← История

История · id 4445

البداية والنهاية - ت التركي

ابن كثير

Полный текст (13 161 стр.). Показаны 10291–10330 · переход к 10296.

стр. 10291

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ فِيهَا وَقَعَ بَيْنَ الْخَلِيفَةِ الرَّاشِدِ وَبَيْنَ السُّلْطَانِ مَسْعُودٍ بِسَبَبِ أَنَّهُ أَرْسَلَ إِلَى الْخَلِيفَةِ يَطْلُبُ مِنْهُ مَا كَانَ كَتَبَهُ لَهُ وَالِدُهُ الْمُسْتَرْشِدُ حِينَ أَسَرَهُ، الْتَزَمَ لَهُ بِأَرْبَعِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، فَامْتَنَعَ مِنْ أَدَاءِ ذَلِكَ وَقَالَ لَيْسَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِلَّا السَّيْفُ، فَوَقَعَ بَيْنَهُمَا الْخُلْفُ فَاسْتَجَاشَ السُّلْطَانُ الْعَسَاكِرَ وَاسْتَنْهَضَ الْخَلِيفَةُ الْأُمَرَاءَ وَأَرْسَلَ إِلَى عِمَادِ الدِّينِ زَنْكِي، فَجَاءَ وَالْتَفَّ عَلَيْهِ خَلَائِقُ، وَجَاءَ فِي غُبُونِ ذَلِكَ السُّلْطَانُ دَاوُدُ بْنُ مَحْمُودِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَلِكْشَاهْ فَخَطَبَ لَهُ الْخَلِيفَةُ بِبَغْدَادَ وَخَلَعَ عَلَيْهِ وَبَايَعَهُ عَلَى الْمُلْكِ، فَتَأَكَّدَتِ الْوَحْشَةُ بَيْنَ السُّلْطَانِ وَالْخَلِيفَةِ جِدًّا، وَبَرَزَ الْخَلِيفَةُ إِلَى ظَاهِرِ بَغْدَادَ، وَمَشَى الْجَيْشُ بَيْنَ يَدَيْهِ كَمَا كَانُوا يُعَامِلُونَ أَبَاهُ قَبْلَهُ، وَذَلِكَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ سَلْخَ شَعْبَانَ، وَخَرَجَ السُّلْطَانُ دَاوُدُ مِنْ جَانِبٍ آخَرَ، فَلَمَّا بَلَغَهُمْ كَثْرَةُ جُيُوشِ السُّلْطَانِ مَسْعُودٍ حَسَّنَ عِمَادُ الدِّينِ زَنْكِي لِلْخَلِيفَةِ أَنْ يَذْهَبَ مَعَهُ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَاتَّفَقَ دُخُولُ السُّلْطَانِ مَسْعُودٍ إِلَى بَغْدَادَ فِي غَيْبَتِهِمْ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ رَابِعَ شَوَّالٍ، فَاسْتَحْوَذَ عَلَى دَارِ الْخِلَافَةِ بِمَا فِيهَا جَمِيعِهِ، ثُمَّ اسْتَخْلَصَ مِنْ نِسَاءِ الْخَلِيفَةِ وَحَظَايَاهُ الْحُلِيَّ وَالْمَصَاغَ وَالثِّيَابَ الَّتِي لِلزِّينَةِ وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَجَمَعَ الْقُضَاةَ وَالْفُقَهَاءَ وَأَبْرَزَ لَهُمْ خَطَّ الرَّاشِدِ أَنَّهُ مَتَى خَرَجَ مِنْ بَغْدَادَ لِقِتَالِ السُّلْطَانِ فَقَدْ خَلَعَ نَفْسَهُ مِنَ الْخِلَافَةِ، فَأَفْتَى مَنْ أَفْتَى مِنَ الْفُقَهَاءِ بِخَلْعِهِ، فَخُلِعَ فِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ سَادِسَ عَشَرَ شَهْرِ ذِي الْقَعْدَةِ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ، وَفُتَيَا أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ

стр. 10292

وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ أَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا وَأَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا، وَاسْتَدْعَى السُّلْطَانُ بِعَمِّهِ الْمُقْتَفِي بْنِ الْمُسْتَظْهِرِ فَبُويِعَ بِالْخِلَافَةِ، عِوَضًا عَنِ ابْنِ أَخِيهِ الرَّاشِدِ بِاللَّهِ. خِلَافَةُ الْمُقْتَفِي لِأَمْرِ اللَّهِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُسْتَظْهِرِ بِاللَّهِ وَأُمُّهُ صَفْرَاءُ تُسَمَّى نُسَيْمَ وَيُقَالُ لَهَا: سِتُّ السَّادةِ، وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ يَوْمئِذٍ أَرْبَعُونَ سَنَةً، بُويِعَ بِالْخِلَافَةِ بَعْدَ خَلْعِ الرَّاشِدِ بِيَوْمَيْنِ وَخُطِبَ لَهُ عَلَى الْمَنَابِرِ، يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِعِشْرِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ، وَلُقِّبَ بِالْمُقْتَفِي; لِأَنَّهُ يُقَالُ إِنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي الْمَنَامِ وَهُوَ يَقُولُ لَهُ: سَيَصِلُ هَذَا الْأَمْرُ إِلَيْكَ فَاقْتَفِ بِي. فَصَارَ إِلَيْهِ بَعْدَ سِتَّةِ أَيَّامٍ فَلُقِّبَ بِذَلِكَ لِذَلِكَ. فَائِدَةٌ حَسَنَةٌ يَنْبَغِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهَا وَلِيَ الْمُقْتَفِي وَالْمُسْتَرْشِدُ الْخِلَافَةَ وَكَانَا أَخَوَيْنِ، وَكَذَلِكَ السَّفَّاحُ وَالْمَنْصُورُ وَكَذَلِكَ الْهَادِي وَالرَّشِيدُ ابْنَا الْمَهْدِيِّ وَكَذَلِكَ الْوَاثِقُ وَالْمُتَوَكِّلُ ابْنَا الْمُعْتَصِمِ أَخَوَانِ، وَأَمَّا ثَلَاثَةُ إِخْوَةٍ فَالْأَمِينُ وَالْمَأْمُونُ وَالْمُعْتَصِمُ بَنُو الرَّشِيدِ، وَالْمُنْتَصِرُ وَالْمُعْتَزُّ وَالْمُعْتَمِدُ بَنُو الْمُتَوَكِّلِ، وَالْمُكْتَفِي وَالْمُقْتَدِرُ وَالْقَاهِرُ بَنُو الْمُعْتَضِدِ، وَالرَّاضِي وَالْمُقْتَفِي وَالْمُطِيعُ بَنُو الْمُقْتَدِرِ، وَأَمَّا أَرْبَعَةُ إِخْوَةٍ فَلَمْ يَكُنْ إِلَّا فِي بَنِي أُمَيَّةَ وَهُمُ: الْوَلِيدُ وَسُلَيْمَانُ وَيَزِيدُ وَهِشَامُ بَنُو عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ. وَلَمَّا اسْتَقَرَّ الْمُقْتَفِي بِالْخِلَافَةِ اسْتَمَرَّ الرَّاشِدُ ذَاهِبًا إِلَى الْمَوْصِلِ صُحْبَةَ صَاحِبِهَا عِمَادِ الدِّينِ زَنْكِي فَدَخَلَهَا فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.

стр. 10293

وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: مُحَمَّدُ بْنُ حَمَّوَيْهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَمَّوَيْهِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْجُوَيْنِيُّ، رَوَى الْحَدِيثَ وَكَانَ صَدُوقًا مَشْهُورًا بِالْعِلْمِ وَالزُّهْدِ، وَلَهُ كَرَامَاتٌ، دَخَلَ إِلَى بَغْدَادَ فَلَمَّا وَدَّعَهُمْ أَنْشَدَهُمْ: لَئِنْ كَانَ لِي مِنْ بَعْدُ عَوْدٌ إِلَيْكُمُ … قَضَيْتُ لُبَانَاتِ الْفُؤَادِ لَدَيْكُمُ وَإِنْ تَكُنِ الْأُخْرَى وَفِي الْغَيْبِ عِبْرَةٌ … وَحَالَ قَضَاءٌ فَالسَّلَامُ عَلَيْكُمُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَبِيبٍ أَبُو بَكْرٍ الْعَامِرِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْخَبَّازَةِ، سَمِعَ الْحَدِيثَ وَرَحَلَ فِي طَلَبِهِ، وَكَانَتْ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِالْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ، وَقَدْ شَرَحَ كِتَابَ «الشِّهَابِ»، وَكَانَ يَعِظُ النَّاسَ عَلَى طَرِيقِ التَّصَوُّفِ، وَكَانَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِيمَنْ تَأَدَّبَ بِهِ وَقَدْ أَثْنَى عَلَيْهِ، وَمِنْ شِعْرِهِ: كَيْفَ احْتِيَالِي وَهَذَا فِي الْهَوَى حَالِي … وَالشَّوْقُ أَمْلَكُ لِي مِنْ عَذْلِ عُذَّالِي وَكَيْفَ أَسْلُو وَفِي حُبِّي لَهُ شُغُلٌ … يَحُولُ بَيْنَ مُهِمَّاتِي وَأَشْغَالِي وَقَدِ ابْتَنَى رِبَاطًا، فَكَانَ عِنْدَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُتَعَبِّدِينَ وَالزُّهَّادِ، وَلَمَّا احْتَضَرَ أَوْصَاهُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَالْإِخْلَاصِ ثُمَّ شَرَعَ فِي النَّزْعِ وَعَرَقَ جَبِينُهُ فَمَدَّ يَدَهُ ثُمَّ قَالَ:

стр. 10294

هَا قَدْ بَسَطْتُ يَدِي إِلَيْكَ فَرُدَّهَا … بِالْفَضْلِ لَا بِشَمَاتَةِ الْأَعْدَاءِ ثُمَّ قَالَ أَرَى الْمَشَايِخَ بَيْنَ أَيْدِيهِمُ الْأَطْبَاقُ، وَهُمْ يَنْتَظِرُونَنِي ثُمَّ مَاتَ، وَذَلِكَ لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ نِصْفَ رَمَضَانَ وَدُفِنَ بِرِبَاطِهِ ثُمَّ غَرِقَ رِبَاطُهُ وَقَبْرُهُ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، ﵀. مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْعَبَّاسِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الصَّاعِدِيُّ الْفُرَاوِيُّ كَانَ أَبُوهُ مِنْ ثَغْرِ فُرَاوَةَ وَسَكَنَ نَيْسَابُورَ فَوُلِدَ لَهُ بِهَا مُحَمَّدٌ هَذَا، وَقَدْ سَمِعَ الْحَدِيثَ الْكَثِيرَ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنَ الْمَشَايِخِ بِالْآفَاقِ، وَتَفَقَّهَ وَأَفْتَى وَنَاظَرَ وَوَعَظَ، وَكَانَ ظَرِيفًا حَسَنَ الْوَجْهِ جَمِيلَ الْمُعَاشَرَةِ كَثِيرَ التَّبَسُّمِ، وَأَمْلَى أَكْثَرَ مِنْ أَلْفِ مَجْلِسٍ وَرَحَلَ إِلَيْهِ الطَّلَبَةُ مِنَ الْآفَاقِ حَتَّى كَانَ يُقَالُ: لِلْفُرَاوِيِّ أَلْفُ رَاوٍ. وَقِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ كَانَ مَكْتُوبًا فِي خَاتَمِهِ، وَقَدْ أَسْمَعَ «صَحِيحَ مُسْلِمٍ» قَرِيبًا مِنْ عِشْرِينَ مَرَّةً. تُوُفِّيَ فِي شَوَّالٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ تِسْعِينَ سَنَةً، ﵀.

стр. 10295

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ فِيهَا كَثُرَ مَوْتُ الْفَجْأَةِ بِأَصْبَهَانَ، فَمَاتَ أُلُوفٌ مِنَ النَّاسِ وَأُغْلِقَتْ دُورٌ كَثِيرَةٌ. وَفِيهَا تَزَوَّجَ الْخَلِيفَةُ بِالْخَاتُونَ فَاطِمَةَ بِنْتِ مُحَمَّدِ بْنِ مَلِكْشَاهْ عَلَى صَدَاقِ مِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، فَحَضَرَ أَخُوهَا السُّلْطَانُ مَسْعُودٌ الْعَقْدَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَعْيَانِ الدَّوْلَةِ، وَالْوُزَرَاءُ وَالْأُمَرَاءُ وَنُثِرَ عَلَى النَّاسِ أَنْوَاعُ النِّثَارِ. وَفِيهَا صَامَ أَهْلُ بَغْدَادَ رَمَضَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، وَلَمْ يَرَوُا الْهِلَالَ لَيْلَةَ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ مَعَ كَوْنِ السَّمَاءِ كَانَتْ مُصْحِيَةً. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَهَذَا شَيْءٌ لَمْ يَقَعْ مِثْلُهُ. وَفِيهَا هَرَبَ وَزِيرُ صَاحِبِ مِصْرَ وَهُوَ تَاجُ الدَّوْلَةِ بَهْرَامُ النَّصْرَانِيُّ، وَقَدْ كَانَ تَمَكَّنَ فِي الْبِلَادِ وَأَسَاءَ السِّيرَةَ فَتَطَلَّبَهُ الْخَلِيفَةُ الْحَافِظُ حَتَّى أَخَذَهُ فَسَجَنَهُ، ثُمَّ أَطْلَقَهُ فَتَرَهَّبَ وَتَرَكَ الْعَمَلَ، فَاسْتَوْزَرَ بَعْدَهُ رِضْوَانَ بْنَ الزَّنْجِيِّ، وَلَقَّبَهُ الْمَلِكَ الْأَفْضَلَ وَلَمْ يُلَقَّبْ وَزِيرٌ بِذَلِكَ قَبْلَهُ، ثُمَّ وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَافِظِ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ

стр. 10296

الْخَلِيفَةُ حَتَّى قَتَلَهُ وَاشْتَغَلَ بِتَدْبِيرِ أُمُورِهِ وَحْدَهُ. وَفِيهَا مَلَكَ عِمَادُ الدِّينِ زَنْكِي عِدَّةَ بِلَادٍ. وَفِيهَا ظَهَرَ بِالشَّامِ سَحَابٌ أَسْوَدُ أَظْلَمَتْ لَهُ الدُّنْيَا، ثُمَّ ظَهَرَ بَعْدَهُ سَحَابٌ أَحْمَرُ كَأَنَّهُ نَارٌ أَضَاءَتْ لَهُ الدُّنْيَا، ثُمَّ جَاءَتْ رِيحٌ عَاصِفٌ أَلْقَتْ أَشْجَارًا كَثِيرَةً، ثُمَّ وَقَعَ مَطَرٌ شَدِيدٌ وَسَقَطَ بَرَدٌ كِبَارٌ. وَفِيهَا قَصَدَ مَلِكُ الرُّومِ بِلَادَ الشَّامِ فَأَخَذَ بِلَادًا كَثِيرَةً مِنْ أَيْدِي الْفِرِنْجِ، وَأَطَاعَهُ أَلْيُونُ بْنُ مَلِكِ الْأَرْمَنِ. وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ الْحَسَنِ أَبُو سَعْدٍ الْخُجَنْدِيُّ، تَفَقَّهَ عَلَى وَالِدِهِ الْإِمَامِ أَبِي بَكْرٍ الْخُجَنْدِيِّ الْأَصْبَهَانِيِّ، وَوَلِيَ التَّدْرِيسَ بِالْمَدْرَسَةِ النِّظَامِيَّةِ بِبَغْدَادَ مِرَارًا، وَيُعْزَلُ عَنْهَا، وَقَدْ سَمِعَ الْحَدِيثَ وَوَعَظَ، وَتُوُفِّيَ فِي غُرَّةِ شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَقَدْ قَارَبَ التِّسْعِينَ. هِبَةُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الْحَرِيرِيُّ، يُعْرَفُ بِابْنِ الطَّبَرِ، سَمِعَ الْكَثِيرَ، وَهُوَ آخِرُ مَنْ رَوَى عَنْ أَبِي الْحَسَنِ ابْنِ زَوْجِ الْحُرَّةِ، وَقَدْ حَدَّثَ عَنْهُ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ، وَكَانَ ثَبَتًا صَحِيحَ السَّمَاعِ، كَثِيرَ الذِّكْرِ وَالتِّلَاوَةِ، مُمَتَّعًا بِحَوَاسِّهِ وَقُوَاهُ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ فِي جُمَادَى الْأُولَى مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ سِتٍّ وَتِسْعِينَ سَنَةً ﵀.

стр. 10297

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثِنْتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ فِيهَا قُتِلَ الْخَلِيفَةُ الرَّاشِدُ الْمَخْلُوعُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ اجْتَمَعَ مَعَهُ الْمَلِكُ دَاوُدُ وَجَمَاعَةٌ مِنْ كِبَارِ الْأُمَرَاءِ، فَقَصَدُوا قِتَالَ مَسْعُودٍ بِأَرْضِ مَرَاغَةَ فَهَزَمَهُمْ وَبَدَّدَ شَمْلَهُمْ وَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا صَبْرًا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْهُمْ صَدَقَةُ بْنُ دُبَيْسٍ وَوَلَّى أَخَاهُ مُحَمَّدًا مَكَانَهُ عَلَى الْحِلَّةِ وَهَرَبَ الْخَلِيفَةُ الرَّاشِدُ الْمَخْلُوعُ فَدَخَلَ أَصْبَهَانَ فَقَتَلَهُ مَنْ كَانَ يَخْدُمُهُ مِنَ الْخُرَاسَانِيَّةِ، وَكَانَ قَدْ بَرَأَ مِنْ وَجَعٍ أَصَابَهُ، فَقَتَلُوهُ فِي الْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ، وَدُفِنَ بِشَهْرَسْتَانَ ظَاهِرَ أَصْبَهَانَ وَقَدْ كَانَ حَسَنَ اللَّوْنِ مَلِيحَ الْوَجْهِ شَدِيدَ الْقُوَّةِ مَهِيبًا. أُمُّهُ أُمُّ وَلَدٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَفِيهَا كَسَا الْكَعْبَةَ رَجُلٌ مِنَ التُّجَّارِ يُقَالُ لَهُ رَاسَتُ الْفَارِسِيُّ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْفَ دِينَارٍ; وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ تَأْتِهَا كُسْوَةٌ فِي هَذَا الْعَامِ لِاخْتِلَافِ الْمُلُوكِ. وَفِيهَا كَانَتْ زَلْزَلَةٌ عَظِيمَةٌ بِبِلَادِ الشَّامِ وَالْجَزِيرَةِ وَالْعِرَاقِ فَانْهَدَمَ شَيْءٌ كَثِيرٌ، وَمَاتَ تَحْتَ الْهَدْمِ خَلْقٌ كَثِيرٌ وَجَمٌّ غَفِيرٌ. وَفِيهَا كَانَ بِخُرَاسَانَ غَلَاءٌ شَدِيدٌ

стр. 10298

حَتَّى أَكَلُوا الْكِلَابَ. وَفِيهَا أَخَذَ الْمَلِكُ عِمَادُ الدِّينِ زَنْكِي مَدِينَةَ حِمْصَ فِي الْمُحَرَّمِ وَتَزَوَّجَ فِي رَمَضَانَ بِالسِّتِّ زُمُرُّدَ خَاتُونَ، أُمِّ صَاحِبِ دِمَشْقَ وَهِيَ الَّتِي تُنْسَبُ إِلَيْهَا الْخَاتُونِيَّةُ الْبَرَّانِيَّةُ. وَفِيهَا مَلَكَ صَاحِبُ الرُّومِ مَدِينَةَ بُزَاعَةَ وَهِيَ عَلَى سِتَّةِ فَرَاسِخَ مِنْ حَلَبَ، فَجَاءَ أَهْلُهَا الَّذِينَ نَجَوْا مِنَ الْقَتْلِ وَالسَّبْيِ يَسْتَغِيثُونَ بِالْمُسْلِمِينَ بِبَغْدَادَ، فَمُنِعَتِ الْخُطْبَةُ بِبَغْدَادَ وَجَرَتْ فِتَنٌ طَوِيلَةٌ. وَفِيهَا تَزَوَّجَ السُّلْطَانُ مَسْعُودٌ سَفْرَى بِنْتَ دُبَيْسِ بْنِ صَدَقَةَ، وَزُيِّنَتْ بَغْدَادُ لِذَلِكَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: فَحَصَلَ بِسَبَبِ ذَلِكَ فَسَادٌ عَرِيضٌ طَوِيلٌ مُنْتَشِرٌ ثُمَّ تَزَوَّجَ ابْنَةَ عَمِّهِ فَزُيِّنَتْ بَغْدَادُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَيْضًا. وَفِيهَا وُلِدَ السُّلْطَانُ النَّاصِرُ صَلَاحُ الدِّينِ يُوسُفُ بْنُ أَيُّوبَ بْنِ شَاذِيٍّ بِقَلْعَةِ تَكْرِيتَ. وَفِيهَا حَجَّ بِالنَّاسِ الْأَمِيرُ نَظَرٌ الْخَادِمُ، وَكَذَا فِي السَّنَوَاتِ الَّتِي قَبْلَهَا، أَثَابَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الْفَتْحِ الدِّينَوَرِيُّ الْحَنْبَلِيُّ، سَمِعَ الْحَدِيثَ وَتَفَقَّهَ عَلَى أَبِي الْخَطَّابِ الْكَلْوَذَانِيِّ، وَأَفْتَى وَدَرَّسَ وَنَاظَرَ وَكَانَ أَسْعَدُ الْمِيهَنِيُّ يَقُولُ: مَا اعْتَرَضَ أَبُو بَكْرٍ الدِّينَوَرِيُّ عَلَى دَلِيلِ أَحَدٍ

стр. 10299

إِلَّا ثَلَمَهُ، وَقَدْ تَخَرَّجَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ وَأَنْشَدَ عَنْهُ قَوْلَهُ: تَمَنَّيْتُ أَنْ تُمْسِيَ فَقِيهًا مُنَاظِرًا … بِغَيْرِ عَنَاءٍ فَالْجُنُونُ فُنُونُ وَلَيْسَ اكْتِسَابُ الْمَالِ دُونَ مَشَقَّةٍ … تَلَقَّيْتَهَا فَالْعِلْمُ كَيْفَ يَكُونُ عَبْدُ الْمُنْعِمِ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ هَوَازِنَ أَبُو الْمُظَفَّرِ الْقُشَيْرِيُّ آخِرُ مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ سَمِعَ أَبَاهُ وَأَبَا بَكْرٍ الْبَيْهَقِيَّ وَغَيْرَهُمَا وَسَمِعَ مِنْهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ الْأَنْمَاطِيُّ، وَأَجَازَ ابْنَ الْجَوْزِيِّ وَقَارَبَ التِّسْعِينَ. مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرَجِيُّ، سَمِعَ الْكَثِيرَ فِي بِلَادٍ شَتَّى، وَكَانَ فَقِيهًا مُفْتِيًا، تَفَقَّهَ بِأَبِي إِسْحَاقَ وَغَيْرِهِ مِنْ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ وَكَانَ أَدِيبًا شَاعِرًا فَصِيحًا، وَلَهُ مُصَنَّفَاتٌ كَثِيرَةٌ; مِنْهَا الْفُصُولُ فِي اعْتِقَادِ الْأَئِمَّةِ الْفُحُولِ، يَذْكُرُ فِيهِ مَذَاهِبَ السَّلَفِ فِي بَابِ الِاعْتِقَادِ، وَيَحْكِي فِيهِ أَشْيَاءَ غَرِيبَةً حَسَنَةً، وَلَهُ تَفْسِيرٌ وَكِتَابٌ فِي الْفِقْهِ وَكَانَ لَا يَقْنُتُ فِي الْفَجْرِ، وَيَقُولُ: لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ فِي حَدِيثٍ، وَقَدْ كَانَ إِمَامُنَا الشَّافِعِيُّ يَقُولُ: إِذَا صَحَّ الْحَدِيثُ فَاضْرِبُوا بِقَوْلِي هَذَا الْحَائِطَ، وَقَدْ كَانَ حَسَنَ الصُّورَةِ جَمِيلَ الْمُعَاشَرَةِ وَمِنْ شِعْرِهِ:

стр. 10300

تَنَاءَتْ دَارُهُ عَنِّي وَلَكِنْ … خَيَالُ جَمَالِهِ فِي الْقَلْبِ سَاكِنْ إِذَا امْتَلَأَ الْفُؤَادُ بِهِ فَمَاذَا … يَضُرُّ إِذَا خَلَتْ مِنْهُ الْأَمَاكِنْ تُوُفِّيَ ﵀، وَقَدْ جَاوَزَ السَّبْعِينَ. الْخَلِيفَةُ الرَّاشِدُ مَنْصُورُ بْنُ الْمُسْتَرْشِدِ وَلِيَ الْخِلَافَةَ بَعْدَ أَبِيهِ ثُمَّ خُلِعَ، فَذَهَبَ مَعَ الْعِمَادِ زَنْكِي إِلَى أَرْضِ الْمَوْصِلِ، ثُمَّ جَمَعَ جُمُوعًا فَاقْتَتَلَ مَعَ الْمَلِكِ مَسْعُودٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فَهَزَمَهُمْ، فَذَهَبَ إِلَى أَصْبَهَانَ فَقُتِلَ بَعْدَ مَرَضٍ أَصَابَهُ، فَقِيلَ: إِنَّهُ سُمَّ، وَقِيلَ: قَتَلَتْهُ الْبَاطِنِيَّةُ وَقِيلَ: قَتَلَهُ الْفَرَّاشُونَ الَّذِينَ كَانُوا يَلُونَ أَمْرَهُ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ حَكَى ابْنُ الْجَوْزِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصُّولِيِّ أَنَّهُ قَالَ: النَّاسُ يَقُولُونَ: كُلُّ سَادِسٍ يَقُومُ بِأَمْرِ النَّاسِ مِنْ أَوَّلِ الْإِسْلَامِ لَا بُدَّ أَنْ يُخْلَعَ قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: فَتَأَمَّلْتُ ذَلِكَ فَرَأَيْتُهُ عَجَبًا; قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ ثُمَّ عُثْمَانُ ثُمَّ عَلِيٌّ ثُمَّ الْحَسَنُ فَخُلِعَ، ثُمَّ مُعَاوِيَةُ وَيَزِيدُ وَمُعَاوِيَةُ بْنُ يَزِيدَ وَمَرْوَانُ وَعَبْدُ الْمَلِكِ ثُمَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ فَخُلِعَ وَقُتِلَ، ثُمَّ الْوَلِيدُ وَسُلَيْمَانُ ثُمَّ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَيَزِيدُ وَهِشَامٌ ثُمَّ الْوَلِيدُ بْنُ يَزِيدَ فَخُلِعَ وَقُتِلَ، وَلَمْ يَنْتَظِمْ لِبَنِي أُمَيَّةَ بَعْدَهُ أَمْرٌ حَتَّى قَامَ السَّفَّاحُ الْعَبَّاسِيُّ ثُمَّ أَخُوهُ الْمَنْصُورُ ثُمَّ الْمَهْدِيُّ ثُمَّ الْهَادِي ثُمَّ الرَّشِيدُ ثُمَّ الْأَمِينُ فَخُلِعَ وَقُتِلَ، ثُمَّ الْمَأْمُونُ وَالْمُعْتَصِمُ

стр. 10301

وَالْوَاثِقُ وَالْمُتَوَكِّلُ وَالْمُنْتَصِرُ ثُمَّ الْمُسْتَعِينُ فَخُلِعَ وَقُتِلَ، ثُمَّ الْمُعْتَزُّ وَالْمُهْتَدِي وَالْمُعْتَمِدُ وَالْمُعْتَضِدُ وَالْمُكْتَفِي ثُمَّ الْمُقْتَدِرُ فَخُلِعَ ثُمَّ أُعِيدَ فَقُتِلَ، ثُمَّ الْقَاهِرُ وَالرَّاضِي وَالْمُتَّقِي وَالْمُكْتَفِي وَالْمُطِيعُ ثُمَّ الطَّائِعُ فَخُلِعَ، ثُمَّ الْقَادِرُ وَالْقَائِمُ وَالْمُقْتَدِي وَالْمُسْتَظْهِرُ وَالْمُسْتَرْشِدُ ثُمَّ الرَّاشِدُ فَخُلِعَ وَقُتِلَ. أَنُوشِرْوَانُ بْنُ خَالِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْقَاشَانِيُّ الْفِينِيُّ مِنْ قَرْيَةِ فِينَ مِنْ قَاشَانَ الْوَزِيرُ أَبُو نَصْرٍ وَزَرَ لِلسُّلْطَانِ مَحْمُودٍ وَلِلْخَلِيفَةِ الْمُسْتَرْشِدِ، وَكَانَ عَاقِلًا مَهِيبًا عَظِيمَ الْخِلْقَةِ، وَهُوَ الَّذِي أَلْزَمَ أَبَا مُحَمَّدٍ الْحَرِيرِيَّ بِتَكْمِيلِ الْمَقَامَاتِ، وَكَانَ سَبَبَ ذَلِكَ أَنَّ أَبَا مُحَمَّدٍ الْحَرِيرِيَّ كَانَ جَالِسًا ذَاتَ يَوْمٍ فِي مَسْجِدِ بَنِي حَرَامٍ مِنْ مَحَالِّ الْبَصْرَةِ فَدَخَلَ عَلَيْهِ شَيْخٌ ذُو طِمْرَيْنِ، فَقَالُوا: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا رَجُلٌ مِنْ سَرُوجَ يُقَالُ لِي أَبُو زَيْدٍ، فَعَمِلَ الْحَرِيرِيُّ الْمَقَامَةَ الْحَرَامِيَّةَ وَاشْتُهِرَتْ فِي النَّاسِ، فَلَمَّا طَالَعَهَا الْوَزِيرُ أَنُوشِرْوَانُ أُعْجِبَ بِهَا، وَكَلَّفَ أَبَا مُحَمَّدٍ الْحَرِيرِيَّ أَنْ يَزِيدَ عَلَيْهَا غَيْرَهَا فَعَمِلَ مَعَهَا تَمَامَ خَمْسِينَ مَقَامَةً، فَهِيَ هَذِهِ الْمَشْهُورَةُ الْمُتَدَاوَلَةُ بَيْنَ النَّاسِ، وَقَدْ كَانَ الْوَزِيرُ كَرِيمًا مُحَمَّدًا غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ يُنْسَبُ إِلَى التَّشَيُّعِ وَقَدْ مَدَحَهُ الْحَرِيرِيُّ فَقَالَ: أَلَا لَيْتَ شِعْرِي وَالتَّمَنِّي تَعِلَّةٌ … وَإِنْ كَانَ فِيهِ رَاحَةٌ لِأَخِي الْكَرْبِ أَتَدْرُونَ أَنِّي مُذْ تَنَاءَتْ دِيَارُكُمْ … وَشَطَّ اقْتِرَابِي مِنْ جَنَابِكُمُ الرَّحْبِ أُكَابِدُ شَوْقًا مَا يَزَالُ أُوَارُهُ … يُقَلِّبُنِي فِي اللَّيْلِ جَنْبًا عَلَى جَنْبِ

стр. 10302

وَأَذْكُرُ أَيَّامَ التَّلَاقِي فَأَنْثَنِي … لِتِذْكَارِهَا بَادِي الْأَسَى طَائِرَ اللُّبِّ وَلِي حَنَّةٌ فِي كُّلِّ وَقْتٍ إِلَيْكُمُ … وَلَا حَنَّةُ الصَّادِي إِلَى الْبَارِدِ الْعَذْبِ فَوَاللَّهِ لَوْ أَنِّي كَتَمْتُ هَوَاكُمُ … لَمَا كَانَ مَكْتُومًا بِشَرْقٍ وَلَا غَرْبِ وَمِمَّا شَجَا قَلْبِي الْمُعَنَّى وَشَفَّهُ … رِضَاكُمْ بِإِهْمِالِ الْإِجَابَةِ عَنْ كُتْبِي وَقَدْ كُنْتُ لَا أَخْشَى مَعَ الذَّنْبِ جَفْوَةً … فَقَدْ صِرْتُ أَخْشَاهَا وَمَا لِيَ مِنْ ذَنْبِ وَلَمَّا سَرَى الْوَفْدُ الْعِرَاقِيُّ نَحْوَكُمْ … وَأَعْوَزَنِي الْمَسْرَى إِلَيْكُمْ مَعَ الرَّكْبِ جَعَلْتُ كِتَابِي نَائِبِي عَنْ ضَرُورَةٍ … وَمَنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً تَيَمَّمَ بِالتُّرْبِ وَنَفَّذْتُ أَيْضًا بَضْعَةً مِنْ جَوَارِحِي … لِتُنْبِئَكَمْ عَنْ شَرْحِ حَالِي وَتَسْتَنْبِي وَلَسْتُ أَرَى إِذْ كَارَكُمْ بَعْدَ خُبْرِكُمْ … بِمَكْرُمَةٍ حَسْبِي اهْتِزَازُكُمُ حَسْبِي

стр. 10303

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ فِيهَا كَانَتْ زَلْزَلَةٌ عَظِيمَةٌ بِمَدِينَةِ جَنْزَةَ، مَاتَ بِسَبَبِهَا مِائَتَا أَلْفٍ وَثَلَاثُونَ أَلْفًا، وَصَارَ مَكَانُهَا مَاءً أَسْوَدَ عَشَرَةَ فَرَاسِخَ فِي مِثْلِهَا، وَزُلْزِلَ أَهْلُ حَلَبَ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ ثَمَانِينَ مَرَّةً وَفِيهَا وَضَعَ السُّلْطَانُ مَسْعُودٌ مُكُوسًا كَثِيرَةً عَنِ النَّاسِ، وَكَثُرَتِ الْأَدْعِيَةُ لَهُ. وَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةٌ عَظِيمَةٌ بَيْنَ السُّلْطَانِ سَنْجَرَ وَخُوَارِزْمِ شَاهْ، فَهَزَمَهُ سَنْجَرُ، وَقُتِلَ فِي الْمَعْرَكَةِ وَلَدُهُ فَحَزِنَ عَلَيْهِ وَالِدُهُ حُزْنًا شَدِيدًا. وَفِيهَا قُتِلَ صَاحِبُ دِمَشْقَ شِهَابُ الدِّينِ مَحْمُودُ بْنُ تَاجِ الْمُلُوكِ بُورِي بْنِ طُغْتِكِينَ، قَتَلَهُ ثَلَاثَةٌ مِنْ خَوَاصِّهِ لَيْلًا وَهَرَبُوا مِنَ الْقَلْعَةِ، فَأُدْرِكُ اثْنَانِ فَصُلِبَا، وَأَفْلَتَ وَاحِدٌ. وَمَلَكَ بَعْدَهُ أَخُوهُ كَمَالُ الدَّيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ تَاجِ الْمُلُوكِ وَكَانَ بِبَعْلَبَكَّ قَبْلَ ذَلِكَ فَمَلَكَ بَعْدَهُ بَعْلَبَكَّ عِمَادُ الدِّينِ زَنْكِي وَاسْتَنَابَ عَلَيْهَا الْأَمِيرَ نَجْمَ الدِّينِ أَيُّوبَ وَالِدَ الْمَلِكِ صَلَاحِ الدِّينِ، وَالْمَلِكِ الْعَادِلِ أَبِي بَكْرٍ وَذُرِّيَّتِهِمَا.

стр. 10304

وَفِيهَا صُرِفَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى عَنِ الْمُبَاشَرَاتِ، ثُمَّ أُعِيدُوا قَبْلَ شَهْرٍ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا نَظَرٌ الْخَادِمُ أَثَابَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: زَاهِرُ بْنُ طَاهِرِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الشَّحَّامِيُّ، الْمُحَدِّثُ الْمُكْثِرُ الرَّحَّالُ الْجَوَّالُ، سَمِعَ الْكَثِيرَ وَأَمْلَى بِجَامِعِ نَيْسَابُورَ أَلْفَ مَجْلِسٍ، وَيُقَالُ إِنَّهُ كَانَ بِهِ مَرَضٌ يُكْثِرُ بِسَبَبِهِ الْجَمْعَ بَيْنَ الصَّلَوَاتِ، فَتَكَلَّمَ فِيهِ أَبُو سَعْدٍ السَّمْعَانِيُّ وَقَالَ: إِنَّهُ كَانَ يُخِلُّ بِالصَّلَوَاتِ وَقَدْ رَدَّ ابْنُ الْجَوْزِيِّ عَلَى السَّمْعَانِيِّ بِعُذْرِ الْمَرَضِ فَاللَّهُ أَعْلَمُ. بَلَغَ خَمْسًا وَثَمَانِينَ سَنَةً وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِنَيْسَابُورَ فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ وَدُفِنَ بِمَقْبَرَةِ يَحْيِي بْنِ يَحْيِي. عَلِيُّ بْنُ أَفْلَحَ أَبُو الْقَاسِمِ الْكَاتِبُ، وَقَدْ خَلَعَ عَلَيْهِ الْمُسْتَرْشِدُ وَلَقَبَّهُ جَمَالَ الْمُلْكِ وَأَعْطَاهُ أَرْبَعَةَ دُورٍ، وَكَانَتْ لَهُ دَارٌ إِلَى جَانِبِهِنَّ فَهَدَمَهُنَّ كُلَّهُنَّ، وَاتَّخَذَ مَكَانَهُنَّ دَارًا هَائِلَةً; طُولُهَا سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي عَرْضِ أَرْبَعِينَ ذِرَاعًا، وَأَطْلَقَ لَهُ

стр. 10305

الْخَلِيفَةُ أَخْشَابًا وَآجُرًّا وَذَهَبًا فَبَنَاهَا، وَغَرِمَ عَلَيْهَا ابْنُ أَفْلَحَ مَالًا جَزِيلًا، وَكَتَبَ عَلَى أَبْوَابِهَا وَطِرَازَاتِهَا، أَشْعَارًا حَسَنَةً مِنْ نَظْمِهِ وَنَظْمِ غَيْرِهِ; فَمِنْ ذَلِكَ مَا هُوَ عَلَى بَابِ الدَّارِ: إِنْ عَجِبَ الرَّاءُونَ مِنْ ظَاهِرِي … فَبَاطِنِي لَوْ عَلِمُوا أَعْجَبُ شَيَّدَنِي مَنْ كَفُّهُ مُزْنَةٌ … يَحْمِلُ مِنْهَا الْعَارِضُ الصَّيِّبُ وَدَبَّجَتْ رَوْضَةُ أَخْلَاقِهِ … فِيَّ رِيَاضًا نُورُهَا مُذْهَبُ صَدْرٌ كَسَا صَدْرِيَ مِنْ نُورِهِ … شَمْسًا عَلَى الْأَيَّامِ لَا تَغْرُبُ وَعَلَى الطُّرُزِ مَكْتُوبٌ: وَمِنَ الْمُرُوءَةِ لِلْفَتَى … مَا عَاشَ دَارٌ فَاخِرَهْ فَاقْنَعْ مِنَ الدُّنْيَا بِهَا … وَاعْمَلْ لِدَارِ الْآخِرَهْ هَاتِيكَ وَافِيَةٌ بِمَا … وَعَدَتْ وَهَذِي سَاحِرَهْ وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ مَكْتُوبٌ: وَنَادٍ كَأَنَّ جِنَانَ الْخُلُودِ … أَعَارَتْهُ مِنْ حُسْنِهَا رَوْنَقَا وَأَعْطَتْهُ مِنْ حَادِثَاتِ الزَّمَا … نِ أَنْ لَا تُلِمَّ بِهِ مَوْثِقَا

стр. 10306

فَأَضْحَى يَتِيهُ عَلَى كُلِّ مَا … بُنِيَ مَغْرِبًا كَانَ أَوْ مَشْرِقَا تَظَلُّ الْوُفُودُ بِهِ عُكَّفًا … وَتُمْسِي الضُّيُوفُ بِهِ طُرَّقَا بَقِيتَ لَهُ يَا جَمَالَ الْمُلُو … كِ وَالْفَضْلِ مَهْمَا أَرَدْتَ الْبَقَا وَسَالَمَهُ فِيكَ رَيْبُ الزَّمَانِ … وَوُقِّيتَ مِنْهُ الَّذِي يُتَّقَى فَمَا صَدَقَتْ هَذِهِ الْأَمَانِي بَلْ عَمَّا قَرِيبٍ - بَعْدَ نَيْلِهَا - اتَّهَمَ الْخَلِيفَةُ ابْنَ أَفْلَحَ بِأَنَّهُ يُكَاتِبُ دُبَيْسًا، فَأَمَرَ بِتَخْرِيبِ هَذِهِ الدَّارِ فَلَمْ يَبْقَ فِيهَا جِدَارٌ، بَلْ صَارَتْ خَرَابَةً بَعْدَ مَا كَانَ قَدْ حَسُنَ مِنْهَا الْمُقَامُ وَالْقَرَارُ، وَهَذِهِ حِكْمَةُ اللَّهِ مَنْ يُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَتَجْرِي بِمَشِيئَتِهِ الْأَقْدَارُ. وَقَدْ أَوْرَدَ لَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَشْيَاءَ حَسَنَةً مِنْ نَظْمِهِ وَنَثْرِهِ فَمِنْ ذَلِكَ: دَعِ الْهَوَى لِأُنَاسٍ يُعْرَفُونَ بِهِ … قَدْ مَارَسُوا الْحُبَّ حَتَّى لَانَ أَصْعَبُهُ بَلَوْتَ نَفْسَكَ فِيمَا لَسْتَ تَخْبُرُهُ … وَالشَّيْءُ صَعْبٌ عَلَى مَنْ لَا يُجَرِّبُهُ اقْنِ اصْطِبَارًا وَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ جَلَدًا … فَرُبَّ مُدْرِكِ أَمْرٍ عَزَّ مَطْلَبُهُ أَحْنِي الضُّلُوْعَ عَلَى قَلْبٍ يُحَيِّرُنِي … فِي كُلِّ يَوْمٍ وَيُعْيِينِي تَقَلُّبُهُ

стр. 10307

تَنَاوُحُ الرِّيحِ مِنْ نَجْدٍ يُهَيِّجُهُ … وَلَامِعُ الْبَرْقِ مِنْ نُعْمَانَ يُطْرِبُهُ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: هَذِهِ الْخَيْفُ وَهَاتِيكَ مِنَى … فَتَرَفَّقْ أَيُّهَا الْحَادِي بِنَا وَاحْبِسِ الرَّكْبَ عَلَيْنَا سَاعَةً … نَنْدُبِ الرَّبْعَ وَنَبْكِ الدِّمَنَا فَلِذَا الْمَوْقِفِ أَعْدَدْنَا الْبُكَا … وَلِذَا الدِّمْنِ دُمُوعِي تُقْتَنَى زَمَنًا كَانُوا وَكُنَّا جِيْرَةً … يَا أَعَادَ اللَّهُ ذَاكَ الزَّمَنَا بَيْنُنَا يَوْمَ أُثَيْلَاتِ النَّقَا … كَانَ عَنْ غَيْرِ تَرَاضٍ بَيْنَنَا

стр. 10308

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ فِيهَا حَاصَرَ زَنْكِيٌّ دِمَشْقَ فَحَصَّنَهَا الْأَتَابِكُ مُعِينُ الدِّينِ أَنَرْ مَمْلُوكُ طُغْتِكِينَ، فَاتَّفَقَ مَوْتُ مَلِكِهَا جَمَالِ الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ بُورِي بْنِ طُغْتِكِينَ، فَأَرْسَلَ مُعِينُ الدِّينِ إِلَى أَخِيهِ مُجِيرِ الدِّينِ أَبَقَ وَهُوَ بِبَعْلَبَكَّ فَمَلَّكَهُ دِمَشْقَ فَذَهَبَ زَنْكِيٌّ إِلَى بَعْلَبَكَّ فَأَخَذَهَا وَاسْتَنَابَ عَلَيْهَا نَجْمَ الدِّينِ أَيُّوبَ. وَفِيهَا دَخَلَ الْخَلِيفَةُ الْمُقْتَفِي لِأَمْرِ اللَّهِ عَلَى الْخَاتُونِ فَاطِمَةَ أُخْتِ السُّلْطَانِ مَسْعُودٍ وَأُغْلِقَتْ بَغْدَادُ أَيَّامًا، وَكَانَ وَقْتًا مَشْهُودًا. وَفِيهَا تَزَوَّجَ السُّلْطَانُ بِبِنْتِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا. وَفِيهَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ عَلَى رَجُلٍ صَالِحٍ فَاجْتَمَعَ النَّاسُ بِمَدْرَسَةِ الشَّيْخِ عَبْدِ الْقَادِرِ، ثُمَّ اتَّفَقَ أَنَّ الرَّجُلَ عَطَسَ فَأَفَاقَ وَحَضَرَتْ جِنَازَةُ رَجُلٍ آخَرَ فَصَلَّى عَلَيْهِ. وَفِيهَا نَقَصَتِ الْمِيَاهُ مِنْ سَائِرِ الدُّنْيَا. وَفِيهَا وُلِدَ صَاحِبُ حَمَاةَ تَقِيُّ الدِّينِ

стр. 10309

عُمْرُ شَاهِنْشَاهْ بْنُ أَيُّوبَ بْنِ شَاذِيٍّ. وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْفَرَجِ أَبُو الْعَبَّاسِ الْحَرْبِيُّ، أَحَدُ الْعُبَّادِ الزُّهَّادِ، سَمِعَ الْحَدِيثَ وَكَانَتْ لَهُ أَحْوَالٌ، حَتَّى كَانَ يُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ يُرَى فِي بَعْضِ السِّنِينَ بِعَرَفَاتٍ وَلَمْ يَحُجَّ فِي تِلْكَ السَّنَةِ. عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ الْفَضْلِ أَبُو الْقَاسِمِ الْجِيلِيُّ، سَمِعَ الْحَدِيثَ وَتَفَقَّهَ عَلَى إِلِكْيَا الْهَرَّاسِيَّ وَبَرَعَ فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَوَلِيَ قَضَاءَ الْبَصْرَةِ وَكَانَ مِنْ خِيَارِ الْقُضَاةِ، ﵀.

стр. 10310

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ فِيهَا وَصَلَتِ الْبُرْدَةُ وَالْقَضِيبُ إِلَى بَغْدَادَ، وَكَانَا قَدْ أُخِذَا مِنَ الْمُسْتَرْشِدِ سَنَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، فَحَفِظَهُمَا السُّلْطَانُ سَنْجَرُ عِنْدَهُ حَتَّى رَدَّهُمَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَفِيهَا كَمُلَتِ الْمَدْرَسَةُ الْكَمَالِيَّةُ الْمَنْسُوبَةُ إِلَى كَمَالِ الدِّينِ أَبِي الْفُتُوحِ حَمْزَةَ بْنِ طَلْحَةَ صَاحِبِ الْمَخْزَنِ، وَدَرَّسَ فِيهَا الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْخَلِّ، وَحَضَرَ عِنْدَهُ الْأَعْيَانُ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ، أَبُو الْقَاسِمِ الطَّلْحِيُّ الْأَصْبِهَانِيُّ، سَمِعَ الْكَثِيرَ وَرَحَلَ وَكَتَبَ وَأَمْلَى بِأَصْبَهَانَ قَرِيبًا مِنْ ثَلَاثَةِ آلَافِ مَجْلِسٍ، وَكَانَ إِمَامًا فِي الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَالتَّفْسِيرِ وَاللُّغَةِ، حَافِظًا مُتْقِنًا، تُوُفِّيَ لَيْلَةَ عِيدِ الْأَضْحَى، وَقَدْ قَارَبَ الثَّمَانِينَ، وَلَمَّا أَرَادَ الْغَاسِلُ تَنْحِيَةَ الْخِرْقَةِ عَنْ فَرْجِهِ رَدَّهَا بِيَدِهِ.

стр. 10311

مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ وَهْبِ بْنِ مَشْجَعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيِّ، سَمِعَ الْحَدِيثَ وَتَفَرَّدَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمَشَايِخِ، وَأَمْلَى الْحَدِيثَ فِي جَامِعِ الْقَصْرِ، وَكَانَ مُشَارِكًا فِي عُلُومٍ كَثِيرَةٍ، وَقَدْ أُسِرَ فِي صِغَرِهِ فِي أَيْدِي الرُّومِ، فَأَرَادُوهُ عَلَى أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ فَلَمْ يَفْعَلْ، وَتَعَلَّمَ مِنْهُمْ خَطَّ الرُّومِ، وَكَانَ يَقُولُ: مَنْ خَدَمَ الْمَحَابِرَ خِدْمَتْهُ الْمَنَابِرُ، وَمِنْ شِعْرِهِ الَّذِي أَوْرَدَهُ لَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ عَنْهُ وَسَمِعَهُ عَنْهُ قَوْلُهُ: احْفَظْ لِسَانَكَ لَا تَبُحْ بِثَلَاثَةٍ … سِنٍّ وَمَالٍ مَا اسْتَطَعْتَ وَمَذْهَبٍ فَعَلَى الثَّلَاثَةِ تُبْتَلَى بِثَلَاثَةٍ … بِمُكَفِّرٍ وَبِحَاسِدٍ وَمُكذِّبِ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: لِي مُدَّةٌ لَا بُدَّ أَبْلُغُهَا … فَإِذَا انْقَضَتْ وَتَصَرَّمَتْ مِتُّ لَوْ عَانَدَتْنِي الْأُسْدُ ضَارِيَةً … مَا ضَرَّنِي مَا لَمْ يَجِي الْوَقْتُ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:

стр. 10312

بَغْدَادُ دَارٌ لِأَهْلِ الْعِلْمِ طَيِّبَةٌ … وَلِلْمَفَالِيسِ دَارُ الضَّنْكِ وَالضِّيقِ ظَلَلْتُ حَيْرَانَ أَمْشِي فِي أَزِقَّتِهَا … كَأَنَّنِي مُصْحَفٌ فِي بَيْتِ زِنْدِيقِ قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: بَلَغَ مِنَ الْعُمْرِ ثَلَاثًا وَتِسْعِينَ سَنَةً لَمْ تَتَغَيَّرْ حَوَاسُّهُ وَلَا عَقْلُهُ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ ثَانِيَ رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَحَضَرَ جِنَازَتَهُ الْأَعْيَانُ وَالنَّاسُ وَدُفِنَ قَرِيبًا مِنْ قَبْرِ بِشْرٍ. يُوسُفُ بْنُ أَيُّوبَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ وَهْرَةَ أَبُو يَعْقُوبَ الْهَمَذَانِيُّ، تَفَقَّهَ بِالشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ وَبَرَعَ فِي الْفِقْهِ وَالْمُنَاظَرَةِ، ثُمَّ اشْتَغَلَ بِالتَّعَبُّدِ وَصَحِبَ الصَّالِحِينَ، وَأَقَامَ بِالْجِبَالِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى بَغْدَادَ فَوَعَظَ بِهَا، وَحَصَلَ لَهُ قَبُولٌ، تُوفِّيَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ بِبَعْضِ قُرَى هَرَاةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.

стр. 10313

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ فِيهَا كَانَتْ حُرُوبٌ كَثِيرَةٌ بَيْنَ السُّلْطَانِ سَنْجَرَ وَخُوَارِزْمِ شَاهْ، فَاسْتَحْوَذَ خُوَارِزْمُ شَاهْ عَلَى مَرْوَ بَعْدَ هَزِيمَةِ سَنْجَرَ، فَقُتِلَ بِهَا، وَأَسَاءَ التَّدْبِيرَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْفُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ الَّذِينَ بِهَا، وَكَانَ جَيْشُ خُوَارِزْمَ ثَلَاثَمِائَةِ أَلْفِ مُقَاتِلٍ. وَفِيهَا كَمَلَ عَمَلُ شَقِّ النَّهْرَوَانِ وَخَلَعَ بِهْرُوزُ الشِّحْنَةِ بِبَغْدَادَ عَلَى الصُّنَّاعِ جِبَابَ الْحَرِيرِ الرُّومِيِّ، وَرَكِبَ هُوَ وَالسُّلْطَانُ مَسْعُودٌ فِي سَفِينَةٍ فِي ذَلِكَ النَّهْرِ، وَفَرِحَ السُّلْطَانُ بِذَلِكَ، وَكَانَ قَدْ صَرَفَ السُّلْطَانُ عَلَى ذَلِكَ النَّهْرِ سَبْعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ. وَفِيهَا حَجَّ كَمَالُ الدِّينِ بْنُ طَلْحَةَ صَاحِبُ الْمَخْزَنِ وَعَادَ فَتَزَهَّدَ وَتَرَكَ الْعَمَلَ وَلَزِمَ دَارَهُ. وَفِيهَا عُقِدَتِ الْجُمُعَةُ بِمَسْجِدِ الْعَبَّاسِيِّينَ بِإِذْنِ الْخَلِيفَةِ وَحَجَّ بِالنَّاسِ نَظَرٌ الْخَادِمُ. وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:

стр. 10314

إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ بْنِ أَبِي الْأَشْعَثِ، أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السَّمَرْقَنْدِيُّ الدِّمَشْقِيُّ ثُمَّ الْبَغْدَادِيُّ، سَمِعَ الْكَثِيرَ وَتَفَرَّدَ بِمَشَايِخَ، وَكَانَ سَمَاعُهُ صَحِيحًا وَأَمْلَى بِجَامِعِ الْمَنْصُورِ مَجَالِسَ كَثِيرَةً نَحْوَ ثَلَاثِمِائَةِ مَجْلِسٍ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَقَدْ جَاوَزَ الثَّمَانِينَ، ﵀. يَحْيَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ الطَّرَّاحِ الْمُدِيرُ وُلِدَ سَنَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ وَسَمِعَ الْكَثِيرَ وَأَسْمَعَ، وَكَانَ شَيْخًا حَسَنًا مَهِيبًا كَثِيرَ الْعِبَادَةِ وَالْخَيْرِ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي رَمَضَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ مِائَةٍ وَسَبْعِ سِنِينَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَرَضِيَ عَنْهُ آمِينَ.

стр. 10315

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ فِيهَا مَلَكَ عِمَادُ الدِّينِ زَنْكِيٌّ الْحَدِيثَةَ، وَنَقَلَ آلَ مُهَارِشٍ مِنْهَا إِلَى الْمَوْصِلِ وَرَتَّبَ فِيهَا نُوَّابًا مِنْ جِهَتِهِ.

стр. 10316

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ فِيهَا تَجَهَّزَ السُّلْطَانُ مَسْعُودٌ لِيَأْخُذَ الْمَوْصِلَ وَالشَّامَ مِنْ عِمَادِ الدَّينِ زَنْكِيٍّ، فَصَالَحَهُ عَلَى مِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ; فَدَفَعَ إِلَيْهِ مِنْهَا عِشْرِينَ أَلْفَ دِينَارٍ وَأَطْلَقَ لَهُ الْبَاقِي، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ ابْنَهُ سَيْفَ الدِّينِ غَازِيًّا كَانَ لَا يَزَالُ فِي خِدْمَةِ السُّلْطَانِ. وَفِيهَا مَلَكَ زَنْكِيٌّ بَعْضَ بِلَادِ بَكْرٍ. وَفِيهَا حَصَرَ الْمَلِكُ سَنْجَرُ خُوَارِزْمَ شَاهْ ثُمَّ أَخَذَ مِنْهُ مَالًا وَأَطْلَقَهُ. وَفِيهَا وُجِدَ رَجُلٌ يَفْسُقُ بِصَبِيٍّ، فَأُلْقِيَ مِنْ رَأْسِ مَنَارَةٍ، وَفِي لَيْلَةِ الثُّلَاثَاءِ الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ، وَحَجَّ بِالنَّاسِ نَظَرٌ الْخَادِمُ، أَثَابَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ الْمُبَارَكِ بْنِ أَحْمَدَ أَبُو الْبَرَكَاتِ الْأَنْمَاطِيُّ الْحَافِظُ سَمِعَ الْكَثِيرَ وَحَدَّثَ كَانَ ثِقَةً دَيِّنًا وَرِعًا طَلِيقَ الْوَجْهِ سَهْلَ الْأَخْلَاقِ، تُوَفِّيَ فِي الْمُحَرَّمِ عَنْ سِتٍّ وَتِسْعِينَ سَنَةً.

стр. 10317

عَلِيُّ بْنُ طِرَادِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الزَّيْنَبِيُّ الْوَزِيرُ الْعَبَّاسِيُّ أَبُو الْقَاسِمِ نَقِيبُ النُّقَبَاءِ عَلَى الطَّائِفَتَيْنِ فِي أَيَّامِ الْمُسْتَظْهِرِ وَوزَرَ لِلْمُسْتَرْشِدِ الْمُقْتَفِي، ثُمَّ عُزِلَ وَأُعِيدَ، وَلَمْ يَلِ الْوِزَارَةَ مِنَ الْعَبَّاسِيِّينَ غَيْرُهُ، وَقَدْ سَمِعَ الْكَثِيرَ وَأَسْمَعَ، وَتُوُفِّيَ فِي رَمَضَانَ عَنْ سِتٍّ وَسَبْعِينَ سَنَةً، ﵀. الزَّمَخْشَرِيُّ مَحْمُودُ بْنُ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ أَبُو الْقَاسِمِ الزَّمَخْشَرِيُّ صَاحِبُ الْكَشَّافِ فِي التَّفْسِيرِ وَالْمُفَصَّلِ فِي النَّحْوِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمُصَنَّفَاتِ الْمُفِيدَةِ، وَقَدْ سَمِعَ الْحَدِيثَ وَطَافَ الْبِلَادَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، وَجَاوَرَ بِمَكَّةَ مُدَّةً، وَكَانَ يُظْهِرُ مَذْهَبَ الِاعْتِزَالِ، وَيُصَرِّحُ بِذَلِكَ فِي تَفْسِيرِهِ وَيُنَاظِرُ عَلَيْهِ ثُمَّ كَانَتْ وَفَاتُهُ بِخُوَارِزْمَ لَيْلَةَ عَرَفَةَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، عَنْ سِتٍّ وَسَبْعِينَ سَنَةً.

стр. 10318

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ فِيهَا أَخَذَ الْعِمَادُ زَنْكِيٌّ الرُّهَا وَغَيْرَهَا مِنْ حُصُونِ الْجَزِيرَةِ مِنْ أَيْدِي الْفِرِنْجِ وَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا وَسَبَى نِسَاءً كَثِيرَةً، وَغَنِمَ أَمْوَالًا جَزِيلَةً، وَأَزَاحَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ كُرَبًا شَدِيدَةً كَثِيرَةً، جَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا. وَحَجَّ بِالنَّاسِ أَمِيرُ الْجُيُوشِ نَظَرٌ الْخَادِمُ وَتَنَافَسَ هُوَ وَأَمِيرُ مَكَّةَ فَنَهَبَ الْحَجِيجَ وَهُمْ يَطُوفُونَ. وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ عُمَرَ أَبُو الْوَلِيدِ الْكَرْخِيُّ تَفَقَّهَ بِالشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ وَأَبِي سَعْدٍ الْمُتَوَلِّي حَتَّى صَارَ أَوْحَدَ زَمَانِهِ فَقْهًا وَصَلَاحًا، وَمَاتَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. سَعْدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ أَبُو مَنْصُورٍ الرَّزَّازُ، سَمِعَ الْحَدِيثَ وَتَفَقَّهَ بِالْغَزَالِيِّ وَالشَّاشِيِّ وَالْمُتَوَلِّي وَإِلِكْيَا الْهَرَّاسِيِّ وَأَسْعَدَ الْمِيهَنِيِّ، وَوَلِيَ تَدْرِيسَ النِّظَامِيَّةِ وَكَانَ لَهُ سَمْتٌ حَسَنٌ وَوَقَارٌ وَسُكُونٌ وَكَانَ يَوْمُ جِنَازَتِهِ مَشْهُودًا،

стр. 10319

وَدُفِنَ عِنْدَ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ. عُمَرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ يَحْيِي بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ الْقُرَشِيُّ الْعَلَوِيُّ أَبُو الْبَرَكَاتِ الْكُوفِيُّ ثُمَّ الْبَغْدَادِيُّ سَمِعَ الْكَثِيرَ وَكَتَبَ كَثِيرًا وَأَقَامَ بِدِمَشْقَ مُدَّةً وَكَانَ لَهُ مَعْرِفَةٌ جَيِّدَةٌ بِالْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ وَالتَّفْسِيرِ وَاللُّغَةِ وَالْأَدَبِ وَلَهُ تَصَانِيفُ فِي النَّحْوِ وَكَانَ خَشِنَ الْعَيْشِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا تُوُفِّيَ فِي شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.

стр. 10320

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ فِيهَا حَصَرَ عَلِيُّ بْنُ دُبَيْسٍ أَخَاهُ مُحَمَّدًا وَلَمْ يَزَلْ يُحَاصِرُهُ حَتَّى اقْتَلَعَ مِنْ يَدِهِ الْحِلَّةَ وَمَلَكَهَا، وَفِي رَجَبٍ مِنْهَا دَخَلَ السُّلْطَانُ مَسْعُودٌ بَغْدَادَ خَوْفًا مِنَ اجْتِمَاعِ عَبَّاسٍ صَاحِبِ الرَّيِّ وَمُحَمَّدٍ شَاهْ بْنِ مَحْمُودٍ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا فِي رَمَضَانَ وَحَجَّ بِالنَّاسِ قَايْمَازُ الْأُرْجُوَانِيُّ مَمْلُوكُ أَمِيرِ الْجُيُوشِ نَظَرٍ; بِسَبَبِ مَا كَانَ قَدْ وَقَعَ بَيْنَ نَظَرٍ وَأَمِيرِ مَكَّةَ فِي السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ. وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ سُلَيْمَانَ أَبُو سَعْدٍ الْأَصْبَهَانِيُّ ثُمَّ الْبَغْدَادِيُّ، سَمِعَ الْحَدِيثَ وَكَانَ عَلَى طَرِيقَةِ السَّلَفِ، حُلْوَ الشَّمَائِلِ مُطَّرِحًا الْكُلْفَةَ، رُبَّمَا خَرَجَ إِلَى السُّوقِ بِقَمِيصٍ وَقَلَنْسُوَةَ، وَحَجَّ أَحَدَ عَشَرَ حِجَّةً وَكَانَ يُمْلِي الْحَدِيثَ وَيُكْثِرُ الصَّوْمَ، تُوُفِّيَ بِنَهَاوَنْدَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَقَدْ قَارَبَ الثَّمَانِينَ. عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ أَحْمَدَ أَبُو الْحَسَنِ الْيَزْدِيُّ، تَفَقَّهَ بِأَبِي

стр. 10321

بَكْرٍ الشَّاشِيِّ وَسَمِعَ الْحَدِيثَ وَأَسْمَعَهُ وَكَانَ لَهُ وَلِأَخِيهِ قَمِيصٌ وَعِمَامَةٌ، إِذَا خَرَجَ هَذَا جَلَسَ الْآخَرُ فِي الْبَيْتِ وَكَذَا الْآخَرُ. مَوْهُوبُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْخَضِرِ أَبُو مَنْصُورٍ الْجَوَالِيقِيُّ، شَيْخُ اللُّغَةِ فِي زَمَانِهِ، بَاشَرَ مَشْيَخَةَ اللُّغَةِ بِالنِّظَامِيَّةِ بَعْدَ شَيْخِهِ أَبِي زَكَرِيَّا التَّبْرِيزِيِّ مُدَّةً وَكَانَ يَؤُمُّ بِالْمُقْتَفِي، وَرُبَّمَا قَرَأَ عَلَيْهِ الْخَلِيفَةُ شَيْئًا مِنَ الْكُتُبِ، وَكَانَ عَاقِلًا مُتَوَاضِعًا فِي مَلْبَسِهِ، طَوِيلَ الصَّمْتِ، كَثِيرَ التَّفَكُّرِ، وَكَانَتْ لَهُ حَلْقَةٌ بِجَامِعِ الْقَصْرِ أَيَّامَ الْجُمَعِ وَكَانَ فِيهِ لُكْنَةٌ، وَكَانَ يَجْلِسُ إِلَى جَانِبِهِ الْمَغْرِبِيُّ مُعَبِّرُ الْمَنَامَاتِ، وَكَانَ فَاضِلًا لَكِنَّهُ كَانَ كَثِيرَ النُّعَاسِ فِي مَجْلِسِهِ فَقَالَ فِيهِمَا بَعْضُ الْأُدَبَاءِ: بَغْدَادُ عِنْدِي ذَنْبُهَا لَنْ يُغْفَرَا … وَعُيُوبُهَا مَكْشُوفَةٌ لَنْ تُسْتَرَا كَوْنُ الْجَوَالِيقِيِّ فِيهَا مُمْلِيًا … لُغَةً وَكَوْنُ الْمَغْرِبِيِّ مُعَبَّرَا مَأْسُورُ لُكْنَتِهِ يَقُولُ فَصَاحَةً … وَنَئُومُ يَقْظَتِهِ يُعَبِّرُ فِي الْكَرَى

стр. 10322

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ فِي لَيْلَةِ مُسْتَهَلِّ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْهَا احْتَرَقَ الْقَصْرُ الَّذِي بَنَاهُ الْمُسْتَرْشِدُ، وَكَانَ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ، وَكَانَ الْخَلِيفَةُ الْمُقْتَفِي قَدِ انْتَقَلَ بِجَوَارِيهِ وَحَظَايَاهُ إِلَيْهِ; لِيُقِيمَ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ نَامُوا حَتَّى احْتَرَقَ عَلَيْهِمُ الْقَصْرُ; بِسَبَبِ أَنَّ جَارِيَةً أَخَذَتْ فِي يَدِهَا شَمْعَةً فَعَلِقَ لَهَبُهَا بِبَعْضِ الْأَخْشَابِ; فَاحْتَرَقَ الْقَصْرُ وَسَلَّمَ اللَّهُ الْخَلِيفَةَ وَأَهْلَهُ فَأَصْبَحَ فَتَصَدَّقَ بِأَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ وَأَطْلَقَ خَلْقًا مِنَ الْمُحْبَسِينَ. وَفِي رَجَبٍ مِنْهَا وَقَعَ بَيْنَ الْخَلِيفَةِ وَالسُّلْطَانِ مَسْعُودٍ وَاقِعٌ فَبَعْثَ الْخَلِيفَةُ إِلَى الْجَوَامِعِ وَالْمَسَاجِدِ فَأُغْلِقَتْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ حَتَّى اصْطَلَحَا. وَفِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ الْمُنْتَصَفِ ذِي الْقَعْدَةِ جَلَسَ ابْنُ الْعَبَّادِيِّ الْوَاعِظُ، فَتَكَلَّمَ وَالسُّلْطَانُ مَسْعُودٌ حَاضِرٌ، وَكَانَ قَدْ وَضَعَ عَلَى النَّاسِ فِي الْبَيْعِ مَكْسًا فَاحِشًا فَقَالَ فِي جُمْلَةِ وَعْظِهِ: يَا سُلْطَانَ الْعَالَمِ أَنْتَ تُطْلِقُ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ لِلْمُغَنِّي إِذَا طَرِبْتَ قَرِيبًا مِمَّا وَضَعْتَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ هَذَا الْمَكْسِ، فَهَبْنِي مُغَنِّيًا وَقَدْ طَرِبْتَ فَهَبْ لِي هَذَا الْمَكْسَ، شُكْرًا لِنِعَمِ اللَّهِ عَلَيْكَ فَأَشَارَ السُّلْطَانُ بِيَدِهِ أَنْ قَدْ فَعَلْتُ فَضَجَّ النَّاسُ بِالدُّعَاءِ لَهُ وَكَتَبَ بِذَلِكَ سِجِلَّاتٍ وَنُودِيَ فِي الْبَلَدِ بِإِسْقَاطِ ذَلِكَ الْمَكْسِ فَفَرِحَ النَّاسُ بِذَلِكَ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.

стр. 10323

وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قَلَّ الْمَطَرُ جِدًّا، وَقَلَّتْ مِيَاهُ الْأَنْهَارِ، وَانْتَشَرَ جَرَادٌ عَظِيمٌ، وَأَصَابَ النَّاسَ دَاءٌ فِي حُلُوقِهِمْ فَمَاتَ بِذَلِكَ خَلَائِقُ كَثِيرَةٌ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. وَفِيهَا قُتِلَ الْمَلِكُ عِمَادُ الدِّينِ زَنْكِيُّ بْنُ قَسِيمِ الدَّوْلَةِ آقْ سُنْقُرَ التُّرْكِيُّ، صَاحِبُ الْمَوْصِلِ وَحَلَبَ وَغَيْرِهَا مِنْ بِلَادِ الشَّامِ وَالْجَزِيرَةِ، وَكَانَ مُحَاصِرًا قَلْعَةَ جَعْبَرَ، وَفِيهَا سَالِمُ بْنُ مَالِكٍ الْعُقَيْلِيُّ فَبَرْطَلَ بَعْضَ مَمَالِيكِ زَنْكِيٍّ حَتَّى قَتَلُوهُ فِي اللَّيْلَةِ الْخَامِسَةِ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، قَالَ الْعِمَادُ الْكَاتِبُ: كَانَ سَكْرَانَ فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ كَانَ مِنْ خِيَارِ الْمُلُوكِ وَأَحْسَنِهِمْ سِيرَةً وَشَكْلًا، وَكَانَ شُجَاعًا مِقْدَامًا حَازِمًا، خَضَعَتْ لَهُ مُلُوكُ الْأَطْرَافِ وَكَانَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ غَيْرَةً عَلَى نِسَاءِ الرَّعِيَّةِ، وَأَجْوَدِ الْمُلُوكِ مُعَامَلَةً، وَأَرْفَقِهِمْ بِالْعَامَّةِ وَمَلَكَ مِنْ بَعْدِهِ بِالْمَوْصِلِ وَلَدُهُ سَيْفُ الدِّينِ غَازِيٌّ، وَبِحَلَبَ وَلَدُهُ نُورُ الدِّينِ مَحْمُودٌ، فَاسْتَعَادَ نُورُ الدِّينِ هَذَا مَدِينَةَ الرُّهَا وَكَانَ أَبُوهُ قَدْ فَتَحَهَا. ثُمَّ عَصَوْا فَقَهَرَهُمْ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ مَلَكَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ صَاحِبُ الْمَغْرِبِ جَزِيرَةَ الْأَنْدَلُسِ بَعْدَ حُرُوبٍ طَوِيلَةٍ.

стр. 10324

وَفِيهَا مَلَكَتِ الْفِرِنْجُ، - لَعَنَهُمُ اللَّهُ - مَدِينَةَ طَرَابُلُسَ الْغَرْبِ وَفِيهَا اسْتَعَادَ صَاحِبُ دِمَشْقَ مَدِينَةَ بَعْلَبَكَّ، وَفِيهَا الْأَمِيرُ نَجْمُ الدِّينِ أَيُّوبُ مِنْ جِهَةِ زَنْكِيٍّ، فَسَلَّمَهُ الْقَلْعَةَ وَأَعْطَاهُ إِمْرَتَهُ عِنْدَهُ بِدِمَشْقَ. وَفِيهَا قَتَلَ السُّلْطَانُ مَسْعُودٌ حَاجِبَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ طَغَايُرْكَ وَقَتَلَ عَبَّاسًا صَاحِبَ الرَّيِّ وَأَلْقَى رَأْسَهُ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَانْزَعَجَ النَّاسُ وَنَهَبُوا خِيَامَ عَبَّاسٍ هَذَا، وَقَدْ كَانَ عَبَّاسٌ مِنَ الشُّجْعَانِ الْمَشْهُورِينَ، قَاتَلَ الْبَاطِنِيَّةَ مَعَ مَخْدُومِهِ جَوْهَرٍ فَلَمْ يَزَلْ يَقْتُلُ مِنْهُمْ حَتَّى بَنَى مِئْذَنَةً مِنْ رُءُوسِهِمْ بِمَدِينَةِ الرَّيِّ. وَفِيهَا مَاتَ نَقِيبُ النُّقَبَاءِ بِبَغْدَادَ مُحَمَّدُ بْنُ طِرَادٍ الزَّيْنَبِيُّ، فَوَلِيَ بَعْدَهُ عَلِيُّ بْنُ طَلْحَةَ الزَّيْنَبِيُّ. وَفِيهَا سَقَطَ جِدَارٌ عَلَى ابْنَةِ الْخَلِيفَةِ، وَكَانَتْ قَدْ بَلَغَتْ مَبَالِغَ النِّسَاءِ فَمَاتَتْ فَحَضَرَ جِنَازَتَهَا الْأَعْيَانُ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ نَظَرٌ الْخَادِمُ. وَحَجَّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ نِظَامُ الدِّينِ بْنُ جَهِيرٍ الْوَزِيرُ. وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: زَنْكِيُّ بْنُ آقْ سُنْقُرَ، تَقَدَّمَ ذِكْرُ شَيْءٍ مِنْ تَرْجَمَتِهِ فِي الْحَوَادِثِ، وَقَدْ أَطْنَبَ الشَّيْخُ شِهَابُ الدِّينِ أَبُو شَامَةَ فِي «الرَّوْضَتَيْنِ» فِي تَرْجَمَتِهِ وَمَا قِيلَ فِيهِ مِنْ نَظْمٍ وَنَثْرٍ ﵀.

стр. 10325

سَعْدُ الْخَيْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَبُو الْحَسَنِ الْمَغْرِبِيُّ الْأَنْدَلُسِيُّ الْأَنْصَارِيُّ، رَحَلَ مِنَ الْأَنْدَلُسِ إِلَى الصِّينِ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ وَتَفَقَّهَ بِالْغَزَالِيِّ، وَحَصَّلَ كُتُبًا نَفِيسَةً، وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَغَيْرُهُ، وَقَدْ أَوْصَى عِنْدَ وَفَاتِهِ بِبَغْدَادَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ الْغَزْنَوِيُّ، وَأَنْ يُدْفَنَ عِنْدَ قَبْرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَحَضَرَ جِنَازَتَهُ خَلَائِقُ مِنَ النَّاسِ. شَافِعُ بْنُ عَبْدِ الرَّشِيدِ بْنِ الْقَاسِمِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْجِيلِيُّ الشَّافِعِيُّ، تَفَقَّهَ عَلَى إِلِكْيَا الْهَرَّاسِيِّ، وَعَلَى الْغَزَالِيِّ وَكَانَ يَسْكُنُ الْكَرْخَ، وَلَهُ حَلْقَةٌ بِجَامِعِ الْمَنْصُورِ فِي الرُّوَاقِ قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَكُنْتُ أَحْضُرُ حَلْقَتَهُ. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَبُو مُحَمَّدٍ سِبْطُ أَبِي مَنْصُورٍ الزَّاهِدُ، قَرَأَ الْقِرَاءَاتِ وَصَنَّفَ فِيهَا، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ الْكَثِيرَ وَاقْتَنَى الْكُتُبَ الْحَسَنَةَ وَأَمَّ فِي مَسْجِدِهِ نَيِّفًا وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَعَلَّمَ خَلْقًا الْقُرْآنَ. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: مَا سَمِعْتُ أَحَدًا أَحْسَنَ قِرَاءَةً مِنْهُ وَحَضَرَ جِنَازَتَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ. عَبَّاسٌ شِحْنَةُ الرَّيِّ تَوَصَّلَ إِلَى أَنْ مَلَكَهَا، ثُمَّ قَتَلَهُ مَسْعُودٌ

стр. 10326

كَمَا ذَكَرْنَا، وَقَدْ كَانَ كَثِيرَ الصَّدَقَاتِ وَالْإِحْسَانِ إِلَى الرَّعِيَّةِ، وَقَتَلَ مِنَ الْبَاطِنِيَّةِ خَلْقًا، وَابْتَنَى مِنْ رُءُوسِهِمْ مَنَارَةً بِالرَّيِّ، وَتَأَسَّفَ النَّاسُ عَلَيْهِ، ﵀. مُحَمَّدُ بْنُ طِرَادِ بْنِ مُحَمَّدٍ الزَّيْنَبِيُّ أَبُو الْحَسَنِ نَقِيبُ النُّقَبَاءِ الْهَاشِمِيِّينَ، وَهُوَ أَخُو عَلِيِّ بْنِ طِرَادٍ الْوَزِيرِ، سَمِعَ الْكَثِيرَ مِنْ أَبِيهِ وَعَمِّهِ أَبِي نَصْرٍ وَغَيْرِهِمَا وَقَارَبَ السَّبْعِينَ. وَجِيهُ بْنُ طَاهِرِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَبُو بَكْرٍ الشَّحَّامِيُّ أَخُو زَاهِرٍ وَقَدْ سَمِعَ الْكَثِيرَ مِنَ الْحَدِيثِ، وَكَانَتْ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِهِ، وَكَانَ شَيْخًا حَسَنَ الْوَجْهِ سَرِيعَ الدَّمْعَةِ كَثِيرَ الذَّكَرِ، صَحِيحَ السَّمَاعِ صَدُوقَ اللَّهْجَةِ. تُوُفِّيَ بِبَغْدَادَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ.

стр. 10327

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثِنْتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ فِيهَا مَلَكَتِ الْفِرِنْجُ عِدَّةَ حُصُونٍ مِنْ جَزِيرَةِ الْأَنْدَلُسِ، وَفِيهَا مَلَكَ نُورُ الدِّينِ بْنُ مَحْمُودٍ زَنْكِيٌّ عِدَّةَ حُصُونٍ مِنْ أَيْدِي الْفِرِنْجِ بِالسَّوَاحِلِ وَغَيْرِهَا، وَفِيهَا خُطِبَ لِلْمُسْتَنْجِدِ بِاللَّهِ بِوِلَايَةِ الْعَهْدِ مِنْ بَعْدِ أَبِيهِ الْمُقْتَفِي، وَفِيهَا وَلِيَ عَوْنُ الدِّينِ يَحْيَى بْنُ هُبَيْرَةَ كِتَابَةَ دِيوَانِ الزِّمَامِ، وَوَلِيَ زَعِيمُ الدِّينِ يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ صَدْرِيَّةَ الْمَخْزَنِ الْمَعْمُورِ، وَفِيهَا اشْتَدَّ الْغَلَاءُ بِإِفْرِيقِيَّةَ فَهَلَكَ بِسَبَبِهِ أَكْثَرُ النَّاسِ حَتَّى خَلَتِ الْمَنَازِلُ وَأَقْفَرَتِ الْمَعَاقِلُ. وَفِيهَا تَزَوَّجَ سَيْفُ الدِّينِ غَازِيٌّ بِنْتَ صَاحِبِ مَارْدِينَ حُسَامِ الدِّينِ تَمُرْتَاشَ بْنِ أُرْتُقَ بَعْدَ أَنْ حَاصَرَهُ فَصَالَحَهُ عَلَى ذَلِكَ، فَحُمِلَتْ إِلَيْهِ إِلَى الْمَوْصِلِ بَعْدَ سَنَتَيْنِ، وَهُوَ مَرِيضٌ قَدْ أَشْرَفَ عَلَى الْمَوْتِ، فَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا حَتَّى مَاتَ، فَوَلِيَ بَعْدَهُ أَخُوهُ قُطْبُ بْنُ مَوْدُودٍ فَتَزَوَّجَهَا. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَفِي صَفَرٍ رَأَى رَجُلٌ فِي الْمَنَامِ قَائِلًا يَقُولُ لَهُ: مَنْ زَارَ قَبْرَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ غُفِرَ لَهُ، قَالَ: فَلَمْ يَبْقَ خَاصٌّ وَلَا عَامٌّ إِلَّا زَارَهُ، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَعَقَدْتُ يَوْمَئِذٍ مَجْلِسًا فَاجْتَمَعَ فِيهِ أُلُوفٌ مِنَ النَّاسِ. وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: أَسْعَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ

стр. 10328

الْمُهْتَدِي بِاللَّهِ أَبُو مَنْصُورٍ، سَمِعَ الْكَثِيرَ وَكَانَ خَيِّرًا دَيِّنًا صَالِحًا مُمَتَّعًا بِحَوَاسِّهِ وَقُوَاهُ إِلَى حِينِ الْوَفَاةِ، وَقَدْ جَاوَزَ الْمِائَةَ بِنَحْوٍ مِنْ سَبْعِ سِنِينَ. أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَلَفِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ اللَّخْمِيُّ الْأَنْدَلُسِيُّ الرُّشَاطِيُّ الْحَافِظُ مُصَنِّفُ كِتَابِ «اقْتِبَاسِ الْأَنْوَارِ وَالْتِمَاسِ الْأَزْهَارِ» فِي أَنْسَابِ الصَّحَابَةِ وَرُوَاةِ الْآثَارِ، وَهُوَ مِنْ أَحْسَنِ الْمُصَنَّفَاتِ الْكِبَارِ، قُتِلَ شَهِيدًا صَبِيحَةَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ الْعِشْرِينَ مِنْ جُمَادَى بِالْمَرِيَّةِ. نَصْرُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْقَوِيِّ أَبُو الْفَتْحِ اللَّاذِقِيُّ الْمِصِّيصِيُّ الشَّافِعِيُّ، تَفَقَّهَ بِالشَّيْخِ نَصْرِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمَقْدِسِيِّ بِصُورَ، وَسَمِعَ بِهَا مِنْهُ وَمِنْ أَبِي بَكْرٍ الْخَطِيبِ، وَسَمِعَ بِبَغْدَادَ وَالْأَنْبَارِ وَكَانَ أَحَدَ مَشَايِخِ الشَّامِ فَقِيهًا فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَقَدْ جَاوَزَ التِّسْعِينَ بِأَرْبَعِ سِنِينَ. هِبَةُ اللَّهِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ أَبُو السَّعَادَاتِ ابْنُ الشَّجَرِيِّ النَّحْوِيُّ، وُلِدَ سَنَةَ خَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ وَانْتَهَتْ إِلَيْهِ رِيَاسَةُ

стр. 10329

النُّحَاةِ قَالَ: مَا سَمِعْتُ بَيْتًا فِي الذَّمِّ أَبْلَغَ مِنْ قَوْلِ مَسْكَوَيْهِ: وَمَا أَنَا إِلَّا الْمِسْكُ قَدْ ضَاعَ عِنْدَكُمْ … يَضِيعُ وَعِنْدَ الْأَكْثَرِينَ يَضُوعُ

стр. 10330

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ فِيهَا اسْتَغَاثَ مُجِيرُ الدِّينِ بْنُ أَتَابِكِ دِمَشْقَ بِالْمَلِكِ نُورِ الدِّينِ صَاحِبِ حَلَبَ عَلَى الْفِرِنْجِ فَرَكِبَ سَرِيعًا فَالْتَقَى مَعَهُمْ بِأَرْضِ بُصْرَى فَهَزَمَهُمْ وَرَجَعَ فَنَزَلَ عَلَى الْكِسْوَةِ وَخَرَجَ مَلِكُ دِمَشْقَ مُجِيرُ الدِّينِ أَبَقُ فَخَدَمَهُ وَاحْتَرَمَهُ وَشَاهَدَ الدَّمَاشِقَةُ حُرْمَةَ نُورِ الدِّينِ. وَفِيهَا مَلَكَتِ الْفِرِنْجُ الْمَهْدِيَّةَ وَهَرَبَ مِنْهَا صَاحِبُهَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى بْنِ تَمِيمِ بْنِ الْمُعِزِّ بْنِ بَادِيسَ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ يُوسُفَ بْنِ بُلُكِّينَ بْنِ زِيرِيٍّ بِأَهْلِهِ وَمَا خَفَّ مِنْ أَمْوَالِهِ فَتَمَزَّقَ فِي الْبِلَادِ، وَأَكَلَتْهُمُ الْأَقْطَارُ، وَكَانَ آخِرَ مُلُوكِ بَنِي بَادِيسَ، وَكَانَ ابْتِدَاءُ مُلْكِهِمْ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائةٍ، فَدَخَلَ الْفِرِنْجُ إِلَيْهَا وَخَزَائِنُهَا مَشْحُونَةٌ بِالْحَوَاصِلِ وَالْأَمْوَالِ وَالْعُدَدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. وَفِيهَا حَاصَرَتِ الْفِرِنْجُ - وَهُمْ فِي سَبْعِينَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ، وَمَعَهُمْ مَلِكُ الْأَلْمَانِ فِي خَلْقٍ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ دِمَشْقَ وَعَلَيْهَا مُجِيرُ الدِّينِ أَبَقُ وَأَتَابِكُهُ مَعِينُ الدِّينِ، وَهُوَ مُدَبِّرُ الْمَمْلَكَةِ وَذَلِكَ يَوْمَ السَّبْتِ سَادِسَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ أَهْلُهَا فِي مِائَةِ أَلْفٍ وَثَلَاثِينَ أَلْفًا فَاقْتَتَلُوا مَعَهُمْ قِتَالًا عَظِيمًا وَقُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ نَحْوٌ مِنَ الْمِائَتَيْنِ، وَمِنَ الْفِرِنْجِ خَلْقٌ كَثِيرٌ لَا يُحْصَوْنَ وَاسْتَمَرَّتِ الْحَرْبُ مُدَّةً، وَأُخْرِجَ مُصْحَفُ عُثْمَانَ إِلَى وَسَطِ صَحْنِ الْجَامِعِ وَاجْتَمَعَ النَّاسُ حَوْلَهُ يَدْعُونَ اللَّهَ وَالنِّسَاءُ وَالْأَطْفَالُ مُكَشَّفِي الرُّءُوسِ يَدْعُونَ وَيَتَبَاكُونَ، وَالرَّمَادُ مَفْرُوشٌ فِي الْبَلَدِ فَاسْتَغَاثَ أَبَقُ بِالْمَلِكِ نُورِ
следующие страницы →