← Тафсир

Тафсир · id 43

تفسير الطبري جامع البيان - ط دار التربية والتراث

ابن جرير الطبري

Полный текст (14 577 стр.). Показаны 4166–4205 · переход к 4171.

стр. 4166

أسباط، عن السدي: ذكر الجواري والفتيان اللذين لم ينكِحوا فقال:"واللذان يأتيانها منكم فآذوهما". ٨٨١٣ - حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"واللذان يأتيانها منكم" البكرين = فآذوهما. (١) * * * وقال آخرون: بل عُني بقوله:"واللذان يأتيانها منكم"، الرجلان الزانيان. ذكر من قال ذلك: ٨٨١٤ - حدثنا أبو هشام الرفاعي قال حدثنا يحيى، عن ابن جريج، عن مجاهد:"واللذان يأتيانها منكم فآذوهما"، قال: الرجلان الفاعلان، لا يَكْنى. ٨٨١٥ - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"واللذان يأتيانها منكم"، الزانيان. * * * وقال آخرون: بل عني بذلك الرجلُ والمرأة، إلا أنه لم يُقصَد به بكر دون ثيِّب. ذكر من قال ذلك: ٨٨١٦ - حدثنا أبو هشام الرفاعي قال، حدثنا يحيى، عن ابن جريج، عن عطاء:"واللذان يأتيانها منكم فآذوهما"، قال: الرجل والمرأة. ٨٨١٧ - حدثنا محمد بن حميد قال حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا الحسين، عن يزيد النحوي، عن عكرمة والحسن البصري قالا"واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم" إلى قوله:"أو يجعل الله لهن سبيلا"، فذكر الرجل بعد

стр. 4167

المرأة، ثم جمعهما جميعًا فقال:"واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إن الله كان توابًا رحيما". ٨٨١٨ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريح قال، قال عطاء وعبد الله بن كثير، قوله:"واللذان يأتيانها منكم"، قال: هذه للرجل والمرأة جميعًا. * * * قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب في تأويل قوله:"واللذان يأتيانها منكم"، قول من قال:"عُني به البكران غير المحصنين إذا زنيا، وكان أحدهما رجلا والآخر امرأة"، لأنه لو كان مقصودًا بذلك قصد البيان عن حكم الزناة من الرجال، كما كان مقصودًا بقوله:"واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم" قصد البيان عن حكم الزواني، لقيل:"والذين يأتونها منكم فآذوهم"، أو قيل:"والذي يأتيها منكم"، كما قيل في التي قبلها:"واللاتي يأتين الفاحشة"، فأخرج ذكرهن على الجميع، ولم يقل:"واللتان يأتيان الفاحشة". وكذلك تفعل العرب إذا أرادت البيان على الوعيد على فعل أو الوعد عليه، أخرجت أسماءَ أهله بذكر الجميع أو الواحد = وذلك أن الواحد يدل على جنسه = ولا تخرجها بذكر اثنين. فتقول:"الذين يفعلون كذا فلهم كذا"،"والذي يفعل كذا فله كذا"، ولا تقول:"اللذان يفعلان كذا فلهما كذا"، إلا أن يكون فعلا لا يكون إلا من شخصين مختلفين، كالزنا لا يكون إلا من زانٍ وزانية. فإذا كان ذلك كذلك قيل بذكر الاثنين، يراد بذلك الفاعل والمفعول به. فأما أن يذكر بذكر الاثنين، والمراد بذلك شخصان في فعل قد ينفرد كل واحد منهما به، أو في فعل لا يكونان فيه مشتركين، فذلك ما لا يُعْرف في كلامها. وإذا كان ذلك كذلك، فبيِّنٌ فسادُ قول من قال:"عني بقوله:"واللذان يأتيانها منكم الرجلان" = وصحةُ قول من قال: عني به الرجل والمرأة. (١)

стр. 4168

وإذا كان ذلك كذلك، فمعلوم أنهما غير اللواتي تقدم بيان حكمهن في قوله:"واللاتي يأتين الفاحشة"، لأن هذين اثنان، وأولئك جماعة. وإذا كان ذلك كذلك، فمعلوم أن الحبس كان للثيّبات عقوبة حتى يتوفَّين من قبل أن يجعل لهن سبيلا لأنه أغلظ في العقوبة من الأذى الذي هو تعنيف وتوبيخ أو سب وتعيير، كما كان السبيل التي جعلت لهن من الرجم، أغلظ من السبيل التي جعلت للأبكار من جلد المئة ونفي السنة. * * * القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (١٦) ﴾ قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في"الأذى" الذي كان الله تعالى ذكره جعله عقوبة للذين يأتيان الفاحشة، من قبل أن يجعل لهما سبيلا منه. فقال بعضهم: ذلك الأذى، أذًى بالقول واللسان، كالتعيير والتوبيخ على ما أتيا من الفاحشة. ذكر من قال ذلك: ٨٨١٩ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"فآذوهما"، قال: كانا يؤذَيَان بالقول جميعًا. ٨٨٢٠ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما"، فكانت الجارية والفتى إذا زنيا يعنَّفان ويعيَّران حتى يتركا ذلك. * * * وقال آخرون: كان ذلك الأذى، أذًى اللسان، غير أنه كان سبًّا.

стр. 4169

ذكر من قال ذلك: ٨٨٢١ - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"فآذوهما"، يعني: سبًّا. * * * وقال آخرون: بل كان ذلك الأذى باللسان واليد. ذكر من قال ذلك: ٨٨٢٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:"واللذان يأتيانها منكم فآذوهما"، فكان الرجل إذا زنى أوذي بالتعيير وضرب بالنعال. * * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إنّ الله تعالى ذكره كان أمر المؤمنين بأذى الزانيين المذكورين، إذا أتيا ذلك وهما من أهل الإسلام. و"الأذى" قد يقع لكل مكروه نال الإنسان، (١) من قول سيئ باللسان أو فعل. (٢) وليس في الآية بيان أيّ ذلك كان أمر به المؤمنون يومئذ، (٣) ولا خبر به عن رسول الله ﷺ من نقل الواحد ولا نقل الجماعة الموجب مجيئهما قطعَ العذر. وأهل التأويل في ذلك مختلفون، وجائز أن يكون ذلك أذى باللسان أو اليد، وجائز أن يكون كان أذى بهما. (٤) وليس في العلم بأيِّ ذلك كان من أيٍّ نفعٌ

стр. 4170

في دين ولا دنيا، ولا في الجهل به مضرة، (١) إذْ كان الله جل ثناؤه قد نسخ ذلك من مُحكمه بما أوجب من الحكم على عباده فيهما وفي اللاتي قبلهما. فأما الذي أوجب من الحكم عليهم فيهما، فما أوجب في"سورة النور: ٢" بقوله: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) . وأما الذي أوجب في اللاتي قبلهما، فالرجم الذي قضى به رسول الله فيهما. وأجمع أهل التأويل جميعًا على أن الله تعالى ذكره قد جعل لأهل الفاحشة من الزناة والزواني سبيلا بالحدود التي حكم بها فيهم. * * * وقال جماعة من أهل التأويل: إن الله سبحانه نسخ بقوله:" (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) [سورة النور: ٢] ، قوله:"واللذان يأتيانها منكم فآذوهما". ذكر من قال ذلك: ٨٨٢٣ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"واللذان يأتيانها منكم فآذوهما"، قال: كل ذلك نسخته الآية التي في"النور" بالحدّ المفروض. ٨٨٢٤ - حدثنا أبو هشام قال، حدثنا يحيى، عن ابن جريج، عن مجاهد:"واللذان يأتيانها منكم فآذوهما" الآية، قال: هذا نسخته الآية في"سورة النور" بالحدّ المفروض. ٨٨٢٥ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا أبو تميلة قال، حدثنا الحسين بن واقد، عن يزيد النحوي. عن عكرمة والحسن البصري قالا في قوله:"واللذان يأتيانها منكم فآذوهما" الآية، نسخ ذلك بآية الجلد فقال: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي

стр. 4171

فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) . ٨٨٢٦ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:"واللذان يأتيانها منكم فآذوهما"، فأنزل الله بعد هذا: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) ، فإن كانا محصنين رجما في سنة رسول الله ﷺ . ٨٨٢٧ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم" الآية، جاءت الحدود فنسختها. ٨٨٢٨ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول: نسخ الحدّ هذه الآية. (١) ٨٨٢٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة:"فأمسكوهن في البيوت" الآية، قال: نسختها الحدود، وقوله:"واللذان يأتيانها منكم"، نسختها الحدود. (٢) ٨٨٣٠ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"واللذان يأتيانها منكم فآذوهما"، الآية، ثم نسخ هذا، وجعل السبيل لها إذا زنت وهي محصنة، رجمت وأخرجت، وجعل السبيل للذكر جلد مئة. ٨٨٣١ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت"، قال: نسختها الحدود. * * *

стр. 4172

وأما قوله: فإن تابا وأصلحا فاعرضوا عنهما، فإنه يعني به جل ثناؤه: فإن تابا من الفاحشة التي أتيا فراجعا طاعة الله بينهما ="وأصلحا"، يقول: وأصلحا دينهما بمراجعة التوبة من فاحشتهما، والعمل بما يرضي الله =" فأعرضوا عنهما"، يقول: فاصفحوا عنهما، (١) وكفوا عنهما الأذى الذي كنت أمرتكم أن تؤذوهما به عقوبة لهما على ما أتيا من الفاحشة، ولا تؤذوهما بعد توبتهما. * * * وأما قوله:"إن الله كان توابًا رحيما"، فإنه يعني: إن الله لم يزل راجعًا لعبيده إلى ما يحبون إذا هم راجعوا ما يحب منهم من طاعته (٢) ="رحيما" بهم، يعني: ذا رحمة ورأفة. * * * القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه:"إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة"، ما التوبة على الله لأحد من خلقه، إلا للذين يعملون السوء من المؤمنين بجهالة ="ثم يتوبون من قريب"، يقول: ما الله براجع لأحد من خلقه إلى ما يحبه من العفو عنه والصفح عن ذنوبه التي سلفت منه، إلا للذين يأتون ما يأتونه من ذنوبهم جهالة منهم وهم بربهم مؤمنون، ثم يراجعون طاعة الله ويتوبون منه إلى ما أمرهم الله به من الندم عليه والاستغفار وترك العود إلى مثله من قبل نزول الموت بهم.

стр. 4173

وذلك هو"القريب" الذي ذكره الله تعالى ذكره فقال:"ثم يتوبون من قريب". (١) * * * وبنحو ما قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل. غير أنهم اختلفوا في معنى قوله:"بجهالة". فقال بعضهم في ذلك بنحو ما قلنا فيه، وذهب إلى أنّ عمله السوء، هو"الجهالة" التي عناها. ذكر من قال ذلك: ٨٨٣٢ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أبي العالية: أنه كان يحدِّث: أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يقولون: كل ذنب أصابه عبد فهو بجهالة. ٨٨٣٣ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة قوله:"للذين يعملون السوء بجهالة"، قال: اجتمع أصحابُ رسول الله ﷺ فرأوا أن كل شيء عُصيِ به فهو"جهالة"، عمدًا كان أو غيره. ٨٨٣٤ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"للذين يعملون السوء بجهالة"، قال: كل من عصى ربه فهو جاهل حتى ينزع عن معصيته. ٨٨٣٥ - حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله:"إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة"، قال: كل من عمل بمعصية الله، فذاك منه بجهل حتى يرجع عنه. ٨٨٣٦ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا

стр. 4174

أسباط، عن السدي:"إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة"، ما دام يعصي الله فهو جاهل. ٨٨٣٧ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا محمد بن فضيل بن غزوان، عن أبي النضر، عن أبي صالح، عن ابن عباس:"إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة"، قال: من عمل السوء فهو جاهل، من جهالته عمل السوء. ٨٨٣٨ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قال: من عصى الله فهو جاهل حتى ينزع عن معصيته = قال ابن جريج: وأخبرني عبد الله بن كثير، عن مجاهد قال: كل عامل بمعصية فهو جاهل حين عمل بها = قال ابن جريج: وقال لي عطاء بن أبي رباح نحوه. ٨٨٣٩ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قول الله:"إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب"، قال:"الجهالة"، كل امرئ عمل شيئًا من معاصي الله فهو جاهل أبدًا حتى ينزع عنها، وقرأ: (هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ) [سورة يوسف: ٨٩] ، وقرأ: وَإِلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ [سورة يوسف: ٣٣] . قال: من عصى الله فهو جاهل حتى ينزع عن معصيته. * * * وقال آخرون: معنى قوله:"للذين يعملون السوء بجهالة"، يعملون ذلك على عمد منهم له. ذكر من قال ذلك: ٨٨٤٠ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن مجاهد:"يعملون السوء بجهالة"، قال: الجهالة: العمد.

стр. 4175

٨٨٤١ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد مثله. ٨٨٤٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك:"إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة"، قال: الجهالة: العمد. * * * وقال آخرون: معنى ذلك: إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء في الدنيا. ذكر من قال ذلك: ٨٨٤٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا معتمر بن سليمان، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة قوله:"إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة"، قال: الدنيا كلها جهالة. * * * قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية، قولُ من قال: تأويلها: إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء، وعملهم السوء هو الجهالة التي جهلوها، عامدين كانوا للإثم، أو جاهلين بما أعدّ الله لأهلها. (١) وذلك أنه غير موجود في كلام العرب تسمية العامد للشيء:"الجاهل به"، إلا أن يكون معنيًّا به أنه جاهل بقدر منفعته ومضرّته، فيقال:"هو به جاهل"، على معنى جهله بمعنى نفعه وضُرّه. (٢) فأما إذا كان عالمًا بقدر مبلغ نفعه وضرّه، قاصدًا إليه، فغيرُ جائز من أجل قصده إليه أن يقال (٣) "هو به جاهل"،

стр. 4176

لأن"الجاهل بالشيء"، هو الذي لا يعلمه ولا يعرفه عند التقدم عليه = أو [الذي] يعلمه، فيشبَّه فاعله، (١) إذ كان خطًأ ما فعله، بالجاهل الذي يأتي الأمر وهو به جاهل، فيخطئ موضع الإصابة منه، فيقال:"إنه لجاهل به"، وإن كان به عالمًا، لإتيانه الأمر الذي لا يأتي مثله إلا أهل الجهل به. وكذلك معنى قوله:"يعملون السوء بجهالة"، قيل فيهم:"يعملون السوء بجهالة" = وإن أتوه على علم منهم بمبلغ عقاب الله أهله، عامدين إتيانه، مع معرفتهم بأنه عليهم حرام = لأن فعلهم ذلك كان من الأفعال التي لا يأتي مثله إلا من جَهِل عظيمَ عقاب الله عليه أهلَه في عاجل الدنيا وآجل الآخرة، فقيل لمن أتاه وهو به عالم:"أتاه بجهالة"، بمعنى أنه فعل فعل الجهَّال به، لا أنه كان جاهلا. * * * وقد زعم بعض أهل العربية أن معناه: أنهم جهلوا كُنْه ما فيه من العقاب، فلم يعلموه كعلم العالم، وإن علموه ذنبًا، فلذلك قيل:"يعملون السوء بجهالة". (٢) قال أبو جعفر: ولو كان الأمر على ما قال صاحب هذا القول، لوجب أن لا تكون توبة لمن علم كُنْه ما فيه. وذلك أنه جل ثناؤه قال:"إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب" دون غيرهم. فالواجب على صاحب هذا القول أن لا يكون للعالم الذي عمل سوءًا على علم منه بكنه ما فيه، ثم تاب من قريب = (٣) توبة، وذلك خلاف الثابت عن رسول الله ﷺ : من أن كل تائب عسى الله أن يتوب عليه = وقوله:"باب التوبة مفتوح ما لم تطلع الشمس

стр. 4177

من مغربها" = (١) وخلاف قول الله : (إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا) [سورة الفرقان: ٧٠] . * * * القول في تأويل قوله: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في معنى:"القريب" في هذا الموضع. فقال بعضهم: معنى ذلك: ثم يتوبون في صحتهم قبل مرضهم وقبل موتهم. ذكر من قال ذلك: ٨٨٤٤ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"ثم يتوبون من قريب"، والقريب قبلَ الموت ما دام في صحته. ٨٨٤٥ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا محمد بن فضيل، عن أبي النضر، عن أبي صالح، عن ابن عباس:"ثم يتوبون من قريب"، قال: في الحياة والصحة. * * * وقال آخرون: بل معنى ذلك: ثم يتوبون من قبل معاينة مَلَك الموت.

стр. 4178

ذكر من قال ذلك. ٨٨٤٦ - حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثنا معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:"ثم يتوبون من قريب"، والقريب فيما بينه وبين أن ينظر إلى مَلَك الموت. ٨٨٤٧ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر بن سليمان قال، سمعت عمران بن حدير قال، قال أبو مجلز: لا يزال الرجل في توبة حتى يُعاين الملائكة. ٨٨٤٨ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن أبي معشر، عن محمد بن قيس قال: القريب، ما لم تنزل به آية من آيات الله تعالى، وينزلْ به الموت. (١) ٤٨٤٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك:"إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب"، وله التوبة ما بينه وبين أن يعاين ملَك الموت، فإذا تاب حين ينظر إلى ملك الموت، فليس له ذاك. * * * وقال آخرون: بل معنى ذلك: ثم يتوبون من قبل الموت. ذكر من قال ذلك: ٨٨٥٠ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن رجل، عن الضحاك،"ثم يتوبون من قريب"، قال: كل شيء قبل الموت فهو قريب. ٨٨٥١ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا معتمر بن سليمان، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة:"ثم يتوبون من قريب"، قال: الدنيا كلها قريب.

стр. 4179

٨٨٥٢ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"ثم يتوبون من قريب"، قبل الموت. ٨٨٥٣ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا معاذ بن هشام قال، حدثني أبي، عن قتادة، عن أبي قلابة قال: ذُكر لنا أن إبليس لما لُعن وأُنظر، قال: وعزتك لا أخرج من قلب ابن آدم ما دام فيه الروح. فقال ﵎: وعزتي لا أمنعه التَّوبة ما دام فيه الروح. ٨٨٥٤ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو داود قال، حدثنا عمران، عن قتادة قال: كنا عند أنس بن مالك وثَمَّ أبو قلابة، فحدث أبو قلابة قال: إن الله ﵎ لما لعن إبليس سأله النَّظِرة، فقال: وعزتك لا أخرج من قلب ابن آدم! فقال الله ﵎: وعزتي لا أمنعه التوبة ما دام فيه الروح. ٨٨٥٥ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا أيوب، عن أبي قلابة قال: إن الله ﵎ لما لعن إبليس سأله النَّظِرة، فأنظره إلى يوم الدين، فقال: وعزتك لا أخرج من قلب ابن آدم ما دام فيه الروح! قال: وعزتي لا أحجب عنه التوبة ما دام فيه الروح. ٨٨٥٦ - حدثني ابن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا عوف، عن الحسن قال: بلغني أن رسول الله ﷺ قال: إن إبليس لما رأى آدم أجْوفَ قال: وعزتك لا أخرج من جوفه ما دام فيه الروح! فقال الله ﵎: وعزتي لا أحُول بينه وبين التوبة ما دام فيه الروح. (١)

стр. 4180

٨٨٥٧ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا معاذ بن هشام قال، حدثني أبي، عن قتادة، عن العلاء بن زياد، عن أبي أيوب بُشَيْر بن كعب: أن نبيّ الله ﷺ قال: إن الله يقبل توبة العبد ما لم يُغَرْغر". (١) ٨٨٥٨ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن عبادة بن الصامت: أن رسول الله ﷺ قال، فذكر مثله. (٢) . ٨٨٥٩ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن عوف، عن الحسن، قال: بلغني أن رسول الله ﷺ قال: إن الله ﵎ يقبل توبة العبد ما لم يُغَرْغِرْ. (٣) * * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قولُ من قال: تأويله: ثم يتوبون قبل مماتهم، في الحال التي يفهمون فيها أمر الله ﵎ ونهيَه، وقبل أن يُغلبوا على أنفسهم وعقولهم، وقبل حال اشتغالهم بكرب الحَشْرجة وغمّ الغرغرة، فلا يعرفوا أمر الله ونهيه، ولا يعقلوا التوبة، لأن التوبة لا تكون توبة إلا ممن ندمٍ

стр. 4181

على ما سلف منه، وعزمٍ منه على ترك المعاودة، (١) وهو يعقل الندم، ويختار ترك المعاودة: فأما إذا كان بكرب الموت مشغولا وبغمّ الحشرجة مغمورًا، فلا إخالُه إلا عن الندم على ذنوبه مغلوبًا. ولذلك قال من قال:"إن التوية مقبولة، ما لم يغرغر العبد بنفسه"، (٢) فإن كان المرء في تلك الحال يعقل عقلَ الصحيح، ويفهم فهم العاقل الأريب، فأحدث إنابة من ذنوبه، ورجعةً من شروده عن رَبه إلى طاعته، كان إن شاء الله ممن دخل في وعد الله الذي وعد التائبين إليه من إجرامهم من قريب بقوله:"إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب". * * * القول في تأويل قوله: ﴿فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧) ﴾ قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: (٣) "فأولئك"، فهؤلاء الذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب ="يتوب الله عليهم"، دون من لم يتب حتى غُلب على عقله، وغمرته حشرجة ميتته، فقال وهو لا يفقه ما يقول:"إني تبت الآن"، خداعًا لربه، ونفاقًا في دينه. * * *

стр. 4182

ومعنى قوله:"يتوب الله عليهم"، يرزقهم إنابة إلى طاعته، ويتقبل منهم أوبتهم إليه وتوبتهم التي أحدثوها من ذنوبهم. (١) * * * وأما قوله:"وكان الله عليما حكيما"، فإنه يعني: ولم يزل الله جل ثناؤه (٢) = "عليما" بالناس من عباده المنيبين إليه بالطاعة، بعد إدبارهم عنه، المقبلين إليه بعد التولية، وبغير ذلك من أمور خلقه ="حكيمًا"، (٣) في توبته على من تاب منهم من معصيته، وفي غير ذلك من تدبيره وتقديره، ولا يدخل أفعاله خلل، ولا يُخالطه خطأ ولا زلل. (٤) * * * القول في تأويل قوله: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ﴾ قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وليست التوبة للذين يعملون السيئات من أهل الإصرار على معاصي الله ="حتى إذا حضر أحدهم الموت"، يقول: إذا حشرج أحدهم بنفسه، وعاين ملائكة ربه قد أقبلوا إليه لقبض روحه، قال = وقد غُلب على نفسه، وحيل بينه وبين فهمه، بشغله بكرب حشرجته وغرغرته =

стр. 4183

"إني تبت الآن"، يقول: فليس لهذا عند الله ﵎ توبة، لأنه قال ما قال في غير حال توبة، كما:- ٨٨٦٠ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن يَعْلَى بن نعمان قال، أخبرني من سمع ابن عمر يقول: التوبة مبسوطة ما لم يَسُقْ، ثم قرأ ابن عمر:"وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموتُ قال إنّي تبت الآن"، ثم قال: وهل الحضور إلا السَّوق. (١) ٨٨٦١ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن" قال: إذا تبيَّن الموتُ فيه لم يقبل الله له توبة. ٨٨٦٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا محمد بن فضيل، عن أبي النضر، عن أبي صالح، عن ابن عباس:"وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إنّي تبت الآن"، فليس لهذا عند الله توبة. ٨٨٦٣ - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة قال، سمعت إبراهيم بن ميمون يحدِّث، عن رجل من بني الحارث قال، حدثنا رجل منا، عن عبد الله بن عمرو أنه قال: من تاب قبل موته بعام تِيبَ عليه، حتى ذكر شهرًا، حتى ذكر ساعة، حتى ذكر فُواقًا. قال: فقال رجل: كيف يكون هذا والله تعالى يقول:"وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى

стр. 4184

إذا حضر أحدهم الموت قال إنَّي تبت الآن"؟ فقال عبد الله: أنا أحدثك ما سمعت من رسول الله ﷺ . (١) ٨٨٦٤ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن إبراهيم بن مهاجر، عن إبراهيم قال: كان يقال: التوبة، مبسوطة ما لم يُؤخذ بكَظَمِه. (٢) * * * واختلف أهل التأويل فيمن عُني بقوله:"وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن" فقال بعضهم: عُني به أهل النفاق. ذكر من قال ذلك: ٨٨٦٥ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع:"إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب"، قال: نزلت الأولى في المؤمنين، ونزلت الوسطى في المنافقين = يعني:"وليست التوبة للذين يعملون السيئات"، والأخرى في الكفار يعني:"ولا الذين يموتون وهم كفار". * * * وقال آخرون: بل عُني بذلك أهل الإسلام.

стр. 4185

ذكر من قال ذلك: ٨٨٦٦ - حدثنا المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن سفيان، قال: بلغنا في هذه الآية:"وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن" قال: هم المسلمون، ألا ترى أنه قال:"ولا الذين يموتون وهم كفار"؟ * * * وقال آخرون: بل هذه الآية كانت نزلت في أهل الإيمان، غير أنها نسخت. ذكر من قال ذلك: ٨٨٦٧ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:"وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار" فأنزل الله ﵎ بعد ذلك: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) [سورة النساء: ٤٨،١١٦] ، فحرّم الله تعالى المغفرة على من مات وهو كافر، وأرجأ أهل التوحيد إلى مشيئته، فلم يؤيسهم من المغفرة. (١) * * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب، ما ذكره الثوري أنه بلغه أنه في الإسلام. (٢) وذلك أن المنافقين كفار، فلو كان معنيًّا به أهل النفاق لم يكن لقوله:"ولا الذين يموتون وهم كفار" معنًى مفهوم، إذْ كانوا والذين قبلهم في معنى واحد: من أن جميعهم كفار. ولا وجه لتفريق أحكامهم، والمعنى

стр. 4186

الذي من أجله بطل أن تكون [لهم] توبة، (١) واحدٌ. وفي تفرقة الله جل ثناؤه بين أسمائهم وصفاتهم، بأن سمَّى أحد الصنفين كافرًا، ووصف الصنف الآخر بأنهم أهل سيئات، ولم يسمهم كفارًا = ما دل على افتراق معانيهم. وفي صحة كون ذلك كذلك، صحةُ ما قلنا وفسادُ ما خالفه. * * * القول في تأويل قوله: ﴿وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨) ﴾ قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ولا التوبة للذين يموتون وهم كفار = فموضع"الذين" خفض، لأنه معطوف على قوله:"للذين يعملون السيئات". (٢) وقوله:"أولئك أعتدنا لهم عذابًا أليما"، يقول: هؤلاء الذين يموتون وهم كفار ="أعتدنا لهم عذابًا أليما"، لأنهم من التوبة أبعد، لموتهم على الكفر. (٣) كما:-

стр. 4187

٨٨٦٨ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا محمد بن فضيل، عن أبي النضر، عن أبي صالح، عن ابن عباس:"ولا الذين يموتون وهم كفار"، أولئك أبعدُ من التوبة. * * * واختلف أهل العربية في معنى:"أعتدنا لهم". فقال بعض البصريين: معنى"أعتدنا"،"أفعلنا" من"العَتَاد". قال: ومعناها: أعددنا. (١) * * * وقال بعض الكوفيين:"أعددنا" و"أعتدنا"، معناهما واحد. * * * فمعنى قوله:"أعتدنا لهم"، أعددنا لهم ="عذابًا أليما"، يقول: مؤلمًا موجعًا. (٢) * * * القول في تأويل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ قال أبو جعفر: يعني ﵎ [بقوله] : (٣) "يا أيها الذين آمنوا"، يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله ="لا يحل لكم أن ترثوا النساء كَرهًا"، يقول: لا يحل

стр. 4188

لكم أن ترثوا نكاحَ نساء أقاربكم وآبائكم كَرْهًا. (١) * * * فإن قال قائل: كيف كانوا يرثونهن؟ وما وجه تحريم وراثتهن؟ فقد علمت أن النساء مورثات كما الرجال مورثون! قيل: إن ذلك ليس من معنى وراثتهن إذا هن مِتن فتركن مالا وإنما ذلك أنهن في الجاهلية كانت إحداهن إذا مات زوجها، كان ابنه أو قريبُه أولى بها من غيره، ومنها بنفسها، إن شاء نكحها، وإن شاء عضلها فمنعها من غيره ولم يزوّجها حتى تموت. فحرّم الله تعالى ذلك على عباده، وحظَر عليهم نكاحَ حلائل آبائهم، ونهاهم عن عضلهن عن النكاح. * * * وبنحو القول الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: ٨٨٦٩ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أسباط بن محمد قال، حدثنا أبو إسحاق = يعني: الشيباني =، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله:"يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهًا ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن"، قال: كانوا إذا مات الرجل، كان أولياؤه أحقَّ بامرأته، إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاؤوا زوّجوها، وإن شاؤوا لم يزوّجوها، وهم أحق بها من أهلها، فنزلت هذه الآية في ذلك. (٢)

стр. 4189

٨٨٧٠ - وحدثني أحمد بن محمد الطوسي قال، حدثنا عبد الرحمن بن صالح قال، حدثني محمد بن فضيل، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبيه قال: لما توفي أبو قيس بن الأسلت، أراد ابنه أن يتزوج امرأته، وكان ذلك لهم في الجاهلية، فأنزل الله:"لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهًا". (١) * * * ٨٨٧١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح، عن الحسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة والحسن البصري قالا في قوله:"لا يحل لكم أن ترثوا النساء كَرْهًا ولا تعضُلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبيِّنة"، وذلك أن الرجل كان يرث امرأة ذي قرابته فيعضُلها حتى تموت أو تردَّ إليه صداقها، فأحكم الله عن ذلك = يعني أن الله نهاكم عن ذلك. (٢)

стр. 4190

٨٨٧٢ - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن سليمان التيمي، عن أبي مجلز في قوله:"يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهًا"، قال: كانت الأنصار تفعل ذلك. كان الرجل إذا مات حميمه، ورث حميمه امرأته، فيكون أولى بها من وليِّ نفسها. (١) ٨٨٧٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس في قوله:"يا أيها الذين آمنوا لا يحلُّ لكم أن ترثوا النساء كرهًا" الآية، قال: كان الرجل إذا مات أبوه أو حميمه، فهو أحق بامرأته، إن شاء أمسكها، أو يحبسها حتى تفتدي منه بصداقها، أو تموت فيذهب بمالها = قال ابن جريج، فأخبرني عطاء بن أبي رباح: أن أهل الجاهلية كانوا إذا هلك الرجلُ فترك امرأة حبسها أهلهُ على الصبيِّ يكون فيهم، فنزلت:"لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهًا" الآية = قال ابن جريج، وقال مجاهد: كان الرجل إذا توفي أبوه، كان أحق بامرأته، ينكحها إن شاء إذا لم يكن ابنها، أو يُنكحها إن شاء أخاه أو ابن أخيه = قال ابن جريج، وقال عكرمة نزلت في كبيشة بنت معن بن عاصم، من الأوس، توفّي عنها أبو قيس بن الأسلت، فجنح عليها ابنه، فجاءت النبي ﷺ فقالت: يا نبي الله، لا أنا ورثت زوجي، ولا أنا تُركت فأنكح! فنزلت هذه الآية. (٢)

стр. 4191

٨٨٧٤ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهًا"، قال: كان إذا توفي الرجل، كان ابنه الأكبر هو أحق بامرأته، ينكحها إذا شاء إذا لم يكن ابنها، أو يُنكحها من شاء، أخاه أو ابنَ أخيه. ٨٨٧٥ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن عمرو بن دينار، مثل قول مجاهد. ٨٨٧٦ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل قال، سمعت عمرو بن دينار يقول مثل ذلك. ٨٨٧٧ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: أما قوله:"لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهًا"، فإن الرجل في الجاهلية كان يموت أبوه أو أخوه أو ابنه، فإذا مات وترك امرأته، فإن سبق وارِث الميت فألقى عليها ثوبه، فهو أحق بها أن ينكحها بمهر صاحبه، أو ينكحها فيأخذ مهرها. وإن سبقته فذهبت إلى أهلها، فهم أحق بنفسها. ٨٨٧٨ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان الباهلي (١) قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:"لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهًا"، كانوا بالمدينة إذا مات حميم الرجل وترك امرأة، ألقى الرجل عليها ثوبه، فورث نكاحها، وكان أحق بها. وكان ذلك عندهم نكاحًا. فإن

стр. 4192

شاء أمسكها حتى تفتدي منه. وكان هذا في الشِّرك. ٨٨٧٩ - حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهًا"، قال: كانت الوراثة في أهل يثرب بالمدينة ههنا. فكان الرجل يموت فيرث ابنه امرأة أبيه كما يرث أمه، لا تستطيع أن تمتنع، (١) فإن أحبّ أن يتخذها اتخذها كما كان أبوه يتخذها، وإن كره فارقها، وإن كان صغيرًا حبست عليه حتى يكبر، فإن شاء أصابها، وإن شاء فارقها. فذلك قول الله ﵎:"لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهًا". ٨٨٨٠ - حدثنا محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله:"يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهًا"، وذلك أن رجالا من أهل المدينة كان إذا مات حميم أحدهم ألقى ثوبه على امرأته، فورث نكاحها، فلم ينكحها أحد غيره، وحبسها عنده حتى تفتدي منه بفدية، فأنزل الله :"يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهًا". ٨٨٨١ - حدثني ابن وكيع قال، حدثني أبي قال، حدثنا سفيان، عن علي بن بذيمة، عن مقسم قال: كانت المرأة في الجاهلية إذا مات زوجها فجاء رجلٌ فألقى عليها ثوبه، كان أحق الناس بها. قال: فنزلت هذه الآية:"لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهًا". * * * قال أبو جعفر: فتأويل الآية على هذا التأويل: يا أيها الذين آمنوا، لا يحل لكم أن ترثوا آباءكم وأقاربكم نكاح نسائهم كرها = فترك ذكر"الآباء" و"الأقارب" و"النكاح"، ووجّه الكلام إلى النهي عن وراثة النساء، اكتفاء بمعرفة المخاطبين بمعنى

стр. 4193

الكلام، إذ كان مفهومًا معناه عندهم. * * * وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا يحل لكم، أيها الناس، أن ترثوا النساء تَرِكاتهن كرهًا. قال: وإنما قيل ذلك كذلك، لأنهم كانوا يعضلون أيَاماهُنَّ، وهن كارهات للعضل، حتى يمتن، فيرثوهن أموالهنّ. ذكر من قال ذلك: ٨٨٨٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:"يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهًا"، قال: كان الرجل إذا مات وترك جارية، ألقى عليها حميمه ثوبه فمنعها من الناس. فإن كانت جميلة تزوجها، وإن كانت دميمة حبسها حتى تموت فيرثها. (١) ٨٨٨٣ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الزهري في قوله:"لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهًا"، قال: نزلت في ناس من الأنصار، كانوا إذا مات الرجل منهم، فأمْلَكُ الناس بامرأته وليُّه، فيمسكها حتى تموت فيرثها، فنزلت فيهم. * * * قال أبو جعفر: وأولى القولين بتأويل الآية، القولُ الذي ذكرناه عمن قال: معناه:"لا يحل لكم أن ترثوا نساء أقاربكم"، (٢) لأن الله جل ثناؤه قد بين مواريث أهل المواريث، فذلك لأهله، كره وراثتهم إيَّاه الموروثَ ذلك عنه من الرجال أو النساء، أو رضي. (٣)

стр. 4194

فقد علم بذلك أنه جل ثناؤه لم يحظر على عباده أن يرثوا النساء فيما جعله لهم ميراثًا عنهن، (١) وأنه إنما حظَر أن يُكْرَهن موروثات، بمعنى حظر وراثة نكاحهن، إذا كان ميِّتهم الذي ورثوه قد كان مالكًا عليهن أمرَهن في النكاح ملك الرجل منفعة ما استأجر من الدور والأرضين وسائر مالَه منافع. (٢) فأبان الله جل ثناؤه لعباده: أن الذي يملكه الرجل منهم من بُضْع زوْجه، (٣) معناه غير معنى ما يملك أحدهم من منافع سائر المملوكات التي تجوز إجارتها. فإن المالك بُضع زوجته إذا هو مات، لم يكن ما كان له ملكًا من زوجته بالنكاح لورثته بعده، كما لهم من الأشياء التي كان يملكها بشراء أو هبة أو إجارة بعد موته، بميراثهم ذلك عنه. (٤) * * * وأما قوله تعالى:"ولا تعضُلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن"، فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله. فقال بعضهم: تأويله:"ولا تعضلوهن": أي ولا تحبسوا، يا معشر ورثة من مات من الرجال، أزواجَهم عن نكاح من أردنَ نكاحه من الرجال، كيما يمتن ="فتذهبوا ببعض ما آتيتموهن"، أي: فتأخذوا من أموالهن إذا مِتن،

стр. 4195

ما كان موتاكم الذين ورثتموهم ساقوا إليهن من صدقاتهن. وممن قال ذلك جماعة قد ذكرنا بعضهم، منهم ابن عباس والحسن البصري وعكرمة. (١) * * * وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولا تعضُلوا، أيها الناس، نساءكم فتحبسوهن ضرارًا، ولا حاجة لكم إليهن، فتُضِرُّوا بهن ليفتدين منكم بما آتيتموهن من صَدُقاتهن. ذكر من قال ذلك: ٨٨٨٤ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:"ولا تعضلوهن"، يقول: لا تقهروهن ="لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن"، يعني، الرجل تكون له المرأة وهو كاره لصحبتها ولها عليه مهر، فَيُضِرُّ بها لتفتدي. ٨٨٨٥ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"ولا تعضلوهن"، يقول: لا يحل لك أن تحبس امرأتك ضرارًا حتى تفتدي منك = قال وأخبرنا معمر قال، وأخبرني سماك بن الفضل، عن ابن البيلماني قال: نزلت هاتان الآيتان،

стр. 4196

إحداهما في أمر الجاهلية، والأخرى في أمر الإسلام. (١) ٨٨٨٦ - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن معمر قال، أخبرنا سماك بن الفضل، عن عبد الرحمن بن البيلماني في قوله:"لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهًا ولا تعضلوهن"، قال: نزلت هاتان الآيتان: إحداهما في الجاهلية، والأخرى في أمر الإسلام، قال عبد الله: لا يحل لكم أن ترثوا النساء في الجاهلية، ولا تعضلوهن في الإسلام. (٢) ٨٨٨٧ - حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك، عن سالم، عن سعيد:"ولا تعضلوهن"، قال: لا تحبسوهن. ٨٨٨٨ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن"، أما"تعضلوهن"، فيقول: تضاروهن ليفتدِين منكم. ٨٨٨٩ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:"ولا تعضلوهن"، قال:"العضل"، أن يكره الرجل امرأته فيضرُّ بها حتى تفتدي منه، قال الله ﵎: (وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ) [سورة النساء: ٢١] . (٣) * * * وقال آخرون: المعنيُّ بالنهي عن عضل النساء في هذه الآية: أولياؤهن. ذكر من قال ذلك: ٨٨٩٠ - حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن أن ينكحن أزواجهن"، كالعَضْل في"سورة البقرة". (٤)

стр. 4197

٨٨٩١ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله. وقال آخرون: بل المنهيُّ عن ذلك: زوجُ المرأة بعد فراقه إياها. وقالوا: ذلك كان من فعل الجاهلية، فنهوا عنه في الإسلام. ذكر من قال ذلك: ٨٨٩٢ - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: كان العضلُ في قريش بمكة، ينكح الرجل المرأةَ الشريفة فلعلها أن لا توافقه، (١) فيفارقها على أن لا تتزوج إلا بإذنه، فيأتي بالشهود فيكتب ذلك عليها ويشهد، فإذا خطبها خاطب، فإن أعطته وأرضته أذن لها، وإلا عضلها، قال: فهذا قول الله:"ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن" الآية. * * * قال أبو جعفر: قد بينا فيما مضى معنى"العضل" وما أصله، بشواهد ذلك من الأدلة. (٢) وأولى هذه الأقوال التي ذكرناها بالصحة في تأويل قوله:"ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن"، قول من قال: نهى الله جل ثناؤه زوج المرأة عن التضييق عليها والإضرار بها، وهو لصحبتها كاره ولفراقها محبّ، لتفتدي منه ببعض ما آتاها من الصَّداق. وإنما قلنا ذلك أولى بالصحة، لأنه لا سبيل لأحد إلى عضل امرأة، إلا لأحد رجلين: إما لزوجها بالتضييق عليها وحبسها على نفسه وهو لها كاره، مضارّة منه لها بذلك، ليأخذ منها ما آتاها بافتدائها منه نفسها بذلك = أو لوليها الذي إليه إنكاحها.

стр. 4198

وإذا كان لا سبيل إلى عضلها لأحدٍ غيرهما، وكان الوليُّ معلومًا أنه ليس ممن أتاها شيئًا فيقال إنْ عضلها عن النكاح:"عَضَلها ليذهب ببعض ما آتاها"، كان معلومًا أن الذي عنى الله ﵎ بنهيه عن عضلها، هو زوجها الذي له السبيلُ إلى عضلها ضرارًا لتفتدي منه. وإذا صح ذلك، = وكان معلومًا أن الله تعالى ذكره لم يجعل لأحد السبيلَ على زوجته بعد فراقه إياها وبينونتها منه، فيكون له إلى عضلها سبيل لتفتدي منه من عَضْله إياها، أتت بفاحشة أم لم تأت بها، = (١) وكان الله جل ثناؤه قد أباح للأزواج عضلهن إذا آتين بفاحشة مبيِّنة حتى يفتدين منه = (٢) كان بيِّنًا بذلك خطأ التأويل الذي تأوّله ابن زيد، وتأويلِ من قال:"عنى بالنهي عن العضل في هذه الآية أولياء الأيامى"، = وصحةُ ما قلنا فيه. (٣) * * * [قوله] :"ولا"تعضلوهن"، (٤) في موضع نصب، عطفًا على قوله:"أن ترثوا النساء كرهًا". ومعناه: لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهًا، ولا أن تعضلوهن. (٥) وكذلك هي فيما ذكر في حرف ابن مسعود. ولو قيل: هو في موضع جزم على وجه النهي، لم يكن خطأ. (٦) * * *

стр. 4199

القول في تأويل قوله: ﴿إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: لا يحل لكم، أيها المؤمنون، أن تعضُلوا نساءكم ضرارًا منكم لهن، وأنتم لصحبتهن كارهون، وهن لكم طائعات، لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن من صدقاتهن ="إلا أن يأتين بفاحشة مبينة"، فيحل لكم حينئذ الضرارُ بهن ليفتدين منكم. (١) ثم اختلف أهل التأويل في معنى"الفاحشة" التي ذكرها الله جل ثناؤه في هذا الموضع. (٢) فقال بعضهم: معناها الزنا، وقال: إذا زنت امرأة الرجل حلَّ له عَضْلها والضرارُ بها، لتفتدي منه بما آتاها من صداقها. ذكر من قال ذلك: ٨٨٩٣ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، أخبرنا أشعث، عن الحسن - في البكر تَفْجُر قال: تضرب مئة، وتنفى سنة، وتردّ إلى زوجها ما أخذت منه. وتأوَّل هذه الآية:"ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة". ٨٨٩٤ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن عطاء الخراساني - في الرجل إذا أصابت امرأته فاحشة، أخذ ما ساق إليها وأخرجها، فنسخ ذلك الحدود.

стр. 4200

٨٨٩٥ - حدثنا أحمد بن منيع قال، حدثنا عبد الله بن المبارك قال، أخبرنا معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة قال: إذا رأى الرجل من امرأته فاحشة، (١) فلا بأس أن يضارها ويشق عليها حتى تختلع منه. ٨٨٩٦ - حدثنا ابن حميد قال، أخبرنا ابن المبارك قال، أخبرني معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة - في الرجل يطّلع من امرأته على فاحشة، فذكر نحوه. ٨٨٩٧ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدى:"إلا أن يأتين بفاحشة مبينة"، وهو الزنا، فإذا فعلن ذلك فخذوا مهورهن. ٨٨٩٨ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: أخبرني عبد الكريم: أنه سمع الحسن البصري:"إلا أن يأتين بفاحشة"، قال: الزنا. قال: وسمعت الحسن وأبا الشعثاء يقولان: فإن فعلت، حلَّ لزوجها أن يكون هو يسألها الخُلْع، تفتدي نفسها. (٢) * * * وقال آخرون:"الفاحشة المبينة"، في هذا الموضع، النشوزُ. ذكر من قال ذلك: ٨٨٩٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:"إلا أن يأتين بفاحشة مبينة"، وهو البغض والنُّشوز، فإذا فعلت ذلك فقد حل له منها الفدية. ٨٩٠٠ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام قال، حدثنا عنبسة، عن علي بن بذيمة، عن مقسم في قوله: (ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يفحشن) في قراءة ابن مسعود. قال: إذا عصتك وآذتك، فقد حل لك

стр. 4201

أخذ ما أخذتْ منك. (١) ٨٩٠١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن مطرف بن طريف، عن خالد، عن الضحاك بن مزاحم:"إلا أن يأتين بفاحشة مبينة"، قال: الفاحشة ههنا النشوز. فإذا نشزَت، حل له أن يأخذ خُلْعها منها. (٢) ٨٩٠٢ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"إلا أن يأتين بفاحشة مبينة"، قال: هو النشوز. ٨٩٠٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال عطاء بن أبي رباح:"إلا أن يأتين بفاحشة مبينة"، فإن فعلن: إن شئتم أمسكتموهن، وإن شئتم أرسلتموهن. ٨٩٠٤ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، (٣) سمعت الضحاك بن مزاحم يقول في قوله:"إلا أن يأتين بفاحشة مبينة"، قال: عَدَل ربنا ﵎ في القضاء، فرجع إلى النساء فقال:"إلا أن يأتين بفاحشة مبينة"، و"الفاحشة": العصيان والنشوز. فإذا كان ذلك من قِبَلها، فإن الله أمره أن يضربها، وأمره بالهَجر. فإن لم تدع العصيان والنشوز، فلا جناح عليه بعد ذلك أن يأخذ منها الفدية. * * *

стр. 4202

قال أبو جعفر: وأولى ما قيل في تأويل قوله:"إلا أن يأتين بفاحشة مبينة"، أنه معنىٌّ به كل"فاحشة": من بَذاءٍ باللسان على زوجها، (١) وأذى له، وزنًا بفرجها. وذلك أن الله جل ثناؤه عم بقوله:"إلا أن يأتين بفاحشة مبينة"، كلَّ فاحشة متبيّنةٍ ظاهرة. (٢) فكل زوج امرأة أتت بفاحشة من الفواحش التي هي زنًا أو نشوز، (٣) فله عضْلُها على ما بين الله في كتابه، والتضييقُ عليها حتى تفتدي منه، بأيِّ معاني الفواحش أتت، (٤) بعد أن تكون ظاهرة مبيِّنة = (٥) بظاهر كتاب الله ﵎، وصحة الخبر عن رسول الله ﷺ ، كالذي: ٨٩٠٥ - حدثني يونس بن سليمان البصري قال، حدثنا حاتم بن إسماعيل قال، حدثنا جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر: أن رسول الله ﷺ قال: اتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، وإن لكم عليهن أن لا يُوطِئن فُرُشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مبرِّح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف. (٦)

стр. 4203

٨٩٠٦ - حدثنا موسى بن عبد الرحمن المسروقي قال، حدثنا زيد بن الحباب قال، حدثنا موسى بن عبيدة الربذي قال، حدثني صدقة بن يسار، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: أيها الناس، إن النساء عندكم عَوَانٍ، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن حق، ولهن عليكم حق. ومن حقكم عليهن أن لا يُوطئن فُرُشكم أحدًا ولا يعصينكم في معروف، وإذا فعلن ذلك، فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف. (١) * * * = فأخبر ﷺ أن من حق الزوج على المرأة أن لا توطئ فراشه أحدًا، وأن لا تعصيه في معروف، وأنّ الذي يجب لها من الرزق والكسوة عليه، وإنما هو واحب عليه إذا أدَّت هي إليه ما يجب عليها من الحق، بتركها إيطاء فراشه غيره، وتركها معصيته في معروف. ومعلوم أن معنى قول النبي ﷺ :"من حقكم عليهن أن لا يوطئن

стр. 4204

فرشكم أحدًا" إنما هو أن لا يمكِّنّ من أنفسهن أحدًا سواكم. (١) وإذا كان ما روينا في ذلك صحيحًا عن رسول الله ﷺ ، فبيِّنٌ أن لزوج المرأة إذا أوطأت امرأته نفسها غيرَه وأمكنت من جماعها سواه، أنَّ له من منعها الكسوةَ والرزقَ بالمعروف، مثلَ الذي له من منعها ذلك إذا هي عصته في المعروف. وإذ كان ذلك له، فمعلوم أنه غير مانع لها - بمنعه إياها ماله منعها - حقًّا لها واجبًا عليه. وإذ كان ذلك كذلك، فبيِّنٌ أنها إذا افتدت نفسها عند ذلك من زوجها، فأخذ منها زوجها ما أعطته، أنه لم يأخذ ذلك عن عَضْل منهيّ عنه، بل هو أخذ ما أخذ منها عن عَضْل له مباح. وإذ كان ذلك كذلك، كان بينًا أنه داخل في استثناء الله ﵎ الذي استثناه من العاضلين بقوله:"ولا تعضُلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة". وإذْ صح ذلك، فبيِّنٌ فساد قول من قال:"إلا أن يأتين بفاحشة مبينة"، منسوخ بالحدود، (٢) لأن الحدّ حق الله جل ثناؤه على من أتى بالفاحشة التي هي زنا. وأما العَضْل لتفتدي المرأة من الزوج بما آتاها أو ببعضه، فحق لزوجها = كما عضله إياها وتضييقه عليها إذا هي نشزت عليه لتفتدي منه، حق له. وليس حكم أحدهما يبطل حكم الآخر. * * * قال أبو جعفر: فمعنى الآية: ولا يحل لكم، أيها الذين آمنوا، أن تعضلوا نساءكم فتضيِّقوا عليهن وتمنعوهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف، لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن من صَدُقاتكم، إلا أن يأتين بفاحشةٍ من زنا أو بَذاءٍ عليكم، وخلافٍ لكم فيما يجب عليهن لكم - مبيِّنة ظاهرة، فيحل لكم حينئذ عَضْلهن

стр. 4205

والتضييق عليهن، لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن من صداق إن هنّ افتدين منكم به. * * * واختلف القرَأة في قراءة قوله:"مبينة". فقرأه بعضهم:"مُبَيَّنَةٍ" بفتح"الياء"، بمعنى أنها قد بُيِّنت لكم وأُعلنت وأُظهرت. وقرأه بعضهم:"مُبَيِّنَةٍ" بكسر"الياء"، بمعنى أنها ظاهرة بينة للناس أنها فاحشة. * * * وهما قراءتان مستفيضتان في قرأة أمصار الإسلام، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب في قراءته الصوابَ، لأن الفاحشة إذا أظهرها صاحبها فهي ظاهرة بيِّنة. وإذا ظهرت، فبإظهار صاحبها إياها ظهرت. فلا تكون ظاهرة بيِّنة إلا وهي مبيَّنة، ولا مبيَّنة إلا وهي مبيِّنة. فلذلك رأيت القراءة بأيهما قرأ القارئ صوابًا. * * * القول في تأويل قوله: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"وعاشروهن بالمعروف"، وخالقوا، أيها الرجال، نساءكم وصاحبوهن ="بالمعروف"، يعني بما أمرتكم به من المصاحبة، (١) وذلك: إمساكهن بأداء حقوقهن التي فرض الله جل ثناؤه لهنّ عليكم إليهن، أو تسريح منكم لهنّ بإحسان، كما:- ٨٩٠٧ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا
следующие страницы →