← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 438

حقيقة الوتر ومسماه في الشرع - ضمن «آثار المعلمي»

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (55 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

الرسالة الثامنة حقيقة "الوتر" ومُسماه في الشرع

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي لا تنحصر مواهبُه، ولا تنقطع رغائبُه، ولا تُقلِعُ عن الجود سحائبُه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً تثبت حقَّ الإيمان، وتُذهِب كيدَ الشيطان، وتوجب رضا الملك الديّان. وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه الذي به استقام من الحق سبيلُه، ومُحِيَتْ شُبَهُ الشرك وأباطيلُه. اللهمّ صلِّ على محمدٍ نبيك الأمين، وآله المطهَّرين، وأصحابه الهُداة المهديين، والتابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وسلِّم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فإنه لمّا كان أوائل رمضان سنة ١٣٤٢ سألني بعض الإخوان عن شيء من أحكام الوتر المختلف فيها، طالبًا بيانَ الراجح من الأقاويل مع بيان الدليل. ولما أخذتُ أتصفَّح الأدلة وجدتُ أحكام الوتر آخذًا بعضُها برقابِ بعضٍ، فانجرَّ بي الحالُ إلى توسعة المجال، فعزمتُ ــ متوكلًا على الله تعالى ــ على جمع كتابٍ يشتمل على عامة أحكام الوتر. على أن الباع قصير، والجناح كسير، ولكن لي في الله حُسن الظنِّ وصادق الرجاء، والفضلُ بيد الله يؤتيه من يشاء. قال الحافظ في "الفتح" (١): (فائدة) قال ابن التين: اختلف في الوتر في سبعة أشياء: في وجوبه، وعدده، واشتراط النية فيه، واختصاصه بقراءة، واشتراط شَفْعٍ قبلَه، وفي آخر وقته، وصلاته في السفر على الدابة. قلت: وفي قضائه، والقنوت فيه، وفي محلّ القنوت منه، وفيما يقال فيه، وفي فصله ووَصْله، وهل تُسَنُّ ركعتان قبله؟ وفي صلاته من قعود. لكن هذا

стр. 3

الأخير ينبني على كونه مندوبًا أو لا. وقد اختلفوا في أول وقته أيضًا، وفي كونه أفضل صلاة التطوع، أو الرواتب أفضل منه، أو خصوص ركعتي الفجر. هـ. مقدمة في حقيقة الوتر الوتر عند أصحابنا صلاةٌ مندوبة مؤكَّدة، أقلُّها ركعة، وأكثرها إحدى عشرة، وقتها ما بين العشاء والفجر. ولا فرقَ عندهم في إطلاق الوتر على الإحدى عشرة بين فَصْلها بتسليمةٍ واحدةٍ وفَصْلها بأكثر. وأما تحقيق حقيقة الوتر في السُّنَّة فنقول: بعد استقراء الأحاديث والآثار تلخَّص لنا أن الوتر قد أُطلِق على ثلاثة معانٍ: أولها: أن يُطلَق مرادًا به صلاةُ الليل التي غايتها ثلاث عشرة، سواءٌ صُلِّيتْ وصلًا أو فصلًا، وعلى هذا حديث الحاكم والبيهقي ومحمد بن نصر (١) عن النبي ﵌ أنه قال: "لا توتروا بثلاثٍ تُشبِّهوا بالمغرب، ولكن أوتروا بخمسٍ أو بسبعٍ أو بتسعٍ أو بإحدى عشرة أو بأكثر من ذلك". وعليه أيضًا حديث أحمد وأبي داود (٢) بإسنادٍ صحيح عن عائشة وقد سُئلتْ: بكَمْ كان رسول الله ﵌ يُوتر؟ فقالت: كان يُوتر بأربعٍ وثلاث، وستٍّ وثلاث، وثمانٍ وثلاث، وعشرٍ وثلاث، ولم يكن يُوتِر بأنقصَ من سبعٍ

стр. 4

ولا بأكثر من ثلاثَ عشرةَ. وهذا الوجه هو الأقرب لمذهبنا. الثاني: أن يُطلَق مرادًا به الركعة الفردة، سواء أوقعتْ موصولةً أو مفصولةً. وعلى هذا حديث الصحيحين (١) ــ واللفظ لمسلم ــ: "صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشيتَ الصبح فأوتِرْ بركعةٍ". وعليه حديث مسلم (٢) عن ابن عمر وابن عباس عن النبي ﵌ أنه قال: "الوتر ركعة من آخر الليل". هكذا ورد عنهما. وقد رواه أبو داود والنسائي (٣) كلاهما بإسنادٍ صحيح تحت ترجمة (باب كم الوتر)، ولفظه: عن ابن عمر أن رجلًا من أهل البادية سأل النبي ﵌ عن صلاة الليل، فقال بإصبعَيْه هكذا "مثنى مثنى، والوتر ركعةٌ من آخر الليل". ولا يخفى أن تعريف المسند إليه ظاهره الحصر، فهو في قوةِ "ليس الوتر إلا ركعة من آخر الليل". مع أنه قد ثبت أن النبي ﵌ وصلَ بين ثلاثٍ وبين خمسٍ وبين سبعٍ وبين تسعٍ. والجمعُ بين ذلك أن الوتر في قوله: "الوتر ركعة من آخر الليل" يُرادُ به تلك الركعة الفردة وإن وُصِلَتْ. الثالث: أن يُطلَق مرادًا به ما كان وترًا بتسليمةٍ واحدةٍ، سواءً أكان واحدةً أو ثلاثًا أو خمسًا ... إلخ. وعلى هذا أكثر الأحاديث.

стр. 5

منها حديث عائشة عند أحمد والشيخين (١) بلفظ: "كان رسول الله ﷺ يصلِّي من الليل ثلاثَ عشرةَ ركعةً يوتر بخمسٍ". ومنها حديثها المتفق عليه (٢): "كان النبي ﷺ يصلِّي وأنا راقدةٌ معترضةٌ على فراشِه، فإذا أراد أن يُوتِر أيقظَني فأوترتُ". وفي رواية لمسلم (٣): فإذا أوتر قال: "قُومي فأوتري يا عائشة". وفي روايةٍ له أيضًا (٤): فإذا بقي الوترُ أيقظَها فأوترتْ. أقول: وقد رأيت أن أقدِّم تحقيق حقيقة الوتر، أعني المعنى الذي يكون إطلاقُ لفظ الوتر عليه حقيقةً شرعية، ثم أشرعُ في بيان الوجوه المختلَف فيها، مفردًا كلَّ وجهٍ بمقالةٍ إن شاء الله تعالى. * * * *

стр. 6

المقالة الأولى في حقيقة الوتر قال الربيع في كتاب "اختلاف مالك والشافعي" (١): "باب ما جاء في الوتر بركعةٍ واحدة. سألتُ الشافعي عن الوتر: أيجوز أن يُوتِر الرجلُ بواحدةٍ ليس قبلها شيء؟ قال: نعم. والذي أختار أن أُصلِّي عشر ركعاتٍ ثم أُوتِرَ بواحدةٍ". ثم ساق الأدلة إلى أن قال (٢): "فقلتُ للشافعي: فإنا نقول: لا نُحِبُّ لأحدٍ أن يُوتِر بأقلَّ من ثلاثٍ، ويُسلِّمَ بين الركعة والركعتين من الوتر". ثم ساق جواب الشافعي، وفي آخره: "قال الشافعي رحمه الله تعالى: وقد أخبرنا عبد المجيد عن ابن جريج عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن النبي ﵌ كان يُوتِر بخمس ركعاتٍ لا يجلس ولا يُسلِّم إلّا في الآخرةِ منهن. فقلت للشافعي: فما معنى هذا؟ قال: هذه نافلةٌ، يَسَع أن يُوتِر بواحدةٍ وأكثر، ونختار ما وصفتُ من غيرِ أن نُضيِّق غيرَه. وقولكم ــ والله يَغفِر لنا ولكم ــ لا يوافق سنةً ولا أثرًا، ولا قياسًا ولا معقولًا، قولُكم خارجٌ من كل شيء من هذا وأقاويلِ الناس. إما أن تقولوا: لا يوتر إلا بثلاثٍ كما قال بعض المشرقيين، ولا يسلّم إلا في واحدةٍ منهن لئلا يكون الوتر واحدةً. [وإما أن

стр. 7

لا تكرهوا الوتر بواحدةٍ، وكيف تكرهون الوتر بواحدةٍ] (١) وأنتم تأمرون بالسلام فيها، فإذا أمرتم به فهي واحدة. وإن قلتم: كرهناه لأن النبي ﵌ لم يُوتِر بواحدةٍ ليس قبلها [شيء]، فلم يُوتِر النبي ﵌ بثلاثٍ ليس قبلهن شيء، وقد استحسنتم أن تُوتِروا بثلاثٍ". فأول كلامه ﵁ ــ ولاسيَّما قوله: "لئلا يكون الوتر واحدة" ــ يُفِيد أن الوتر هو ما صُلِّي بتسليمةٍ واحدةٍ: ركعة أو ثلاثًا أو أكثر، ولا يَشْرَكُه في اسم الوتر ما سبقَه من شَفْعٍ مفصولًا عنه. وآخر كلامه يُشبه خلافَ ذلك. وكلام المزني في "المختصر" (٢) يؤيِّد الأول. وقد يقال: إن قول الشافعي: "وقد استحسنتم أن تُوتِروا بثلاث" تسليمٌ جدلي، كأنه قال: لا يخلو قولكم: "يُوتِر بثلاثٍ مفصولة" أن يكون وجهه كراهية الوتر واحدةً، أو كراهية مخالفة السنة في الوتر بواحدةٍ لم يسبقها شَفْعٌ، فإن كان الأول فإن اشتراطكم الفصلَ هو عينُ ما فررتم منه، إذ الركعة صُلِّيتْ مفردةً، فهي الوتر، ولا تَشْرَكها الركعتان في اسم الوتر لوجود الفصل، وإن كان الثاني فمن تأمل كلام الإمام ﵁ حقَّ تأمُّلِه تبيَّن أن الوتر عنده هو ما صُلِّي بتسليمةٍ واحدة وترًا: ركعةً أو ثلاثًا أو أكثر. ولا يقدح في هذا قوله في آخر كلامه: "وقد استحسنتم أن تُوتروا بثلاثٍ"، لأنه على سبيل التسليم الجدلي، لما ستراه. وتفسير كلام الإمام بعبارةٍ أخرى: قولكم: "لا نحب أن يوتر [إلا]

стр. 8

بثلاثٍ مفصولة" لا يخلو عن أحد أربعة وجوه: إما أن يكون كراهيةَ إيقاع ركعةٍ منفردة، ولم يُعهَد ذلك في الصلاة. وإما أن يكون كراهيةَ الاقتصار عليها، والنبي ﵌ لم يقتصر. وإما أن يكون ذهابًا إلى حديث "مثنى مثنى". وإما أن يكون كراهيةَ إيقاعها بدون سَبْقِ شَفْعٍ قبلها. فأما الأول فشرطكم الفصلَ وقوعٌ فيما فررتم منه، ووجودُ الركعتين قبلها لا يُخلِّصها من كونها مفردة. وأما الثاني فإن النبي ﵌ لم يقتصر على الثلاث أيضًا، فلِمَ اقتصرتم عليها؟ وأما الثالث فإن أقلَّ ما يقع عليه "مثنى مثنى" أربع، فلِمَ اقتصرتم على ركعتين؟ وأما الرابع فإن النبي ﵌ لم يُوتِرْ بثلاثٍ لم يَسْبِقْها شَفْع، وأنتم تزعمون أن الثلاث المفصولة وترٌ ولا تشترطون قبلها شفعًا. إذا تقرر ما ذُكِر علمتَ أن الوتر في كلام الإمام عبارة عمّا صُلِّي وترًا بنيته موصولًا بتسليمةٍ واحدة: ركعة أو ثلاث أو خمس أو أكثر. وأما أهل مذهبه فإن الوتر في كلامهم عبارةٌ عما صُلِّي بنية الوتر، من ركعةٍ إلى أحد عشر، مع الوصل أو الفصل. قلت: وظاهر قول الربيع: "فإنا لا نحب لأحدٍ أن يُوتِر بأقلَّ من ثلاثٍ، ويُسلِّم بين الركعة والركعتين من الوتر": أن مذهب مالك أن الوتر عبارة عن

стр. 9

تلك الثلاث المفصولة، وعليه بنى الشافعي جوابَه في الوجه الرابع حيث قال: "وقد استحسنتم أن توتروا بثلاثٍ"، والظاهر أن ذلك قولٌ في مذهب مالك. والراجح عنده أن الوتر هو الركعة المفصولة. قال الباجي في "شرح الموطأ": فأما المسألة الثانية في عدد الوتر، فإن مالكًا ﵀ ذهب إلى أن الوتر ركعة واحدة، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: الوتر ثلاث ركعات. والدليل على ما نقوله قول عائشة ﵂ في الحديث: "يُوتِر منها بواحدةٍ" (١). قال ابن رشد في "بداية المجتهد" (٢): وأما صفته ــ أي الوتر ــ فإن مالكًا ﵀ استحبَّ أن يُوتر بثلاثٍ يُفصَل بينها بسلام. وقال أبو حنيفة: الوتر ثلاث ركعات من غير أن يُفصَل بينها بسلام. وقال الشافعي: الوتر ركعة واحدةٌ. ولكلِّ قولٍ من هذه الأقاويل سلفٌ من الصحابة والتابعين. إلى أن قال: فمن ذهب إلى أن الوتر ركعة واحدة، فمصيرًا إلى قوله ﵊: "فإذا خشيتَ الصبحَ فأوْتِرْ بواحدة" (٣)، وإلى حديث عائشة أنه كان يُوتِر بواحدة (٤). ومن ذهب إلى أن الوتر ثلاث من غير أن يُفصَل بينها، وقصرَ حكم الوتر على الثلاث فقط ... إلخ.

стр. 10

إلى أن قال: وأما مالك فإنه تمسك في هذا الباب بأنه ﵊ لم يُوتر قطُّ إلّا في إثر شَفْعٍ، فرأى أن ذلك من سنة الوتر، وأن أقل ذلك ركعتان، فالوتر عنده على الحقيقة إما أن يكون ركعةً واحدةً، ولكن من شرطها أن يتقدمها شَفْع، وإما أن يرى أن الوتر المأمور به هو يشتمل على شَفْع ووتر، فإنه إذا زيد على الشفع وترٌ صار الكلُّ وترًا. ويشهد لهذا المذهب حديث عبد الله بن قيس المتقدم (١)، فإنه سمَّى الوتر فيه العدد المركب من شفع ووتر، ويشهد لاعتقاده أن الوتر هو الركعة الواحدة أنه كان يقول: كيف يوتر بواحدة ليس قبلها شيء؟ وأي شيء يُوتِر له؟ وقد قال رسول الله ﵌: "تُوتِر له ما قد صلَّى" (٢). فإن ظاهر هذا القول أنه كان يرى أن الوتر الشرعي هو العدد الوتر بنفسه، أعني الغير المركب من الشفع والوتر، وذلك أن هذا هو وتر لغيره، وهذا التأويل عليه أولى. هـ. قلتُ: فكلام الباجي قاطعٌ بأن الوتر عند مالك ركعة واحدة، ومفادُه أن الشفع الذي قبلها لا يجوز أن يكون بنية الوتر. وأما ابن رشد فرجَّح ذلك أيضًا، وكلاهما نسباه إلى الشافعي. وأجاز ابن رشد أن يكون مالك يرى أن الوتر يشتمل على شفعٍ ووتر، أي مفصولين، لاستدلاله بحديث عبد الله بن قيس، ولفظه: "قلت لعائشة: بكم كان رسول الله ﵌ يُوتر؟ قالت: كان يُوتِر بأربعٍ وثلاثٍ، وستٍّ وثلاث، وثمانٍ وثلاث، وعشرٍ وثلاث. ولم يكن يُوتِر بأنقصَ من سبعٍ، ولا بأكثر من ثلاث عشرة". وأما مع الوصل فثلاثٌ

стр. 11

بتسليمة، أو خمسٌ أو سبع أو تسع، فآخر كلامه أن مالكًا ــ بناءً على الراجح عنه ــ يُسمِّي المجموع وترًا، إلّا أنه لم يُجِز الوصل. فقد تبيَّن لك أن الراجح عنده عن مالك أن الوتر هو حقيقة شرعية في الركعة الواحدة، ولو أُجِيز الوصلُ بثلاثٍ أو أكثر لكان ذلك وِترًا أيضًا. وأما إذا حصل الفصل بين ركعتين وركعة مثلًا، فلا يكون الوتر إلّا الركعة، فتأمَّلْ. وظاهر كلامهما نسبة ذلك إلى الشافعي، وهو صحيح. * * * *

стр. 12

مبحث في الوتر [بواحدة] أجاز الشافعية الاقتصار على واحدةٍ ليس بين العشاء وطلوع الفجر غيرُها، واستدلُّوا بأحاديث: منها: حديث مسلم (١) عن ابن عمر وابن عباس أن النبي ﵌ قال: "الوترُ ركعةٌ من آخر الليل". ومنها: عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ أن رسول الله ﵌ قال: "الوتر حقٌّ على كل مسلمٍ، من أحبَّ أن يُوتِر بخمسٍ فليفعلْ، ومن أحبَّ أن يُوتِر بثلاثٍ فليفعلْ، ومن أحبَّ أن يُوتِر بواحدةٍ فليفعلْ". رواه أبو داود (٢) بإسناد صحيح، كما قاله النووي في "شرح المهذَّب" (٣). ورواه النسائي وابن ماجه (٤)، وصححه ابن حبان والحاكم (٥)، كما في "الفتح" (٦) وغيره. وعند الدارقطني (٧) بإسنادٍ قال بعض شُرَّاحه (٨): رواتُه كلهم ثقات عن

стр. 13

عائشة أن النبي ﵌ أوتر بركعة. قال في "المغني" (١): وفي "صحيح ابن حبان" (٢) من حديث ابن عباس أنه ﵌ أوترَ بركعة. قال بعضهم (٣): قال العراقي: وممن أوترَ بعد العشاء بركعةٍ من الصحابة: الخلفاء الأربعة، وسعد بن أبي وقاص، ومعاذ بن جبل، وأُبي بن كعب، وأبو موسى الأشعري، وأبو الدرداء، وحذيفة، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، ومعاوية، وتميم الداري، وأبو أيوب الأنصاري، وأبو هريرة، وفضالة بن عُبيد، وعبد الله بن الزبير، ومعاذ بن الحارث القاري. هـ قلت: في البخاري (٤) أن سعد بن أبي وقاص أوتر بواحدةٍ. وفيه أيضًا (٥) كذلك عن معاوية، وأن ابن عباس أقرَّه على ذلك بقوله لمن اعترض عليه: دَعْه فإنه فقيهٌ. والبحث معهم يتوقف على مقدمة، وهي تحقيق مسمَّى "الوتر" ما هو؟ أهو صلاة الليل التي يكون آخرها فردًا مطلقًا، أو الركعة الفردة منها مطلقًا، أو هو آخر صلاةٍ في الليل تكون وترًا بتسليمةٍ واحدة، سواء أكانت واحدةً أو أكثر؟

стр. 14

بحث في حقيقة "الوتر" ومسمَّاه في الشرع روينا في "صحيح مسلم" (١) بسنده إلى أبي مِجْلَز قال: سالتُ ابن عباس عن الوتر، فقال: سمعتُ رسول الله ﵌ يقول: "ركعةٌ من آخر الليل"، وسألتُ ابن عمر فقال: سمعتُ رسول الله ﵌ يقول: "ركعةٌ من آخر الليل". وهذا الحديث بعض حديث. أقول: رويناه في "سنن أبي داود" و"سنن النسائي" و"سنن ابن ماجه". قال أبو داود (٢): (باب كم الوترُ؟) حدثنا محمد بن كثير أنا همام عن قتادة عن عبد الله بن شقيق عن ابن عمر أن رجلًا من أهل البادية سأل النبي ﵌ عن صلاة الليل، فقال بإصبعَيْه هكذا: "مَثْنَى مَثْنَى، والوتر ركعة من آخر الليل". قلت: وهذا الإسناد صحيح. وقال النسائي (٣): (باب كم الوترُ؟) أخبرنا محمد بن يحيى بن عبد الله قال: حدثنا وهب بن جرير قال: حدثنا شعبة عن أبي التيَّاح عن أبي مِجْلَز عن ابن عمر أن النبي ﵌ قال: "الوتر ركعةٌ من آخر الليل". أخبرنا محمد بن بشار قال: حدثنا يحيى ومحمد قالا: حدثنا ــ ثم ذكر كلمةً معناها ــ شعبة عن قتادة عن أبي مِجْلَز عن ابن عمر عن النبي ﵌ قال: "الوتر ركعةٌ من آخر الليل".

стр. 15

أخبرنا الحسن بن محمد عن عفان قال: حدثنا همام قال: حدثنا قتادة عن عبد الله بن شقيق عن ابن عمر أن رجلًا من أهل البادية سأل رسول الله ﵌ عن صلاة الليل، قال: "مثنى مثنى، والوتر ركعةٌ من آخر الليل". وهذا الإسناد الأخير صحيح. وقال ابن ماجه (١): حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، ثنا عبد الواحد بن زياد، ثنا عاصم عن أبي مِجْلَز عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﵌: "صلاة الليل مثنى مثنى، والوتر ركعة". قلت: أرأيتَ إن غلَبتْني عيني، أرأيتَ إن نِمْتُ؟ قال: "اجعَلْ "أرأيتَ" عند ذلك النجم". فرفعتُ رأسي، فإذا السِّماكُ. ثم أعاد فقال: قال رسول الله ﵌: "صلاة الليل مثنى مثنى، والوتر ركعةٌ قبلَ الصبح". وإسناده صحيح، ولفظ "قبل الصبح" هو بمعنى اللفظ الآخر: "من آخر الليل". وقد ورد إطلاق الوتر على الركعة الواحدة الموصولة بالشفع، كما في روايةٍ لأبي داود (٢) في حديث سعد بن هشام عن عائشة، وفيها: "فصلَّى ثماني ركعاتٍ يُخيَّلُ إليَّ أنه يُسوِّي بينهن في القراءة والركوع والسجود، ثم يوتر بركعةٍ ... " الحديث. مع أن عامة طرق الحديث عند أبي داود (٣) وعند مسلم (٤) وغيرهما مبينةٌ أن الركعة متصلة بالثمان، وذلك أنه ﵌ صلَّى تسعًا جميعًا، وإنما أفردت الركعة في هذه الرواية لأنه فصلَ بينها وبين الثمان

стр. 16

بتشهدٍ، ولم يُسلِّم إلّا في التاسعة، كما في عامة الروايات. وقد تُحمل هذه الرواية على أن يُوتِر بركعة بمعنى يُوتِر الثمانَ، أي يُصيِّرها وترًا. وإن لم يُقبل هذا التأويل فهذا إطلاق ثالث مجازًا، ومنه أيضًا رواية أبي سلمة عند مسلم (١) قالت (٢): "كان يصلِّي ثلاث عشرة ركعةً، يُصلِّي ثمانَ ركعات ثم يُوتِر، ثم يُصلِّي ركعتين وهو جالس، فإذا أراد أن يركع قام فركع، ثم يُصلِّي ركعتين بين النداء والإقامة من صلاة الصبح". كما ثبت عنها في مسلم (٣) وغيره من رواية سعد بن هشام، وفيه: "ويُصلِّي تسعَ ركعاتٍ لا يجلس فيها إلّا في الثامنة، فيذكر الله ويحمده ويدعوه، ثم ينهض ولا يُسلِّم، ثم يقوم فيصلِّي التاسعة ... " الحديث. وأصرحُ منه رواية النسائي (٤) في حديث سعد بن هشام المذكور، ولفظه: "قالت: كان رسول الله ﵌ إذا أوتر بتسع ركعاتٍ لم يقعد إلا في الثامنة، فيحمد الله ويذكره ويدعو، ثم ينهض ولا يُسلِّم، ثم يُصلِّي التاسعة ... " الحديث. وهذا الإطلاق مجازٌ أيضًا. وقد يُطلق الوتر مجازًا على مطلقِ صلاة الليل، لاشتمالها على الوتر، رواه بعضهم عن الطيبي، ومرَّ نَقْلُه فيه عن "سنن الترمذي"، واقتضاه كما

стр. 17

ذكرنا صنيع الإمام النسائي، بل يقتضيه كلام أكثر العلماء لتأوُّلهم إطلاقَ الوتر على الثلاث عشرة في بعض الأحاديث على أنه أدخل فيه سنة العشاء أو افتتاح الوتر أو سنة الصبح، ومنه حديث أم سلمة وحديث الحاكم السابقانِ، وحديث أبي داود (١) بإسناد صحيح إلى عبد الله بن أبي قيس قال: قلتُ لعائشة ﵂: بكَمْ كان رسول الله ﵌ يُوتر؟ قالت: كان يُوتِر بأربعٍ وثلاث، وستٍّ وثلاث، وثمانٍ وثلاث، وعشرٍ وثلاث. ولم يكن يُوتِر بأنقصَ من سبعٍ ولا بأكثر من ثلاث عشرة. وهذا الحديث دليل واضح على ما قلناه؛ لأنه صُرِّح فيه بالتقطيع، وقد عرفتَ أن عامة الأحاديث على إطلاق الوتر على القطعة الأخيرة. وقوله: "ولم يكن يُوتِر بأنقصَ من سبعٍ" مع أن القطعة الأخيرة قد صحَّ وقوعُها ركعةً واحدةً. وليس من هذا بعض روايات حديث ابن عمر (٢): "صلَّى ركعةً واحدةً تُوتِرُ له ما قد صلَّى"؛ إذ لا يتعين أن يكون معنى "تُوتِر له ما قد صلَّى" أي تُصيِّره وترًا، بل المعنى: تكون منه وترًا. وهذا الإطلاق هو الأقرب إلى مذهبنا؛ لأن الوتر عند أصحابنا عبارة عن صلاةٍ مخصوصةٍ، أقلُّها ركعةٌ وأكثرها أحد عشر. قالوا: وما ورد من أنه ثلاثة عشر أو خمسة عشر، فهو بضمِّ ركعتين خفيفتين عند افتتاح الوتر، وركعتين قبليَّة الصبح. قلت: وهذا هو المجاز الذي قلناه، وقلنا: إنه كذلك إذا ورد مطلقًا على أحد عشر مقطعة أو نحوها، وحقيقة فيما صُلِّي وترًا بتسليمةٍ واحدةٍ، ولم يثبت ذلك في أكثر من تسعٍ.

стр. 18

ولا ينافي ما ذكرناه من وَصْل الثلاث والخمس والسبع والتسع قولُه ﵌: "صلاة الليل مثنى مثنى"، وإن اقتضى ذلك الحصر؛ لأننا نقول: صلاة الليل غير الوتر، كما هو مفهوم من السنة. ولذلك ترى الأئمة كالشيخين وغيرهما يُفرِدون كلًّا بترجمة (١). وحينئذٍ فالصلاة التي تُقدَّمُ على الوتر ينبغي أن تكون مثنى مثنى، فإذا جاء الوتر كان الإنسان بالخيار: إن شاء صلَّى واحدةً، وإن شاء صلَّى ثلاثًا، وإن شاءَ سبعًا، وإن شاء تسعًا، كما مرَّ. ويَدُلُّك على ذلك أنه لو قال: "صلاة الليل مثنى مثنى، والوتر ثلاث" أو نحو ذلك لكان الكلام

стр. 19

صحيحًا. وسيأتي بحث صلاة الليل مثنى مثنى إن شاء الله تعالى. وصنيع الإمام النسائي ﵀ يقتضي أن الوتر عنده هو ما صُلِّي وترًا بتسليمةٍ واحدةٍ، سواء أكان واحدةً أو ثلاثًا أو سبعًا أو تسعًا، وأنه قد يُطلَق على الإحدى عشرة والثلاث عشرة مجازًا. وهذا هو الحق عندي، وعامة الأحاديث والآثار تدلُّ عليه إلا ما ندر. قال أولًا (١): (باب كم الوتر؟ )، فأورد فيه حديث: "الوتر ركعة من آخر الليل" بروايتين، ثم ختمه بأصله أن رجلًا من أهل البادية سأل رسول الله ﵌ عن صلاة الليل، قال: "مثنى مثنى، والوتر ركعة من آخر الليل". ثم قال (٢): (باب كيف الوتر بواحدة؟ ) وأورد فيه حديث ابن عمر بلفظ: "صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا أردتَ أن تنصرفَ فاركعْ بواحدة" وروايات أخرى بألفاظ مختلفة. وختمه بحديث عروة عن عائشة: "كان يُصلِّي من الليل إحدى عشرة ركعة يُوتِر منها بواحدة ... " إلخ. ثم قال (٣): (باب كيف الوتر بثلاث؟ )، وأورد حديث عائشة، وفيه: "يُصلِّي أربعًا فلا تسأَلْ عن حسنهن وطولهن، ثم يصلِّي أربعًا فلا تسألْ عن حسنهن وطولهن، ثم يُصلِّي ثلاثًا ... " الحديث. ثم ثنَّى بحديث سعد بن هشام عن عائشة "أن رسول الله ﵌ كان لا يُسلِّم في ركعتي الوتر". ثم أطال بالاختلافات الواقعة في بعض أحاديث [الوتر] بالثلاث.

стр. 20

ثم قال (١): (باب كيف الوتر بخمسٍ؟ )، وصدَّره بحديث الحكم عن مِقْسم عن أم سلمة: "كان رسول الله ﵌ يُوتِر بخمسٍ وبسبعٍ لا يَفصِل بينها بسلامٍ ولا بكلام". ورواه أخرى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس عن أم سلمة بلفظ "بسبعٍ أو بخمسٍ". ثم رواه بسنده إلى الحكم عن مقسم قال: "الوتر سبع، فلا أقلَّ من خمس". فذكرتُ ذلك لإبراهيم فقال: عمن ذكره؟ قلت: لا أدري. قال الحكم: فحججتُ فلقيتُ مِقْسمًا، فقلت له: عمن؟ قال: عن الثقة عن عائشة وعن ميمونة. قلت: وفي "تهذيب التهذيب" (٢): قال أحمد وغيره: لم يسمع الحكم حديث مقسم ــ كتاب ــ إلا خمسة أحاديث، وعدَّ منها حديث الوتر. ومِقْسم من رجال البخاري، وممن طُعِن فيه منهم، وقد وثَّقه جماعة، ولكن في "تهذيب التهذيب" (٣): وقال البخاري في "التاريخ الصغير": لا يُعرف لمِقسمٍ سماعٌ عن أمّ سلمة ولا ميمونة ولا عائشة. قلتُ: والرواية الوسطى بواسطة ابن عباس. قلتُ: ورجال الثالثة رجال الصحيح إلّا شيخ النسائي محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، فهو من أفراده، وقال عنه ــ كما في "الخلاصة" (٤) وغيرها ــ: ثقة حافظ. وأما مِقْسم فقد علمتَ ما فيه.

стр. 21

ثم ذكر النسائي (١) حديث عائشة: "كان يوتر بخمسٍ ولا يجلس إلّا في آخرهن". ثم قال (٢): (باب كيف الوتر بسبعٍ؟ )، فذكر حديث سعد بن هشام عن عائشة مختصرًا بلفظ: "قالت: لما أسنَّ رسول الله ﵌ وأخذَ اللحمَ، صلَّى بستّ ركعاتٍ لا يقعد إلا في آخرهن" الحديث. ثم ذكره مطوَّلًا. ثم قال (٣): (باب كيف الوتر بتسعٍ؟ )، فذكر حديث سعد بن هشام عن عائشة، وفيه: "ويصلّي تسع ركعاتٍ لا يجلس فيهن إلَّا عند الثامنة، ويحمد الله ويصلّي على نبيه ﵌ ويدعو بينهن، ولا يسلِّم، ثم يُصلِّي التاسعة ... " الحديث. ثم أعاده بروايات أخرى. ثم روى بسنده إلى الأسود عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﵌ يصلّي من الليل تسعَ ركعات". ثم أراد أن يُبيِّن أن الوتر إذا أُطلِق على أكثر من ذلك فالمراد به صلاة الليل، والحال أنه قد ذكره في (باب كيف الوتر بواحدةٍ؟ )، وذلك صريح في أن الوتر في هذا الحديث واحدة. ثم ذِكْره هنا في (باب الوتر بإحدى عشرة) صريح في أن الوتر فيه بإحدى عشرة. وهذا بحسب الظاهر مناقضة، والسرُّ ما ذكرناه من أنه أراد أن يُبيِّن ما أشرنا إليه، فحينئذٍ الاستدلال بهذا الحديث في البابين هو باعتبارين، فذكره هناك باعتبار أن الوتر هو ما صُلِّي وترًا بتسليمةٍ واحدة، وذكره هنا باعتبار أن الوتر قد يطلق على صلاة الليل، فقال (٤): (باب

стр. 22

كيف الوتر بإحدى عشرة)، فذكر حديث عروة عن عائشة: "كان يُصلِّي من الليل إحدى عشرة ركعة ويُوتر منها بواحدة" الحديث. ثم قال (١): (باب الوتر بثلاثَ عشرةَ)، وذكر فيه حديث أم سلمة: "كان رسول الله ﵌ يُوتِر بثلاثَ عشرةَ ركعةً، فلما كبر وضعُف أوتَر بتسعٍ". وهو بمعنى الذي قبله، فالمراد بالوتر فيه صلاة الليل. فالحق ــ إن شاء الله ــ أن الوتر حقيقة شرعية تقعُ على ما صُلِّي وِترًا بتسليمةٍ واحدةٍ، سواء أكان ركعةً أو ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا أو تسعًا، ولا يثبت أكثر من ذلك. وهذا المعنى هو الذي عليه عامة الأحاديث والآثار، وهو المتبادر من لفظ الوتر؛ إذ الوتر في اللغة هو كما في "القاموس" (٢): "الفرد أو ما لم يتشفَّعْ من العدد"، وذلك إنما يُعتبر فيما جُمِع، لا فيما فُرِّق. فلو صلَّى ركعتين ثم سلَّم ثم صلَّى ثلاثًا، لم يَنْبغِ أن يُطلَق الوتر إلّا على الثلاث التي وقعت بتسليمة واحدة، ولا تشركُ معها الركعتان، لانفصالِ كلٍّ من الصلاتين عن الأخرى وانقطاعها. وقد أفهمك حسنُ صنيع الإمام النسائي ﵀ ما قلناه من أن لفظ: "الوتر ركعة من آخر الليل" هو بعض الحديث الآخر، وإنما أفرده ابن عباس وابن عمر لأن أبا مِجْلَز إنما سألهما عن الوتر كما في مسلم (٣)، وأصل

стр. 23

الحديث مشتمل على بيان صلاة الليل؛ لأن النبي ﵌ أجاب به من سأله عنها كما مرَّ، فأخذا من الحديث ما يتعلق به الغرض، ومثل هذا كثير في الأحاديث. وقد روى البخاري ومسلم حديث: "صلاة الليل مثنى مثنى" عن ابن عمر بروايات مختلفة (١)، فإما أن تُحمَل على التعدد، وإما أن تكون من باب الرواية بالمعنى، وقد ثبت للواقعة التعددُ مرتين، وذلك في رواية عبد الله بن شقيق عند مسلم (٢) عن عبد الله بن عمر أن رجلًا سأل النبي ﵌ وأنا بينه وبين السائل، فقال: يا رسول الله، كيف صلاةُ الليل؟ قال: "مثنى مثنى، فإذا خشيتَ الصبحَ فصلِّ ركعةً، واجعل آخرَ صلاتك وترًا". ثم سأله رجل على رأس الحول وأنا بذلك المكان من رسول الله ﵌، فلا أدري أهو ذلك الرجل أو رجل آخر، فقال له مثله. انتهى. فيمكن أن يكون الجواب الثاني مغايرًا للجواب الأول في اللفظ، وقول ابن عمر: "فقال له مثله" أي مثل معناه. قال في "الفتح" (٣): ووقع في "المعجم الصغير" (٤) للطبراني أن السائل هو ابن عمر لكن يُعكِّر عليه روايةُ عبد الله بن شقيق عن ابن عمر (٥) أن رجلًا سأل النبي ﷺ وأنا بينه وبين الرجل ... ، فذكر الحديث، وفيه: ثم سأله رجلٌ

стр. 24

على رأس الحول وأنا بذلك المكان منه، قال: فما أدري أهو ذلك الرجل أو غيره. وعند النسائي (١) من هذا الوجه أن السائل المذكور من أهل البادية. وعند محمد بن نصر في كتاب "أحكام الوتر" ــ وهو كتاب نفيس في مجلدة ــ من رواية عطية عن ابن عمر أن أعرابيًا سأل. فيحتمل أن يُجمَع بتعدد من سأل، وقد سبق في باب الحِلَق في المسجد أن السؤال المذكور وقعَ في المسجد والنبي ﵌ على المنبر. هـ (٢). أقول: قد يثبت برواية "المعجم" زيادة مرة ثالثة للتعدد، وأما رواية أعرابي فهي بمعنى رجل من أهل البادية، وكلاهما بمعنى رواية عبد الله بن شقيق التي أشار إليها الحافظ. ولا يثبت زيادة تعدد برواية ابن عباس، لاحتمال أنه سمعه مع ابن عمر، ولاسيَّما والسؤال وقع في المسجد والنبي ﵌ على المنبر، والغالب حضور ابن عباس حينئذٍ. وقد أفهمَ قولُ "الفتح": "وعند النسائي من هذا الوجه ... " إلخ، أن الحديث واحدٌ وإن اختلفت الروايات، وهو ظاهر. وقد عرفتَ لفظ النسائي، وعلى كثرة الروايات فالظاهر أن لفظ النسائي من أصحِّها؛ لأن ابن عباس وابن عمر أفرداه في مقام الفتوى في الوتر كما علمتَ. إذا تقرر ذلك فلنُعِدْ لفظَ الإمام النسائي (٣) لنبني عليه البحث في حقيقة الوتر: عن ابن عمر أن رجلًا من أهل البادية سأل رسول الله ﵌ عن صلاة

стр. 25

الليل، قال: "مثنى مثنى، والوتر ركعة من آخر الليل". أقول وبالله التوفيق: قوله: "الوتر ركعة من آخر الليل" قد يقال: إنه يفيد الحصر، وهو أن الوتر لا يكون إلّا كذلك، وليس مرادًا هنا، لأن من قال به في مثل هذا شَرَطَ أن لا تمنع منه قرينة، وقد منعتْ منه ههنا قرائن، لأن القول به يقتضي أن لا تصلَّى تلك الركعة إلا مفصولةً، إذ لو وُصِلَتْ بركعتين مثلًا فإما أن ينوي بالثلاث وترًا، والوتر لا يكون إلّا واحدةً، وإما أن ينوي بالثنتين من قيام الليل وبالثالثة وترًا، ولم يُرِدْ مثل هذا مَن جمع صلاتين مختلفتين بتسليمة واحدة. وقد ثبت عنه ﵌ الوصلُ بثلاثٍ وبخمسٍ وبسبعٍ وبتسعٍ، وورد في الإحدى عشرة إفراد واحدةٍ آخرَ صلاةِ الليل، كما يقتضيه هذا الحديث، وثبت عنه الثلاث عشرة بما يحتمله، وكل ذلك يُطلَق عليه لفظ الوتر. من ذلك: حديث مسلم (١) عن عروة عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﵌ يُصلِّي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء ــ وهي التي يدعو الناس العَتَمة ــ إلى الفجر إحدى عشرة ركعة، يُسلِّم بين كل ركعتين ويُوتِر بواحدة" الحديث. ومن ذلك: حديث مسلم (٢) عن ابن عباس، وفيه: "فصلَّى ركعتين، فأطال فيهما، ثم انصرف فنامَ، ففعل ذلك ثلاث مرات بستّ ركعات، كلَّ ذلك يستاك ويتوضأ، ويقرأ هذه الآيات، ثم أوتر بثلاثٍ" الحديث.

стр. 26

ومن ذلك: حديث أحمد والشيخين (١) عن عائشة: "كان رسولُ الله ﵌ يُصلِّي من الليل ثلاث عشرة ركعةً، يُوتِر بخمسٍ لا يجلس في شيء إلّا في آخرها". ولمسلم (٢) في حديث عائشة وقد سألها سعد بن هشام عن وتر رسول الله ﵌، وفيه: "ويُصلِّي تسعَ ركعات لا يجلس فيها إلّا في الثامنة، فيذكر الله ويحمده ويدعوه، ثم ينهض ولا يُسلِّم، ثم يقوم فيصلِّي التاسعة"، وساق الحديث إلى أن قالت: "فلما أسنَّ نبي الله ﵌ وأخذه اللحم أوتر بسبعٍ" الحديث. وأما الإحدى عشرة فيحتمله حديث عائشة عند الشيخين (٣): "كان يصلي من الليل عشر ركعات، ويُوتِر بسجدةٍ" لاحتمال أن يكون وصل الأحد عشر بتشهدين: تشهُّد في العاشرة ولم يُسلِّم، وتشهُّد في الحادية عشرة وسلَّم. وقد وقعت مثل هذه العبارة بمثل هذه الصورة في بعض روايات حديث سعد بن هشام عند أبي داود (٤)، ولفظه: "فصلَّى ثمان ركعاتٍ يُخيَّل إليَّ أنه يُسوِّي بينهن في القراءة والركوع والسجود، ثم يوتر بركعة ... " الحديث. يحتمل أن التسع موصولة، وقولها مع ذلك: "يوتر

стр. 27

بركعةٍ" مجاز كما سيأتي. وأصرح منه حديث البخاري (١) عن عروة عن عائشة: "وقد كان يُصلِّي إحدى عشرة ركعةً، كانت تلك صلاتَه" الحديث. وأما الثلاث عشرة فيحتمله حديث النسائي (٢) بإسنادٍ فيه أحمد بن حرب، قال فيه ابن أبي حاتم: صدوق، وقال النسائي: لا بأس به. ذكر ذلك في "تهذيب التهذيب" (٣). قال: وذكره ابن حبان في "الثقات" (٤)، وخرَّج له في "صحيحه". قلت: وبقية رجاله رجال الصحيح، فهو إسناد صحيح. ولفظ الحديث: عن أم سلمة قالت: "كان رسول الله ﵌ يوتر بثلاثَ عشرةَ ركعةً، فلما كبر وضعُفَ أوتَر بتسع". فظاهر الحديث أن الثلاث عشرة موصولة، ولكن عامة الأحاديث أن الإحدى عشرة والثلاث عشرة لم تقع إلا مفصولةً، ومنه حديث الشيخين (٥) عن عائشة: "كان يصلِّي من الليل عشر ركعات ويوتر بسجدةٍ". وحديث البخاري (٦) عن عروة عنها، وفيه: "كان يصلِّي إحدى عشرة ركعة، كانت

стр. 28

تلك صلاته ... " الحديث. وحديث مسلم (١) عنها، وفيه: "إحدى عشرة ركعة، يُسلِّم بين كلِّ ركعتين، ويُوتر بواحدةٍ ... " الحديث. ومنه حديث أم سلمة أن الترمذي رواه في "سننه" (٢) بلفظ النسائي، إلا أنه قال: "بسبعٍ". ثم قال (٣): حديث أم سلمة حديث حسن، وقد روي عن النبي ﵌ الوتر بثلاثَ عشرة وإحدى عشرة وتسعٍ وسبعٍ [وخمسٍ] وثلاثٍ وواحدة. قال إسحاق بن إبراهيم: معنى ما رُوِي أن النبي ﵌ كان يُوتِر بثلاثَ عشرةَ، قال: إنما معناه أنه كان يُصلِّي من الليل ثلاث عشرة ركعةً مع الوتر، فنُسِبَتْ صلاة الليل إلى الوتر. ورَوَى في ذلك حديثًا عن عائشة. واحتجَّ بما رُوِي عن النبي ﵌ أنه قال: "أوتروا يا أهل القرآن". قال: إنما عَنَى به قيام الليل، يقول: إنما قيام الليل على أصحاب القرآن. هـ قلتُ: استدلالُه بحديث: "أوتروا يا أهل القرآن" يُعكِّر عليه أن في آخره كما في "بلوغ المرام" (٤): "فإن الله وِتْرٌ يحبُّ الوتر". قال: رواه الخمسة (٥)، وصححه ابن خزيمة (٦). فالتعليل بقوله: "فإن الله وتر" يستدعي مناسبةً مَّا، فتأمَّلْ.

стр. 29

وأما قوله: "إنها أرادت كان يُصلِّي من الليل ... " إلخ، فجيد جدًّا، وعامة الأحاديث تؤيِّده، وكل ما روي في الثلاث عشرة فمُفصَّلٌ بالتقطيع والوتر فيه، إلّا هذا الحديث وحديث الحاكم (١): "لا تُوتِروا بثلاثٍ تُشبِّهوا بالمغرب، أو تروا بخمسٍ أو بسبعٍ أو بتسعٍ أو بإحدى عشرة أو أكثر من ذلك"، فهما مجملان، فيُحملانِ على الأصحّ الأغلب. إذا تقرر ما ذُكِر فقد أجاز أصحابنا الاقتصارَ على ركعة واحدةٍ بعد العشاء، واستدلُّوا بحديث مسلم (٢) عن ابن عمر وابن عباس مرفوعًا: "الوتر ركعةٌ من آخر الليل". وحديث أبي أيوب مرفوعًا: "الوتر حقٌّ على كل مسلم، فمن أحبَّ أن يُوتر بخمسٍ فليفعل، ومن أحبَّ أن يُوتِر بثلاثٍ فليفعلْ، ومن أحبَّ أن يُوتِر بواحدةٍ فليفعلْ" رواه أبو داود (٣) بسند صحيح. قاله النووي في "شرح المهذّب" (٤). ورواه النسائي وابن ماجه، وصححه ابن حبان والحاكم (٥) كما في "الفتح" (٦).

стр. 30

وحديث عائشة أن النبي ﵌ أوتر بركعةٍ. رواه الدارقطني (١). قال بعض شرَّاحه (٢): رواته كلهم ثقات. ومثله في صحيح ابن حبان (٣) عن ابن عباس، قاله في "المغني" (٤). قالوا: وقد ثبت عن جماعة من الصحابة الإيتار بركعةٍ، كسعد بن أبي وقّاص، ومعاوية وصوَّبه ابن عباس (٥)، بل رُوي عن الخلفاء الأربعة وغيرهم من الصحابة فمَن بعدهم. وفي كلٍّ من أدلتهم نظر: أما حديث: "الوتر ركعة من آخر الليل" فهو من الإطلاق الثاني كما مر، وليس فيه الاقتصار عليها، بل قد ثبت عن ابن عمر التصريحُ بخلافه كما مرَّ عن "سنن أبي داود" (٦). نعم، هو دليلٌ على مَن يقول: لا تكفي الواحدة وترًا وإن سبَقَها شفعٌ بغير نية الوتر. وأما حديث أبي أيوب ففي "بلوغ المرام" (٧): ورجَّح النسائي وقفَه،

стр. 31

قال الشارح ابن الأمير (١): وكذا صحَّح أبو حاتم والذهلي والدارقطني في "العلل" والبيهقي وغير واحدٍ وقفَه. قال المصنِّف: وهو الصواب. انتهى. وأما قول الشارح بعد ذلك: "قلت: وله حكم الرفع، إذ لا مَسْرحَ للاجتهاد فيه أي في المقادير"، ففيه نظر ظاهر. ومع الإغماض عن ذلك فهو محمولٌ على الإطلاق الثالث، وليس فيه الاقتصار على .... ، وغايةُ ما فيه أن يكون دليلًا على من يقول: لا تكفي الواحدة وترًا وإن سبَقَها شفعٌ بغير نية الوتر، كما في ........ (٢). وأما حديث عائشة عند الدارقطني، وابن عباس عند ابن حبان (٣)، أن النبي ﵌[أوتَر] بركعةٍ، فهو محمولٌ على الإطلاق الثاني أو الثالث، وكأنه مختصر من أحاديثهما المطولة، كما في الصحيحين (٤) عن عائشة كان يصلِّي من الليل عشر ركعات ويُوتِر بسجدة، وعنها عند مسلم (٥): إحدى عشرة. وحديث ابن عباس عندهما (٦)، وفيه: "فصلَّى ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم أوتر". قال في "الفتح" (٧): وظاهره أنه فصلَ بين كل ركعتين، ووقعَ التصريحُ

стр. 32

بذلك في رواية طلحة بن نافع (١)، حيث قال فيها: يُسلِّم من كلِّ ركعتين، ولمسلم (٢) من رواية علي بن عبد الله بن عباس التصريحُ بالفصل أيضًا، وأنه استاك بين كل ركعتين، إلى غير ذلك. هـ يُقوِّي أنها لا تُصلَّى إلا مفصولةً حديثُ علي ﵇ قال: قال رسول الله ﵌: "أَوتِرُوا يا أهلَ القرآن، فإن الله وِترٌ يحبُّ الوتر" رواه الخمسة (٣)، وصححه ابن خزيمة (٤) قاله في "بلوغ المرام" (٥). ووجهُ التقويةِ المقابلةُ بين قوله: "فإن الله وِتر يحبُّ الوتْرَ". فتأمَّلْ، ويقويه صدرُ الحديث نفسه. قال في "الفتح" (٦): وقد فسَّره ابن عمر راوي الحديث، فعند مسلم (٧) من طريق عُقبة بن حُرَيث قال: قلتُ لابن عمر: ما معنى مثنى مثنى؟ قال: تُسلِّم من كل ركعتين. وفيه ردٌّ على من زعم من الحنفية أن معنى "مثنى" أن يتشهد بين كل ركعتين؛ لأن راوي الحديث أعلم بالمراد به، وما فسَّره به هو المتبادر إلى الفهم؛ لأنه لا يقال في الرباعية مثلًا: إنها مثنى مثنى.

стр. 33

واستُدِلَّ بهذا على تعيُّن الفصل بين كل ركعتين من صلاة الليل. قال ابن دقيق العيد: وهو ظاهر السياق، لحصْر المبتدأ في الخبر. وحمله الجمهور على أنه لبيان الأفضل، لما صحَّ من فعله ﵌[بخلافه] (١). قلت: ولم يُبيِّن ذلك. فأما أحاديث الوصل بين التسع والسبع والخمس والثلاث فلا تُعكِّر عليه؛ لأنها وتر. وقوله: "مثنى مثنى" واقع على صلاة الليل. وأما حديث عائشة عندهما (٢) وفيه: "كان يُصلِّي أربعًا فلا تسألْ عن حسنهن وطولهن، ثم يُصلِّي أربعًا فلا تسألْ عن حسنهن وطولهن، ثم يُصلِّي ثلاثًا"، فقد أجاب عنه الباجي في "شرح الموطأ" (٣)، وعبارته: وقوله (٤): "يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن" تُرِيد ــ والله أعلم ــ أنه كان يَفصِل بينهما بكلام، ولكنها جمعتهما في اللفظ لأحد معنيين: أحدهما: أن صفتهما وطولهما وحسنهما من جنس واحدٍ، وأن الأربع الأُخر ليست من جنسهما وإن كانت قد أخذتْ من الحُسن والطول حظَّها. والمعنى الثاني: أنه يحتمل أنه كان يُصلِّي أربعًا ثم ينام، ثم يصلي اربعًا ثم ينام، ثم يُصلِّي ثلاثًا. ثم استدل بحديث ابن عباس في تقطيع النبي ﵌ صلاته بالنوم ....

стр. 34

ويؤيد ما قاله قولها في آخر الحديث: "قلتُ: يا رسول الله، أتنامُ قبلَ أن توتر؟ ... " إلخ. وكذا حديث عائشة عند مسلم (١) برواية القاسم بن محمد: "كانت صلاة رسول الله ﵌ من الليل عشر ركعات، ويُوتِر بسجدة، ويركع ركعتي الفجر، فتلك ثلاث عشرة" (٢) = محمول على أنه كان يصلِّيها مثنى مثنى، لما ثبت عنها في رواية عروة (٣): "كان رسول الله ﵌ يُصلِّي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء ــ وهي التي يدعو الناس العَتَمة ــ إلى الفجر إحدى عشرة ركعةً يُسلِّم بين كل ركعتين، ويُوتر بواحدةٍ، فإذا سكت المؤذن من صلاة الفجر وتبيَّن له الفجر وجاءه المؤذن، قام فركع ركعتين خفيفتين ... " الحديث. وأما رواية أبي سلمة عند مسلم (٤) قالت: "كان يُصلِّي ثلاث عشرة ركعةً، يُصلِّي ثمانَ ركعاتٍ ثم يُوتِر، ثم يُصلِّي ركعتين وهو جالس، فإذا أراد أن يركع قام فركعَ، ثم يُصلِّي ركعتين بين النداء والإقامة من صلاة الصبح"، فيحتمل وجهين: الأول: أن يُحمل على الفصل مثنى مثنى. الثاني: أنه جمع التسع معًا، كما شرحته رواية سعد بن هشام، وقد ورد في بعض طرقه عند أبي داود (٥): "فيُصلِّي ثماني ركعاتٍ يُسوِّي بينهن في

стр. 35

القراءة والركوع والسجود، ولا يجلس في شيء منهن إلّا الثامنة، فإنه كان يجلس، ثم يقوم ولا يُسلِّم، فيصلِّي ركعةً يُوتِر بها ... " الحديث. وفي رواية أخرى (١): "فصلَّى ثمانَ ركعاتٍ يُخيَّلُ إليَّ أنه يُسوِّي بينهن في القراءة والركوع والسجود، ثم يُوتر بركعةٍ" الحديث. لكن قد ثبت عنه ﵌ الوصلُ بثلاثٍ وبخمسٍ وبسبعٍ وبتسعٍ، وحينئذٍ فالحصر المفهوم من قوله: "صلاة الليل مثنى مثنى" والحصر المفهوم من قوله: "والوتر ركعة من آخر الليل" غير مرادَيْن. والحصر في مثل هذا مختلف فيه، ومن قال به قال: ما لم تَصْرِف عنه قرينة، وكفى بفعل النبي ﵌ قرينةً، وليس هنا ما يُلْجِئ إلى دعوى الخصوصية، وقد ثبت عنه ﵌ الفصلُ كما ثبتَ الوصلُ. وممّا ذُكِر تقرر أن إطلاق الوتر على الركعة الواحدة خاصٌّ بما إذا كانت مفصولةً. وقد ورد إطلاق الوتر على الثلاث أو الخمس أو السبع أو التسع التي تُوقَعُ موصولةً: فمنه حديث مسلم (٢) عن ابن عباس، وفيه: "فصلَّى ركعتين أطالَ فيهما [القيامَ والركوعَ والسجود] (٣)، ففعلَ ذلك ثلاث مراتٍ، ستَّ ركعاتٍ، كلَّ ذلك يستاك ويتوضأ، ويقرأ هؤلاء الآيات، ثم أوتَر بثلاثٍ" الحديثَ. ومنه حديث أحمد والشيخين (٤) عن عائشة كان رسول الله ﵌ يصلِّي

стр. 36

من الليل ثلاثَ عشرةَ ركعةً، يُوتِر بخمسٍ لا يجلس في شيء إلا في آخرها. ولمسلم (١) في حديث عائشة، وقد سألها سعد بن هشام عن وتر رسول الله ﵌، وفيه: "ويُصلّي تسعَ ركعاتٍ لا يجلس فيها إلّا في الثامنة، فيذكر الله ويحمده ويدعوه، ثم ينهض، ولا يُسلِّم، ثم يقوم فيصلِّي التاسعة". ثم ساق الحديث إلى أن قالت: "فلما أسنَّ النبي ﵌ وأخذَه اللحمُ أوترَ بسبعٍ" الحديث. وقد رواه أبو داود (٢). فتلخَّص لنا أن الوتر بهذا الاعتبار عبارةٌ عن ما صُلِّي وترًا بتسليمةٍ واحدةٍ، سواء أكان ركعةً أو ثلاثًا أو أكثر وترًا. والظاهر أنه حقيقة شرعية فيه، لأن عامة الأحاديث عليه إلّا الأقلّ. ويُؤيِّد ما قلناه أن الخلاف كان شائعًا: هل تُختَم صلاة الليل بركعةٍ مستقلةٍ أو بثلاثٍ أو أكثر من ذلك؟ ويُطلقون على ذلك لفظ "الوتر"، كما هو شأن الإطلاق الثالث. يدلُّك عليه حديثُ البخاري (٣) عن القاسم عن عبد الله بن عمر مرفوعًا: "صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا أردتَ أن تنصرفَ فاركعْ ركعةً تُوتِر لك ما صلَّيت". قال القاسم: ورأينا أناسًا منذ أدركنا يُوتِرون بثلاثٍ، وإن كلًّا لواسعٌ، وأرجو أن لا يكون بشيءٍ منه بأسٌ. هـ.

стр. 37

قال في "الفتح" (١): قوله: "يوترون بثلاث، وإن كلًّا لواسعٌ" يقتضي أن القاسم فهم من قوله: "فاركَعْ ركعةً" أي منفردةً منفصلةً، ودلَّ ذلك على أنه لا فرقَ عنده بين الوصل والفصل في الوتر. والله أعلم. هـ فإنهما ذكَرا حديثهما لمجرد إفادة وقوع الفصل من النبي ﵌. وأما فعل الصحابي فلا حجة فيه كما لا يخفى، على أن أكثر ما رُوي من ذلك محتمل. فإن قيل: سلَّمنا هذه الاحتمالات، ولكن ظاهر هذه الأحاديث لا يأبى جواز الاقتصار على ركعة، ومثل هذا الظاهر يُكتفَى به ما لم يُعارضه ما هو أقوى منه. قلت: فقد عارضه ما هو أقوى منه في ذلك، حديث الصحيحين (٢): "صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدُكم الصبحَ صلَّى ركعةً واحدةً تُوتِر له ما قد صلَّى". قال في "الفتح" (٣): واستُدِلَّ به على تعيُّنِ الشَّفْع قبل الوتر، وهو عن المالكية بناءً على أن قوله: "ما قد صلَّى" أي من النفل. وحملَه من لا يشترط سبقَ الشَّفْع على ما هو أعمُّ من النفل والفرض، وقالوا: إنَّ سبْق الشَّفْع شرطٌ في الكمال لا في الصحة. هـ ثم أيَّده بحديث أبي أيوب وما رُوي عن بعض الصحابة.

стр. 38

قلت: أما الحمل على ما هو أعمُّ من النفل والفرض فيُبطِله السياق، بل المتعين: "تُوتِر له ما قد صلَّى" أي من صلاة الليل التي الكلام فيها. وأما تأييده بحديث أبي أيوب فقد علمتَ ما في حديث أبي أيوب، وكذا ما رُوي عن بعض الصحابة كما مرَّ آنفًا. وقد ورد النهيُ عن البُتَيراء كما أشار إليه في "الفتح" (١). وفيه: أن الطحاوي (٢) حملَ البتيراء على إفراد ركعةٍ واحدةٍ وإن سبقها شَفْعٌ. قال الحافظ (٣): مع احتمال أن يكون المراد بالبتيراء أن يُوتِر بواحدةٍ فردةٍ ليس قبلها شيء. وقد يطلق الوتر على صلاة الليل، كما نقله بعضهم عن الطيبي (٤). ومن ذلك حديث أحمد وأبي داود (٥) عن عائشة، وقد سبق، وإسناده صحيح كما مرّ. وفيه: "ولم يكن يُوتِر بأنقصَ من سبعٍ، ولا بأكثر من ثلاثَ عشرةَ". والمراد بالوتر في هذا الحديث مطلق صلاة الليل كما مرَّ في الإطلاق الأول، فلا ينافي ما ثبتَ أنه كان يُوتِر بواحدةٍ وبثلاثٍ وبخمسٍ، إذ هذا من الإطلاق الثالث، فالمراد بالسبع إلى الثلاث عشرة صلاة الليل، مع قطع النظر عن الوصل والفصل، والمراد بالواحدة واحدةٌ سبَقَها شَفْعٌ سِتٌّ فأكثر، وبالثلاث ثلاثٌ سبقها شَفْعٌ أربعٌ فأكثر، وبالخمس خمسٌ سَبقَها شَفْعٌ

стр. 39

ركعتانِ فأكثر، جمعًا بين الأحاديث. وبما ذُكر تقرر اشتراط الشفع قبل الواحدة، ولا يكفي في ذلك سنة العشاء، لما مرَّ أن سياقَ حديث "صلاة الليل مثنى مثنى" يُبيِّن أن قوله: "تُوتِر له ما قد صلَّى" أي من صلاة الليل التي الكلام فيها. وكذا حديث "ولم يكن يُوتِر بأنقصَ من سبعٍ" إذ الوترُ فيه من الإطلاق الأول كما علمتَ، وهو وإن شملَ صلاةَ الليل مطلقًا فليس منه بَعديَّةُ العشاء. * * * *

стр. 40

الفصل الثاني في الاقتصار على ثلاث أجازه أصحابنا لما مرَّ، وقد علمتَ الجواب عليه. وقال بعض الحنفية بتعيينه وصلًا، قال في "الفتح" (١): "واحتج بعض الحنفية لما ذهب إليه من تعيين الوصلِ والاقتصارِ على ثلاثٍ: بأن الصحابة أجمعوا على أن الوتر بثلاثٍ موصولةٍ حسنٌ جائز، واختلفوا فيما عداه. قال: فأخذنا بما أجمعوا عليه، وتركنا ما اختلفوا فيه". هـ أما تجويز أصحابنا فكما مرَّ في الاقتصار على الواحدة أن ظواهر ما استدلُّوا به لا تأبى ما قالوه، ومثلُ ذلك يُعمل به ما لم يعارضه أقوى منه. قلت: وقد عارضه حديث عائشة المارّ، وفيه: "ولم يكن يُوتِر بأنقصَ من سبعٍ". وعارضه أيضًا ما ساقَه في "الفتح" في سياق الرد على الحنفي. قال (٢): "وتعقَّبه محمد بن نصر المروزي بما رواه (٣) من طريق عراك بن مالك عن أبي هريرة مرفوعًا وموقوفًا: "لا تُوتِروا بثلاثٍ تُشبِّهوا بصلاة المغرب"، وقد صححه الحاكم (٤) من طريق عبد الله بن الفضل عن أبي سلمة والأعرج عن أبي هريرة مرفوعًا نحوه، وإسناده على شرط
следующие страницы →