعل علمى فيكم إلا لخير أردته بكم قال ابن عبد البر: وزاد غيره فى هذا الخبر: إن الله يحبس العلماء يوم القيامة فى زمرة واحدة، حتى يقضى بين الناس، ويدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، ثم يدعو العلماء فيقول: يا معشر العلماء إنى لم أضع حكمتى فيكم وأنا أريد أن أعذبكم، قد علمت أنكم تخلطون من المعاصى ما يخلط غيركم، فسترتها عليكم وغفرتها لكم، وإنما كنت أُعْبَدُ بفتياكم وتعليمكم عبادى، ادخلوا الجنة بغير حساب، ثم قال: لا معطى لما منع الله ولا مانع لما أعطى الله. قال ابن عبد البر: وروى نحو هذا المعنى بإسناد متصل مرفوع. وقال ابن القيم عن بعض السلف قال: بلغنى أنه إذا كان يوم القيامة توضع حسنات الرجل فى كفة وسيئاته فى كفة، فتميل سيئاته، فإذا أيس وظن أنها النار جاء شىء مثل السحاب حتى يقع مع حسناته فتميل حسناته، قال: فيقال له: أتعرف هذا من عملك؟ فيقول: لا، فيقال: هذا ما علَّمت الناس من الخير فعمل به من بعدك. انتهى ما نقله السفارينى. إن حساب العلماء على التقصير ثابت بالقرآن والسنة الصحيحة، والأخبار المذكورة لا تصل فى القوة إلى درجة القرآن والسنة الصحيحة، فهى لا تفيد فى الأمور الغيبية من جهة الاعتقاد، وقد يقصد به الترغيب فى نشر العلم، وتجاوز الله عن بعض الهفوات فى مقابل ذلك كما قال سبحانه ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ هود: ١١٤ مع العلم بقول الله سبحانه ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ النساء: ٤٨ وهذه المغفرة المقيدة بالمشيئة تفيد فى الكبائر والصغائر، ومن الذي يدرى بأنه سيكون ممن تشملهم المشيئة بالمغفرة؟ فالواجب هو الالتزام بمنهج الله تعالى وتغليب الخوف على الرجاء، حتى لا تتغلب الشهوات والمغريات، وعند ضعف هذه المؤثرات وبخاصة فى أواخر العمر-الذى لا يعلم تماما- ينبغى تقوية الرجاء، كما قال علماء التوحيد، فيقوى الأمل فى الله ورحمته ليختم له بالحسنى

стр. 3871

الغسل من غسل الميت المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال قمت بغسل ولدى المتوفى، ثم توضأت وصليت عليه، فقال البعض: إن صلاتى عليه باطلة لأننى لم أغتسل بسبب قيامى بغسله، فهل هذا صحيح؟ الجواب الغسل لمن غسل ميتا مستحب وليس بواجب، كما قاله جمهور العلماء، وذلك لحديث رواه أحمد وأصحاب السنن وغيرهم "من غسل ميتا فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ" وقد طعن جماعة فى صحة هذا الحديث، لكن الحافظ ابن حجر قال: حسَّنه والترمذى وصححه ابن حبان، وهو بكثرة طرقه أقل أحواله أنه حسن يحتج به، والأمر فى الحديث للندب لما روى عن عمر رضى الله عنه قال: كنا نغسل الميت، فمنا من يغتسل ومنا من لا يغتسل. رواه الخطيب بإسناد صحيح، ولما غسلت أسماء بنت عميس زوجها أبا بكر الصديق رضى الله عنه حين توفى خرجت فسألت من حضرها من المهاجرين فقالت: إن هذا يوم شديد البرد، وأنا صائمة، فهل علىَّ من غسل؟ فقالوا: لا، رواه الإِمام مالك

стр. 3872

غسل من مات جنبا المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال مات رجل فجأة ثم علمنا أنه كان جنبا ولم يغتسل من جنابته، فهل نغسله مرتين، مرة لرفع الجنابة، ومرة للموت، أو يكتفى بغسل واحد؟ الجواب يستحب للجنب أن يبادر بالغسل، ولا يحرم عليه تأخيره بل يكره له فقط، وقد دلت الأحاديث على ابتعاد ملائكة الرحمة عنه حتى يغتسل، وهذا الغسل واجب من أجل الصلاة لقوله تعالى عند الأمر بالقيام إلى الصلاة ﴿وإن كنتم جنبا فاطهروا﴾ المائدة: ٦. ولو مات الجنب قبل أن يغتسل فقد حدث أمران موجبان للغسل، الجنابة والموت، وإذا تعددت الأسباب فلا يلزم لكل سبب غسل، بل يكفى غسل واحد، وقد قال الشافعية والمالكية: إن الشهيد لا يغسل لو مات جنبا، ورأى الحنفية وجوب غسله، والخلاف مبنى على استشهاد حنظلة وهو جنب حيث لم يغسله النبى ﷺ وأخبر أن الملائكة تغسله. وعليه فإن الجنب إذا مات ولم يغتسل يكفى لصحة الصلاة عليه غسله بعد موته مرة واحدة على ما رآه الشافعية والمالكية، ولو فاتته صلاة بخروج وقتها ولم يغتسل سيحاسب على تركها، لأنها وجبت عليه ولم يصلها، فالحساب على ترك الصلاة وليس على ترك الغسل

стр. 3873

أهل الأعراف المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال أرجو تفسير قوله تعالى ﴿وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعرن. وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قلوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين. ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم قالوا ما اغنى عنكم جمعكم وما كنتا تستكبرون﴾ الأعراف: ٤٦ _ ٤٨؟ الجواب المعنى باختصار أن بين الجنة والنار سورا، وعلى أعراف السور أى أعاليه أناس يعرفون أهل الجنة بعلامات، وهى بياض الوجوه وحسنها، وأهل النار بعلامات، هى سواد الوجوه وقبحها، وينادون أهل الجنة بالتحية ويهنئونهم بالسلام من النار أى السلامة من عذابها. إن أهل الأعراف لم يدخلوا الجنة ويطمعون فى دخولها، منتظرين رحمة الله لهم، وهؤلاء هم الذين استوت حسناتهم وسيئاتهم، وهو احسن الأقوال العشرة فيهم، وذلك لحديث رواه خيثمة عن جابر عن النبى ﷺ بهذا المعنى. عندما ينظر أهل الأعراف إلى أهل النار يدعون ربهم ألا يكونوا معهم فيها، ويتفرسون فى جماعة من أهل النار كانوا مستكبرين على الله بما يملكون من متاع الحياة الدنيا فكفروا به، ويقولون لهم مبَكِّتيَن: لم يُغْنِ عنكم ما جمعتم من الدنيا وما أستكبرتم به على الله. والخلاصة أن أهل الجنة هم المؤمنون الصالحون حتى لو كانوا فقراء، وما دامت حسناتهم أكثر من سيئاتهم، فلن يدخلوا النار لأن الحسنات يذهبن السيئات وأن أهل النار هم الكفار حتى لو كانوا أغنياء ما دامت سيئاتهم أكثر من حسناتهم، مع العلم بأن حسنات الكفار صارت فى الآخرة هباء منثورا كما قال رب العزة ﴿وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا﴾ الفرقان: ٢٣ أما من استوت حسناتهم وسيئاتهم من المؤمنين فينتظرون على الأعراف رحمة الله بهم ليلحقهم بأهل الجنة

стр. 3874

ستر الأضرحة المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال ما رأى الدين فى ستر الأضرحة بالأقمشة الفاخرة؟ الجواب ستر الأضرحة لم يرد فيه حديث خاص، وإنما جاء حديث عام ينهى عن كسوة الحجارة، فقد روى البخارى ومسلم عن عائشة رضى الله عنها أن النبى ﷺ خرج فى غزاة، فأخذت نمطا -النمط ضرب من البسط له خمل رقيق -فسترته على الباب، فلما قدم رأى النمط فجذبه حتى هتكه ثم قال: " إن الله لم يأمرنا أن نكسو الحجارة والطين ". والسر فى ذلك أن فيه ضياعا للمال بدون فائدة وفى الحديث أن الله كره إضاعة المال كما رواه البخارى ومسلم. ويستثنى من عموم عدم كسوة الحجارة كسوة الكعبة فإنها كانت معهودة قبل الإسلام، على الخلاف فى أول من كساها " تاريخ الكعبة المعظمة لحسين عبد الله باسلامه " ص ٢٤٤ ولم ينه الإسلام عن كسوتها، بل جاء فى الروايات أن النبى ﷺ كساها بالقباطى والحبرات، كما كساها أبو بكر وعمر وعثمان وما زالت تكسى إلى الآن دون معارض. وتفصيل ذلك فى الكتاب المذكور. وعلى هذا فمن نذر إن قضى الله حاجته أن يكسو ضريح الشيخ الفلانى لا ينعقد نذره، لأن النذر لا يكون إلا فى طاعة

стр. 3875

الصيام عن الميت المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال توفى والدى وعرفنا انه افطر شهر رمضان فى بعضى السنوات ولم يقض ما فاته، فماذا نفعل، هل نصوم عنه أو نخرج فدية؟ الجواب أجاب: روى البخارى ومسلم أن النبى ﷺ قال " من مات وعليه صيام صام عنه وليه " وصح عنهما أيضا أن.امرأة قالت: يا رسول الله إن أمى ماتت وعليها صيام نذر، أفأصوم عنها؟ فقال " أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته أكان يؤدى ذلك عنها"؟ قالت: نعم قال " فصومى عن أمك ". هذان الحديثان حجة قوية للذين يرون من الفقهاء أن من مات وعليه صيام، سواء أكان صيام رمضان أم صيام نذر، يصوم عنه وليه، والولى هو كل قريب، سواء أكان وارثا أم غير وارث، وقيل: يجوز أن يصوم عنه غير وليه من الأصدقاء مثلا، كالدَّين لا يختص بسداده القريب. وذهب أبو حنيفة ومالك الشافعى فى القول الجديد إلى أن الميت لا يصام عنه مطلقا، متمسكين بقول ابن عباس رضى الله عنهما الذى رواه النسائى بإسناد صحيح: لا يصل أحد عن أحد، ولا يصم أحد عن أحد. وبقول عائشة رضى الله عنها: لا تصوموا عن موتاكم وأطعموا عنهم: وقد أخرجه عبد الرزاق فى مصنفه. لكن هذين الأثرين لايعارضان ما هو أقوى منهما، وهو رواية البخارى ومسلم عن النبى ﷺ أن ولى الميت يصوم عنه. وقال عبد الحق فى أحكامه: لا يصح فى الإطعمام شىء، يعنى مرفوعا، وكذا قال الحافظ ابن حجر فى فتح البارى، ومن أراد توضيحا أكثر فليرجع إلى " نيل الأوطار للشوكانى ج ٤ ص ٢٤٨- ٢٥١"

стр. 3876

الدَّين على الميت المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال ما حكم من مات وعليه دين لم يقم أهله بسداده، هل تحجب الرحمة عن الميت؟ الجواب إذا مات الإنسان وعليه دين لغيره وجب أن يقوم ورثته بسداد الدين قبل تقسيم التركة كما قال تعالى فى آية المواريث ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين﴾ النساء: ١١ وذلك إذا كان عنده مايسدُّ به الدين، فإن لم توجد له تركة تفى بسداد الدين فلا يجب على الورثة شىء، وإن كان من السنة أن يقوموا هم بذلك حتى تنزل عليه رحمة الله. فهى لا تزال محبوسة عنه. ويمكن لغير أهله أن يتصدقوا بسداد دينه حتى يرحمه الله. ومحل حجب الرحمة عنه حتى يسد دينه إذا كان ناويا قبل الموت ألا يسد الدين، أما إذا كان ناويا السداد فنرجو ألا يحجب الله عنه رحمته، لقول النبى ﷺ " من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدَّى الله عنه، ومن أحنها يريد إتلافها أتلفه الله " رواه البخارى. وروى مسلم عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ كان يؤتى بالرجل الميت عليه الدين فيسأل " هل ترك لدينه قضاء"؟ فإن حدث أنه ترك وفاء صلى عليه، وإلا قال " صلوا على صاحبكم " فلما فتح الله عليه الفتوح قال " أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفى وعليه دين فعلىَّ قضاؤه، ومن ترك مالا فهو لورثته " وفى حديث الطبرانى " من دان بدين فى نفسه وفاؤه ومات تجاوز الله عنه وأرضى غريمه بما شاء " وروى أحمد وأبو نعيم والبزار والطبرانى عن النبى ﷺ " يدعى صاحب الدين يوم القيامة حتى يوقف بين يدى الله فيقول: يا ابن آدم، فيمَ أخذت هذا الدين، وفيم ضيعت حقوق الناس؟ فيقول: يا رب إنك تعلم أنى أخذته فلم آكل ولم أشرب ولم أضيع، ولكن أتى علىَّ إما حرق وإما سرق وإما وضيعة، فيقول الله: صدق عبدى، وأنا أحق من قض عنك، فيدعو الله بشىء فيضه فى كفة ميزانه فترجح حسناته على سيئاته، فيدخل الجنة بفضل رحمته ". والميت الذى عليه دين لم ينو الوفاء به تحجب عنه الرحمة كما قال النبى ﷺ "نفس الميت معلَّقة بدينه حتى يقض عنه " رواه أحمد وابن ماجه والترمذى وقال: حديث حسن، وإذا كان الشهيد نفسه، وهو من هو منزلة عند الله، لا ينال هذه الدرجة إذا كان عليه دين للعباد، كما صح فى الحديث " يغفر للشهيد كل شىء إلا الدين " رواه مسلم، فكيف بغير الشهيد؟ وقد أخبر النبى ﷺ عن المفلس يوم القيامة فقال " إن المفلس من أمتى من يأتى يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتى وقد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقض ما عليه أخذ من خطاياها فطرحت عليه ثم طرح فى النار " رواه مسلم وروى البخارى مثله بلفظ " من كانت عنده مظلمة لأخيه، من عِرضه أو من شىء، فليتحلله منه اليوم قبل ألا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه ". إن الدين خطير تجب المبادرة بسداده قبل الموت وقبل أن تكون المواجهة بين المدين وأصحاب الحقوق يوم القيامة فربما لا يسامحون، وقد ثبت أن النبى ﷺ تذكو فى الصلاة أن فى بيته بعض الأموال لم تسلم إلى أصحابها، فتوجه بعد الانتهاء منها بسرعة لافتة للنظر وأمر بدفعها إلى أصحابها وعاد إلى المسجد ولما سألوه قال " تذكرت مالاً فخشيت أن يحبسنى " أى يحبسه الله يوم القيامة ويسأله: لمَ لم تؤده. رواه البخارى. ومن أراد التوسعة فى معرفة خطر الدين على الميت فليراجع " نيل الأوطارج ٤ ص ٥ ٢، وتفسير القرطبى ج ٤ ص ٢٧٢ "

стр. 3877

الإنسان وقت الاحتضار المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل يمكن معرفة ما يعانيه الميت عند الاحتضار؟ الجواب إن أمر الروح والآحوال الآخرة من الأمور المغيبة التى لا تُعْلمُ إلا بالأخبار الصادقة من القرآن الكريم وقد كثرت الأقوال عنها وتعددت الاجتهادات، والتمس البعض لآرائهم واجتهاداتهم سندا من تأويل القرآن فى نصوصه التى تحتمل أكثر من معنى ولا تفيد القطع فى الدلالة، ومن روايات ضعيفة أو مكذوبة على النبى ﷺ . وخروج الروح من الإنسان انتقال من عالم الشهادة إلى عالم الغيب، ومن الدنيا إلى الآخرة، وقد يكون خروج، أو فجأة لا تسبقها معاناة، وقد يكون خروجها مصحوبًا بالكرب والشدة، ولكن لا يصح أن يكون هناك ربط بين سهولة خروجها وكرامة صاحبها فقد يكون العكس، ولا بين المعاناة عند خروجها وهوان صاحبها عند الله فقد يكون العكس، فكثيرا ما نرى أشرارا انسلت أرواحهم فى لحظات وكثيرا ما نرى صالحين ظلوا أياما أو ساعات طوالا وهم يجودون بأنفاسهم الأخيرة حا ففى الترمذى عن عائشة رضى الله عنها قالت: رأيت رسول الله في ﷺ وهو بالموت وعنده قد يدخل يده فى القدح ثم يمسح وجهه بالماء ثم يقول " اللهم أعنىِّ على سكرات الموت " وحكمة هذه الشدة على االابتلاء والاختبار ورفع الدرجات. أما ملك الموت فتقول الروايات إنه كان يأتى للمحتضر عِيانًا ويعرفه، فرحم الله الأمة المحمدية ومنع ظهو تدخل الرعب فى قلوب المؤمنين، ومن الثابت أن الملائكة الموكلة بقبض الروح تنزل إلى المحتضر، ويراها وتب مؤمنا على ما فسر به قوله تعالى ﴿ ﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخاف بالجنة التى كنتم توعدون﴾ [فصلت:٣٠] . وأخوج الطبرانى فى الأوسط عن أبى بكر رضى الله عنه أن النبى ﷺ دخل على أبى سلمة رضى فى الموت فلما شق بصره، أى شخص مدَّ رسول الله ﷺ يده فأغمضه، فلما أغمضه صاح أهل افسكَّتهم وقال " إن النَّفْس إذا خرجت يتبعها البصر، وإن الملائكة تحضر الموت، فيؤمنون على ما يقول أهل اللهم ارفع درجة أى سلمة فى المهديين واخلفه فى عقبه فى الآخرين، واغفر لنا وله يوم الدين ". ذلك شئ مما جاء فى الكتب المعنية بأمور الصوت، ومع ذلك نكرر ما قلناه من أن كل الأحوال الأخروية ومقدما إلا بخبر صادق، فينبغى عدم الإكثار من الجدال فيها، ولنهتم بالعمل الصالح الذى يختم الله به حياتنا ب بالله كلما اقترب الأجل، فهو سبحانه عند حسن ظن عبده به، وبخاصة عند القدوم عليه، ومن أحب لقاء الله لقاءه

стр. 3878

دفن موتى الرجال والنساء المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال ما حكم الدين فى دفن الرجال مع النساء فى قبر واحد؟ الجواب الأصل فى الدفن أن يكون لكل ميت قبر خاص به، أما دفن أكثر من واحد فى قبر واحد فهو حرام عند جمهور الفقهاء، ومكروه فقط عند أبى حنيفة، ومحل ذلك إذا لم تكن هناك ضرورة أو حاجة. فإن وجدت ضرورة ككثرة الموتى وتعسر إفراد كل بقبر، أو وجدت حاجة كالمشقة فى حفر قبر لكل ميت جاز جمع أكثر من واحد فى قبر، سواء أكانوا من جنس واحد أم من جنسين، على أن يقدم الذكر على الأنثى فى دفنه جهة القبلة. والدليل على ذلك ما رواه أحمد والترمذى وصححه أن الأنصار جاءوا إلى النبى ﷺ يوم أحد، وقالوا: يا رسول الله أصابنا جرح وجهد، فكيف تأمرنا؟ قال وأعمقوا واجعلوا الرجلين والثلاثة فى قبر قالوا: فأيهم نقدم؟ قال: " أكثرهم قرآنا ". . . وروى عبد ال عن واثلة بن الأسقع أنه كان يدفن الرجل والمرأة فى القبر الواحد، فيقدم الرجل وتجعل المرأة وراءه. ذكر (ج ٣ ص ٢٥١) . وجاء فى كتاب " الإقناع " للخطيب فى ففه الشافعية "ج ١ ص ١٨٢ " ما يأتى: ولا يجمع رجل وامرأة فى قبر إلا لضرورة، فيحرم عند عدمها ويعنى عدم الضرورة ـ كما فى الحياة ـ يعنى كما لو كانوا أحياء ـ قال ابن الصلاح: محله إذا لم يكن بينهما محرمية أو زوجية، وإلا فيجوز الجمع. قال الأسنوى: وهو متجه ـ يعنى كلا والذى فى المجموع ـ كتاب للنووى ـ لا فرق، فقال إنه حرام حتى فى الأم مع ولدها، وهذا هو الظاهر، إذ االجمع هى الإيذاء، لأن الشهوة قد انقطعت فلا فرق بين المحرم وغيره، ولا بين أنا يكونا من جنس واحد أم بينهما بتراب حيث جمع بينهما ـ وذلك على سبيل الندب ـ حتى لو اتحد الجنس. . . انتهى. وجاء فى فتوى لدار الإفتاء بتاريخ ٦ ٢ من أكتوبر ٩٦٣ ١ (الفتاوى الإسلامية مجلد ٧ ص ٢٤٢٦) يجوز دفن الرجل مع المرأة فى قبر واحد عند الضرورة بشرط الحيلولة بينهما بحائ وخلاصة الكلام أن دفن الرجل مع المرأة حتى لو كانت أمه أو زوجته لا يجوز إلا عند الضرورة

стр. 3879

غسل ملابس الميت المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال سمعت أن غسل ملابس الميت فى اليوم الثالث من الوفاة يطرى على روحه لأن روحه تكون معلقة بملابسه، فهل هذا صحيح؟ الجواب روح الميت إذا خرجت ذهبت إلى ربها، وأنزلها المنزلة التى تستحقها، ولم يأت خبر صحيح من قرآن أو سنة بأنها تكون معلَّقة بملابس الشخص بعد موته، فذلك من أنباء الغيب التى لا تثبت بكلام لا أصل له، وعليه، فلا بأس بغسل ملابس الميت فى أى وقت بعد وفاته، وينبغى أن نتحرر من الأفكار والعادات التى لم يدل عليها دليل صحيح

стр. 3880

أنهار الجنة المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال نريد توضيحا لأوصاف أنهار الجنة؟ الجواب جاء فى القرآن الكريم وصف نعيم الجنة بأوصاف فيها بعض الغرابة، بالنسبة لما نراه فى عالم الدنيا، حيث تختلف طبيعة الأشياء ويختلف الحكم المنوط باستعمالها إباحة ومنعا، فهناك زواج بلا تناسل، وأكل وشرب بلا مخلفات وخمر بلا سكر ولا غول، ولا لغو ولا تأثيم، وهناك ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، والحق -كما قيل -أن كل ما خطر ببالك فالجنة على خلاف ذلك، فقوانين الآخرة غير قوانين الدنيا، وقد يكون هناك تشابه فى الأسماء مع اختلاف المسميات شكلا وموضوعا كما يقولون، قال تعالى ﴿كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذى رزقنا من قبل وأوتوا به متشابها﴾ البقرة: ٢٥. وقد جاء فى القرآن الكريم أن فى الجنة أنهارا لم تعهد صورتها فى الدنيا كما قال تعالى ﴿مثل الجنة التى وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفَى﴾ محمد: ١٥، وهى كلها مشروبات تهفو إليها النفس، كثيرة لا ينضب معينها، طيبة لا يخشى فسادها، هنيئة لا تخاف عاقبتها، فالماء غير اَسن لم تتغير ريحه، واللبن طازج لم يفسد طعمه، والخمر لذيذة مستساغة، والعسل نقى مصفَّى من الشوائب. ويجئ فى القرآن وصف هذه الأنهار بأنها تجرى تحت الجنة، قال تعالى ﴿مثل الجنة التى وعد المتقون تجرى من تحتها الأنهار أُكلها دائم وظلها﴾ الرعد:٣٥. فكيف يتصور أن تجرى الأنهار تحت الجنة؟ إن الصورة الحقيقية لا يعلمها إلا الله سبحانه، ومن أخبره بها، وسيعلمها علم اليقين من يتفضل الله عليه بدخول الجنة، ولكن المفسرين حاولوا تقريب هذه الصورة بما يعهدونه فى الدنيا، فقالوا: إن الجنات بساتين على ربوات عالية بقصورها الشاهقة وأشجارها السامقة، والأنهار تجرى حولها منخفضة عند قاعدة الربوات، والمعهود أن الأرض إذا كانت فوق مستوى الماء كانت أصلح وأطيب، وفى الوقت نفسه توجد الفرصة لمن ينعمون بالجنات وغرفها العالية أن يتمعتوا بالنظر إلى هذه الأنهار بألوانها المختلفة. ذلك تصوير بالقدر المستطاع للعقل البشرى، وليس فيه ما يخالف نصًّا قاطعا ولا حكما مقررا، ويكفينا من أوصاف الجنة ما جاء فى القراَن وثبت فى السنة، وهو كاف لإغرائنا بالجد والعمل حتى نفوز بهذا النعيم، وحتى نرى بأنفسنا كيف تجرى الأنهار من تحتها، وقد صح فى البخارى أن النبى ﷺ قال "بينما أنا أسير فى الجنة إذا أنا بنهر حافتاه قباب اللؤلؤ المجوَّف، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذى أعطاك ربك، قال: فضرب الملك بيده فإذا طينه مسك أذفر - أى فى أعلى الدرجات من طيب الرائحة"

стр. 3881

ثواب الآخرة للمؤمن فقط المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل يدخل الجنة من أهل الديانات الأخرى من لم يفعل الفاحشة وكان مستقيما فى حياته ومعاملاته مع الناس؟ الجواب معلوم أنه لا يعتد بدين بعد مجئ الإسلام كما قال تعالى: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو فى الآخرة من الخاسرين﴾ آل عمران:٨٥. والجنة لا يدخلها بعد مجئ الإسلام إلا من آمن بالإسلام ما دام قد بلغته دعوة الإسلام ولم يؤمن به والأعمال الصالحة لغير المسلم لا ثواب عليها فى الآخرة قال تعالى: ﴿وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا﴾ الفرقان: ٢٣. وقال فى حق المنافقين ﴿قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما فاسقين﴾ التوبة: ٥٣. أما فى الدنيا فيثاب عليها، روى مسلم أن عائشة رضى الله عنها قالت للنبى ﷺ : إن ابن جدعان كان فى الجاهلية يصل الرحم ويطعم المسكين فهل ذلك نافعه؟ قال: "لا ينفعه إنه لم يقل يوما رب اغفر لى خطيئتى يوم الدين " يقول القرطبى فى تفسيره (ج ٨ ص ١٦١) روى عن أنس أن النبى- ﷺ قال: "إن الله لا يظلم مؤمنا حسنة يعطى بها فى الدنيا ويجزى بها فى الآخرة وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل لله بها فى الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يجزى بها " فالإيمان شرط للثواب فى الآخرة. قال تعالى: ﴿ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا﴾ الإسراء: ١٩. وقد يعترض على إحباط عمل الكافر بحديث رواه مسلم أن العباس قال للنبى- ﷺ -إن أبا طالب كان يحوطك وينصرك فهل نفعه ذلك؟ قال "نعم وجدته فى غمرات من النار فأخرجته إلى ضحضاح " وأجيب عنه بأن تخفيف عذاب أبى طالب كان بشفاعة أما غيره فقد أخبر عنه القرآن بقوله: ﴿فما تنفعهم شفاعة الشافعين﴾ المدثر: ٤٨. وقوله مخبرا عن الكافرين: ﴿فما لنا من شافعين. ولا صديق حميم﴾ الشعراء: ١٠٠، ١٠١. وقد روى مسلم عن أبى سعيد الخدرى أن رسول الله ﷺ ذكر عنده عمه أبو طالب فقال " لعله تنفعه شفاعتى يوم القيامة فيجعل فى ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلى منه دماغه " ومن حديث العباس "ولولا أنا لكان فى الدرك الأسفل من النار". هذا، ولو أسلم الكافر ومات على الإسلام قال بعض العلماء: يرجى أن يثيبه الله فى الآخرة على الحسنات التى فعلها وهو كافر، فقد روى مسلم عن حكيم بن حزام أنه سأل الرسول ﷺ -عن الصدقة والعتق وصلة الرحم التى كان يتعبد بها فى الجاهلية فقال له "أسلمت على ما أسلفت من خير". ورأى بعض العلماء أنه لا يثاب، وقول النبى ﷺ هذا معناه أن الأعمال الخيرة التى عملتها فى الجاهلية تدل على أن معدنك طيب وأن فيك خيرا، وهذا الخير هو الذى قادك إلى الإسلام فالعبارة محتملة وليس فيها تصريح بأن حسنات الكافر قبل إسلامه يثاب عليها عند الله والذى يقصد بعمله دنيا يصيبها ماديا أو أدبيا ولا يريد وجه الله يحرم من ثواب الآخرة سواء أكان مسلما أم غير مسلم، لعموم قوله تعالى: ﴿من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون. أولئك الذين ليس لهم فى الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون﴾ هود: ١٥، ١٦. وقوله: ﴿من كان يريد حرث الآخرة نزد له فى حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له فى الآخرة من نصيب﴾ الشورى:٢٠. وقوله: ﴿من كان يريد العاجلة عجَّلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا﴾ الإسراء: ١٨. وحديث. .. الثلاثة الذين تسعَّر بهم النار معروف رواه مسلم، وهم المجاهد الذى قصد أن يقال إنه شجاع، والكريم الذى قصد أن يقال إنه كريم والعالم الذى قصد أن يقال إنه عالم، وقد قيل: ثم يسحبون على وجوههم ويلقون فى النار"راجع ص ٢٧٤ من المجلد الخامس من هذه الفتاوى "

стр. 3882

دواب الجنة المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل فى الجنة حيوانات وطيور كالتى نراها فى الدنيا؟ الجواب الإجابة على السؤال ذات شقين الشق الأول دخول الحيوانات والطيور فى الجنة، والشق الثانى وجودها فى الجنة. أما الأول فإن بعض المفسرين قال: هناك عشرة من دواب الدنيا تدخل الجنة وهى: البراق الذى ركبه النبى ﷺ وليلة الإسراء، وناقة صالح التى عقرها المكذبون، وحمار العزيز الذى أماته الله مائة عام ثم بعثه فوجد حماره بجواره كما هو، والعجل الذى ذبحه إبراهيم لضيفه من الملائكة، والكبش الذى فدى الله به إسماعيل من الذبح لرويا أبيه، والهدهد الذى أتى بالأخبار لسليمان عن ملكة سبأ، والنملة التى قالت ﴿يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون﴾ وكلب أهل الكهف والحوت الذى التقم يونس، وبقرة بنى إسرائيل التى دلت على القاتل لما ضرب بعض أجزائها. ونقل الألوسى عند تفسير ﴿وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد﴾ أن سائر الحيوانات المستحسنة فى الدنيا كالظباء والطواويس وما ينتفع به المؤمن كالغنم تدخل الجنة على كيفية لائقة ولكن ليس فى ذلك خبر يعول عليه. وأما الشق الثانى فمن الجائز أن يخلق الله حيوانات وطيورا لمتعة أهل الجنة تشبه ما فى الدنيا فى الصورة وتخالفها فى المادة، فقد صح فى مسلم أن أرواح الشهداء فى جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوى إلى تلك القناديل، وروى الترمذى بإسناد ضعيف أن النبى ﷺ قال لأعرابى "إن دخلت الجنة أتيت بفرس من ياقوتة لها جناحان فتحمل عليها فتطير بك فى الجنة حيث شئت " وذكر ابن عدى بإسناد ضعيف حديثا جاء فيه " إن أهل الجنة يتزاورون على نجائب بيض كأنهن الياقوت " كما نقل الدميرى (٨٠٨ ط) فى "حياه الحيوان الكبرى" مادة خيل حديثا فيه لا إن فى الجنة شجرة يخرج من أعلاها حلل ومن أسفلها خيل بلق من ذهب مسرجة ملجمة من در وياقوت لا تروث ولا تبول، لها أجنحة خطوالَها مد بصرها يركبها أهل الجنة فتطير بهم حيث شاءوا، وأنها للصائمين القائمين المنفقين المجاهدين. وأحاديث الآحاد وإن كانت لا تثبت بها عقيدة لكن لا مانع من أن يخلق الله فى الجنة خلقا على صفة خاصة لمتعة أهلها كالحور العين، أما دخول حيوانات فى الجنة فلا دليل عليه، حيث إنها غير مكلَّفة لا ثواب لها، ومن لم يصدق ذك فلا يخدش إيمانه

стр. 3883

المرور على الصراط المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال كيف يمر الناس على الصراط يوم القيامة؟ الجواب الصراط فى اللغة هو الطريق الواسع، وفى الشرع -كما قال الدردير فى شرح خريدته - جسر ممدود على متن جهنم بين الموقف والجنة أرق من الشعرة وأحد من السيف، وأنكر الإمام الغزالى والعز بن عبد السلام كونه أرق من الشعرة وأحد من السيف، بل هو متسع لورود ما يدل على ذلك، وعلى فرض صحة هذا الوصف يؤول على أنه كناية عن شدة المشقة، فهو مختلف فى الضيق والاتساع بحسب الأعمال كما قال الدردير، فالمارون عليه منهم سالم بعمله ناج من نار جهنم - لأنه منصوب على متنها كما فى الحديث -وهم على أقسام: منهم من يجوزه كلمح البصر، ومنهم من يجوزه كالبرق الخاطف، ومنهم كالريح العاصف أو كالطير أو كالجواد السابق، ومنهم من يسعى سعيا ومنهم من يمشى ومنهم من يمر عليه حبوًا ومنهم من تخدشه كلاليب فيسقط ولكن يتعلق بها فيعتدل ويمر ويجاوزه بعد أعوام، ومنهم غير السالم من الوقوع فى النار، وهم متفاوتون بقدر تفاوتهم فى الجرائم، فمنهم من يخلد فى النار وهم الكفار، ومنهم من يخرج منها بعد مدة على حسب ما شاء الله وهم عصاة المؤمنين، والصراط ثابت بالقرآن والسنة والإجماع - كما ذكره العدوى فى كتابه "مشارق الأنوار ص ١٧١ " قال تعالى ﴿فاستبقوا الصراط﴾ يس: ٦٦، وقال ﷺ "ينصب الصراط على متن جهنم فأكون أول من يجوزه وأمتى". والحق تفويض معرفة حقيقته إلى الله تعالى، ويمر عليه الأولون والآخرون حتى من لا حساب عليهم قال العلاَّمة الأمير-وكلهم سكوت إلا الأنبياء -وقولهم إذ ذاك: اللهم سلَّم سلَّم، كذا فى الصحيح الذى رواه مسلم "الترغيب والترهيب للمنذرى ج ٤ ص ١٤٩ " ثم ذكر العدوى أخبارا لا تبنى عليها عقيدة، وقال الفاكهانى: إنه موجود الآن والأخبار عنه صحيح، وأهل السنة أبقوها على ظاهرها من تفويض علم حقيقته إلى الله تعالى، وقال بعضهم: إنه يوجد عند الحاجة إليه. وذكر حديثا أخرجه ابن مردويه فى تفسيره بسند لا بأس به عن ابن عمر عن النبى ﷺ ﷺ " من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة سطع له نور من تحت قدميه إلى عنان السماء يضف له إلى يوم القيامة وغفر له ما بين الجمعتين " وهذا النور يكون على الصراط كما فى حديث رواه الطبرانى، وفى حديث للديلمى "الصلاة نور على الصراط " وكلها أحاديث للترغيب فى العمل الصالح. والحقيقة هناك يعلمها الله سبحانه وتعالى

стр. 3884

دواب الجنة المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل صحيح أن هناك دواب ستدخل الجنة؟ الجواب معلوم أن أمور الغيب ومنها أحوال الآخرة لا تعرف إلا عن طريق الخبر الصحيح الثابت فى القرآن والسنة، ولم يرد دليل يعتمد عليه فى دخول الحيوانات الجنة، وإن كان هناك حشر لها كما سبق الكلام عليه فى صفحة ٤٠٩ من المجلد الخامس من هذه الفتاوى. وقد جاء فى حاشية الدردير على قصة الإسراء والمعراج للقيطى أن عشرة من الحيوانات قد تدخلها وهى: البراق وناقة صالح وحمار العزيز وعجل إبراهيم وكبش إسماعيل وهدهد سليمان ونملته وكلب أهل الكهف وحوت يونس وبقرة بنى إسرائيل، وسئل المرحوم الشيخ محمد بخيت المطيعى المفتى الأسبق عن ذلك فقال: راجعنا معظم كتب التفسير والحديث والتوحيد فلم نجد ما يثبت ذلك من حديث صحيح يعتمد عليه، بل رأينا ما ينفى دخول تلك الحيوانات العشرة الجنة، ونقل عن بعض كتب التفسير أقوالا فى دخولها، بل ودخول سائر الحيوانات المستحسنة فى الدنيا كالظباء والطواويس وما ينتفع به المؤمن كالغنم، ولكن على كيفية تليق بذلك المكان وتلك النشأة، وليس فيما ذكر خبر يعول عليه فيما أعلم "الآلوسى" نعم فى الجنة حيوانات مخلوقة فيها، وفى خبر يفهم من الترمذى صحة التصريح بالخيل منها والله أعلم وقال: وقد اشتهر القول بدخول كاب أهل الكهف الجنة حتى إن بعض الشيعة يسمون أولادهم بكلب على، ويؤمل من سمى بذلك النجاة بالقياس الأولوى على ما ذكر، وينشد: فتية الكهف نجا كلبهم * كيف لا ينجو غدا كلب على؟ ولعمرى إن قبله على كرم الله وجهه كلبا له نجا، ولكن لا أظن يقبله لأنه عقور، انتهى. ونقل عن تفسير ابن كثير أنهم اختلفوا فى لون هذا الكلب على أقوال لا حاصل ل مما، ولا طائل تحتها ولا دليل عليها، ولا حاجة إليها، بل هى مما ينهى عنه، فإن مستندها رجم بالغيب. "مجلة الإسلام - المجلد الثالث - العدد ٢٥ "

стр. 3885

الذبح للميت المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال رأينا فى بعض البلاد أن أهل الميت يذبحون ذبيحة ساعة خروج نعشه من البيت، فهل لهذا الذبح من أصل فى الشريعة الإسلامية؟ الجواب جاء فى حديث رواه أبو داود "لا عقر فى الإسلام " قال عبد الرزاق: كانوا يعقرون عند القبر بقرة أو شاة. وقال الخطابى: كان أهل الجاهلية يعقرون الإبل على قبر الرجل الجواد، يقولون: نجازيه على فعله، لأنه كان يعقرها فى حياته فيطعمها الأضياف فنحن نعقرها عند قبره لتأكلها السباع والطير، فيكون مطعما بعد مماته كما كان مطعما فى حياته، ومنهم من كان يذهب فى ذلك إلى أنه إذا عقم في راحلته عند قبره حشر فى يوم القيامة راكبا، ومن لم يعقر عنه حشر راجلا ماشيا وهذا على رأى من كانوا يؤمنون بالبعث. إن ذبح الأغنام أو غيرها عند خروج الميت من البيت صورة شبيهة بالصورة التى تقدم ذكرها، لكن لو ذبحت الماشية بقصد توزيع لحمها على الفقراء صدقة على روح الميت فلا مانع منه، لأنه جاء فى الحديث عن بر الأبوين بعد موتهما قول الرسول ﷺ للسائل "الصدقة عليهما والدعاء لهما". وإذا كان الذبح لإطعام من يحضرون للعزاء فهو مناف لهدى النبى ﷺ فى إعداد الناس طعاما لأهل الميت لا العكس، فقد أمر بإعداد الطعام لآل جعفر لأنه نزل بهم ما شغلهم. أما سرادقات العزاء فقد مرت الإجابة عليها فى المجلد الثالث ص ١٧٥

стр. 3886

أين يصلى على الجنازة المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل الأفضل أن يصلى على الجنازة فى المسجد أو خارج المسجد، وهل تجوز الصلاة عليها فى المقبرة؟ الجواب الصلاة على الجنازة جائزة غير محرمة فى أى مكان من الأرض لعموم قوله ﷺ "جعلت لى الأرض مسجدا فأينما أدركتك الصلاة فصل ". لكن الخلاف هو فى المكان الأفضل لها، فقال الشافعية: تندب الصلاة على الجنازة فى المسجد، لأنه خير بقاع الأرض، وروى مسلم عن عائشة رضى الله عنها قالت: ما صلى رسول الله ﷺ على سهيل بن بيضاء إلا فى المسجد. وصلى الصحابة على أبى بكر وعمر فى المسجد بدون إنكار من أحد، لأنها صلاة كسائر الصلوات. والحنفية والمالكية قالوا بكراهتها فى المسجد، واستدلوا بقول النبى ﷺ -كما رواه أبو داود-"من صلى على جنازة فى المسجد فلا شىء له " أى ليس له ثواب، لكن هذا الحديث ضعيف ومعارض لفعل رسول الله ﷺ وأصحابه وصحح بعضهم هذا الحديث لأنه جاء فى بعض النسخ "فلا شىء عليه "يعنى من الوزر، وكما كرهوا الصلاة عليه فى المسجد كرهوا إدخاله ولو من غير صلاة. والحنابلة أباحوها فى المسجد إن لم يخش تلويثه، وإلا حرمت وحرم إدخاله ولو لغير الصلاة عليه، يقول ابن القيم: ولم يكن من هدى رسول الله ﷺ الراتب الصلاة على الميت فى المسجد، وإنما كان يصلى على الجنازة خارج المسجد إلا لعذر، وربما صلى أحيانا على الميت كما صلى على سهيل بن بيضاء وأخيه وكلا الأمرين جائز، والأفضل الصلاة عليها خارج المسجد، وقد أطال فى الكلام على حديث أبى داود ومقابلته بحديث عائشة فيرجع إليه "ج ١ ص ١٤٠ ". أما الصلاة على الميت فى المقبرة فكرهها الجمهور، وفى رواية لأحمد أنه لا بأس بها، لأن النبى ﷺ صلَّى على المرأة التى كانت تنظف المسجد بعد أن دفنت، وصلى أبو هريرة على عائشة وسط قبور البقيع وحضر ذلك ابن عمر وغيره، لأن صلاة الجنازة أساسها الدعاء للميت، وليست كالصلوات الأخرى ذات الركوع والسجود التى يتعبد بها إلى الله سبحانه "انظر ص ٦٠٠ من المجلد الرابع من هذه الفتاوى ". وسهيل بن بيضاء قديم فى الإسلام، هاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة وشهد بدرا وغيرها ومات بها سنة تسع، وأخوه سهل كان ممن أظهر الإسلام بمكة، ومشى إلى النفر الذين قاموا بنقض الصحيفة التى كتبها مشركو مكة، ضد بنى هاشم حتى نقضوها وأنكروها "أسد الغابة "

стр. 3887

ثواب الصلاة على الجنازة المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال كثير من المشيعين للجنازة لا يصلون عليها، فهل هم مقصرون، وهل يؤثر ذلك على الجنازة نفسها؟ الجواب صلاة الجنازة فرض كفاية، بمعنى أنه لو صلاها بعض الناس سقط الطلب عن الباقين، أى لا يعذبون، ولكن فاتهم ثواب كبير، والمؤمن الصادق لا ينبغى أن تفوت منه فرصة يكسب فيها ثوابا مهما كان حجمه. فقد جاء أن كل مؤمن سيندم يوم القيامة، إن كان مسيئا ندم ألا يكون قد أحسن، وإن كان محسنا ندم ألا يكون قد ازداد إحسانا. ومع مراعاة أن كل المشيعين ربما لا يكونون متطهرين للصلاة، وفى التطهر بعض المشقة أو تأخير لدفن الجثة، فإن المتطهر ينبغى أن يشارك فى الصلاة، فقد روى الجماعة عن أبى هريرة أن النبى ﷺ قال: "من تبع جنازة وصلى عليها فله قيراط، ومن تبعها حتى يفرغ منها فله قيراطان، أصغرهما - أو أحدهما - مثل أحد" وروى مسلم عن خبَّاب رضى الله عنه قال: يا عبد الله بن عمر، ألا تسمع ما يقول أبو هريرة - وذكر الحديث - فأرسل ابن عمر رضى الله عنهما خبابا إلى عائشة رضى الله عنها يسألها عن قول أبى هريرة، ثم يرجع فيخبره ما قالت: فقال: قالت عائشة: صدق أبو هريرة، فقال ابن عمر رضى الله عنهما: لقد فرطنا فى قراريط كثيرة. هذا فيما يعود من الثواب على المصلى، أما المصلَّى عليه وهو الميت فإنه يستفيد من كثره المصلين عليه، لأن المهم فيها هو الدعاء له بعد التكبيرة الثالثة، وذلك إذا استجاب الله الدعاء، وكلما كان عدد الداعين فى الصلاة كبيرا كانت فرص الاستجابة أكثر، وفى هذا جاءت الأحاديث التى منها ما رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذى وحسنه والحاكم وصححه عن مالك بن هبيرة"ما من مؤمن يموت فيصلِّى عليه أمة من المسلمين يبلغون أن يكونوا ثلاثة صفوف إلا غفر له " فكان مالك بن هُبيرة يتحرى إذا قلَّ أهل الجنازة أن يجعلهم ثلاثة صفوف. وأخذ بظاهر الحديث أحمد بن حنبل وقال: أحب إذا كان فيهم قلة أن يجعلهم ثلاثة صفوف، قالوا: فإن كان وراءه أربعة كيف يجعلهم؟ قال: يجعلهم صفين، فى كل صف رجلين، وكره أن يكونوا ثلاثة فيكون فى كل صف رجل واحد. وما رواه مسلم وأحمد والترمذى عن عائشة رضى الله عنها "ما من ميت يصلى عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شُفَعوا" وما رواه مسلم وأحمد وأبو داود عن ابن عباس رضى الله عنهما"ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا إلا شفَّعهم الله فيه " أى قبل الله دعاءهم وشفاعتهم. هذا، وكثرة المصلين على الجنازة يدفع إليها حب الميت أو تكريمه ومحاولة عمل شىء ينفعه، والغالب أن ذلك لا يكون إلا من استقامته وحسن معاملته للناس. فهم يترحمون عليه ويذكرونه بالخير، وذلك إمارة على حب الله له، والحديث يشهد لذلك، فقد مرت جنازة أمام النبى ﷺ فأثنى الصحابة عليها خيرا، فقال "وجبت " ثم مرت جنازة أخرى فتحدثوا عنها شرا، فقال "وجبت " ولما سألوه عن الإجابتين المتحدثين مع اختلاف حديثهم عن الجنازتين قال "من أثنيتم عليه خيرا وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شرا وجبت له النار، أنتم شهداء الله فى الأرض " رواه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجه، وحدث مثل ذلك لعمر رضى الله عنه. حين مرت عليه ثلاث جنازات واختلف الناس فى الكلام عليها فقال كما قال النبى ﷺ "أيما مسلم شهد له أربعة نفر بخير أدخله الجنة"قال: فقلنا وثلاثة، فقال "وثلاثة" فقلنا: واثنان قال "واثنان " ثم لم نسأله عن الواحد. رواه البخارى. وروى أبو يعلى وابن حبان فى صحيحه عن أنس أن النبى ﷺ قال "ما من مسلم يموت فيشهد له أربعة أهل أبيات من جيرانه الأدنين انهم لا يعلمون إلا خيرا، إلا قال الله: قد قبلت علمكم فيه وغفرت له ما لا تعلمون ". كل هذا يؤكد قيمة ثناء الصالحين على الميت، ويدعو إلى كثرة المصلين على الجنازة

стр. 3888

تكرار صلاة الجنازة المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال هل تجور صلاة الجنازة على ميت سبق أن أقيمت عليه الصلاة؟ الجواب تكرار الفرد لصلاة الجنازة على الميت غير حرام، لعدم وجود دليل يحرمه، وإنما هو مكروه فقط، بمعنى أن من صلى على جنازة يكره له أن يصلى عليها مرة أخرى، أما من لم يصل على جنازة فيجوز له أن يصلى عليها بعد أن يصلى عليها غيره. جاء فى فقه المذاهب الأربعة "نشر أوقاف مصر " ما نصه، يكره تكرار الصلاة على الجنازة، فلا يصلى عليها إلا مرة واحدة، حيث كانت الصلاة الأولى جماعة، فإن صلى عليها أولا بدون جماعة أعيدت ندبًا فى جماعة ما لم تدفن، والشافعية قالوا: تسن الصلاة على الجنازة مرة أخرى لمن لم يصل عليها أولا ولو بعد الدفن، وقال الحنابلة: يجوز تكرار الصلاة على الجنازة لمن لم يصل أولا ولو بعد الدفن، ويكره التكرار لمن صلى أولا. هذا، وفى وفاة النبى ﷺ يقول ابن عباس -كما رواه ابن ماجه - لما فرغوا من جهازه يوم الثلاثاء [توفى يوم الإثنين ودفن يوم الثلاثاء ليلا، أى ليلة الأربعاء] وضع على سريره فى بيته، ثم دخل الناس عليه ﷺ أرْسالا - جماعات متتابعين - يصلون عليه، حتى إذا فرغوا دخل النساء، حتى إذا فرغن دخل الصبيان، ولم يؤم الناس على رسول الله ﷺ أحد، يقول ابن كثير: هذا أمر مجمع عليه، وهو عدم الصلاة عليه جماعة، وعلل الشافعى ذلك - كما فى كتابه الأم - بأنه لعظم أمره ﷺ وتنافسهم فيمن يتولى الصلاة عليه "الزرقانى على المواهب ج ٨ ص ٢٩١"

стр. 3889

غطاء النعش المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال والدى أوصى قبل وفاته أننا لا نغطى جثته وهى على النعش حتى لا يكون بينه وبين الله ستار، فما حكم الدين فى ذلك؟ الجواب ستر النعش لم يرد فيه نص يأمر به أو ينهى عنه، لكن الفقهاء قالوا: يسن ستر نعش المرأة حتى لا يظهر جسمها، وذلك بغطاء من خشب أو نحوه كما قال الجمهور، وعليه فلو كشف الميت وهو على النعش فلم يوضع عليه غطاء فلا مانع منه ولا حرمة ولا كراهة. أما تعليل كشفه بألا يكون بينه وبين الله ستار فلا وجه له، فالله سبحانه عليم بكل شىء، ولا ينفع الميت إلا عمله،ولا يجب تنفيذ هذه الوصية

стр. 3890

من آداب تشييع الجنازة المفتي عطية صقر. مايو ١٩٩٧ المبادئ القرآن والسنة السؤال اضطر شخص أن يخرج لتشييع جنازة ثم تذكر انه لم يغتسل من الجنابة، فهل فى هذا إثم؟ الجواب لا يحرم على الجنب إلا أمور معروفة وهى الصلاة والطواف وقراءة القرآن ومس المصحف وحمله والمكث فى المسجد. وما عدا ذلك فهو حلال غير حرام، سواء أكان فى أمور الدنيا كالأكل والشرب أم فى أمور الآخرة كالذكر والصلاة على النبى ﷺ والدعاء، وإن كان الأفضل ألا يمارس هذه الأشياء وهو جنب. ففى حديث رواه البزار بإسناد صحيح "ثلاثة لا تقربهم للملائكة: الجنب والسكران والمتضمخ بالخلوق " وهو طيب خاص بالنساء، وكذلك كراهة النوم مع الجنابة إلا أن يتطهر ولو بالوضوء. ومعلوم أن الملائكة قد تشيع بعض جنازات الصالحين. واشتراكهم فى التشييع دليل رحمة الله ورضائه عنه. ومن هنا يكره للجنب أن يسير فى الجنازة حتى تشترك فيها الملائكة، وحتى لا يحرم الميت من الرحمة، وبخاصة إذا كان من الصالحين، ففى حديث رواه أبو داود وغيره "إن الملائكة لا تحضر جنازة الكافر ولا المتضمخ بزعفران ولا الجنب "
следующие страницы →