إلى ربهم يحشرون"، يعني بالحشر: الموت.
* * *
وقال آخرون:"الحشر" في هذا الموضع، يعني به الجمعُ لبعث الساعة وقيام القيامة.
* ذكر من قال ذلك:
١٣٢٢٢ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر = وحدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر = عن جعفر بن برقان، عن يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة في قوله:"إلا أمم أمثالكم ما فرَّطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون"، قال: يحشر الله الخلق كلهم يوم القيامة، البهائمَ والدوابَّ والطيرَ وكل شيء، فيبلغ من عدل الله يومئذ أن يأخذَ للجمَّاء من القَرْناء، ثم يقول:"كوني ترابًا"، فلذلك يقول الكافر: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا [سورة النبأ: ٤٠] . (١)
١٣٢٢٣ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر = وحدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر=، عن الأعمش، عمن ذكره، (٢) عن أبي ذر قال: بينا أنا عند رسول الله صلى الله عليه
стр. 6197
وسلم إذ انتطحت عنزان، فقال رسول الله ﷺ : أتدرون فيما انتطحتا؟ قالوا: لا ندري! قال:"لكن الله يدري، وسيقضي بينهما. (١)
١٣٢٢٤- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق بن سليم قال، حدثنا فطر بن خليفة، عن منذر الثوري، عن أبي ذر قال: انتطحت شاتان عند النبي ﷺ فقال لي: يا أبا ذَرّ، أتدري فيم انتطحتا"؟ قلت: لا! قال: لكن الله يدري وسيقضي بينهما! قال أبو ذر: لقد تركنا رسول الله ﷺ وما يقلِّب طائرٌ جناحيه في السماء إلا ذكرنا منه علمًا.
* * *
стр. 6198
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أنّ كل دابة وطائر محشورٌ إليه. وجائز أن يكون معنيًّا بذلك حشر القيامة = وجائز أن يكون معنيًّا به حشر الموت = وجائز أن يكون معنيًّا به الحشران جميعًا، ولا دلالة في ظاهر التنزيل، ولا في خبر عن النبي ﷺ أيُّ ذلك المراد بقوله:"ثم إلى ربهم يحشرون"، إذ كان"الحشر"، في كلام العرب الجمع، (١) ومن ذلك قول الله تعالى ذكره: وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ [سورة ص: ١٩] ، يعني: مجموعة. فإذ كان الجمع هو"الحشر"، وكان الله تعالى ذكره جامعًا خلقه إليه يوم القيامة، وجامعهم بالموت، كان أصوبُ القول في ذلك أن يُعَمَّ بمعنى الآية ما عمه الله بظاهرها = وأن يقال: كل دابة وكل طائر محشورٌ إلى الله بعد الفناء وبعد بعث القيامة، إذ كان الله تعالى ذكره قد عم بقوله:"ثم إلى ربهم يحشرون"، ولم يخصص به حشرًا دون حشر.
* * *
فإن قال قائل: فما وجهُ قوله:"ولا طائر يطير بجناحيه"؟ وهل يطير الطائر إلا بجناحيه؟ فما في الخبر عن طيرانه بالجناحين من الفائدة؟
قيل: قد قدمنا القول فيما مضى أن الله تعالى ذكره أنزل هذا الكتاب بلسان قوم، وبلغاتهم وما يتعارفونه بينهم ويستعملونه في منطقهم خاطبهم. فإذ كان من كلامهم إذا أرادوا المبالغة في الكلام أن يقولوا:"كلمت فلانًا بفمي"، و"مشيت إليه برجلي"، و"ضربته بيدي"، خاطبهم تعالى بنظير ما يتعارفونه في كلامهم، ويستعملونه في خطابهم، ومن ذلك قوله تعالى ذكره: (إنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً أُنْثَي) [سورة ص: ٢٣] . (٢)
стр. 6199
القول في تأويل قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٩) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: والذين كذبوا بحجج الله وأعلامه وأدلته (١) ="صمٌّ"، عن سماع الحق ="بكم"، عن القيل به (٢) ="في الظلمات"، يعني: في ظلمة الكفر حائرًا فيها، (٣) يقول: هو مرتطم في ظلمات الكفر، لا يبصر آيات الله فيعتبر بها، ويعلم أن الذي خلقه وأنشأه فدبَّره وأحكم تدبيره، وقدَّره أحسن تقدير، وأعطاه القوة، وصحح له آلة جسمه = لم يخلقه عبثًا، ولم يتركه سدًى، ولم يعطه ما أعطاه من الآلات إلا لاستعمالها في طاعته وما يرضيه، دون معصيته وما يسخطه. فهو لحيرته في ظلمات الكفر، وتردّده في غمراتها، غافلٌ عمَّا الله قد أثبت له في أمّ الكتاب، وما هو به فاعلٌ يوم يحشر إليه مع سائر الأمم. ثم أخبر تعالى ذكره أنه المضِلّ من يشاء إضلالَه من خلقه عن الإيمان إلى الكفر، والهادي إلى الصراط المستقيم منهم من أحبَّ هدايته، فموفّقه بفضله وطَوْله للإيمان به، وترك الكفر به وبرسله وما جاءت به أنبياؤه، وأنه لا يهتدي من خلقه أحد إلا من سبق له في أمّ الكتاب السعادة، ولا يضل منهم أحد إلا من سبق له فيها الشقاء، وأنّ بيده الخير كلُّه، وإليه الفضل كله، له الخلق والأمر. (٤)
* * *
стр. 6200
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال قتادة:
١٣٢٢٥ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"صم وبكم"، هذا مثل الكافر، أصم أبكم، لا يبصر هدًى، ولا ينتفع به، صَمَّ عن الحق في الظلمات، لا يستطيع منها خروجًا، متسكِّع فيها.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) ﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل العربية في معنى قوله:"أرأيتكم".
فقال بعض نحويي البصرة:"الكاف" التي بعد"التاء" من قوله:"أرأيتكم" إنما جاءت للمخاطبة، وتركت"التاء" مفتوحة = كما كانت للواحد. قال: وهي مثل"كاف""رويدك زيدًا"، إذا قلت: أرود زيدًا = هذه"الكاف" ليس لها موضع مسمى بحرف، لا رفع ولا نصب، وإنما هي في المخاطبة مثل كاف"ذاك". ومثل ذلك قول العرب:"أبصرَك زيدًا"، (١) يدخلون"الكاف" للمخاطبة.
* * *
وقال آخرون منهم: معنى:" أرأيتكم إن أتاكم"، أرأيتم. قال: وهذه"الكاف" تدخل للمخاطبة مع التوكيد، و"التاء" وحدها هي الاسم، كما أدخلت"الكاف" التي تفرق بين الواحد والاثنين والجميع في المخاطبة، كقولهم:"هذا، وذاك، وتلك، وأولئك"، فتدخل"الكاف" للمخاطبة، وليست باسم، و"التاء" هو الاسم للواحد والجميع، تركت على حال واحدة، ومثل ذلك قولهم:
стр. 6201
"ليسك ثَمَّ إلا زيد"، يراد: ليس = و"لا سِيَّك زيد"، فيراد: ولا سيما زيد = و"بلاك" فيراد،"بلى" في معنى:"نعم" = و"لبئسك رجلا ولنعمك رجلا". وقالوا:"انظرك زيدًا ما أصنع به" = و"أبصرك ما أصنع به"، بمعنى: أبصره. وحكى بعضهم:"أبصركُم ما أصنع به"، يراد: أبصروا = و"انظركم زيدًا"، أي انظروا. وحكي عن بعض بني كلاب:"أتعلمك كان أحد أشعرَ من ذي الرمة؟ " فأدخل"الكاف".
وقال بعض نحويي الكوفة:"أرأيتك عمرًا" أكثر الكلام فيه ترك الهمز. قال: و"الكاف" من"أرأيتك" في موضع نصب، كأن الأصل: أرأيت نفسك على غير هذه الحال؟ قال: فهذا يثني ويجمع ويؤنث، فيقال:"أرأيتما كما" و"أرأيتموكم". و"وَأَرَأَيْتُنَّكُنَّ"، (١) أوقع فعله على نفسه، وسأله عنها، ثم كثر به الكلام حتى تركوا"التاء" موحدة للتذكير والتأنيث والتثنية والجمع، فقالوا:"أرأيتكم زيدًا ما صنع"، و"أرأيتكنّ ما صنع"، فوحدوا التاء وثنوا الكاف وجمعوها، فجعلوها بدلا من"التاء"، (٢) كما قال: هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ [سورة الحاقة: ١٩] ، و"هاء يا رجل"، و"هاؤما"، ثم قالوا:"هاكم"، اكتفى بالكاف والميم مما كان يثنى ويجمع. فكأن"الكاف" في موضع رفع، إذ كانت بدلا من"التاء". وربما وحدت للتثنية والجمع والتذكير والتأنيث، وهي كقول القائل:"عليك زيدًا"،"الكاف" في موضع خفض، والتأويل رفع. فأما ما يُجْلب فأكثر ما يقع على الأسماء، ثم تأتي بالاستفهام فيقال:"أرأيتك زيدًا هل قام"، لأنها صارت بمعنى: أخبرني عن زيد، ثم بيَّن عما يستخبر. فهذا أكثر الكلام. ولم يأت
стр. 6202
الاستفهام يليها. (١) لم يقل:"أرأيتك هل قمت"، لأنهم أرادوا أن يبيِّنوا عمن يسأل، ثم تُبيّن الحالة التي يسأل عنها. وربما جاء بالجزاء ولم يأت بالاسم، (٢) فقالوا:"أرأيت إن أتيت زيدًا هل يأتينا" (٣) = و"أرأيتك" أيضًا = و"أرأيتُ زيدًا إن أتيته هل يأتينا"، إذا كانت بمعنى:"أخبرني"، فيقال باللغات الثلاث.
* * *
قال أبو جعفر: وتأويل الكلام: قل، يا محمد، لهؤلاء العادلين بالله الأوثانَ والأصنامَ: أخبروني، إن جاءكم، أيها القوم، عذاب الله، كالذي جاء من قبلكم من الأمم الذين هلك بعضهم بالرجفة، وبعضهم بالصاعقة = أو جاءتكم الساعة التي تنشرون فيها من قبوركم، وتبعثون لموقف القيامة، أغير الله هناك تدعون لكشف ما نزل بكم من البلاء، أو إلى غيره من آلهتكم تفزعون لينجيكم مما نزل بكم من عظيم البلاء؟ ="إن كنتم صادقين"، يقول: إن كنتم محقّين في دعواكم وزعمكم أنّ آلهتكم التي تدعونها من دون الله تنفع أو تضر.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (٤١) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره، مكذِّبًا لهؤلاء العادلين به الأوثان: ما أنتم، أيها المشركون بالله الآلهةَ والأندادَ، إن أتاكم عذابُ الله أو أتتكم الساعة،
стр. 6203
بمستجيرين بشيء غير الله في حال شدة الهول النازل بكم من آلهة ووثن وصنم، بل تدعون هناك ربّكم الذي خلقكم، وبه تستغيثون، وإليه تفزعون، دون كل شيء غيره ="فيكشف ما تدعون إليه"، يقول: فيفرِّج عنكم عند استغاثتكم به وتضرعكم إليه، عظيم البلاء النازل بكم إن شاء أن يفرج ذلك عنكم، لأنه القادر على كل شيء، ومالك كل شيء، دون ما تدعونه إلهًا من الأوثان والأصنام ="وتنسون ما تشركون"، يقول: وتنسون حين يأتيكم عذاب الله أو تأتيكم الساعة بأهوالها، ما تشركونه مع الله في عبادتكم إياه، فتجعلونه له ندًّا من وثن وَصنم، وغير ذلك مما تعبدونه من دونه وتدعونه إلهًا.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (٤٢) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: = متوعدًا لهؤلاء العادلين به الأصنامَ = ومحذِّرَهم أن يسلك بهم إن هم تمادَوا في ضلالهم سبيلَ من سلك سبيلهم من الأمم قبلهم، في تعجيل الله عقوبته لهم في الدنيا = ومخبرًا نبيَّه عن سنته في الذين خلوا قبلهم من الأمم على منهاجهم في تكذيب الرسل =:"لقد أرسلنا"، يا محمد،"إلى أمم"، يعني: إلى جماعات وقرون (١) ="من قبلك فأخذناهم بالبأساء"، يقول: فأمرناهم ونهيناهم، فكذبوا رسلنا، وخالفوا أمرنا ونهينا، فامتحناهم بالابتلاء ="بالبأساء"، وهي شدة الفقر والضيق في المعيشة (٢) ="والضراء"، وهي
стр. 6204
الأسقام والعلل العارضة في الأجسام. (١)
* * *
وقد بينا ذلك بشواهده ووجوه إعرابه في"سورة البقرة"، بما أغني عن إعادته في هذا الموضع. (٢)
* * *
وقوله:"لعلهم يتضرعون" يقول: فعلنا ذلك بهم ليتضرعوا إليّ، ويخلصوا لي العبادة، ويُفْردوا رغبتهم إليَّ دون غيري، بالتذلل منهم لي بالطاعة، والاستكانة منهم إليّ بالإنابة.
* * *
وفي الكلام محذوفٌ قد استغني بما دلّ عليه الظاهرمن إظهاره دون قوله: (٣) "ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم"، وإنما كان سبب أخذه إياهم، تكذيبهم الرسل وخلافهم أمرَه = لا إرسال الرسل إليهم. وإذ كان ذلك كذلك، فمعلوم أن معنى الكلام:"ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك" رسلا فكذبوهم،"فأخذناهم بالبأساء".
* * *
و"التضرع": هو"التفعل" من"الضراعة"، وهي الذلة والاستكانة.
* * *
стр. 6205
القول في تأويل قوله: ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣) ﴾
قال أبو جعفر: وهذا أيضًا من الكلام الذي فيه متروك استغني بدلالة الظاهر عن ذكر ما تُرك. وذلك أنه تعالى ذكره أخبرَ عن الأمم التي كذّبت رسلها أنه أخذهم بالبأساء والضراء ليتضرعوا له، (١) ثم قال:"فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا"، ولم يخبر عما كان منهم من الفعل عند أخذه إياهم بالبأساء والضراء. ومعنى الكلام:"ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون"، فلم يتضرعوا،"فلولا إذا جاءهم بأسنا تضرعوا".
ومعنى:"فلولا"، في هذا الموضع، فهلا. (٢) والعرب إذ أوْلَتْ"لولا" اسمًا مرفوعًا، جعلت ما بعدها خبرًا، وتلقتها بالأمر، (٣) فقالت:"فلولا أخوك لزرتك" و"لولا أبوك لضربتك"، وإذا أوْلتها فعلا أو لم تُولها اسمًا، جعلوها استفهامًا فقالوا:"لولا جئتنا فنكرمك"، و"لولا زرت أخاك فنزورك"، بمعنى:"هلا"، كما قال تعالى ذكره: لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ [سورة المنافقون: ١٠] . وكذلك تفعل ب"لوما" مثل فعلها ب"لولا". (٤)
* * *
فتأويل الكلام إذًا: فهلا إذ جاء بأسنا هؤلاء الأمم المكذبة رسلَها، الذين لم يتضرعوا عند أخذِناهم بالبأساء والضراء ="تضرعوا"، فاستكانوا لربهم، وخضعوا لطاعته، فيصرف ربهم عنهم بأسه، وهو عذابه.
* * *
стр. 6206
وقد بينا معنى"البأس" في غير هذا الموضع، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (١)
* * *
="ولكن قست قلوبهم"، يقول: ولكن أقاموا على تكذيبهم رسلهم، وأصرُّوا على ذلك، واستكبروا عن أمر ربهم، استهانةً بعقاب الله، واستخفافًا بعذابه، وقساوةَ قلب منهم. (٢) "وزين لهم الشيطانُ ما كانوا يعملون"، يقول: وحسن لهم الشيطان ما كانوا يعملون من الأعمال التي يكرهها الله ويسخطها منهم.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) ﴾
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"فلما نسوا ما ذكروا به"، فلما تركوا العمل بما أمرناهم به على ألسن رسلنا، (٣) كالذي:-
١٣٢٢٦ - حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:"فلما نسوا ما ذكروا به"، يعني: تركوا ما ذكروا به.
١٣٢٢٧ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن
стр. 6207
ابن جريج قوله:"نسوا ما ذكروا به"، قال: ما دعاهم الله إليه ورسله، أبوْه وردُّوه عليهم.
* * *
="فتحنا عليهم أبوابَ كل شيء"، يقول: بدلنا مكان البأساء الرخاء والسعة في العيش، ومكان الضراء الصحة والسلامة في الأبدان والأجسام، استدراجًا منَّا لهم، كالذي:-
١٣٢٢٨ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثني عيسى = وحدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل =، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره:" فتحنا عليهم أبواب كل شيء"، قال: رخاء الدنيا ويُسْرها، على القرون الأولى.
١٣٢٢٩ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:" فتحنا عليهم أبواب كل شيء"، قال: يعني الرخاء وسعة الرزق.
١٣٢٣٠ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط. عن السدي قوله:"فتحنا عليهم أبواب كل شيء"، يقول: من الرزق.
* * *
فإن قال لنا قائل: وكيف قيل:" فتحنا عليهم أبوابَ كل شيء"، وقد علمت أن بابَ الرحمة وباب التوبة [لم يفتحا لهم] ، لم تفتح لهم أبواب أخر غيرهما كثيرة؟ (١)
قيل: إن معنى ذلك على غير الوجه الذي ظننتَ من معناه، وإنما معنى ذلك: فتحنا عليهم، استدراجًا منا لهم، أبوابَ كل ما كنا سددنا عليهم بابه، عند أخذنا إياهم بالبأساء والضراء ليتضرعوا، إذ لم يتضرعوا وتركوا أمر الله تعالى
стр. 6208
ذكره، لأنّ آخر هذا الكلام مردودٌ على أوله. وذلك كما قال تعالى ذكره في موضع آخر من كتابه: وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ، [سورة الأعراف: ٩٤-٩٥] ، ففتح الله على القوم الذين ذكر في هذه الآية [أنهم نسوا ما] ذكرهم، (١) بقوله:"فلما نسوا ما ذكّروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء"، هو تبديله لهم مكانَ السيئة التي كانوا فيها في حال امتحانه إياهم، من ضيق العيش إلى الرخاء والسعة، ومن الضر في الأجسام إلى الصحة والعافية، وهو"فتح أبواب كل شيء" كان أغلق بابه عليهم، مما جرى ذكره قبل قوله:"فتحنا عليهم أبواب كل شيء"، فردّ قوله:"فتحنا عليهم أبواب كل شيء"، عليه.
* * *
ويعني تعالى بقوله:"حتى إذا فرحوا بما أتوا"، يقول: حتى إذا فرح هؤلاء المكذّبون رسلهم بفتحنا عليهم أبوابَ السَّعة في المعيشة، والصحة في الأجسام، كالذي:-
١٣٢٣١ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"حتى إذا فرحوا بما أوتوا"، من الرزق.
١٣٢٣٢ - حدثنا الحارث قال، حدثنا القاسم بن سلام قال، سمعت عبد الرحمن بن مهدي يحدّث، عن حماد بن زيد قال: كان رجل يقول: رَحم الله رجلا تلا هذه الآية، ثم فكر فيها ماذا أريد بها:"حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة".
١٣٢٣٣ - حدثني الحارث قال، حدثنا القاسم قال، حدثنا ابن أبي رجاء رجل من أهل الشعر، عن عبد الله بن المبارك، عن محمد بن النضر الحارثي في
стр. 6209
قوله:"أخذناهم بغتة"، قال: أُمهلوا عشرين سنة. (١)
* * *
ويعني تعالى ذكره بقوله:"أخذناهم بغتة"، أتيناهم بالعذاب فجأة، وهم غارُّون لا يشعرون أن ذلك كائن، ولا هو بهم حالٌّ، (٢) كما:-
١٣٢٣٤ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج:"حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة"، قال: أعجبَ ما كانت إليهم، وأغَرَّها لهم. (٣)
١٣٢٣٥ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي"أخذناهم بغتة"، يقول: أخذهم العذابُ بغتةً.
١٣٢٣٦ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"أخذناهم بغتة"، قال: فجأة آمنين.
* * *
وأما قوله:"فإذا هم مبلسون"، فإنهم هالكون، منقطعة حججهم، نادمون على ما سلف منهم من تكذيبهم رسلَهم، كالذي:-
١٣٢٣٧- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال:
стр. 6210
حدثنا أسباط، عن السدي:"فإذا هم مبلسون"، قال: فإذا هم مهلكون، متغيِّر حالهم.
١٣٢٣٨ - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا شيخ، عن مجاهد:"فإذا هم مبلسون"، قال: الاكتئاب. (١)
١٣٢٣٩ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد، في قوله:"فإذا هم مبلسون"، قال:"المبلس" الذي قد نزل به الشرّ الذي لا يدفعه. والمبلس أشد من المستكين، وقرأ: فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ، [سورة المؤمنون: ٧٦] . وكان أول مرة فيه معاتبة وبقيّة. (٢) وقرأ قول الله:" أخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون" ="فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا"، حتى بلغ"وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون"، ثم جاء أمرٌ ليس فيه بقية. (٣) وقرأ:"حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون"، فجاء أمر ليس فيه بقية. وكان الأوّل، لو أنهم تضرعوا كُشف عنهم.
١٣٢٤٠ - حدثني سعيد بن عمرو السكوني قال، حدثنا بقية بن الوليد، عن أبي شريح ضبارة بن مالك، عن أبي الصلت، عن حرملة أبي عبد الرحمن، عن عقبة بن مسلم، عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : إذا رأيت الله يعطي عبدَه في دنياه، إنما هو استدراج. ثم تلا هذه الآية:"فلما نسوا ما ذكِّروا به" إلى قوله:" والحمد لله رب العالمين". (٤)
١٣٢٤١- وحدثت بهذا الحديث عن محمد بن حرب، عن ابن لهيعة، عن عقبة
стр. 6211
بن مسلم، عن عقبة بن عامر: أن النبي ﷺ قال: وإذا رأيت الله تعالى ذكره يعطي العبادَ ما يسألون على معاصيهم إياه، فإنما ذلك استدراج منه لهم! ثم تلا"فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء" الآية.
* * *
وأصل"الإبلاس" في كلام العرب، عند بعضهم: الحزن على الشيء والندم عليه = وعند بعضهم: انقطاع الحجة، والسكوت عند انقطاع الحجة = وعند
стр. 6212
بعضهم: الخشوع = وقالوا: هو المخذول المتروك، ومنه قول العجاج:
يَا صَاحِ هَلْ تَعْرِفُ رَسْمًا مُكْرَسَا ? ... قَالَ: نَعَمْ! أَعْرِفُه! وَأَبْلَسَا (١)
فتأويل قوله:"وأبلسا"، عند الذين زعموا أن"الإبلاس"، انقطاع الحجة والسكوت عنده، بمعنى: أنه لم يُحِرْ جوابًا. (٢)
وتأوَّله الآخرون بمعنى الخشوع، وترك أهله إياه مقيمًا بمكانه.
والآخرون بمعنى الحزن والندم.
يقال منه:"أبلس الرجل إبلاسًا"، ومنه قيل: لإبليس"إبليس". (٣)
* * *
стр. 6213
القول في تأويل قوله: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥) ﴾
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"فقطع دابر القوم الذين ظلموا"، فاستؤصل القوم الذين عَتَوا على ربهم، وكذّبوا رسله، وخالفوا أمره، عن آخرهم، فلم يترك منهم أحد إلا أهلك بغتةً إذ جاءهم عذاب الله.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
١٣٢٤٢ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال،
стр. 6214
حدثنا أسباط، عن السدي:"فقطع دابر القوم الذين ظلموا"، يقول: قُطع أصل الذين ظلموا.
١٣٢٤٣ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"فقطع دابر القوم الذين ظلموا"، قال: استؤصلوا.
* * *
و"دابر القوم"، الذي يدبرُهم، وهو الذي يكون في أدبارهم وآخرهم. يقال في الكلام:"قد دَبَر القومَ فلانٌ يدبُرُهم دَبْرًا ودبورًا"، إذا كان آخرهم، ومنه قول أمية:
فَاُهْلِكُوا بِعَذَابٍ حَصَّ دَابِرَهُمْ ... فَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ صَرْفًا وَلا انْتَصَرُوا (١)
* * *
="والحمد لله رب العالمين"، يقول: والثناء الكامل والشكر التام ="لله رب العالمين"، على إنعامه على رسله وأهل طاعته، (٢) بإظهار حججهم على من خالفهم من أهل الكفر، وتحقيق عِدَاتِهم ما وَعدوهم على كفرهم بالله وتكذيبهم رسله (٣) = من نقم الله وعاجل عذابه. (٤)
* * *
стр. 6215
القول في تأويل قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (٤٦) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : قل، يا محمد، لهؤلاء العادلين بي الأوثانَ والأصنامَ، المكذبين بك: أرأيتم، أيها المشركون بالله غيرَه، إن أصمَّكم الله فذهب بأسماعكم، وأعماكم فذهب بأبصاركم، وختم على قلوبكم فطبع عليها، حتى لا تفقهوا قولا ولا تبصروا حجة، ولا تفهموا مفهومًا، (١) أيّ إله غير الله الذي له عبادة كل عابد ="يأتيكم به"، يقول: يرد عليكم ما ذهب الله به منكم من الأسماع والأبصار والأفهام، فتعبدوه أو تشركوه في عبادة ربكم الذي يقدر على ذهابه بذلك منكم، وعلى ردّه عليكم إذا شاء؟
وهذا من الله تعالى ذكره، تعليم نبيَّه الحجة على المشركين به، يقول له: قل لهم: إن الذين تعبدونهم من دون الله لا يملكون لكم ضرًّا ولا نفعًا، وإنما يستحق العبادةَ عليكم من كان بيده الضر والنفع، والقبض والبسط، القادرُ على كل ما أراد، لا العاجز الذي لا يقدر على شيء.
ثم قال تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ :"انظر كيف نصرف الآيات"، يقول: انظر كيف نتابع عليهم الحجج، ونضرب لهم الأمثال والعبر، ليعتبروا ويذكروا فينيبوا، (٢) ="ثم هم يصدفون"، يقول: ثم هم مع متابعتنا عليهم الحجج، وتنبيهنا إياهم بالعبر، عن الادّكار والاعتبار يُعْرضون.
* * *
стр. 6216
يقال منه:" صدف فلانٌ عني بوجهه، فهو يصدِفُ صُدوفًا وصَدفًا"، أي: عدل وأعرض، ومنه قول ابن الرقاع:
إِذَا ذَكَرْنَ حَدِيثًا قُلْنَ أَحْسَنَهُ، ... وَهُنَّ عَنْ كُلِّ سُوءٍ يُتَّقَى صُدُفُ (١)
وقال لبيد:
يُرْوِي قَوامِحَ قَبْلَ اللَّيْلِ صَادِفَةً ... أَشْبَاهَ جِنّ، عَلَيْهَا الرَّيْطُ وَالأزُرُ (٢)
فإن قال قائل: وكيف قيل:"من إله غير الله يأتيكم به "، فوحّد "الهاء"،
стр. 6217
وقد مضى الذكر قبلُ بالجمع فقال:"أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأنصاركم وختم على قلوبكم"؟
قيل: جائز أن تكون"الهاء" عائدة على"السمع"، فتكون موحّدة لتوحيد"السمع" = وجائز أن تكون معنيًّا بها: من إله غير الله يأتيكم بما أخذ منكم من السمع والأبصار والأفئدة، فتكون موحده لتوحيد"ما". والعرب تفعل ذلك، إذا كنتْ عن الأفعال وحّدت الكناية، وإن كثر ما يكنى بها عنه من الأفاعيل، كقولهم:"إقبالك وإدبارك يعجبني". (١)
* * *
وقد قيل: إن"الهاء" التي في"به" كناية عن"الهدى". (٢)
* * *
وبنحو ما قلنا في تأويل قوله:"يصدفون"، قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
١٣٢٤٤- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"يصدفون"، قال: يعرضون.
١٣٢٤٥- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٣٢٤٦ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:"يصدفون"، قال: يعدلون.
١٣٢٤٧ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"نصرف الآيات ثم هم يصدفون"، قال: يعرضون عنها.
стр. 6218
١٣٢٤٨ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"ثم هم يصدفون"، قال: يصدُّون.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (٤٧) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : قل، يا محمد، لهؤلاء العادلين بربهم الأوثانَ، المكذبين بأنك لي رسول إليهم: أخبروني (١) ="إن أتاكم عذاب الله"، وعقابه على ما تشركون به من الأوثان والأنداد، وتكذيبكم إيايَ بعد الذي قد عاينتم من البرهان على حقيقة قولي ="بغتة"، يقول: فجأة على غرة لا تشعرون (٢) =" أو جهرة"، يقول: أو أتاكم عذاب الله وأنتم تعاينونه وتنظرون إليه ="هل يهلك إلا القوم الظالمون"، يقول: هل يهلك الله منا ومنكم إلا من كان يعبد غير من يستحق علينا العبادة، وترك عبادة من يستحق علينا العبادة؟
وقد بينا معنى"الجهرة" في غير هذا الموضع بما أغنى عن إعادته، وأنها من"الإجهار"، وهو إظهار الشيء للعين، (٣) كما:-
١٣٢٤٩ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"جهرة"، قال: وهم ينظرون.
١٣٢٥٠- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن
стр. 6219
ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة"، فجأة آمنين ="أو جهرة"، وهم ينظرون.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٤٨) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وما نرسل رسلنا إلا ببشارة أهل الطاعة لنا بالجنة والفوز المبين يوم القيامة، جزاءً منَّا لهم على طاعتنا (١) = وبإنذار من عصَانا وخالف أمرنا، عقوبتنا إياه على معصيتنا يوم القيامة، جزاءً منا على معصيتنا، لنعذر إليه فيهلك إن هلك عن بينة (٢) ="فمن آمن وأصلح"، يقول: فمن صدَّق من أرسلنا إليه من رسلنا إنذارهم إياه، وقبل منهم ما جاؤوه به من عند الله، وعمل صالحًا في الدنيا ="فلا خوف عليهم"، عند قدومهم على ربهم، من عقابه وعذابه الذي أعدَّه الله لأعدائه وأهل معاصيه ="ولا هم يحزنون"، عند ذلك على ما خلَّفوا وراءَهم في الدنيا. (٣)
* * *
стр. 6220
القول في تأويل قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٤٩) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وأما الذين كذَّبوا بمن أرسلنا إليه من رسلنا، وخالفوا أمرنا ونهينا، ودافعوا حجتنا، فإنهم يباشرهم عذابُنا وعقابنا، على تكذيبهم ما كذبوا به من حججنا (١) ="بما كانوا يفسقون"، يقول: بما كانوا يكذّبون.
* * *
وكان ابن زيد يقول: كل"فسق" في القرآن، فمعناه الكذب. (٢)
١٣٢٥١ - حدثني بذلك يونس قال، أخبرنا ابن وهب، عنه. (٣)
* * *
стр. 6221
القول في تأويل قوله: ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ (٥٠) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قل لهؤلاء المنكرين نبوّتك: لستُ أقول لكم إنّي الرب الذي له خزائنُ السماوات والأرض، وأعلم غيوب الأشياء الخفية التي لا يعلمها إلا الرب الذي لا يخفى عليه شيء، (١) فتكذبوني فيما أقول من ذلك، لأنه لا ينبغي أن يكون ربًّا إلا من له ملك كل شيء، وبيده كل شيء، ومن لا يخفى عليه خافية، وذلك هو الله الذي لا إله غيره ="ولا أقول لكم إني ملك"، لأنه لا ينبغي لملك أن يكون ظاهرًا بصورته لأبصار البشر في الدنيا، فتجحدوا ما أقول لكم من ذلك (٢) ="إن أتبع إلا ما يوحى إليّ"، يقول: قل لهم: ما أتبع فيما أقول لكم وأدعوكم إليه، إلا وحي الله الذي يوحيه إليّ، وتنزيله الذي ينزله عليّ، (٣) فأمضي لوحيه وأئتمر لأمره، (٤) وقد أتيتكم بالحجج القاطعة من الله عذركم على صحة قولي في ذلك، وليس الذي أقول من ذلك بمنكر في عقولكم ولا مستحيل كونه، بل ذلك مع وجود البرهان على حقيقته هو الحكمة البالغة، فما وجه إنكاركم ذلك؟
وذلك تنبيه من الله تعالى نبيَّه ﷺ على موضع حُجته على منكري نبوّته من مشركي قومه.
="قل هل يستوي الأعمى والبصير"، يقول تعالى ذكره: قل، يا محمد،
стр. 6222
لهم: هل يستوي الأعمى عن الحق، والبصير به ="والأعمى"، هو الكافر الذي قد عَمى عن حجج الله فلا يتبيَّنها فيتبعها ="والبصير"، المؤمن الذي قد أبصرَ آيات الله وحججه، فاقتدى بها واستضاء بضيائها (١) ="أفلا تتفكرون"، يقول لهؤلاء الذين كذبوا بآيات الله: أفلا تتفكرون فيما أحتجّ عليكم به، أيها القوم، من هذه الحجج، فتعلموا صحة ما أقول وأدعوكم إليه، من فساد ما أنتم عليه مقيمون من إشراك الأوثان والأنداد بالله ربّكم، وتكذيبكم إياي مع ظهور حجج صدقي لأعينكم، فتدعوا ما أنتم عليه من الكفر مقيمون، إلى ما أدعوكم إليه من الإيمان الذي به تفوزون؟ (٢)
* * *
وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال جماعة من أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
١٣٢٥٢ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره:"قل هل يستوي الأعمى والبصير"، قال: الضال والمهتدي.
١٣٢٥٣-حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٣٢٥٤ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة في قوله:"قل هل يستوي الأعمى والبصير"، الآية، قال:"الأعمى"، الكافر الذي قد عمي عن حق الله وأمره ونعمه عليه = و"البصير"، العبد المؤمن الذي أبصر بصرًا نافعًا، فوحّد الله وحده، وعمل بطاعة ربه، وانتفع بما آتاه الله.
* * *
стр. 6223
القول في تأويل قوله: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٥١) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : وأنذر، يا محمد، بالقرآن الذي أنزلناه إليك، القومَ الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم، علمًا منهم بأن ذلك كائن، فهم مصدقون بوعد الله ووعيده، عاملون بما يرضي الله، دائبون في السعي، (١) فيما ينقذهم في معادهم من عذاب الله (٢)
="ليس لهم من دونه وليّ"، أي ليس لهم من عذاب الله إن عذبهم =،"وليّ"، ينصرهم فيستنقذهم منه، (٣) ="ولا شفيع"، يشفع لهم عند الله تعالى ذكره فيخلصهم من عقابه (٤) =" لعلهم يتقون"، يقول: أنذرهم كي يتقوا الله في أنفسهم، فيطيعوا ربهم، ويعملوا لمعادهم، ويحذروا سَخطه باجتناب معاصيه.
* * *
وقيل:"وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا"، ومعناه: يعلمون أنهم يحشرون، فوضعت"المخافة" موضع"العلم"، (٥) لأنّ خوفهم كان من أجل علمهم بوقوع ذلك ووجوده من غير شك منهم في ذلك. (٦)
* * *
стр. 6224
وهذا أمرٌ من الله تعالى ذكره نبيَّه محمدًا ﷺ بتعليم أصحابه ما أنزل الله إليه من وحيه، وتذكيرهم، والإقبال عليهم بالإنذار = وصدَّ عنه المشركون به، (١) بعد الإعذار إليهم، وبعد إقامة الحجة عليهم، حتى يكون الله هو الحاكم في أمرهم بما يشاء من الحكم فيهم.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢) ﴾
قال أبو جعفر: ذكر أن هذه الآية نزلت على رسول الله ﷺ ، في سبب جماعة من ضعفاء المسلمين، قال المشركون له: لو طردت هؤلاء عنك لغشيناك وحضرنا مجلسك!
* ذكر الرواية بذلك:
١٣٢٥٥ - حدثنا هناد بن السري قال، حدثنا أبو زبيد، عن أشعث، عن كردوس الثعلبي، عن ابن مسعود قال: مرّ الملأ من قريش بالنبيّ ﷺ ، وعنده صهيب وعمار وبلال وخبّاب، ونحوهم من ضعفاء المسلمين، فقالوا: يا محمد، أرضيت بهؤلاء من قومك؟ هؤلاء الذين منّ الله عليهم من بيننا؟ أنحن نكون تبعًا لهؤلاء؟ اطردهم عنك! فلعلك إن طردتهم أن نتّبعك! فنزلت
стр. 6225
هذه الآية:"ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيّ يريدون وجهه" ="وكذلك فتنا بعضهم ببعض"، إلى آخر الآية. (١)
١٣٢٥٦-.........حدثنا جرير، عن أشعث، عن كردوس الثعلبي، عن عبد الله قال: مرّ الملأ من قريش على رسول الله ﷺ ، ثم ذكر نحوه. (٢)
١٣٢٥٧ - حدثني أبو السائب قال، حدثنا حفص بن غياث، عن أشعث، عن كردوس، عن ابن عباس قال: مرّ على رسول الله ﷺ ملأ من قريش، ثم ذكر نحوه. (٣)
стр. 6226
١٣٢٥٨ - حدثني الحسين بن عمرو بن محمد العنقزي قال، حدثنا أبي قال، حدثنا أسباط، عن السدي، عن أبي سعد الأزدي = وكان قارئ الأزد =، عن أبي الكنود، عن خبّاب، في قول الله تعالى ذكره:"ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيّ يريدون وجهه" إلى قوله:"فتكون من الظالمين"، قال: جاء الأقرع بن حابس التميمي، وعيينة بن حصن الفزاريّ، فوجدوا النبيّ ﷺ قاعدًا مع بلال وصهيب وعمار وخباب، في أناس من الضعفاء من المؤمنين. (١) فلما رأوهم حوله حَقَروهم، فأتوه فقالوا: إنا نحب أن تجعل لنا منك مجلسًا تعرف لنا العرب به فضلَنا، فإنّ وفود العرب تأتيك فنستحيي أن ترانا العرب مع هؤلاء الأعبُد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت! قال: نعم! قالوا: فاكتب لنا عليك بذلك كتابًا. قال: فدعا بالصحيفة، ودعا عليًّا ليكتب. قال: ونحن قعود في ناحية، إذ نزل جبريل بهذه الآية:"ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيّ يردون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين"، ثم قال:"وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين"، ثم قال:"وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة"، فألقى رسول الله ﷺ الصحيفةَ من يده، ثم دعانا فأتيناه وهو يقول:"سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة"! فكنا نقعد معه، فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا، فأنزل الله تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، [سورة الكهف: ٢٨] . قال: فكان رسول الله ﷺ يقعد معنا بعد،
стр. 6227
فإذا بلغ الساعة التي يقوم فيها، قمنا وتركناه حتى يقوم. (١)
١٣٢٥٩- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي، عن أبي سعيد الأزدي، عن أبي الكنود، عن خباب بن الأرت = بنحو حديث الحسين بن عمرو، إلا أنه قال في حديثه: فلما رأوهم حوله نفّروهم، فأتوه فخلَوا به. وقال أيضًا:"فتكون من الظالمين"، ثم ذكر الأقرع وصاحبه فقال:"وكذلك فتنا بعضهم ببعض" الآية. وقال أيضًا: فدعانا فأتيناه وهو يقول:"سلام عليكم"، فدنونا منه يومئذ حتى وَضعنا ركبنا على ركبتيه = وسائر الحديث نحوه. (٢)
стр. 6228
١٣٢٦٠- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة = وحدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة والكلبي: أنّ ناسًا من كفار قريش قالوا للنبي ﷺ : إن سرَّك أن نتبعك، فاطرد عنا فلانًا وفلانًا، ناسًا من ضعفاء المسلمين! فقال الله تعالى ذكره:"ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيّ يريدون وجهه".
١٣٢٦١ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيّ" إلى قوله:"وكذلك فتنا بعضهم ببعض" الآية، قال: وقد قال قائلون من الناس لرسول الله ﷺ : يا محمد، إن سرك أن نتبعك فاطرد عنا فلانًا وفلانًا = لأناس كانوا دونهم في الدنيا، ازدراهم المشركون، فأنزل الله تعالى ذكره هذه الآية إلى آخرها.
١٣٢٦٢ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي"، بلال وابن أم عبد، كانا يجالسان محمدًا ﷺ ، فقالت قريش محقِّرتهما: لولاهما وأمثالهما لجالسناه! فنُهي عن طردهم، حتى قوله:"أليس الله بأعلم بالشاكرين"، قال:"قل سلام عليكم"، فيما بين ذلك، في هذا.
١٣٢٦٣ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا سفيان، عن المقدام بن شريح، عن أبيه قال، قال سعد: نزلت هذه الآية في ستة من أصحاب النبي ﷺ ، منهم ابن مسعود، قال: كنا نسبق إلى النبي ﷺ وندنو منه ونسمع منه، فقالت قريش: يدني هؤلاء دوننا! فنزلت:"ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي". (١)
стр. 6229
١٣٢٦٤ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة في قوله:"وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم" الآية، قال: جاء عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، ومطعم بن عديّ، والحارث بن نوفل، وقرظة بن عبد عمرو بن نوفل، في أشراف من بني عبد مناف من الكفار، إلى أبي طالب فقالوا: يا أبا طالب، لو أن ابن أخيك يطرد عنه موالينا وحلفاءَنا، فإنما هم عبيدنا وعُسَفاؤنا، (١) كان أعظم في صدورنا، وأطوع له عندنا، وأدنى لاتّباعنا إياه، وتصديقنا له! قال: فأتى أبو طالب النبي ﷺ فحدثه بالذي كلموه به، فقال عمر بن الخطاب: لو فعلتَ ذلك، حتى تنظر ما الذي يريدون، وإلام يصيرون من قولهم؟ فأنزل الله تعالى ذكره هذه الآية:"وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون ولا تطرد الذين يدعون ربّهم بالغداة والعشيّ يريدون وجهه" إلى قوله:"أليس الله بأعلم بالشاكرين"، قال: وكانوا: بلال، وعمارُ بن ياسر، وسالم مولى أبي حذيفة، وصبيح مولى أسيد (٢) = ومن الحلفاء: ابن
стр. 6230
مسعود، والمقداد بن عمرو، ومسعود بن القاريّ، وواقد بن عبد الله الحنظلي، وعمرو بن عبد عمرو ذو الشمالين، ومرثد بن أبي مرثد = وأبو مرثد، من غنيّ، حليفُ حمزة بن عبد المطلب = وأشباههم من الحلفاء. ونزلت في أئمة الكفر من قريش والموالي والحلفاء:"وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا" الآية. فلما نزلت، أقبل عمر بن الخطاب فاعتذر من مَقالته، فأنزل الله تعالى ذكره:"وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم"، الآية. (١)
١٣٢٦٥ - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد، قال رجل للنبي ﷺ : إني أستحيي من الله أن يرَاني مع سلمان وبلال وذَوِيهم، (٢) فاطردهم عنك، وجالس فلانًا وفلانًا! قال فنزل القرآن:" ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيّ يريدون وجهه" فقرأ، حتى بلغ:"فتكون من الظالمين"، ما بينك وبين أن تكون من الظالمين إلا أن تطردهم. ثم قال:"وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين". ثم قال: وهؤلاء الذين أمروك أن تطردهم، فأبلغهم منّي السلام، وبشرهم وأخبرهم أني قد غفرت لهم! وقرأ:"وإذا جاءك الذين يؤمنون
стр. 6231
بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة"، فقرأ حتى بلغ:"وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين"، قال: لتعرفها.
* * *
واختلف أهل التأويل في الدعاء الذي كان هؤلاء الرَّهط، الذين نهى الله نبيَّه ﷺ عن طردهم، يدعون ربّهم به.
فقال بعضهم: هي الصلوات الخمس. (١)
* ذكر من قال ذلك:
١٣٢٦٦ - حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:"ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيّ"، يعني: يعبدون ربّهم ="بالغداة والعشيّ"، يعني: الصلوات المكتوبة.
١٣٢٦٧- حدثنا المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا حماد، عن أبي حمزة، عن إبراهيم في قوله:"يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه"، قال: هي الصلوات الخمس الفرائض. ولو كان ما يقول القُصَّاص، (٢) هلك من لم يجلس إليهم.
١٣٢٦٨ - حدثنا هناد بن السري وابن وكيع قالا حدثنا ابن فضيل،
стр. 6232
عن الأعمش، عن إبراهيم:"ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه"، قال: هي الصلاة.
١٣٢٦٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي"، الصلاة المفروضة، الصبح والعصر.
١٣٢٧٠ - حدثني محمد بن موسى بن عبد الرحمن الكندي قال، حدثنا حسين الجعفي قال، أخبرني حمزة بن المغيرة، عن حمزة بن عيسى قال: دخلت على الحسن فسألته فقلت: يا أبا سعيد، أرأيت قول الله: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ [سورة الكهف: ٢٨] ، أهم هؤلاء القُصّاص؟ قال: لا ولكنهم المحافظون على الصلوات في الجماعة. (١)
١٣٢٧١ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، وحدثني الحارث قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا ورقاء = جميعًا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله:"الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي"، قال: الصلاة المكتوبة.
١٣٢٧٢ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:"يدعون ربهم بالغداة والعشي"، قال: يعبدون ربّهم ="بالغداة والعشي"، يعني الصلاة المفروضة.
١٣٢٧٣ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن
стр. 6233
قتادة قوله: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ [سورة الكهف: ٢٨] ، هما الصلاتان: صلاة الصبح وصلاة العصر.
١٣٢٧٤ - حدثني ابن البرقي قال، حدثنا ابن أبي مريم قال، حدثنا يحيى بن أيوب قال، حدثنا محمد بن عجلان، عن نافع، عن عبد الله بن عمر في هذه الآية: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ الآية، أنهم الذين يشهدون الصلوات المكتوبة. (١)
١٣٢٧٥ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد وإبراهيم: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ، قالا الصلوات الخمس.
١٣٢٧٦-حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يحيى، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد، مثله.
١٣٢٧٧- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد:"ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي"، قال: المصلين المؤمنين، بلال وابن أم عبد = قال ابن جريج، وأخبرني عبد الله بن كثير، عن مجاهد قال: صليت الصبح مع سعيد بن المسيب، فلما سلّم الإمام ابتدر الناس القاصَّ، فقال سعيد: ما أسرعَ بهم إلى هذا المجلس! (٢) قال مجاهد: فقلت يتأولون ما قال الله تعالى ذكره. قال: وما قال؟ قلت:"ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي"، قال: وفي هذا ذَا؟ إنما ذاك في الصلاة التي انصرفنا عنها الآن، إنما ذاك في الصلاة.
стр. 6234
١٣٢٧٨ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا وكيع، عن أبيه، عن منصور، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة قال: الصلاة المكتوبة. (١)
١٣٢٧٩ - حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن جابر، عن عامر قال: هي الصلاة.
١٣٢٨٠- حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا وكيع، عن أبيه، عن إسرائيل، عن عامر قال: هي الصلاة.
١٣٢٨١- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه"، يقول: صلاة الصبح وصلاة العصر.
١٣٢٨٢ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد قال: صلى عبد الرحمن بن أبي عمرة في مسجد الرسول، فلما صلى قامَ فاستند إلى حجرة النبي ﷺ ، فانثال الناس عليه، فقال: يا أيها الناس، إليكم! فقيل: يرحمك الله، إنما جاؤوا يريدون هذه الآية: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ [سورة الكهف: ٢٨] . فقال: وهذا عُنِي بهذا! إنما هو في الصلاة. (٢)
стр. 6235
وقال آخرون: هي الصلاة، ولكن القوم لم يسألوا رسولَ الله ﷺ طردَ هؤلاء الضعفاء عن مجلسه، ولا تأخيرهم عن مجلسه، وإنما سألوه تأخيرهم عن الصفّ الأول، حتى يكونوا وراءهم في الصفّ.
* ذكر من قال ذلك:
١٣٢٨٣ - حدثني محمد بن سعد، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"وكذلك فتنا بعضهم ببعض" الآية، فهم أناس كانوا مع النبيّ ﷺ من الفقراء، فقال أناس من أشراف الناس: نؤمن لك، وإذا صلينا فأخِّر هؤلاء الذين معك فليصلُّوا خلفنا!
* * *
وقال آخرون: بل معنى"دعائهم" كان، ذكرُهم الله تعالى ذكره.
* ذكر من قال ذلك:
١٣٢٨٤ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي = وحدثنا هناد قال، حدثنا وكيع = عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم قوله:"ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي"، قال: أهل الذكر.
١٣٢٨٥ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن منصور:"ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغذاة والعشي"، قال: هم أهل الذكر.
١٣٢٨٦- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم:"ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي"، قال: لا تطردهم عن الذكر.
* * *
وقال آخرون: بل كان ذلك، تعلمهم القرآن وقراءته.
* ذكر من قال ذلك: