← Тафсир

Тафсир · id 43

تفسير الطبري جامع البيان - ط دار التربية والتراث

ابن جرير الطبري

Полный текст (14 577 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

- لعلة من العلل أوجبتْ عليها الثباتَ على حرف واحد- قراءتَهُ بحرف واحدٍ، ورفْضَ القراءة بالأحرف الستة الباقية، ولم تحْظُرْ قراءته بجميع حروفه على قارئه، بما أذن له في قراءته به. فإن قال: وما العلة التي أوجبت عليها الثباتَ على حرف واحد دون سائر الأحرف الستة الباقية؟ ٥٩- قيل: حدثنا أحمد بن عَبْدةَ الضَّبي، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد الدّرَاوَرْدي، عن عُمارة بن غزِيَّة، عن ابن شهاب، عن خارجة بن زيد ابن ثابت، عن أبيه زيد، قال: لما قُتل أصحابُ رسول الله ﷺ باليمامة، دخل عمرُ بن الخطاب على أبي بكر ﵀ فقال: إنّ أصحابَ رسول الله ﷺ باليمامة تهافتوا تهافتَ الفَراش في النار، وإني أخشى أن لا يشهدوا موطنًا إلا فعلوا ذلك حتى يُقتَلوا - وهمْ حملةُ القرآن- فيضيعَ القرآن ويُنسَى. فلو جمعتَه وكتبتَه! فنفر منها أبو بكر وقال: أفعل ما لم يفعلْ رسولُ الله ﷺ ! فتراجعا في ذلك. ثم أرسل أبو بكر إلى زيد بن ثابت، قال زيد: فدخلت عليه وعُمر مُحْزَئِلٌ (١) فقال أبو بكر: إن هذا قد دَعاني إلى أمر فأبيتُ عليه، وأنت كاتبُ الوحي. فإنْ تكن معه اتبعتكما، وإن توافِقْني لا أفعل. قال: فاقتصَّ أبو بكر قولَ عمر، وعمر ساكت، فنفرت من ذلك وقلت: نفعلُ ما لم يفعل رسول الله ﷺ ! إلى أن قال عمر كلمة: "وما عليكما لو فعلتما ذلك؟ " قال: فذهبنا ننظر، فقلنا: لا شيء والله! ما علينا في ذلك شيء! قال زيد: فأمرني أبو بكر فكتبته في قطَع الأدَم وكِسَرِ الأكتاف والعُسُب (٢) .

стр. 72

فلما هلك أبو بكر وكانَ عُمر (١) كتبَ ذلك في صحيفة واحدةٍ، فكانت عنده. فلما هلك، كانت الصحيفةُ عند حفصة زوج النبي ﷺ . ثم إن حذيفة بن اليمان قدِم من غزوة كان غزاها بِمَرْج أرْمينِية (٢) فلم يدخل بيته حتى أتى عثمان بن عفان فقال: "يا أمير المؤمنين: أدرِكِ الناس! فقال عثمان: "وما ذاك؟ " قال غزوت مَرْج أرمينية، فحضرها أهلُ العراق وأهلُ الشام، فإذا أهل الشام يقرءون بقراءة أبيّ بن كعب، فيأتون بما لم يسمع أهلُ العراق، فتكفرهم أهلُ العراق. وإذا أهل العراق يقرءون بقراءة ابن مسعود، فيأتون بما لم يسمع به أهل الشام، فتكفِّرهم أهلُ الشام. قال زيد: فأمرني عثمان بن عفان أكتبُ له مُصْحفًا، وقال: إنّي مدخلٌ معك رجلا لبيبًا فصيحًا، فما اجتمعتما عليه فاكتباه، وما اختلفتما فيه فارفعاه إليّ. فجعل معه أبان بن سعيد بن العاص، قال: فلما بلغنا ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ﴾ [سورة البقرة: ٢٤٨] قال: زيد فقلت: "التابوه" وقال أبان بن سعيد: "التابوت"، فرفعنا ذلك إلى عثمان فكتب: "التابوت" قال: فلما فرغتُ عرضته عَرْضةً، فلم أجد فيه هذه الآية: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا﴾ [سورة الأحزاب: ٢٣] قال: فاستعرضتُ المهاجرين أسألهم عنها، فلم أجدْها عند أحد منهم، ثم استعرضتُ الأنصارَ أسألهم عنها، فلم أجدها عند أحد منهم،، حتى وجدُتها عند خُزيمة بن ثابت، فكتبتها، ثم عرَضته عَرضَةً أخرى، فلم أجد فيه هاتين الآيتين: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ

стр. 73

عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [سورة التوبة: ١٢٨، ١٢٩] فاستعرضت المهاجرين، فلم أجدها عند أحد منهم، ثم استعرضت الأنصارَ أسألهم عنها فلم أجدها عند أحد منهم، حتى وجدتها مع رَجل آخر يدعى خُزيمة أيضًا، فأثبتها في آخر "براءة"، ولو تمَتْ ثلاثَ آيات لجعلتها سورة على حِدَةٍ. ثم عرضته عرضةً أخرى، فلم أجد فيه شيئًا، ثم أرسل عثمان إلى حفصة يسألها أن تعطيه الصحيفة، وحلف لها ليردنها إليها فأعطته إياها، فعرض المصحف عليها، فلم يختلفا في شيء. فردَّها إليها، وطابت نفسه، وأمرَ الناس أن يكتبوا مصاحفَ. فلما ماتت حفصةُ أرسل إلى عبد الله بن عمر في الصحيفة بعزمة، فأعطاهم إياها فغسلتْ غسلا (١) . ٦٠- وحدثني أيضًا يونس بن عبد الأعلى، قال: حدثنا نعيم بن حماد قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن عُمارة بن غَزِية، عن ابن شهاب، عن خارجة ابن زيد، عن أبيه زيد بن ثابت، بنحوه سواء. ٦١- حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن عُلَية، قال: حدثنا أيوب، عن أبي قِلابة، قال: لما كان في خلافة عثمان، جعل المعلِّم يعلِّم قراءة

стр. 74

الرجل، والمعلم يعلم قراءةَ الرجل، فجعل الغلمان يلتقون فيختلفون، حتى ارتفع ذلك إلى المعلمين - قال أيوب: فلا أعلمه إلا قال-: حتى كفر بعضهم بقراءة بعض. فبلغ ذلك عثمان، فقام خطيبًا فقال: "أنتم عندي تختلفون فيه وتلحنون، فمن نأى عني من أهل الأمصار أشد فيه اختلافًا وأشد لحنًا. اجتمعوا يا أصحابَ محمد، فاكتبوا للناس إمامًا". قال أبو قلابة، فحدثني أنس بن مالك قال: كنت فيمن يملى عليهم، قال: فربما اختلفوا في الآية فيذكرون الرجل قد تلقاها من رسول الله ﷺ ، ولعلهُ أن يكون غائبًا أو في بعض البوادي، فيكتبون ما قبلها وما بعدها، ويَدعون موضعها، حتى يجيءَ أو يُرْسَلَ إليه. فلما فرغ من المصحف، كتب عثمان إلى أهل الأمصار: "إني قد صَنعتُ كذا وكذا، ومحوتُ ما عندي، فامحوا عندكم" (١) . ٦٢- حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس قال: قال ابن شهاب: أخبرني أنس بن مالك الأنصاري: أنه اجتمع في غزوة أذربيجان وأرمينيةَ أهلُ الشام وأهل العراق، فتذاكرُوا القرآن، واختلفوا فيه حتى كاد يكون بينهم فتنة. فركبَ حُذيفةُ بن اليمان - لما رأى اختلافهم في القرآن - إلى عثمان، فقال: "إنّ الناس قد اختلفوا في القرآن، حتى إني والله لأخشى أن يصيبهم مثلُ ما أصاب اليهود والنصارى من الاختلاف". قال: ففزع لذلك فزعًا شديدًا، فأرسل إلى حفصة فاستخرج الصحف التي كان أبو بكر أمر زيدًا بجمعها، فنسخ منها مصاحف، فبعث بها إلى الآفاق (٢) .

стр. 75

٦٣- حدثني سعيد بن الربيع، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، قال: قُبض النبي ﷺ ولم يكن القرآن جمع، وإنما كان في الكرانيف والعسب (١) . ٦٤- حدثنا سعيد بن الربيع قال: حدثنا سفيان، عن مجالد، عن الشعبي، عن صعصعة أنّ أبا بكر أوَلُ من وَرَّث الكلالةَ وجمعَ المصحف (٢) . قال أبو جعفر: وما أشبه ذلك من الأخبار التي يطول باستيعاب جميعها الكتابُ، والآثار الدالة على أن إمامَ المسلمين وأميرَ المؤمنين عثمانَ بن عفان رحمة الله عليه، جمع المسلمين - نظرًا منه لهم، وإشفاقًا منه عليهم، ورأفة منه بهم، حِذارَ الردّةِ من بعضهم بعدَ الإسلامَ، والدّخولِ في الكفر بعد الإيمان، إذ ظهر من بعضهم بمحضَره وفي عصره التكذيبُ ببعض الأحرف السبعة التي نزل عليها القرآن، مع سماع أصحاب رسول الله ﷺ من رسول الله ﷺ النهيَ عن التكذيب بشيء منها، وإخباره إياهم أنّ المِراء فيها كفر- فحملهم رحمةُ الله عليه، إذْ رأى ذلك ظاهرًا بينهم في عصره، ولحَدَاثة عهدهم بنزول القرآن، وفراق رسول الله ﷺ إياهم بما أمِنَ عليهم معه عظيم البلاء في الدين من تلاوة القرآن - على حرف واحد (٣) . وجمعهم على مصحف واحد، وحرف واحد، وخَرَّق ما عدا المصحف الذي

стр. 76

جمعهم عليه. وعزم على كل من كان عنده مُصحفٌ مخالفٌ المصحفَ الذي جمعهم عليه، أن يخرقه (١) . فاستوسقتْ له الأمة على ذلك بالطاعة (٢) ورأت أنّ فيما فعلَ من ذلك الرشدَ والهداية، فتركت القراءة بالأحرف الستة التي عزم عليها إمامُها العادلُ في تركها، طاعةً منها له، ونظرًا منها لأنفسها ولمن بعدَها من سائر أهل ملتها، حتى دَرَست من الأمة معرفتها، وتعفت آثارها، فلا سبيلَ لأحد اليوم إلى القراءة بها، لدثورها وعُفُوِّ آثارها، وتتابعِ المسلمين على رفض القراءة بها، من غير جحود منها صحتَها وصحةَ شيء منها (٣) ولكن نظرًا منها لأنفسها ولسائر أهل دينها. فلا قراءة للمسلمين اليوم إلا بالحرف الواحد الذي اختاره لهم إمامهم الشفيقُ الناصحُ، دون ما عداه من الأحرف الستة الباقية. فإن قال بعضُ من ضعفت معرفته: وكيف جاز لهم تَركُ قراءة أقرأهموها رسول الله ﷺ ، وأمرهم بقراءتها؟ قيل: إن أمرَه إياهم بذلك لم يكن أمر إيجاب وفرض، وإنما كان أمرَ إباحة ورخصة. لأنّ القراءة بها لو كانت فرضًا عليهم، لوجب أن يكونَ العلمُ بكل حرف من تلك الأحرف السبعة، عند من تقوم بنقله الحجة، ويقطع خبرهُ العذر، ويزيل الشك من قَرَأةٍ الأمة (٤) . وفي تركهم نقل ذلك كذلك أوضح الدليل على أنهم كانوا في القراءة بها مخيرين، بعد أن يكون في نقلة القرآن من الأمة من تجبُ بنقله الحجة ببعض تلك الأحرف السبعة.

стр. 77

وإذْ كان ذلك كذلك، لم يكن القوم بتركهم نقلَ جميع القراآت السبع، تاركين ما كان عليهم نقله، بل كان الواجب عليهم من الفعل ما فعلوا. إذْ كانَ الذي فعلوا من ذلك، كان هو النَّظرَ للإسلام وأهله. فكان القيامُ بفعل الواجب عليهم، بهم أولى من فعل ما لو فعلوه، كانوا إلى الجناية على الإسلام وأهله أقرب منهم إلى السلامة، من ذلك (١). وأما ما كانَ من اختلاف القراءة في رفع حرفٍ وجرِّه ونصبه، وتسكين حرفٍ وتحريكه، ونقل حرف إلى آخر مع اتّفاق الصورة، فمن معنى قول النبي ﷺ : "أمرت أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف" - بمعزل (٢). لأنه معلوم أنه لا حرفَ من حروف القرآن - مما اختلفت القراءة في قراءته بهذا المعنى- يوجب المراء به كفرَ الممارى به في قول أحد من علماء الأمة. وقد أوجب ﵊ بالمراءِ فيه الكفر، من الوجه الذي تنازع فيه المتنازعون إليه، وتظاهرتْ عنه بذلك الرواية (٣) على ما قد قدمنا ذكرها في أول هذا الباب (٤). فإن قال لنا قائل: فهل لك من علم بالألسن السبعة التي نزل بها القرآن؟ وأي الألسن هي من ألسن العرب؟

стр. 78

قلنا: أما الألسن الستة التي قد نزلت القراءة بها، فلا حاجة بنا إلى معرفتها، لأنا لو عرفناها لم نقرأ اليومَ بها مع الأسباب التي قدمنا ذكرها. وقد قيل إن خمسة منها لعَجُر هوَازن، واثنين منها لقريش وخزاعة. رُوي جميعُ ذلك عن ابن عباس، وليست الرواية عنه من رواية من يجوز الاحتجاج بنقله. وذلك أن الذي رَوَى عنه: "أن خمسة منها من لسان العجز من هوازن"، الكلبي عن أبي صالح، وأنّ الذي روى عنه: "أن اللسانين الآخرين لسانُ قريش وخزاعة"، قتادة، وقتادة لم يلقَه ولم يسمع منه (١) . ٦٥- حدثني بذلك بعض أصحابنا، قال: حدثنا صالح بن نصر الخزاعي، قال: حدثنا الهيثم بن عدي، عن سعيد بن أبي عَروبة، عن قتادة، عن ابن عباس، قال: نزل القرآنُ بلسانُ قريش ولسان خزاعة، وذلك أن الدار واحدةٌ. ٦٦- وحدثني بعض أصحابنا، قال: حدثنا صالح بن نصر، قال: حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أبي الأسود الدُّثَلي، قال: نزل القرآن بلسان الكَعبين: كعب بن عمرو وكعب بن لؤيّ. فقال خالد بن سلمة لسعد بن إبراهيم: ألا تعجبُ من هذا الأعمى! يَزعم أنّ القرآن نزل بلسان الكعبين؛ وإنما أنزل بلسان قريش! (٢)

стр. 79

قال أبو جعفر: والعجز من هوازن: سعد بن بكر، وجشم بن بكر، ونصر ابن معاوية، وثقيف (١) . وأما معنى قول النبي ﷺ ، إذْ ذكرَ نزول القرآن على سبعة أحرفٍ: إن كلها شافٍ كافٍ - فإنه كما قال جل ثناؤه في صفة القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة يونس: ٥٧] ، جعله الله للمؤمنين شفاءً، يستشفون بمواعظه من الأدواء العارضة لصدورهم من وَساوس الشيطان وَخطراته، فيَكفيهم ويغنيهم عن كل ما عداه من المواعظ ببيان آياته.

стр. 80

القول في البيان عن معنى قول رسول الله ﷺ : "أنزل القرآنمن سبعةِ أبوابِ الجنة"، وذكر الأخبار الواردة بذلك (١) قال أبو جعفر: اختلفت النقلة في ألفاظ الخبر بذلك عن رسول الله ﷺ : ٦٧- فروى عن ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: كان الكتاب الأول نزل من باب واحد وعلى حرف واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب وعلى سبعة أحرف: زاجرٌ وآمرٌ (٢) وحلالٌ وحرامٌ، ومحكم ومتشابه، وأمثال، فأحِلُّوا حلاله وحَرِّموا حرامه، وافعلوا ما أمرتم به، وانتهوا عما نُهيتم عنه، واعتبروا بأمثاله، واعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه، وقولوا: آمنّا به كلٌّ من عند ربنا. حدثني بذلك يونس بن عبد الأعلى، قال: أنبأنا ابن وهب، قال: أخبرني حَيوَة بن شريح، عن عقيل بن خالد، عن سلمة بن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ (٣) .

стр. 81

ورُوي عن أبي قلابة عن النبي ﷺ مُرْسَلا غيرُ ذلك: ٦٨ - حدثنا محمد بن بشار، قال حدثنا عباد بن زكريا، عن عوف، عن أبي قِلابة، قال: بلغَني أن النبي ﷺ قال: أنزل القرآنُ على سبعة أحرفٍ، أمرٍ وزجرٍ وترغيبٍ وترهيب وجدل وقصص ومثل (١). ٦٩ - وروى عن أبيّ، عن رسول الله ﷺ في ذلك، ما حدثني به أبو كريب، قال: حدثنا محمد بن فضيل، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه، عن جده، عن أبيّ بن كعب، قال: قال لي رسول الله ﷺ : إن الله أمرني أن أقرأ القرآن على حرفٍ واحدٍ، فقلت: ربّ خففْ عن أمَّتي. قال: اقرأهُ على حرفين. فقلت: رب خفف عن أمتي. فأمرني أن أقرأه على سبعة أحرف من سَبْعة أبواب من الجنة، كلها شافٍ كافٍ (٢). وروى عن ابن مسعود من قِيلِه خلافُ ذلك كله. ٧٠ - وهو ما حدثنا به أبو كرُيب، قال: حدثنا المحاربي، عن الأحوص بن حكيم، عن ضَمْرة بن حبيب، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن مسعود، قال: إنّ الله أنزلَ القرآن على خمسة أحرف: حلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال. فأحِلَّ الحلال، وحَرِّمِ الحرام، واعملْ بالمحكم، وآمن بالمتشابه، واعتبر بالأمثال (٣).

стр. 82

وكل هذه الأخبار التي ذكرناها عن رسول الله ﷺ ، متقاربة المعاني، لأن قول القائل: فلان مقيم على باب من أبواب هذا الأمر، وفلان مقيم على وَجْه من وجوه هذا الأمر، وفلان مُقيمٌ على حرفٍ من هذا الأمر - سواءٌ. ألا ترى أن الله جَلّ ثناؤه وصف قوماٌ عَبدوه على وجه من وجُوه العبادات، فأخبر عنهم أنهم عبدوه على حرف فقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ [سورة الحج: ١١] ، يعني أنهم عبدوه على وجه الشك، لا على اليقين والتسليم لأمره. فكذلك روايةُ من روى عن النبي ﷺ أنه قال: "نزل القرآن من سبعة أبواب" و "نزل على سبعة أحرف" سواءٌ، معناهما مؤتلف، وتأويلهما غير مُختلف في هذا الوجه. ومعنى ذلك كله، الخبرُ منه ﷺ عما خصه الله به وأمتَه، من الفضيلة والكرامة التي لم يؤتها أحدًا في تنزيله. وذلك أنّ كل كتاب تقدَّم كتابَنا نزولُه على نبيّ من أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم، فإنما نزل بلسان واحد، متى حُوِّل إلى غير اللسان الذي نزل به، كان ذلك له ترجمة وتفسيرًا (١) لا تلاوةً له على ما أنزلهُ الله. وأنزل كتابنا بألسُن سبعة، بأيِّ تلك الألسن السَّبعة تلاه التالي، كان لهُ تاليًا على ما أنزله الله لا مترجِمًا ولا مفِّسرًا، حتى يحوِّله عن تلك الألسن السبعة إلى غيرها، فيصيرَ فاعلُ ذلك حينئذٍ -إذا أصاب معناه- مُترجمًا له. كما كان التالي

стр. 83

لبعض الكتب التي أنزلها الله بلسان واحد -إذا تلاه بغير اللسان الذي نزل به- له مُترجِمًا، لا تاليًا على ما أنزله الله به. فذلك معنى قول النبي ﷺ : كانَ الكتابُ الأول، نزل على حَرفٍ واحدٍ، ونزل القرآن على سبعة أحرف. وأما معنى قوله ﷺ : "إن الكتاب الأول نزل من باب واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب"، فإنه ﷺ عنى بقوله: "نزل الكتاب الأول من باب واحد"، والله أعلم، ما نزل من كتب الله على من أنزله من أنبيائه، خاليًا من الحدود والأحكام والحلال والحرام، كزبور داود، الذي إنما هو تذكير ومواعظ، وإنجيل عيسى، الذي هو تمجيدٌ ومحامد وحضٌّ على الصفح والإعراض -دون غيرها من الأحكام والشرائع- وما أشبه ذلك من الكتب التي نزلت ببعض المعاني السبعة التي يحوي جميعَها كتابُنا، الذي خَصَّ الله به نبينا محمدًا ﷺ وأمَّته. فلم يكن المتعبَّدون بإقامته يجدون لِرضَى الله تعالى ذكره مطلبًا ينالون به الجنة، ويستوجبون به منه القُرْبَة، إلا من الوجه الواحد الذي أنزل به كتابهُم، وذلك هو الباب الواحد من أبواب الجنة الذي نزل منه ذلك الكتاب. وخص الله نبيَّنا محمدًا ﷺ وأمَّتَه، بأن أنزل عليهم كتابَه على أوجه سبعةٍ من الوجوه التي ينالون بها رضوان الله، ويدركون بها الفوز بالجنة، إذا أقاموها (١) فكُلّ وجه من أوجُهه السبعة بابٌ من أبواب الجنة التي نزل منها القرآن. لأن العامل بكل وجه من أوجُهه السبعة، عاملٌ في باب من أبواب الجنة، وطالب من قِبَله الفوز بها. والعملُ بما أمر الله جل ذكره في كتابه، بابٌ من أبواب الجنة، وتركُ ما نهى الله عنه فيه؛ بابٌ آخر ثانٍ من أبوابها؛ وتحليلُ ما أحلّ الله فيه، بابٌ ثالث من أبوابها؛ وتحريمُ ما حرَّم الله فيه، باب رابعٌ من أبوابها؛

стр. 84

والإيمانُ بمحكمه المبين، باب خامسٌ من أبوابها؛ والتسليمُ لمتشابهه الذي استأثر الله بعلمه وحَجَب علمه عن خلقه والإقرارُ بأن كل ذلك من عند رّبه، باب سادسٌ من أبوابها؛ والاعتبار بأمثاله والاتعاظ بعظاته، باب سابعٌ من أبوابها. فجميع ما في القرآن -من حروفه السبعة، وأبوابه السبعة التي نزل منها- جعله الله لعباده إلى رضوانه هاديًا، ولهم إلى الجنة قائدًا. فذلك معنى قوله ﷺ : "نزل القرآن من سبعة أبواب الجنة". وأما قوله ﷺ في القرآن: "إن لكلّ حرف منه حدًّا"، يعني (١) لكل وجه من أوجهه السبعة حد حدّه الله جل ثناؤه، لا يجوز لأحد أن يتجاوزه. وقوله ﷺ : "وإن لكل حرف منها ظَهرًا وبطنًا"، فظهره: الظاهر في التلاوة، وبطنه: ما بطن من تأويله (٢) . وقوله: "وإن لكلّ حدٍّ من ذلكُ مطَّلَعًا"، فإنه يعني أنّ لكل حدٍّ من حدود الله التي حدَّها فيه -من حلالٍ وحرامٍ، وسائر شرائعه- مقدارًا من ثواب الله وعقابه، يُعاينه في الآخرة، ويَطَّلع عليه ويلاقيه في القيامة. كما قال عمر بن الخطاب ﵁: "لو أنّ لي ما في الأرض من صفراءَ وبيضاءَ لافتديتُ به من هَوْلِ المطَّلَع"، يعني بذلك ما يطَّلع عليه ويهجُم عليه من أمر الله بعد وفاته.

стр. 85

(القول في الوجوه التي من قبلها يُوصَل إلى معرفة تأويل القرآن) قال أبو جعفر: قد قلنا في الدلالة على أن القرآن كله عربي، وأنه نزل بألسُن بعض العرب دونَ ألسن جميعها، وأن قراءة المسلمين اليوم -ومصاحفَهم التي هي بين أظهرهم- ببعض الألسن التي نزل بها القرآن دون جميعها. وقلنا -في البيان عمّا يحويه القرآنُ من النور والبرهان، والحكمة والتِّبْيان (١) التي أودعها الله إياه: من أمره ونهيه، وحلاله وحرامه، ووعده ووعيده، ومحكمه ومتشابهه، ولطائف حُكمه- ما فيه الكفاية لمن وُفِّق لفهمه. ونحن قائلون في البيان عن وُجوه مطالب تأويله: قال الله جل ذكره وتقدست أسماؤه، لنبيه محمد ﷺ : ﴿وَأَنزلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نزلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [سورة النحل: ٤٤] ، وقال أيضًا جل ذكره: ﴿وَمَا أَنزلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [سورة النحل: ٦٤] ، وقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الألْبَابِ﴾ [سورة آل عمران: ٧] . فقد تبين ببيان الله جلّ ذكره:

стр. 86

أنّ مما أنزل الله من القرآن على نبيه ﷺ ، ما لا يُوصل إلى علم تأويله إلا ببيان الرسول ﷺ . وذلك تأويل جميع ما فيه: من وجوه أمره -واجبه ونَدْبِه وإرْشاده-، وصنوفِ نَهيه، ووظائف حقوقه وحدوده، ومبالغ فرائضه، ومقادير اللازم بعضَ خَلْقه لبعض، وما أشبه ذلك من أحكام آية، التي لم يُدرَك علمُها إلا ببيان رسول الله ﷺ لأمَّته. وهذا وجهٌ لا يجوز لأحد القول فيه، إلا ببيان رسول الله ﷺ له تأويلَه (١) بنصٍّ منه عليه، أو بدلالة قد نصَبها، دالَّةٍ أمَّتَه على تأويله. وأنّ منه ما لا يعلم تأويله إلا الله الواحد القهار. وذلك ما فيه من الخبر عن آجال حادثة، وأوقات آتية، كوقت قيام الساعة، والنفخ في الصور، ونزول عيسى بن مريم، وما أشبه ذلك: فإن تلك أوقاتٌ لا يعلم أحدٌ حدودَها، ولا يعرف أحدٌ من تأويلها إلا الخبرَ بأشراطها، لاستئثار الله بعلم ذلك على خلقه. وبذلك أنزل ربُّنا محكم كتابه (٢) فقال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [سورة الأعراف: ١٨٧] . وكان نبينا محمد ﷺ إذا ذكر شيئًا من ذلك، لم يدلّ عليه إلا بأشراطه دون تحديده بوقته كالذي روى عنه ﷺ أنه قال لأصحابه، إذ ذكر الدجّال: إنْْ يخرجْ وأنا فيكُم، فأنا حَجِيجُه، وإن يخرجْ بعدي، فالله خليفتي عليكم" (٣) وما أشبه

стр. 87

ذلك من الأخبار -التي يطُول باستيعابها الكتاب- الدالّةِ على أنه ﷺ لم يكن عنده علمُ أوقاتِ شيء منه بمقادير السِّنين والأيام، وأن الله جل ثناؤه إنما كان عرَّفه مجيئه بأشراطه، ووقَّته بأدلته. وأن منه ما يعلم تأويلَه كلُّ ذي علم باللسان الذي نزل به القرآن. وذلك: إقامةُ إعرابه، ومعرفةُ المسمَّيات بأسمائها اللازمة غيرِ المشترَك فيها، والموصوفات بصفاتها الخاصة دون ما سواها، فإنّ ذلك لاَ يجهله أحدٌ منهم. وذلك كسامعٍ منهم لو سمع تاليًا يتلو: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ [سورة البقرة: ١١، ١٢] ، لم يجهلْ أنّ معنى الإفساد هو ما ينبغي تركهُ مما هو مضرَّة، وأن الإصلاحَ هو ما ينبغي فِعله مما فعلهُ منفعةٌ، وإنْ جَهِل المعانيَ التي جعلها الله إفسادًا، والمعانيَ التي جَعلها الله إصْلاحًا. فالذي يعلمه ذو اللسان -الذي بلسانه نزل القرآنُ- من تأويل القرآن، هو ما وصفتُ: مِنْ معرفة أعيان المسمَّيات بأسمائها اللازمة غيرِ المشترَك فيها، والموصوفات بصفاتها الخاصة، دون الواجب من أحكامها وصفاتها وهيآتها التي خص الله بعلمها نبيَّه ﷺ ، فلا يُدرَك علمُهُ إلا ببيانِه، دون ما استأثر الله بعلمه دون خلقه. وبمثل ما قُلنا من ذلك رُوي الخبر عن ابن عباس: ٧١- حدثنا محمد بن بشّار، قال: حدثنا مؤمَّل، قال: حدثنا سفيان، عن أبي الزناد، قال: قال ابن عباس: التفسيرُ على أربعةِ أوجهٍ: وجهٌ تعرفه العربُ من كلامها، وتفسير لاَ يُعذر أحدٌ بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لاَ يعلمه إلا الله تعالى ذكره. قال أبو جعفر: وهذا الوجهُ الرابع الذي ذكره ابن عباس: مِنْ أنّ أحدًا

стр. 88

لاَ يُعذر بجهالته، معنى غيرُ الإبانة عن وُجوه مَطالب تأويله. وإنما هو خبرٌ عن أنّ من تأويله ما لاَ يجوز لأحد الجهل به. وقد روى بنحو ما قلنا في ذلك أيضًا عن رسول الله ﷺ خبرٌ في إسناده نظر. ٧٢- حدثني يونس بن عبد الأعلى الصَّدَفي، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سمعت عمرو بن الحارث يحدث، عن الكلبيّ، عن أبي صالح، مولى أمّ هانئ، عن عبد الله بن عباس: أنّ رسول الله ﷺ قال: أنزل القرآن على أربعة أحرفٍ: حلالٌ وحرامٌ لاَ يُعذَر أحدٌ بالجهالة به، وتفسيرٌ تفسِّره العرب، وتفسيرٌ تفسِّره العلماء، ومتشابهٌ لاَ يعلمه إلا الله تعالى ذكره، ومن ادَّعى علمه سوى الله تعالى ذكره فهو كاذب (١) .

стр. 89

ذكر بعض الأخبار التي رُويت بالنهي عن القولِ في تأويل القرآن بالرَّأي ٧٣- حدثنا يحيى بن طلحة اليربوعي، قال: حدثنا شَريك، عن عبد الأعلى، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس: أن النبي

стр. 90

صلى الله عليه وسلم قال: من قالَ في القرآن برأيه فليتبوأ مقعدَه من النار (١). ٧٤ - حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا عبد الأعلى - هو ابن عامر الثعلبي-، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ ، قال: من قال في القرآن برأيه - أو بما لا يعلم - فليتبوأ مقعدَه من النار. ٧٥ - وحدثنا أبو كريب، قال: حدثنا محمد بن بشر، وَقبِيصة، عن سفيان، عن عبد الأعلى، قال: حدثنا سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعدَه من النار. ٧٦ - حدثنا محمد بن حميد، قال: حدثنا الحكم بن بَشير، قال: حدثنا عمرو بن قيس المُلائي، عن عبد الأعلى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعدَه من النار. ٧٧ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن ليث، عن بكر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: من تكلَّم في القرآن برأيه فليتبوأ مقعدَه من النار. ٧٨ - وحدثني أبو السائب سَلْم بن جُنادة السُّوَائي، قال: حدثنا حفص ابن غياث، عن الحسن بن عُبيد الله، عن إبراهيم، عن أبي معمر، قال: قال أبو بكر الصديق ﵁: أيُّ أرْضٍ تُقِلُّني، وأيُّ سماءٍ تُظِلُّني، إذا قلتُ في القرآن ما لا أعلم (٢)! ٧٩ - حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن سليمان، عن عبد الله بن مرة، عن أبي معمر، قال: قال أبو بكر الصديق: أيُّ أرضٍ تُقِلُّني، وأيُّ سماءٍ تظلّني، إذا قلتُ في القرآن برأيي - أو: بما لا أعلم. قال أبو جعفر: وهذه الأخبار شاهدةٌ لنا على صحة ما قُلنا: من أنّ ما كان مِن تأويل آيِ القرآن الذي لا يُدرَك علمه إلا بنَصِّ بيان رسول الله ﷺ ، أو بنَصْبه الدلالة عليه - فغير جائز لأحد القِيلُ فيه برأيه. بل القائلُ في ذلك برأيه - وإن أصاب الحق فيه - فمخطئ فيما كانَ من فِعله، بقيله فيه برأيه، لأن إصابته ليستْ إصابة مُوقن أنه محقٌّ، وإنما هو إصابة خارصٍ وظانً. والقائل

стр. 91

في دين الله بالظنّ، قائلٌ على الله ما لم يعلم. وقد حرَّم الله جلّ ثناؤه ذلك في كتابه على عباده، فقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنزلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [سورة الأعراف: ٣٣] . فالقائل في تأويل كتاب الله، الذي لا يدرك علمه إلا ببيان رسول الله ﷺ ، الذي جعل الله إليه بيانه -قائلٌ بما لا يعلمُ وإن وافق قيله ذلك في تأويله، ما أراد الله به من معناه. لأن القائل فيه بغير علم، قائلٌ على الله ما لا علم له به. وهذا هو معنى الخبر الذي:- ٨٠- حدثنا به العباس بن عبد العظيم العبري، قال: حدثنا حبَّان بن هلال، قال: حدثنا سهيل أخو حزم، قال: حدثنا أبو عمران الجونيّ (١) عن جندب: أن رسول الله ﷺ قال: من قال في القرآن برأيه فأصاب، فقد أخطأ (٢) . يعني ﷺ أنه أخطأ في فعله، بقيله فيه برأيه، وإن وافق قِيلُه ذلك عينَ الصَّواب عند الله. لأن قِيله فيه برأيه، ليس بقيل عالم أنّ الذي قال فيه من قول حقٌّ وصوابٌ. فهو قائل على الله ما لا يعلم، آثم بفعله ما قد نُهىَ عنه وحُظِر عليه.

стр. 92

ذكر الأخبار التي رُويت في الحضّ على العلم بتفسير القرآن ، ومن كان يفسِّره من الصَّحابة ٨١- حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق المروزي، قال سمعت أبي يقول: حدثنا الحسين بن واقد، قال: حدثنا الأعمش، عن شَقيق، عن ابن مسعود، قال: كانَ الرجل مِنَّا إذا تعلَّم عَشْر آياتٍ لم يجاوزهُنّ حتى يعرف معانيهُنَّ، والعملَ بهنَّ (١) . ٨٢- حدثنا ابن حميد قال: حدثنا جَرير، عن عطاء، عن أبي عبد الرحمن، قال: حدثنا الذين كانوا يُقرِئوننا: أنهم كانوا يستقرِئون من النبي ﷺ ، فكانوا إذا تعلَّموا عَشْر آيات لم يخلِّفوها حتى يعملوا بما فيها من العمل، فتعلَّمنا القرآن والعمل جميعًا (٢) . ٨٣- وحدثنا أبو كريب، قال: حدثنا جابر بن نوح، قال: حدثنا الأعمش، عن مُسْلم، عن مَسْروق، قال: قال عبد الله: والذي لا إله غيره، ما نزلتْ آية في كتاب الله إلا وأنا أعلم فيم نزلتْ؟ وأينَ أنزلت؟ ولو أعلم مكانَ أحدٍ أعلمَ بكتاب الله مِنّى تنالُه المطايا لأتيته (٣) .

стр. 93

٨٤- وحدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي، قال: حدثنا أبي، عن أبيه، عن جده، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، قال: كان عبدُ الله يقرأ علينا السُّورة، ثم يحدِّثنا فيها ويفسِّرها عامَّةَ النهار (١) . ٨٥- حدثني أبو السائب سلم بن جُنادة (٢) قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن شقيق، قال: استعمل عليٌّ ابنَ عباسٍ على الحج، قال: فخطب الناسَ خطبة لو سمعها الترك والرُّوم لأسلموا، ثم قرأ عليهم سُورة النور، فجعل يفسرها. ٨٦- وحدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل شقيق بن سلمة، قال: قرأ ابنُ عباسٍ سورة البقرة، فجعل يُفسِّرها، فقال رجل: لو سمعتْ هذا الديلمُ لأسلمتْ (٣) . ٨٧- وحدثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبو يمَان: عن أشعث بن إسحاق، عن جعفر، عن سعيد بنُ جبير، قال: من قرأ القرآنَ ثم لم يُفسِّره، كان كالأعمى أو كالأعرابي (٤) .

стр. 94

٨٨- وحدثنا أبو كُريب، قال: ذكر أبو بكر بن عياش: الأعمش، قال: قال أبو وائل: وَلى ابنُ عباس الموسمَ؛ فخطبهم، فقرأ على المنبر سُورة النور، والله لو سَمعها الترك لأسلموا. فقيل له: حدِّثنا به عن عاصم؟ فسكت (١) . ٨٩- وحدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن إدريس، قال: سمعتُ الأعمش، عن شقيق، قال: شهدت ابن عباس وَولىَ الموسم، فقرأ سورة النور على المنبر، وفسرها، لو سمعت الروم لأسلمت (٢) ! قال أبو جعفر: وفي حَثِّ الله عباده على الاعتبار بما في آي القرآن من المواعظ والبينات (٣) - بقوله جل ذكره لنبيه ﷺ : ﴿كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ﴾ [سورة ص: ٢٩] وقوله: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [سورة الزمر: ٢٧، ٢٨] وما أشبه ذلك من آي القرآن، التي أمر الله عبادَه وحثهم فيها على الاعتبار بأمثال آي القرآن، والاتِّعاظ بمواعظه- ما يدلّ على أنَّ عليهم معرفةَ تأويل ما لم يُحجب عنهم تأويله من آيه. لأنه محالٌ أن يُقال لمن لا يفهمُ ما يُقال له ولا يعقِل تأويلَه: "اعتبرْ بما لا فَهْم لك به ولا معرفةَ من القِيل والبيان والكلام"- إلا على معنى الأمر بأن يفهمَه ويفقَهَه، ثم يتدبَّره ويعتبرَ به. فأما قبلَ ذلك، فمستحيلٌ أمرُه بتدبره وهو بمعناه جاهل. كما محالٌ أن يقال لبعض أصناف الأمم الذين لا يعقلون كلامَ العرب ولا يفهمونه،

стр. 95

لو أنشِد قصيدة شعرٍ من أشعار بعض العرب ذاتَ أمثالٍ ومواعظ وحِكم: "اعتبر بما فيها من الأمثال، وادّكر بما فيها من المواعظ"- إلا بمعنى الأمر لها بفهم كلامِ العرب ومعرفتِه، ثم الاعتبار بما نبهها عليه ما فيها من الحكم (١) . فأما وهي جاهلة بمعاني ما فيها من الكلام والمنطق، فمحالٌ أمرُها بما دلَّت عليه معاني ما حوته من الأمثال والعِبَر. بل سواء أمرُها بذلك وأمرُ بعض البهائم به، إلا بعدَ العلم بمعاني المنطق والبيان الذي فيها. فكذلك ما في آي كتاب الله من العبر والحِكم والأمثال والمواعظ، لا يجوز أن يقال: "اعتبرْ بها" إلا لمن كان بمعاني بيانه عالمًا، وبكلام العرب عارفًا؛ وإلا بمعنى الأمر -لمن كان بذلك منهُ جاهلا- أنْ يعلم معاني كلام العرب، ثم يتدبَّره بعدُ، ويتعظ بحِكمَه وصُنوف عِبَرِه. فإذْ كان ذلك كذلك -وكان الله جل ثناؤه قد أمر عباده بتدبُّره وحثهم على الاعتبار بأمثاله- كان معلومًا أنه لم يأمر بذلك من كان بما يدُلُّ عليه آيُه جاهلا. وإذْ لم يجز أن يأمرهم بذلك إلا وهُمْ بما يدلهم عليه عالمون، صحَّ أنهم -بتأويل ما لم يُحجَبْ عنهم علمه من آيه الذي استأثر الله بعلمه منه دون خلقه، الذي قد قدّمنا صفَته آنفًا- عارفون. وإذْ صَحَّ ذلك فسَدَ قول من أنكر تفسيرَ المفسرين -من كتاب الله وتنزيلِه- ما لم يحجب عن خَلقه تأويله.

стр. 96

ذكر الأخبار التي غلِطَ في تأويلها منكر والقول في تأويل القرآن فإن قال لنا قائل: فما أنت قائلٌ فيما:- ٩٠ - حدثكم به العباس بن عبد العظيم، قال: حدثنا محمد بن خالد ابن عَثْمة، قال: حدثني جعفر بن محمد الزبيري، قال: حدثني هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: ما كان النبي ﷺ يُفسِّر شيئًا منَ القرآن إلا آيًا بعَددٍ، علَّمهنّ إياه جبريلُ. ٩١ - حدثنا أبو بكر محمد بن يزيد الطرسوسي، قال: أخبرنا مَعْن، عن جعفر بن خالد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: لم يكن النبيُّ ﷺ يفسر شيئًا من القرآن، إلا آيًا بعَددٍ، علمهنّ إياه جبريل ﵇ (١).

стр. 97

٩٢- وحدثنا أحمد بن عَبدة الضبي، قال: حدثنا حماد بن زيد، قال: حدثنا عُبيد الله بن عمر، قال: لقد أدركت فقهاء المدينة، وإنهم ليغلظون القول في التفسير (١) منهم: سالم بن عبد الله، والقاسم بن محمد، وسعيد بن المسيَّب، ونافع. ٩٣- وحدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا بشر بن عمر، قال: حدثنا مالك بن أنس، عن يحيى بن سعيد، قال: سمعت رجلا يسأل سعيد بن المسيب عن آيةٍ من القرآن، فقال: لا أقول في القرآن شيئًا. ٩٤- حدثنا يونس، قال: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب: أنه كان إذا سُئل عن تفسير آية من القرآن، قال: أنا لا أقول في القرآن شيئًا.

стр. 98

٩٥- حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سمعت الليث يحدث، عن يحيى بن سعيد، عن ابن المسيَّب: أنه كان لا يتكلم إلا في المعلوم من القرآن (١) . ٩٦- حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا حكام، قال: حدثنا سفيان، عن هشام، عن ابن سيرين، قال: سألت عَبِيدة السلماني عن آيةٍ، قال: عليك بالسَّداد، فقد ذهب الذين علمُوا فيمَ أنزل القرآن. ٩٧- حدثني يعقوب، قال: حدثنا ابنُ عليَة، عن أيوب وابن عون، عن محمد، قال: سألت عَبِيدة عن آية من القرآن فقال: ذهبَ الذين كانوا يعلَمون فيمَ أنزل القرآن، اتّق الله وعليك بالسَّداد. ٩٨- حدثني يعقوب، قال: حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن ابن أبي مُليكة: أنّ ابن عباس سُئل عن آية لو سئل عنها بعضكم لقال فيها، فأبى أن يقول فيها. ٩٩- حدثني يعقوب، قال: حدثنا ابن علية، عن مهدي بن ميمون، عن الوليد بن مسلم، قال: جاءَ طلْق بن حبيب إلى جندب بن عبد الله، فسأله عن آية من القرآن، فقال له: أحَرِّج عليك إن كنت مُسلمًا، لمَّا قمت عنى - أو قال: أن تجالسني. ١٠٠- حدثني عباس بن الوليد، قال: أخبرني أبي، قال: حدثنا عبد الله ابن شَوْذَب، قال: حدثني يزيد بن أبي يزيد، قال: كنا نسأل سعيدَ بن المسيَّب عن الحلال والحرام، وكان أعلم الناس، فإذا سألناه عن تفسير آية من القرآن سَكَتَ كأن لم يسمع. ١٠١- وحدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: أخبرنا شعبة، عن عمرو بنُ مرة، قال: سأل رجلٌ سعيد بن المسيب عن آية من القرآن،

стр. 99

فقال: لا تسألني عن القرآن، وسَل من يزعم أنه لا يخفى عليه شيء منه- يعني عكرمة. ١٠٢- وحدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا سعيد بن عامر، عن شعبة، عن عبد الله بن أبي السَّفَر، قال: قال الشعبي: والله مَا مِن آية إلا قد سألتُ عنها، ولكنها الروايةُ عن الله (١) . ١٠٣- حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن علية، عن صالح -يعني ابن مسلم- قال: حدثني رجل، عن الشعبي، قال: ثلاثٌ لا أقول فيهن حتى أموت: القرآن، والروح، والرأي (٢) . وما أشبه ذلك من الأخبار؟ (٣) . قيل له: أما الخبر الذي روى عن رسول الله ﷺ أنه لم يكن يفسِّر من القرآن شيئًا إلا آيًا بعَددٍ، فإن ذلك مصحِّح ما قلنا من القول في الباب الماضي قَبْل، وهو: أنّ من تأويل القرآن ما لا يُدرك علمُه إلا ببيان الرسول ﷺ . وذلك تفصيل جُمَلِ ما في آيه من أمر الله ونَهْيه (٤) وحلاله وحرامه، وحدوده وفرائضه، وسائر معاني شرائع دينه، الذي هو مجمَلٌ في ظاهر التنزيل، وبالعباد إلى تفسيره الحاجة - لا يدرَك علمُ تأويله إلا ببيان من عند الله على لسان رسوله ﷺ ، وما أشبه ذلك مما تحويه آيُ القرآن، من سائر حُكْمه الذي جعلَ الله بيانه لخلقه إلى رسول الله ﷺ . فلا يعلم أحدٌ من خلق الله تأويل ذلك إلا ببيان الرّسول ﷺ ، ولا يعلمه رسول الله

стр. 100

صلى الله عليه وسلم إلا بتعليم الله إيَّاه ذلك بوحْيه إليه، إما مع جبريل، أو مع من شاء من رُسله إليه. فذلك هو الآيُ التي كان رسول الله ﷺ يفسِّرها لأصحابه بتعليم جبريل إياه، وهنَّ لا شك آيٌ ذوات عَددٍ. ومن آي القرآن ما قد ذكرنا أن الله جل ثناؤه استأثرَ بعلم تأويله، فلم يُطلعْ على علمه مَلَكًا مقربًا ولا نبيًا مرسلا ولكنهم يؤمنون بأنه من عنده، وأنه لا يعلم تأويله إلا الله. فأما ما لا بُدَّ للعباد من علم تأويله، فقد بيّن لهم نبيهم ﷺ ببيان الله ذلك له بوحيه مع جبريل. وذلك هو المعنى الذي أمره الله ببيانه لهم فقال له جل ذكره: ﴿وَأَنزلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نزلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [سورة النحل: ٤٤] . ولو كان تأويل الخبر عن رسول الله ﷺ -أنه كان لا

стр. 101

يفسر من القرآن شيئًا إلا آيًا بعَددٍ- هو ما يسبقُ إليه أوهامُ أهل الغياء، من أنه لم يكن يفسّر من القرآن إلا القليل من آيه واليسير من حروفه، كان إنما أُنزلَ إليه ﷺ الذكرُ ليَترك للناس بيانَ ما أنزل إليهم، لا ليبين لهم ما أُنزل إليهم. وفي أمر الله جلّ ثناؤه نبيَّه ﷺ ببلاغ ما أنزل إليه، وإعلامه إياه أنه إنما نزل إليه ما أنزل ليبين للناس ما نزل إليهم، وقيامِ الحجة على أنّ النبيّ ﷺ قد بلّغ وأدّى ما أمره الله ببلاغه وأدائِه على ما أمره به، وصحةِ الخبر عن عبد الله بن مسعود بقيله (١) : كان الرجل منا إذا تعلم عشرَ آيات لم يجاوزهُن حتى يعلم معانيهنّ والعملَ بهنّ - (٢) ما ينبئ عن جهل من ظنَّ أو توهَّم أنّ معنى الخبر الذي ذكرنا عن عائشة عن رسول الله ﷺ : أنه لم يكن يفسر من القرآن شيئا إلا آيًا بعَددٍ، هو أنه لم يكن يبين لأمته من تأويله إلا اليسير القليل منه. هذا مع ما في الخبر الذي رُوي عن عائشة من العلَّة التي في إسناده، التي لا يجوز معها الاحتجاجُ به لأحدٍ ممن علم صحيحَ سَند الآثار وفاسدَها في الدين. لأنّ راويه ممن لا يُعْرف في أهل الآثار، وهو: جعفر بن محمد الزبيري. وأما الأخبار التي ذكرناها عمن ذكرناها عنه من التابعين، بإحجامه عن التأويل، فإنّ فِعلَ من فعل ذلك منهم، كفعل من أحجم منهم عن الفُتيا في النَّوازل والحوادث، مع إقراره بأنّ الله جل ثناؤه لم يقبض نبيه إليه، إلا بعد إكمال الدين به لعباده، وعلمه بأن لله في كل نازلة وحادثة حُكمًا موجودًا بنصٍّ أو دلالة. فلم يكن إحجامُه عن القول في ذلك إحجامَ جاحدٍ أن يكون لله فيه حكم موجود بين أظهُرِ عباده، ولكن إحجامَ خائفٍ أن لا يبلغَ في اجتهاده ما كلَّف الله العلماء من عباده فيه. فكذلك معنى إحجام مَن أحجم عن القيل في تأويل القرآن وتفسيره من العلماء السَّلف، إنما كان إحجامه عنه حِذارًا أن لا يبلغ أداءَ ما كلِّف من إصابة صوابِ القول فيه، لا على أن تأويل ذلك محجوبٌ عن علماء الأمة، غير موجود بين أظهرهم.

стр. 102

﴿ذكر الأخبار﴾ ﴿عن بعض السلف فيمن كان من قدماء المفسرين محمودًا علمه بالتفسير﴾ ﴿ومن كان منهم مذمومًا علمه به﴾ ١٠٤- حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا سفيان، عن سليمان، عن مسلم، قال: قال عبد الله: نعم تَرْجمانُ القرآن ابنُ عباس. ١٠٥- حدثني يحيى بن داود الواسطي، قال: حدثنا إسحاق الأزرق، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود، قال: نعم تَرْجمانُ القرآن ابنُ عباس. ١٠٦- وحدثني محمد بن بشار، قال: حدثنا جعفر بن عون، قال: حدثنا الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق عن عبد الله، بنحوه. ١٠٧- حدثنا أبو كريب قال: حدثنا طَلق بن غنام، عن عثمان المكي، عن ابن أبي مُليكة قال: رأيت مجاهدًا يسأل ابن عباس عن تفسير القرآن، ومعه ألواحُه، فيقول له ابن عباس: "اكتب"، قال: حتى سأله عن التفسير كلِّه (١) . ١٠٨- حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا المحَاربي، ويونس بن بُكير قالا حدثنا محمد بن إسحاق، عن أبان بن صالح، عن مجاهد، قال: عرضتُ المصحفَ على ابن عباس ثلاث عَرْضات، من فاتحته إلى خاتمته، أوقِفه عند كل آية منه وأسألُه عنها.

стр. 103

١٠٩- وحدثني عبيد الله بن يوسف الجُبَيْريّ، عن أبي بكر الحنفي، قال: سمعت سفيان الثوري يقول: إذا جاءك التفسير عن مجاهدٍ فحسبُكَ به. ١١٠- وحدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا سليمان أبو داود، عن شعبة، عن عبد الملك بن مَيْسَرة، قال: لم يلق الضحّاكُ ابنَ عباس، وإنما لقي سعيدَ ابن جبير بالرّيّ، وأخذ عنه التفسير. ١١١- حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا أبو داود، عن شعبة، عن مُشَاش، قال: قلت للضحاك: سمعتَ من ابن عباس شيئًا؟ قال: لا ١١٢- حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن إدريس، قال حدثنا زكريا، قال: كان الشعبي يمرّ بأبي صالح باذان، فيأخُذ بأذنه فيعرُكُها ويقول: تُفسِّر القرآنَ وأنتَ لا تقرأ القرآن! (١) ١١٣- حدثني عبد الله بن أحمد بن شَبُّويه، قال: حدثنا علي بن الحسين ابن واقد، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا الأعمش، قال: حدثني سعيد بن جُبير، عن ابن عباس: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ [سورة غافر: ٢٠] قال: قادر على أن يجزىَ بالحسنة الحسنة (٢) وبالسيئة السيئة ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [سورة غافر: ٢٠] ، قال الحسين: فقلت للأعمش: حدَّثني به الكلبي، إلا أنه قال: إنّ الله قادرٌ أن يجزىَ بالسيئة السيئة وبالحسنة عَشْرًا، فقال الأعمش: لو أن الذي عند الكلبي عندي ما خرج مني إلا بخفير (٣) .

стр. 104

١١٤- حدثني سليمان عبد الجبار، قال: حدثنا علي بن حَكيم الأوْديّ، قال: حدثنا عبد الله بن بُكَير، عن صالح بن مسلم، قال: مرّ الشعبي على السُّدِّي وهو يفسر، فقال: لأن يُضرب على استِك بالطبل، خيرٌ لك من مجلسك هذا (١) . ١١٥- حدثني سليمان بن عبد الجبار، قال: حدَثني علي بن حَكيم، قال: حدثنا شَريك، عن مسلم بن عبد الرحمن النخعي، قال: كنت مع إبراهيم، فرأى السُّدِّي، فقال: أمَا إنه يُفسِّر تَفسير القوم. ١١٦- حدثنا ابن البرقي، قال: حدثنا عمرو بن أبي سلمة، قال: سمعتُ سعيد بن بَشِير، يقول عن قتادة، قال: ما أرى أحدًا يجري مع الكلبيّ في التفسير في عِنَان. قال أبو جعفر: قد قلنا فيما مَضى من كتابنا هذا في وُجوه تأويل القرآن، وأن تأويل جميع القرآن على أوجهٍ ثلاثة: أحدها لا سبيل إلى الوصول إليه، وهو الذي استأثر الله بعلمه، وحَجبَ علمه عن جميع خلقه، وهو أوقاتُ ما كانَ من آجال الأمور الحادثة، التي أخبر الله في كتابه أنها كائنة، مثل: وقت قيام الساعة، ووقت نزول عيسى بن مريم، ووقت طلوع الشمس من مغربها، والنفخ في الصور، وما أشبه ذلك. والوجه الثاني: ما خصَّ الله بعلم تأويله نبيَّه ﷺ دون سائر أمته، وهو ما فيه مما بعباده إلى

стр. 105

علم تأويله الحاجةُ، فلا سبيل لهم إلى علم ذلك إلا ببيان الرسول ﷺ لهم تأويلَه. والثالث منها: ما كان علمهُ عند أهل اللسان الذي نزل به القرآن، وذلك علم تأويل عربيته وإعرابه، لا يُوصَل إلى علم ذلك إلا من قِبَلهم. فإذ كان ذلك كذلك، فأحقُّ المفسرين بإصابة الحق -في تأويلِ القرآنِ الذي إلى عِلم تَأويله للعباد السبيلُ- أوضحُهم حُجة فيما تأوّل وفسَّر، مما كان تأويله إلى رسول الله ﷺ دون سائر أمته (١) من أخبار رسول الله ﷺ الثابتة عنه: إمَّا من جهة النقل المستفيض، فيما وُجِد فيه من ذلك عنه النقلُ المستفيض، وإمَّا من جهة نقل العدول الأثبات، فيما لم يكن فيه عنه النَّقلُ المستفيض، أو من جهة (٢) الدلالة المنصوبة على صحته؛ وأصحُّهم برهانًا (٣) -فيما ترجَم وبيّن من ذلك- ممَا كان مُدركًا علمُه من جهة اللسان: (٤) إمّا بالشواهد من أشعارهم السائرة، وإمّا من منطقهم ولغاتهم المستفيضة المعروفة، كائنًا من كان ذلك المتأوِّل والمفسِّر، بعد أن لا يكون خارجًا تأويلُه وتفسيره ما تأول وفسر من ذلك، عن أقوال السلف من الصحابة والأئمة، والخلف من التابعين وعلماء الأمة.

стр. 106

القول في تأويل أسماء القرآن وسُوَره وآيهِ قال أبو جعفر: إنّ الله تعالى ذكرهُ سمَّى تنزيله الذي أنزله على عبده محمد ﷺ أسماء أربعة: منهن: "القرآن"، فقال في تسميته إياه بذلك في تَنزيله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [سورة يوسف: ٣] ، وقال: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [سورة النمل: ٧٦] . ومنهنّ: "الفرقان"، قال جل ثناؤه في وحيه إلى نبيه ﷺ يُسمِّيه بذلك: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نزلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [سورة الفرقان: ١] . ومنهن: "الكتاب": قال تباركَ اسمهُ في تسميته إياه به: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا * قَيِّمًا﴾ [سورة الكهف: ١] . ومنهنّ: "الذكر"، قال تعالى ذكره في تسميته إياه به: ﴿إِنَّا نَحْنُ نزلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [سورة الحجر: ٩] . ولكلّ اسم من أسمائه الأربعة في كلام العرب، معنى ووجهٌ غيرُ معنى الآخر ووجهه. فأما "القرآن"، فإن المفسرين اختلفوا في تأويله. والواجبُ أن يكون تأويله على قول ابن عباس: من التلاوة والقراءة، وأن يكون مصدرًا من قول القائل:

стр. 107

قرأت، كقولك "الخُسران" من "خَسِرت"، و "الغُفْران" من "غفر الله لك"، و "الكُفران" من "كفرتُك"، "والفرقان" من "فَرَق الله بين الحق والباطل". ١١٧- وذلك أن يحيى بن عثمان بن صالح السهمي حدثني، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ يقول: بيَّناه، ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [سورة القيامة: ١٨] يقول: اعمل به (١) . ومعنى قول ابن عباس هذا: فإذا بيَّناه بالقراءة، فاعمل بما بيناه لك بالقراءة. ومما يوضح صحة ما قلنا في تأويل حديث ابن عباس هذا، ما:- ١١٨- حدثني به محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن عبد الله بن عباس: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [سورة القيامة: ١٧] قال: أن نُقرئك فلا تنسى ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ عليك ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ يقول: إذا تُلي عليك فاتَّبعْ ما فيه (٢) . قال أبو جعفر: فقد صرَّح هذا الخبرُ عن ابن عباس: أنّ معنى "القرآن" عنده القراءة، فإنه مصدر من قول القائل: قَرأتُ، على ما بيَّناه. وأما على قول قتادة، فإن الواجب أن يكون مصدرًا، من قول القائل: قرأتُ الشيء، إذا جمعتَهُ وضممتَ بعضه إلى بعض، كقولك: "ما قرأتْ هذه الناقةُ سَلًى قطُّ" (٣) تريد بذلك أنها لم تضمُمْ رحمًا على ولد، كما قال عَمرو بن كلثوم التغلبيّ:

стр. 108

تُرِيكَ -إذَا دَخَلْتَ على خَلاء، ... وَقَدْ أمِنَت عُيُونَ الكاشِحِينا- (١) ذِرَاعَىْ عَيْطَلٍ، أدْماءَ، بِكْرٍ، ... هِجَانِ الّلوْن، لَمْ تَقْرَأ جَنِينا (٢) يعني بقوله: "لم تقرأ جنينًا"، لم تضمُمْ رحمًا على ولد. ١١٩- وذلك أن بشر بن مُعاذ العَقَديّ حدثنا قال: حدثنا يزيد بن زُرَيْع قال: حدثنا سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادةَ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ يقول: حفظه وتأليفه، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ اتَّبع حلاله، واجتنب حرامه. ١٢٠- حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، قال: حدثنا محمد بن ثور، قال: حدثنا معمر، عن قتادة بمثله. (٣) فرأى قتادة أن تأويلَ "القرآن": التأليفُ. قال أبو جعفر: ولكلا القولين -أعنى قولَ ابن عباس وقول قتادة- اللذين حكيناهما، وجهٌ صحيح في كلام العرب. غيرَ أنّ أولى قولَيْهما بتأويل قول الله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ قول ابن عباس. لأن الله جلّ ثناؤه أمر نبيه في غير آيةٍ من تنزيله باتباع ما أوحى إليه، ولم يرخِّص له في ترك اتباع شيء من أمره إلى وقتِ تأليفِه القرآنَ له. فكذلك قوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ نظير سائر ما في آي القرآن التي أمره الله فيها باتباع ما أوحى إليه في تنزيله.

стр. 109

ولو وَجب أنْ يكون معنى قوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ فإذا ألَّفناه فاتبع ما ألَّفنا لك فيه - لوجب أن لا يكون كان لزِمه فرضُ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ولا فرضُ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [سورة المدثر: ١، ٢] قبل أن يؤلَّف إلى ذلك غيرُه من القرآن. وذلك، إنْ قاله قائل، خروجٌ من قول أهل المِلَّة. وإذ صَحَّ أن حكم كلّ آية من آي القرآن كانَ لازمًا النبيَّ ﷺ اتباعُه والعملُ به، مؤلَّفة كانت إلى غيرها أو غيرَ مؤلَّفة -صحّ ما قال ابن عباس في تأويل قوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ أنه يعني به: فإذا بيَّناه لك بقراءتنا، فاتبع ما بيناه لك بقراءتنا- دون قول من قال: معناه، فإذا ألَّفناه فاتَّبع ما ألفناه. وقد قيل إن قول الشاعر: ضَحَّوْا بِأَشْمَطَ عُنْوانُ السُّجُودِ بِه ... يُقَطِّع الَّليلَ تَسْبِيحًا وقُرْآنَا (١) يعني به قائله: تسبيحًا وقراءةٌ. فإن قال قائل: وكيف يجوز أن يسمى "قرآنًا" بمعنى القراءة، وإنما هو مقروء؟ قيل: كما جاز أن يسمى المكتوب "كتابًا"، بمعنى: كتاب الكاتب، كما قال الشاعر في صفة كتاب طَلاقٍ كتبه لامرأته: تُؤَمِّل رَجْعةً مِنّى، وفيها ... كِتابٌ مثلَ ما لَصِق الغِرَاءُ (٢)

стр. 110

يريد: طلاقًا مكتوبًا، فجعل "المكتوب" كتابًا. وأما تأويل اسمه الذي هو "فُرْقان"، فإن تفسيرَ أهل التفسير جاء في ذلك بألفاظ مختلفة، هي في المعاني مؤتلفة. ١٢١- فقال عكرمة، فيما حدثنا به ابن حُميد، قال: حدثنا حَكَّام بن سَلْم، عن عَنْبسة، عن جابر، عن عكرمة: أنه كان يقول: هو النَّجاة. وكذلك كان السُّدِّيّ يتأوَّلهُ. ١٢٢- حدثنا بذلك محمد بن الحسين، قال: حدثنا أحمد بن المُفَضَّل، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدِّي - وهو قول جماعة غيرهما. وكان ابن عباس يقول: "الفرقان": المخرَجُ. ١٢٣- حدثني بذلك يحيى بن عثمان بن صالح، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس. وكذلك كان مجاهد يقول في تأويله بذلك. ١٢٤- حدثنا بذلك ابن حُميد، قال: حدثنا حَكَّام، عن عنبسة، عن جابر، عن مجاهد (١) . وكان مجاهد يقول في قول الله : ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ [سورة الأنفال: ٤١] يومٌ فَرَقَ الله فيه بين الحقّ والباطل. ١٢٥- حدثني بذلك محمد بن عمرو الباهلي، قال: حدثني أبو عاصم، عن عيسى بن ميمون، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (٢) . وكل هذه التأويلات في معنى "الفرقان" -على اختلاف ألفاظها- متقاربات المعاني. وذلك أنّ من جُعِل له مخرجٌ من أمر كان فيه، فقد جُعل
следующие страницы →