Полный текст (4 930 стр.). Показаны 4901–4930 · переход к 4906.
стр. 4901
عوض مجلس عرفى
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم الدين فى المبالغ المالية التى تفرضها المجالس العرفية كنوع من الحقوق لبعض الأشخاص أثناء ففض النزاع بينهم، وهل هناك إثم على الشخص المحكوم له بالمال إذا قبله؟
الجواب
إذا حدث نزاع وتدخل فى فضه مجلس تحكيم وفرض على المتهم أو على المدان مبلغا معينا، وكان ذلك عرفا جاريا ووافق المتخاصمون عليه ورضوا به فلا مانع من أخذ هذا المبلغ، فالمؤمنون عند شروطهم، والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا. وهذا الأمر ليس فيه تحريم حلال ولا تحليل حرام، فالأطراف متفقة على ذلك. وبخاصة إذا كانت نفوسهم سخية به، ويكفى إقرارهم بالقبول حتى لو كانت نفوسهم غير راضية أو مطمئنة فى وقتها، فقد تطمئن وترضى بعد التروى، والقاضى- ومثله الحكام فى المجلس - له الظاهر من أقوال المتخاصمين، والله يتولى السرائر وعليه فيجوز أخذ هذا المبلغ -كرد اعتبار كما يقال - ما دام العرف يقضى به، والعرف له اعتباره فى التشريع فيما لم ينص عليه بالتحديد ولم يخالف قاعدة شرعية
стр. 4902
المرتد التائب
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
لو ارتد مسلم واستمر مدة على ردته ولم يقم عليه حد الردة، ثم عاد إلى الإسلام واستقام، هل تبطل أعماله التى عملها وقت إسلامه من صلاة وزكاة وصيام وحج ويجب عليه أن يقضيها، أو لا تبطل، وهل ما تركة من صلاة وصيام وقت ردته يجب عليه قضاؤه بعد توبته وعودته إلى الإسلام أو لا يجب؟
الجواب
إضافة إلى ما سبق فى ص ١٨٧ من المجلد الرابع من هذه الفتاوى أقول:
يقول الله سبحانه ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ الأنفال: ٣٨،ويقول تعالى: ﴿ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم فى الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾ البقرة: ٢١٧.
قال العلماء: هناك فرق بين الكافر الأصلى إذا أسلم وبين المرتد إذا تاب وعاد إلى الإسلام. فالأول يبدأ تكليفه من وقت إسلامه، ولا يكلف بالصلاة والصيام والعبادات التى لم يقم بها وقت كفره، بناء على أن الكافر غير مخاطب بفروع الشريعة، حيث لا تصح العبادة بدون نية وبدون إسلام. والآية الأولى تدل على ذلك "إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ".
والثانى وهو المرتد قال بعض العلماء ومنهم الشافعية: إذا عاد إلى الإسلام لم تبطل أعماله التى قام بها حين كان مسلما. فقد وقعت صحيحة، وبالتالى لا يكلف بقضائها والآية الثانية قيدت بطلان أعماله بالموت قبل العودة إلى الإسلام "فيمت وهو كافر " أما إذا مات وهو مسلم أى بعد توبته وعودته إلى الإسلام فالآية لا تنطبق عليه.
وقال بعضهم الآخر ومنهم المالكية: إن أعمال المرتد حبطت بمجرد ردته، وعليه أن يقضيها بعد إسلامه.
واستندوا إلى قوله تعالى ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾ الزمر: ٦٥، وهو خطاب للنبى ﷺ والمراد أمته "تفسير القرطبى ج ٣ ص ٤٨ ".
هذا هو الحكم بالنسبة إلى الأعمال التى صدرت منه أثناء إسلامه وقبل ردته. أما بالنسبة لأعماله فى فترة ردته قبل أن يسلم فقد جاء فى تفسير القرطبى"ج ٧ ص ٤٠٣ " قوله: فأما المرتد إذا أسلم وقد فاتته صلوات وأصاب جنايات وأتلف أموالا فقيل: حكمه حكم الكافر الأصلى إذا أسلم لا يؤخذ بشىء مما أحدثه فى حال ارتداه، وقال الشافعى فى أحد قوليه: يلزمه كل حق لله وللآدمى بدليل أن حقوق الآدميين تلزمه فوجب أن تلزمه حقوق الله تعالى. وقال أبو حنيفة: ما كان لله يسقط، وما كان للآدمي لا يسقط، قال ابن العربى: وهو قول علمائنا، لأن الله مستغن عن حقه، والآدمى مفتقر إليه، ألا ترى أن حقوق الله لا تجب على الصبى.
وتلزمه حقوق الآدميين: قالوا وقوله تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ عام فى الحقوق لله تعالى
стр. 4903
جوزة الطيب
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
يقول بعض الناس: إن جوزة الطيب ليست حراما لأن الحكومة لا تمنع بيعها وتداولها. كما تمنع بيع الحشيش والمخدرات الأخرى، فهل هذا صحيح؟
الجواب
مبدئيا نقول: إن عمل أى إنسان بعد عصر التشريع لا يعتبر دليلا على الحكم الشرعى. وعصر التشريع هو المشار إليه بالحديث " عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين " رواه أبو داود وابن ماجه وابن حبان والترمذى وقال: حسن صحيح. وكثير من الحكومات فى البلاد الإسلامية تبيح إنتاج الخمر وبيعها وتعاطيها فى الوقت الذى تحرم فيه الحشيش والمخدرات الأخرى، وذلك لاعتبارات لا مجال لذكرها الآن.
وقد مر فى ص ٣٠٥ - ٣٠٩ من المجلد الثانى من هذه الفتاوى بيان حكم المخدرات، وابن حجر الهيتمى المتوفى سنة ٩٧٤ هجرية تحدث فى كتابه " الزواجر عن اقتراف الكبائر " فى الجزء الأول منه "ص ٢١٢ " عات الحشيش والأفيون والبنج وجوزة الطيب وأشار إلى أن القات الذى يزرع باليمن ألَّف فيه كتابا عندما أرسل أهل اليمن إليه ثلاثة كتب، منها اثنان فى تحريمه وواحد فى حله، وحذَّر منه ولم يجزم وقال عن جوزة الطيب:
عندما حدث نزاع فيها بين أهل الحرمين ومصر واختلفتما الآراء فى حلها وحرمتها طرح هذا السؤال: هل قال أحد من الأئمة أو مقلِّديهم بتحريم أكل جوزة الطيب؟ ومحصل الجواب، كما صرح به شيخ الإسلام ابن دقيق العيد، أنها مسكرة، وبالغ ابن العماد فجعل الحشيشة مقيسة عليها، وقد وافق المالكية والشافعية والحنابلة على أنها مسكرة فتدخل تحت النص العام "كل مسكر خمر وكل خمر حرام " والحنفية على أنها إما مسكرة وإما مخدرة.
وكل ذلك إفساد للعقل، فهى حرام على كل حال انظر كتيب "المخدرات " لمحمد عبد المقصود ص ٩٠
стр. 4904
الزراعة بين الدين والدنيا
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
قرأت فى بعض الأحاديث النهى عن الزراعة وفى بعضها التشجيع عليها، فكيف نوفق بين هذه الأحاديث؟
الجواب
تقدم القول فى صفحة " ٥٤٦ " من المجلد الأول من هذه الفتاوى عن حديث النهى عن اتخاذ الضيعة، وهى كما قال ابن الأثير: ما يؤخذ منها معاش الرجل كالصناعة والتجارة والزراعة وغير ذلك. وبينَّا أن النهى عن ذلك محله إذا ألهى عن الدين وعن الآخرة.
وهذا ما تعرض له الحافظ ابن حجر فى فتح البارى "ج ٥ص ٦، ٧" عند شرح حديث "ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة" قال: وفى الحديث فضل الغرس والزرع والحض على عمارة الأرض ويستنبط منه اتخاذ الضيعة والقيام عليها، وفيه فساد قول من أنكر ذلك من المتزهدة، وحمل ما ورد من التنفير عن ذلك على ما إذا شغل عن أمر الدين. فمنه حديث ابن مسعود مرفوعا "لا تتخذوا الضيعة فترغبوا فى الدنيا" الحديث. قال القرطبى: يجمع بينه وبين حديث الباب -فضل الغرس -بحمله على الاستكثار والاشتغال به عن أمر الدين. وحمل حديث الباب على اتخاذها للكفاف أو لنفع المسلمين بها وتحصيل ثوابها.
ثم أورد ابن حجر حديث أبى أمامة الباهلى [واسمه صُدَى بن عَجْلان] فى التحذير من احتراف الزراعة حين رأى آلة تحرث بها الأرض فقال:
سمعت رسول الله ﷺ يقول "لا يدخل هذا بيت قوم إلا أدخله الله الذل " وفى رواية أبى نعيم "إلا أدخلوا على أنفسهم ذلاًّ لا يخرج عنهم إلى يوم القيامة " وحمل ذلك على ما يلزمهم من حقوق الأرض التى تطالبهم بها الولاة، وكان العمل فى الأراضى أول ما افتتحت على أهل الذمة، فكان الصحابة يكرهون تعاطى ذلك - قال ابن التين: هذا من إخباره ﷺ بالمغيبات، لأن المشاهد الآن أن أكثر الظلم إنما هو على أهل الحرث. وجمع بين ما ورد فى فضل الزراعة وفى ذمها بأن الذم إذا أدى إلى الذل، أو تضييع الواجب، أو فى وقت الجهاد حتى لا تشغل الزراعة عنه فيقوى العدو، بل يستعد بالتدرب على الفروسية، وعلى غيره إمداده بما يحتاج إليه.
والخلاصة أن الإنسان فى نشاطه لابد أن يعمل فى دنياه ما يساعده على أعمال البر، ولا ينسيه آخرته، والتنسيق واجب حتى لا يفرط فيما يحفظ عليه حياته ويقويه على عمل الخير ويدخره للآخرة، ولا يجوز فصل بعض النصوص عن بعضها الآخر، فقد يكون لكل نص سبب وظروف تختلف عن النص الآخر، وقد يكون الجمع بينها بتخصيص العام أو تقييد المطلق أو بغير ذلك مما بينه العلماء. وعدم مراعاة هذا المنهج يؤدى إلى نتائج خطيرة فى سوء الفهم وسوء التطبيق، وهو الانحراف الذى يسبب المتاعب للفرد والمجتمع، ويشوه صورة الدين عند من يكيدون للإسلام وأهله، وما أكثرهم فى هذه الأيام. فمن يرد الله به خيرا يفقهه فى الدين. وسؤال أهل الذكر عند الجهل واجب. كما نص عليه القراَن الكريم وجاء به حديث الرسول ﷺ .
راجع رسالة " الاكتساب فى الرزق المستطاب " لمحمد بن الحسن الشيبانى
стр. 4905
دفع الصائل
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
فى الحديث الشريف " من قُتل دون ماله فهو شهيد " فهل إذا هجم علىَّ لص ليسرق مالى فاستغثت وهرب عند حضور الناس فأطلقت عليه المسدس ومات فهل أكون آثما؟
الجواب
هذا الحديث رواه البخارى وغيره، وفيه إباحة الدفاع عن المال، ولكن هل يكون الدفاع بالقتل مطلقا أو له قيود؟ يقول النووى: فيه جواز قتل من قصد أخذ المال بغير حق، سواء كان المال قليلا أو كثيرا، وهو قول الجمهور وشذ من أوجبه. وقال بعض المالكية: لا يجوز - أى القتل - إذا طلب الشىء الخفيف. قال القرطبى- وهو مالكى المذهب - سبب الخلاف عندنا: هل الإذن فى ذلك من باب تغيير المنكر فلا يفترق فى الحال بين القليل والكثير، أو من باب دفع الضرر فيختلف الحال؟ وحكى ابن المنذر عن الشافعى قال: من أريد ماله أو نفسه أو حريمه فله الاختيار أن يكلمه أو يستغيث فإن منع أو امتنع لم يكن له قتاله، وإلا فله أن يدفعه عن ذلك ولو أتى على نفسه، وليس عليه عقل ولا دية ولا كفارة. لكن ليس له عمد قتله. قال ابن المنذر: والذى عليه أهل العلم أن للرجل أن يدفع عما ذكر إذا أريد ظلما بغير تفصيل. إلا كل من يحفظ عنه من علماء الحديث كالمجمعين على استثناء السلطان، للآثار الواردة بالأمر بالصبر على جوره وترك القيام عليه "فتح البارى ج ٥ص ١٤٨ " روى مسلم من حديث أبى هريرة: أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالى؟ قال "فلا تعطه " قال: أرأيت إن قاتلنى؟ قال "فاقتله " قال: أرأيت إن قتلنى؟ قال "فأنت شهيد" قال أرأيت إن قتلته؟ قال "فهو فى النار" فهذا الحديث يبين أن لإنسان أن يدفع عن نفسه وماله ولا شىء عليه، فإنه إذا كان شهيدا إذا قتل فى ذلك فلا قود عليه ولا دية إذا كان هو القاتل.
وأقول لصاحب السؤال: ما دام اللص المعتدى هرب عند حضور الناس الذين استغاث بهم فلا يجوز له قتله، لأنه لم يقاتله بل كان مجردا من السلاح فى الظاهر وعليه فى هذه الحالة تبعات القتل.
يقول الخطيب فى كتابه "الإقناع ج ٢ ص ٢٤٢": ويدفع الصائل بالأخف فالأخف إن أمكن، فإن أمكن دفعه بكلام أو استغاثة حرم الدفع بالضرب، أو بضرب يد حرم بسوط أو بسوط حرم بعصا، أو بعصا حرم بقطع عضو، أو بقطع عضو حرم قتل، لأن ذلك جوز للضرورة.
ولا ضرورة فى الأثقل مع إمكان تحصيل المقصود بالأسهل.
وفائدة هذا الترتيب أنه متى خالف وعدل إلى رتبة مع إمكان الاكتفاء بما دونها ضَمِنَ ويستثنى من الترتيب ما لو كان الصائل يندفع بالسوط والعصا والمصول عليه لا يجد إلا السيف فالصحيح أن له الضرب به، لأنه لا يمكنه الدفع إلا به، وليس بمقصر فى ترك استصحاب السوط ونحوه. وعلى هذا الترتيب إن أمكن المصول عليه هرب أو التجأ لحصن أو جماعة فالمذهب وجوبه وتحريم القتال، لأنه مأمور بتخليص نفسه بالأهون فالأهون، وما ذكر أسهل من غيره فلا يعدل إلى الأشد
стр. 4906
الوعد والعهد
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل هناك فرق بين الوعد والعهد، وهل يجب الوفاء بهما أو يندب؟
الجواب
جاء ذكر الوعد والعهد كثيرا فى القرآن والسنة. قال تعالى ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم فى الأرض كما استخلف الذين من قبلهم﴾ النور: ٥٥، وقال: ﴿وقال الشيطان لما قضى الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم﴾ إبراهيم: ٢٢، وقال ﴿وأوفوا بعهدى أوف بعهدكم﴾ البقرة: ٤٠، وقال ﴿وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا﴾ الإسراء: ٣٤.
وقال ﷺ آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان " رواه البخارى ومسلم.
وقال " أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر " رواه البخارى ومسلم.
الوعد التزام بتحقيق شىء للغير سواء كان ذلك ابتداء من الشخص دون طلب من الغير أو كان بطلب منه، والعهد له معان متعددة فى اللغة، ومنه الوعد الموثق بالأيمان أو بغيرها، وقد يكون بمعنى الأمر والإلزام للغير كما قال تعالى ﴿ألم أعهد إليكم يا بنى آدم ألا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين﴾ يس: ٦٠.
قال العلماء الوفاء بالعهد واجب، لخطورة الغدر به، أما الوفاء بالوعد فقيل بوجوبه وقيل بندبه، وقيل بندبه إن كان من طرف واحد، أى ابتداء من الشخص نفسه. وبوجوبه إن طلب من الغير.
قال ابن حجر فى " فتح البارى ج ٥ص ٣٤٢" قال المهلب: إنجاز الوعد مأمور به، مندوب إليه عند الجميع وليس بفرض، وعن بعض المالكية إن ارتبط الوعد بسبب وجب الوفاء به، وإلا فلا، فمن قال لآخر: تزوج ولك كذا، فتزوج لذلك وجب الوفاء به. وخرَّج بعضهم الخلاف على أن الهبة هل تملك بالقبض أو قبله. وقرأت بخط أبى ﵀ فى إشكالات على "الأذكار للنووى " ولم يذكر جوابا عن الآية، يعنى قوله تعالى ﴿كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون﴾ الصف: ٣، وحديث " آية المنافق. . . ".
قال: والدلالة للوجوب منها قوية، فكيف حملوه على كراهة التنزيه مع الوعيد الشديد؟ وينظر: هل يمكن أن يقال: يحرم الإخلاف ولا يجب الوفاء؟ أى يأثم بالإخلاف وإن كان لا يلزم بوفاء ذلك. انتهى ما نقلته عن فتح البارى.
والغزالى فى الإحياء "ج ٣ ص ١١٥" بعد أن ذكر نصوصا فى فضل الوفاء بالوعد قال: كان ابن مسعود لا يعد وعدا إلا ويقول: إن شاء الله، وهو الأولى، وإذا فهم الجزم فى الوعد فلابد من الوفاء إلا أن يتعذر، فإن كان عند الوعد عازما على ألا يفى فهذا هو النفاق. وبعد ذكر خصال المنافق الواردة فى الحديث قال: هذا ينزل على من وعد وهو على عزم الخلف، أو ترك الوفاء من غير عذر، أما من عزم على الوفاء فعنَّ له عذر منعه من الوفاء لم يكن منافقا وإن جرى عليه ما هو صورة النفاق، ولكن ينبغى أن يحترز من صورة النفاق أيضا كما يحترز من حقيقته، ولا ينبغى أن يجعل نفسه معذورا من غير ضرورة حاجزة، وذكر حديثا يقول "ليس الخلف أن يعد الرجل الرجل وفى نيته أن يفى" وفى لفظ آخر "إذا وعد الرجل أخاه وفى نيته أن يفى فلم يجد فلا إثم عليه " رواه أبو داود والترمذى وضعفه من حديث زيد بن أرقم باللفظ الثانى. انتهى.
من هذا نرى أن الوفاء بالعهد واجب. وأن الوفاء بالوعد واجب أو مندوب ما لم يكن فى نيته عدم الوفاء، فإن كان فى نيته عدم الوفاء كان خلفا للوعد ومن علامات النفاق
стр. 4907
أفغانستان
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم الدين فى القتال الدائر الآن بين المسلمين فى أفغانستان؟
الجواب
من المعلوم أن الله سبحانه حرَّم العدوان بكل صوره وأشكاله، فكل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه بل إن غير المسلمين لهم حرماتهم ما داموا مسالمين، ونهى عن كل ما يفرق بين الجماعة، ودعا إلى الصلح والرحمة والتعاون وكل الوسائل التى تقوى شوكة المسلمين، وتبعد عنهم أطماع الآخرين، والنصوص فى ذلك كثيرة.
وأفغانستان دولة مسلمة لها تاريخ مجيد وماض مشرق، ولكنها نكبت كما نكب غيرها من الدول الإسلامية بالاستعمار، وجاهدت ببسالة حتى استردت حريتها، وكان الواجب على المجاهدين أن يشكروا الله على النعمة فيوحدوا صفوفهم لإصلاح ما فسد ولتنمية بلادهم فى ظل الحرية والأمان ولكن الذى حدث أنهم تفرقوا وتقاتلوا من أجل الوصول إلى كرسى الحكم. والشعب يعانى بسبب هذا التنازع أضعاف ما كان يعانيه فى ظل الاستعمار وما ذلك إلا نتيجة للبعد عن تعاليم الدين الداعية إلى - إيثار الباقية على الفانية، والتضحية بالمصلحة الخاصة فى سبيل المصلحة العامة. وبخاصة فى هذه الظروف التى تتنمر فيها الذئاب للفتك بالضحايا الهزيلة المتناحرة وصدق الله العظيم إذ يقول ﴿قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض﴾ الأنعام: ٦٥.
إن علاج هذه المشكلة موجود فى قوله تعالى: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فان بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التى تبغى حتى تفىء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين﴾ الحجرات: ٩.
وقد قام المسلمون الغيورون على الإسلام بتوجيه النصح للمتقاتلين حتى يصطلحوا فلم يستجيبوا، والخطوة التالية-كما تنص الآية-هى التدخل الفعلى لوقف القتال وذلك برد الفئة الباغية حتى ترضى بالصلح الذى يراعى العدل بين الطائفتين اللتين تزعم كل منهما أن لها الحق فى تولى السلطة وأنها الفئة المجنى عليها.
وهذه الخطوة-يحكم الأوضاع الحالية -يصعب القيام بها لأمور، من أهمها:
١ - أن الدول الإسلامية ليست لها رابطة واحدة تضم شملها وترعى مصالحها. فى شكل خلافة أو اتحاد أو جامعة أو ما شاكل ذلك من النظم الحديثة.
٢ - أن هناك اتفاقات دولية، تمنع التدخل العسكرى بوجه خاص فى شئون أية دولة دون موافقتها، ومخالفة ذلك فيها خطورة كبيرة كما هو معروف.
وإذا كان التدخل العسكرى الذى تتضمنه الآية صعبا فلا يجوز السكوت والاستسلام لهذا الوضع. فالتراخى أو عدم المبالاة بما يحدث للمسلمين منهى عنه، وفيه مزيد ضعف يتيح الفرصة للعدو أن يتدخل لمصلحته هو لا لمصلحة المسلمين. والله يقول ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾ الأنفال: ٢٥.
والحد الأدنى للتدخل الواجب على المسلمين هو مواصلة النصح بوقف القتال وعدم التشجيع على استمراره الذى يتم بوسائل يعرفها من يصطادون فى الماء العكر ولعل الله يهدى الجميع إلى سواء السبيل
стр. 4908
البوسنة والهرسك
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
كيف يسكت المسلمون على ما يجرى فى البوسنة والهرسك من اضطهاد للمسلمين ومحاولة تصفيتهم؟
الجواب
من المعروف أن كراهية أوروبا بالذات للمسلمين كراهية تقليدية، والتاريخ لا ينسى طردهم من الأندلس التى كان لها الفضل فى نهضة أوروبا كما شهد المنصفون كما لا ينسى الحروب الصليبية ضد الإسلام والشرق، ولا ينسى حملات الشيوعيين وغيرهم ضد الأديان بوجه عام، وضد المسلمين بوجه خاص، ولا ينسى الاستعمار الذى تولى كبره دول أوروبا وأعلن كبار قادتها أن العقبة الكؤود فى طريق الاستعمار هو الإسلام بقراَنه وأزهره القائم على عراقة الدين ونشره فى كل مكان. والدول فى شبه جزيرة البلقان بالذات لا تنسى عظمة الخلافة العثمانية والوصول بفتوحاتها إلى حدود النمسا، ووجود كثير من المسلمين فى هذه المنطقة، ومن هذه العقدة كانت معاملتها للمسلمين فهى تريد تصفية قومياتهم ودولهم وطردهم من أوطانهم التى عاشوا فيها عدة قرون.
والعالم كله يشهد تواطؤ أوروبا وغيرها على المسلمين فى البوسنة والهرسك الذين يقاومون الأعداء للاحتفاظ بشخصيتهم الدينية وللاحتفاظ بحقوقهم التى تكفلها الأديان والأعراف والقوانين. وقد طال الأمد ولم تحل مشكلتهم، وهنا قامت الصيحات والتهبت المشاعر واحتدت العواطف من اجل مساعدتهم، وفى غمرة هذا الحماس الذى يؤكد اهتمام المسلمين بما يحدث لإخوانهم قد يغفل العقل وتنسى العقبات الموضوعة فى الطريق وتقدم اقتراحات لو نفذت لازداد الخطر لا على المستغيثين وحدهم بل أيضا على من يغيثون.
إن هناك معاهدات واتفاقات دولية تمنع تدخل أية دولة فى شئون دولة أخرى بدون موافقتها، بل بدون موافقة الأمم المتحدة، وبخاصة إذا كان التدخل عسكريا.
وإذا كان هذا التنظيم الدولى أمرا جديدا فإن الإسلام نفسه يقره تحت مظلة العدل والسلام واحترام الحقوق الإنسانية، وبيان ذلك:
أن الإسلام عندما أمر بهجرة المسلمين من مكة إلى المدينة حفاظا على عقيدتهم نعى بشدة على المتخلفين عن الهجرة بدون عذر، فقال الله تعالى ﴿إن الذين توفاهم الملائكة ظالمى أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين فى الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا﴾ النساء: ٩٧، وبيَّن أن الولاية قد انقطعت بين من هاجروا ومن لم يهاجروا، لكن عند الاستعانة بهم تجب المعونة بشرط ألا يكون فيها نقض لمعاهدة مع الطرف الذى ألجأ غير المهاجرين إلى الاستغاثة بالمهاجرين قال تعالى ﴿إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم فى سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شىء حتى يهاجروا. وإن استنصروكم فى الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير﴾ الأنفال: ٧٢.
وقد حافظ الرسول ﷺ على الوفاء بالعهود مع العدو فى هذه الصورة وغيرها فقد كان فى صلح الحديبية بين الرسول والمشركين من أهل مكة أن من أسلم منهم والتجأ إلى الرسول لا يقبله بل يرده إلى أهله، وأن من ارتد من المسلمين والتجأ إلى مكة لا يرد إلى المدينة. وبغض النظر عما أبداه بعض المسلمين نحو هذا الشرط مضى الرسول فى تنفيذه، فعندما أسلم فى مكة أبو جندل حبسه وقيده والده سهيل بن عمرو، فهرب من حبسه والتجأ إلى الرسول ﷺ وهو ما يزال فى الحديبية، فلم يقبله ولكن قال له "اصبر واحتسب فإنا لا نغدر، وإن الله جاعل لك فرجا ومخرجا ".
وعندما خرج أبو بصير من مكة مسلما وتوجه إلى المدينة لم يقبله الرسول ﷺ وبين له أن الدين لا يصلح فيه الغدر كما فعل مع أبى جندل، ولم يرجع إلى مكة وأفلت ممن كانوا يتعقبونه، ثم رجا من الرسول أن يقبله فأبى وقال "ويل أمه مسعر حرب لو كان معه أحد ينصره " فكوَّن مع أبى جندل وغيره من المسلمين الفارين من مكة جماعة اعترضت طريق القوافل التجارية لأهل مكة، فألحت قريش على النبى ﷺ ليقبلهم فقبلهم.
[انظر الزرقانى على المواهب اللدنية "ج ٢ ص ٢٠٢" والمغنى لابن قدامة "ج ١٠ ص ٥٢٥ "] .
وإذا كانت النصرة بالتدخل العسكرى والخروج على الاتفاقات الدولية صعبا بالنسبة للمسلمين فى البوسنة والهرسك وغيرهم فإن النصرة بالوسائل الأخرى المتاحة واجبة وذلك بمثل الإمداد بالغذاء والكساء والسلاح والدواء وإيواء المهاجرين وعلاج المرضى والنشاط الدبلوماسى وغير ذلك من الوسائل.
يقول القرطبى فى تفسيره "ج ٨ ص ٥٧" ما نصه: قوله تعالى ﴿وإن استنصروكم فى الدين﴾ يريد: إن دعوا هؤلاء المؤمنون الذين لم يهاجروا من ارض الحرب عونكم بنفير-جيش أو مال لاستنقاذهم فأعينوهم، فذلك فرض عليكم فلا تخذلوهم،إلا لم أن يستنصروكم على قوم كفار بينكم وبينهم ميثاق فلا تنصروهم عليهم ولا تنقضوا العهد حتى تتم مدته.
ابن العربى - أى قال ابن العربى -: إلا أن يكونوا "أسراء" مستضعفين فإن الولاية معهم قائمة والنصرة لهم واجبة حتى لا تبقى منا عين تطرف حتى تخرج إلى استنقاذهم إن كان عددنا يحتمل ذلك، أو نبذل جميع أموالنا فى استخراجهم حتى لا يبقى لأحد درهم، كذلك قال مالك وجميع العلماء، فإنا لله وإنا إليه راجعون على ما حل بالخلق فى تركهم إخوانهم فى أسر العدو وبأيديهم خزائن الأموال وفضول الأحوال والقدرة والعدد والقوة والجلد. انتهى.
والخلاصة أن نصر المسلمين لإخوانهم فى البوسنة والهرسك وفى غير هذه البلاد مطلوب بالوسائل الممكنة التى لا تتعارض مع عهود ومواثيق واتفاقات دولية، وأنبه إلى وجوب الاهتمام فى المقام الأول بإصلاح حال المسلمين فيما بينهم جماعات ودولا حتى يكون هناك أثر لإصلاح حال المسلمين الذين يضطهدهم الأعداء فى بلاد غير إسلامية
стр. 4909
شكر النعمة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
يقول الله تعالى ﴿وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابى لشديد﴾ فكيف يكون الشكر وما المراد بالكفر فى هذه الآية؟
الجواب
هذه الآية من سورة إبراهيم: ٧، والشكر فى تحديد معناه وفى الصلة بينه وبين الحمد كلام كثير ذكره المفسرون، "القرطبى ج ١ ص ١٣٣، ٣٩٧ "كما ذكره علماء الأخلاق والتصوف "إحياء علوم الدين ج ٤ ص ٦٩" ونختار هنا ما صححه القرطبى من قوله: الشكر ثناء على المشكور بما أولى من الإحسان، والحمد ثناء على الممدوح بصفاته من غير سبق إحسان.
وشكر أى إنسان على نعمة أسداها إليه الغير مطلوب لحديث رواه أبو داود والنسائى وابن حبان وغيرهم "من أتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا فادعوا له حتى تعلموا أن قد كفيتموه، وشكر الله سبحانه واجب لكثرة نعمه علينا كما قال سبحانه: ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾ إبراهيم: ٣٤، ومن ضمن شكر الله شكر الإنسان، فمن لم يشكر الناس لم يشكر الله كما فى حديث الترمذى وأبى داود.
وأسلوب الشكر لله أو مظاهره تكون بالقول والعمل القائمين على الإيمان به، عبَّر عنه بعضهم بقوله: استخدام نعم الله فيما خلقت له وعدم تعطيلها أو استخدامها فى معصية الله، وقد وعد الله الشاكرين بحفظ النعمة بل بزيادتها، زيادة مادية بكثرتها أو معنوية بالبركة فيها.
كما نهى الله عن الكفر أى عدم الاعتراف بالنعمة، ومنه ما جاء فى الحديث عن النساء من أنهن يكفرن العشير، إن أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك سوءا تقول: ما رأيت منك خيرا قط، والكفر بنعمة الله إما كفر به سبحانه وعدم الإيمان به، وإما عدم اعتراف بنعمه أو استخدامها فى معصيته. والعقاب عليه شديد كما نصت عليه الآية.
وعلى قمة الشاكرين لله الأنبياء والأولياء وعلى رأس هؤلاء جميعا سيدنا محمد ﷺ فعند قول الله تعالى ﴿وقليل من عبادى الشكور﴾ سبأ: ١٣، ذكر القرطبى حديثا رواه مسلم عن عائشة رضى الله عنها أن رسول الله ﷺ كان يقوم من الليل حتى تفطَّر قدماه، أى تتشقق، فقلت له: أتصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: "أفلا أكون عبدا شكورا" ولا ننسى فى هذا المقام قول سليمان ﵇ لما جاء له عرش بلقيس ملكة سبأ ﴿هذا من فضل ربى ليبلونى أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربى غنى كريم﴾ النمل: ٤٠.
ومن الأحاديث التى تحذر من كفران النعمة ما رواه ابن أبى الدنيا والطبرانى وغيرهما عن عائشة مرفوعا، "ما عظمت نعمة الله على عبد إلا اشتدت إليه مؤونة الناس. ومن لم يحمل تلك المؤونة للناس فقد عرَّض تلك النعمة للزوال " وما رواه الطبرانى بإسناد جيد عن ابن عباس مرفوعا "ما من عبد أنعم الله عليه نعمة فأسبغها عليه ثم جعل من حوائج الناس إليه فتبرم فقد عرض تلك النعمة للزوال " وما رواه ابن أبى الدنيا والطبرانى فى الكبير والأوسط عن ابن عمر مرفوعا "إن لله أقواما اختصهم بالنعم لمنافع العباد، يقرهم فيها ما بذلوها، فإذا منعوها نزعها منهم فحولها إلى غيرهم " ولو قيل بتحسين هذا الحديث لكان ممكنا. وقد جاء هذا الحديث أيضا بلفظ "إن لله خلقا خلقهم لحوائج الناس، يفرغ الناس إليهم فى حوائجهم، أولئك الآمنون من عذاب الله " ويمكن الرجوع فى هذه الأحاديث إلى "الترغيب والترهيب للحافظ المنذرى ج ٣ ص ١٦٢ وغيره من مراجع الحديث
стр. 4910
من أساليب التبشير
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
نرى أصحاب الأديان الأخرى يسلكون طرقا شتى لنشر دينهم لا ينتبه إليها المسلمون فهل يجوز أن نسلك فى دعوتنا إلى الإسلام مثل مسالكهم؟
الجواب
الدعوة إلى الدين وإلى كل عمل خيرى تحتاج إلى الأسلوب الصحيح القائم على دراسة علم النفس والنظريات التربوية ووسائلَ التأثير والإقناع، والتخطيط السليم لكل حركة تتخذ فى هذا المجال ويجمع ذلك كله كلمة "الحكمة" التى تقوم على وضع كل شىء فى موضعه ﴿ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا﴾ البقرة: ٢٦٩، يقول الله تعالى لنبيه محمد ﷺ ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن﴾ النحل: ١٢٥.
وقد وضِّح علماء الإسلام معنى الحكمة فى الدعوة ووضعت كتب كثيرة فى بيان المنهج لنشر الدين وتعاليمه، أشرت إلى شىء من ذلك فى كتابى "الدين العالمى ومنهج الدعوة إليه " وكتابى "الدعوة الإسلامية دعوة عالمية".
والكتابات العربية والإسلامية فيها الكفاية للتعرف على ذلك، ولكن هذا لا يمنع أن نستفيد من خبرات غيرنا فى هذا الميدان، ومبدأ الاستفادة مما عند الغير فيما هو مفيد مبدأ مسلَّم به، وتطبيقاته كثيرة لا يتسع المقام لذكرها.
ولقد عثرت على كتاب بعنوان "الغارة على العالم الإسلامى" لمؤلفه " ل:
شاتلييه " تحدث فيه عن خطط التبشير التى يوجد بعضها فى كتاب للقسيس "فليمينغ " الأمريكى فى الفصل الأول والثانى، ومما جاء فيه عن هذه الخطط ما يأتى:
١ -نشر اللغات الأوروبية، فعن طريقها يقرأ المسلمون أفكار الغرب فتهدم الفكرة الإسلامية التى لم تحفظ كيانها وقوتها إلا بعزلتها وانفرادها وهذا طريق غير مباشر لزحزحة العقيدة الإسلامية من نفوس المسلمين.
يقول: "شاتلييه، ولا شك أن إرساليات التبشير تعجز عن أن تزحزح العقيدة من نفوس المسلمين، ولا يتم لها ذلك إلا بتسرب الأفكار الغربية عن طريق اللغة، وهنا تقرأ الصحف وتمهد السبل لتقدم إسلامى مادى.
٢ - يكتفون بانحلال الروح الدينية، ولا يطمعون مباشرة فى إحلال فكرة بدلها، فسيأتى ذلك حتما بعد الفراغ الروحى أو تخلخل العقيدة الأولى.
وعدم فرض العقيدة إلا بعد الاطمئنان على تهيؤ النفس لها، ومحاولة عدم النزاع مع المسلم.
٣-خطتهم لها أساسان: الهدم والبناء، أو التحليل والتركيب.
٤ - الظهور بمظهر الوحدة والتعاون بين البروتستانت والكاثوليك.
لأن عقلاء المسلمين يرون فى اختلافهم طعنا فى جهودهم، ولا يهتمون بأفكارهم الدينية، بل يقتصرون على اقتباس الحضارة والأفكار الأخرى.
٥ - تخصيص مبشِّرين مناسبين للمسلمين، وآخرين للوثنيين.
٦ -استعمال الموسيقى لأنها تطرب المسلمين، وإلقاء الخطب بأصوات رخيمة وبفصاحة.
٧-تأسيس مصحات للقاء بالمرضى المسلمين، وملازمة المريض خصوصا عند الاحتضار كما أوصى "سمبسون " ومن وصية الدكتور "أراهارس " المبشر بطرابلس الشام أن الطبيب لا يجوز أن ينسى أنه مبشر أولا ثم طبيب ثانيا.
٨-تعلم لهجات المسلمين، وذلك للتغلغل مع كل طبقاتهم ومستوياتهم.
٩ -دراسة القرآن لمعرفة ما فيه والرد عليه أو نقده.
١٠ -مخاطبتهم على قدر عقولهم ورخامة الصوت وفصاحة اللسان.
١١ - عدم تخلل الخطابة لكلمات أجنبية عنهم لا يفهمونها فلا تصل إليهم الأفكار كاملة، وقد تثير الشك فى نفوسهم،أو تصرفهم عنهم.
١٢ - أهمية اختيار الموضوعات التى يتحدثون فيها، بحيث تكون منتزعة من واقع ظروفهم. واستغلالها لبث الفكر المطلوب الذى يشد انتباههم، وحتى لا يكونوا فى واد وهم فى واد آخر.
١٣ - التنبه لموضع المناقشات فى آيات القراَن والإنجيل.
١٤ -الخبرة بالنفس الشرقية. والاعتماد على التشبيه والتمثيل ووسائل الإيضاح أكثر من المنطق الذى لا يعرفه الشرقيون.
١٥ -إنشاء مدرسة لتخريج المبشرين فى مصر، وهم يحمدون الله لتوفيقهم لاختيار مصر.
١٦ - الاهتمام بتجنيد النساء فى الطب، لعدم خوف المسلمين منهن كما يخافون من الرجال.
١٧ -عرقلة جهود الأزهر فى بعثة العلماء إلى أفريقيا، وتعليمه الوافدين والإنفاق عليهم وعودتهم إلى بلادهم ثانية، لأن الإسلام ينمو بلا انقطاع فى أفريقيا، ومن عرقلة جهوده فتح مدارس وجامعات لتعليم اللغة العربية والدراسة الإسلامية على منهجهم وبأفكارهم.
١٨ - الاهتمام بتربية مبشرين علمانيين من بين المسلمين لينصِّروا غيرهم، لأن الشجرة يجب أن يقطعها أحد أصحابها كما قال "زويمر" فى كتابه "العالم الإسلامى".
٩ ١ -رسم خطة لتنصير العالم كله فى ٢٥ سنة " ص ٢٣٥".
٢٠ - التذرع بالصبر الطويل والثقة بالفوز.
٢١ - عمل صداقات واحتكاكات مع المسلمين، والظهور بمظهر المحب للخير لهم ولاستقلال لبلادهم، وعن طريق ذلك يكون الإعجاب بالفكرة التى تلقى عرضا.
٢٢- التحدث إلى الشبان فى التاريخ والأخلاق والاجتماع بعيدا عن الدين، ليجذبوهم إليهم، لأن أية طريقة لها صبغة دينية مصيرها الفشل.
٢٣ - الاهتمام بتأليف جمعيات للتقريب بين الطرفين لتنمية روح التفاهم الإنسانى.
٢٤ - التجاوز عن بعض عادات المسلمين كتعدد الزوجات.
٢٥ -الموازنة بين حياة الأمم النصرانية وأخلاقها، ومقابلها عند الأمم الإسلامية ليظهر ترجيح النصارى عليهم.
٢٦ - ظهور المبشر بأخلاق طيبة، لأنه صورة للمسيح فيجذب المسلم إليه.
٢٧ - نشر الإنجيل مترجما وكذلك الكتب الدينية، وفتح مكتبات للبيع بثمن زهيد، مع فرصة التحدث للمشترين.
هذا بعض ما نقلته من كتاب "الغارة على العالم الإسلامى" يمكن للدعاة المسلمين أن يستفيدوا منه فى إطار العقيدة والقيم الإسلامية.
وأكثر ما جاء من هذا التخطيط تشهد له النصوص وتقره فلسفة التربية.
وكتب عنه علماء الدين
стр. 4911
الدين والسياسة
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
يردد كثير من المعاصرين هذه المقولة: لا دين فى السياسة ولا سياسة فى الدين، فما مدى صحة هذه المقولة؟
الجواب
إذا أردنا أن نعقد صلة بين أمرين فلابد من تحديد المراد من كل منهما تحديدا دقيقا، حتى يكون الاختلاف فى الحكم واردا على موضوع واحد، وقد بينا فى ص ١١٤ من الجزء الأول من "بيان للناس " مفهوم الدين وما يراد به، وقلنا: إنه وضع إلهى شرع لإسعاد الناس فى معاشهم ومعادهم، أى فى دنياهم وأخراهم، وهو المراد بالهدى الذى نبه الله سبحانه آدم على أهميته حين أهبطه إلى الأرض ليكون خليفة فيها فقال ﴿اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم منى هدى فمن اتبع هداى فلا يضل ولا يشقى. ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى﴾ طه: ١٢٣، ١٢٤.
وإسعاد الناس فى أخراهم يكون بما جاء فى قوله تعالى: ﴿فمن زُحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز﴾ آل عمران: ١٨٥، وإسعادهم فى دنياهم يكون بتوفية مطالبهم المادية والروحية، بحيث لا يضلون ولا يشقون.
ودين الإسلام هو خاتمة الأديان جميعا، فيه كل ما يحقق السعادة فى كل القطاعات، بما جاء به من عقيدة صحيحة ومن شريعة كاملة وافية ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا﴾ المائدة: ٣، نظم علاقة الإنسان بربه وبنفسه وبأسرته وبمجتمعه، ونظَم العلاقة بين الحاكم والمحكوم وبين الجماعات والدول، وذلك من كل النواحى السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية والثقافية وغيرها، "انظر ص ٤٥٢ من المجلد الثانى من هذه الفتاوى".
والسياسة فى أصلها فن الإدارة والرعاية، وأطلقت عرفا على سياسة الحاكم لرعيته، عن طريق الأجهزة المختلفة، التشريعية منها والتنفيذية والقضائية وغيرها وما يستلزم ذلك من دستور وقوانين، ومجالس وإدارات وما إليها.
والدين الإسلامى فيه كل ذلك، وكتب الفقه العام عقدت أبوابا وفصولا لمعالجتها كلها. وهى مملوءة بالأدلة والنصوص والآراء الاجتهادية، بل وضعت كتب خاصة بنظام الحكم من أقدمها كتاب "الأحكام السلطانية والولايات الدينية" للماوردى المتوفى سنة ٤٥٠ هـ و"الأحكام السلطانية" للقاضى أبى يعلى الفراء الحنبلى، و "السياسة الشرعية فى إصلاح الراعى والراعية" لابن تيمية، والدولة الإسلامية قامت على أساس هذا الدين بنظامه الشامل لأمور الدنيا والآخرة على السواء، وكان الرسول ﷺ مبلّغا للوحى ومشرعا وإماما فى الصلاة وقاضيا بين الناس وقائدا للجيش، والخلفاء من بعده كانوا كذلك، وسار الحكام على هذه السياسة بأنفسهم أو بمن ينوبون عنهم، وبهذا التكامل فى التشريع والدقة فى التطبيق كانوا أعظم دولة خطبت ودها الدول الأخرى، وقبست من علومها وحضارتها ما طورت به حياتها حتى بلغت شأوا بعيدا فى القوة.
ذلك كله فى الوقت الذى لم يقم فيه دين غير الإسلام بما قام به من تطور ونهوض، لما توارثه أهل هذه الأديان من فصل بين الدين والسياسة، وإعطاء ما لقيصر لقيصر وما لله لله، ومن احتكار بعض رجالها لسلطة التشريع، ورقابة التنفيذ بما لا يخرج عن سائرة الكتاب المقدس، الذى يرغب فى الزهد والانزواء عن الدنيا، الأمر الذى جعل بعض المتحررين المتأثرين بثقافة المسلمين وحضارتهم يثورون على الأوضاع التى يعيشون فى ظلها مقيدة أفكارهم مغلولة أيديهم، فكانت النهضة التى فصلت الدين عن الدولة، وانطلقت أوروبا إلى العالم الواسع تصول فيه وتجول بحرية كاملة فى كل الميادين وسيطر عليها هذا الشعار "لا سياسة فى الدين ولا دين فى السياسة" ونقله بعض الشرقيين إلى بلادهم، وحاولوا أن يطبقوه لينهضوا كما نهض هؤلاء، على جهل منهم، بأن هذا الشعار أملته ظروف من نادوا به، والجو الدينى الذى كانوا يعيشون فيه، وعدم إسعاف تشريعاتهم الدينية بتحقيق سعادتهم، وكذلك على جهل ممن قلدوهم بأن الدين الإسلامى ليس كالدين الذى ثاروا عليه، قاصرا عن الوفاء بمطالبهم بل هو دين كامل التشريع مثالى فى كل ما وضعه من قوانين لإسعاد الناس من دنياهم وأخراهم.
ومن هنا سمعنا هذه المقولة "لا سياسة فى الدين ولا دين فى السياسة" يرددها كثير من الكُتَّاب والساسة والمنادين بالإصلاح. وهو شعار لا يصلح فى المجتمعات التى تدين بالإسلام وقد قرر كُتَّاب الغرب أن الإسلام دين وعولة،، فقال "شاخت " فى دائرة معارف العلوم الاجتماعية: ليس الإسلام مجرد دين، بل إنه نظام فكرى اجتماعى يشمل الدين والدنيا جميعا. تراث الإنسانية-ج ٥ص ١٧.
هذا، إذا أردنا بالسياسة فن الإدارة والحكم، الذى يحقق للمجتمع خيرى الدنيا والآخرة.
وكذلك تكون صادقة إذا أريد بها: عدم استغلال الدين للوصول إلى الحكم، فإذا تحقق ذلك طرح الدين لأنه أدى مهمته وانتهى.
فذلك نفاق لا يرضاه أى دين.
أما إذا أريد بهذا الشعار حرمان المتدينين من ممارسة حقوقهم السياسية، فذلك مرفوض، وكذلك إذا أريد به عدم تقيد نظام الحكم بمبادئ الدين فهو مرفوض أيضا، انظر توضيح ذلك عند الكلام على دور الشريعة الإسلامية فى تحقيق أهداف المجتمع. "ص ٣٨٠ ج ٢ - من كتاب بيان للناس " الكلام عن العلمانية، "ص ٤٥٢ من المجلد الثانى من هذه الفتاوى".
هذا، وقد ذكر المقريزى فى خططه أن السياسة كلمة مغولية أصلها"ياسة" وأصل نشأتها أن جنكيز خان التترى لما غلب الملك أونك خان وصارت له دولة، قرر قواعد وعقوبات فى كتاب سماه "ياسة" وجعله شريعة لقومه وتدوول من بعده، وكان لا يدين بدين ولما انتشر ملك أولاده وأسر عدد منهم فى الدفاع عن دولتهم وبيعوا فكان منهم دولة المماليك بمصر، ولشدة مهابة الأمراء للمغول وياستهم حافظوا على تنفيذ هذه "الياسة" فوكلوا إلى قاضى الشريعة العبادات والأحوال الشخصية، وأما هم وعاداتهم فكانت على مقتضى الياسة ونصبوا الحاجب ليقضى بينهم فيما اختلفوا فيه، وجعلوا إليه النظر فى قضايا الدواوين السلطانية عند الاختلاف فى أمور الإقطاعيات، فشرعوا فى الديوان ما لم يأذن به الله. . . إلى أن قال: هذا وكان الوازع الديني موجودا، فلما قلَّ الحياء وضعف الدين طغت السياسة وأحكامها وانزوى الدين وأهله، ج ٢ ص ٣٥٩.
هذا رأيه فى السياسة وهو يؤيد أنها نظام لا يلتزم بالدين، وضعه قوم لا يعترفون به
стр. 4912
الذهب بين الرجال والنساء
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
نسمع بعض الناس يقولون الذهب حرام للنساء فهل هذا صحيح؟
الجواب
روى أبو داود والنسائى أن النبى ﷺ أخذ حريرا فجعله فى يمينه، وذهبا فجعله فى شماله ثم قال "إن هذين حرام على ذكور أمتى" ويفهم منه أنهما حلالان للنساء وجاء مصرحا بذلك فى رواية الترمذى لحديث قال إنه حسن صحيح "حرم لباس الحرير والذهب على ذكور أمتى وأحل لإناثهم " لكن وردت أحاديث يفهم من ظاهرها أن الذهب حرام أيضا على النساء، منها ما رواه أبو داود والنسائى بإسناد جيد "أيما امرأة تقلدت قلادة من ذهب قلدت فى عنقها مثلها فى النار يوم القيامة، وأيما امرأة جعلت فى أذنها خرصا - بصم الخاء وكسرها-من ذهب جعل فى أذنها مثله من النار" وما رواه النسائى بإسناد صحيح أن هند بنت هبيرة جاءت إلى النبى ﷺ وفى يدها فتخ من ذهب -أى خواتم ضخمة-فجعل الرسول يضرب يدها، فدخلت على فاطمة تشكو إليها الذى صنع بها رسول الله، فانتزعت فاطمة سلسة فى عنقها من ذهب قالت: هذه أهداها أبو حسن، فدخل رسول الله ﷺ فقال لها "أيغرك أن يقول الناس: ابنة رسول الله، وفى يدك السلسلة من نار"؟ ثم خرج ولم يقعد، فأرسلت فاطمة السلسلة إلى السوق فباعتها واشترت بثمنها غلاما فأعتقته، فحدث بذلك النبى فقال "الحمد الذى أنجى فاطمة من النار".
بل جاءت أحاديث تحرم الفضة أيضا على النساء، منها ما رواه أبو داود والدار قطنى: بمعناه أن النبى ﷺ رأى فى يدى عائشة فتخات من ورق - فضة - تتزين بها، فسألها "هل تؤدين زكاتها"؟ فقالت: لا، قال "هى حسبك من النار".
قال العلماء: لأن درجات الأحاديث تكاد تكون واحدة فى القوة: إما أن يكون الحلُ ناسخا للحرمة. أو أن التحريم فى حق من لم تؤد زكاة الحُلى، لأن بعض الفقهاء أوجب الزكاة فى الحلى مطلقا، لكن بعضهم أوجبها فيما كان زائدا على عادة الأمثال، بدليل "فتخات " وهى ضخام، وإما أن يكون التحريم فى حق من تفاخرت به، أو التهت عن الواجبات، وذلك للتصريح بالإظهار فى بعض الروايات، والحديث "شغلهن الأحمران، الذهب والحرير" رواه أبو الشيخ ابن حبان وغيره، وحديث ابن حبان " ويل للنساء من الأحمرين: الذهب والمعصفر". "الترغيب والترهيب للحافظ المنذرى ج ١ ص ٢١٨" ويراجع ما فى صفحة ٨٧ من المجلد الخامس من هذه الفتاوى
стр. 4913
الإسلام والتطور
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
يتهم بعض الناس الإسلام بأنه دين قديم لا يصلح للعصر، وذلك من واقع النداءات التى تدعو؟ إلى القديم وتقاطع الجديد، فكيف نرد على هذا الاتهام؟
الجواب
مبدئيا نقول: من الخطأ أن يُحكم على المبدأ من سلوك من يمارسونه، فقد تكون الممارسة خطأ والمبدأ صحيحا، ومن هذا المنفذ وجه الأعداء تهما كثيرة إلى الدين الإسلامى بناء على حال من يمارسونه فى هذه الأيام بالذات وكثير ممن ينتسبون إلى الإسلام يهملون تعاليمه أو يتمسكون بقشور ليست من صميم الدين كما هو حاصل فى هذه الأيام من الحملة الشرسة على الإسلام من واقع سلوك المنحرفين الذين يتورطون فى أخطاء جسيمة باسم الدين.
وإذا أُريد الحكم على المبدأ من واقع تطبيقه فليكن ذلك ممن طبقوه تطبيقا صحيحا، فالإسلام وهو الدين الحق لإخراج الناس من الظلمات إلى النور- فهمه الأولون فهما صحيحًا وطبقوه تطبيقا صحيحًا فكان لهم السلطان والقوة وتحقق فيهم وعد الله لمن آمن واعتنق الإسلام وطبقه بصدق، والتاريخ شاهد على ذلك، وفى هذا يقول الله سبحانه ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم فى الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذى ارتضى لهم وليبدِّلنهم من بعد خوفهم أمنا﴾ النور: ٥٥.
إن الدين الإسلامى خاتمة الأديان ورسوله خاتم الرسل، فلا بد أن يكون صالحًا لكل زمان ومكان، وليس من رحمة الله أن يترك عباده بدون رسالة حتى تقوم الساعة، ومن هنا جاء الإسلام وفيه كل العناصر والمقومات التى تتجاوب مع التطور تحت ظل القيم والثوابت التى لا تتغير بتغير البيئات والعصور.
إن التطور نزعة فطرية تقوم على الانتقال من حال إلى حال أحسن. وهذه النزعة هى سر الحركة والنزوع إلى الكمال المادى والأدبى، والأديان بوجه عام تقر هذه النزعة لأنها أمر حتمى لا يمكن التمرد عليه، ومهمة الأديان هى التوجيه والإرشاد، والأديان نفسها من ظواهر التطور، فقد كانت خاصة ينسخها الدين الذى يجئ بعدها، ثم كملت وصارت عامة بمجئ دين الإسلام.
ومن مظاهر موافقة الإسلام للتطور ما يأتى:
١ -أنه يدعو إلى الأخذ بالأحسن من كل شىء ﴿فبشر عباد. الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه﴾ الزمر: ١٧، ١٨، ولا يرضى عن القناعة بالدون ما دام الأفضل ميسرا، ففى الحديث "إن المؤمن لا يشبع من خير حتى يكون منتهاه الجنة" رواه الترمذى وحسنه.
٢ -أنه يمجد القوة فى كل شىء فى الماديات والروحانيات، ففى الحديث "المؤمن القوى خير وأحب إلى الله من المؤمن الضيعف. وفى كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز. رواه مسلم.
٣- حذَّر من الجمود على القديم إذا كان فاسدا ﴿وكذلك ما أرسلنا من قبلك فى قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون. قال أوَ لو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم﴾ الزخرف: ٢٣، ٢٤.
٤ - أقر الإسلام التجديد فى نطاق الثوابت، ففى الحديث "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها" رواه الحاكم وصححه.
٥ -شجع الإسلام على العلم فهو أساس التطور، ورفع قدر العلماء، والنصوص فى ذلك كثيرة، والمراد بالعلم كل معرفة تفيد الفرد والجماعة فى إطار الدين، وذكر القرآن فى الآيتين: ٢٧، ٢٨، من سورة فاطر ما يؤكد أن العلماء الذين يؤمنون بالله أو يزدادون به إيمانا ويخشون عقابه ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ هم علماء الفلك والطبيعة والكيمياء والنبات والحيوان وطبقات الأرض والعلوم الإنسانية كلها من طب واجتماع وفلسفة وغير ذلك.
٦ -أمر الإسلام بالعمل وتطبيق العلم، وشجعه فى كل المجالات الزراعية والصناعية والتجارية وغيرها، والنصوص فى ذلك كثيرة لا يتسع لها المقام ويمكن الرجوع إلى الموضوع كله فى كتابنا "دراسات إسلامية لأهم القضايا المعاصرة".
٧ - وإذا كان الإسلام يقر التطور المادى فذلك فى نطاق الدين كما سبق ذكره، ومع ذلك يدعو إلى التطور الروحى بقوة لأنه ضمان للتطور المادى من الانحراف، وهو الباقى الخالد الذى يصحب الإنسان فى دنياه وأخراه ﴿المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا﴾ الكهف: ٤٦، ﴿زُين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب. قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله﴾ آل عمران: ١٤، ١٥.
إن الإسلام بهذا التطور كوَّن دولة عظيمة قوية فى الماضى شهد به المنصفون من العلماء، وقرروا أن مبادئه وجهود العاملين به كان لها أثر كبير فى تطور الحضارة الإنسانية فى كل المجالات.
ومن هنا نقول: إن الذين يريدون أن يحكموا على الإسلام يجب أن يحكموا عليه عن طريق مبادئه، وعن طريق التطبيق الصحيح له، ولا يجوز أن يحكموا عليه بسلوك المتأخرين الذين يجهل كثير منهم تعاليم الدين الحق، أو يطبقونها تطبيقا غير صحيح
стр. 4914
حكمة تحريم لحم الخنزير
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما هى الحكمة فى تحريم لحم الخنزير؟ ويقول البعض: إنه إذا تغذى غذاء نظيفا فإن لحمه يكون صحيًّا أو خاليا من الأمراض، فهل هذا صحيح؟
الجواب
جاء فى التعليق على " المنتخب فى تفسير القراَن الكريم " الذى نشره المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بوزارة الأوقاف المصرية"ص ١٤٥ "عند تفسير قوله تعالى ﴿حرِّمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير﴾ المائدة: ٣، فى بيان الحكمة فى تحريم أكل لحم الخنزير أنه معرض للإصابة بعدد كبير من الطفيليات التى تصيب الإنسان، وأهمها:
١ - الحيوان الأولى الهَدبى المسمى"الأنتديوم كولاى " المسبب للزحار ومصدره الوحيد للإنسان هو الخنزير، ويكاد يكون مرضا مهنيا لا يصيب سوى المشتغلين بتربية الخنزير وذبحه وبيع لحمه.
٢ - الوشائع الكبدية والمعوية فى الشرق الأقصى، وخاصة وشيعة الأمعاء الكبيرة "فاسيلوبس بوسكاى" الواسعة الانتشار فى الصين، ووشائع الأمعاء الصغيرة التى تصيب الإنسان فى البنغال وبورما وآسام، ووشيعة الكبد الصينية "كاورنوكس سينتسز" المنشرة فى الصين واليابان وكوريا على الخصوص، ويعتبر الخنزير العائل الخازن الرئيسى لهذه الطفيليات، وخاصة الديدان الأولى التى تنطلق فيه لتقضى دوره حياتها فى عوائلها الأخرى حتى تصيب الإنسان، ومن ثم فمقاومتها فى الإنسان وحده لا تكفى.
٣ - دودة لحم الخنزير الشريطية "تيناسوليوم " والدورة الطبيعية لها أن تنتقل بويضاتها من الإنسان إلى الخنزير، حيث تكون أجنتها ديدانا مثانية فى لحمه، ثم تنتقل إلى آكل هذا اللحم فتنمو الدودة الشريطية البالغة فى أمعائه وهكذا، وهذه إصابة غير خطيرة فى المعتاد وتشبه فى ذلك دودة لحم البقر الشريطية "تنياسا جيناتا" ولكن دودة لحم الخنزير تنفرد دون دودة لحم البقر بخصائص تؤهلها لانعكاس هذه الدودة انعكاسا جزئيا.
أما ابتلاع الإنسان للبويضات بيده الملوثة، أو مع طعامه الملوث أو بارتداد قطع الدودة المثقلة بالبيض أو البيض نفسه من الأمعاء إلى المعدة، حيث يفقس البيض وتنتشر اليرقات فى عضلات المصاب، مسببة أعراضا شديدة، كثيرا ما تكون قاتلة إذا ما أصابت المخ أو النخاع الشوكى أو القلب أو غيرها من الأعضاء الرئيسية، والإصابة بهذه الدودة ومضاعفاتها الخطيرة لا تكاد تعرف فى البلاد الإسلامية، حيث يحرم أكل لحم الخنزير.
٤ - الدودة الشعرية الحلزونية "تريكتيلا سبيرالس " وأعراضها الخطيرة مترتبة على انتشار يرقاتها فى عضلات الجسم، وأعراض الإصابة بها شديدة متنوعة، منها اضطرابات معوية وآلام روماتيزمية وصعوبة التنفس والتهاب المخ والنخاع الشوكى والأمراض العصبية والعقلية المترتبة على ذلك التسمم، وفى الإصابات القاتلة تحدث الوفاة بين الأسبوعين الرابع والسادس فى معظم الأحوال.
والخنزير هو المصدر الوحيد لإصابة الإنسان بهذا المرض الوبيل إلا فى المناطق القطبية الشمالية، ومواطن المرض هى أوروبا والولايات المتحدة وأمريكا الجنوبية والمحاولات المضنية لتجنب هذا البلاء بتربية الخنازير بطريقة صحية وفحص ذبائحها ومعالجة لحومها بوسائل باهظة التكاليف غير مجدية من الناحية العملية، ويكفى فى الدلالة على ذلك أن الولايات المتحدة الأمريكية بها ثلاثة أمثال عدد الإصابات فى العالم أجمع، وأن متوسط نسبة الإصابة فى ولاياتها المتخلفة هو ١٦ % مع الوثوق بأن هذا الرقم أقل من الحقيقة كثيرا، وأن نسبة إصابة الخنزير به بين ٥%، و٢٧ %.
ويزاد على هذا كله أن دهن الخنزير مختلف تماما فى درجة تشبعه عن الزيوت والدهون الحيوانية الأخرى فصلاحيته للغذاء موضع شك كبير، وينصح الأستاذ "رام " عالم الكيمياء الحيوية الدانمركى الحاصل على جائزة نوبل، بعدم المداومة على تناوله، حيث ثبت بالتجربة أنه من أهم ما يسبب حصى المرارة وتصلب الشرايين وبعض أمراض القلب الأخرى.
هذا ما قاله أهل الذكر فى ضرر الأكل من لحم الخنزير، ومن هنا نطمئن كل الاطمئان إلى حكمة الله سبحانه فى تحريم أكله، وهكذا تكشف العلوم عن أسرار التشريع
стр. 4915
أسلحة الدمار الشامل
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم الدين فى الأسلحة الحديثة المدمرة التى تستعمل فى الحروب فيصاب بها البرئ والمتهم، وتأتى على الأخضر واليابس؟
الجواب
مبدئيا نقرر أن الحرب فى الإسلام ضرورة تقدر بقدرها، والقرآن قرر أن الناس ليسوا جميعا مسالمين، نظرًا لتسلط الأهواء والغرائز ونظرًا لنشاط الشيطان العدو المبين. ومن هنا كان لابد من الوقوف ضد الطغيان والتعدى على الحقوق وإقلاق الآمنين، قال تعالى ﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض﴾ البقرة: ٢٥١، وقرر حق الدفاع عن النفس والحرمات، بل أوجبه حتى يقف المعتدى عند حده فقال ﴿كُتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم﴾ البقرة: ٢١٦، وحتى تقدر الضرورة بقدرها حرج الابتداء بالقتال والعدوان على الآمنين، وإذا تحتم مَنَعَ تجاوز الحد الذى يدفع به العدوان، ومن أجمع النصوص فى ذلك قوله تعالى ﴿وقاتلوا فى سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين﴾ البقرة: ١٩٠.
وبناء على تقدير للضرورة بقدرها، منع الإسلام قتل من لم يشترك فى القتال كالنساء والصبيان، ومنع التخريب والإفساد وقيد جوازه بما إذا كان سلاحا يضعف به العدو. ومما ورد فى ذلك ما رواه مسلم عن ابن عمر رضى الله عنهما أن النبى ﷺ نهى عن قتل النساء والصبيان، وذلك إذا تميزوا عن المحاربين، أما إذا لم يتميزوا وحدثت إغارة بالليل مثلا فقد ورد فيهم ما رواه مسلم عن ابن عباس رضى الله عنهما أن النبى ﷺ سئل عن الذرارى من المشركين يبيتون فيصيبون من نسائهم وذراريهم فقال "هم منهم " وفى رواية للأهم من آبائهم " يقول النووى فى "شرح صحيح مسلم ج ١٢ ص ٤٨": أجمع العلماء على العمل بهذا الحديث، حديث ابن عمر، وتحريم قتل النساء والصبيان إذا لم يقاتلوا، فإن قاتلوا قال جماهير العلماء: يقتلون، وأما شيوخ الكفار- أى كبار السن - فإن كان فيهم رأى - أى يشاركون فى الحرب بالرأى - قتلوا، وإلا ففيهم وفى الرهبان خلاف، قال مالك وأبو حنيفة: لا يقتلون، والأصح فى مذهب الشافعى قتلهم.
ويقول فى حديث ابن عباس: لا بأس بقتل النساء والذرارى إذا لم يميزوا عن غيرهم وهو مذهبنا ومذهب مالك وأبى حنيفة والجمهور.
ومعنى البيات ويبيتون أن يغار عليهم بالليل بحيث لا يعرف الرجل من المرأة والصبى. ثم يقول النووى: إن أولاد الكفار حكمهم فى الدنيا حكم آبائهم وأما فى الآخرة ففيهم إذا ماتوا قبل البلوغ ثلاثة مذاهب الصحيح أنهم فى الجنة، والثانى فى النار، والثالث لا يجزم فيهم بشىء.
وبخصوص التخريب روى مسلم أن الرسول ﷺ حرَّق نخل بنى النضير وقطع، وهو البويرة، فأنزل الله ﴿ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزى الفاسقين﴾ الحشر:
٥، والبويرة موضع نخل بنى النضير، واللينة هى أنواع التمر كلها إلا العجوة، وقيل كرام النخل وقيل كل النخل، وذكر أن نخل المدينة مائة وعشرون نوعا، ثم قال: وفى هذا الحديث جواز قطع شجر الكفار وإحراقه، وبه قال عبد الرحمن بن القاسم ونافع مولى ابن عمر، ومالك والثورى وأبو حنيفة والشافعى واحمد وإسحاق والجمهور، وقال أبو بكر الصديق والليث بن سعد وأبو ثور والأوزاعى فى رواية عنهم، لا يجوز.
وروى مالك فى الموطأ أن أبا بكر أوصى يزيد بن أبى سفيان عندما وجهه إلى الشام فقال له: إنى موصيك بعشر خلال: لا تقتل امرأة ولا صبيا ولا كبيرا هرما، ولا تقطع شجرا مثمرا، ولا تخرب عامرا، ولا تعقرن شاة ولا بعيرا إلا لمأكلة، ولا تعقرن نخلا ولا تحرقه ولا تغلل ولا تجبن، يقول الشوكانى "نيل الأوطار ج ٧ ص ٢٦٤ " وقد اختلف السلف فى التحريق فكره ذلك عمر وابن عباس وغيرهما، قال المهلب: ليس هذا النهى على التحريم بل على سبيل التواضع، ويدل على جواز التحريق فعل الصحابة، وقد سمَّل النبى ﷺ أعين العرنيين بالحديد، وقد أحرق أبو بكر بالنار فى حضرة الصحابة، وحرق خالد ابن الوليد ناسا من أهل الردة، وكذلك حرق على.
وعنوان الباب الذى ذكر فيه عدة أحاديث هو: باب الكف عن المثلة والتحريق وقطع الشجر وهدم العمران إلا لحاجة ومصلحة، يقول:
وظاهر النهى فى حديث الباب التحريم، وهو نسخ للأمر المتقدم، سواء كان بوحى إليه أو اجتهاد، وهو محمول على من قصد إلى ذلك فى شخص بعينه، ثم نقل عن ابن حجر فقال: قال فى الفتح: ذهب الجمهور إلى جواز التحريق والتخريب فى بلاد العدو. وكرهه الأوزاعى والليث وأبو ثور، واحتجوا بوصية أبى بكر لجيوشه ألا يفعلوا شيئا من ذلك، وأجاب الطبرى بأن النهى محمول على القصد لذلك، بخلاف ما إذا أصابوا ذلك فى حال القتال كما وقع فى نصب المنجنيق على الطائف،وهو نحو مما أجاب به فى النهى عن قتل النساء والصبيان، وبهذا قال أكثر أهل العلم، وقال غيره: إنما نهى أبو بكر عن ذلك لأنه علم أن تلك البلاد تفتح، فأراد بقاءها على المسلمين. انتهى.
ولا يخفى أن ما وقع من أبى بكر لا يصلح لمعارضة ما ثبت عن النبى ﷺ لما تقرر من عدم حجية قول الصحابى "ص ٢٦٦".
وجاء فى تفسير القرطبى"ج ١٨ ص ٦" ما ذكره ابن إسحاق عن اختلاف الصحابة فى قطع النخل وحرق الشجر لبنى النضير وما تقاول به اليهود من زعم النبى أنه يريد الإصلاح لا الإفساد، ونزول الآية، وشعر سمَّاك اليهودى وردَّ حسان بن ثابت وغيره عليه، ثم قال فى "ص ٧" واختلف الناس فى تخريب دار العدو وتحريقها وقطع ثمارها على قولين، الأول أن ذلك جائز قاله فى المدونة، والثانى إن علم المسلمون أن ذلك لهم لم يفعلوا، وإن يئسوا فعلوا، قاله مالك فى الواضحة، وعليه يناظر أصحاب الشافعى، قال ابن العربى، والصحيح الأول، وقد علم رسول الله ﷺ أن نخل بنى النضير له، ولكنه قطع وحرق ليكون ذلك نكاية لهم ووهنا فيهم حتى يخرجوا عنها.
وإتلاف بعض المال لصلاح باقيه مصلحة جائزة شرعا، مقصودة عقلا.
وجاء فى المغنى لابن قدامة "ج ١٠ ص ٥٠٩" أنه لا يقطع شجرهم ولا يحرق زرعهم، إلا أن يكونوا يفعلون ذلك فى بلادنا فيفعل ذلك بهم لينتهوا. وفى شرحه لهذا قسم الشجر والزرع ثلاثة أقسام، القسم الأول ما تدعو الحاجة إلى إتلافه كالذى يقرب من حصونهم ويمنع من قتالهم.
وكالذى يحتاج إلى قطعه لتوسعة طريق أو تمكن من قتال، أو يكونون يفعلون ذلك بنا فيفعل بهم ذلك لينتهوا،فهذا يجوز بغير خلاف نعلمه، والقسم الثانى ما يتضرر المسلمون بقطعه لأنهم ينتفعون ببقائه لعلف دوابهم أو الأكل من ثمره، فهذا يحرم لما فيه من الإضرار بالمسلمين، والقسم الثالث ما عدا هذين القسمين مما لا ضرر فيه بالمسلمين ولا نفع سوى غيظ الكفار والإضرار بهم ففيه روايتان -أى عن أحمد-إحداهما لا يجوز، لحديث أبى بكر ووصيته لأن فيه إتلافا محضا فلم يجز. كعقر الحيوان، وبه قال الأوزاعى والليث وأبو ثور، والرواية الثانية يجوز، وبهذا قال مالك والشافعى وإسحاق وابن المنذر، قال إسحاق: التحريق سنة إذا كان أنكى فى العدو، وذكر الآية ﴿ما قطعتم من لينة﴾ وحديث ابن عمر فى تحريق الرسول لنخل بنى النضير.
يؤخذ من كل ما تقدم أن قطع الشجر والتحريق والتخريب إن كان فيه مصلحة للمسلمين المجاهدين فلا مانع منه. ومن المصلحة إزالة حواجز تمنع القتال. وإضعاف شوكة العدو ليكف عن القتال، والمقابلة بالمثل إذا فعلوا بنا ذلك. وأسلحة الدمار الشامل تأتى على الأشخاص والثروات والأملاك، وفى الأشخاص كثيرون لا يباشرون القتال ولا يتميزون عنهم ولا يقصدون بأعيانهم فيجوز قتلهم، وفى الثروات والأملاك لا بأس من تخريبها للمصلحة العائدة على المجاهدين. ومنها النكاية بالعدو وإضعافه ليقف عن الحرب
стр. 4916
الفتنة وما يجب نحوها
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
سمعنا حديثا عن قيام الساعة وأن الفتنة تأتى من قبل المشرق، فهل هذا صحيح؟
الجواب
روى البخارى أن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما قال: ذكر النبى ﷺ : "اللهم بارك لنا فى شامنا، اللهم بارك لنا فى يمننا" قالوا:
يا رسول الله: وفى نجدنا قال "اللهم بارك لنا فى شامنا، اللهم بارك لنا فى يمننا " قالوا: يا رسول الله: وفى نجدنا فأظنه قال فى الثالثة: "هناك الزلازل والفتن وبها يطلع قرن الشيطان " وفى رواية عن ابن عمر أيضا انه سمع الرسول ﷺ وهو مستقبل المشرق يقول: "ألا إن الفتنة ها هنا من حيث يطلع قرن الشيطان " وفى بعض الروايات بدل قرن الشيطان "قرن الشمس ".
يقول ابن حجر "فتح البارى ج ١٣ ص ٦١" ناقلا عن غيره: كان أهل المشرق يومئذ أهل كفر فأخبر ﷺ أن الفتنة تكون من تلك الناحية، فكان كما أخبر وأول الفتن كان من قبل المشرق فكان ذلك سببا للفرقة بين المسلمين، وذلك مما يحبه الشيطان ويفرح به، وكذلك البدع نشأت من تلك الجهة، قال الخطابى: نَجْدٌ من جهة المشرق ومن كان بالمدينة كان نجده بادية العراق ونواحيها، وهى مشرق أهل المدينة، وأصل النجد ما ارتفع من الأرض، وعرف بهذا. ما قاله الداودى أن نجدا من ناحية العراق.
هذا ما نقلته عن الفتنة وأنها من جهة المشرق الذى قيل إنه العراق، ولا ادرى بالضبط ما يراد بالفتنة، هل هى الكفر والردة أو هى الحرب والقتال، وهل حدثت الفتنة أو لم تحدث إلى الآن؟ .
جاء فى حديث رواه البخارى أيضا عن سؤال حذيفة بن اليمان لرسول الله ﷺ عن الشر مخافة أن يدركه: أن بعد الخير الذى جاء به الإسلام يجىء شر، وأن بعد الشر يجىء خير فيه دَخَنٌ قال عنه النبى ﷺ "قوم يهدون بغير هديى، تعرف منهم وتنكر" وأن بعد الخير يجىء شر قال عنه "دعاة على أبواب جهنم. من أجابهم إليها قذفوه فيها" وقال فى صفتهم "هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا" ونصح الرسول ﷺ حذيفة إذا أدرك ذلك بأن يلزم جماعة المسلمين، وإذا لم يكن لهم جماعة ولا إمام أن يعتزل الفرق كلها ولو أن يعض بأصل شجرة حتى يدركه الموت وهو على ذلك.
ويعرف من هذا أن دعاة الفتنة هم من العرب، وقال عياض: المراد بالشر الأول الفتن التى وقعت بعد عثمان، والمراد بالخير الذى بعده ما وقع فى خلافة عمر بن عبد العزيز، والمراد بالذين تعرف منهم وتنكر الأمراء بعده، فكان فيهم من يتمسك بالسنة والعدل، وفيهم من يدعو إلى البدعة ويعمل بالجور. قال ابن حجر: الظاهر أن المراد بالشر الأول ما أشار إليه من الفتن الأولى، وبالخير ما وقع من الاجتماع مع علىٍّ ومعاوية، وبالدخن ما كان فى زمنهما من بعض الأمراء كزياد بالعراق وخلاف من خالف عليه من الخوارج وبالدعاة على أبواب جهنم من قام فى طلب الملك من الخوارج وغيرهم، وإلى ذلك الإشارة بقوله "الزم جماعة المسلمين وإمامهم " يعنى ولو جار، ويوضح ذلك رواية أبى الأسود "ولو ضُرب ظهرك وأخذ مالك " وكان مثل ذلك كثيرا فى إدارة الحجاج ونحوه.
ثم روى البخارى قوله ﷺ "يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم - أو غنما -يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن " وقال ابن حجر: اختلف السلف فى أصل العزلة، فقال الجمهور:
الاختلاط أولى، لما فيه من اكتساب الفوائد الدينية للقيام بشعائر الإسلام وتكثير سواد المسلمين وإيصال أنواع الخير إليهم من إعانة وإغاثة وعيادة وغير ذلك. وقال قوم: العزلة أولى، لتحقق السلامة، بشرط معرفة ما يتعين. وقال النووى: المختار تفضيل المخالطة لمن لا يغلب على ظنه أنه يقع فى معصية، فإن أشكل الأمر فالعزلة أولى، وقال غيره: يختلف باختلاف الأشخاص، فمنهم من يتحتم عليه أحد الأمرين ومنهم من يترجح وليس الكلام فيه، بل إذا تساويا فيختلف باختلاف الأحوال، فإن تعارضا اختلف باختلاف الأوقات، فمن يتحتم عليه المخالطة من كانت له قدرة على إزالة المنكر، فيجب عليه إما عينا وإما كفاية بحسب الحال والإمكان. وممن يترجح من يغلب على ظنه أنه يسلم فى نفسه إذا قام فى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وممن يستوى من يأمن على نفسه ولكنه يتحقق أنه لا يطاع. وهذا حيث لا يكون هناك فتنة عامة، فإن وقعت الفتنة ترجحت العزلة، لما ينشأ فيها غالبا من الوقوع فى المحذور. وقد تقع العقوبة بأصحاب الفتنة فتعم من ليس من أهلها، كما قال الله تعالى ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾ الأنفال: ٢٥.
انتهى ما نقلته عن ابن حجر، والمهم أن الفتن موجودة فى كل عصر ومصر، وأن الإنسان ما دام حيًّا سيتعرض لها، والواجب هو محاولة البعد عنها وتجنب أسبابها، والقيام بواجب الإصلاح عند الإمكان الذى لا ضرر فيه مع رجاء الخير من محاولة الإصلاح، وعلى رأس هذه الفتن فتنة المسيح الدجال، وقد ثبت أن النبى ﷺ كان يستعيذ بالله من فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال.
وأخيرا، هل للأحوال التى يعيش فيها المسلمون عربهم وغير عربهم صلة بهذه الأحاديث الواردة فى الفتنة، وهل يمكن تحديد الشرق الذى ذرَّ منه قرنها، وهل هى فتنة فكرية مذهبية أو فتنة سياسية دنيوية، وهل التدخل للإصلاح وجمع الشمل أولى، أو الاعتزال والتقوقع واللامبالاة أسلم؟ إنها أسئلة تحتاج إلى أجوبة، ولكل أن يدلى بدلوه فى هذا المجال، ولوسائل الإعلام ولمن يصطادون فى الماء العكر من المسلمين وغير المسلمين فى الشرق والغرب دور وأدوار فى ذلك، وأبرى ذمتى بالنصح بأن الدنيا فانية والآخرة خير وأبقى وبقوله تعالى ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾ الأنفال: ٢٥، وبقوله: ﴿وإذ قالت أمة منهم لمَ تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون﴾ الأعراف:٦٤، اللهم قد بلغت فاشهد
стр. 4917
بلقيس
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
فى قصة سيدنا سليمان ﵇ قيل إن ملكة سبأ اسمها بلقيس وأنها من أصل جنى، فهل هذا صحيح؟
الجواب
يقول الله تعالى على لسان هُدهد سليمان ﴿وجئتك من سبأ بنبإٍ يقين. إنى وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شىء ولها عرش عظيم﴾ النمل: ٢٢، ٢٣، يقول القرطبى فى تفسيره "ج ١٣ ص ١٨٢ " المرأة هى بلقيس بنت شراحيل. ثم قال: ويروى أن أحد أبويها كان من الجن. قال ابن العربى: وهذا أمر تنكره الملحدة ويقولون: الجن لا يأكلون ولا يلدون، كذبوا، فذلك صحيح ونكاحهم جائز عقلا، فإن صح نقلا فبها ونعمت. وذكر القرطبى حديث مسلم فى أنهم يأكلون، عندما قدم وفد من الجن على النبى وقال "لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع أيديكم أوفر ما يكون لحما" كما جاء فى البخارى أن العظم من طعام الجن، كما قال القرطبى إن نكاحهم مذكور عند تفسير قوله تعالى فى سورة الإسراء ﴿وشاركهم فى الأموال والأولاد﴾ "ج ١٠ ص ٢٨٩ " [راجع صفحة ٢٦٥ من المجلد الثانى من هذه الموسوعة] وقال القرطبى، كانت أم بلقيس من الجن يقال لها "بلعمة بنت سيصان " وذكر فى "ص ٢١١ " نسبها إلى سام بن نوح، وأن أباها واسمه "السرح " تكبر على الملوك ولم يتزوج منهم فزوَّجوه امرأة من الجن يقال لها"ريحانة بنت السكن " فولدت له "بلقمة" وهى بلقيس. وذكر عن أبى هريرة أن النبى ﷺ قال "كان أحد أبوى بلقيس جنيًّا" ولما مات أبوها تملك رجل فاجر فتزوجته بلقيس وقتلته وهو سكران فنصبوها ملكة عليهم، وذكر كلاما آخر يؤكد أن أباها تزوج جنيَّة ولدتها، ثم قال فى صفحة ٢١٣: إن الماوردى قال: والقول بأن أم بلقيس جنية مستنكر من العقول لتباين الجنسين واختلاف الطبيعتين ويستحيل التناسل مع هذا الاختلاف، وقال القرطبى إن التزاوج لا يحيله العقل مع ما جاء فى الخبر وأشار إلى أدلة ذلك من أرادها فليراجعها.
هذا بعض ما قيل، ولا يضرنا الجهل به
стр. 4918
التهنئة برمضان والمناسبات
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما حكم التهنئة برمضان والأعياد والمناسبات؟
الجواب
أخرج أحمد والنسائى عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: كان النبى ﷺ يبشر أصحابه بقدوم رمضان يقول " قد جاءكم شهر رمضان شهر مبارك، كتب الله عليكم صيامه تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه الشياطين فيه ليلة خير من ألف شهر من حرمها حرم الخير الكثير ".
جاء فى المواهب اللدنية للقسطلانى وشرحه للزرقانى " ج ٨ ص ٩٩" ما ملخصه: قال القمولى فى الجواهر: لم أر لأحد من أصحابنا كلاما فى التهنئة بالعيد والأعوام والأشهر كما يفعله الناس، لكن نقل الحافظ المنذرى عن الحافظ أبى الحسن المقدسى أن الناس لم يزالوا مختلفين فيه. والذى أراه أنه مباح، لا سنة ولا بدعة. انتهى.
وأجاب الحافظ بعد اطلاعه على ذلك بأنها مشروعة، فقد عقد البيهقى لذلك بابا فقال " باب ما روى فى قول الناس بعضهم لبعض فى يوم العيد: تقبل الله منا ومنك " وساق ما ذكره من أخبار وآثار ضعيفة، لكن مجموعها يحتج به فى مثل ذلك. ثم قال يحتج لعموم التهنئة لما يحدث من نعمة أو يندفع من نقمة بما فى الصحيحين عن كعب بن مالك فى قصة توبته عند تخلفه عن غزوة تبوك، قال: فانطلقت إلى النبى ﷺ يتلقانى الناس فوجا فوجا يهنئوننى بالتوبة ويقولون: تهنيك توبة الله عليك. حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله ﷺ حوله الناس فقام طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحنى وهنأنى، فكان كعب لا ينساها لطلحة، قال كعب: فلما سلمت على رسول الله ﷺ قال وهو يشرق وجهه من البشر " أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك ".
وللحافظ السيوطى وريقات سماها"وصول الأمانى بأصول التهانى" قال فى أولها: طال السؤال عما اعتاده الناس من التهنئة بالعيد والعام والشهر والولايات ونحو ذلك، هل له أصل فى السنة؟ فجمعت هذا الجزء فى ذلك. انتهى ما فى القسطلانى والزرقانى.
بعد هذا أقول: لا مانع من تهنئة الناس بعضهم لبعض بالمناسبات السعيدة، بل قد يكون ذلك سنة يثاب عليها الإنسان إذا قصد بذلك إدخال السرور على أخيه المسلم، لمشاركته فرحته بهذه المناسبة أو النعمة التى أنعم الله بها عليه، وقد روى أن النبى ﷺ سئل: أى الأعمال أفضل؟ فقال " إدخالك السرور على مؤمن " رواه الطبرانى وغيره، كما ثبت أن النية الطيبة تحول العادة إلى عبادة، فالحديث الصحيح يقول " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى "
стр. 4919
العقاب الشامل
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
إذا عاقب الله قوما ظالمين بعقاب عام كالزلازل والسيول والأوبئة، فما ذنب الصالحين أن يعاقبهم الله أيضا معهم؟
الجواب
يقول الله سبحانه " واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾ الأنفال:٢٥، ويقول النبى ﷺ " إذا أنزل الله بقوم عذابا أصاب العذاب من كان فيهم، ثم بعثوا على أعمالهم " يقول العلماء: إذا أوقع الله عقابا فى الدنيا على من يرتكبون المعاصى كان ذلك عدلا حيث لم يظلمهم الله سبحانه، ومن كان يعيش مع العاصين ولم يرتكب ما ارتكبوه إن قصر فى تغيير المنكر ورضى بما فعلوا كان عاصيا مثلهم ولم يكن شمول العقاب له ظلما، أما إن قام بواجبه فى تغيير المنكر بكل ما يمكن فإن ما يلحقه من الضرر فى الدنيا لا يسمى عقوبة وسيحشره الله يوم القيامة مع الطائعين، كما يدل عليه الحديث المذكور والأحاديث الأخرى التى منها ما رواه ابن حبان فى صحيحه " إن الله إذا أنزل سطوته بأهل نقمته وفيهم الصالحون قبضوا معهم ثم بعثوا على نياتهم وأعمالهم " وما رواه مسلم " العجب أن ناسا من أمتى يؤمون هذا البيت حتى إذا كانوا بالبيداء خسف بهم " فقلنا يا رسول الله إن الطريق قد تجمع الناس قال: " نعم فيهم المستبصر والمجبور وابن السبيل، يهلكون مهلكا واحدا ويصدرون مصادر شتى يبعثهم الله على نياتهم ".
وجاء فى القاعدين عن تغيير المنكر واستحقاقهم العذاب مع المرتكبين له قوله تعالى ﴿وقد نزل عليكم فى الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا فى حديث غيره إنكم إذًا مثلهم﴾ النساء: ١٤٠، وقوله ﷺ فيما أخرجه الأربعة وصححه ابن حبان " إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب " يقول ابن حجر " فتح البارى ج ١٣ ص ٦٦" يستفاد من هذا مشروعية الهرب من الكفار ومن الظلمة، لأن الإقامة معهم من إلقاء النفس إلى التهلكة، هذا إذا لم يعنهم ولم يرض بأفعالهم، فإن أعان أو رضى فهو منهم، ويؤيده أمره ﷺ بالإسراع فى الخروج من ديار ثمود.
وأما بعثهم على أعمالهم فحكم عدل، لأن أعمالهم الصالحة إنما يجازون بها فى الآخرة، وأما فى الدنيا. فمهما أصابهم من بلاء كان تكفيرا لما قدموه من عمل سىء، فكان العذاب المرسل فى الدنيا على الذين ظلموا يتناول من كان معهم ولم ينكر عليهم فكان ذلك جزاء لهم على مداهنتهم، ثم يوم القيامة يبعث كل منهم فيجازى بعمله وفى الحديث تحذير وتخويف عظيم لمن سكت عن النهى، فكيف بمن داهن، فكيف بمن رضى فكيف بمن عاون؟ نسأل الله السلامة
стр. 4920
اللغات الأجنبية وتعلمها
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
أنا أميل كثيرا إلا أجادة لغة أجنبية، وأصبحت متخصصا فى أدائها، ولكن بعض إخوانى يعيبون علىَّ ذلك ويقولون: الأولى أن تهتم باللغة العربية، لأنها لغة القرآن الكريم، فهل دراستا للغة الأجنبية عبث أعاقب عليه؟
الجواب
إن الواجب على كل مسلم أن يتعلم من اللغة العربية ما يؤدى به عبادته على وجهها الصحيح، كقراءة الفاتحة فى الصلاة مثلا، ما دام ذلك ممكنا، كما ينبغى أن يعرف منها أكثر ليستطيع فهم الدين بسهولة عند قراءته فى المصحف واطلاعه على الأحاديث النبوية وغيرها من الكتب المؤلفة باللغة العربية.
ومع هذا لابد أن يكون فى المسلمين من يعرف اللغات الأجنبية لحاجة الدعوة إليها بوجه خاص، وإلى إمكان التعايش مع العالم الذى لا غنى عن التعايش معه. ولا يوجد نص يمنع ذلك، بل يوجد ما يدعو إليه ويؤكده. قال البخارى عن زيد بن ثابت أن النبى ﷺ أمره أن يتعلم كتاب اليهود حتى كتبت للنبى ﷺ كتبه، وأقرأته كتبهم إذا كتبوا إليه.
وقال أبو جمرة: كنت أترجم بين ابن عباس والناس، وقال بعض الناس: لا بد للحاكم من مترجمين.
لقد أعجب النبى ﷺ بزيد حين قدم المدينة لأنه يحفظ كثيرا من القرآن وقال له " تعلم كتاب يهود، فإنى ما آمن من يهود على كتابى " فتعلم ذلك فى نصف شهر حتى كتب له إلى يهود وقرأ له إذا كتبوا إليه.
وروى أبو داود والترمذى وقال: حسن صحيح أن مدة التعلم كانت خمس عشرة ليلة، كما جاء فى بعض الروايات أنها كانت سبعة عشر يوما، وذلك لا يهمنا، والمهم أن زيدا تعلم العبرية أو السريانية بأمر من الرسول ﷺ للحاجة إلى ذلك، وقد تحدث العلماء عن إجادة اللغة وصحة الترجمة ليكون موثوقا بها كالشهادة فى الأحكام والقضايا، وهذا يؤكد أن إجادة اللغات ومعرفة أسرارها أمر مشروع، والمشتغل به مشتغل بعلم له قدره وثوابه ما دام القصد طيبا، والاستعمال مشروعا، ويعجبنى فى هذا المقام ما نسب إلى الشافعى أو إلى الصفدى من قوله:
بقدر لغات المرء يكثر نفعه * وهن له عند الشدائد أعوان فبادر إلى حفظ اللغات مسارعا * فكل لسان فى الحقيقة إنسان
стр. 4921
تقصير الملابس
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
نرى بعض المتدينين يحرصون على تقصير ملابسهم بشكل لافت للنظر يخالف ما درج عليه الناس، ويزعمون أن من لا يقصر مثلهم فقد عصى الله، فهل هذا صحيح؟
الجواب
نبهنا أكثر من مرة على وجوب التفقة فى الدين والتفرقة بين الواجب والمندوب وبين الحرام والمكروه، حتى لا يكون فى التطبيق تطرف يضر صاحبه ويضر غيره ويسىء إلى الدين نفسه.
لقد روى البخارى تعليقا أن النبى ﷺ قال " كلوا واشربوا والبسوا وتصدَّقوا فى إسراف ولا مخيلة" وقال ابن عباس كل ما شئت والبس ما شئت ما أخطأتك اثنتان، سرف أو مخيلة. يدل هذا على أن الممنوع هو ما كان فيه إسراف وما قصد به الخيلاء وإذا انتفى هذان الأمران فلا حرج، وقد ورد فى ذلك عدة أحاديث منها " ما أسفل الكعبين من الإزار ففى النار" رواه البخارى وغيره والإزار هو ما يستر أسفل البدن، ومنه البنطلون والجلباب. " من جر إزاره بطرا لم ينظر الله إليه يوم القيامة" رواه مالك وأبو داود والنسائى وابن ماجه " من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة" فقال أبو بكر الصديق رضى الله عنه: يا رسول الله إن إزارى يسترخى إلا أن أتعاهده، فقال له رسول الله ﷺ " إنك لست ممن يفعله خيلاء"رواه البخارى ومسلم وغيرهما. والخيلاء هو الكبر والعجب. والمخيلة من الاختيال وهو الكبر واستحقار الناس.
وفى رواية لمسلم وغيره عن الثلاثة الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم إنهم هم المسبل إزاره والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب.
والمسبل هو الذى يطول ثوبه ويرسله إلى الأرض كأنه يفعل ذلك تجبرا واختيالا. كما فسره الحافظ المنذرى فى كتابه " الترغيب والترهيب ".
وحديث " ما أسفل من الكعبين من الإزار فى النار" ليس عاما للرجال والنساء فقد فهمت أم سلمة رضى الله عنها أنه عام وقالت للنبى ﷺ فكيف تصنع النساء بذيولهن؟ فقال "يرخين شبرا" فقالت: إذًا تنكشف أقدامهن، قال " فيرخينه ذراعا لا يزدن عليه " أخرجه النسائى والترمذى وصححه. والذراع شبران بشبر اليد المعتدلة.
والخلاصة أن للرجال حالين، حال استحباب وهو أن يقتصر بالإزار على نصف الساق، وحال جواز وهو إلى الكعبين. وكذلك للنساء حالان، حال استحباب وهو ما يزيد على ما هو جائز للرجال بقدر الشبر، وحال جواز بقدر ذراع. وأن البطر والتبختر مذموم ولو لمن شمر ثوبه، ومن قصد بالملبوس الحسن إظهار نعمة الله عليه، مستحضرا لها شاكرا عليها غير محتقر لمن ليس له مثله لا يضره ما لبس من المباحات ولو كان فى غاية النفاسة، ففى صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ قال " لا يدخل الجنة من كان فى قلبه ذرة من كبر" فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة، فقال " إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس "، والغمط معناه الاحتقار.
والحديث الذى أخرجه الطبرى " إن الرجل يعجبه أن يكون شراك نعله أجود من شراك صاحبه " محمول على من أحب ذلك ليتعظم به على صاحبه. لا من أجب ذلك ابتهاجا بنعمة الله. فقد اخرج الترمذى وحسنه " إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده " وأخرج النسائى وأبو داود وصححه الحاكم أن النبى ﷺ قال لرجل رآه رث الثياب " إذا أتاك الله مالا فلير أثره عليه " أى بأن يلبس ثيابا تليق بحاله من النفاسة والنظافة ليعرفه المحتاجون إلى الطلب منه، مع مراعاة القصد وترك الإسراف.
هذا وقد نقل القاضى عياض عن العلماء كراهة كل ما زاد على العادة وعلى المعتاد فى اللباس من الطول والسعة، والثوب الطويل الذى ليس فيه خيلاء يكره إذا لم يأمن لابسه من تعلق النجاسة به، فقد أخرج الترمذى عن عبيد بن خالد أنه قال: كنت أمشى وعلىَّ برد أجره، فقال لى رجل " ارفع ثوبك فإنه أنقى وأبقى" فنظرت فإذا هو النبى ﷺ ، فقلت: إنما هى بردة ملحاء -أى فيها خطوط سود وبيض -فقال "أما لك فىَّ أسوة"؟ قال: فنظرت فإذا إزاره إلى أنصاف ساقيه " فتح البارى ج ١٠ ص ٢٦٤ - ٢٧٥ "
стр. 4922
نذر بدون وفاء
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
نذرت لله ان أصوم يوم الإثنين من كل أسبوع، فجاء هذا اليوم يوم عيد الاضحى فماذا أفعل؟
الجواب
روى البخارى أن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما سأله رجل فقال: نذرت أن أصوم كل يوم ثلاثاء أو أربعاء ما عشت، فوافقت هذا اليوم يوم النحر، فقال: أمر الله بوفاء النذر، ونهينا أن نصوم يوم النحر، فأعاد عليه، فقال مثله لا يزيد عليه.
يقول ابن حجر"ج١١ ص ٥٩٩ ": انعقد الإجماع على أنه لا يجوز له أن يصوم يوم الفطر ولا يوم النحر، لا تطوعا ولا عن نذر سواء عينهما أو أحدهما بالنذر، أو وقعا معا أو أحدهما اتفاقا، فلو نذر لم ينعقد نذره عند الجمهور، وعن الحنابلة روايتان فى وجوب القضاء، وخالف أبو حنيفة فقال: لو أقدم فصام وفَّى ذلك عن نذره. وقال الحسن البصرى: يصوم يوما مكانه
стр. 4923
الحيل
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
قد يصعب فى بعض الأحيان تنفيذ حكم من الأحكام، فيفكر بعضى الناس فى حيلة تعفى من تنفيذ هذا الحكم دون مؤاخذة عليه فهل الحيل مشروعة أو ممنوعة؟
الجواب
عقد البخارى فى صحيحه كتابا عن الحيل وأورد صورا منها فى العبادات وغيرها، وابن حجر فى كتابه فتح البارى " ج ١٢ ص ٣٤٢ " ذكر أن الحيلة هى ما يتوصل به إلى مقصود بطريق خفى. وحكم عليها بقوله: وهى عند العلماء على أقسام بحسب الحامل عليها-أى الداعى إليها -فإن توصل بها بطريق مباح إلى إبطال حق أو إثبات باطل فهى حرام، أو إلى إثبات حق أو دفع باطل فهى واجبة أو مستحبة، وإن توصل بها بطريق مباح إلى سلامة من وقوع فى مكروه فهى مستحبة أو مباحة، أو إلى ترك مندوب فهى مكروهة. ثم قال: ووقع الخلاف بين الأئمة فى القسم الأول: هل يصح مطلقا وينفذ ظاهرا وباطنا، أو يبطل مطلقا، أو يصح مع الإثم. ولمن أجازها مطلقا أو أبطلها مطلقا أدلة كثيرة.
فمن الأول قوله تعالى ﴿وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث﴾ ص: ٤٤، وهو فى حق أيوب حين حلف أن يضرب زوجته مائة جلدة-وقد عمل به النبى ﷺ فى حق الضعيف الذى زنى - هو من حديث أبى أمامة بن سهل فى السنن. ومنه قوله تعالى ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجا﴾ الطلاق: ٢، والحيل فيها مخارج من المضايق فتكون جائزة. ومن الثانى قصة أصحاب السبت وحديث " حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها وأكلوا ثمنها " وحديث لعن المحلل والمحلل له.
والأصل فى اختلاف العلماء فى ذلك اختلافهم: هل المعتبر فى صيغ العقود ألفاظها أو معانيها؟ فمن قال بالأول أجاز الحيل. ثم اختلفوا فمنهم من جعلها تنفذ ظاهرا وباطنا فى جميع الصور أو فى بعضها، ومنهم من قال: تنفذ ظاهرًا لا باطنا، ومن قال بالثانى أبطلها ولم يجز منها إلا ما وافق فيه اللفظ المعنى الذى تدل عليه القرائن الحالية. وقد اشتهر القول بالحيل عن الحنفية، لكون أبى يوسف صنف فيها كتابا، لكن المعروف عنه وعن كثير من أئمتهم تقييد أعمالها بقصد الحق. قال صاحب المحيط: أصل الحيل قوله تعالى ﴿وخذ بيدك ضغثا﴾ الآية، وضابطها إن كانت للفرار من الحرام والتباعد عن الإثم فحسن، وإن كانت لإبطال حق مسلم فلا، بل هى إثم وعدوان.
ثم قال ابن حجر: نص الشافعى على كراهة تعاطى- الحيل فى تفويت الحقوق، فقال بعض أصحابه: هى كراهة تنزيه - أى لا عقوبة فيها - وقال كثير من محققيهم كالغزالى: هى كراهة تحريم - أى فيها عقوبة - ويأثم بقصده، ويدل عليه قول " وإنما لكل امرائ ما نوى " فمن نوى بعقد النكاح التحليل كان محللا ودخل فى الوعيد على ذلك باللعن، ولا يخلصه من ذلك صورة النكاح. وكل شىء قصد به تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله كان إثما، ثم قال: وفى الجملة فلا يلزم من صحة العقد فى الظاهر رفع الحرج عمن يتعاطى الحيلة الباطلة فى الباطن. وقد نقل النسفى الحنفى فى "الكافى " عن محمد بن الحسن قال:
ليس من أخلاق المؤمنين الفرار من أحكام الله بالحيل الموصِّلة إلى إبطال الحق.
والقرطبى فى تفسيره "ج ٩ ص ٢٣٦ " عند قوله تعالى ﴿فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه كذلك كدنا ليوسف﴾ يوسف: ٧٦، قال فى قوله: ﴿كذلك كدنا ليوسف﴾ جواز التوصل إلى الأغراض بالحيل إذا لم تخالف شريعة ولا هدمت أصلا، خلافا لأبى حنيفة فى تجويزه الحيل وإن خالفت الأصول وحرمت التحليل. وذكر أن العلماء أجمعوا على أن للرجل قبل حلول الحول التصرف فى ماله بالبيع والهبة إذا لم ينو الفرار من الصدقة. وقال: من رام أن ينقض شيئا من فرائض الله بحيلة يحتالها لا يفلح ولا يقوم بذلك عذره عند الله، وما أجازه الفقهاء من تصرف صاحب المال فى ماله قرب حلول الحول إنما هو ما لم يرد بذلك الهرب من الزكاة. ومن نوى ذلك فالإثم عنه غير ساقط، والله حسيبه.
ولم يرتض القرطبى-ومذهبه مالكى-ما رآه الشافعية أو بعضهم من جواز الحيلة للوصول إلى المباح واستخراج الحقوق.
هذه نبذة عن الحيل واختلاف العلماء فى جوازها ومنعها، وفى اختلافهم رحمة، وفى رأى أن ربطها بالنية مطلوب، وما ذكره ابن حجر فى ذلك جميل
стр. 4924
رأس الحسين
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
هل مات الحسين بن على منتحرا أو مقتولا، وأين يوجد رأسه وجسده، ومن الذى أتى برأسه إلى مصر إذا كانت بها؟
الجواب
مات الحسين رضى الله عنه مقتولا وليس منتحرا، فقتله الشمر ابن ذى الجوشن، وقيل قتله سنان بن أنس النخعى، وأرسل عمر بن سعد رأسه إلى عبيد الله بن زياد، وقيل إنه غضب لقتله فقتل حامل رأسه ليلحقه به، وكان قتله يوم الجمعة عاشر المحرم سنة إحدى وستين من الهجرة، دفن بأرض كربلاء بالعراق ومشهده معروف هناك.
واختلف فى رأسه، فذهبت طائفة إلى أن يزيد بن معاوية أمر بأن يطاف به فى البلاد حتى انتهى إلى عسقلان بالشام ودفن بها، فلما غلب الفرنجة على عسقلان افتداه منهم الصالح طلائع بن زريك وزير الفاطميين، وذلك فى مقابل مال جزيل، ووضعه فى كيس من حرير وبنى عليه المشهد الحسينى المعروف بالقاهرة.
وقيل: دفن بالبقيع عند أمه وأخيه الحسن، وذهبت الإمامية إلى أنه أعيد إلى الجثة ودفن بكربلاء، ثم ظهر الرأس بعد ذلك بالمشهد الحسينى القاهرى.
وفى خطط المقريزى أن الرأس استقرت فى مشهده سنة تسع وأربعين وخمسمائة.
[نور البصائر والأبصار للشبلنجى ص ٣٣-١٣٥، رسالة الصبان على الهامش ص ١٩٦، كتاب مساجد مصر وأولياءوها للدكتورة سعاد ماهر-ج ١ ص ٣٦٢]
стр. 4925
الخضر
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
من هو الخضر وهل هو حى أو ميت؟
الجواب
تحدث القرآن الكريم عن عبد من عباد الله تقابل معه موسى ﵇،وكان بينهما ما جاء فى سورة الكهف ﴿فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما﴾ الآية: ٦٥، وتحدثت السنة النبوية الصحيحة، كما رواه البخارى وأحمد والترمذى عن هذا العبد الصالح باسم " الخضر" لأنه جلس على فروة بيضاء - هى وجه الأرض -فإذا هى تهتز من تحته خضراء.
وإلى القراء أضواء بسيطة على شخصيته من حيث اسمه وحياته ونبوته:
يقول العالم الكبير كمال الدين الدميرى المتوفى سنة ٨٠٨ ر فى كتابه الموسوعى "حياة الحيوان الكبرى" عند الكلام عن الحوت: إن اسم الخضر مضطرب فيه اضطرابا متباينا والأصح -كما نقله أهل السير وثبت عن النبى ﷺ كما نقله البغوى وغيره -أن اسمه " بليا " بفتح الباء وسكون اللام، وأن أباه يسمى " ملكان " بفتح الميم وإسكان اللام وبالنون فى اَخره، وكان من بنى إسرائيل ومن أبناء الملوك، وفر من الملك وانصرف إلى العبادة.
أما هل هو حى أو ميت، فقد اختلف فى ذلك، فقال النووى وجمهور العلماء: إنه حى موجود بين أظهرنا الآن، وهذا الرأى متفق عليه عند الصوفية وأهل الصلاح والمعرفة.
والأخبار عن الاجتماع به كثيرة، وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: هو حى عند جماهير العلماء والصالحين، والعامة معهم على ذلك وإنما شذ بإنكاره بعض المحدثين.
وقال الحسن: إنه مات وقال ابن المناوى: لا يثبت حديث فى بقائه. وقال الإمام أبو بكر بن العربى: مات قبل انقضاء المائة، ويقرب من جواب الإمام محمد بن إسماعيل البخارى لما سئل عن الخضر وإلياس ﵉: هل هما فى الأحياء؟ فقال كيف يكون ذلك وقد قال النبى ﷺ " لا يبقى على رأس مائة سنة ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد " والصحيح الصواب أنه حى.
وقال بعضهم: إنه اجتمع مع رسول الله ﷺ وعزى أهل بيته وهم مجتمعون لغسله، وقد روى ذلك من طرق صحاح، والقرطبى فى تفسيره صحح حياته "ج ١١ ص ٤١ ".
واختلف فى الخضر هل هو نبى أو ولى. فقال القشيرى وكثيرون:
هو ولى، وقال بعضهم هو نبى. ورجَّحه النووى، وقال المازرى: إن الأكثرين من العلماء على أنه نبى ومن قالوا: إنه نبى اختلفوا، هل هو مرسل إلى غيره من الناس أو لا؟ والأدلة على هذا الاختلاف فى الاسم والحياة والنبوة كثيرة لا يتسع المقام لها. وقد أوردت لك هذه الأقوال التى ليس فيها اتفاق على رأى لترى أنه لا يوجد نص قاطع يعتمد عليه فى هذه الأمور.
فالثابت فى القراَن أنه عبد من عباد الله آتاه الله رحمة وعلما من عنده، لكن هذا العبد يحتمل أن يكون نبيا ويحتمل أن يكون وليا أى رجلا صالحا، والثابت بالحديث أن لقبه الخضر، ولم يرد نص صرح فى كونه مات أو ما زال حيا حتى يقتله الدجال، أو أن له لقاء آت مع بعض الأنبياء أو الأولياء، أو أنه يلقى السلام على بعض الناس فيردون عليه التحية. كل ذلك ليس له دليل يعتد به. وفى الوقت نفسه لا يترتب على الجهل به عقاب، ولا يؤثر على إيمان المؤمن، فهو ليس من العقائد التى كلفنا بها الدين، وأولى ألا نشغل بالبحث عنها كثيرا، وفى كتب التفسير والتاريخ متسع لمن أراد المزيد
стр. 4926
حد البلوغ
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
متى يؤاخد الصبى على أعماله، وما هى علامة البلوغ عند الولد والبنت؟
الجواب
يقول الله تعالى ﴿وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم﴾ النور: ٥٩، ويقول النبى ﷺ " رفع القلم عن ثلاثة: النائم حتى يستيقظ والمجنون حتى يفيق، والصبى حتى يحتلم " والتعبير عن الصبى بقوله " حتى يكبر" هو فى رواية أحمد وأبى داود والنسائى، وبقوله "حتى يشب " فى رواية أبى داود والترمذى والنسائى وغيرهم. " الجامع الكبير للسيوطى " ويقول ﷺ فيما رواه البخارى " غسل الجمعة واجب على كل محتلم " ويقول ابن عمر رضى الله عنهما كما رواه البخارى: إن الرسول ﷺ عرضه يوم أُحد وهو ابن اربع عشرة سنة فلم يجزه، ثم عرضه يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة فأجازه.
يؤخذ من هذا أن حد التكليف يكون بالبلوغ، وهو الاحتلام أو خمس عشرة سنة قمرية.
يقول ابن حجر فى " فتح البارى ج ٥ص ٣٢٧ " أجمع العلماء على أن الاحتلام فى الرجال والنساء يلزم به العبادات والحدود وسائر الأحكام، وهو إنزال الماء الدافق سواء كان بجماع أو غيره، سواء كان فى اليقظة أو المنام.
وأجمعوا على أن لا أثر للجماع فى المنام إلا مع الإنزال.
وأجمع العلماء على أن الحيض بلوغ فى حق النساء.
واختلف العلماء فى أقل سن تحيض فيه المرأة ويحتلم فيه الرجل، وهل تنحصر العلامات فى ذلك أم لا؟ وفى السن إذا جاوزه الغلام ولم يحتلم، والمرأة ولم تحض يحكم حينئذ بالبلوغ، قال أبو حنيفة: سن البلوغ تسع عشرة أو ثمان عشرة للغلام وسبع عشرة للجارية. وقال أكثر المالكية: حده فيهما سبع عشرة أو ثمان عشرة، وقال الشافعى وأحمد والجمهور:
حده فيهما استكمال خمس عشرة سنة على ما فى حديث ابن عمر، الذى اعتمده عمر بن عبد العزيز وهو خليفة، وكتب إلى عماله أن يفرضوا لمن بلغ خمس عشرة
стр. 4927
حد القذف وحادثة الإفك
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
بعض الناس يقولون: إن النبى ﷺ لم يقم حد القذف على الذين أشاعوا حادثة الإفك. وبخاصة رئيس المنافقين فهل هذا صحيح،
الجواب
حادث الإفك سجله القرآن الكريم فى أوائل سورة النور، وروته كتب السنة بإسهاب واتهام الإنسان لغيره بالزنا يسمى قذفا، يوجب حد القاذف ثمانين جلدة إن تبين كذبه فى هذا الاتهام، ومعروف أن الزنا لا يثبت إلا بالإقرار أو البينة، وهى أربعة شهود عدول رأوا الحادثة رؤية لا شبهة فيها، ولو ثبت زنا المقذوف سقط الحد عن القاذف.
وقد حرم الله القذف الذى لا دليل على استحقاق المقذوف له، ووضع له حدًّا رادعًا فقال ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون. إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم﴾ النور: ٤، ٥.
وقال سبحانه فيمن رموا السيدة عائشة رضى الله عنها بالإفك ﴿إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم. لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذى تولى كِبره منهم له عذاب عظيم﴾ النور: ١١، والذى تولى كبره بالترويج ونشر خبره هو عبد الله بن أُبى بن سلول زعيم المنافقين كما أخرجه البخارى عن عائشة. وكذلك حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش، كما فى رواية البخارى ومسلم.
ولما ظهرت براءة السيدة عائشة هل طبَّق الرسول ﷺ حد القذف عليهم، جاء فى تفسير القرطبى "ج ١٢، ٢٠١ " أن محمد بن إسحاق وغيره قالوا: إن النبى ﷺ جلد فى الإفك رجلين وامرأة وهم مسطح وحسان وحمنة، وذكره الترمذى أيضا، وذكر القشيرى أن الذى أُقيم عليهم الحد ثلاثة: عبد الله بن أُبى، وحسان وحِمنة، وأما مسطح فلم يثبت عنه قذف صريح ولكنه كان يسمع ويشيع من غير تصريح، وفى رأى ذكره الماوردى أن الأربعة أقيم عليهم الحد، ثم قال القرطبى: المشهور من الأخبار والمعروف عند العلماء أن الذى حُدَّ حسان ومسطح وحمنة، ولم يسمع بحدٍّ لعبد الله بن أُبى. وذلك الحديث رواه أبو داود عن عائشة، وعلَّل العلماء ذلك بأن الله أعد لعبد الله بن أُبى فى الآخرة عذابا عظيما، فلو حُدَّ فى الدنيا لكان ذلك نقصا من عذابه فى الآخرة وتخفيفًا عنه، وإنما حد المسلمون الثلاثة ليكفر الله عنهم الإثم حتى لا يبقى عليهم تبعة من ذلك فى الآخرة، وفى حديث عبادة بن الصامت مرفوعا فى الحدود " إنها كفارة لمن أقيمت عليه " وقيل: إن ترك حد ابن أبى كان استئلافا لقومه واحتراما لابنه - لأن ابنه كان مؤمنا صادقًا-وإطفاءً لثائرة الفتنة، المتوقعة من ذلك. وقد كان ظهر مبادئها من سعد بن عباده ومن قومه كما فى صحيح مسلم.
فهناك ثلاثة آراء فيمن أقيم عليهم حد القذف، رأى يقول بإقامته على ثلاثة هم:
مسطح وحسان وحمنة، ورأى يقول بإقامته على ثلاثة هم: عبد الله ابن أُبى وحسان وحمنة، أما مسطح فلم يثبت عليه قذف صريح، ورأى يقول بإقامته على أربعة هم: عبد الله بن أبى ومسطح وحسان وحمنة.
والرأى الأول أخرج عبد الله بن أبى من الحد إما سياسة وإما اكتفاء بعذابه العظيم فى الآخرة، أما غيره فكان الحد كفارة لذنبهم لا يعاقبون عليه فى الاَخرة
стр. 4928
اللغة العربية واللغات الأخرى
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
ما رأى الدين فى الحملات التى قام بها بعض من يدعون التجديد والتيسير لتشجيع اللغة العامية، وعدم الالتزام بالقواعد النحوية، والإقبال على تعلم اللغات الأجنبية؟
الجواب
يقول مؤلفو كتاب " الوسيط فى الأدب العربى وتاريخه " طبعة سنة ١٩٢٨،:
إن اللغة العربية من أغنى اللغات كلمًا وأعرقها قدمًا، وأخلدها أثرا، وأعذبها منطقا، وأسلسها أسلوبا، وأغزرها مادة. ولها من عوامل النمو ودواعى البقاء والرقى ما قلَّما يتهيأ لغيرها، وذلك لما فيها من اختلاف طرق الوضع والدلالة، وغلبة اطراد التصريف والاشتقاق، وتنوع المجاز والكناية وتعدد المترادفات، إلى النحت والقلب والإبدال والتعريب، ولما تشرفت به من ورود القرآن الكريم والسنة النبوية بلسانها. ولقريش عظيم الأثر فيما نجم عن اجتماع العرب فى مشاعر الحج والأسواق بتهذيب لغتهم أنفسهم، لأخذهم من لغات القبائل الوافده عليهم ما خف على اللسان وحسن فى السمع، حتى تهيأت لنزول القرآن الكريم بها.
واللغة العربية حية وستظل حية لا تموت، لأنها لغة القراَن الكريم ولغة العبادة لله. يجد المؤمن أنها ضرورية لفهم كلام الله وكلام رسوله، ولأداء العبادة التى لا تغنى عنها ترجمة مهما كالت الدقة فيها، ولأنها مناط الشرف عند الإبداع فى الخطابة أو الشعر.
وقد شهد بعظمها كثير من المنصفين الأجانب مثل "إرنست رينان " فى كتابه "تاريخ اللغات السامية" حيث يقول: من أغرب المدهشات أن تثبت تلك اللغة القوية وتصل إلى درجة الكمال وسط الصحارى، عند أمة من الرُحَّل تلك اللغة التى فاقت أخوتها بكثره مفرداتها ودقة معانيها وحسن نظام مبانيها، وكانت هذه اللغة مجهولة عند الأمم، ومن يوم أن علمت ظهرت لنا فى حلل الكمال إلى درجة أنها لم تتغير أى تغير يذكر، حتى إنها لم يعرف لها فى كل أطوار حياتها لا طفولة ولا شيخوخة.. . "مجلة الأزهر مجلد ٣ ص ٢٤٠ ".
وإلى جانب فضل اللغة العربية فى فهم القراَن والسنة وإتقان العبادة، لها فضل كبير فى توحيد الأمة الإسلامية، التى دخل فيها الفارسى والحبشى والرومى، ونسوا لغتهم الأصلية، وروى الحافظ ابن عساكر أن رجلا عاب على غير العرب مناصرة محمد العربى، يريد أن يصرفهم عنه لاختلاف أجناسهم ولغاتهم، فغضب النبى ﷺ وخطب فى المسجد "يا أيها الناس إن الرب واحد، والأب واحد، وإن الدين واحد وليست العربية بأحدكم من أب ولا أم، وإنما هى اللسان، فمن تكلم بالعربية فهو عربى ".
هناك حملات مسعورة قديما وحكديثا لصرف الناس عن الإسلام بشبهات واهية من جهة العقيدة أو الشريعة أو شخص الرسول أو غير ذلك. ومن هذه الحملات تشجيع اللغات المحلية لكل جماعة بحجة سهولة التعامل بها، وصعوبة فهم القرآن وصعوبة تلاوته وقراءته، وللمحافظة على التاريخ والتراث لكل بلد أو جماعة. والهدف الحقيقى من وراء كل ذلك هو هجر اللغة العربية، وبالتالى الجهل بتعاليم الدين، ثم ضعف الشعور الجماعى ووحدة المسلمين، ثم تفرقهم وتباعدهم، ثم ضعفهم التام، وسهولة السيطرة عليهم.
ونسى هؤلاء المغرضون ومن ينخدعون بهم أن الحكماء يسعون الآن لجمع الناس على لغة واحدة لتيسير التفاهم وتبادل المنافع "الإسبرانتو" التى اقترحها الطبيب البولونى "لودفيج زامنهوف " والإسلام جاء بلغة واحدة لكل المسلمين، ولو كانت للمسلمين قوة فى تاريخهم الطويل لسادت اللغة العربية فى كل مكان يوجد فيه إسلام، لأنها أحسن اللغات، والبقاء دائما للاصلح ﴿فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث فى الأرض﴾ الرعد: ١٧.
إن اللغة العربية بمقوماتها وبقبولها للتطعيم بألفاظ من اللغات الأخرى يمكن أن تساير كل عصر وتتمشى مع كل حضارة، فهى البحر الذى يكمن فى أحشائه الدر كما يقول شاعر النيل.
لقد تصدى لهذه الدعوة للعامية والمحليات بعض الغيورين على الدين وعلى العروبة. وبينوا ما فى كتب المحدثين من سموم حين يعالجون مستقبل الثقافة، ويضعون مناهج للتعليم والتأليف الذى لا يلتزم قواعد اللغة العربية، ووجدت برامج تدرس فى بعض الكليات والمعاهد بعناوين مثل: دراسات لغوية حديثة، والتطور اللغوى العربى فى العصر الحديث، واللهجات العربية الحديثة، والأدب الشعبى، والمذاهب الكبرى فى الآداب الأوروبية، ومدارس القصة، وتطور الفكر الإسلامى فى العصر الحديث. وناقش الدكتور محمد محمد حسين أستاذ الأدب العربى الحديث بجامعة الإسكندرية سنة ١٩٥٨، على صفحات مجلة الأزهر هذه الأفكار بموضوعية ودقة، وبيَن ما فيها من أثر على اللغة العربية والعروبة والدين، وذكر حملة صاحب "مستقبل الثقافة فى مصر" على الأزهر وعلماء الدين، لاهتمامهم البالغ باللغة العربية ودعوته إلى حرية تعلمها وتعليمها والتصرف فيها دون رقابة أو تحكم "مجلة الأزهر -المجلد ٣٠ ص ٣٢٦".
وذم الدكتور دعوة أحد المناهضين للعربية فى المؤتمر الأول لمجامع اللغة العربية بدمشق -إلى تأليف معاجم محلية لا يثبت فيها إلا ما بقى من اللهجات العربية حيًّا فى عامية كل إقليم، ودعا اَخر إلى إعادة النظر فى تبويب النحو وتدوينه من جديد.
وذكر الدكتور من تزعَّم الدعوه من رجال التعليم إلى تأليف كتب القراءة الجديدة " شرشر-جلاجلا. . . " وما جاء فيها من ألفاظ سوقية عامية "ص ٣٥٩ من المجلة المذكورة" وأن نتيجة ذلك عدم استقامة اللسان باللغة العربية أو صعوبة التزام القواعد النحوية وشيوع الكلمات السوقية، وتعدى ذلك إلى عدم الالتزام بالأوزان الشعرية ذات الوقع الموسيقى المؤثر على العواطف والأذواق.
إن مما يؤسف له أن بعض من يسمون أنفسهم عصريين متمدينين يحاولون أن يظهروا عصريتهم بتطعيم كلامهم بكلمات أجنبية، كدليل على معايشتهم للعصر وتفاعلهم مع الظروف وانفتاحهم على العالم كله " مرسى، برافو، شور، داكور، اكسيلانس، مستر. . . " أو يكتبون عناوين محلاتهم بلغة أجنبية مثل:
سوبر ماركت، رستوران.. . " وكل ذلك غزو للغة العربية من أبنائها الذين كان المفروض فيهم أن يتعصبوا للغتهم الشرقية الدينية.
إن من سياسة الاستعمار فرض نظامه وثقافته ولغته على المستعمرات، ونتيجة لذلك رأينا بعض البلاد الإسلامية التى كانت تروج فيها اللغة العربية أصبحت اللغة الأجنبية هى الرسمية أو الشائعة فى التخاطب والمراسلات والتأليف، وما زال لها أثر واضح حتى بعد زوال الاستعمار شكلا وحكما، وفى ذلك تذويب للشخصية العربية والإسلامية. ويجرنا ذلك إلى الحديث عن تعريب العلوم أو دراستها باللغة العربية كالطب والهندسة، وهناك نداءات تميل إلى ذلك، حفاظا على اللغة، وقامت بعض الدول العربية بالاستجابة لهذا النداء، وإن كانت فيه صعوبة فى الدراسة والترجمة.
ولا مانع فى هذا المجال من استعمال الأسلوب الأجنبى مع الأسلوب العربى، وليست هذه دعوة إلى هجر اللغات الأجنبية، فإن تعلمها لازم وبخاصة فى هذه الأيام التى تشابكت فيها المصالح وسهلت المواصلات. وقد ثبت أن النبى ﷺ أمر زيد بن ثابت أن يتعلم لغة يهود ليعرف ما فى كتبهم التى يرسلونها إليه، فتعلم اللغات مشروع، ولكن مع المحافظة على اللغة العربية لغة القراَن والدين ومن المؤكد أن حفظ القرآن الكريم - فى الصغر بالذات - أكبر مساعد على رسوخ اللغة العربية وتعودها واستقامة اللسان بها.
هذا، وتعلم اللغة العربية واجب على كل مسلم بالإجماع، كما قرره الإمام الشافعى فى رسالته، وهو الذى جرى عليه العمل، حتى كثر الأعاجم وقل العلم وغلب الجهل، فصاروا يكتفون من لغة الدين بما فرضه الله فى العباده والذكر.
أما حكم تعلم اللغات الأجنبية فهو الجواز، وقد يصل إلى حد الوجوب عند الحاجة إليه، وهو داخل فى عموم الأمر بطلب العلم ومدح العلماء، والنصوص الكثيرة الواردة لم تحدد نوعا معينا من العلم، بل وسَّعت ميدانه ومما يدل على ذلك قوله تعالى فى سورة فاطر: ٢٨ ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ بعد ذكر نزول الماء من السماء ونمو النباتات واختلاف طبقات الأرض ومكونات الجبال واختلاف المخلوقات الحية من الإنسان والحيوان، مما يدعو إلى الإيمان بالله وحسن استخدام كنوز الأرض شكرًا لله وتحقيقًا للخلافة، حتى العلم الذى يظن أنه شر لا بأس بتعلمه لاتقاء شره كما قيل:
عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه * ومن لا يعرف الشر من الناس يقع فيه وتعلم اللغات الأجنبية فيه خير لا شك فى ذلك، فمن تعلم لغة قوم أمن من مكرهم، حيث نتمكن من الاطلاع على ماكتبوا لنفيد من خيره ونتقى شره ونرد عليه واليهود كانوا يسبون الرسول ﷺ بعبارة يدل ظاهرها على أنها خير مثل "راعنا" فهى فى لغتهم تعنى الرعونة، كانوا ينادون بها الرسول، والمسلمون يقلدونهم فيها دون علم بما يقصدون منها، ظانين أنها-كما فى لغة العرب -تدل على الرعاية. قال تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا﴾ البقرة: ١٠٤.
وكان ابن عباس رضى الله عنهما يترجم بين يدى الرسول عند قدوم الوفود بلهجاتهم المختلفة "البخارى ج ١ ص ٣٢" ويقال: إن الذين حملوا كتب النبى ﷺ بدعوة الملوك كانوا يعرفون لغاتهم.
وأمر الرسول ﷺ زيد بن ثابت أن يتعلم لغة يهود، لأن كتبًا تأتى منهم تحتاج إلى من يترجمها له، روى البخارى تعليقا والبغوى وأبو يعلى موصولا عن زيد بن ثابت الأنصارى قال: أتى بى إلى النبى ﷺ مقدمه فقيل: هذا غلام من بنى النجار وقد قرأ سبع عشرة سورة. فقرأت عليه فأعجبه ذلك فقال "تعلم كتاب يهود، فإلى ما اَمنهم على كتابى" فتعلمت، فما مض لى نصف شهر حتى حذقته، فكنت أكتب له إليهم، وإذا كتبوا إليه قرأت له. "الزرقانى على المواهب اللدنية للقسطلانى ج ٣ ص ٣٢٣".
فتعلم اللغات الاجنبية مشروع، ويجب أن يكون فى الوطن من يتقنونها كلها، حتى لا يعيش المجتمع فى عزلة عن العالم
стр. 4929
السباق
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
أنشئت نواد لسباق الخيل فى بعض البلاد، وأخرى لسباق الإبل، كما أقيمت مباريات للسباق بين بعض الحيوانات الأخرى كالكلاب وغيرها فما رأى الدين فى ذلك؟
الجواب
أما سباق الخيل فهو أمر مشروع لأنه من وسائل إعداد القوة، كما قال سبحانه ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم﴾ الأنفال: ٦٠، وأقسم الله بها فقال ﴿والعاديات ضبحا. فالموريات قدحا. فالمغيرات صبحا. فأثرن به نقعا.
فوسطن به جمعا﴾ العاديات: ١ -٥، وقد ورد فى صحيح مسلم أن النبى ﷺ قال "اركبو الخيل فإنها ميراث أبيكم إسماعيل " وسابق بين الخيل التى قد أضمرت فأرسلها من الحفياء، وكان أمدها من ثنية الوداع والمسافة نحو ستة أميال أو سبعة، وسابق بين الخيل التى لم تضمر فأرسلها من ثنية الوداع إلى مسجد بنى زريق، والمسافة نحو ميل. وتضمير الخيل هو إعطاؤها علفًا قليلاً بعد سمنها من كثرة العلف، وكانت عادة العرب أن تعلف الفرس حتى يسمن، ثم ترده إلى القوت، أى الأكل العادى، كما يقال: إن تضمير الخيل يكون بأن تشد عليها سروجها وتجلل بالأجلة حتى تعرق تحتها فيذهب رهلها ويشتد لحمها، ويحمل عليها غلمان خفاف يجرونها ولا يعنفون بها، فإذا فعل بها ذلك أمن عليها من البهر الشديد عند حضرها، أى لا تنهج عند العَدْو والجرى وثبت فى البخارى أن ابن عمر رضى الله عنهما اشترك فى هذا السباق. كما سابق النبى أيضا على الإبل، فسابق على ناقته العضباء وكانت لا تسبق، فجاء أعرابى على قعود له فسبقها، فشق ذلك على المسلمين، فقال ﷺ " إن حقًّا على الله ألا يرفع من الدنيا شيئا إلا وضعه " رواه البخارى وتلك صورة من صور الروح الرياضية التى ينبغى أن تحتذى.
فالمهم أن سباق الخيل والحيوانات التى تفيد فى المعارك والأمور الهامة أمر مشروع، إلا أن المراهنات على السباق فيها تحفظات، فقد قال العلماء: لا تجوز المسابقة برهان إلا فى صور ثلاثة:
الأولى -إذا كان المال الذى يعطى للفائز من طرف ثالث، غير الشخصين المتسابقين -كأن يقول لهما: من سبق منكما فله هذا القدر من المال.
والثانية- إذا أخرج أحد الطرفين مالاً وقال لصاحبه: إن سبقتنى فهو لك، وإن سبقك فلا شىء عليك.
والثالثة -أن يكون المال من المتسابقين ومعهما محلل يأخذ هذا المال إذا سبق ولا يغرم إن سُبق.
ولا يجوز الرهان فى حالة ما إذا كان المال هو من كل واحد، على أنه إن سبق فله الرهان وإن سُبق فيغرم لصاحبه مثله، لأن هذا من باب القمار، وهو حرام.
هذا فى سباق الخيل والحيوانات لإعدادها للأمور الهامة، أما سباق حيوانات أخرى لمجرد التسلية فأولى أن نبحث عما هو أهم. فالوقت ثمين والمال ثروة يجب أن توجه إلى الخير
стр. 4930
من يقيم الحدود
المفتي
عطية صقر.
مايو ١٩٩٧
المبادئ
القرآن والسنة
السؤال
يقول بعض الناس: إذا لم تقم الحكومة بتطبيق عقوبة الحدود عل الزنا والسرقة وشرب الخمر جاز للأفراد أن يقوموا بذلك تطبيقا لواجب تغيير المنكر باليد، فما رأى الدين فى ذلك؟
الجواب
الحدود عقوبات شديدة قاسية شرعت لحكمة وهى الزجر إلى جانب ما فيها من مغفره، كما شرع تعريض النفس للقتل فى الجهاد فى سبيل الله لضرورته لرد العدوان والأمن على الحقوق، قال تعالى ﴿كُتب عليكم القتال وهوكره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم﴾ البقرة: ٢١٦، وقال ﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض﴾ البقرة: ٢٥١، ولما كانت الحدود شديدة كان لابد من الاستيثاق من الجريمة التى استوجبتها. فلا تثبت إلا بالإقرار الصريح الاختيارى أو شهادة العدول الذين قد يصلون إلى أربعة كما فى حد الزنى. وإذا وجدت شبهة فى الجريمة فلا يقام الحد، ويمكن اللجوء إلى التعزير. وهو دونه لا يصل إليه ولا يتجاوزه عند جمهور الفقهاء جاء فى الحديث "ادرءوا الحدود بالشبهات " مع الاختلاف فى رفعه ووقفه وضعفه وقوته "نيل الأوطارج ٧، ١١٠ " وحدث أن النبى ﷺ كان يتوثق ممن أقر بالجريمة ليكون الإقرار صريحًا ونصًا فيها.
ولأجل خطورة الحدود، إلى جانب أهميتها فى استقرار الأمن والحث على إقامتها وعدم التهاون فيها. وجب على ولى الأمر أن يتولى تنفيذها، وولى الأمر يصدق على من له ولاية خاصة على الجانى كالوالد مع أولاده، والزوج مع زوجته، والسيد مع عبده، كما يصدق على من له ولاية عامة كالحاكم العام المسئول عن الرعية كلها كما فى الحديث " كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، الإمام راع ومسئول عن رعيته والرجل راع فى أهله ومسئول عن رعيته. . . " رواه البخارى ومسلم.
ومن هنا رأى بعض العلماء أن كل صاحب ولاية له الحق فى إقامة الحد على من هو مسئول عنه، واستندوا فى ذلك إلى بعض وقائع حدثت فى أيام النبى ﷺ وفى عهد التشريع ومن هؤلاء الإمام الشافعى الذي رأى أن للسيد أن يقيم الحد على مملوكه بدليل ما رواه مسلم وأحمد وأبو داود وغيرهم عن على بن أبى طالب رضى الله عنه قال: أمرنى النبى ﷺ أن أقيم الحد على خادمة له أخطات، فأتيتها فوجدتها لم تجف من دمها، فأتيته فأخبرته فقال " إذا جفت من دمها فأقم عليها الحد، أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم " وقد يقال: إن المسئول هنا هو النبى ﷺ وقد أمر عليًّا أن ينفذ الحد، لكن عموم قوله " أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم " يعطى الحق للسيد أن يقيم الحد على مملوكه. وقد يكون هذا دليلا على إقامة السيد الحد على مملوكه فقط، وليس دليلا على إقامة الحدود عامة. والشوكانى فى نيل الأوطار "ج ٧ ص ١٢٩ " ذكر حوادث فى جواز إقامة السيد الحد على مملوكه. ونقل عن الثورى والأوزاعي أن ذلك خاص بحد الزنا دون غيره، وأن الحنفية منعوا السيد من إقامة أى حد على مملوكه وجعلوه من اختصاص الحاكم كسائر الحدود، وجاء مثل ذلك فى فتح البارى لابن حجر.
والخلاصة إنه إذا وجد خلاف بين الأئمة فى إقامة الحدود بالنسبة للسيد ومملوكه.
فإن العلماء يكادون يتفقون على أن الحدود-فيما عدا ذلك -هى من اختصاص الحاكم. بناء على أقوال لبعض الصحابة وليس على نصوص من القراَن والسنة، كقول ابى عبد الله أحد الصحابة: الزكاة والحدود والفىء والجمعة إلى السلطان. وهو ما ينبغى أن يؤخذ به حتى لا تكون هناك فوضى في تطبيق الحدود التى أمرنا رسول الله ﷺ بدرئها بالشبهات. وفي ميدان التعزير متسع لاختلاف وجهات النظر ومراعاة الظروف.
وننصح من يتورطون في جريمة عقوبتها الحد أو غيره، وبخاصة ما ليس فيها حق للعباد أن يستروا أنفسهم فلا يبيحوا بها، ولا يطلب أحد أن يقام عليه الحد لتغير خطئه فالتوبة النصوح أحسن وسيلة.
وأوقع فى عدم الوصمة للفرد والمجتمع بالانحراف. يقول النبى ﷺ "من أصاب شيئا من هذه القاذورات فليستتر بستر الله، فإن من أبدى لنا صفحته أقمنا عليه الحد " رواه مالك فى الموطأ. ويقول فى مبايعته لأصحابه على عدم الشرك والزنا والسرقة والقتل " ومن أصاب شيئا، ذلك فستره الله عليه فأمره إلى الله، إن شاء عفا عنه وإن شاء عذَّبه " رواه البخارى ومسلم.
كما ينبغى لمن لم يتورطوا فى الجرائم أن يستروا على من أخطئوا بعد قيامهم بواجب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة، فقد قال الرسول لرجل من أسلم اسمه هزَّال جاء يشكو رجلا بالزن " لو سترته بردائك كان خيرا لك " رواه أبو داود والنسائى، وقال "من ستر عورة أخيه المسلم ستر الله عورته يوم القيامة، ومن كشف عورة أخيه كشف الله عورته حتى يفضحه فى بيته " رواه ابن ماجه، ومن الستر ألا يبادر بالشهادة عليه عند الاتهام، ما لم يُدع إليها فتجب. ومحل الستر إذا لم يكن المخطىء مستهترًا متعودًا وإلا كان مساعدة على المنكر وهو ممنوع