وبنحو ما قلنا في ذلك قال عامة أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
١٣٥٩٥ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك:"فالق الإصباح"، قال: إضاءة الصبح.
١٣٥٩٦ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي، نجيح، عن مجاهد:"فالق الإصباح"، قال: إضاءة الفجر.
١٣٥٩٧- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٣٥٩٨ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"فالق الإصباح"، قال: فالق الصُّبح.
١٣٥٩٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله:"فالق الإصباح"، يعني بالإصباح، ضوءَ الشمس بالنهار، وضوءَ القمر بالليل.
١٣٦٠٠ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام قال، حدثنا عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد:"فالق الإصباح"، قال: فالق الصبح.
١٣٦٠١- حدثنا به ابن حميد مرة بهذا الإسناد، عن مجاهد فقال في قوله:"فالق الإصباح"، قال إضاءة الصبح.
١٣٦٠٢ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد، في قوله:"فالق الإصباح"، قال: فلق الإصباح عن الليل.
١٣٦٠٣ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:"فالق الإصباح"، يقول: خالق النور، نور النهار.
* * *
стр. 6407
وقال آخرون: معنى ذلك: خالق الليل والنهار.
* ذكر من قال ذلك:
١٣٦٠٤ - حدثنا محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله: (فَالِقُ الإصْبَاحِ وَجَاعِلُ اللَّيْلِ سَكَنًا) ، (١) يقول: خلق الليل والنهار.
* * *
وذكر عن الحسن البصري أنّه كان يقرأ: (فَالِقُ الأصْبَاحِ) ، بفتح الألف، كأنه تأول ذلك بمعنى جمع"صبح"، كأنه أراد صبح كل يوم، فجعله"أصباحًا"، ولم يبلغنا عن أحد سواه أنه قرأ كذلك. والقراءة التي لا نستجيز تعدِّيها، بكسر الألف: (٢) (فالِقُ الإصْبَاح) ، لإجماع الحجة من القرأة وأهل التأويل على صحة ذلك ورفضِ خلافه.
* * *
وأما قوله:"وجاعِلُ الليل سكنًا"، فإن القرأة اختلفت في قراءته.
فقرأ ذلك عامة قرأة الحجاز والمدينة وبعض البصريين: (٣) (وَجَاعِلُ اللَّيْلِ) بالألف على لفظ الاسم، ورفعه عطفًا على"فالق"، وخفض"الليل" بإضافة"جاعل" إليه، ونصب"الشمس والقمر"، عطفًا على موضع"الليل"، لأن"الليل" وان كان مخفوضًا في اللفظ، فإنه في موضع النصب، لأنه مفعول"جاعل". وحسن عطف ذلك على معنى"الليل" لا على لفظه، لدخول قوله:"سكنًا" بينه وبين"الليل"، قال الشاعر: (٤)
قُعُوداً لَدَى الأبْوَابِ طُلابَ حاجَةٍ ... عَوَانٍ مِنَ الْحَاجَاتِ أَوْ حَاجَةً بِكْرًا (٥)
стр. 6408
فنصب"الحاجة" الثانية، عطفًا بها على معنى"الحاجة" الأولى، لا على لفظها، لأن معناها النصب، وإن كانت في اللفظ خفضًا. وقد يجيء مثل هذا أيضًا معطوفًا بالثاني على معنى الذي قبله لا على لفظه، وإن لم يكن بينهما حائل، كما قال بعضهم: (١)
بَيْنَا نَحْنُ نَنْظُرْهُ أَتَانَا ... مُعلِّقَ شِكْوَةٍ وَزِنادَ رَاعِ (٢)
* * *
وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفيين: (وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ) ، على"فَعَلَ"، بمعنى الفعل الماضي، ونصب"الليل".
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إنهما قراءتان مستفيضتان في قرأة الأمصار، متفقتا المعنى، غير مختلفتيه، فبأيتهما قرأ القارئ فهو مصيب في الإعراب والمعنى.
* * *
وأخبر جل ثناؤه أنه جعل الليل سكنًا، لأنه يسكن فيه كل متحرك بالنهار، ويهدأ فيه، فيستقر في مسكنه ومأواه.
* * *
стр. 6409
القول في تأويل قوله: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في ذلك:
فقال بعضهم: معنى ذلك: وجعل الشمس والقمر يجريان في أفلاكهما بحساب.
* ذكر من قال ذلك:
١٣٦٠٥ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:"والشمس والقمر حسبانًا"، يعني: عدد الأيام والشهور والسنين.
١٣٦٠٦ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:"والشمس والقمر حسبانًا"، قال: يجريان إلى أجلٍ جُعل لهما.
١٣٦٠٧ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"والشمس والقمر حسبانًا"، يقول: بحساب.
١٣٦٠٨ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله:"والشمس والقمر حسبانًا"، قال: الشمس والقمر في حساب، فإذا خَلَتْ أيامهما فذاك آخرُ الدهر، وأول الفزع الأكبر ="ذلك تقدير العزيز العليم".
١٣٦٠٩- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"والشمس والقمر حسبانًا"، قال: يدوران في حساب.
١٣٦١٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن
стр. 6410
ابن جريج، عن مجاهد: "والشمس والقمر حسبانًا"، قال هو مثل قوله: كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [سورة يس: ٤٠] ، ومثل قوله: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [سورة الرحمن: ٥] .
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: وجعل الشمس والقمر ضياء.
* ذكر من قال ذلك:
١٣٦١١- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"والشمس والقمر حسبانًا"، أي ضياء.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى القولين في تأويل ذلك عندي بالصواب، تأويل من تأوَّله: وجعل الشمس والقمرَ يجريان بحساب وعددٍ لبلوغ أمرهما ونهاية آجالهما، ويدوران لمصالح الخلق التي جُعِلا لها.
وإنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالآية، لأن الله تعالى ذكره ذكَر قبلَه أياديه عند خلقه، وعظم سلطانه، بفلقه الإصباح لهم، وإخراج النبات والغِراس من الحب والنوى، وعقّب ذلك بذكره خلق النجوم لهدايتهم في البر والبحر. فكان وصفه إجراءه الشمس والقمرَ لمنافعهم، أشبه بهذا الموضع من ذكر إضاءتهما، لأنه قد وصف ذلك قبلُ بقوله:"فالق الإصباح"، فلا معنى لتكريره مرة أخرى في آية واحدة لغير معنى.
* * *
و"الحسبان" في كلام العرب جمع"حِساب"، كما"الشُّهبان" جمع شهاب. (١) وقد قيل إن"الحسبان"، في هذا الموضع مصدر من قول القائل:"حَسَبْتُ الحساب أحسُبُه حِسابًا وحُسْبانًا". وحكي عن العرب:"على الله حُسْبان فلان وحِسْبته"، أي: حسابه.
* * *
стр. 6411
وأحسب أن قتادة في تأويل ذلك بمعنى الضياء، ذهب إلى شيء يروى عن ابن عباس في قوله: وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ [سورة الكهف: ٤٠] . قال: نارًا، فوجه تأويل قوله:"والشمس والقمر حسبانًا"، إلى ذلك التأويل. وليس هذا من ذلك المعنى في شيء.
* * *
وأما"الحِسبان" بكسر"الحاء"، فإنه جمع"الحِسبانة"، (١) وهي الوسادة الصغيرة، وليست من الأوَّليين أيضًا في شيء. يقال:"حَسَّبته"، أجلستُه عليها.
* * *
ونصب قوله:"حسبانًا" بقوله:"وجعل".
* * *
وكان بعض البصريين يقول: معناه:"والشمس والقمرَ حسبانًا"، أي: بحساب، فحذف"الباء"، كما حذفها من قوله: هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ " [سورة الأنعام: ١١٧] ، أي: أعلم بمن يضل عن سبيله. (٢)
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٩٦) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وهذا الفعل الذي وصفه أنه فعله، وهو فلقه الإصباح، وجعله الليل سكنًا والشمس والقمر حسبانًا، تقدير الذي عزّ سلطانه، فلا يقدر أحد أراده بسوء وعقاب أو انتقام، من الامتناع منه ="العليم"، بمصالح خلقه وتدبيرهم = لا تقديرُ الأصنام والأوثان التي لا تسمع ولا تبصر، ولا تفقه شيئًا ولا تعقله، ولا تضر ولا تنفع، وإن أريدت بسوء لم تقدر على
стр. 6412
الامتناع منه ممن أرادها. (١) يقول جل ثناؤه: وأخلصوا، أيها الجهلة، عبادتَكم لفاعل هذه الأشياء، ولا تشركوا في عبادته شيئًا غيره.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٩٧) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: والله الذي جعل لكم، أيها الناس، النجوم أدلةً في البر والبحر إذا ضللتم الطريق، أو تحيرتم فلم تهتدوا فيها ليلا تستدلّون بها على المحجَّة، فتهتدون بها إلى الطريق والمحجة، فتسلكونه وتنجون بها من ظلمات ذلك، كما قال جل ثناؤه: وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ [سورة النحل: ١٦] ، أي: من ضلال الطريق في البرّ والبحر = وعنى بالظلمات، ظلمة الليل، وظلمة الخطأ والضلال، وظلمة الأرض أو الماء.
* * *
وقوله:"قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون"، يقول: قد ميَّزنا الأدلة، وفرَّقنا الحجج فيكم وبيّناها، أيها الناس، (٢) ليتدبّرها أولو العلم بالله منكم، ويفهمها أولو الحجا منكم، فينيبوا من جهلهم الذي هم مقيمون عليه، وينزجروا عن خطأ فعلهم الذي هم عليه ثابتون، ولا يتمادوا عنادًا لله = مع علمهم بأن ما هم عليه مقيمون خطأ = في غَيِّهم. (٣)
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.
стр. 6413
* ذكر من قال ذلك:
١٣٦١٢ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر"، قال: يضلّ الرجل وهو في الظلمة والجور عن الطريق.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (٩٨) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وإلهكم، أيها العادلون بالله غيره ="الذي أنشأكم"، يعني: الذي ابتدأ خلقكم من غير شيء، فأوجدكم بعد أن لم تكونوا شيئًا (١) ="من نفس واحدة"، يعني: من آدم كما:-
١٣٦١٣ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"من نفس واحدة"، قال: آدم ﵇.
١٣٦١٤ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة"، من آدم ﵇.
* * *
وأما قوله:"فمستقر ومستودع"، فإن أهل التأويل في تأويله مختلفون.
فقال بعضهم: معنى ذلك: وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة، فمنكم مستقِرٌّ في الرحم، ومنكم مستودع في القبر حتى يبعثه الله لنَشْر القيامة.
* ذكر من قال ذلك:
١٣٦١٥ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو معاوية، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن إبراهيم، عن عبد الله: وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا، [سورة هود: ٦] . قال:"مستقرها"، في الأرحام ="ومستودعها"، حيث تموت.
стр. 6414
١٣٦١٦- حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم، عن إسماعيل، عن إبراهيم، عن عبد الله أنه قال:"المستودع" حيث تموت، و"المستقر"، ما في الرحم.
١٣٦١٧- حدثت عن عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن السدي، عن مرة، عن عبد الله بن مسعود قال:"المستقر"، الرحم، و"المستودع"، المكان الذي تموت فيه.
١٣٦١٨ - حدثني محمد بن عبيد المحاربي قال، حدثنا محمد بن فضيل وعلي بن هاشم، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن إبراهيم: وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا قال: (مُسْتَقَرَّهَا) ، في الأرحام = (وَمُسْتَوْدَعَهَا) ، في الأرض، حيث تموت فيها.
١٣٦١٩ - حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا حدثنا ابن إدريس، عن ليث، عن مقسم قال:"مستقرها"، في الصلب حيث تأويل إليه ="ومستودعها"، حيث تموت.
* * *
وقال آخرون:"المستودع"، ما كان في أصلاب الآباء = و"المستقر"، ما كان في بطون النساء، وبطون الأرض، أو على ظهورها.
* ذكر من قال ذلك:
١٣٦٢٠ - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا كلثوم بن جبر، عن سعيد بن جبير في قوله:"فمستقر ومستودع"، قال: مستودعون، ما كانوا في أصلاب الرجال. فإذا قرّوا في أرحام النساء أو على ظهر الأرض أو في بطنها، فقد استقرّوا.
١٣٦٢١- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا ابن علية، عن كلثوم بن جبر، عن سعيد بن جبير:"فمستقر ومستودع"، قال: المستودعون ما كانوا في أصلاب الرجال. فإذا قرّوا في أرحام النساء أو على ظهر الأرض، فقد استقروا.
стр. 6415
١٣٦٢٢- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن المغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جبير قال، قال ابن عباس: ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ ، [سورة هود: ٦] . قال:"المستودع" في الصلب = و"المستقر"، ما كان على وجه الأرض أو في الأرض. (١)
* * *
وقال آخرون: بل معنى ذلك: فمستقر في الأرض على ظهورها، ومستودع عند الله.
* ذكر من قال ذلك:
١٣٦٢٣ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن المغيرة، عن أبي الجبر بن تميم بن حذلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس:"المستقر" الأرض،"والمستودع"، عند الرحمن. (٢)
стр. 6416
١٣٦٢٤ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال:"المستقر"، الأرض، و"المستودع"، عند ربك.
١٣٦٢٥ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن إبراهيم قال، قال عبد الله:"مستقرها"، في الدنيا،"ومستودعها"، في الآخرة = يعني="فمستقر ومستودع".
١٣٦٢٦ - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير قال:"المستودع"، في الصلب، و"المستقر"، في الآخرة وعلى وجه الأرض.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: فمستقر في الرحم، ومستودع في الصلب.
* ذكر من قال ذلك:
١٣٦٢٧ - حدثنا هناد قال، حدثنا أبو الأحوص، عن أبي الحارث، عن عكرمة، عن ابن عباس في قول الله:"فمستقر ومستودع"، قال: مستقر في الرحم، ومستودع في صلب، لم يخلق سَيُخلق. (١)
١٣٦٢٨ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن يحيى الجابر، عن عكرمة:"فمستقر ومستودع"، قال:"المستقر"، الذي قد استقر في الرحم، و"المستودع"، الذي قد استودع في الصلب. (٢)
١٣٦٢٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن أبي الجبر تميم، عن سعيد بن جبير، قال ابن عباس: سل! فقلت: "فمستقرّ
стр. 6417
ومستودع"؟ قال:"المستقر"، في الرحم، و"المستودع"، ما استودع في الصلب. (١)
١٣٦٣٠- حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا حدثنا ابن إدريس، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله:"فمستقر ومستودع"، قال:"المستقر" الرحم، و"المستودع"، ما كان عند رب العالمين مما هو خالقه ولم يخلق.
١٣٦٣١- حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ [سورة هود: ٦] ، قال:"المستقر"، ما كان في الرحم مما هو حيٌّ، ومما قد مات = و"المستودع"، ما في الصلب.
١٣٦٣٢- حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جيير قال: قال لي ابن عباس، وذلك قبل أن يَخْرُج وجهي (٢) أتزوّجت يا ابن جبير؟ قال: قلت لا وما أريد ذاك يومي هذا! قال فقال: أما إنه مع ذلك سيخرج ما كان في صلبك من المستودَعين.
١٣٦٣٣- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جيير قال: قال لي ابن عباس: تزوجت؟ قلت: لا! قال: فضرب ظهري وقال: ما كان من مستودَع في ظهرك سيخرج.
١٣٦٣٤- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"فمستقر ومستودع"، قال:"المستقر"، في الأرحام، و"المستودع"، في الصلب، لم يخلق وهو خالقه.
١٣٦٣٥- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني
стр. 6418
معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:"فمستقر ومستودع"، قال:"المستقر"، في الرحم، و"المستودع"، ما استودع في أصلاب الرجال والدوابّ.
١٣٦٣٦ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد قال:"المستقر"، ما استقرّ في الرحم، و"المستودع"، ما استودع في الصلب.
١٣٦٣٧- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن أبي الجبر بن تميم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، بنحوه. (١)
١٣٦٣٨ - حدثنا هناد قال، حدثنا عبيدة بن حميد، عن عمار الدهني، عن رجل، عن كريب قال: دعاني ابن عباس فقال: اكتب:"بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله بن عباس، إلى فلان حَبْر تَيْماء، سلامٌ عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد = قال، فقلت: تبدؤه تقول: السلام عليك؟ فقال: إن الله هو السلام = ثم قال: اكتب"سلامٌ عليك، أما بعد، فحدثني عن:"مستقر ومستودع". قال: ثم بعثني بالكتاب إلى اليهودي، فأعطيته إياه. فلما نظر إليه قال: مرحبًا بكتاب خليلي من المسلمين! فذهب بي إلى بيته، ففتح أسفاطًا له كبيرة، (٢) فجعل يطرح تلك الأشياء لا يلتفت إليها. قال قلت: ما شأنك؟ قال: هذه أشياء كتبها اليهود! حتى أخرج سفر موسى ﵇، قال: فنظر إليه مرتين فقال:"المستقر"، الرحم، قال: ثم قرأ: ﴿وَنُقِرُّ فِي الأرْحَامِ مَا نَشَاءُ﴾ [سورة الحج: ٥] ، وقرأ: ﴿وَلَكُمْ فِي الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ﴾ ، [سورة البقرة:٣٦] ، [سورة الأعراف:٢٤] . قال: مستقرُّه فوق
стр. 6419
الأرض، ومستقرُّه في الرحم، ومستقره تحت الأرض حتى يصير إلى الجنة أو إلى النار. (١)
١٣٦٣٩ - حدثنا هناد قال، حدثنا قبيصة، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء:"فمستقر ومستودع"، قال:"المستقر"، ما استقر في أرحام النساء، و"المستودع"، ما استودع في أصلاب الرجال.
١٣٦٤٠- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء قال:"المستقر"، الرحم، و"المستودع"، في أصلاب الرجال.
١٣٦٤١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا روح بن عبادة، عن ابن جريج، عن عطاء = وعن ابن أبي نجيح، عن مجاهد = قال:"المستقر"، الرحم، و"المستودع"، في الأصلاب.
١٣٦٤٢- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثناعيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"فمستقر"، ما استقر في أرحام النساء ="ومستودع"، ما كان في أصلاب الرجال.
١٣٦٤٣- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بنحوه.
١٣٦٤٤- حدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا حدثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد قال:"المستقر"، ما استقر في الرحم، و"المستودع"، ما استودع في الصلب.
١٣٦٤٥- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال:"المستقر"، الرحم،"والمستودع"، الصلب.
стр. 6420
١٣٦٤٦ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا معاذ بن معاذ، عن ابن عون قال: أتينا إبراهيم عند المساء فأخبرونا أنه قد مات، فقلنا: هل سأله أحدٌ عن شيء؟ قالوا: عبد الرحمن بن الأسود، عن"المستقر" و"المستودع"، فقال:"المستقر"، في الرحم، و"المستودع"، في الصلب.
١٣٦٤٧- حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا بشر بن المفضل قال، حدثنا ابن عون قال: أتينا إبراهيم وقد مات، قال: فحدثني بعضهم: أنّ عبد الرحمن بن الأسود سأله قبل أن يموت عن"المستقر" و"المستودع"، فقال:"المستقر"، في الرحم،"والمستودع"، في الصلب.
١٣٦٤٨- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن ابن عون: أتينا منزل إبراهيم، فسألنا عنه فقالوا: قد توفي. وسأله عبد الرحمن بن الأسود، فذكر نحوه.
١٣٦٤٩- حدثني به يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن ابن عون: أنه بلغه: أنّ عبد الرحمن بن الأسود سأل إبراهيم عن ذلك، فذكر نحوه.
١٣٦٥٠- حدثنا عبيد الله بن محمد الفريابي قال، حدثنا ضمرة بن ربيعة، عن العلاء بن هارون قال: انتهيت إلى منزل إبراهيم حين قبض، فقلت لهم: هل سأله أحد عن شيء؟ قالوا: سأله عبد الرحمن بن الأسود عن"مستقر ومستودع"، فقال: أما"المستقر"، فما استقر في أرحام النساء، و"المستودع"، ما في أصلاب الرجال. (١)
стр. 6421
١٣٦٥١- حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا حدثنا ابن إدريس، عن ليث، عن مجاهد في"فمستقر ومستودع"، قال:"المستقر"، الرحم، و"المستودع"، الصلب.
١٣٦٥٢ - حدثني يونس قال، حدثني سفيان، عن رجل حدَّثه، عن سعيد بن جبير قال: قال لي ابن عباس: ألا تنكح؟ ثم قال: أما إني أقول لك هذا، وإني لأعلم أن الله مخرجٌ من صلبك ما كان فيه مستودَع. (١)
١٣٦٥٣- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال:"المستقر"، في الرحم، و"المستودع"، في الصلب.
١٣٦٥٤- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن ابن عباس:"فمستقر ومستودع"، قال:"مستقر"، في الرحم، و"مستودع"، في الصلب.
١٣٦٥٥ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة:"فمستقر ومستودع"، قال:"مستقر"، في الرحم، و"مستودع"، في الصلب.
١٣٦٥٦ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، حدثنا عبيد بن سليمان، عن الضحاك:"فمستقر ومستودع"، أما"مستقر"، فما استقر في الرحم = وأما"مستودع"، فما استودع في الصلب.
١٣٦٥٧ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"فمستقر ومستودع"، قال:"مستقر"، في الأرحام،"ومستودع"، في الأصلاب.
١٣٦٥٨- حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا
стр. 6422
حماد، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير = وأبي حمزة، عن إبراهيم = قالا"مستقر ومستودع"،"المستقر"، في الرحم، و"المستودع"، في الصلب.
* * *
وقال آخرون:"المستقر"، في القبر،"والمستودع"، في الدنيا.
* ذكر من قال ذلك:
١٣٦٥٩ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: كان الحسن يقول:"مستقر"، في القبر،"ومستودع" في الدنيا، وأوشك أن يلحق بصاحبه.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى التأويلات في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله جل ثناؤه عمّ بقوله:"فمستقر ومستودع"، كلَّ خلقه الذي أنشأ من نفس واحدة، مستقرًّا ومستودعًا، ولم يخصص من ذلك معنى دون معنى. ولا شك أنّ من بني آدم مستقرًّا في الرحم، ومستودعًا في الصلب، ومنهم من هو مستقر على ظهر الأرض أو بطنها، ومستودع في أصلاب الرجال، ومنهم مستقر في القبر، مستودع على ظهر الأرض. فكلٌّ"مستقر" أو"مستودع" بمعنى من هذه المعاني، فداخل في عموم قوله:"فمستقر ومستودع" ومراد به، إلا أن يأتي خبرٌ يجب التسليم له بأنه معنيٌّ به معنى دون معنى، وخاص دون عام.
* * *
واختلفت القرأة في قراءة قوله:"فمستقر ومستودع".
فقرأت ذلك عامة قرأة أهل المدينة والكوفة: (فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ) ، بمعنى: فمنهم من استقرّه الله في مقرِّه، فهو مستقَرٌّ = ومنهم من استودعه الله فيما استودعه فيه، فهو مستودَع فيه.
* * *
وقرأ ذلك بعض أهل المدينة وبعض أهل البصرة: (فَمُسْتَقِرٌّ) ، بكسر"القاف"
стр. 6423
بمعنى: فمنهم من استقرّ في مقرّه، فهو مستقِرّ به.
* * *
وأولى القراءتين بالصواب عندي، وإن كان لكليهما عندي وجه صحيح: (فَمُسْتَقَرٌّ) ، بمعنى: استقرّه الله في مستقَرِّه، ليأتلف المعنى فيه وفي"المستودَع"، في أن كل واحد منهما لم يسمَّ فاعله، وفي إضافة الخبر بذلك إلى الله في أنه المستقِرُّ هذا، والمستودِع هذا. وذلك أن الجميع مجمعون على قراءة قوله:"ومستودَع" بفتح"الدال" على وجه ما لم يسمَّ فاعله، فإجراء الأوّل = أعني قوله:"فمستقر" = عليه، أشبه من عُدُوله عنه.
* * *
وأما قوله:"قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون"، يقول تعالى: قد بيّنا الحجج، وميزنا الأدلة والأعلام وأحكمناها (١) ="لقوم يفقهون"، مواقعَ الحجج ومواضع العبر، ويفهمون الآيات والذكر، (٢) فإنهم إذا اعتبروا بما نبّهتهم عليه من إنشائي من نفس واحدة ما عاينوا من البشر، وخلقي ما خلقت منها من عجائب الألوان والصور، علموا أنّ ذلك من فعل من ليس له مثل ولا شريك فيشركوه في عبادتهم إياه، كما:-
١٣٦٦٠- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون"، يقول: قد بينا الآيات لقوم يفقهون.
* * *
стр. 6424
القول في تأويل قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: والله الذي له العبادة خالصة لا شريك فيها لشيء سواه، (١) هو الإله الذي أنزل من السماء ماء ="فأخرجنا به نبات كل شيء"، فأخرجنا بالماء الذي أنزلناه من السماء من غذاء الأنعام والبهائم والطير والوحش وأرزاق بني آدم وأقواتهم، ما يتغذون به ويأكلونه فينبتُون عليه وينمون. وإنما معنى قوله:"فأخرجنا به نبات كل شيء"، فأخرجنا به ما ينبت به كل شيء وينمو عليه ويصلحُ.
* * *
ولو قيل: معناه: فأخرجنا به نبات جميع أنواع النبات، فيكون"كل شيء"، هو أصناف النبات = كان مذهبًا، وإن كان الوجه الصحيح هو القولَ الأول. (٢)
* * *
وقوله:"فأخرجنا منه خضرًا"، يقول:"فأخرجنا منه"، يعني: من الماء الذي أنزلناه من السماء ="خَضِرًا"، رطبًا من الزرع.
* * *
"والخضر"، هو"الأخضر"، كقول العرب:"أرِنيهَا نَمِرة، أُرِكْها مَطِرَة". (٣) يقال:"خَضِرَت الأرض خَضَرًا. وخَضَارة". (٤) و"الخضر" رطب البقول،
стр. 6425
ويقال: "نخلة خضيرة"، إذا كانت ترمي ببسرها أخضر قبل أن ينضج. و"قد اختُضِر الرجل" و"اغْتُضِر"، إذا مات شابًّا مُصَحَّحًا. ويقال:"هو لك خَضِرًا مَضِرًا"، أي هنيئًا مريئًا. (١)
* * *
قوله:"نخرج منه حبًّا متراكبًا"، يقول: نخرج من الخضر حبًّا = يعني: ما في السنبل، سنبل الحنطة والشعير والأرز، (٢) وما أشبه ذلك من السنابل التي حبُّها يركب بعضه بعضًا.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
١٣٦٦١ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله:"منه خضرًا نخرج منه حبًّا متراكبًا"، فهذا السنبل.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ومن النخل من طلعها قنوانه دانية، (٣) = ولذلك رفعت"القِنوان".
* * *
стр. 6426
و"القنوان" جمع"قِنْو"، كما"الصنوان" جمع"صِنْو"، وهو العِذْق، (١) يقال للواحد هو"قِنْو"، و"قُنْو" و"قَنَا"، يثنى"قِنوانِ"، ويجمع"قنوانٌ" و"قُنوانٌ". (٢) قالوا في جمع قليله:"ثلاثة أقْناء". و"القِنوان" من لغة الحجاز، و"القُنْوان"، من لغة قيس، وقال امرؤ القيس:
فَأَثَّتْ أَعَالِيهِ، وَآدَتْ أُصُولُهُ ... وَمَالَ بِقِنْوانٍ مِنَ البُسْرِ أَحْمَرَا (٣)
و"قِنْيان"، جميعًا، وقال آخر: (٤)
لَهَا ذَنَبٌ كَالْقِنْوِ قَدْ مَذِلَتْ بِهِ ... وَأَسْحَمَ لِلتَّخْطَارِ بَعْدَ التَّشَذُّرِ (٥)
стр. 6427
وتميم تقول:" قُنْيان" بالياء.
* * *
ويعني بقوله:"دانية"، قريبة متهدّلة.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
١٣٦٦٢ - حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:"قنوان دانية"، يعني ب"القنوان الدانية"، قصار النخل، لاصقة عُذُوقها بالأرض.
١٣٦٦٣ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"من طلعها قنوان دانية"، قال: عذوق متهدلة.
١٣٦٦٤- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة:"قنوان دانية"، يقول: متهدلة.
١٣٦٦٥ - حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن البراء في قوله:"قنوان دانية"، قال: قريبة.
١٣٦٦٦- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب:"قنوان دانية"، قال: قريبة.
١٣٦٦٧- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"ومن النخل من طلعها قنوان دانية"، قال: الدانية، لتهدُّل العُذوق من الطلع.
١٣٦٦٨ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:"ومن النخل من طلعها قنوان دانية"، يعني النخل القصارَ الملتزقة بالأرض، و"القنوان" طلعه.
* * *
стр. 6428
القول في تأويل قوله: ﴿وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وأخرجنا أيضًا جنات من أعناب = يعني: بساتينَ من أعناب. (١)
* * *
واختلف القرأة في قراءة ذلك.
فقرأه عامة القرأة: (وَجَنَّاتٍ) نصبًا، غير أن"التاء" كسرت، لأنها"تاء" جمع المؤنث، وهي تخفض في موضع النصب. (٢)
* * *
وقد:-
١٣٦٦٩- حدثني الحارث قال، حدثنا القاسم بن سلام، عن الكسائي قال، أخبرنا حمزة، عن الأعمش أنه قرأ: (وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ) .
* * *
= بالرفع، فرفع"جنات" على إتباعها"القنوان" في الإعراب، وإن لم تكن من جنسها، كما قال الشاعر:
وَرَأَيْتِ زَوْجَكِ فِي الوَغَى ... مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحَا (٣)
* * *
قال أبو جعفر: والقراءة التي لا أستجيز أن يقرأ ذلك إلا بها، النصبُ: (وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ) ، لإجماع الحجة من القرأة على تصويبها والقراءة بها، ورفضهم ما عداها، وبُعْدِ معنى ذلك من الصواب إذ قرئ رفعًا.
* * *
стр. 6429
وقوله:"والزيتون والرمان"، عطف ب"الزيتون" على"الجنات"، بمعنى: وأخرجنا الزيتونَ والرمان مشتبهًا وغير متشابه.
* * *
وكان قتادة يقول في معنى"مشتبهًا وغير متشابه"، ما:-
١٣٦٧٠ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبهًا وغير متشابه"، قال: مشتبهًا ورقه، مختلفًا ثمرُه.
* * *
وجائز أن يكون مرادًا به: مشتبهًا في الخلق، مختلفًا في الطعم. (١)
* * *
قال أبو جعفر: ومعنى الكلام: وشجر الزيتون والرمان، فاكتفى من ذكر"الشجر" بذكر ثمره، كما قيل: (واسأل القرية) ، [سورة يوسف: ٨٢] ، فاكتفى بذكر"القرية" من ذكر"أهلها"، لمعرفة المخاطبين بذلك بمعناه.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾
قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأته عامة قرأة أهل المدينة وبعض أهل البصرة: (انْظُرُوا إلَى ثَمَرِهِ) ، بفتح"الثاء" و"الميم".
* * *
وقرأه بعض قرأة أهل مكة وعامة قرأة الكوفيين: (إلَى ثُمُرِهِ) ، بضم"الثاء" و"الميم".
* * *
стр. 6430
= فكأنّ من فتح"الثاء" و"الميم" من ذلك، وجَّه معنى الكلام: انطروا إلى ثمر هذه الأشجار التي سمينا من النخل والأعناب والزيتون والرمان إذا أثمرَ = وأن"الثمر" جمع"ثمرة"، كما"القصب"، جمع"قصبة"، و"الخشب" جمع"خشبة".
* * *
= وكأنّ من ضم"الثاء" و"الميم"، وجَّه ذلك إلى أنه جمع"ثِمَار"، كما"الحُمُر" جمع"حمار"، و"الجُرُب" جمع"جراب"، وقد:-
١٣٦٧١ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن أبي حماد، عن ابن إدريس، عن الأعمش، عن يحيى بن وثاب: أنه كان يقرأ: (إلَى ثُمُرِهِ) ، يقول: هو أصناف المال.
١٣٦٧٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي حماد قال، حدثنا محمد بن عبيد الله، عن قيس بن سعد، عن مجاهد قال:"الثُّمُر"، هو المال = و"الثمر"، ثَمَر النخل. (١)
* * *
وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب، قراءة من قرأ: (انْظُرُوا إلَى ثُمُرِهِ) بضم"الثاء" و"الميم"، لأن الله جل ثناؤه وصفَ أصنافًا من المال كما قال يحيى بن وثاب، وكذلك حبّ الزرع المتراكب، وقنوان النخل الدانية، والجنات من الأعناب والزيتون والرمان، فكان ذلك أنواعًا من الثمر، فجمعت"الثمرة""ثمرًا"، ثم جمع"الثمر""ثمارًا"، ثم جمع ذلك فقيل: (انْظُرُوا إلَى ثُمُرِهِ) ، فكان ذلك جمع"الثمار" و"الثمار" جمع"الثمر" = و"إثماره"، عقدُ الثمر.
* * *
وأما قوله:"وَينْعه"، فإنه نُضجه وبلوغُه حين يبلغ.
* * *
стр. 6431
وكان بعض أهل العلم بكلام العرب من أهل البصرة يقول في"يَنْعه" إذا فتحت ياؤه، هو جمع"يانع"، كما"التَّجْر" جمع"تاجر"، و"الصحب" جمع"صاحب". (١)
* * *
وكان بعض أهل الكوفة ينكر ذلك، ويرى أنه مصدر من قولهم:"ينع الثمر فهو يَيْنع يَنْعًا"، ويحكى في مصدره عن العرب لغات ثلاثًا:"يَنْع"، و"يُنْع"، و"يَنَع"، وكذلك في"النَّضْج""النُّضج" و"النَّضَج". (٢)
* * *
وأما في قراءة من قرأ ذلك: (وَيَانِعِهِ) ، فإنه يعني به: وناضجه، وبالغه.
* * *
وقد يجوز في مصدره"يُنُوعًا"، ومسموع من العرب:"أينعت الثمرة تُونِع إيناعًا"، ومن لغة الذين قالوا:"ينع"، قول الشاعر: (٣)
فِي قِبَابٍ عِنْدَ دَسْكَرَةٍ ... حَوْلَهَا الزَّيْتُونُ قَدْ يَنَعَا (٤)
стр. 6432
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
١٣٧٦٣ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:"وينعه"، يعني: إذا نضج.
١٣٦٧٤- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"انطروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه"، قال:"ينعه"، نضجه.
١٣٦٧٥ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:
стр. 6433
" انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه"، أي نضجه.
١٣٦٧٦- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"وينعه"، قال: نضجه.
١٣٦٧٧ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"وينعه"، يقول: ونضجه.
١٣٦٧٨- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:"وينعه"، قال: يعني نضجه.
١٣٦٧٩- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس:"وينعه"، قال: نضجه.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٩٩) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره إن في إنزال الله من السماء الماءَ الذي أخرج به نباتَ كل شيء، والخضِرَ الذي أخرج منه الحبَّ المتراكب، وسائر ما عدَّد في هذه الآية من صنوف خلقه ="لآيات"، يقول: في ذلكم، أيها الناس، إذا أنتم نظرتم إلى ثمره عند عقد ثمره، وعند ينعه وانتهائه، فرأيتم اختلاف أحواله وتصرفه في زيادته ونموّه، علمتم أن له مدبِّرًا ليس كمثله شيء، ولا تصلح العبادة إلا له دون الآلهة والأنداد، وكان فيه حجج وبرهان وبيان (١) ="لقوم يؤمنون"،
стр. 6434
يقول: لقوم يصدقون بوحدانية الله وقدرته على ما يشاء.
وخصّ بذلك تعالى ذكره القوم الذين يؤمنون، لأنهم هم المنتفعون بحجج الله والمعتبرون بها، دون من قد طَبعَ الله على قلبه، فلا يعرف حقًّا من باطل، ولا يتبين هدًى من ضلالة.
* * *
стр. 6435
القول في تأويل قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وجعل هؤلاء العادلون بربهم الآلهةَ والأندادَ لله شركاء، الجن، كما قال جل ثناؤه: (وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا) [سورة الصافات: ١٥٨] .
* * *
وفي الجن وجهان من النصب.
أحدهما: أن يكون تفسيرًا للشركاء. (١) .
والآخر: أن يكون معنى الكلام: وجعلوا لله الجن شركاء، وهو خالقهم.
* * *
واختلفوا في قراءة قوله:"وخلقهم".
فقرأته قراء الأمصار: (وَخَلَقَهُمْ) ، على معنى أن الله خلقهم، منفردًا بخلقه إياهم. (٢) .
* * *
وذكر عن يحيى بن يعمر ما:-
١٣٦٨٠ - حدثني به أحمد بن يوسف قال، حدثنا القاسم بن سلام قال، حدثنا حجاج، عن هارون، عن واصل مولى أبي عيينة، عن يحيى بن عقيل، عن يحيى بن يعمر: أنه قال:" شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ ".
стр. 6436
بجزم"اللام" بمعنى أنهم قالوا: إنّ الجنّ شركاء لله في خلقه إيّانا.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى القراءتين بالصواب، قراءة من قرأ ذلك: (وَخَلَقَهُمْ) ، لإجماع الحجة من القرأة عليها.
* * *
وأما قوله: (وخرقوا له بنين وبنات بغير علم) ، فإنه يعني بقوله: (خرقوا) اختلقوا.
* * *
يقال:"اختلق فلان على فلان كذبًا" و"اخترقه"، إذا افتعله وافتراه. (١)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
١٣٦٨١ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: وجعلوا لله شركاء الجن والله خلقهم="وخرقوا له بنين وبنات"، يعني أنهم تخرَّصوا.
١٣٦٨٢- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"وخرقوا له بنين وبنات بغير علم"، قال: جعلوا له بنين وبنات بغير علم.
١٣٦٨٣- حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"وخرقوا له بنين وبنات بغير علم"، قال: كذبوا.
١٣٦٨٤ -حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٣٦٨٥- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة
стр. 6437
قوله:"وجعلوا لله شركاء الجن" كذبوا="سبحانه وتعالى عما يصفون"، عما يكذبون. أما العرب فجعلوا له البنات، ولهم ما يشتهون من الغلمان= وأما اليهود فجعلوا بينه وبين الجنة نسبًا ولقد علمت الجنة أنهم لمحضرُون. (١)
١٣٦٨٦- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة:"وخرقوا له بنين وبنات بغير علم" قال: خرصوا له بنين وبنات.
١٣٦٨٧- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"وخرقوا له بنين وبنات بغير علم"، يقول: قطعوا له بنين وبنات. (٢) قالت العرب: الملائكة بنات الله= وقالت اليهود والنصارى: المسيح وعزير ابنا الله.
١٣٦٨٨- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد في قوله:"وخرقوا له بنين وبنات بغير علم"، قال:"خرقوا"، كذبوا، لم يكن لله بنون ولا بنات= قالت النصارى: المسيح ابن الله= وقال المشركون: الملائكة بنات الله= فكلٌّ خرقوا الكذب،"وخرقوا"، اخترقوا.
١٣٦٨٩- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله:"وجعلوا لله شركاء الجن"، قال: قول: الزنادقة="وخرقوا له"، قال ابن جريج، قال مجاهد:"خرقوا"، كذبوا.
١٣٦٩٠- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة، عن جويبر، عن الضحاك:"وخرقوا له بنين وبنات"، قال: وصفوا له.
١٣٦٩١- حدثنا عمران بن موسى قال، حدثنا عبد الوارث، عن أبي عمرو:
стр. 6438
"وخرقوا له بنين وبنات"، قال: تفسيرها: وكذبوا.
* * *
قال أبو جعفر: فتأويل الكلام إذًا: وجعلوا لله الجنَّ شركاءَ في عبادتهم إياه، وهو المنفرد بخلقهم بغير شريك ولا معين ولا ظهير="وخرقوا له بنين وبنات"، يقول: وتخرَّصوا لله كذبًا، فافتعلوا له بنين وبنات بغير علم منهم بحقيقة ما يقولون، ولكن جهلا بالله وبعظمته، وأنه لا ينبعي لمن كان إلهًا أن يكون له بنون وبنات ولا صاحبة، ولا أن يشركه في خلقه شريك.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (١٠٠) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: تنزه الله، (١) وعلا فارتفع عن الذي يصفه به هؤلاء الجهلة من خلقه، في ادّعائهم له شركاء من الجن، واختراقهم له بنين وبنات، وذلك لا ينبغي أن يكون من صفته، لأن ذلك من صفة خلقه الذين يكون منهم الجماع الذي يحدث عنه الأولاد، والذين تضطرّهم لضعفهم الشهواتُ إلى اتخاذ الصاحبة لقضاء اللذات، وليس الله تعالى ذكره بالعاجز فيضطره شيء إلى شيء، ولا بالضعيف المحتاج فتدعوه حاجته إلى النساء إلى اتخاذ صاحبة لقضاء لذة.
* * *
وقوله:"تعالى"،"تفاعل" من"العلوّ"، والارتفاع. (٢)
* * *
وروي عن قتادة في تأويل قوله:"عما يصفون"، أنه: يكذبون.
١٣٦٩٢- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:
стр. 6439
"سبحانه وتعالى عما يصفون"، عما يكذبون.
* * *
وأحسب أن قتادة عنى بتأويله ذلك كذلك، أنهم يكذبون في وصفهم الله بما كانوا يصفونه به، من ادعائهم له بنين وبنات= لا أنه وجه تأويل"الوصف" إلى الكذب.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: الله الذي جعل هؤلاء الكفرة به له الجنَّ شركاءَ، وخرقوا له بنين وبنات بغير علم="بديع السماوات والأرض"، يعني: مبتدعها ومحدثها وموجدها بعد أن لم تكن، (١) كما:-
١٣٦٩٣- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله:"بديع السماوات والأرض"، قال: هو الذي ابتدع خلقهما ﷻ ، فخلقهما ولم يكونا شيئًا قبله.
* * *
=" أنّى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة"، والولد إنما يكون من الذكر والأنثى، ولا ينبغي أن يكون لله سبحانه صاحبة، فيكون له ولد. وذلك أنه هو الذي خلق كل شيء. يقول: فإذا كان لا شيء إلا اللهُ خلقه، فأنّى يكون لله ولد، ولم تكن له صاحبة فيكون له منها ولد؟
стр. 6440
القول في تأويل قوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: والله خلق كل شيء، ولا خالق سواه. وكلُّ ما تدَّعون أيها العادلون بالله الأوثان من دونه، خلقُه وعبيده، مِلكًا، كان الذي تدعونه ربًّا وتزعمون أنه له ولد، أو جنيًّا أو إنسيًّا="وهو بكل شيء عليم"، يقول: والله الذي خلق كل شيء، لا يخفى عليه ما خلق ولا شيء منه، ولا يعزب عنه مثقالُ ذرة في الأرض ولا في السماء، عالم بعددكم وأعمالكم، وأعمال من دعوتموه ربًّا أو لله ولدًا، وهو محصيها عليكم وعليهم، حتى يجازي كلا بعمله. (١)
* * *
стр. 6441
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: الذي خلق كل شيء وهو بكل شيء عليم، هو الله ربكم، أيها العادلون بالله الآلهة والأوثان، والجاعلون له الجن شركاء، وآلهتكم التي لا تملك نفعًا ولا ضرًا، ولا تفعل خيرًا ولا شرًا="لا إله إلا هو".
وهذا تكذيبٌ من الله جل ثناؤه للذين زعموا أن الجن شركاء الله. يقول جل ثناؤه لهم: أيها الجاهلون، إنه لا شيء له الألوهية والعبادة، إلا الذي خلق كل شيء، وهو بكل شيء عليم، فإنه لا ينبغي أن تكون عبادتكم وعبادةُ جميع من في السموات والأرض إلا له خالصة بغير شريك تشركونه فيها، فإنه خالق
стр. 6442
كل شيء وبارئه وصانعه، وحق على المصنوع أن يفرد صانعه بالعبادة="فاعبدوه"، يقول: فذلُّوا له بالطاعة والعبادة والخدمة، واخضعوا له بذلك. (١) =
"وهو على كل شيء وكيل"، يقول: والله على كل ما خلق من شيء رقيبٌ وحفيظ، يقوم بأرزاق جميعه وأقواته وسياسته وتدبيره وتصريفه بقدرته. (٢)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣) ﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله:"لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار".
فقال بعضهم: معناه لا تحيط به الأبصار، وهو يحيط بها.
* ذكر من قال ذلك:
١٣٦٩٤- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار"، يقول: لا يحيط بصر أحدٍ بالملك.
١٣٦٩٥- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار"، وهو أعظم من أن تدركه الأبصار.
١٣٦٩٦- حدثني سعد بن عبد الله بن عبد الحكم قال، حدثنا خالد بن عبد الرحمن قال، حدثنا أبو عرفجة، عن عطية العوفي في قوله:
стр. 6443
(وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) [سورة القيامة: ٢٢-٢٣] ، قال: هم ينظرون إلى الله، لا تحيط أبصارهم به من عظمته، وبصره يحيط بهم، فذلك قوله:"لا تدركه الأبصار"، الآية. (١)
* * *
قال أبو جعفر: واعتل قائلو هذه المقالة لقولهم هذا، بأن قالوا: إن الله قال:" حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت "، (٢) [يونس: ٩٠] قالوا: فوصف الله تعالى ذكره الغرق بأنه أدرك فرعون، ولا شك أن الغرق غير موصوف بأنه رآه، ولا هو مما يجوز وصفه بأنه يرى شيئًا. قالوا: فمعنى قوله:"لا تدركه الأبصار" بمعنى: لا تراه، بعيد. لأن الشيء قد يدرك الشيء ولا يراه، كما قال جل ثناؤه مخبرًا عن قيل أصحاب موسى ﷺ لموسى حين قرُب منهم أصحاب فرعون: (فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ) ، [سورة الشعراء: ٦١] ، لأن الله قد كان وعد نبيه موسى ﷺ أنهم لا يُدْرَكون، لقوله: (وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى) ، [سورة طه: ٧٧] .
قالوا: فإن كان الشيء قد يرى الشيء ولا يدركه، ويدركه ولا يراه، فكان معلومًا بذلك أن قوله:"لا تدركه الأبصار"، من معنى: لا تراه الأبصار،
стр. 6444
بمعزل= وأن معنى ذلك: لا تحيط به الأبصار، لأن الإحاطة به غير جائزة.
قالوا: فالمؤمنون وأهل الجنة يرون ربهم بأبصارهم، ولا تدركه أبصارهم، بمعنى: أنها لا تحيط به، إذ كان غير جائز أن يوصف الله بأن شيئًا يحيط به.
قالوا: ونظير جواز وصفه بأنه يُرَى ولا يُدْرَك، جوازُ وصفه بأنه يعلم ولا يحاط بعلمه، (١) وكما قال جل ثناؤه: (وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ) [سورة البقرة: ٢٥٥] . قالوا: فنفى جل ثناؤه عن خلقه أن يكونوا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء. قالوا: ومعنى"العلم" في هذا الموضع، المعلوم. قالوا: فلم يكن في نفيه عن خلقه أن يحيطوا بشيء من علمه إلا بما شاء، نَفْيٌ عن أن يعلموه. قالوا: فإذا لم يكن في نفي الإحاطة بالشيء علمًا نَفْيٌ للعلم به، كان كذلك، لم يكن في نفي إدراك الله عن البصر، نفيُ رؤيته له. قالوا: وكما جاز أن يعلم الخلق أشياءَ ولا يحيطون بها علمًا، كذلك جائزٌ أن يروا ربَّهم بأبصارهم ولا يدركوه بأبصارهم، إذ كان معنى"الرؤية" غير معنى"الإدراك"، ومعنى"الإدراك" غير معنى"الرؤية"، وأن معنى"الإدراك"، إنما هو الإحاطة، كما قال ابن عباس في الخبر الذي ذكرناه قبل.
قالوا: فإن قال لنا قائل: وما أنكرتم أن يكون معنى قوله:"لا تدركه الأبصار"، لا تراه الأبصار؟
قلنا له: أنكرنا ذلك، لأن الله جل ثناؤه أخبر في كتابه أن وجوهًا في القيامة إليه ناظرة، (٢) وأن رسول الله ﷺ أخبر أمته أنهم سيرون ربهم يوم القيامة، كما يُرَى القمر ليلة البدر، وكما ترونَ الشمس ليسَ دونها سحاب. (٣) قالوا: فإذ كان الله قد أخبر في كتابه بما أخبر، وحققتْ أخبارُ رسول الله صلى الله عليه
стр. 6445
وسلم بما ذكرنا عنه من قيله ﷺ : إن تأويل قوله: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) [سورة القيامة: ٢٢-٢٣] ، أنه نظر أبصار العيون لله ﷻ ، (١) وكان كتاب الله يصدق بعضه بعضًا، وكان مع ذلك غير جائز أن يكون أحدُ هذين الخبرين ناسخًا للآخر، إذ كان غير جائز في الأخبار= لما قد بينا في كتابنا:"كتاب لطيف البيان، عن أصول الأحكام"، وغيره= (٢) علم، أن معنى قوله:"لا تدركه الأبصار"، غير معنى قوله: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) ، فإن أهل الجنة ينظرون بأبصارهم يوم القيامة إلى الله، ولا يدركونه بها، تصديقًا لله في كلا الخبرين، وتسليمًا لما جاء به تنزيله على ما جاء به في السورتين.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: لا تراه الأبصار، وهو يرى الأبصار.
* ذكر من قال ذلك:
١٣٦٩٧- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"لا تدركه الأبصار"، لا يراه شيء، وهو يرى الخلائق.
١٣٦٩٨- حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عامر، عن مسروق، عن عائشة قالت: من حدَّثك أن رسول الله ﷺ رأى ربَّه فقد كذب! "لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار"، (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) ، [سورة الشورى: ٥١] ، ولكن قد رأى جبريل في صورته مرتين.