стр. 1
← Фикх общий следующие страницы →
Фикх общий · id 437
موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي
مجموعة من المؤلفين
Полный текст (9 614 стр.). Показаны 1–40.
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسّلام على سيدنا محمد النبى الأمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأصحابه الهداة الراشدين، ومن تبعهم باحسان الى يوم الدين. … أما بعد
فان شريعة الاسلام هى المحجة البيضاء، والصراط المستقيم، شرعها الله تعالى بعلمه، وأنزلها على خاتم أنبيائه ورسله، ووفر لها من أسباب القوة والحفظ ما جعلها خالدة على الدهر، معصومة عن أن تميل الى باطل، أو تنحرف الى ضلال، ويسر لها، منذ عهد الصحابة والتابعين ومن جاءوا بعدهم، أقواما آمنوا بها، وأخلصوا لها، فشمروا عن سواعد الجد فى خدمتها، وتجلية أحكامها وأدلتها، وتوسيع آفاقها، وبيان أصولها وفروعها، ودراسة أحوال الناس على ضوئها، وفى نطاق مبادئها وقواعدها، حتى أصبحت بحورها زاخرة، ورياضها ناضرة، ونجومها زاهرة، وتبين للناس أنها محيطة بكل ما يعرض لهم من شئون الحياة فى جوانبها العقيدية والعبادية والتعاملية والنظامية والادارية والحكمية والسياسية والاجتماعية، وفى مختلف الصلات التى تكون بين الأفراد فى داخل الأمة، وبين الأمة وغيرها من المسالمين أو المحاربين، كل ذلك على نحو يكفل حل المشكلات، ودفع المحرجات، وتيسير الصعاب، كما يكفل أسباب السعادة والأمن والعدل والقوة والاستقامة على النهج الراشد والمثل الأعلى.
ولقد كان الفقه الاسلامى فى مختلف العصور، مظهرا من مظاهر عناية الأمة بهذه الشريعة المطهرة: شريعة العدل والرحمة والاصلاح، وكانت المذاهب التى تستند الى أصوله الثابتة، وقواعده المقررة، مدارس للنظر والبحث والاستنباط والترجيح اعتمادا على الأدلة المستمدة من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ، وما استند اليهما من اجماع صحيح، أو قياس واضح، أو أدلة ظنية، أو قواعد أصولية أو فقهية.
وقد دونت فى ذلك كله كتب نافعة، ومصنفات جامعة، تحوى آراء أصحاب المذاهب، وأقوال متبعيهم، وترجيحات مرجحيهم، حتى أصبحت المكتبة الفقهية
стр. 3
الاسلامية غنية بهذه الثمرات الطيبة من آثار السلف التى تعد من أعظم مفاخر المسلمين، والتى شهد لها العالم كله، واقتبس منها واضعو قوانينه فى الشرق والغرب، حتى اننا لنستطيع أن نقول انه ما من تشريع وضعى عادل عرفه العالم الا وهو مستمد من مذهب من مذاهب الفقهاء المسلمين، أو مندرج تحت قاعدة كلية أو نص عام أو خاص من نصوص الشريعة، عدا ما خرجت فيه القوانين الوضعية عن نطاق الاسلام من اباحة لشئ مما حرم الله، أو تحريما لشئ مما أباحه.
فالفقه الاسلامى اذن بأصوله وقواعده ومذاهبه، هو المصدر الأعظم للتقنين والتشريع فى مختلف العصور، وكتبه ومصنفاته هى المراجع الأصلية لكل من أراد أن يستقى من المنابع الصافية الشافية.
وفى هذا العصر الحديث آمن بهذه القضية كثير ممن كانوا لا يؤمنون بها واتجهت الأنظار الى هذا الفقه، رغبة فى الافادة منه، والتعويل عليه، والاقتباس من أحكامه فى مختلف مذاهبه. بيد أن كتبه ومصنفاته التى تحوى فوائده وغرره انما هى بحار زاخرة بعيدة الغور تحتاج الى غوص وبحث تمدهما تجربة ومعرفة لا يتيسران لكل الناظرين، ولا تتوافر أدواتهما لكثير من الباحثين. فكان من الآمال العظيمة التى تتردد فى نفوس المحبين لهذا الفقه المؤمنين بأنه هو صراط الله المستقيم، أن يكون له موسوعة منظمة منسقة مرتبة مصطلحاتها على حروف المعجم، تجمع شتاته، وتؤلف بين مذاهبه، وتضم الشبيه الى شبيهه، حتى يستطيع الناظر فيه، الراغب فى معرفة خوافيه، أن يجد الموضوع الواحد فى المكان الواحد، مهما تعددت المذاهب، واختلفت الأبواب والكتب، وتعددت الفروع، وأن يلم فى ايجاز بما استدل به القائلون فيما يحتاج الى بيان للمدارك ووجهات النظر.
وقد أراد الله جل شأنه أن تحتضن جمهورية مصر العربية فى عيدها الاسلامى الزاهر هذا العمل الضخم، فتشرع فى تصنيف موسوعة جامعة للفقه الاسلامى فى مذاهبه المشهورة، يحقق آمال الراغبين فيه، الحريصين عليه، وتكون منارة يهتدى بها كل من أراد الفقه السليم، والتشريع المستقيم.
ويقتضينا واجب الانصاف للحق وللعاملين المخلصين أن نسجل الحقائق الآتية:
стр. 4
أولا: ان وضع هذه الموسوعة الفقهية عمل سارعت اليه عصبة الخير، ورهط الايمان من اخواننا فى جامعة دمشق، لما جمعتهم المجامع، وأحسوا أن للفقه الاسلامى حقا أكيدا على خاصة المسلمين وعامتهم، لا يقبل التغاضى ولا التقصير ولا التسويف، فأجمعوا أمرهم على أن يبدأوا العمل فى هذه الموسوعة، وأخذوا يعدون عدتها، ويهيئون مراجعها، ويجمعون مصطلحاتها، وساروا بخطى توائم استطاعتهم.
ثانيا: ان الذى تلقى شرف التوجيه الأول الى احتضان هذا العمل الصالح هو وزير الأوقاف يومئذ السيد أحمد عبد الله طعيمة - فسارع الى تكوين لجنة خاصة بالموسوعة تابعة للمجلس الأعلى للشئون الاسلامية تعمل على تنفيذ هذا التوجيه، وهى اللجنة التى جاء ذكرها فى المقدمة التالية، والتى كانت مشتركة بين السوريين والمصريين.
وكان المجلس الأعلى للشئون الاسلامية قد أصدر فى سنة ١٣٨١ هـ - ٢٣ يوليو سنة ١٩٦١ م جزءا نموذجيا للموسوعة على سبيل التجربة أراد به أن يكون تحت أنظار العلماء والمشتغلين بالفقه والقانون على أن يبدأ باعداد الجزء الأول من أجزائها فى صورته النهائية.
وقد نشطت اللجنة منذ صدور هذا القرار وواصلت العمل فى اعداد هذا الجزء، غير آلية جهدا ولا مدخرة وسعا، رغم المشاق والصعاب حتى استطاعت أن تتمه.
فباسم الله تعالى وعلى بركته، نقدم أول جزء من أجزاء «موسوعة الفقه الإسلامى» إلى جميع المشتغلين بالفقه والقانون فى مختلف بلاد العالم، وإلى كل مؤمن يريد أن يستبصر بشريعة الله، ويهتدى بهديها، وإن اكتمال هذا الجزء لايذان باطراد العمل ومواصلة السير لتحقيق هذا الأمل.
وانه - وايم الله - لعمل جد عظيم
وما هذا العمل الا جهاد فى سبيل الله فهو من خير الوسائل للتحرر من الاستعمار التشريعى الذى بغى وطغى على التشريع الاسلامى فى جميع دياره ولا سلاح له الا الافك والمفتريات.
стр. 5
وهو فى الوقت نفسه انتصار للتشريع الذى خلق القومية العربية، وبرهن التاريخ على أنه أعظم مقوماتها، وأقوى دعائمها، لا تحيا إلا بحياته، ولا تقوى إلا بقوته،
فباسم الله مجرى «موسوعة الفقه الاسلامى» وبأنعم الله وأفضاله يطيب مسيرها، ويحمد ان شاء الله مرساها.
رئيس اللجنة
حسن مأمون
стр. 6
التعريف بالفقه الاسلامى
معنى الفقه لغة:
قال فى الصحاح: الفقه الفهم. قال أعرابى لعيسى بن عمر: شهدت عليك بالفقه.
تقول منه فقه الرجل بالكسر، وفلان لا يفقه ولا ينقه (أى يفهم).
وفى القاموس المحيط: الفقه بالكسر العلم بالشئ والفهم لة. وفى المصباح المنير الفقه فهم الشئ. قال ابن فارس: وكل علم لشئ فهو فقه.
فالفقه هو الفهم لما ظهر أو خفى، قولا كان أو غير قول، ومن ذلك قول الكتاب الكريم: «ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمّا تَقُولُ» (١).
«وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ» (٢).
«اُنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ» (٣).
غير أن القرافى قال فى شرح تنقيح الفصول: وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازى: الفقه فى اللغة إدراك الأشياء الخفية. فلذلك تقول: فقهت كلامك ولا تقول فقهت السماء والأرض. وعلى هذا النقل لا يكون لفظ الفقه مرادفا لهذه الألفاظ، والألفاظ التى يشير إليها القرافى هى: الفهم والعلم والشعر والطب.
ولفظ الفقه من المصادر التى تؤدى معناها، وكثيرا ما يراد منها متعلق معناها كالعلم بمعنى المعلوم، والعدل بمعنى العادل.
معنى الفقه فى الصدر الأول:
وقد غلب فى الصدر الأول استعمال الفقه فى فهم أحكام الدين جميعها، أى فهم كل ما شرع الله لعباده من الأحكام، سواء أكانت متعلقة بالإيمان والعقائد وما يتصل بها، أم كانت أحكام الفروض والحدود والأوامر والنواهى والتخيير والوضع، فكان اسم الفقه فى هذا العهد متناولا لهذين النوعين على السواء، لم يختص به واحد منهما دون الأخر، وكان مرادفا إذ ذاك لكلمات «شريعة، وشرعة، وشرع، ودين» التى كان يفهم من كل منهما النوعان جميعا.
وكما كان اسم الفقه يطلق على فهم جميع هذه الأحكام، كان يطلق على الأحكام نفسها، ومن ذلك قولة ﵊: «رب حامل فقه غير فقيه» «رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه».
وهذا الاستعمال الجامع قد استمر أمدا ليس بالقصير، يرشدنا إلى هذا ما نقل عن الإمام أبى حنيفة: من أن الفقه هو معرفة النفس ما لها وما عليها، وما هذه المعرفة إلا معرفة أحكام الله بنوعيها، كما أنة سمى كتابة فى العقائد «الفقه الأكبر».
стр. 7
ثم تغير هذا الاستعمال ودخل التخصيص على اسم الفقه، ونشأ اصطلاح للأصوليين وآخر للفقهاء.
معنى الفقه عند الأصوليين:
يحسن بنا أن نشير أولا إلى أن ما نزل به الوحى الإلهى على رسول الله ﷺ ، كتابا كان أو سنة، من الأحكام العملية، قد يكون دليله قطعى الثبوت وقطعى الدلالة معا، وهو ما تعورف إطلاق النص علية، وهذا النوع لا مجال فيه للاجتهاد، وإن كان محلا للنظر، فمنه ما يكون ضروريا وشعيرة إسلامية كوجوب الصلاة والزكاة والصوم والحج، ومنة ما هو نظرى. ومثل النص فى كل هذا الإجماع إذا كان ثابتا ثبوتا قطعيا.
وقد يكون الدليل قطعى الثبوت ظنى الدلالة، وقد يكون ظنى الثبوت قطعى الدلالة، وقد يكون ظنى الثبوت والدلالة.
وهذه الأنواع الثلاثة هى محل الاجتهاد وتسمى أحكامها أحكاما ظنية وأحكاما اجتهادية، فقولة تعالى: «وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ» (١) قطعى الثبوت وقطعى الدلالة على وجوب أصل المسح، فهو حكم قطعى، لكن دلالته على مقدار ما يمسح من الرأس، أهو الكل أو الربع أو البعض، دلالة ظنية، فالأخذ بأى مقدار يكون حكما ظنيا اجتهاديا.
بعد هذا نقول: إن الأصوليين قد اتجهت عنايتهم إلى بيان مفهوم الفقه فى اصطلاحهم بالمعنى الوصفى، أى الحال التى إذا وجد عليها المرء سمى فقيها. ولم يعرضوا لمعناه الاسمى، أى المسائل والأحكام التى يطلق عليها اسم الفقه، وإن كان من الممكن أن يقال: إن الأحكام التى تسمى معرفتها فقها هى التى يمكن أن تسمى فقها بالمعنى الاسمى، والأحكام التى لا تسمى معرفتها فقها لا تسمى فقها بذلك المعنى. غير أن المسألة مسألة اصطلاح ونقل له - لا مسألة استخراج وتفهم واستنباط لوازم.
وقد أفاض الأصوليون، وبخاصة المتأخرين منهم، فى بيان معنى الفقه الوصفى فى مصطلحهم، وكانت لهم فى ذلك تعريفات واعتراضات ومناقشات وكلام طويل خلاصته أن لهم فى ذلك ثلاث طرائق.
فالطريقة التى جرى عليها جمهورهم هى أن الفقه معرفة الأحكام الشرعية التى طريقها الاجتهاد كما قال الشيرازى فى اللمع. وهو بعينة ما عرّف به غيره الفقه: من أنه العلم بالأحكام الشرعية العملية بالاستدلال كما قال بعضهم أو من طريق أدلتها التفصيلية كما قال البعض الآخر، فالعلم بالذوات من أجسام وصفات وسواها ليس فقها لأنه ليس علم أحكام.
والعلم بالأحكام العقلية والحسية والوضعية كأحكام الحساب والهندسة والموسيقى والنحو والصرف لا يسمى فقها لأنه علم أحكام ليست بشرعية.
وعلم أحكام أصول الدين وأصول الفقه ليس فقها، لأنها أحكام شرعية علمية وليست عملية.
стр. 8
وبقيد الاستدلال خرج عن أن يكون فقها علم جبريل ورسول الله ﷺ وعلم المقلد بالأحكام الشرعية العملية، لأنه علم ليس عن استدلال، وكذلك العلم بشعائر الإسلام كوجوب الصلاة والصيام والزكاة وغير ذلك مما هو معلوم بالضرورة.
من غير استدلال، فهذا لا يسمى فقها لحصوله للعوام والنساء والأطفال المميزين، فالفقه هو العلم الاجتهادى والفقيه هو المجتهد.
والطريقة الثانية:
هى ما انتزعه صدر الشريعة مما جاء بأصول البزدوى مع شئ من التصرف. فقد اختار فى التنقيح تعريف الفقه: بأنه العلم بكل الأحكام الشرعية العملية التى قد ظهر نزول الوحى بها والتى انعقد الإجماع عليها من أدلتها مع ملكة الاستنباط الصحيح منها، فلكى يتحقق معنى الفقه عنده، يجب العلم بالأحكام الشرعية العملية المعروفة أخذا من أدلتها، قطعية كانت أو ظنية، وليس الاستدلال بمعنى الاجتهاد شرطا لحصول هذا العلم، ويجب أيضا أن تكون مع هذا ملكة الاستنباط الصحيح من الأحكام الشرعية التى نزل بها الوحى، أو انعقد عليها الإجماع. فالفقيه على هذا من كان أهلا للاجتهاد وإن لم يقع منه اجتهاد.
والطريقة الثالثة:
هى التى جرى عليها الكمال بن الهمام فى التحرير ولا تعرف لغيره، وهى لا تختلف عن الطريقة السابقة إلا فى بعض أمور أهمها ما يرجع إلى المراد من الأحكام الشرعية، فقد ذهب إلى أنها القطعية لا الظنية، وأن الظن ليس من الفقه، وأن الأحكام المظنونة ليست مما يسمى العلم بها فقها.
فالفرق بين الطرائق الثلاث يرجع إلى المراد من الأحكام. فمنهم من أراد منها الظنية وحدها، ومنهم من أراد القطعية وحدها، ومنهم من جعلها شاملة للقطعية والظنية، وقد نقل ابن عابدين فى رد المحتار عن شرح التحرير، أن التعميم قد نص غير واحد من المتأخرين على أنه الحق وعليه عمل السلف والخلف. ودعوى هذا الشارح فى جريان العمل عليه دعوى جريئة لا يصدقها الواقع.
معنى الفقه فى اصطلاح الفقهاء:
واسم الفقه قد استعمل فى اصطلاح الفقهاء للدلالة على أحد معنيين، أحدهما:
حفظ طائفة من مسائل الأحكام الشرعية العملية الواردة بالكتاب والسنة وما استنبط منها، سواء أحفظت مع أدلتها أم حفظت مجردة عن هذه الدلائل. فاسم الفقيه عندهم ليس خاصا بالمجتهد كما هو اصطلاح الأصوليين، بل يتناول المجتهد المطلق، والمجتهد المنتسب، ومجتهد المذهب، ومن هو من أهل التخريج وأصحاب الوجوه، ومن كان من أهل الترجيح، ومن كان من عامة المشتغلين بهذه المسائل.
وتكلموا فى المقدار الأدنى من هذه المسائل الذى يسمى حفظه فقها وانته تحقيقهم إلى أن هذا متروك للعرف، غير
стр. 9
أنهم لا يصفون بفقه النفس إلا من كان واسع الاطلاع، قوى الفهم والإدراك، متين الحجة، بعيد الغور فى التحقيق والغوص على المعانى، ذا ذوق فقهى سليم نقى، وإن كان مقلدا، كما اعتادوا أن يصفوا بذلك الكمال بن الهمام وأضرابه من الفقهاء المقلدين.
والمعنى الثانى الذى يطلق عليه اسم الفقه:
مجموعة هذه الأحكام والمسائل. فإذا ذكرت دراسة الفقه أو فهم الفقه، أو ما ورد فى الفقه، أو التأليف فى الفقه، أو كتب الفقه أو ما هو من هذا القبيل، فإنهم لا يعنون إلا هذه المجموعة التى تحتوى على الأحكام الشرعية العملية التى نزل بها الوحى، قطعية كانت أو ظنية، وعلى ما استنبطه المجتهدون على اختلاف طبقاتهم، وعلى ما اهتدى إليه أهل التخريج والوجوه، وعلى ما ظهرت روايته واشتهرت وما لم يكن كذلك، وعلى الأقوال الصحيحة والأقوال الراجحة والأقوال غير الصحيحة والمرجوحة والضعيفة والشاذة، وعلى ما أفتى به أهل الفتوى فى الواقعات والنوازل، وإن لم يقم على استنباط ولم يكن إلا تطبيقا للأحكام المقررة، وعلى بعض ما احتيج إليه من مسائل العلوم الأخرى كبعض أبواب الحساب التى ألحقت بالوصايا والمواريث، وعلى ما رآه متأخر والفقهاء الذين ليسوا من أهل الاجتهاد ولا التخريج من طريق ما سموه تفقها، أو استظهارا أو أخذا، أو ما أشبه ذلك، فكل هذا الذى ذكرنا قد اندمج بعضه ببعض وصار فقها.
ولكل مذهب من المذاهب الفقهية مجموعته الخاصة التى تنسب إليه، فيقال فقه مذهب أبى حنيفة، وفقه مذهب مالك وفقه مذهب الإمامية، وفقه الزيدية، وفقه الإباضية، وهكذا. ومنذ الأزمنة البعيدة وجدت مجموعة عامة شاملة لفقه المذاهب الفقهية كلها أو أشهرها، وهى التى اختصت باسم اختلاف الفقهاء، والمجموعات الخاصة والمجموعة العامة كلاهما يتناوله اسم الفقه.
والفقه بهذين المعنيين يطلق عليه أيضا علم الفروع، أو الفروع، أما فى مقابلة العقائد وأصول الدين، لأن التصديق بالأحكام العملية فرع للتصديق بالعقائد، وأما فى مقابلة أصول الفقه لتفرع تلك الأحكام عن أصولها وأدلتها التى هى موضوع أصول الفقه.
وقد يطلق الفقهاء اسم الفروع أيضا على بعض المسائل المتفرعة على أصول المسائل الفقهية الكلية.
الشريعة والفقه
الشريعة والشرعة معناها فى اللغة: مورد الناس للاستقاء، سمى بذلك لوضوحه وظهوره، وتجمع الشريعة على شرائع والشرع مصدر شرع بمعنى وضح وأظهر.
وقد غلب استعمال هذه الألفاظ فى الدين وجميع أحكامه «شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ» (١).
«لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً» (٢).
«ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها» (٣).
стр. 10
فالشرع أو الشريعة أو الشرعة، هو ما نزل به الوحى على رسول الله ﷺ من الأحكام فى الكتاب والسنة، مما يتعلق بالعقائد والوجدانيات وأفعال المكلفين قطعيا كان أو ظنيا، ومعناه يساوى معنى الفقه فى الصدر الأول.
ولا نعرف أنه قد طرأ عليه تخصيص، اللهم إلا ما قد يشعر به استعمال بعض الفقهاء أحيانا لكلمة «شرائع الأحكام» ولا يريدون منها إلا الأحكام التكليفية والوضعية، ولكن هذا لا يرقى إلى مرتبة التخصيص والاصطلاح.
أما الأحكام التى لم ترد لا فى الكتاب ولا فى السنة نطقا ولا عملا، وكانت مما استنبطه المجتهدون من معانى تلك الأحكام، ولم يجمع عليها من أهل الإجماع، فليست إلا أفهاما وآراء لأربابها، ولا تسمى فى الحقيقة شرعا ولا شريعة. وما نسبت إلى الشرع وسميت أحكاما شرعية فى تعريف الفقه وفى غيره من المواطن إلا لأنها مستنبطة من الشرع، لا لأنها منه.
فإذا وازنا بين مفهوم الشرع أو الشريعة، ومفهوم الفقه بالمعنى الاسمى فى اصطلاح الفقهاء، وجدنا أن بينهما العموم والخصوص الوجهى، يجتمعان فى الأحكام التى وردت بالكتاب والسنة، وينفرد الشرع أو الشريعة فى أحكام العقائد وما إليها مما ليس فقها، وينفرد الفقه فى الأحكام الاجتهادية وما يلتحق بها.
وقد ظهر فى عصرنا إطلاق اسم الشريعة الإسلامية على الفقه وما يتصل به. وربما كان بدء ظهور هذا فى مدرسة الحقوق بالقاهرة، ثم كثر استعماله، حتى إنه لا يفهم الآن من الشريعة الإسلامية عند الإطلاق إلا هذا المعنى، وعلى هذا الأساس سميت الكليات التى خصصت فى بعض البلاد الإسلامية لدراسة الفقه، وما يتصل به، كلية الشريعة الإسلامية.
وقد فشا أخيرا فى القضاء استعمال عبارة «المنصوص عليه شرعا كذا»، وقد يكون ما ينقل ليس إلا رأيا لأحد المؤلفين فى الفقه.
على أن الأمر ليس ذا شأن كبير ما دامت المسألة مسألة اصطلاح، فقديما قالوا: أنه لا مشاحة فى الاصطلاح.
ما ليس فقها:
والأفهام والآراء التى يتوصل إليها من طريق النظر فى الأحكام الشرعية لا تسمى فقها، إلا إذا وقعت موقعها وصدرت عمن هو أهل لها، وإلا كانت مهدرة ليس لأحد أن يعول عليها، ولا أن يدخلها فى باب اختلاف الفقهاء ويعتبرها فقها.
ومن القضايا المشهورة المسلمة، أن الاجتهاد فى مقابلة النص لا يقبل. وقال الفقهاء: إن الاجتهاد إذا كان مخالفا للكتاب أو السنة أو الإجماع، أو كان قولا بلا دليل لا يكون معتبرا، ويكون خلافا، ولا يكون من قبيل اختلاف الفقهاء، وإذا قضى به القاضى وقع قضائه باطلا.
وواضح أنهم لا يعنون من مخالفة الكتاب والسنة، إلا مخالفة نصهما، أى ما هو قطعى الثبوت والدلالة منهما.
ومخالفة الكتاب الكريم تكون برد نصه القاطع فى دلالته، كالقول بحل الربا فى بعض
стр. 11
صوره، لأنه مخالف لقوله تعالى: «وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا»
كما يكون بحمل النص على ما لا سبيل إلى حمله عليه، لا من دلالة اللغة ولا من سواها. كالقول بأن للمسلم أن يجمع بين تسع زوجات، بحمل قوله تعالى: «مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ» (٢) على معنى اثنين وثلاث وأربع، فتكون الجملة تسعا، وهو حمل لا تسيغه لغة، ولا يقره فهم سليم.
ومن مخالفة السنة المشهورة القاطعة فى دلالتها، القول بحل المطلقة ثلاثا لزوجها الأول إذا تزوجها آخر بعقد صحيح ولم يدخل بها ثم طلقها، لأنه رد لحديث العسيلة المعروف الذى اشترط للحل الدخول والإصابة، وهو قوله ﵊، فيما رواه ابن عمر، قال: سئل نبى الله ﷺ عن الرجل يطلق امرأته ثلاثا، فيتزوجها آخر فيغلق الباب، ويرخى الستر، ثم يطلقها قبل أن يدخل بها. هل تحل للأول؟ قال: «لا، حتى يذوق العسيلة».
ومن مخالفة الإجماع القول بأن للقاضى أن ينقض الحكم الذى صدر فى مسألة اجتهادية بناء على اجتهاد معتبر إذا رفع إليه هذا الحكم وكان لا يرى الرأى الذى انبنى عليه.
ومن القول بلا دليل، القول بسقوط الحق بالتقادم، فإنه قول لا دليل عليه من أى نوع من أنواع الأدلة. والقول بلا دليل هو القول يكون لمجرد استحسان العقل من غير استناد إلى دليل من الأدلة المعتبرة، وهذا هو القول بالتشهى والهوى وهو الرأى المذموم الذى أفاض العلماء فى رده، وفرقوا بينه وبين الرأى المحمود.
أما الأقوال الضعيفة المنقولة فى المذاهب الفقهية، فإن كان ضعفها ناشئا عما يدخلها فى الأنواع السابقة، فهى من الخلاف وليست من قبيل الاختلاف.
أما إذا كان القول بضعفها ناشئا عن الموازنة بين دليلها ودليل ما يخالفها من ناحية القوة والضعف، فلا سبيل إلى إخراجها من دائرة اختلاف الفقهاء، وما مثلها إلا مثل مذاهب الأئمة المجتهدين، فان كل إمام يرى أن مذهبه أقوى دليلا من مذهب مخالفة، ويرى كل منهم أن مذهبه صواب يحتمل الخطأ ومذهب مخالفه خطأ يحتمل الصواب. وهذا هو الشأن فى الأقوال المختلفة فى المذهب الواحد.
والحكم فى كل ما ذكرت هو الرأى العام الفقهى. فهو الذى يعتمد عليه فى معرفة ما إذا كان الرأى من باب الخلاف أو من باب اختلاف الفقهاء. وسيان أن يكون هذا الرأى العام رأى الكل أو رأى الأكثرين وجمهور من يعتد بهم. فلا وزن لما ذهب إليه بعض الأقلين الذين انحرفوا وأسرفوا فى تطبيق قاعدة الخلاف، ورموا أعلاما يهتدى بهم، بالضلال ومخالفة الكتاب الكريم ورد السنة الصحيحة والخروج على الإجماع وقالوا فى بعض أقوالهم إنها خلاف وليست من الدين فى شئ.
أما أصحاب النظر وأهل الرأى الذى يعتد به فهم الأئمة المجتهدون، والمجتهدون (١) الآية: ٢٧٥ سورة البقرة.
стр. 12
المنتسبون، وهم الذين تلقوا فقههم عن إمام معين، وتأثروا بطريقته فى الاجتهاد إلى حد كبير، فإن له أثرا واضحا فى اجتهادهم ولكنهم يخالفون أستاذهم فى الأصول وفى الفروع.
والمجتهدون فى المسائل، وهم فقهاء أظهر أحوالهم أنهم مقلدون لإمام معين لا يخالفونه فى أصول ولا فى فروع، ولكنهم يجتهدون فى المسائل التي لا رواية فيها. وأهل الوجوه والتخريج وهم فقهاء مقلدون لا اجتهاد لهم وكل عملهم هو تفصيل ما روى مجملا وتكميل ما روى محتملا، ثم يأتى بعد ذلك أهل التفقه والاستظهار والأخذ الذين برزوا فى صفوف أواخر المتأخرين ودونت آراؤهم فى المذاهب وتنو قلت ولا سبيل إلى استبعادها بل ربما كان الحرص عليها أشد من سواها.
أما من لم يكن من أهل الاجتهاد بأنواعه، ولا من أهل الوجوه والتخريج ومن بعدهم فإنه لا يعتد برأيه ولا يعتبر ما ذهب إليه فقها، لأنه صادر عمن ليس أهلا له. ويكون رده أولى إذا كان مخالفا لرأى الإمام الذى يقلده.
ولذا ترى الحنفية يقولون - فى بعض ما يعترض به الكمال بن الهمام ويقرر خلال ذلك ما يراه، أن الاعتراض وارد والفقه مسلم، فإذن لا سبيل إلى جعل هذا الرأى من مذهب الحنفية، لمخالفته له، ولا سبيل إلى الأخذ به تقليدا لصاحبه، لأنه هو نفسه مقلد وليس ممن يقلدون، فلا يعتبر ما ذهب إليه فقها بأى حال.
وإذا كان عمل الفقيه أو المتفقه الذى ليس من الطوائف التى ذكرت هو الترجيح بين الأقوال المختلفة، أو تصحيح الروايات وتحرير الأقوال، فليس هذا مما نحن فيه هنا.
والحكم فى كل ما أوردناه فى هذه الناحية هو الرأى العام الفقهى على النحو الذى ذكر فى المسألة السابقة، فلا وزن لقول من قال تصريحا أو تلويحا: إن الإمام أحمد بن حنبل ليس فقيها، وإنما هو محدث، ولا لقول من قال: إن داود بن على الأصفهانى، رأس الظاهرية، ليس من المجتهدين، فقد حكم لهما الرأى العام الفقهى أقوى الأحكام فى مختلف العصور.
أما آراء المشتغلين بالفقه المعاصرين التى تخالف المعروف فى الفقه، أو التى لا رواية فيها، أو التى ترجح مذهبا على آخر، فإن الرأى العام الفقهى لم يصدر حكمه فيها، أما تحريرهم للمنقول وتحقيقه فالحكم فيه ما يكون عليه.
стр. 13
المصادر الفقهية
لا حاكم سوى الله سبحانه، ولا حكم إلا ما حكم به، ولا شرع إلا ما شرعه.
على هذا اتفق المسلمون، وقال به جميعهم حتى المعتزلة (أهل العدل) الذين يقولون: إن فى الأفعال حسنا وقبحا يستقل العقل بإدراكهما، وأن على الله أن يأمر وينهى على وفق ما فى الأفعال من حسن وقبح، فالحاكم عند الجميع هو الله سبحانه، والحكم حكمه. وهو الشارع لا غيره، وإذا كان رسول الله ﷺ قد أطلق عليه اسم الشارع فى بعض عبارات العلماء، فما كان ذلك إلا تجوزا مراعاة لأنه المبلغ عنه.
وإذا كان الشاطبى فى بعض المواطن قد سمى عمل المجتهد تشريعا فما كان ذلك منه إلا تساهلا أساغه أن عمل المجتهد كاشف عن التشريع ومظهر له، فالسلطة التشريعية هى الله وحده.
والشريعة، أو الشرعة، أو الشرع، فيما يختص بالعمليات، هى حكم الله تعالى، وهو أثر خطابه جل شأنه المتعلق بأفعال العباد اقتضاء أو تخييرا أو وضعا.
والله جلت حكمته لم يفوض إلى أحد من عباده، لا إلى رسول ولا نبى ولا إمام ولا ولى ولا إلى غيرهم، أن يشرع للناس من الأحكام ما يريد وأن يحكم بينهم بما يراه هو من عند نفسه وكيف اتفق، وقد نقل القول بالتفويض أو العصمة عن بعض الناس، فمن العلماء من أبقاه على ظاهره وأقام الحجة البالغة على بطلانه، ومنهم من تأوله وحمله على إرادة النظر والاجتهاد.
والإحالة (بمعنى الإسناد فى لغة القانونيين) إلى شريعة أو أحكام أخرى تحل محل أحكام الشريعة الإسلامية أحيانا أو تكمل أحكامها، أمر يحتاج الى شئ من البيان.
فغير المسلمين الكتابيون إذا كانوا من أهل دار الإسلام، اتفق الجميع على أنهم لا يتعرض لهم فى عباداتهم والقيام بشعائر دينهم، أما فيما عدا ذلك فالجمهور على أنهم خاضعون للشريعة الإسلامية فيتعرض لهم إذا خالفوا أحكامها ويقضى بينهم بتلك الأحكام متى كان القضاء بينهم حقا لنا - وهى مسألة اختلافية - وذهب الإمام أبو حنيفة نفسه: إلى أنه لا يتعرض لهم فى معاملاتهم التى لا يتعدى ضررها إلى المسلمين ويقضى بينهم فى ذلك بأحكام دينهم. أما فيما يتعدى ضرره إلى المسلمين، فإنهم خاضعون لأحكام الشريعة الإسلامية، وهذا مجمل مذهبه بوجه عام. وذهب صاحباه إلى عدم التعرض لهم فى ذلك، ولكن يقضى بينهم بأحكام الشريعة الإسلامية.
ومن هذا الموجز يعرف من يقول بالإحالة ومدى قوله بها.
أما العرف فلا توجد إحالة تشريعية إلى أحكامه، فالعرف إنما يلجأ إليه فى معرفة
стр. 14
ما يريده المتكلم من الأيمان والعقود وما إلى ذلك، وفى معرفة قيم المتلفات وأشباهها، وفى الوقوف على الشروط التى يصحح العرف اشتراطها فى العقود.
هذا هو كل ما يلجأ فيه إلى العرف، ولا يلجأ إليه فى معرفة حكم تشريعى ليطبق، وإنما يلجأ إليه فى تكييف الواقعات والنوازل ليطبق عليها الحكم المعروف فى الشريعة، ولا يترك بسببه حكم نص ولا إجماع ولا حكم فقهى لم يكن مبنيا على العرف، وإنما يترك به الحكم الفقهى إذا كان مبنيا على عرف ثم تغير إلى عرف آخر. فاعتبار العرف فى الشريعة الإسلامية ليس من باب الإحالة التشريعية، كما أنه ليس من الأدلة الإجمالية، ولا يعدو أن يكون قاعدة فقهية.
أما شرائع من قبلنا، فالكل متفقون على أن ما لم يروه الشارع لنا لا يكون شريعة لنا، وأن ما رواه لنا وأمرنا باتباعه كان من أحكام شريعتنا، واختلفوا فيما رواه لنا ولم يأمرنا باتباعه، فذهبت طائفة: إلى أن مجرد الرواية يعتبر كالأمر فيكون من شريعتنا، وذهبت طائفة أخرى: إلى أنه لا يكون شريعة لنا. فمسألة شرائع من قبلنا أبعد ما تكون عن موضوع الإحالة وعن أن تكون دليلا إجماليا ومصدرا فقهيا.
والمعتزلة قد ذهبوا: إلى أن العقل يستقل بادراك ما فى الأفعال من حسن وقبح، وبالتالى يستقل بادراك حكم الله الملائم لذلك وإن لم يأت به شرع ولم ينزل به الوحى. فالمصدر الأصلى عندهم للوقوف على حكم الله هو العقل.
أما جمهور المسلمين فعلى أنه لا حكم للعقل وأن حكم الله لا يعرف إلا من قبله، ولا يكون ذلك إلا من طريق الوحى إلى رسول الله ﷺ (الكتاب والسنة) الذى أمر بتبليغه إلى الناس فبلغه.
فالطريق الوحيد إلى ذلك، هو تبليغ الرسول ﵊، فلا عبرة بالإلهام والمكاشفة وأشباهها، فكل هذا لا يكون طريقا لمعرفة حكم الله، لأنه ليس وحيا. والتبليغ إنما يكون من الرسول ﵊ فى يقظة المبلغ إليه، فلا عبرة بتبليغ الأحلام.
أ - المصادر عند الجمهور:
ذهب جمهور الأصوليين والفقهاء إلى أن مصادر الفقه أى أدلته الإجمالية هى الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وقالوا أن المصدر الحقيقى هو الوحى كتابا كان أو سنة، أما الإجماع والقياس فمردهما إليه، وما ذكرا استقلالا إلا لكثرة بحوثهما، وذلك لأن المجمعين لا يضعون أحكاما من عند أنفسهم، ولا يجمعون عن الهوى والتشهى، ولا يكون إجماعهم إلا مستندا لأحد هذين المصدرين.
وكل من الكتاب والسنة قد أديت معانيه بلغة العرب الفصحى، ويخضع فى إفادته لهذه المعانى لأنواع الدلالات اللغوية ومنها دلالة اللفظ بمنطوقه، ومنها دلالة معنى اللفظ ومناط الحكم الذى شرع باللفظ المنطوق، وهذه الدلالة هى القياس. فكل من الإجماع والقياس راجع إلى الكتاب والسنة.
стр. 15
القرآن:
والقرآن هو كتاب الله تعالى الذى أنزله على رسوله محمد ﷺ بلفظة ومعناه، المكتوب فى المصاحف، المنقول عنه ﵊ نقلا متواترا، فغير المتواتر لا يسمى قرآنا. فالقرآن جميعه قطعى الثبوت.
والكتاب الكريم لا كلام لأحد فى حجيته ولا فى أنه أول المصادر الفقهية. وإنما اختلفوا فى مسائل كثيرة تتعلق بالنسخ والعموم والخصوص ومقتضى الأمر والنهى وغير ذلك مما يرجع إلى طرق استفادة الأحكام منه.
السنة النبوية:
سنة رسول الله ﷺ قولا أو عملا أو تقريرا - هى الأصل الثانى من الأدلة الإجمالية والمصادر الفقهية، ولم يتكلم فى ذلك ولم يشكك فيه إلا أهل البدع والأهواء الذين طار بعض المستشرقين فرحا بما ظفروا به من أقوالهم، وضموا إليها ما شاء الله أن يضموا من أخطائهم وتحريفاتهم ومفترياتهم.
أما ذوو الدين والاستقامة من العلماء وسائر المسلمين، فقد أدوا للسنة حقها، ومتى صح الحديث عن رسول الله ﷺ تقبلوه أحسن القبول، ولم يرد أحد منهم حديثا صحيحا، ولم يعمل على خلافه، إلا أن يكون قد خفى عليه ولم يبلغه أو تأوله تأولا يراه صحيحا، أو قدم عليه ما هو أقوى منه عند التعارض. والحق أن مخالفيهم كان له أكبر نصيب فيما تردى فيه أهل البدع والأهواء، وبعض المستشرقين وأشياعهم.
وقد عنى الأئمة بأسانيد السنة وطرق إثباتها وبيان أقسامها، وما يحتج به منها وما لا يحتج، واختلفوا فى كل هذا، كما اختلفوا فى مسائل النسخ المتعلقة بها وفى طرق الدلالة واستفادة الأحكام منها على النحو الذى سبقت الإشارة إليه فى الكتاب الكريم. وأيا ما كان الأمر فالسنة عند الجميع منها قطعى الثبوت ومنها ظنى الثبوت ومنها قطعى الدلالة ومنها ظنيها.
الإجماع:
الإجماع الفقهى هو اتفاق مجتهدى عصر من أمة محمد ﷺ على حكم شرعى عملى استنادا إلى الكتاب أو السنة أو القياس. وهذا ما جرى عليه الأكثرون، وقال النظام وبعض الشذاذ: إلا الإجماع لا يتصور وقوعه، وكذلك كانت بحوث ومناقشات حول الإجماع من بعد الصحابة، وإجماع بعض الصحابة وإجماع أهل البيت، وإجماع فقهاء بعض الأمصار، والأخذ بأقل ما قيل على أنه إجماع على الأقل.
والحق أن الكلام فى إجماع من عدا الصحابة ليس إلا جدلا نظريا، إذ لم يستطع أحد أن يأتى بحكم ثبت بالإجماع بعد عصر الصحابة. أما أصحاب رسول الله ﷺ فقد اجتهدوا واختلفوا واجتهدوا وأجمعوا ودون العلماء مسائل إجماعهم.
وإذا نقل الإجماع من طريق قطعى كان قطعى الثبوت وإلا كان ظنية، وهو قطعى فى دلالته على ما أجمع عليه.
القياس:
للقياس تعريفات مختلفة يطول إيرادها، والأكثرون على أن القياس حجة ودليل من
стр. 16
الأدلة الإجمالية ومصدر فقهى، وقال الأقلون: ليس بحجة، ومنهم النظام والشيعة وأهل الظاهر.
وكان للأصوليين طرائق مختلفة فى تقسيم القياس، وبيان كل قسم منها، والقسم المتفق عليه من القائلين بالقياس، هو قياس العلة.
أما بقية الأقسام ففيها اختلافهم. وعلى القياس يقوم أكثر الفقه الاجتهادى وكله ظنى.
ب - مصادر أخرى:
وقد اعتاد كثير من الأصوليين أن يذكروا مصادر أخرى على أنها مصادر مختلف فيها وهى فى الواقع لا تعدو أن تكون أنواعا من المصادر الأربعة السابقة أو قواعد كلية فقهية محضة.
فيذكرون شرائع من قبلنا، وقد عرفت ما فيها آنفا، وهى إن كانت شريعة لنا فهى من الكتاب والسنة. ويذكرون إجماع الشيخين، وإجماع أبى بكر وعمر وعثمان، وإجماع الأربعة الراشدين، وإجماع أهل البيت، وإجماع أهل المدينة، وإجماع أهل الكوفة، وإجماع أهل البصرة، والأخذ بأقل ما قيل للإجماع عليه من المختلفين، وكل هذه ليست إلا أنواعا من أنواع الإجماع.
ويذكرون الاستحسان والمصلحة المرسلة والاستقراء وهى من أنواع القياس.
ويذكرون الاستصحاب والبراءة الأصلية، وسد الذرائع، والعادة والعرف، وكلها قواعد فقهية وليست دليلا يستند إليه فى استنباط حكم شرعى.
ويذكرون العصمة وهى التفويض الذى سبق الكلام فيه.
وبهذا اتضح أن الدليل الحقيقى والمصدر الوحيد للتشريع الإسلامى والفقه الإسلامى بأجمعه، هو الوحى الإلهى، وأن مرد الإجماع والقياس اليه، وأن المصادر الأخرى ليست مصادر خارجة عن الأربعة أو هى ليست مصادر للفقه.
ج - أسباب اختلاف الفقهاء:
من الاستعراض السابق نفهم فى وضوح أن اختلاف الفقهاء المجتهدين يرجع إلى اختلافهم فى كون المصدر دليلا أو غير دليل، واختلافهم فى ثبوت المصدر أو عدم ثبوته، واختلافهم فى الترجيح عند التعارض، واختلافهم فى أنواع الدلالات وسائر طرق الاستفادة، ثم يأتى بعد كل هذا تفاوتهم فى الإحاطة وفى الأفهام وملكة الاستنباط وكمال الذوق الفقهى.
هذه هى الأمور الرئيسية التى ترجع إليها أسباب اختلاف الفقهاء من غير تفصيل، وهذه الأسباب قد عرض لها ابن حزم فى الأحكام، وابن تيمية فى رفع الملام وقال كل منهما: إنها عشرة، أما الشاطبى فقد روى فى الموافقات: أن ابن السيد وضع فيها كتابا وحصرها فى ثمانية، واكتفى بذكر عناوين الأبواب التى وردت فى ذلك الكتاب.
د - مصدر آخر:
ما سبق إيراده من المصادر هى مصادر الأئمة المجتهدين، أما غير المجتهدين من المقلدين فليس لهم إلا مصدر واحد، هو أقوال الأئمة الذين يقلدونهم وإن كانوا من أصحاب الوجوه وأهل التخريج، أو من أهل
стр. 17
الترجيح، أو من المحصلين المطلعين القادرين على التمييز بين الأقوال الصحيحة والفاسدة والقوية والضعيفة، والراجحة والمرجوحة، فما داموا لم تتوافر لهم الأهلية لأى نوع من أنواع الاجتهاد، فليس لهم أن يرجعوا إلى الكتاب والسنة والإجماع، وليس لهم أن يقيسوا على ما ورد بها من الأحكام، وليس لهم إلا الرجوع الى أقوال أئمتهم ينظرون فيها نظر المجتهد فى الأدلة. ويستنبطون منها ما شاء الله أن يستنبطوا، وما استخرجوه منها يكون أقوالا فى مذهب إمامهم سواء وافقت أقوالا سابقة لفقهاء هذا المذهب، أو لم يسبقها ما يوافقها، ويقضى بهذه الأقوال ويفتى بها ويتبع فى شأنها ما يتبع فى العمل بأقوال مجتهدى المذهب عند اختلاف الرواية.
هكذا قال المتأخرون، وأمعن بعضهم فى هذا فقال: وإن قيل أن ما روى عن الإمام صاحب المذهب ليس قرآنا ولا أحاديث صحيحة. فكيف تستنبط الأحكام منه؟ قيل إنه كلام أئمة مجتهدين عالمين بقواعد الشريعة والعربية مبينين للأحكام الشرعية، فمدلول كلامهم حجة على من قلدهم، منطوقا كان أو مفهوما، صريحا كان أو إشارة، فكلامهم بالنسبة له كالقرآن والحديث بالنسبة لجميع المجتهدين.
قد لا يرضى بعض الناس عن هذا، وقد يمجده آخرون، إلا أن له فضلا عظيما لا يستطيع أحد إنكاره، وهو أنه فتح بابا واسعا لتطور الفقه ومسايرته لأحداث الحياة، بعد أن سادت لدى الجمهور فكرة انقطاع الاجتهاد، لأنه لا يوجد أهله. ومن الناس من لم يفهم الأمر على حقيقته، وسمى هذا الطور طور التقليد وجمود الفقه وشايعه من شايعه.
стр. 18
التشريع والاجتهاد والمذاهب الفقهية
تكلم الأصوليون طويلا فى معنى الاجتهاد والتقليد وفى البحوث المتصلة بكل منها، ولا يعنينا من كل هذا هنا إلا أن نقول: أن القول فى دين الله وشرائع الأحكام بمجرد استحسان العقل من غير دليل لا يكون اجتهادا فقهيا ولا تقليدا، وليس إلا القول بالهوى والتشهى وهو الرأى المذموم الذى صان الله منه أئمتنا وأتباعهم، وما أسرف به بعضهم نحو الآخرين لا يحكى الواقع، وما دفع إلى الوقوع فيه إلا الحمية والتسرع.
وأن الأخذ والعمل بقول من ليس قوله من الحجج والأدلة الشرعية تقليد إذا كان ذلك بلا حجة. والأخذ بلا حجة يشمل العمل بقوله، من غير أن يعرف الآخذ من أين قال ذلك، والأخذ بقوله مع الوقوف على حجته، ولكن الآخذ لا يستطيع أن يستقل باستفادة الحكم من هذه الحجة، أما إن كان أهلا لأن يستقل بهذه الاستفادة لم يكن مقلدا، بل يكون موافقا له فى رأيه.
فمتبعو الأئمة من العامة ومن المتفقهة ومن الفقهاء على اختلاف مراتبهم فى التحصيل والقدرة على النظر فى أدلة من اتبعوا، لكنهم لم يصلوا إلى مرتبة الاجتهاد مقلدون لهم.
وأن اتباع كل ما جاء به رسول الله ﷺ فى حياته واتباع ما علم من الدين بالضرورة، وهو الثابت بنص قطعى أو بإجماع بعد وفاته ﵊ ليس اجتهادا ولا تقليدا.
أما الاجتهاد فى الشريعة فهو استنفاد الطاقة للوصول إلى الحكم من مصدره الشرعى. ومما أسلفنا فى بيان معنى الفقه عند الأصوليين يعرف من هو أهل الاجتهاد.
والاجتهاد يكون على ضريين: اجتهاد لمعرفة حكم الله، واجتهاد لمعرفة محل العمل بحكم الله المعروف.
والضرب الأول قد يكون راجعا إلى حجية الدليل ذاته، أو إلى ثبوته وطريق الوصول إليه، أو إلى قوته وترجحه على ما يعارضه، أو إلى بقاء الحكم أو نسخه.
وقد يكون راجعا إلى دلالة الدليل وفهمه.
وقد يكون راجعا إلى استنباط حكم ما لم ينطق الشارع بحكمه من معنى ما نطق الشارع بحكمه، وهذا الضرب بأنواعه هو الاجتهاد الفقهى الذى دار الجدل حول أن الزمان لا يخلو من وجوده، أو أنه مما يجوز انقطاعه، لعدم وجود أهله، وحول انقطاعه فعلا ووقت هذا الانقطاع.
أما الضرب الآخر فقد يكون راجعا إلى ما يعبر عنه اليوم بالتكييف، ويكون بالنظر فى الحادثة وتعيين النوع الذى هى منه ليطبق عليها حكمه، فالاجتهاد ليس للوصول إلى معرفة حكم لم يكن معروفا، ولكن لتعيين
стр. 19
حكم من الأحكام المعروفة ليعمل به فى حادثة معينة، وهذا ما يسميه الشاطبى تحقيق المناط. ويكون هذا الاجتهاد من المفتى والقاضى، وقد يكون هذا الاجتهاد راجعا إلى إثبات الحادثة المعينة، ليطبق عليها حكمها المعروف، وهو اجتهاد لا يعنى إلا القاضى وحده. وهذا الضرب من الاجتهاد بنوعيه قد وجد. وهو موجود، وهو ماض إلى يوم الدين.
والفقه الإسلامى بالمعنى الشامل وبالنظر إلى اجتهاد الضرب الأول وإلى التقليد.
قد مر بأطوار ثلاثة متعاقبة، وهى طور التشريع، وطور الاجتهاد، وطور التقليد.
أ - طور التشريع:
وطور التشريع الإسلامى هو عصر البعثة المحمدية، عصر الوحى الذى بدأ بمبعث رسول الله ﷺ وانقضى بلحاقه بالرفيق الأعلى، وكانت مدته ثلاثا وعشرين سنة، وكانت أحوال المسلمين الأولين ليست أحوال تشريع أحكام عملية فى أول الأمر، ولم ينزل منها إلا النزر اليسير.
ولما كانت الهجرة إلى المدينة ووجد الإسلام أنصاره وداره، وقامت الدولة الإسلامية بدأ نزول الأحكام العملية، وبدأ التشريع الا سلامى بمعناه الكامل.
وقد سايرت نشأته نشأة الدولة ينمو بنموها، فهو تشريع ليس شأنه كشأن ما يوضع من التشريعات لدولة قد اكتمل تكوينها واستقر بناؤها. فكان نزوله منجما، وكان أكثر أحكامه على التدرج، وكان فيها الناسخ والمنسوخ. وقد روعى فى ذلك عاملان هامان:
أحدهما: أن حملة هذا التشريع الأولين كانوا أمة أمية لا تقرأ ولا تكتب، وجل اعتمادها على ما تعى وتحفظ، فمن حقها وحين التشريع نفسه أن يكون منجما وفى مناسبات معينة وحوادث معروفة حتى يعين ذلك على حفظه وتثبيته فى النفوس.
وثانيهما: أن ما يصلح للدولة فى أول تكوينها وحداثة عهدها وبدء قوتها قد لا يصلح البعض منه لها بعد أن تبلغ أشدها، ولا لمن يأتى بعد أهلها الأولين ممن يدخلون تحت سلطان هذه الأحكام من الأمم الأخرى، فكان لا بد من التغيير والتبديل، حتى إذا استقر أمر الدولة وأرسيت قواعدها اكتمل تشريعها وأحكمت أحكامه، وكذلك كان.
فما لحق رسول الله ﷺ بالرفيق الأعلى حتى أتم الله دينه وأبرم تشريعه، وصارت الأحكام الشرعية كلها محكمة.
وكان الفقه فى هذا الطور فقه الوحى لا مصدر له سوى الكتاب والسنة النبوية.
وقد اختلف العلماء فيما بعد فى اجتهاده ﷺ وفى اجتهاد أصحابه فى حياته وهو اختلاف فيما نرى ليس ذا شأن يذكر، إذ الوحى موجود فلو وقع اجتهاد منه لوجب أن يقره الوحى أو ينكره، ويكون إذ ذاك هو مصدره وهو ما يؤكده تتبع الحوادث، وليس فى وسع أحد من القائلين بهذا الاجتهاد أن يرشدنا إلى حكم واحد كان من طريق هذا الاجتهاد ولم يقره
стр. 20
الوحى. ولو أن مثل هذا الحكم كان موجودا ما خالف فى هذا الاجتهاد أئمة أعلام.
وما نزل به الوحى من الأحكام الفقهية نوعان عظيمان، أما أحدهما: فهو ما من شأنه ألا يتأثر كثيرا باختلاف البيئات والأقاليم والأعراف والعادات، وتجدد الأحداث وتقلب الظروف، وهذا قد قررت أصول مسائله وفصلت أحكامه تفصيلا وافيا، ومع هذا كان تفصيلا يفسح الطريق للاجتهاد إذا دعا داعيه.
وأما الآخر: فهو ما من شأنه أن يتأثر تأثرا ملحوظا بالعوامل التى أشرت إليها، وهذا كانت له القواعد الكلية المرنة التى تصلح لكل زمان ومكان وبيئة، وتتسع لحاجات الناس، وتفتح للاجتهاد فى أحداثها بابا واسعا.
وهذه الأحكام بنوعيها إنما شرعها الله سبحانه لمصالح العباد تفضلا منه، وتقوم على تحقيق سعادتهم فى الدارين، وتدور مقاصدها على الضروريات التى لا غنى عنها بحال، لإقامة مصالح الدين والدنيا، حتى إذا فقدت اضطربت هذه المصالح وانتشر الفساد وساد الاضطراب، وعلى الحاجيات التى تكفل التوسعة على الناس ورفع المشقة عنهم، ويؤدى فقدانها إلى الاضطراب، غير أنه لا يبلغ ما ينشأ عن فقدان الضروريات، وعلى التحسينيات التى تكفل الأخذ بمحاسن العادات وتجنب ما تنبو عنه الفطرة.
هذا هو واقع تلك الأحكام، وواقع ما تدور عليه مقاصدها، وهذا ما فهمه أهلها وسار ركبهم فى طريقه فأفلح وأنجح، اللهم إلا شرذمة قليلة أنكرت دلالة المعانى، وتنكرت لتعليل الأحكام وللقياس، فيسرت على يوسف شخت المستشرق اليهودى وعلى أمثاله من قبله أن يفتروا الكذب على التشريع الإسلامى، وأن يقولوا أن شرع الله لا يمكن إدراك أسراره بالعقل، فهو تعبدى أى أن الإنسان يجب أن يقبله مع تناقضه وأحكامه التى لا يدركها العقل من غير نقد وأن يعد ذلك حكمة لا يمكن إدراك كنهها إلى آخر ما جاء به من المفتريات التى لا يتردد قارئها فى أنه يصف بها دينا آخر وأسرارا أخرى. ولقد افترى هذا وهو عالم بحقيقة كل شئ وقد تقلب بيننا فى القاهرة طويلا وحاضر وناقش وفهم كل شئ على حقيقته.
ولا ريب أن التشريع الإسلامى استبقى المحمود من عادات العرب وأقره، ولا فى أنه قضى قضاء مبرما على أكثر ما هو ممقوت منها، وسلك بباقيها سنة التدرج حتى ذهب ريحه. وتلك هى الطريقة المثلى، وسنة كل تشريع حكيم يراعى الصالح فيما يقرره من الأحكام.
كما أنه لا ريب فى أن التشريع الإسلامى امتداد لما قبله من الشرائع السماوية الحقة، التى تكون دينا واحدا ساير الإنسانية فى نموها وتطورها حتى إذا بلغت أشدها كانت الخاتمة الملائمة هى ما استقر عليه التشريع الإسلامى وتم به دين الله، والكتاب الكريم ينطق بهذا فى مواطن كثيرة، فلا غضاضة على هذا التشريع إن هو أقر عادات محمودة صالحة للبقاء أو كانت فيه آثار الشرائع الإلهية السابقة، فذلك من كماله ومن أفضل محاسنه.
стр. 21
ومن راض نفسه على البحث العميق سليم الطوية، وأخذ نفسه بقولة الحق وبالإنصاف، وراعى ما كان عليه القسم الأعظم الشمالى من جزيرة العرب حين ظهور الإسلام، وما كان عليه من العزلة الاجتماعية إلا فى النزر اليسير من الرحلات التجارية الموسمية، ومن الإعراض عن الشرائع الوضعية والتمسك بنظامه القبلى، وراعى أن التشريع الرومانى الذى جمع جوستنيان أمشاجة كان مقصورا على طائفة معينة ولم يؤلف فيه إلا كتاب واحد تعليمى، وأن هذا التشريع قد اختفى بانتهاء عصر جوستنيان قبل ظهور الإسلام بعشرات السنين، وراعى أن رسول الله ﷺ قبل مبعثه ما كان يدرى ما الكتاب ولا الإيمان، وراعى ما كان عليه خصوم الإسلام من المشركين واليهود من الدأب على أن يلصقوا كل نقيصة بهذا الدين وأهله، إذا راعى كل هذا وأن الموازنة بين التشريع الإسلامى والتشريع الرومانى، أظهرت ما بينهما من التباين فى المبادئ وفى القواعد وفى الأصول وفى الفروع، أيقن أن القول بأن التشريع الإسلامى قد تأثر بالتشريع الرومانى، ليس إلا فرية منكرة ونفثة مصدور، وأباطيل ينشرها أنصار الاستعمار التشريعى.
ب - طور الاجتهاد:
والذى نعنيه بطور الاجتهاد: هو العصر الذى ظهر فيه الاجتهاد ظهورا لم ينازع فيه أحد كما أنه لم يختف فى وقت منه اختفاء متفقا عليه، وهو طور يبتدئ بعد وفاته ﷺ ويصل إلى حدود الثلاثمائة من الهجرة. ويقع فى عهد الخلفاء الراشدين، وفى عهد الدولة الأموية، وفى الشطر الأول من الدولة العباسية، وصدر الدولة الأموية بالأندلس، وكان فيه اجتهاد فقهاء الصحابة رضوان الله عليهم، واجتهاد الفقهاء التابعين كبارهم وصغارهم، واجتهاد فقهاء الأمصار الذين اشتهرت مذاهبهم وكان لهم أصحابهم وأتباعهم، وبقى من هذه المذاهب ما بقى، ومنها ما هجر وانقرض أتباعه ومقلدوه.
ولما لحق ﵊ بالرفيق الأعلى انقطع الوحى، ولكن الواقعات متجددة، والنوازل تنزل وليس لها بعينها حكم فيما نزل به الوحى، فانفتحت للاجتهاد أبوابه الواسعة، وكان لتجدد الواقعات وحوادث النوازل فى هذا الطور عوامله العادية التى تعرفها الحياة الهادئة. وعوامل أخرى غير عادية. فكانت حروب الكذابين المتنبئين، وحروب الردة، وكانت الفتن والحروب الداخلية، فكان مقتل عثمان، وكانت واقعة الجمل، وكانت حروب علىّ ومعاوية التى ما انتهت حتى خلفت وراءها أحزابا سياسية كبرى، وكثر الكلام فى الإمامة والسياسة، وكان فى كل حزب كبير فرقه وشيعة، كما بدأ الكلام فى القضاء والقدر والأرجاء وغير ذلك مما يتصل بالعقيدة. وتعددت الأحزاب والفرق من هذه الوجهة.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، توالت الفتوح الإسلامية، واتسعت الرقعة الإسلامية فى آسيا وفى أفريقيا، وفى أوربا، وبلغت الممالك الإسلامية قمة الرخاء والازدهار، وذروة الحضارة والمجد.
стр. 22
وكانت لكل هذه الأحداث العظيمة السارة والمحزنة آثارها البالغة فى الفقه ومصادره، أما المصادر فقد وجد منها أولا مصدران لم ينازع فيهما أحد، هما الإجماع والقياس، ثم طرأ النزاع فيهما فى الطور نفسه.
وأما الأحكام الفقهية، فكان لا مناص لها من مواجهة النوازل والأحداث فى رقعة مترامية الأطراف، ودولة ناشئة تحتاج إلى تنظيم مواردها المالية وترتيب كل أمورها، رقعة تضم أقطارا وأجناسا مختلفة، لها أعرافها وعاداتها وتقاليدها المتباينة، وفى بلادها الكثير مما لا تعرفه الجزيرة العربية من الأنهار والحيوان والزروع والمعدن وغيرها مما هو بباطن الأرض أو بظاهرها، إلى غير ذلك مما تغير به وجه الحياة الاجتماعية والسياسية والأخلاقية.
والفقه عليه أن يواجه كل هذا، فهو السيد وحده، وهو صاحب السلطان المطلق، فاتسع نطاقه اتساعا عظيما، وكثرت مسائله وأبوابه وصارت أضعافا مضاعفه.
والمجتهدون الأولون هم الفقهاء من أصحاب رسول الله ﷺ .
وأصحاب رسول الله ﷺ كانوا كغيرهم من الناس، فمنهم العامة الذين لم يعرفوا بفقه ولا رواية، وإذا نزلت بأحدهم نازلة سأل فيها أهل الذكر.
وجاءت الرواية عن نيف وثلاثمائة وألف صاحب. وجاءت الفتيا عن نيف وثلاثين ومائة صاحب، وكان منهم المكثرون الذين يمكن أن يجمع من فتيا كل واحد منهم سفر ضخم. وكان منهم المتوسطون الذين يمكن أن يجمع من فتيا كل منهم جزء صغير، ومنهم المقلون. وليس كل من أفتى كان يسمى فقيها، وما كان يسمى فقيها منهم، كما ذكر ذلك صدر الشريعة، إلا من كانت له ملكة الاستنباط، وقد عرف بذلك وبالعلم واشتهر به أم المؤمنين عائشة، وعمر، وعلى، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن عمر، وابن عباس، وأبو بكر، وأبى، ومعاذ، وابن عوف، وأبو موسى الأشعرى، وأبو سعيد الخدرى، ومعاوية، ومن فقهاء الصحابة من كان دون هؤلاء.
وكان الفقهاء من أصحاب رسول الله ﷺ يرجع بعضهم إلى بعض ليعرف ما عنده من سنة وفقه، فكان عمر وابن مسعود وزيد يرجع بعضهم إلى بعض.
وكذلك كان على وأبى وأبو موسى. وكانت سنة الخليفتين أبى بكر وعمر أنه إذا نزلت النازلة لا يظهر لهما فيها شئ من سنة رسول الله ﷺ أن يجمعا لذلك العالمين، فإن وجدت عندهم سنة أخذ بها، وإن لم توجد اجتهدوا، فإذا اجتهدوا واتفقوا كان ذلك إجماعا يجب على الكافة أن يأخذوا به، وإن اجتهدوا ولم يتفقوا وأمر ولى الأمر باتباع رأى وجبت طاعته، وإن لم يكن إجماع ولا أمر عمل كل بما أداه إليه اجتهاده. وكانت سنة الخليفتين فى هذا هى السنة التى يتبعها أمير كل مصر من الأمصار إن لم يرفع الأمر إلى الخليفة.
وكان فقهاء الصحابة حول رسول الله ﷺ بالمدينة. ولما لحق بالرفيق الأعلى بدأ تفرقهم فى الجهاد، ثم ازداد تفرقهم فى عهد عمر حينما مصر
стр. 23
الأمصار، وأسكنها المسلمين، وأرسل إليهم الأمراء والولاة والمعلمين والعمال. وما كان يؤمر أمير على جيش أو غيره، وما كان يولى وال أو عامل، إلا أن يكون فقيها عالما، فانتشروا فى الآفاق وملأوا الأمصار فكانوا عصبة الإيمان، وأئمة الهدى، وأعلم الأمة بالأحكام وأدلتها وأفقه الناس فى دين الله، وعليهم دارت الفتيا، وعنهم انتشر العلم والفقه. وكانوا إذ ذاك بالمدينة ومكة والكوفة والبصرة والشام ومصر. وعن هذه الأمصار انتشر الفقه فى الآفاق.
وفقهاء التابعين قد ملئوا الأمصار، وقد شارك كبارهم فقهاء الصحابة فى الاجتهاد والفتيا. وكانت المصادر الفقهية فى عصر التابعين هى المصادر فى عهد فقهاء الصحابة:
الكتاب والسنة وإجماع الصحابة. وإذا نزلت الحادثة ولم يجد الفقيه التابعى فيها كتابا ولا سنة ولا إجماعا من الصحابة، ووجد أقوالا لفقهاء الصحابة، نظر فيها وتخير منها واتبع عن نظر ودليل، لا عن تقليد، ومن هذا الاتباع أطلق عليهم اسم التابعين. وإذا لم يجد التابعى شيئا من ذلك اجتهد رأيه. وإذا اجتهد التابعون وأجمعوا، كان اجماعم حجة عند الكثيرين.
وذهب داود وأصحابه إلى أن إجماعهم لا يكون حجة ولا مصدرا فقهيا.
ومن الواضح أن من لا يحتج بإجماع الصحابة لا يحتج بإجماع التابعين. على أن الخلاف فى إجماع التابعين نظرى محض ما دمنا لا نعرف حكما بعينه ثبت بإجماع التابعين.
وقد اجتهد فقهاء التابعين وكانت لهم أقوال فى مختلف أبواب الفقه اتسع بها نطاقه وصار أكثر اتساعا منه فى عهد أصحاب رسول الله ﷺ . وقد حفظت أقوالهم ونقلت عنهم ثم دونت فيما بعد، ومما يلفت النظر أنه ظهر فى هذا العهد مناقشات واضحة فى باب كبير من أبواب الفقه هو باب الوقف، فالقاضى شريح يقول: إنه باطل لا يجوز، لأنه حبس عن فرائض الله، وقد جاء محمد ببيع الحبيس، ويقول قائل آخر مثله، لأن الصدقة لا تجوز لمن لم يوجد ولا يدرى أيكون أو لا.
وفقهاء التابعين قد ملئوا الآفاق من أقصى السند وأقصى خراسان إلى أرمينية وأذربيجان إلى الموصل وديار ربيعة وديار مضر إلى أقصى الشام إلى مصر إلى إفريقية إلى أقصى الأندلس إلى أقصى بلاد البربر إلى الحجاز واليمن وجميع جزيرة العرب إلى العراق إلى الأهواز إلى فارس إلى كرمان إلى سجستان إلى كابل إلى أصفهان وطبرستان وجرجان إلى الجبال. وهؤلاء لم يحصهم أحد، ولكن كان من بينهم المشهورون فى كل إقليم، وهم كثيرون، يضيق مقامنا هذا عن عدهم.
وعهد الصحابة وكبار التابعين من خير القرون، وهو عهد لم يبتعد عن عصر الرسالة، والإيمان فيه لا يزال غضا، والعقائد لا تزال راسخة ولأحكام الدين المكان الأول فى نفوس المسلمين عامة، لا فرق فى ذلك بين الحاكمين والمحكومين، فهى أحكام دين، وقانون دولة إسلامية هى معقد العز وجماع الفخر لكل من ينتمى
стр. 24
إليها، فليس متصورا أن تلقى تلك الأحكام إهمالا عاما ولا انتهاكا فى علانية.
إن لكل دين وكل قانون من يعصاه فى كل وقت، أما أن تهمل أحكامه إهمالا عاما أو تنتهك حرماته انتهاكا كليا ودولته قائمة فى قوتها ولا تقوم إلا على أحكامه، فهذا ما لا يقبله أى منطق.
ولكن ما للمستشرقين ولكل هذا إذا تحدثوا عن الإسلام والمسلمين، وبخاصة إذا كان الهدف من حديثهم هو قطع الصلة بين عصور الفقه الإسلامى ليصلوا إلى أغراضهم الخبيثة وإلى هدم هذا الفقه من أساسه، فزعموا أن الحديث إنما دون بعد الفقه ليخدمه، كما زعموا أن القرن الأول، قرن الصحابة وكبار التابعين، كانت تسوده ظاهرة لدى الحكام والعلماء والشعب، وهى عدم الاهتمام بأحكام الدين، وعدم المعرفة بشئونه، والتأرجح وعدم القطع والجزم فيها، حتى فى العبادات، ولم يكن التابعون على وضوح بالنسبة للأمور الفقهية.
هذا مجمل ما قاله اليهودى المستشرق جولد تسيهر، وقاله أمثاله من معاصريه، وقاله أشياعه من بعده، وكل مفترياته وضيعة، يكذبها الواقع. إنهم لم يستندوا إلا إلى بعض جمل التقطوها من مواضعها وفصلوها عما قبلها وما بعدها، وإلى أكاذيب موضوعة، وإلى تأولات صدرت من خصم سياسى للطعن فى خصمه، وإلى أمور تدل على عكس ما يقولون. فهم يقولون: أن هناك أقوالا متناقضة فى جميع أبواب الفقه ووجود هذه الأقوال أفظع ما يكون فى الدلالة على العناية والاهتمام وبذل الجهد فى استنباط الأحكام. والاختلاف فى الأمور الاجتهادية التى ليس فيها نص قاطع، لا يدل على التأرجح وعدم القطع، فكل قد اعتقد واطمأن إلى ما أداه إلية اجتهاده، واختلاف الأفهام فى موضع النظر والاجتهاد من الأمور الفطرية عند الناس جميعا، وما كان فقهاء المسلمين بدعا فى هذا، وهو واقع عند جميع الناس منذ كانت الخليقة حتى اليوم، ولم يذهب أحد إلى أنة آية على التأرجح وعدم القطع والجزم.
وزعموا - كذبا - أن فى سنن أبى داود والنسائى ما يدل على أنه كان يوجد فى بلاد الشام من لا يعرف عدد الصلوات المفروضة فراحوا يسألون الصحابة عن ذلك. على أنه لو صح ذلك لكان دليل الاهتمام والعناية، وافتراض أن يوجد واحد أو أكثر على هذه الشاكلة لسبب من الأسباب لا يقوم دليلا على الاختراع الذى اخترعوه.
وأشد من هذا تجنيا زعمهم أن الأمويين غيروا أوقات الصلاة برأيهم، يقولون ذلك ليوهموا أن هناك عبثا بعماد الدين وأقوى أركانه، مع أن المسالة لا تعدو أن مروان ابن الحكم قدم خطبة العيد على الصلاة، وحديث أبى سعيد الخدرى فى هذا معروف، فما أهون هذا وأبعده عما يوهمون ويضللون.
وعضوا بالنواجذ على ما أخترعه بعص أتباع مالك تأييدا للأخذ بما عليه عمل أهل المدينة، وهو أن ابن عباس خطب فى آخر رمضان على منبر البصرة فقال:
«أخرجوا صدقة صومكم».
стр. 25
فكان الناس لا يعلمون، فقال: «من هاهنا من أهل المدينة؟ قوموا إلى إخوانكم فعلموهم، فإنهم لا يعلمون من زكاة الفطر الواجبة عليهم شيئا».
وأخذ المستشرقون من هذا أن الشعب كان فى الواقع قليل الفهم والمعرفة للفقه، ولم يكن يعرف هذه الشئون إلا أهل المدينة وحدهم.
وهذه الأقصوصة الكاذبة والمكذوبة عرض لها ابن حزم وأفاض فى تكذيبها ما شاء الله أن يفيض فى قوة ومتانة. ومما أورده فى أدلة تكذيبها أنها مروية عن الحسن البصرى، والحسن لم يسمع من ابن عباس أيام ولايته على البصرة شيئا، لأنه لم يكن بالبصرة، وكان بالمدينة فلم يشهد له صلاة ولا خطبة ولم يحضر له مجلسا بالبصرة.
وقال أيضا: أن بناء البصرة كان سنة أربع عشرة من الهجرة، ووليها ولاة من المدينة ونزلها من الصحابة المدنيين أزيد من ثلاثمائة، ووليها ابن عباس بعد صدر كبير من سنة ست وثلاثين. أفلم يكن فى هؤلاء كلهم من بخيرهم بزكاة الفطر؟ بل ضيعوا ذلك وأهملوه واستخفوا به، أو جهلوه مدة تزيد على اثنين وعشرين عاما، مدة خلافة عمر بن الخطاب وعثمان حتى وليها ابن عباس بعد يوم الجمل. أترى عمر وعثمان قد ضيعا أعلام رعيتهما هذه الفريضة؟ أترى أهل البصرة لم يحجوا أيام عمر وعثمان ولا دخلوا المدينة فغابت عنهم زكاة الفطر إلى ما بعد يوم الجمل؟ إن هذا لهو الضلال المبين والكذب المفترى، ونسبة البلاء إلى الصحابة رضوان الله عليهم.
ولكن ما ليهود المستشرقين وأشياعهم ولكل هذا؟ وما لهم وللبحث عن الحقائق التى تقف فى سبيل مطامعهم؟ إنهم لا همّ لهم إلا تلقف الأكاذيب التافهة، واتخاذها قواعد عامة يرمون بها المسلمين، ويمزقون بها الصلة بين عصور الفقه، ويتخذونها وسيلة إلى القول بأن ما كان من الفقه بعد ذلك إنما هو فقه مخترع وضعت له أحاديث تؤيده، ويسهل على الآخرين القول بأن الفقه الإسلامى مأخوذ عن الفقه الرومانى، تلك الأكذوبة التى تسممت بها عقول بعض من أبنائنا زمنا طويلا إلى أن كشف الله الغشاء عن بصائرهم وعرفوا ما بين الفقهين من تباين فى الأصول والفروع وما كان عليه الفقه الرومانى إذ ذاك من الاختفاء التام.
وأحكام كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ وما اجتمع من إجماع الصحابة واجتهادهم وما كان من اجتهاد التابعين، كل ذلك قد نقل إلى من بعدهم وتدارسوه فى حلقات دروسهم، يطرحون فيها الكتاب والسنة، ويطرحون فيها الآثار … آثار الصحابة والتابعين، ويديرون المسائل فيما بينهم ويعقب الأستاذ برأيه، وكان لكل أستاذ تلاميذه وأصحابه، وكانت هناك مناظرات على نطاق أوسع مما كان فى عهد الصحابة والتابعين، وكانت حجج وردود ينتصر فيها كل لطريقته وما ذهب إليه، وقد جر ذلك إلى وجود الفقه الفرضى، فقه أرأيت كذا وكذا، وقد قام بجانب ذلك أبواب للتدريب الفقهى وتوسيع الأفق فيه.
كمسائل الحيل، والمسائل التى تشتبه فيها الأحكام وتدعو إلى الدقة التامة لمعرفة الفروق التى بينها، ومسائل المعاياة وما
стр. 26
يسأل عنه من المحال الذى لا يكون. كما قضى تطور الحياة بوجود ما لم يكن موجودا من مسائل الشروط والوثائق، ومسائل المحاضر والسجلات، والتوسع فى تفريع الأحكام ببعض الأبواب كالوقف وتصرفات المأذون وأشباهها. فازداد اتساع نطاق الفقه فى النصف الثانى من هذا الطور اتساعا عظيما حتى قالوا فيما بعد ان من العلوم ما نطج حتى احترق وهو علم الفقه.
والكلام فى أصول الدين كان من قبل على أضيق نطاق، ثم أخذ يزداد حتى وجد ما يسمى علم الكلام، وقامت بشأنه مجادلات ومناظرات كان مركزها البصرة والكوفة وكان له أهله وحلقاتة، كما كانت للفقه حلقاته.
ثم كان هناك أيضا القصص والقصاصون وكانوا أولا من خيرة العلماء كالحسن البصرى ثم إنحدر أمر القصص وتولاه المرتزقة وواضعو الحديث وكانت له حلقات أيضا، وهنا ظهر التخصص واضحا وكانت لكل ناحية رجالها، واختص المتفرغون للأحكام الفقهية باسم الفقهاء.
وفى عهد فقهاء الأمصار كان التدوين، فدونت المذاهب الجماعية، إذ دون مذهب كل أستاذ مع ما ذهب إليه أصحابه المجتهدون مثله ونسب الجميع إلى الأستاذ لأنه رأس هذه الطائفة.
النزعات الفقهيه:
اختلف المجتهدون فى نزعاتهم الاجتهادية ولاختلافهم جهات متعددة. منها جهة المعنى ودلالته والوقوف عند ظاهر النص. وجهة الكلام فيما وقع وفيما لم يقع. وهاتان الناحيتان هما اللتان نعنى بهما النزعات فى هذا المقام.
لم يكن المجتهدون الأولون يتكلمون بعبارات التعليل والقياس وما إلى ذلك وإنما هى عبارات استعملها متأخرو المجتهدين وكان الأولون يذكرون المعانى دون العلل والقياس ولكن المراد لا يختلف.
والمجتهدون جميعا من هذه الناحية كانت لهم نزعات ثلاث: نزعتان لأرباب المعانى ونزعة لأرباب الظاهر.
أرباب المعانى:
الناس بفطرتهم جد مختلفين فيما يتناولون من الأمور وما يسلكون من طرق البحث والاستنباط. ففريق منهم لا يبخص الألفاظ ودلالتها ما لها من حق، ولكنه يتغلغل فى معانيها ويسبر أغوارها ويتحرى مراميها.
وفريق آّخر لا يضيع عنده حق المعانى ولكنه يرعى ذلك بقدر ويهاب التغلغل فى التعليل والقياس، ويقف عند ما تدل عليه الألفاظ.
هذا هو شأن الناس فى أمورهم، وهكذا كان شأن المجتهدين الفقهاء الذين يرون التعليل والاعتماد على القياس فى تناولهم للأحكام الفقهية واجتهادهم فى استنباطها، كلهم يعطى الألفاظ أتم الرعاية وكلهم يقيس الأشياء بنظائرها، ولكنهم مختلفون فى المعنى الذى ذكرت.
ففريق منهم يسعى الى فهم روح التشريع وتذوق معانيه والغوص على علله وحكمه، وشوطه فى هذه الناحية أبعد من شوط الفريق الآخر الذى يحرص على ما ظهر من
стр. 27
المعانى، ولا يريد الابتعاد عنه بالمقدار الذى يبتعد به الفريق الأول.
وللفريق الأول فى هدى رسول الله ﷺ أعظم معين. فقد كان حريصا على توجيههم إلى المعانى وتذوق أسرار التشريع. فقد قال لمن سأله أيقضى أحدنا شهوته ويؤجر: أرأيت لو وضعها فى حرام أكان يأثم؟ قال: نعم. قال: فكذلك يؤجر، أفتجزون بالشر ولا تجزون بالخير؟ وقال لمن أخبره أن امرأته ولدت غلاما أسود: هل لك من إبل؟ قال: نعم. قال:
ما ألوانها؟ قال: حمر. قال: هل فيها من أورق؟ قال: إن فيها لورقا. قال: فأنى أتاها ذلك؟ قال: عسى أن يكون نزعة عرق. قال: فهذا عسى أن يكون نزعة عرق.
وقال لعمر بن الخطاب حين سأله عن قبلة الصائم لامرأته: أرأيت لو تمضمض بماء ومجه وهو صائم؟ قال عمر: لا بأس. قال:
فكذلك هذا.
وقال للخثعمية حين سألته عن الحج عن أبيها: أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أكان ذلك ينفعه؟ قالت: نعم. قال: فدين الله أحق.
وأمر المسلمين ألا يصلوا العصر إلا فى بنى قريظة. فوقف بعضهم عند ظاهر الأمر.
وتفهم الآخرون المعنى وعملوا بما رأوا أنه مرماه فما عابهم، وهذه هى سنة القراّن الكريم فى مخاطبة العقول ودعوتها الى التدبر والنظر فى جميع الأمور.
أما الفريق الثانى فآثر ما يراه احتياطا فى الوصول إلى حكم الله، وطلب السلامة لنفسه فى ذلك.
ومن طبيعة الاتجاه الأول أن يحمل صاحبه متى اطمأن إلى غزارة علمه وقوة إدراكه، على البحث والنظر فيما ورد بالكتاب والسنة من جهة دلالة اللفظ ودلالة المعنى مع الغوص والتعمق، ثم الإقدام على الفتيا وعدم التهيب.
ومن طبيعة الاتجاه الثانى أن يحمل صاحبه على التهيب وتمنى أن لو كفاه الأمر غيره. وكان على الاتجاه الأول أم المؤمنين عائشة وعمر وعلى وابن مسعود وزيد وابن عباس وغيرهم من فقهاء الصحابة المكثرين.
كما كان عليه فقهاء المدينة السبعة وبخاصة ابن المسيب الذى كان يسمى سعيدا الجرئ، ومسروق وعلقمة والزهرى وربيعة وإبراهيم النخعى وحماد وأبو حنيفة وأصحابه وابن أبى ليلى والأوزاعى والشافعى والمزنى وأبو ثور وكثيرون من الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار.
وكان على الاتجاه الثانى مثل أبى الدرداء وابن سيرين وأحمد بن حنبل وبعض فقهاء الأمصار، ثم انتهت نزعة التهيب ولم يبق لها إلا أثر ضئيل حتى فى طور التقليد.
أما الرأى الذى لا يقف عند دلالة ما نزل به الوحى ويعتمد على استحسان العقول فذلك هو الرأى المذموم الذى حمى الله منه جميع المجتهدين.
أهل الظاهر:
أما أهل الظاهر فإنهم ينكرون ما للمعانى من دلالة، ولا يقولون بتعليل ولا قياس.
ولا يعتمدون إلا على ظاهر النص. ويرون أنه لا حاجة إلى القول بالتعليل والقياس، والنصوص تفى بالأحكام ما دامت هذه
стр. 28
الحياة. فما أوجبه الله تعالى من طريق الوحى بدلالة لفظه الظاهرة فهو واجب، وما نهى عنه من هذا الطريق فهو المحرم، وما عدا ذلك فمباح ومنه المكروه والمندوب.
فلا اجتهاد إلا للوصول إلى حكم الوحى وفى تفهم المراد من لفظه وليس هناك اجتهاد آخر لعدم الحاجة إليه.
ناحية الواقع:
كان المجتهدون من الصحابة والتابعين لا يتكلمون إلا فيما وقع ونزل، ولا يجتهدون فى أمر قدر وفرض ولم يقع، وكان عمر بن الخطاب رضى الله عنه يلعن من فوق منبره من يسأل عما لم يقع، فلم يكن فى هذين العصرين فقه فرضى، وإنما كان ذلك فى عهد فقهاء الأمصار، حيث كثرت المجادلات والمناظرات الفقهية التى جرت إلى الالتجاء إلى الصور المفروضة، ليتمكن المناظر من إفحام خصمه وإلزامه بما هو غير مقبول، ثم دخلت هذه الفروض فى الفقه لغير ذلك، وكان أصحاب هذه الطريقة يفخرون بأن وضع المسائل يعتبر نصف الفقه، ويبررون بحثهم عن حكم ما لم يقع بأنه استعداد للبلاء قبل وقوعه.
وكان من لا يرون ذلك يعيبون طريقة الفقه الفرضى، ويشنعون على أهله ويسمونهم الأرأيتيين (أخذا من قولهم: أرأيت كذا)، ومن الفريق الأول أبو حنيفة وأصحابه، والشافعى وأصحابه. أما مالك نفسه فكان يأبى الكلام فيما لم يقع، وكان أصحابه يتحيلون فيرسلون إليه بالمسألة من يزعم له أنها وقعت، ولما قدم إليه أسد بن الفرات بمسائل أهل العراق لم يرض بالكلام معه فيها، ولكنه أحاله على ابن القاسم.
غير أنه لم تمض إلا فترة وجيزة حتى اشتغل الكل بالفقه الفرضى، فيما بقى من طور الاجتهاد وفى طور التقليد، وإنك لتجد هذا واضحا فى المؤلفات الفقهية. والحق أنه لو قدر نجاح الفكرة التى تقاوم هذا النوع من الفقه ما كانت لنا هذه الثروة الفقهية العظمى الوافية التى نعتز ونفاخر بها.
ج - المذاهب الفقهية:
كان لكل مجتهد من فقهاء الصحابة والتابعين من أخذوا عنه واتبعوه. غير أن الوسيلة الوحيدة إذ ذاك للنقل كانت الحفظ، ينقل عن كل مجتهد ما ذهب إليه غير مختلط بما ذهب إليه أصحابه ومن أخذ عنه. ولما بدأ التدوين دون أصحاب المجتهدين أقوالهم وأقوال أساتذتهم مجتمعة، أو أملى المجتهد مذهبه، ثم لم يلبث أصحابه أن دونوا كما دون السابقون، وأطلق فيما بعد اسم الأستاذ على المجموعة كلها، ونسب هذا المذهب المختلط إليه تكريما له واعترافا برياسته، كما هو الحال فى مذاهب أبى حنيفة ومالك والشافعى وأحمد وداود والطبرى.
أما الذين دونوا مذاهبهم بأنفسهم ولم يتدخل أصحابهم فى تدوينها كالثورى والأوزاعى وأبى ثور والليث، وأما الذين بقى حظ مذهبهم هو النقل من طريق الحفظ، فبقيت مذاهبهم مذاهب فردية لم تختلط فيها أقوالهم بأقوال غيرهم، وينقلها الآخرون فيما يدونون كما ينقلون مذاهب الصحابة والتابعين. ومنذ أواخر عصر التابعين ظهرت المذاهب الفقهية التى نشأت عن المذاهب السياسية ظهورا بينا، وهى:
стр. 29
مذاهب الخوارج، الذين كانوا يسمون أيضا بالحرورية، وكانوا هم يسمون أنفسهم الشراة وهم طوائف متعددة.
ولا يعرف لهم مذاهب فقهية إلا مذهب الإباضية الذى بقى حتى اليوم.
ومذاهب شيعة على رضى الله عنه، وهم طوائف كثيرة جدا، أشهرها الزيدية أتباع زيد بن على زين العابدين بن الحسين الشهيد ابن على. والإمامية وهم فرق أشهرها الشيعة الإمامية الاثنا عشرية (الجعفرية)، والإسماعيلية أو الباطنية ومنهم العبيديون أو الفاطميون الذين ظهروا بالمغرب ثم استولوا على مصر وما جاورها. والمذاهب الثلاثة لا تزال قائمة. وإن كان الغموض حليف فقه الإسماعيلية منذ ظهورها حتى اليوم.
ومذاهب من عدا الخوارج والشيعة أطلق عليها اسم مذاهب أهل السنة، كما أن الشيعة لا يطلقون اسم المؤمن فى كتبهم الفقهية إلا على من كان شيعيا ويسمون أهل السنة المسلمين العوام، والعامة. ورغم أن الكلام فى العقائد كثر جدا وكانت هناك فرق وآراء، وكان أظهر الآراء بين الفقهاء آراء أهل السنة (أشعرية وما تريدية)، والمعتزلة والقدرية والمشبهة وكان من هذه الآراء ما يطعن به بعض الفقهاء على البعض الآخر لينفر من اتباعه، غير أن المذاهب الكلامية لم تكن سببا فى تمييز مذاهب فقهية كما أدى الى ذلك الاختلاف السياسى.
والمذاهب الفقهية كغيرها من الكائنات لا تقوم ولا تحيا إلا بحيويتها هى وقوة مناعتها، وما يكتب لها من القبول، وما يهبها الله من كثرة الأتباع وقوة عارضتهم وما منحوا من حصافة الرأى
وقد يكون للسلطان دخل فى ذلك ولكنه ليس كل شئ كما يرى ابن حزم، بل هو آخر العوامل فى مثل هذه الأمور الدينية التي يسندها الايمان والاعتقاد أكثر من أى شئ آخر، وإلا فلم كان منصب القضاء والقرب من أولى الأمر سببا فى انتشار مذهب أبى حنيفة فى العراق، ولم يكن سببا لانتشاره فى مصر ولا فى سائر الأقطار الأخرى، مع أن الخلافة واحدة والدولة فى ذروة قوتها؟
وإذا كان سلطان الحكم بن هشام والقربى منه قد أعانا على دخول مذهب مالك وانتشاره بالأندلس فلم لم يقض عليه ما كان بين الحكم نفسه وبين يحيى بن يحيى وزمرة الفقهاء من الفتن والثورات، ولم أعرض المصريون أتم الإعراض عن مذهب الفاطميين وقد بقى سلطانهم بمصر الأمد الطويل وكان لهم من أساليب الدعاية ما هو معروف، ولم لم يحول سلطان الأتراك ونفوذهم أهل مصر عن المذاهب التى يتبعونها؟
إن المسألة مسألة القوة والحيوية للمذهب نفسه ولأتباعه قبل كل شئ.
ولسنا ننكر أن فى كل عصر من يغريهم السلطان والقربى من أهله ومن يرجون النفع باعتناق فكرة أو مذهب معين.
ولكنهم على الدوام تافهون، ولم يكونوا يوما من العوامل القوية التى يكون لها الأثر الواضح فى المحيط العام ولا يتجاوز
стр. 30
أثرهم المناطق الخاصة، فالمسلم فى كل عصر لا ينزع إلى مذهب ديني إلا عن عقيدة منشؤها أما النظر والبحث إن كان من أهلها، وأما الثقة بمن يحبهم ويجلهم وتربى فى حجورهم، وأما الدعاية البارعة المحببة ممن لهم مكانة فى نفوس العامة، أما سيف المعز وذهبه فقل أن يفلحا فى مثل هذا الأمر.
فالدين الإسلامى نفسه لم ينتشر إلا بقوته ومنعته ومزاياه، وأى مذهب فقهى فسبيل انتشاره هو سبيل انتشار هذا الدين. وغفر الله لأصحاب نظريه السلطان. لقد ذهبوا إليها فى حسن نية، ولو تيقظوا إلى ما انفتح علينا من بعدهم لتدبروا أمرهم ولأعرضوا عنها بحق وعن بينة.
ويقيننا أنهم ما كانوا يعنون منها أكثر من أن السلطان مكن أتباع هذه المذاهب من الدعوة إليها، وإظهار ما فيها من القوة فحببوا فيها العامة بهذا وحده، كما كان يفعل زفر ابن الهذيل حينما كان قاضيا بالبصرة، فكان يدرس ويبدى الرأى الدقيق الذى ترضاه النفوس حتى إذا رأى الإعجاب من سامعيه قال لهم أن هذا هو مذهب أبى حنيفة.
وما زال يجرى على هذه الطريقة حتى حبب إليهم أبا حنيفة ومذهبه بعد أن كانت شقة الخلف واسعة بين الكوفة والبصرة بسبب الصراع فى مسائل العقائد. ولو أن أصحاب فكرة السلطان أرادوا غير هذا لكانوا على خطأ بين من شأنه أن يفتح علينا أبوابا من المطاعن المختلفة والمتربصون لهذا كثيرون. فالمذاهب الفقهية إنما عاشت بقوتها ِومنعتها، وبأتباعها وحسن أسلوبهم فى الدعاية والتحبب وإظهار المحاسن.
أما أسلوب الطعن والتشهير بالمذاهب فأسلوب ممقوت إن ارتضاه واحد لعنه مئات، وإن راج فى لحظة انحط قدره سنوات وسنوات، وهكذا كان حكم الرأى العام على أسلوب إمام الحرمين والرازى والخطيب البغدادى ومن نهج منهجهم فى الطعن على أبى حنيفة، وكذلك كان حكمه على من طعنوا على إمام دار الهجرة وعلى من طعنوا على غيره، وكان حكمه المبرم أنهم جميعا أئمة هدى ومن سلك طريق أى واحد منهم لقى الله سالما.
ومن المذاهب الفقهية ما قصر أجله، ومنها ما طال عمره وقوى نفوذه. ومذاهب الصحابة والتابعين ليست مما نعنيه بهذا القول، فهى الموارد الفعالة والعناصر القوية التى تكونت منها مذاهب فقهاء الأمصار واندمجت فيها اندماجا لم يميزها على حده فى الكتب الفقهية المذهبية.
ومع هذا بقيت متميزة محفوظة فى كتب الآثار، وفى كتب اختلاف الفقهاء، وفى كتب التفسير الأولى وشروح الحديث الموسعة، ونقلت إلينا نقلا صحيحا، وهى الذخيرة الأولى الباقية، وهى الضياء الهادى فى كل عصر، فلا يصغ إلى ما قاله إمام الحرمين وابن الصلاح فى شأن اتباعها والأخذ بها، فليس ذلك إلا عصبية مذهبية عرفت عن نفر قليل من الشافعية.
ومن المذاهب الفقهية من لم يعرف أنه كان له من الأتباع من التزموا الأخذ بها فهى كما نشأت حتى اليوم ولا نعرف من أحكامها الا
стр. 31
ما نقل إلينا فى ثنايا الكتب الفقهية أو كتب اختلاف الفقهاء.
أما سفيان الثورى الذى توفى سنة ١٦١ هـ فكان له أتباع أخذوا عنه ورووا كتبه ولكنه مات مستترا من ذوى السلطان ودفن عشاء. وكان قد أوصى فى كتبه فمحيت وأحرقت. وكان من الآخذين عنه أناس باليمن، وآخرون بأصفهان، وقوم بالموصل وقد انقرض أهل هذا المذهب فى وقت قصير جدا ثم اختفت كتبهم.
أما عبد الرحمن الأوزاعى المتوفى سنة ١٥٧ هـ فقد انتشر مذهبه بالشام حتى ولى قضاء دمشق أبو زرعة محمد بن عثمان من أتباع الشافعى الذى أدخل مذهبه بالشام وعمل على نشره، وكان يهب لمن يحفظ مختصر المزنى مائة دينار. وبالدعوة إلى هذا المذهب انقرض أتباع الأوزاعى بالشام فى القرن الرابع. وكان مذهب الأوزاعى الغالب على أهل الأندلس، ثم انقطع هناك بعد المائتين وتغلب مذهب مالك.
ويقول ابن فرحون المتوفى سنة ٧٩٩ هـ ان داود بن على المتوفى سنة ٢٧٠ كثر أتباعه وانتشر مذهبه ببلاد بغداد وبلاد فارس وأخذ به قليلون من أهل إفريقية وأهل الأندلس وهو ضعيف الآن أى فى عصر ابن فرحون.
ويقول ابن خلدون المتوفى سنة ٨٠٨:
إن مذهب أهل الظاهر قد اندرس اليوم بدروس أئمته وإنكار الجمهور على منتحليه ولم يبق إلا فى الكتب المجلدة وربما عكف عليها كثير من الطالبين الذين تكلفوا انتحال هذا المذهب ليأخذوا منه مذهبهم وفقههم فلا يظفرون بطائل، ولا ينالون إلا مخالفة الجمهور وإنكارهم عليهم وربما عدوا مبتدعين بنقلهم العلم من الكتب من غير مفتاح المعلمين.
وقد فعل ذلك ابن حزم بالأندلس على علو مرتبته فى حفظ الحديث، وصار إلى مذهب أهل الظاهر، ومهر فيه باجتهاد زعمه، وخالف إمامهم داود، وتعرض للكثير من أئمة المسلمين فنقم ذلك الناس عليه، وأوسعوا مذهبه استهجانا وإنكارا وتلقوا كتبه بالإغفال والترك، حتى أنه ليحظر بيعها بالأسواق وربما مزقت فى بعض الأحيان.
وهذا التعصب البغيض لم يقو على هدم الإمام ابن حزم ولا على إبادة الكثير من مؤلفاته وبقيت آراؤه واجتهاداته ومؤلفاته نبعا فقهيا صافيا فياضا، لم يذهب ببهجتها وجلالها وروعتها ما فيها من سلاطة القول، وشناعة التشهير بمخالفيه.
أما الطبرى، أبو جعفر محمد بن جرير المتوفى سنة ٣١٠ فقد أخذ الفقه عن داود، ودرس فقه أهل العراق ومالك والشافعى على رجاله، ولم ير أحمد فقيها وما رآه إلا محدثا، ولذا شنعوا عليه بعد موته. وبعد أن نضج كان له مذهب فى الفقه اختاره لنفسه وكان له أتباع من أجلهم المعافى النهروانى القاضى، وكانت له ولأتباعه مؤلفات فقهية لكنها لم تصل إلينا ولولا تفسيره الجليل ما وصل إلينا هذا القدر القيم من مذهبه. ولم نقف حتى الآن على أنه كان له أتباع موجودون بعد القرن الرابع.
والمذاهب الفقهية الباقية أتباعها حتى اليوم هى المذاهب الأربعة ومذهبا الزيدية
стр. 32
والجعفرية (الإمامية الاثنا عشرية) ومذهب الإباضية. أما الفرقة الإسماعيلية فلها أتباعها ولكن فقهها ليس بظاهر.
والمذهب الحنفى قد انتشر من العراق ودخل مصر والروم وبلخ وبخارى وفرغانة وطشقند وخيوى وخوارزم وبلاد فارس وأكثر بلاد الهند والسند وبعض بلاد اليمن وغيرها، ولما قامت دولة الأتراك العثمانيين كان مذهب الدولة.
والحنفية اليوم يوجدون بقلة فى شمال أفريقيا وأكثرهم بتونس وأكثرهم من بقايا الأسر التركية، وتمتاز حاضرتها بمشاركة القضاء الحنفى للقضاء المالكى وفيها كبيرا المفتين وهما حنفى ومالكى، وكان الحنفى يلقب بشيخ الإسلام وله التقدم على المالكى وكان المتبع أن يكون نصف مدرسى جامع لزيتونة من الحنفيين والنصف الآخر من المالكيين.
ورغما من أن سلسلة العلماء من الحنفيين لم تنقطع بمصر كان إقبال أهلها على اتباع هذا المذهب ضعيفا ويكاد يكون قاصرا على الأسر التركية والشركسية وما إليها، وبتوالى الزمن كادت مدارسة هذا المذهب تكون قاصرة على المدرسين والطلاب برواق الأتراك، ورواق الشوام بالأزهر، غير أن الشيخ محمدا الرافعى حبب نخبة صالحة من المصريين فى دراسة هذا المذهب وانضم إلى ذلك إنشاء أبى بكر راتب باشا مدير ديوان عموم الأوقاف (وزارة الأوقاف) لرواق الحنفية بنصيحة من مفتى الحنفية وشيخ الأزهر الشيخ محمد المهدى العباسى.
أنشأه من ماله ووقف عليه الأوقاف الكافية ورتب للعلماء والطلاب ما يجرى عليهم من الخبز والمال، كما انضم إليه أيضا أن الإفتاء والقضاء يكونان بهذا المذهب بإلزام من الخليفة فازداد علماء هذا المذهب وطلابه باطراد حتى أصبح أهله أكثر من أهل أى مذهب آخر، ولكن هذا لم يغير من الوضع خارج معاهد التعليم، ويكاد يكون نصف أهل الشام اليوم من الحنفية، وكانوا قلة بفلسطين، وهم الأكثرون من الأتراك العثمانيين والألبان وسكان بلاد البلقان وهم قليلون فى بلاد فارس. وهم الأكثرون فى تركستان الغربية وتركستان الشرقية وبلاد القوقاز وما والاها، والكثرة الساحقة من مسلمى باكستان هم الحنفية، وهم الأقلون فى سيام نزحوا إليها من الهند وفى البرازيل نحو ٢٥ ألف حنفى.
ونشأ مذهب مالك بالمدينة وأدخله بمصر عبد الرحمن بن خالد وعثمان بن الحكم ونشراه بها هما وعبد الرحمن بن القاسم ثم زاحمه مذهب الشافعى بها. وانتشر فى أوائل القرن الخامس بأفريقيا وسائر بلاد المغرب.
كما دخل الأندلس فى عهد هشام وتغلب هناك. وكان بالقرن الرابع بالعراق وبالأهواز، وهو اليوم متغلب فى بلاد المغرب، أى شمال أفريقية، وفى السودان وفى صعيد مصر وينافسه المذهب الشافعى فى المدن وفى بلاد الوجه البحرى. ويغلب فى قطر وفى البحرين والكويت، كما يوجد فى بعض مدن الحجاز.
ومذهب الشافعى ظهر بمصر وبالعراق، وغلب على بغداد وكثير من بلاد خراسان والشام واليمن ودخل بلاد ما وراء النهر وبلاد فارس والحجاز وبعض بلاد الهند،
стр. 33
ودخل شئ منه أفريقية والأندلس، والشافعية فى العراق وخراسان وما وراء النهر شاركوا الحنفية فى الفتوى والتدريس وعقدت مجالس المناظرات بينهم وشحنت كتب الاختلاف بأنواع حججهم كما نجد العناية بذلك واضحة فى كتب كل من المذهبين التى ألفها فقهاء تلك البلاد من الفريقين.
وهو اليوم يزاحم مذهب مالك بمصر، ويتبعه نحو الربع من أهل السنة بالشام، كما يتبعه الأقلون من أهل فلسطين قبل نكبتها.
وله المرتبة الثانية بعد مذهب أبى حنيفة فى العراق، ويغلب فى بلاد الأكراد وبلاد أرمينية، وأكثر السنيين من أهل فارس شافعية، ومنهم أقلية فى القوقاز والهند.
ويغلب فى جاوة وسيلان والفلبين وسيام والهند الصينية واستراليا والحجاز واليمن وعدن وحضرموت.
ومذهب الحنابلة ظهر ببغداد ومقلدوه منذ ظهوره كانوا قليلين وكان أكثرهم بالعراق والشام، ولم يسمع بأنه كان له تغلب الا ببغداد حوالى سنة ٣٢٣ هـ حيث استفحل أمرهم، وكانت منهم بتلك السنة فتنة الأمر بالمعروف، وكانت لهم فتنة مع الشافعية أيضا.
ويغلب هذا المذهب اليوم على أهل نجد، وأتباعه نحو ربع أهل السنة بالشام، ويوجد بعضهم بالأفغان والحجاز وقطر والبحرين.
وكاد ينقرض علماؤه ومتعلموه وأتباعه بمصر لولا ما كان من أبى بكر راتب باشا فى وقفه الذى وقفه على رواق الحنفية فقد جعل لعلماء وطلاب مذهب أحمد نصيبا هينا، كان السبب فى بقاء نفر يعدون على الأصابع ولا يعرف أن تقليده من عامة المصريين مر بخاطر أحد منهم.
أما الشيعة الإمامية الإسماعيلية أو الباطنية فقد ظهر مذهبهم فى شمال إفريقية ودخلوا به مصر حينما استولوا عليها وعلى بلاد الشام، وكان مذهبهم المذهب الرسمى وشاركه بعض المذاهب الأربعة وبقى بمصر مدة دولتهم غير أن أحدا من أهل مصر لم يتبع هذا المذهب.
وقد انقرض هذا المذهب وأهله من مصر بزوال دولة الفاطميين ولم يبق اليوم من هذه الطائفة سوى أتباع أغا خان بالهند وجنوب أفريقية وبعض بلاد الشام. ولا يعرف لهم فقه اليوم.
أما الشيعة الإمامية الاثنا عشرية فكان مذهبهم منتشرا بالعراق وآسيا الشرقية (١) وبعض بلاد الجزيرة وهو اليوم بالعراق وفارس، وأتباعه أقلية فى البلاد الأخرى.
أما الزيدية فكانوا بالعراق وشرق آسيا والجزيرة، وهم اليوم باليمن.
ولكل من المذهبين فقهه القائم المتتابع وأئمتهم ومؤلفاتهم المدروسة المحققة.
وأما الإباضية (بكسر الهمزة وينطقها أهل شمال أفريقية بالفتح) فهم أتباع عبد الله بن إباض المتوفى حوالى سنة ٨٠ هـ فى عهد عبد الملك بن مروان. وقد وجدت الحركة الإباضية تربتها الخصبة فى بلاد العرب وبخاصة فى عمان حيث أصبحت بتوالى الزمن المذهب السائد بها، ودخل
стр. 34
هذا المذهب المغرب وانتشر بين البربر، وحكمت منهم أسر لم يزل حكمها إلا بقيام دولة الفاطميين، والإباضية أكثر فرق الخوارج اعتدالا ولهم مذهبهم فى الإمامة وفى بعض العقائد. أما الفقه فإنهم فيه كغيرهم إلا بمقدار ما يتأثر بالمذهب السياسى وهم الآن بعمان، وشمال أفريقية، وزنجبار.
د) طور التقليد:
الاتباع والتقليد لم يخل منهما عصر من العصور. فأصحاب رسول الله ﷺ لم يكونوا جميعا من المجتهدين فكان منهم المجتهد، وكان من يليه، وكان العامى وهكذا كان حال من جاءوا بعدهم. وما نعنى بطور التقليد إلا الطور الذى اختفى فيه ظهور أئمة مجتهدين مستقلين معترف لهم بذلك من الرأى العام الفقهى. ويبدأ هذا الطور من نهاية طور الاجتهاد وهو لم ينته بعد.
على أن هذا الطور لم يخل ممن ادعى الاجتهاد المطلق، أو ادعى له، كالقفال الصغير، وعز الدين بن عبد السلام، وابن دقيق العيد، والسبكى، الذى يقول الصفدى إن تسويته بالغزالى ظلم له وإنما هو كسفيان الثورى، وكابنه عبد الوهاب صاحب جمع الجوامع والطبقات الذى يكتب فى ورقة لنائب الشام: «أنا اليوم مجتهد الدنيا على الاطلاق ولا يقدر أحد يرد على هذه الكلمة».
وكان فى هذا العصر مجتهدون منتسبون كأبى جعفر الطحاوى المتوفى سنة ٣٢١ هـ من المنتسبين إلى مذهب أبى حنيفة، وكابن المواز، وقاسم الأموى القرطبى، والقاضى عبد الوهاب من المنتسبين إلى مذهب مالك، وكالمزنى ومحمد بن نصر المروزى وأبى بكر الصيرفى المنتسبين إلى مذهب أحمد وابن حزم المنتسب الى الظاهرية … فهؤلاء وأمثالهم كانت لهم موافقات للمذاهب التى انتسبوا إليها كما كانت لهم مخالفات واختيارات خارجة عنها.
وكان فى هذا الطور كثيرون من مجتهدى المسائل، أو من يسمون مجتهدى المذهب ومن أهل التخريج وأصحاب الوجوه وأهل الترجيح. فمن هؤلاء من الحنفية أبو منصور الماتريدى المتوفى سنة ٣٣٣ وأبو الحسن الكرخى المتوفى سنة ٣٤٠ والحاكم الشهيد المتوفى سنة ٣٤٤ والجصاص المتوفى سنة ٣٧٠. وإمام الهدى أبو الليث السمرقندى المتوفى سنة ٣٧٣، وأبو جعفر النسفى المتوفى سنة ٤١٤، وأبو على النسفى المتوفى سنة ٤٥٤ وأبو الحسن القدورى المتوفى سنة ٤٢٨ وأبو زيد الدبوسى المتوفى سنة ٤٣٠. وأبو العباس الناطفى المتوفى سنة ٤٤٠. وشمس الأئمة الحلوانى المتوفى سنة ٤٤٨، وشمس الأئمة السرخسى المتوفى سنة ٤٨٣، والصدر الشهيد المتوفى سنة ٥٣٦، وعلاء الدين الكاسانى المتوفى سنة ٥٨٧، وقاضيخان المتوفى سنة ٥٩٢ والميرغينانى المتوفى سنة ٥٩٣ هـ.
وكان من هؤلاء من المالكيين ابن أبى زيد القيروانى المتوفى سنة ٣٨٦، وأبو سعيد البرادعى صاحب التهذيب المتوفى سنة ٣٩٢، واللخمى المتوفى سنة ٤٧٨، والباجى المتوفى سنة ٤٩٤، وابن رشد المتوفى سنة
стр. 35
٥٢٠، والمازنى المتوفى سنة ٥٣٦، وابن الحاجب المتوفى سنة ٦٤٦، والقرافى المتوفى سنة ٦٨٤ هـ وخليل بن إسحاق.
وكان من هؤلاء من الشافعية أبو سعيد الاصطخرى المتوفى سنة ٣٢٨، والقفال الكبير الشاشى المتوفى سنة ٥٠٧، وأبو حامد الاسفرايينى المتوفى سنة ٤٠٦، وابن فورك المتوفى سنة ٤٠٦، وأبو اسحاق الشيرازى المتوفى سنة ٤٧٦، وأبو اسحاق الاسفرايينى المتوفى سنة ٤١٨، وأبو منصور عبد القادر بن طاهر المتوفى سنة ٤٢٩، والماوردى المتوفى سنة ٤٥٠، وابن اللبان المتوفى سنة ٤٤٦، وامام الحرمين المتوفى سنة ٤٧٨، وحجة الاسلام الغزالى المتوفى سنة ٥٠٥ والرافعى المتوفى سنة ٦٢٣ والنووى المتوفى سنة ٦٧٦، وابن الرفعة المتوفى سنة ٧١٠.
وكان من هؤلاء من الحنابلة أبو بكر الخلال المتوفى سنة ٣١١ وأبو بكر غلام الخلال المتوفى سنة ٣٦٣، وأبو القاسم الخرقى المتوفى سنة ٣٣٤، والقاضى أبو يعلى الكبير المتوفى سنة ٤٥٨، وأبو الخطاب المتوفى سنة ٥١٠، وأبو يعلى الصغير المتوفى سنة ٥٦٠، وموفق الدين بن قدامة المتوفى سنة ٦٢٠، وابن القيم المتوفى سنة ٧٥١، وابن مفلح المتوفى سنة ٧٦٣، وابن رجب المتوفى سنة ٧٩٥.
وكان فى الطبقة التى تلى جميع هؤلاء من لم يبلغوا مرتبتهم ولكنهم لجأوا إلى الاستظهار والأخذ والتفقه فلم يقفوا بالفقه جامدا وواجهوا الأحداث وقرروا الأحكام على وجه لا يتردد من يطلع عليه فى أنه اجتهاد ونظر فى الكتاب وفى السنة وفى وجوه المعانى كما يفعل المجتهدون تماما.
وإنك لتجد هذا واضحا فيما لا يكاد يحصى من المسائل، وأذكر منها على سبيل المثال ما كان بشأن فقدان وقت العشاء الذى جر إلى الكلام عن المنطقة القريبة من المنطقة القطبية الشمالية وعن المواقيت فيها. وما كان بشأن بيع الوفاء. والنزول عن الوظائف والمرتبات فى الأوقاف نظير عوض. وبشأن تصرفات الأصحاء فى بلد نشأ فيه الوباء، وبشأن التلفيق فى العبادة الواحدة والمعاملة الواحدة، وبشأن الحكر وما يتعلق به، وبشأن تناول القهوة المتخذة من شجرة البن، وبشأن استعمال الطباق (الدخان) سعوطا وتدخينا وامتضاغا، وبشأن السوكرة أو السوكرتاه وضمان ما يهلك من التجارة.
وإذا استثنينا المجتهدين من الأنواع الثلاثة لم تكن المصادر الفقهية مصادر لمن عداهم وما مصدرهم إلا ما نقل إليهم من كلام أئمة المذهب الذين يقلدون أهله، فهذا هو مصدرهم الوحيد. هكذا قالوا، وهكذا توارثوا هذا القول، ولكننا نجد من أهل هذه الطبقة الفقهاء المحصلين والمحدثين البارعين القادرين، ونجدهم يتغلغلون فى أدلة الأحكام على اختلاف أنواعها ويؤيدون ويزيفون فى قوة حجة ومتانة رأى، غير أن الرأى العام الفقهى لم يعترف لهم بأكثر من هذه المرتبة.
ولكن هذا المسلك لم يصب الفقه بأذى وسيان أن تكون مسايرة الحياة ومواجهة الأحداث باسم الاجتهاد أو باسم التخريج ونظائره أو باسم الأخذ والتفقه، ما دام الكل مؤديا للغاية ومحققا للمقصود.
стр. 36
والفقه فى هذا الطور قد اتسع نطاقه وتمت مسائله وأخذ أوضاعا لها شأنها. فقد كثرت الفتاوى فى الواقعات والنوازل وفيها ما ينطوى على استنباط أحكام وفيها ما لا استنباط فيه ولكنه تطبيق للأحكام المعروفة يتفاوت القائمون به فى الدقة وملاحظة الاعتبارات الخفية. فكان هذا وما كان من اختلاف الروايات عن أئمة المذهب الواحد واختلاف آراء الفقهاء فيه كان كل أولئك سببا لتعدد الأقوال والحاجة إلى الترجيح ثم إلى قواعد للترجيح يعتمد عليها فى معرفة الراجح من ليس من أهل الترجيح واندمج كل هذا فى الفقه، فاتسع نطاقه.
وقد عنى الفقهاء فى هذا الطور بمسائل أصول الفقه التى ما كانت تعدو أن تكون مقدمة فقهية وما زالوا يبحثون ويتوسعون حتى جعلوا ذلك علما مستقلا.
وفى هذا الطور ظهر لون من الفقه لم يكن واضحا قبله حيث وضعت أصول للمسائل وقواعد كلية تدور فى أبواب مختلفة من الفقه، كما فعل الكرخى فى رسالته، وأبو زيد الدبوسى فى تأسيس النظر، وقاضيخان والحصيرى فى أوائل كل باب من شرحهما للجامع الكبير لمحمد، وصاحب جامع الفصول فى أكثر فصوله، وابن نجيم فى الأشباه والنظائر، والقرافى فى الفروق، وابن عبد السلام، والزركشى فى القواعد، وابن رجب فى القواعد الكبرى … كما توسعوا فى بيان الجمع والفروق بين المسائل، وفى وضع الألغاز الفقهية ومسائل المعاياة.
وفى هذا الطور لم تقف دراسة الفقهاء عند المذاهب التى ينتسبون إليها بل اتجهت عنايتهم إلى دراسة اختلاف الفقهاء وجمعة وتدوينه، فاشتغل به أبو جعفر الطحاوى ووضع فيه موسوعة بلغت نيفا وثلاثين ومائة جزء، اختصرها فيما بعد الجصاص، واشتغل به أيضا ابن جرير الطبرى يذكر فيه أحمد بن حنبل وقال إنه محدث وليس بفقيه، ولذلك رماه أتباع أحمد بعد موته بالرفض.
وكذلك اشتغل به المجتهد المنتسب أبو على الحسن بن خطير فجمع اختلاف الصحابة والتابعين والفقهاء، والنيسابورى الشافعى وله كتاب الانتصاف فى اختلاف العلماء قال فيه الشيرازى إنه مما يحتاج إليه الموافق والمخالف.
ولابن هبيرة الإفصاح. وللإسفرايينى فى الاختلاف كتاب الينابيع، وللشعرانى الميزان وهذه الثلاثة الأخيرة لم يذكر فيها إلا اختلاف المذاهب الأربعة ولم تكن كالتى ذكرت قبلها.
ومن الكتب التى كان أصل وضعها أن تكون مذهبية إلا أنها من أوسع كتب اختلاف الفقهاء: المغنى لابن قدامة الحنبلى، والمحلى لابن حزم، وهما البقية الباقية لنا من مبسوطات كتب الاختلاف.
وفى هذا الطور تحولت الدراسة إلى المختصرات المتعاصرة أو المتتالية فى كل مذهب، فانصرفت الهمم إلى شرحها والتعليق عليها كمختصرات الطحاوى والكرخى والقدورى والبداية للميرغينانى والوقاية والنقاية لصدر الشريعة وجده، وكنز النسفى وما كان بعدها من المختصرات عند الحنفية.
وكمختصر ابن أبى زيد وتهذيب البرادعى ومختصر ابن الحاجب فى الفروع ومختصر
стр. 37
خليل بن إسحاق وأقرب المسالك للدردير ومجموع الأمير عند المالكية.
وكمختصر المزنى والمهذب والتنبيه للشيرازى والوجيز للغزالى والمنهاج للنووى والتحرير لشيخ الإسلام زكريا الأنصارى والمنهج للسيوطى عند الشافعية.
والإقبال على هذه المختصرات التى عرفت أخيرا باسم المتون أدى إلى إهمال المبسوطات السابقة واعتبارها مراجع، فلم تلق من العناية بالتحرير والرواية ما لقيته المختصرات المتدارسة والمشروحة، فصارت عرضة للضياع، بل ضاع الكثير منها وما وصل إلينا وصل إلينا محرفا تحوم حوله شبهات، وبلغت العناية بالمختصرات أشدها ثم زادت أخيرا عن حدها، وكثر التعرض لتحليل ألفاظها وغير ذلك مما لا صلة له بالفقه وامتلأت بذلك الحواشى والتقريرات.
والمساجد كانت هى أماكن المدارسة الأصلية، وتقوم بجانبها بيوت العلماء، وفى بداية هذا الطور وجدت المدارس التى أنشئت ووقفت عليها الأوقاف التى تكفل معونة العلماء والطلاب وتكفل أرزاقهم كما وضعت بها الكتب الموقوفة التى يحتاجون إليها.
وربما كانت أول مدرسة هى المدرسة النظامية التى أنشأها نظام الملك بنيسابور للشيرازى، وتوالى بعدها انشاء المدارس النظامية فى بغداد ودمشق وغيرهما من البلاد.
وكثر إنشاء المدارس كثرة منقطعة النظير فى مصر والشام وما والاهما فى عهد الأيوبيين والمماليك، كما كثرت فى عهد الأتراك العثمانيين، وكان من أشهرها مدارس الآستانة الثمان.
وكانت مدارس للتفسير والحديث.
ومدارس للفقه، ومدارس لفقه مذهب بعينه، ولا ريب فى أن المدارس أدت للفقه الإسلامى أجل الخدمات وأخرجت أعلاما وأئمة فى الفقه، وفيها صنفت المؤلفات الفقهية العظيمة، وهى ككل أعمال هذه الحياة لا يمكن أن تخلو من نقص ولا أن تكون خيرا مطلقا، وهذا لا يبرر الحملة القاسية التى حملها على المدارس التلمسانى والمقرى من فقهاء المالكية فى القرن الثامن الهجرى فقد قالا إن المدارس كانت سببا فى ضياع الفقه، وذلك لأن هذه المدارس جذبت إليها طلاب العلم لما فيها من المرتبات الجارية عليهم، غير أنه لا يختار للتدريس بها من هو أهل لذلك وما سبيل القبول بها إلا الشفاعات والزلفى إلى ذوى الرياسة، أما الأكفاء فإنهم لا يدعون إليها، وإن دعوا لم يجيبوا، وإن أجابوا لم يوف لهم بما شرطوا فانصرفوا، وبذلك ضاع العلم وضاع الطلاب حتى أنه كان يجلس على كرسى الأستاذ من لم يقرأ الرسالة ولم يفتح كتابا وربما جلس للتدريس من طريق التوارث، إلى آخر ما قالا.
ولا ريب فى أن هذا خلل واضح ذو أثر سيئ ولكنه ليس خللا عاما فى كل المدارس، ولقد شهدنا مثل هذا الخلل فى رواق الحنفية، وقد كان خللا طارئا لم يكن فى عهد الأستاذ الإمام محمد عبده ونائبه عبد الكريم سلمان، وبالتزام الجادة والحزم فترة وجيزة عاد الحق الى نصابه.
стр. 38
وكان بناء المدارس وما كان لها من أوقاف سببا لتدخل الحكومات الإسلامية فى شأن هذا التعليم بها ثم الإشراف عليه ثم تولى أمره كما هو الحال فى مصر وفى أكثر البلاد، وبذلك انقضى عهد التعليم والتعلم الفقهى الحر، اللهم إلا فى يسير من الأماكن.
وتعليم الفقه وتعلمه الآن فى المعاهد الدينية تعلم دينى كما كان من قبل. أما فى كليات الحقوق فتعليم تشريعى يتلقاه المسلم وغير المسلم.
ويعلم الفقه فى المساجد وفى المدارس بقدر ما يحتاج إليه المسلم فى تصحيح عبادته.
وبعد أن اتسع الكلام فى العقائد وفى الحديث رواية ودراية، وفى التفسير - كان لكل ناحية منها أهلها المختصون بها كما كان للفقه أهله.
وفى منتصف هذا الطور بدأ التعليم يكون مختلطا، وجمعت كل هذه العلوم إلى بعضها فى دور التعليم، فكان التعليم الدينى يتناول ما يسمى بالعلوم الآلية وهى النحو والصرف وعلوم البلاغة الثلاثة وأصول الفقه والمنطق والتوحيد والفقه والتفسير والحديث، وقد سرى فى المحيط الإسلامى ما أعجب به علماء الأتراك العثمانيين وأغرقوا فيه من الانغماس فى العلوم العقلية والفلسفية وتقدير البارز فيها وعدم المبالاة بالنبوغ فى غيرها وإن كان الفقه.
ثم كانت فيما بعد العودة إلى الطريقة المثلى طريقة التخصص فكانت للفقه فى أكثر الأقطار الإسلامية كليات الشريعة.
وما تقدم أول هذا الفصل عن المصدر الوحيد للمقلدين مهما كان مقدار تحصيلهم وما لهم من الذوق الفقهى هو الذى يجرى عليه الكثيرون.
ويخالفه على استقامة فريق آخر يرى أن الاجتهاد واجب على كل إنسان حتى على العامى ولهم فى ذلك تفصيلات وحجج يضيق عنها المقام.
وهناك طريقة أخرى يبدو منها الاعتدال هى طريقة ابن عبد البر وهى خاصة بالمتفقهة وأهل الفقه فعاب على طلاب العلم فى بلده وفى زمنه أن حادوا عن طريق السلف وأطرحوا الكتاب والسنة والآثار والوقوف على الإجماع والاختلاف، واعتمدوا على ما دون لهم من الرأى والاستحسان ومن مولدات الفروع بحجة أن من قبلهم كفاهم الرجوع إلى الأصول.
ومع ذلك فهم لا ينفكون عن ورود النوازل عليهم فيما لم يتقدمهم إلى الجواب عنه غيرهم فهم يقيسون على ما يحفظون من المسائل ويستدلون منها ويتركون طريق الاستدلال الصحيح وطالبهم بما يريده فى استفاضة، ومحصل ما يرمى إليه أنه لا يريد أن يكون هناك إلا متفقهة وطلاب ومجتهدون ولا يرضى عن الطبقات الوسطى التى يقول بها سواه كما لا يرضى عما يقول به الآخرون من اجتهاد المتفقهة والعوام.
وفى أواخر هذا الطور أخذ نطاق الفقه يضيق بزوال الحاجة الى كثير من أبوابه.
стр. 39
تقسيمات الفقه وخصائصه
للأحكام الفقهية بالمعنى العام الشامل تقسيمات كثيرة تقوم على معانى واعتبارات مختلفة، فهى من ناحية أدلتها ثبوتا ودلالة تنقسم إلى أحكام قطعية وإلى أخرى ظنية.
وهى من ناحية المقاصد التى شرعت من أجلها تنقسم إلى أحكام لحفظ الضروريات، وأحكام لصيانة الحاجيات، وأحكام لتحقيق التحسينات، وقد مضى ما يتعلق بهذين التقسيمين.
وقسموا هذه الأحكام إلى أحكام تكليفية، وأحكام تخييرية، وأحكام وضعيه.
فالحكم التكليفى هو اثر خطاب الله تعالى الموجه إلى المكلف بطلب الفعل أو بطلب تركه، وأثر الأول هو الفرض والوجوب والندب، وأثر الثانى هو الحرمة أو الكراهة، أما الخطاب التخييرى فأثره الإباحة.
أما الخطاب الوضعى فهو ما تعلق بالصحة والفساد والبطلان، وبكون الشئ أمارة أو علامة أو شرطا أو سببا أو علة لشئ آخر أو مانعا منه.
وقسموا الأحكام الشرعية أيضا إلى أحكام يمكن للقضاء أن يتدخل للإلزام بها والحكم بموجبها، وأحكام أخرى لا تدخل موضوعاتها تحت القضاء ولا يمكن الإلزام بها وتنفيذ ما تقضى به لاعتبارات مختلفة منها أن لا فائدة للالزام فى بعضها، ومنها أن بعضها لا يصح مع الجبر، ومنها أن موضوعات بعضها دقيقة وحساسة، فمن الخير أن يترك فيها لربه ولدينه.
وهذا النوع أحكامه كثيرة جدا ومنثورة فى مختلف أبواب الفقه.
وقسموها أيضا إلى عبادات، وإلى معاملات أو تجارات وإلى ما له شبه بهما وهو ما تعارفنا اليوم على تسميته الأحوال الشخصية.
وإلى دعاوى وبينات وأقضية، وهو ما سماه المرحوم الشيخ محمد زيد الأبيانى بالمرافعات الشرعية، مجاراة لاصطلاح المرافعات الوضعية، واشتهرت هذه التسمية فى مصر.
وإلى وثائق أو عقود إستيثاق وإلى جنايات، وإلى وصايا ومواريث.
وهذا التقسيم تقسيم تأليفى جمع فيه النظير إلى نظيره، كما وضع كل نوع مع ما يناسبه، وللفقهاء فى هذا طرائق مختلفة حتى فى مؤلفات المذهب الواحد، وأن اتفق الكل على وضع العبادات فى الطليعة.
ويقسمون المسائل الفقهية إلى قسمين:
أصول المسائل، أو مسائل الأصول كما يعبرون أحيانا، والقسم الآخر هو ما عدا هذه المسائل.
стр. 40
ومسائل الأصول أو أصول المسائل تطلق على معان مختلفة، فتطلق تارة على المسائل التى يكون فيها الاستنباط، أما بيان المراد منها فيما هو منطوق به أو بدلالة معناها والقياس عليها، فهى الأحكام التشريعية الواردة بالكتاب والسنة، فهى أصل لما تفرع عنها من طريق الاجتهاد.
وتطلق تارة أخرى على الأحكام الكلية التى تذكر فى كل كتاب أو باب من أبواب الفقه، فهى أصول لما يتفرع عنها من المسائل ومن هذا المعنى كانت تسمية كتب المجتهدين الأولى كتب أصول، كما كان يطلق على كتاب المبسوط لمحمد بن الحسن كتاب الأصل، وكذلك كان يطلق ذلك على نظيره من مؤلفات سواه، كما يظهر ذلك واضحا من الرجوع إلى الفهرست لابن النديم.
وتارة يطلق الأصل على قاعدة عامة لا تختص بباب بعينه وينبنى عليها فى كل باب أحكام تسمى أصولا بالمعنى الثانى، وذلك كقول الكرخى: الأصل أن الإجارة تصح ثم تستند إلى وقت العقد. وكقول الدبوسى: الأصل عند أبى يوسف أنة إذا لم يصح الشئ لم يصح ما فى ضمنه وعند أبى حنيفة يجوز أن يثبت ما فى ضمنه وإن لم يصح.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى قسموا هذه المسائل إلى مسائل ظهرت روايتها واشتهرت، ويقابلها المسائل النادرة التى لم تشتهر روايتها، وإلى المسائل القوية وتقابلها المسائل الضعيفة والشاذة، وإلى الراجح والمرجوح، وبينوا ترتيب كل هذه المسائل وما يجب العمل به منها إذا اختلفت.
وقسموا الأحكام الشرعية بالنظر إلى من يضاف إليه الحق الذى تقرره. وقالوا إن من يضاف إليه الحق قد يكون الله وقد يكون العبد. وقالوا إن المراد من حق الله ما يتعلق به النفع العام للعالم فلا يختص به أحد. وإنما كانت نسبته إلى الله للتعظيم فإنه جل شأنه متعال عن أن ينتفع بشئ.
وذلك كحرمة الزنا التى يتعلق بها عموم النفع من سلامة الأنساب وصيانة الفراش وارتفاع السيف بين العشائر بسبب ما يكون من التنازع من أجل الأعراض والتزاحم.
وقالوا أن حق العبد ما تتعلق به مصلحة خاصة دنيوية كحرمة المال للمملوك.
وقالوا إن من الحقوق ما هو خالص لله وما هو خالص للعبد ومنها ما اجتمع فيه الحقان وحق الله غالب، ومنها ما غلب فيه حق العبد وأن الاستقرار قد دل على أنه لا يوجد ما استوفى فيه الحقان. وبينوا الأحكام التى تندرج فى كل قسم من هذه الأقسام.
هذا هو ما يجرى عليه الأكثرون فى هذا التقسيم وهو يقوم على أن الحقوق فى الواقع لمصلحه العباد، ولكن الشاطبى قد تنبه إلى معنى أدق لما يمكن أن يسمى حكم الله وأفاض فى بيانه ثم خلص إلى قوله أن كل حكم شرعى ليس بخال عن حق الله تعالى وهو جهة التعبد، فان حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وعبادته امتثال أوامره واجتناب نواهيه بإطلاق.
وإن جاء ما ظاهره أنه حق للعبد مجردا فليس كذلك بإطلاق بل جاء على تغليب حق العبد فى الأحكام الدنيوية، كما أن كل