← Тафсир

Тафсир · id 43

تفسير الطبري جامع البيان - ط دار التربية والتراث

ابن جرير الطبري

Полный текст (14 577 стр.). Показаны 7176–7215 · переход к 7181.

стр. 7176

أسباط، عن السدي: "الذي يؤمن بالله وكلماته"، فهو عيسى ابن مريم. * * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا، أنَّ الله تعالى ذكره أمرَ عباده أن يصدِّقوا بنبوِّة النبيّ الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته، ولم يخصص الخبرَ جل ثناؤه عن إيمانه من "كلمات الله" ببعض دون بعضٍ، بل أخبرهم عن جميع "الكلمات"، فالحق في ذلك أن يعمَّ القول، فإن رسول الله ﷺ كان يؤمن بكلمات الله كلِّها، على ما جاء به ظاهرُ كتابِ الله. * * * وأما قوله: "واتبعوه لعلكم تهتدون"، فاهتدوا به أيها الناس، واعملوا بما أمركم أن تعملوا به من طاعة الله= "لعلكم تهتدون"، يقول: لكي تهتدوا فترشدوا وتصيبوا الحقّ في اتّباعكم إيّاه. * * * القول في تأويل قوله: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩) ﴾ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: "ومن قوم موسى"، يعني بني إسرائيل= "أمة"، يقول: جماعة (١) = "يهدون بالحق"، يقول: يهتدون بالحق، أي يستقيمون عليه ويعملون (٢) "وبه يعدلون"، أي: وبالحق يعطُون ويأخذون، ويُنصفون من أنفسهم فلا يجورون. (٣) * * * وقد قال في صفة هذه الأمة التي ذكرها الله في الآية، جماعةٌ أقوالا نحن ذاكرو ما حضَرنا منها.

стр. 7177

١٥٢٥٠- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن الزبير، عن ابن عيينة، عن صدقة أبي الهذيل، عن السدي: "ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون"، قال: قوم بينكم وبينهم نهر من شُهْدِ. (١) ١٥٢٥١- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله: "ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون"، قال: بلغني أن بني إسرائيل لمّا قتلوا أنبياءَهم، كفروا. وكانوا اثني عشر سبطًا، تبرّأ سبطٌ منهم مما صنعوا، واعتذروا، وسألوا الله أن يفرِّق بينهم وبينهم، ففتح الله لهم نَفَقًا في الأرض، فساروا فيه حتى خرجُوا من وراء الصين، فهم هنالك،

стр. 7178

حُنَفاء مسلمُون يستقبلون قبلتنا= قال ابن جريج: قال ابن عباس: فذلك قوله: (وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الأرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا) [سورة الإسراء: ١٠٤] . و"وعد الآخرة"، عيسى ابن مريم، يخرجون معه= قال ابن جريج: قال ابن عباس: ساروا في السَّرَب سنة ونصفًا. (١) * * *

стр. 7179

القول في تأويل قوله: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فرقناهم= يعني قوم موسى من بني إسرائيل، فرقهم الله فجعلهم قبائل شتى، اثنتي عشرة قبيلة. * * * وقد بينا معنى "الأسباط"، فيما مضى، ومن هم. (١) * * * واختلف أهل العربية في وجه تأنيث "الاثنتي عشرة"، و"الأسباط" جمع مذكر. فقال بعض نحويي البصرة: أراد اثنتي عشرة فرقة، ثم أخبر أن الفرق "أسباط"، ولم يجعل العدد على "أسباط". * * * وكان بعضهم يستخِلُّ هذا التأويل ويقول (٢) لا يخرج العدد على غير

стр. 7180

التالي، (١) ولكن "الفرق" قبل "الاثنتي عشرة"، حتى تكون "الاثنتا عشرة" مؤنثة على ما قبلها، ويكون الكلام: وقطعناهم فرقًا اثنتي عشرة أسباطًا= فيصحّ التأنيث لما تقدَّم. * * * وقال بعض نحويي الكوفة: إنما قال "الاثنتي عشرة" بالتأنيث، و"السبط" مذكر، لأن الكلام ذهب إلى "الأمم"، فغُلّب التأنيث، وإن كان "السبط" ذكرًا، وهو مثل قول الشاعر: (٢) وَإِنَّ كِلابًا هَذِهِ عَشْرُ أَبْطُنٍ وَأَنْتَ بَرِيءٌ مِنْ قَبَائِلِهَا الْعَشْرِ (٣) ذهب ب"البطن" إلى القبيلة والفصيلة، فلذلك جمع "البطن" بالتأنيث. * * * وكان آخرون من نحويي الكوفة يقولون: إنما أنّثت "الاثنتا عشرة"، و "السبط" ذكر، لذكر "الأمم". (٤) * * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أنّ "الاثنتي عشرة" أنثت لتأنيث "القطعة"، ومعنى الكلام: وقطعناهم قِطَعًا اثنتي عشرة ثم ترجم عن "القِطَع" ب"الأسباط"، وغير جائز أن تكون "الأسباط" مفسرة

стр. 7181

عن "الاثنتي عشرة" وهي جمع، لأن التفسير فيما فوق "العشر" إلى "العشرين" بالتوحيد لا بالجمع، (١) و"الأسباط" جمع لا واحد، وذلك كقولهم: "عندي اثنتا عشرة امرأة". ولا يقال: "عندي اثنتا عشرة نسوة"، فبيَّن ذلك أن "الأسباط" ليست بتفسير للاثنتي عشرة، (٢) وأن القول في ذلك على ما قلنا. * * * وأما "الأمم"، فالجماعات= و"السبط" في بني إسرائيل نحو "القَرْن". (٣) * * * وقيل: إنما فرّقوا أسباطًا لاختلافهم في دينهم. * * * القول في تأويل قوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١٦٠) ﴾ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: "وأوحينا إلى موسى"، إذ فرّقنا بني إسرائيل قومه اثنتي عشرة فرقة، وتيَّهناهم في التيه، فاستسقوا موسى من العَطش وغَوْر الماء= "أن اضرب بعصَاك الحجر". * * *

стр. 7182

وقد بينا السبب الذي كان قومه استسقوه وبينا معنى الوحي بشواهده. (١) * * * = "فانبجست"، فانصّبت وانفجرت من الحجر اثنتَا عشرة عينًا من الماء، "قد علم كل أناس"، يعني: كل أناس من الأسباط الاثنتي عشرة "مشربهم"، لا يدخل سبط على غيره في شربه= "وظللنا عليهم الغمام"، يكنُّهم من حرّ الشمس وأذاها. * * * وقد بينا معنى "الغمام" فيما مضى قبل، وكذلك: "المن والسلوى". (٢) * * * = "وأنزلنا عليهم المن والسلوى"، طعامًا لهم= "كلوا من طيبات ما رزقناكم"، يقول: وقلنا لهم: كلوا من حَلال ما رَزقْناكم، أيها الناس، وطيّبناه لكم= "وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون"، وفي الكلام محذوف، ترك ذكره استغناءً بما ظهَر عما ترك، وهو: "فأجِمُوا ذلك، (٣) وقالوا: لن نصبر على طعام واحد، فاستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير"= "وما ظلمونا"، يقول: وما أدخلوا علينا نقصًا في ملكنا وسلطاننا بمسألتهم ما سألوا، وفعلهم ما فعلوا= "ولكن كانوا أنفسهم يظلمون"، أي: ينقصونها حظوظَها باستبدالهم الأدنى بالخير، والأرذل بالأفضل. * * *

стр. 7183

القول في تأويل قوله: ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (١٦١) ﴾ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : واذكر أيضًا، يا محمد، من خطأ فعل هؤلاء القوم، وخلافهِم على ربهم، وعصيانهم نبيَّهم موسى ﵇، وتبديلهم القولَ الذي أمروا أن يقولوه حين قال الله لهم: "اسكنوا هذه القرية"، وهي قرية بيت المقدس (١) = "فكلوا منها"، يقول: من ثمارها وحبوبها ونباتها= "حيث شئتم"، منها، يقول: أنّى شئتم منها= "وقولوا حطة"، يقول: وقولوا: هذه الفعلة "حِطّةٌ"، تحطُّ ذنوبنا (٢) = "نغفر لكم"، يتغمد لكم ربكم= "ذنوبكم"، التي سلفت منكم، فيعفو لكم عنها، فلا يؤاخذكم بها. (٣) = "سنزيد المحسنين"، منكم، وهم المطيعون لله، (٤) على ما وعدتكم من غفران الخطايا. * * * وقد ذكرنا الروايات في كل ذلك باختلاف المختلفين، والصحيح من القول لدينا فيه فيما مضى، بما أغنى عن إعادته. (٥) * * *

стр. 7184

القول في تأويل قوله: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ (١٦٢) ﴾ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فغيَّر الذين كفروا بالله منهم ما أمرهم الله به من القول، فقالوا= وقد قيل لهم: قولوا: هذه حطة=: "حنطة في شعيرة". وقولهم ذلك كذلك، هو غير القول الذي قيل لهم قولوه. يقول الله تعالى: "فأرسلنا عليهم رجزًا من السماءِ"، بَعثنا عليهم عذابًا، أهلكناهم بما كانوا يغيِّرون ما يؤمرون به، فيفعلون خلاف ما أمرهم الله بفعله، ويقولون غير الذي أمرهم الله بفعله. (١) * * * وقد بينا معنى الرجز فيما مضى. (٢) * * * القول في تأويل قوله: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣) ﴾ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: واسأل، يا محمد، هؤلاء اليهود، وهم مجاوروك، عن أمر "القرية التي كانت حاضرة البحر"، يقول: كانت بحضرة البحر، أي بقرب البحر وعلى شاطئه. * * * واختلف أهل التأويل فيها.

стр. 7185

فقال بعضهم: هي "أيلة". * ذكر من قال ذلك: ١٥٢٥٢- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن إدريس، عن محمد بن إسحاق، عن داود بن حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس: "واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر"، قال: هي قرية يقال لها "أيلة"، بين مَدْين والطور. ١٥٢٥٣- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير في قوله: "واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر" قال: سمعنا أنها أيلة. ١٥٢٥٤- حدثني سلام بن سالم الخزاعي قال، حدثنا يحيى بن سليم الطائفي قال، حدثنا ابن جريج، عن عكرمة قال: دخلتُ على ابن عباس والمصحف في حجره وهو يبكي، فقلت: ما يبكيك، جعلني الله فداك؟ فقال: ويلك، وتعرِف القرية التي كانت حاضرة البحر؟ فقلت: تلك أيلة! (١) ١٥٢٥٥- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن أبي بكر الهذلي، عن عكرمة، عن ابن عباس: "واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر"، قال: هي أيلة. ١٥٢٥٦- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: هي قرية على شاطئ البحر، بين مصر والمدينة، يقال لها: "أيلة".

стр. 7186

١٥٢٥٧- حدثنا موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: هم أهل أيلة، القرية التي كانت حاضرة البحر. ١٥٢٥٨- حدثني الحارث قال، حدثنا أبو سعد، عن مجاهد في قوله: "واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر"، قال: أيلة. * * * وقال آخرون: معناه: ساحلُ مدين. ١٥٢٥٩- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: "واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر" الآية، ذكر لنا أنها كانت قرية على ساحل البحر، يقال لها أيلة. * * * وقال آخرون: هي مَقْنا. * ذكر من قال ذلك: ١٥٢٦٠- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: "واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر"، قال: هي قرية يقال لها "مقنا"، بين مدين وعَيْنُوني. (١) * * *

стр. 7187

وقال آخرون: هي مدين. * ذكر من قال ذلك: ١٥٢٦١- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني محمد بن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: هي قرية بين أيلة والطور، يقال لها "مَدْين". * * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: هي قرية حاضرة البحر= وجائز أن تكون أيلة= وجائز أن تكون مدين= وجائز أن تكون مقنا= لأن كل ذلك حاضرة البحر، ولا خبر عن رسول الله ﷺ يقطع العذر بأيِّ ذلك من أيٍّ، (١) والاختلاف فيه على ما وصفت. ولا يوصل إلى علم ما قد كان فمضى مما لم نعاينه، إلا بخبر يوجب العلم. ولا خبر كذلك في ذلك. * * * وقوله: "إذ يعدون في السبت"، يعني به أهله، إذ يعتدون في السبت أمرَ الله، ويتجاوزونه إلى ما حرمه الله عليهم. * * * يقال منه: "عدا فلان أمري" و"اعتدى"، إذا تجاوزه. (٢) * * *

стр. 7188

وكان اعتداؤهم في السبت: أن الله كان حرَّم عليهم السبت، فكانوا يصطادون فيه السمك. (١) * * * = "إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرَّعًا"، يقول: إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم الذي نهوا فيه العمل= "شرَّعًا"، يقول: شارعة ظاهرةً على الماء من كل طريق وناحية، كشوارع الطرق، كالذي: - ١٥٢٦٢- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: "إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعًا"، يقول: ظاهرة على الماء. (٢) ١٥٢٦٣- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: "شرعًا"، يقول: من كلّ مكان. * * * وقوله: "ويوم لا يسبتون"، يقول: ويوم لا يعظمونه تعظيمهم السَّبت، وذلك سائر الأيام غير يوم السبت= "لا تأتيهم"، الحيتان= "كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون"، يقول: كما وصفنا لكم من الاختبار والابتلاء الذي ذكرنا، بإظهار السمك لهم على ظهر الماء في اليوم المحرم عليهم صيده، وإخفائه عنهم في اليوم المحلل صيده (٣) = "كذلك نبلوهم"، ونختبرهم (٤) = "بما كانوا يفسقون"،

стр. 7189

يقول: بفسقهم عن طاعة الله وخروجهم عنها. (١) * * * واختلفت القرأة في قراءة قوله: "ويوم لا يسبتون". فقرئ بفتح "الياء" من (يَسْبِتُونَ) =من قول القائل: "سبت فلان يسبت سَبْتًا وسُبُوتًا"، إذا عظَّم "السبت". * * * وذكر عن الحسن البصري أنه كان يقرؤه: (وَيَوْمَ لا يُسْبَتُونَ) بضم الياء. =من "أسبت القوم يسبتون"، إذا دخلوا في "السبت"، كما يقال: "أجمعنا"، مرّت بنا جمعة، و"أشهرنا" مرّ بنا شهر، و"أسبتنا"، مرّ بنا سبت. * * * ونصب "يوم" من قوله: "ويوم لا يسبتون"، بقوله: "لا تأتيهم"، لأن معنى الكلام: لا تأتيهم يوم لا يسبتون. * * *

стр. 7190

القول في تأويل قوله: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤) ﴾ (١) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : واذكر أيضًا، يا محمد= "إذ قالت أمة منهم"، جماعة منهم لجماعة كانت تعظ المعتدين في السبت، وتنهاهم عن معصية الله فيه = (٢) "لم تعظون قومًا الله

стр. 7191

مهلكهم"، في الدنيا بمعصيتهم إياه، وخلافهم أمره، واستحلالهم ما حرم عليهم= "أو معذبهم عذابًا شديدًا"، في الآخرة، قال الذين كانوا ينهونهم عن معصية الله مجيبيهم عن قولهم: عظتنا إياهم معذرةٌ إلى ربكم، نؤدِّي فرضه علينا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر= "ولعلهم يتقون"، يقول: ولعلهم أن يتقوا الله فيخافوه، فينيبوا إلى طاعته، ويتوبوا من معصيتهم إياه، وتعدِّيهم على ما حرّم عليهم من اعتدائهم في السبت، كما: - ١٥٢٦٤- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس: "قالوا معذرة إلى ربكم"، لسخطنا أعمالهم. (١) * * * = "ولعلهم يتقون"،: أي ينزعون عما هم عليه. (٢) * * * ١٥٢٦٥- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد، في قوله: "ولعلهم يتقون" قال: يتركون هذا العمل الذي هم عليه. * * * واختلفت القرأة في قراءة قوله: "قالوا معذرة". (٣) فقرأ دلك عامة قرأة الحجاز والكوفة والبصرة: (مَعْذِرَةٌ) بالرفع، على ما وصفتُ من معناها. * * * وقرأ ذلك بعض أهل الكوفة: (مَعْذِرَةً) نصبًا، بمعنى: إعذارًا وعظناهم وفعلنا ذلك. * * *

стр. 7192

واختلف أهل العلم في هذه الفرقة التي قالت: "لم تعظون قوما الله مهلكهم"، هل كانت من الناجية، أم من الهالكة! فقال بعضهم: كانت من الناجية، لأنها كانت هي الناهيةَ الفرقةَ الهالكةَ عن الاعتداء في السبت. (١) * ذكر من قال ذلك: ١٥٢٦٦- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: "وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قومًا الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا"، هي قرية على شاطئ البحر بين مكة والمدينة، يقال لها: "أيلة"، فحرم الله عليهم الحيتان يوم سبتهم، فكانت الحيتان تأتيهم يوم سبتهم شرعًا في ساحل البحر. فإذا مضى يوم السبت، لم يقدروا عليها. فمكثوا بذلك ما شاء الله، ثم إن طائفة منهم أخذوا الحيتان يوم سبتهم، فنهتهم طائفة، وقالوا: تأخذونها، وقد حرمها الله عليكم يوم سبتكم! فلم يزدادوا إلا غيًّا وعتوًّا، وجعلت طائفة أخرى تنهاهم. فلما طال ذلك عليهم، قالت طائفة من النهاة: تعلَّموا أنّ هؤلاء قوم قد حق عليهم العذاب، (٢) لم تعظون قومًا الله مهلكهم، وكانوا أشد غضَبًا لله من الطائفة الأخرى، فقالوا: "معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون"، وكلّ قد كانوا ينهون، فلما وقع عليهم غضب الله، نجت الطائفتان اللتان قالوا: "لم تعظون قومًا الله مهلكهم"، والذين قالوا: "معذرة إلى ربكم"، وأهلك الله أهل معصيته الذين أخذوا الحيتان، فجعلهم قردة وخنازير. ١٥٢٦٧- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي، قال حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: "واسألهم عن القرية التي كانت

стр. 7193

حاضرة البحر، إلى قوله: "ويوم لا يسبتون لا تأتيهم"، وذلك أن أهل قرية كانت حاضرة البحر، كانت تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم. يقول: إذا كانوا يوم يسبتون تأتيهم شرعًا= يعني: من كل مكان= ويوم لا يسبتون لا تأتيهم، وأنهم قالوا: لو أنا أخذنا من هذه الحيتان يوم تجيء ما يكفينا فيما سوى ذلك من الأيام! فوعظهم قوم مؤمنون ونهوهم. وقالت طائفة من المؤمنين: إن هؤلاء قوم قد هموا بأمر ليسوا بمنتهين دونه، والله مخزيهم ومعذبهم عذابًا شديدًا. قال المؤمنون بعضهم لبعض: "معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون"، إن كان هلاك، فلعلنا ننجو، وإما أن ينتهوا فيكون لنا أجرًا. وقد كان الله جعل على بني إسرائيل يومًا يعبدونه ويتفرغون له فيه، وهو يوم الاثنين. فتعدى الخبثاء من الاثنين إلى السبت، وقالوا: هو يوم السبت! فنهاهم موسى، فاختلفوا فيه، فجعل عليهم السبت، ونهاهم أن يعملوا فيه وأن يعتدوا فيه، وأنّ رجلا منهم ذهب ليحتطب، فأخذه موسى ﵇ فسأله: هل أمرك بهذا أحد؟ فلم يجد أحدًا أمره، فرجمه أصحابه. ١٥٢٦٨- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: قال بعض الذين نهوهم لبعض: "لم تعظون قومًا الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا"، يقول: لم تعظونهم، وقد وعظتموهم فلم يطيعوكم؟ فقال بعضهم: "معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون". ١٥٢٦٩- حدثنا محمد بن المثني قال، حدثنا معاذ بن هانئ قال، حدثنا حماد، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس: "وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قومًا الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا"، قال: ما أدري أنجا الذين قالوا: "لم تعظون قوما الله مهلكهم" أم لا! قال: فلم أزل به حتى عرَّفته أنهم قد نجوا، فكساني حلة. (١)

стр. 7194

١٥٢٧٠- حدثني المثني قال، حدثنا حماد، عن داود، عن عكرمة قال: قرأ ابن عباس هذه الآية، فذكر نحوه= إلا أنه قال في حديثه: فما زلت أبصِّره حتى عرَف أنهم قد نجوا. ١٥٢٧١- حدثني سلام بن سالم الخزاعي قال، حدثنا يحيى بن سليم الطائفي قال، حدثنا ابن جريج، عن عكرمة قال: دخلت على ابن عباس والمصحف في حجره، وهو يبكي، فقلت: ما يبكيك، جعلني الله فداءك؟ قال: فقرأ: "واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر"، إلى قوله: (بما كانوا يفسقون".) قال ابن عباس: لا أسمع الفرقة الثالثة ذكرت، نخاف أن نكون مثلهم! فقلت: أما تسمع الله يقول: "فلما عتوا عمّا نهوا عنه"؟ فسُرِّي عنه، وكساني حُلّة. (١) ١٥٢٧٢- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن جريج قال، حدثني رجل، عن عكرمة قال: جئت ابن عباس يومًا وهو يبكي، وإذا المصحف في حجره، فأعظمت أن أدنو، ثم لم أزل على ذلك حتى تقدَّمت فجلستُ، فقلت: ما يبكيك يا ابن عباس، جعلني الله فداءك؟ فقال: هؤلاء الورقات! قال: وإذا هو في "سورة الأعراف"، قال: تعرف أيلة! قلت: نعم! قال: فإنه كان حيّ من يهود، سيقت الحيتان إليهم يوم السبت، ثم غاصت لا يقدرون عليها حتى يغُوصوا، بعد كدٍّ ومؤنة شديدة، كانت تأتيهم يوم السبت شرعًا بيضًا سمانًا كأنها الماخض، (٢) تنبطحُ ظهورُها لبطونها بأفنيتهم وأبنيتهم. (٣) فكانوا كذلك برهة من الدهر، ثم إن الشيطان أوحى إليهم فقال:

стр. 7195

إنما نهيتم عن أكلها يوم السبت، فخذوها فيه، وكلوها في غيره من الأيام! فقالت ذلك طائفة منهم، وقالت طائفة منهم: بل نُهيتم عن أكلها وأخذِها وصيدها في يوم السبت. وكانوا كذلك، حتى جاءت الجمعة المقبلة، فعدت طائفة بأنفسها وأبنائها ونسائها، واعتزلت طائفة ذات اليمين، وتنحَّت، واعتزلت طائفة ذات اليسار وسكتت. وقال الأيمنون: ويلكم! اللهَ، اللهَ، ننهاكم أن تعترّضوا لعقوبة الله! (١) وقال الأيسرون: "لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا"؟ قال الأيمنون: "معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون"! أي: ينتهون، فهو أحب إلينا أن لا يصابوا ولا يهلكوا، وإن لم ينتهوا فمعذرة إلى ربكم. فمضوا على الخطيئة، فقال الأيمنون: قد فعلتم، يا أعداء الله! والله لا نُبَايتكم الليلة في مدينتكم، (٢) والله ما نراكم تصبحون حتى يصيبكم الله بخسف أو قذف أو بعض ما عنده بالعذاب! (٣) فلما أصبحوا ضربوا عليهم الباب ونادوا، فلم يجابوا، فوضعوا سلّمًا، وأعلوا سور المدينة رجلا فالتفت إليهم فقال: أي عبادَ الله، قردةٌ والله تعاوَى لها أذناب! قال: ففتحوا فدخلوا عليهم، فعرفت القردةُ أنسابها من الإنس، ولا تعرف الإنس أنسابها من القردة، فجعلت القرود تأتي نسيبها من الإنس فتشمّ ثيابه وتبكي، فتقولُ لهم: ألم ننهكم عن كذا؟ فتقول برأسها: نعم! ثم قرأ ابن عباس: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) . قال: فأرى اليهود الذين نَهَوْا قد نجوا، ولا أرى الآخرين ذُكروا، ونحن نرى أشياء ننكرها فلا نقول فيها! قال قلت: إنَّ جعلني الله فداك، (٤) ألا ترى أنهم قد كَرِهوا ما هم عليه، وخالفوهم وقالوا: "لم تعظون قومًا الله مهلكهم أو معذبهم"؟ قال: فأمرَ بي فكسيِت بُرْدَين غليظين. ١٥٢٧٣- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، "واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر"، ذُكر لنا أنه إذا كان يوم السبت أقبلت الحيتان، حتى تتبطَّح على سواحلهم وأفنيتهم، (٥) لما بلغها من أمر الله في الماء، فإذا كان في غير يوم السبت، بعدت في الماء حتى يطلبها طالبهم. فأتاهم الشيطان فقال: إنما حرم عليكم أكلها يوم السبت، فاصطادوها يوم السبت وكلوها فيما بعد! ..... (٦) قوله: "وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون"، صار القوم ثلاثة أصناف، (٧) أما صنف فأمسكوا عن حرمة الله ونهوا عن معصية الله، وأما صنف فأمسك عن حرمة الله هيبةً لله، وأما صنف فانتهك الحرمة ووقع في الخطيئة.

стр. 7196

١٥٢٧٤- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس في قول الله: "حاضرة البحر"، قال: حرمت عليهم الحيتان يوم السبت، وكانت تأتيهم يوم السبت شُرّعًا، بلاء ابتلوا به، ولا تأتيهم في غيره إلا أن يطلبوها، بلاء أيضًا، بما كانوا يفسقون. فأخذوها يوم السبت استحلالا ومعصية، فقال الله لهم: "كونوا قردة خاسئين"، إلا طائفة منهم لم يعتدوا ونهوهم، فقال بعضهم لبعض: "لم تعظون قومًا". ١٥٢٧٥- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: "وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم" حتى بلغ "ولعلهم يتقون"، لعلّهم يتركون ما هم عليه. قال: كانوا قد بُلوا بكفّ الحيتان عنهم، وكانوا يسبتون في يوم السبت ولا يعملون فيه شيئًا، فإذا كان يوم السبت أتتهم الحيتانُ شُرّعًا، وإذا كان غير يوم السبت لم يأت حوتٌ واحد. قال: وكانوا قومًا قد قَرِموا بحب الحيتان ولقوا منه بلاءً، (١) فأخذ رجل منهم حوتًا فربط في ذنبه خيطًا، ثم ربطه إلى خَشَفَةٍ، (٢) ثم تركه في الماء، حتى إذا غربت الشمس من يوم الأحد، اجتره بالخيط ثم شواه. فوجد جارٌ له ريح حوت، فقال: يا فلان، إني أجد في بيتك ريح نًونٍ! (٣) فقال: لا! قال: فتطلع في تنُّوره فإذا هو فيه، فأخبره حينئذ الخبرَ، فقال: إني أرى الله سيعذِّبك. قال: فلما لم يره عجَّل عذابًا، فلما أتى السبت الآخر أخذ اثنين فربَطَهما، ثم اطلع جارٌ له عليه، فلما رآه لم يعجِّل عذابًا، جعلوا يصيدونه، (٤) فاطلع أهل القرية عليهم، فنهاهم الذين ينهون عن

стр. 7197

المنكر، فكانوا فرقتين: فرقة تنهاهم وتكفّ، وفرقة تنهاهم ولا تكف. فقال الذين نهوا وكفوا، للذين ينهون ولا يكفون: "لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا"؟ فقال الآخرون: "معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون". فقال الله: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ) . إلى قوله: (بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) قَالَ اللَّهُ (فلما عتوا عما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين) . وقال لهم أهل تلك القرية: عملتم بعمل سَوْء، من كان يريد يعتزل ويتطهَّر فليعتزل هؤلاء! قال: فاعتزل هؤلاء وهؤلاء في مدينتهم، وضربوا بينهم سورًا، فجعلوا في ذلك السور أبوابًا يخرج بعضُهم إلى بعض. قال: فلما كان الليل طرقهم الله بعذابٍ، (١) فأصبح أولئك المؤمنون لا يرون منهم أحدًا، فدخلوا عليهم فإذا هم قردة، الرجل وأزواجه وأولاده، فجعلوا يدخلون على الرجل يعرفونه فيقولون: يا فلان، ألم نحذرك سطوات الله؟ ألم نحذرك نقمات الله؟ ونحذرك ونحذرك؟ قال: فليس إلا بكاء! (٢) قال: وأنما عذب الله الذين ظلموا، الذين أقاموا على ذلك. قال: وأما الذين نَهَوْا، فكلهم قد نهى، ولكن بعضهم أفضل من بعض. فقرأ: (أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) . ١٥٢٧٦- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربي، عن داود، عن عكرمة قال: قرأ ابن عباس هذه الآية: "لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا"، قال: لا أدري أنجا القوم أو هلكوا؟ فما زلت أبصِّره حتى عرف أنهم نجوا، وكساني حُلَّة.

стр. 7198

١٥٢٧٧- حدثني يونس قال، أخبرني أشهب بن عبد العزيز، عن مالك قال: زعم ابن رُومان أن قوله: "تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرَّعًا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم"، قال: كانت تأتيهم يوم السبت، فإذا كان المساء ذهبتْ، فلا يرى منها شيء إلى السبت. فاتخذ لذلك رجل منهم خيطًا ووتدًا، فربط حوتًا منها في الماء يوم السبت، حتى إذا أمسوا ليلة الأحد أخذه فاشتواه، فوجد الناس ريحه، فأتوه فسألوه عن ذلك، فجحدهم، فلم يزالوا به حتى قال لهم: فإنه جلد حوتٍ وجدناه! فلما كان السبت الآخر فعل مثل ذلك= ولا أدري لعله قال: ربط حوتين= فلما أمسى من ليلة الأحد أخذه فاشتواه، فوجدوا ريحه، فجاءوا فسألوه، فقال لهم: لو شئتم صنعتم كما أصنع! فقالوا له: وما صنعت؟ فأخبرهم، ففعلوا مثل ما فعل، حتى كثر ذلك. وكانت لهم مدينة لها رَبض، (١) فغلَّقوها، فأصابهم من المسْخ ما أصابهم. فغدا إليهم جيرانهم ممن كان يكون حولهم، يطلبون منهم ما يطلب الناس، فوجدوا المدينة مغلقة عليهم، فنادوا فلم يجيبوهم، فتسوَّروا عليهم، فإذا هم قردة، فجعل القرد يدنو يتمسَّح بمن كان يعرف قبل ذلك، ويدنو منه ويتمسَّح به. * * * وقال آخرون: بل الفرقة التي قالت: "لم تعظون قومًا الله مهلكهم"، كانت من الفرقة الهالكة. * ذكر من قال ذلك: ١٥٢٧٨- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن إدريس، عن محمد بن إسحاق، عن داود بن حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس: "واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر" إلى قوله: "شرعًا"، قال: قال ابن عباس: ابتدعوا السبت فابتلُوا فيه، فحرِّمت عليهم فيه الحيتان، فكانوا إذا كان يوم

стр. 7199

السبت شَرَعت لهم الحيتان ينظرون إليها في البحر. فإذا انقضى السبتُ، ذهبتْ فلم تُرَ حتى السبت المقبل، فإذا جاء السبت جاءت شرَّعًا. فمكثوا ما شاء الله أن يمكثوا كذلك، ثم إنّ رجلا منهم أخذ حوتًا فخزمه بأنفه، (١) ثم ضرب له وَتِدًا في الساحل، وربطه وتركه في الماء. فلما كان الغد، أخذه فشواه فأكله. ففعل ذلك وهم ينظرُون ولا ينكرون، ولا ينهاه منهم أحد إلا عصبة منهم نَهوه، حتى ظهر ذلك في الأسواق وفُعِل علانيةً. قال: فقالت طائفة للذين يَنهون: "لم تعظون قومًا الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا قالوا معذرة إلى ربكم"، في سخطنا أعمالهم، "ولعلهم يتقون* فلما نسوا ما ذُكِّروا به"، إلى قوله: "قلنا لهم كونوا قردة خاسئين"، قال ابن عباس: كانوا أثلاثًا: ثلث نَهوا، وثلث قالوا: "لم تعظون قوما الله مهلكهم"، وثلث أصحاب الخطيئة، فما نجا إلا الذين نهوا، وهلك سائرهم. فأصبح الذين نهوا عن السوء ذات يوم في مجالسهم يتفقَّدون الناس لا يرونهم، فَعَلوْا على دورهم، (٢) فجعلوا يقولون: إنّ للناس لشأنًا، فانظروا ما شأنهم! فاطلعوا في دورهم، فإذا القوم قد مسخوا في ديارهم قردة، يعرفون الرجل بعينه وإنه لقرد، ويعرفون المرأة بعينها وإنها لقردة، قال الله: (فَجَعَلْنَاهَا نَكَالا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ) [سورة البقرة: ٦٦] . ١٥٢٧٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن أبي بكر الهذلي، عن عكرمة، عن ابن عباس: "أنجينا الذين ينهون عن السوء" الآية، قال ابن عباس: نجا الناهون، وهلك الفاعلون، ولا أدري ما صنع بالساكتين!

стр. 7200

١٥٢٨٠- حدثنا ابن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، عن ابن عباس: "لم تعظون قومًا الله مهلكهم"، قال: هم ثلاث فرق: الفرقة التي وَعَظت، والموعوظة التي وُعِظت، والله أعلم ما فعلت الفرقة الثالثة، وهم الذين قالوا: "لم تعظون قوما الله مهلكهم". =وقال الكلبي: هما فرقتان: الفرقة التي وَعَظت، والتي قالت: "لم تعظون قومًا الله مهلكهم" قال: هي الموعوظة. ١٥٢٨١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمران بن عيينة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لأن أكون علمتُ من هؤلاء الذين قالوا: "لم تعظون قومًا الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا"، أحبُّ إليّ مما عُدِل به! ١٥٢٨٢- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن عطاء قال، قال ابن عباس: "وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قومًا الله مهلكهم"، قال: أسمع، الله يقول: "أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس"، فليت شعري ما فُعِل بهؤلاء الذين قالوا: "لم تعظون قومًا الله مهلكهم"؟ ١٥٢٨٣- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب، عن جعفر، عن ماهان الحنفي أبي صالح في قوله: "تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرَّعًا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم"، قال: كانوا في المدينة التي على ساحل البحر، وكانت الأيام ستةٌ، الأحد إلى الجمعة. فوضعت اليهود يوم السبْت، وسبّتوه على أنفسهم، فسبَّته الله عليهم، ولم يكن السبت قبل ذلك، فوكّده الله عليهم، وابتلاهم فيه بالحيتَانِ، فجعلت تشرع يوم السبت، فيتقون أن يصيبُوا منها، حتى قال رجل منهم: والله ما السَّبت بيوم وَكّده الله علينا، ونحن وكّدناه على أنفسنا، فلو تناولت من هذا السمك! فتناول حوتًا من الحيتان، فسمع بذلك جارُه، فخاف العقوبة، فهرب من منزله. فلما مكث ما شاء الله ولم تصبه عقوبة، تناول غيرُه أيضًا في يوم

стр. 7201

السبت. فلما لم تصبهم العقوبة، كثر مَنْ تناول في يوم السبت، واتخذوا يوم السبت، وليلةَ السبت عيدًا يشربون فيه الخمورَ، ويلعبون فيه بالمعازف. فقال لهم خيارهم وصلحاؤهم: ويحكم، انتهوا عما تفعلون، إن الله مهلككم أو معذِّبكم عذابًا شديدًا، أفلا تعقلون؟ ولا تعدوا في السبت! فأبوا، فقال خِيارهم: نضرب بيننا وبينهم حائطًا. ففعلوا، وكان إذا كان ليلة السبت تأذَّوا بما يسمعون من أصواتهم وأصوات المعازف، حتى إذا كانت الليلة التي مُسِخوا فيها، سكنت أصواتهم أوّل الليل، فقال خيارهم: ما شأن قومكم قد سكنت أصواتهم الليلة؟ فقال بعضهم: لعل الخمر غلبَتهم فناموا! فلما أصبحوا، لم يسمعوا لهم حسًّا، فقال بعضهم لبعض: ما لنا لا نسمع من قومكم حسًّا؟ فقالوا لرجل: اصعد الحائط وانظر ما شأنهم. فصعد الحائط، فرآهم يموجُ بعضهم في بعض، قد مُسخوا قردةً، فقال لقومه: تعالوا فانظروا إلى قومكم ما لَقُوا! فصعدوا، فجعلوا ينظرون إلى الرجل فيتوسَّمُون فيه، فيقولون: أي فلان، أنت فلان؟ فيومئ بيده إلى صدره أن نعم، (١) بما كسبت يداي. (٢) ١٥٢٨٤- حدثني يعقوب وابن وكيع قالا حدثنا ابن علية، عن أيوب قال، تلا الحسن ذات يوم: "واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرَّعًا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون"، فقال: حوتٌ حرمه الله عليهم في يوم، (٣) وأحله لهم فيما سوى ذلك، فكان يأتيهم في اليوم الذي حرَّمه الله عليهم كأنه المخاض، (٤)

стр. 7202

لا يمتنع من أحد. وقلَّما رأيت أحدًا يكثر الاهتمامَ بالذنب إلا واقعه، (١) فجعلوا يَهتمُّون ويمْسِكون، حتى أخذوه، فأكلوا أوْخَم أكلة أكلها قوم قطُّ، (٢) أبقاه خزيًا في الدنيا، وأشدُّه عقوبة في الآخرة! (٣) وايم الله، [ما حوتُ أخذه قوم فأكلوه، أعظم عند الله من قتل رجل مؤمن] ! (٤) وللمؤمن أعظم حرمة عند الله من حوت، ولكن الله جعل موعدَ قومٍ الساعة (وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ) ، [سورة القمر: ٤٦] . ١٥٢٨٥- حدثني يونس قال، أخبرنا سفيان، عن أبي موسى، عن الحسن قال: جاءتهم الحيتان تشرع في حياضهم كأنها المخاض، (٥) فأكلوا والله أوخم أكلة أكلها قوم قط، (٦) أسوأه عقوبة في الدنيا، وأشدُّه عذابًا في الآخرة! وقال

стр. 7203

الحسن: وقتل المؤمن والله أعظم من أكل الحيتان! ١٥٢٨٦- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن عطاء قال: كنت جالسًا في المسجد، فإذا شيخ قد جاء وجلس الناسُ إليه، فقالوا: هذا من أصحاب عبد الله بن مسعود! قال: قال ابن مسعود: "واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر" الآية، قال: لما حرم عليهم السبت، كانت الحيتان تأتي يوم السبت، وتأمن فتجيء، (١) فلا يستطيعون أن يمسوها. وكان إذا ذهب السبت ذهبت، فكانوا يتصيّدون كما يتصيد الناس. فلما أرادوا أن يعدوا في السبت، اصطادوا، فنهاهم قوم من صالحيهم، فأبوا، وكَثَرَهم الفجَّار، (٢) فأراد الفجار قتالهم، فكان فيهم من لا يشتهون قتاله، أبو أحدهم وأخوه أو قريبه. فلما نهوهم وأبوا، قال الصالحون: إذًا نُتَّهم! وإنا نجعل بيننا وبينهم حائطًا! (٣) ففعلوا، فلما فقدوا أصواتهم قالوا: لو نظرتم إلى إخوانكم ما فعلوا! فنظروا، فإذا هم قد مُسخوا قردةً، يعرفون الكبير بكبره، والصغير بصغره، فجعلوا يبكون إليهم. وكان هذا بعد موسى ﷺ . * * *

стр. 7204

القول في تأويل قوله: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥) ﴾ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فلما تركت الطائفة التي اعتدت في السبت ما أمرها الله به من ترك الاعتداء فيه، وضيَّعت ما وَعظتْها الطائفة الواعظة وذكَّرتها به، (١) من تحذيرها عقوبةَ الله على معصيتها، فتقدّمت على استحلال ما حرم الله عليها (٢) أنجى الله الذين ينهون منهم عن "السوء"= يعني عن معصية الله، واسْتحلال حِرْمه (٣) = "وأخذنا الذين ظلموا"، يقول: وأخذ الله الذين اعتدوا في السبت، فاستحلوا فيه ما حرَّم الله من صيد السمك وأكله، فأحلَّ بهم بأسَه، وأهلكهم بعذاب شديدٍ بئيس بما كانوا يخالفون أمر الله، (٤) فيخرجون من طاعته إلى معصيته، وذلك هو "الفسق". (٥) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. * ذكر من قال ذلك: ١٥٢٨٧- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن جريج في قوله: "فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء"، قال: فلما نسُوا موعظة المؤمنين إياهم، الذين قالوا: "لم تعظون قومًا".

стр. 7205

١٥٢٨٨- حدثني محمد بن المثني قال، حدثنا حرمي قال، حدثني شعبة قال، أخبرني عمارة، عن عكرمة، عن ابن عباس: "أنجينا الذين ينهون عن السوء" قال: يا ليت شعري، ما السُّوء الذي نهوا عنه؟ * * * وأما قوله: "بعذاب بَئيس"، فإنّ القرأة اختلفت في قراءته. فقرأته عامة قرأة أهل المدينة: (بِعَذَابٍ بِيسٍ) بكسر الباء وتخفيف الياء، بغير همز، على مثال "فِعْل". * * * وقرأ ذلك بعضُ قرأة الكوفة والبصرة: (بِعَذَابٍ بَئِيسٍ) على مثل "فعيل"، من "البؤس"، بنصب الباء وكسر الهمزة ومدِّها. * * * وقرأ ذلك كذلك بعض المكيين، غير أنه كسر باء: (بِئِيسٍ) على مثال "فِعِيل". * * * وقرأه بعض الكوفيين: (بَيْئِسٍ) بفتح الباء وتسكين الياء، وهمزة بعدها مكسورة، على مثال "فَيْعِل". * * * = وذلك شاذ عند أهل العربية، لأن "فَيْعِل" إذا لم يكن من ذوات الياء والواو، فالفتح في عينه الفصيحُ في كلام العرب، وذلك مثل قولهم في نظيره من السالم: "صَيْقَل، ونَيْرَب"، وإنما تُكْسر العين من ذلك في ذوات الياء والواو كقولهم: "سَيِّد" و"ميِّت"، وقد أنشد بعضهم قول امرئ القيس بن عابسٍ الكنديّ: كِلاهُمَا كَانَ رَئيسًا بَيْئِسَا يَضْرِبُ فِي يَوْمِ الهِيَاجِ القَوْنَسَا (١)

стр. 7206

بكسر العين من "فيعِل"، وهي الهمزة من "بيئس"، فلعلَّ الذي قرأ ذلك كذلك قرأه على هذه. * * * وذكر عن آخر من الكوفيين أيضًا أنه قرأه: (بَيْئَسٍ) ، نحو القراءة التي ذكرناها قبل هذه، وذلك بفتح الباء وتسكين الياء وفتح الهمزة بعد الياء، على مثال "فَيْعَل" مثل "صَيْقَل". * * * وروي عن بعض البصريين أنه قرأه: (بَئِسٍ) بفتح الباء وكسر الهمزة، على مثال "فَعِل"، كما قال ابن قيس الرقيَّات: لَيْتَنِي أَلْقَي رُقَيَّةَ فِي خَلْوَةٍ مِنْ غَيْرِ مَا بَئِسِ (١) * * * وروي عن آخر منهم أنه قرأ: (بِئْسَ) بكسر الباء وفتح السين، على معنى: بِئْسَ العذاب. * * * قال أبو جعفر: وأولى هذه القراءات عندي بالصواب، قراءةُ من قرأه: (بَئِيسٍ) بفتح الباء، وكسر الهمزة ومدّها، على مثال "فَعِيل"، كما قال ذو الإصبع العَدْوانيّ: حَنَقًا عَلَيَّ، وَمَا تَرَى لِي فِيهِمُ أَثَرًا بَئيسَا (٢)

стр. 7207

= لأن أهل التأويل أجمعوا على أن معناه: شديد، فدلّ ذلك على صحة ما اخترنا. (١) * ذكر من قال ذلك: ١٥٢٨٩- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن جريج قال، أخبرني رجل عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: "وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس"،: أليم وجيع. ١٥٢٩٠- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: "بعذاب بئيس"، قال: شديد. ١٥٢٩١- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: "بعذاب بئيس"، أليم شديد. ١٥٢٩٢- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: "بعذاب بئيس" قال: موجع. ١٥٢٩٣- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: "بعذاب بئيس"، قال: بعذاب شديد.

стр. 7208

القول في تأويل قوله: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (١٦٦) ﴾ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فلما تمرَّدوا، فيما نهوا عنه من اعتدائهم في السبت، واستحلالهم ما حرَّم الله عليهم من صيد السمك وأكله، وتمادوا فيه (١) "قلنا لهم كونوا قردة خاسئين"، أي: بُعَداء من الخير. (٢) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. * ذكر من قال ذلك: ١٥٢٩٤- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: "فلما عتوا عما نهوا عنه"، يقول: لما مَرَد القوم على المعصية= "قلنا لهم كونوا قردة خاسئين"، فصارُوا قردةً لها أذناب، تعاوى، بعدما كانوا رجالا ونساءً. ١٥٢٩٥- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: "فلما عتوا عما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين"، فجعل الله منهم القردة والخنازير. فزعم أن شباب القوم صارُوا قردةً، وأن المشيخة صاروا خنازيرَ. ١٥٢٩٦- حدثني المثني قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك، عن السدي، عن أبي مالك أو سعيد بن جبير قال: رأى موسى ﵇ رجلا يحمل قصَبًا يوم السبت، فضرب عنقه. * * *

стр. 7209

القول في تأويل قوله: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: "وإذ تأذن"، واذكر، يا محمد، إذ آذن ربك، وأعلم. (١) * * * =وهو "تفعل" من "الإيذان"، كما قال الأعشى، ميمون بن قيس: أَذِنَ اليَوْمَ جِيرَتِي بِخُفُوفِ صَرَمُوا حَبْلَ آلِفٍ مَأْلُوفِ (٢) يعني بقوله: "أذِن"، أعلم. وقد بينا ذلك بشواهده في غير هذا الموضع. (٣) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. * ذكر من قال ذلك: ١٥٢٩٧- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: "وإذ تأذن ربك"، قال: أمرَ ربك. ١٥٢٩٨- حدثنا الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو سعد، عن مجاهد: "وإذ تأذن ربك"، قال: أمر ربك. * * * وقوله: "ليبعثن عليهم"، يعني: أعلم ربك ليبعثن على اليهود من يسومهم سوء

стр. 7210

العذاب. (١) قيل: إن ذلك، العربُ، بعثهم الله على اليهود، يقاتلون من لم يسلم منهم ولم يعط الجزية، ومن أعطى منهم الجزية كان ذلك له صغارًا وذلة. * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. * ذكر من قال ذلك: ١٥٢٩٩- حدثني المثني بن إبراهيم وعلي بن داود قالا حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: "وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب"، قال: هي الجزية، والذين يسومونهم: محمد ﷺ وأمّته، إلى يوم القيامة. ١٥٣٠٠- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: "وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب"، فهي المسكنة، وأخذ الجزية منهم. ١٥٣٠١- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج، قال ابن عباس: "وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب"، قال: يهود، وما ضُرب عليهم من الذلة والمسكنة. ١٥٣٠٢- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: "وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب"، قال: فبعث الله

стр. 7211

عليهم هذا الحيَّ من العرب، فهم في عذاب منهم إلى يوم القيامة. ١٥٣٠٣- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: "ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم"، قال: بعث عليهم هذا الحي من العرب، فهم في عذاب منهم إلى يوم القيامة. = وقال عبد الكريم الجزريّ: يُستحبُّ أن تُبعث الأنباط في الجزية. (١) ١٥٣٠٤- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا إسحاق بن إسماعيل، عن يعقوب، عن جعفر، عن سعيد: "وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم"، قال: العرب= "سوء العذاب"، قال: الخراج. وأوّلُ من وضع الخراج موسى ﵇، فجبى الخراجَ سبعَ سنين. ١٥٣٠٥- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد: "وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم"، قال: العرب= "سوء العذاب"؟ قال: الخراج. قال: وأول من وضع الخراج موسى، فجبى الخراج سبعَ سنين. ١٥٣٠٦- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد: "وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب"، قال: هم أهل الكتاب، بعث الله عليهم العرب يجبُونهم الخراجَ إلى يوم القيامة، فهو سوء العذاب. ولم يجب نبيٌّ الخراجَ قطُّ إلا مُوسى ﷺ ثلاث عشرة سنةً، ثم أمسك، وإلا النبي ﷺ . ١٥٣٠٧- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: "وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب"، قال: يبعث عليهم هذا الحي من العرب، فهم في عذاب منهم إلى يوم القيامة. ١٥٣٠٨-..... قال أخبرنا معمر قال، أخبرني عبد الكريم، عن

стр. 7212

ابن المسيب قال: يستحبُّ أن تبعث الأنباط في الجزية. (١) ١٥٣٠٩- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط عن السدي: "وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب"، يقول: إن ربك يبعث على بني إسرائيل العرب، فيسومونهم سوء العذاب، يأخذون منهم الجزية ويقتلونهم. ١٥٣١٠- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: "وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة"، ليبعثن على يَهُود. * * * القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٧) ﴾ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن ربك يا محمد، لسريعٌ عقابه إلى من استوجَب منه العقوبة على كفره به ومعصيته= "وإنه لغفور رحيم"، يقول: وإنه لذو صفح عن ذنوب من تاب من ذنوبه، فأناب وراجع طاعته، يستر عليها بعفوه عنها= "رحيم"، له، أن يعاقبه على جرمه بعد توبته منها، لأنه يقبل التوبة ويُقِيل العَثْرة. (٢) * * *

стр. 7213

القول في تأويل قوله: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٦٨) ﴾ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وفرّقنا بني إسرائيل في الأرض (١) = "أممًا يعني: جماعات شتى متفرِّقين، (٢) كما: - ١٥٣١١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا إسحاق بن إسماعيل، عن يعقوب، عن جعفر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: "وقطعناهم في الأرض أممًا"، قال: في كل أرض يدخلها قومٌ من اليهود. (٣) ١٥٣١٢- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: "وقطعناهم في الأرض أممًا"، قال: يهود. * * * وقوله: "منهم الصالحون"، يقول: من هؤلاء القوم الذين وصفهم الله من بني إسرائيل= "الصالحون"، يعني: من يؤمن بالله ورسله= "ومنهم دون ذلك"، يعني: دون الصالح. وإنما وصفهم الله جل ثناؤه بأنهم كانوا كذلك قبل ارتدادِهم عن دينهم، وقبل كفرهم بربهم، وذلك قبل أن يبعث فيهم عيسى ابن مريم صلوات الله عليه. * * * وقوله: "وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون"، يقول: واختبرناهم بالرخاء في العيش، (٤) والخفض في الدنيا والدعة، والسعة في الرزق، وهي

стр. 7214

"الحسنات" التي ذكرها جل ثناؤه (١) ويعني ب"السيئات"، الشدة في العيش، والشظف فيه، والمصائب والرزايا في الأموال (٢) = "لعلهم يرجعون"، يقول: ليرجعوا إلى طاعة ربهم وينيبوا إليها، ويتوبوا من معاصيه. * * * القول في تأويل قوله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فخلف من بعد هؤلاء القوم الذين وصف صفتهم (٣) = "خلف" يعني: خَلف سوء. يقول: حدث بعدهم وخلافَهم، وتبدل منهم، بَدَلُ سَوْءٍ. * * * يقال منه: "هو خَلَف صِدْقٍ"، "وخَلْفُ سَوْءٍ"، وأكثر ما جاء في المدح بفتح "اللام"، وفي الذم بتسكينها، وقد تحرَّك في الذم، وتسكّن في المدح، ومن ذلك في تسكينها في المدح قول حسان: لَنَا القَدَمُ الأُولَى إلَيْكَ، وَخَلْفُنَا لأَوَّلِنَا فِي طَاعَةِ اللهِ تَابِعُ (٤)

стр. 7215

وأحسب أنّه إذا وُجّه إلى الفساد، مأخوذ من قولهم: "خَلَف اللبن"، إذا حمض من طُول تَركه في السقاء حتى يفسد، فكأنَّ الرجل الفاسد مشبَّهٌ به. وقد يجوز أن يكون منه قولهم (١) "خَلَف فم الصائم"، إذا تغيرت ريحه. وأما في تسكين "اللام" في الذمّ، فقول لبيد: ذَهَبَ الَّذِينَ يُعَاشُ فِي أَكْنَافِهِمْ وَبَقِيتُ فِي خَلْفٍ كَجِلْدِ الأَجْرَبِ (٢) * * * وقيل: إن الخلف الذي ذكر الله في هذه الآية أنهم خَلَفوا من قبلهم، هم النصارى. * ذكر من قال ذلك: ١٥٣١٣- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: "فخلف من بعدهم خلف"، قال: النصارى. * * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله تعالى
следующие страницы →