← История

История · id 4445

البداية والنهاية - ت التركي

ابن كثير

Полный текст (13 161 стр.). Показаны 11621–11660 · переход к 11626.

стр. 11621

وَفَرَائِدُ، وَعِنْدَهُ زُهْدٌ وَانْقِطَاعٌ عَنِ النَّاسِ، وَقَدْ دَرَّسَ بِالْبَلْخِيَّةِ مُدَّةً ثُمَّ تَرَكَهَا لِوَلَدِهِ، وَسَارَ إِلَى مِصْرَ، فَأَقَامَ بِهَا، وَقَدْ عُرِضَ عَلَيْهِ قَضَاءُ دِمَشْقَ فَلَمْ يَقْبَلْ، وَقَدْ جَاوَزَ التِّسْعِينَ مِنَ الْعُمْرِ، تُوُفِّيَ سَحَرَ يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ خَامِسِ رَجَبٍ، وَدُفِنَ بِالْقَرَافَةِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَفِي شَوَّالٍ تُوُفِّيَ الشَّيْخُ سُلَيْمَانُ التُّرْكُمَانِيُّ الْمُوَلَّهُ، الَّذِي كَانَ يَجْلِسُ عَلَى مِصْطَبَةٍ بِالْعَلَبِيِّينَ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ مُقِيمًا بِطَهَّارَةِ بَابِ الْبَرِيدِ، وَكَانَ لَا يَتَحَاشَى مِنَ النَّجَاسَاتِ وَلَا يَتَّقِيهَا، وَلَا يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ وَلَا يَأْتِيهَا، وَكَانَ بَعْضُ النَّاسِ مِنَ الْهَمَجِ لَهُ فِيهِ عَقِيدَةٌ، وَهَذِهِ قَاعِدَةُ الْهَمَجِ الرَّعَاعِ الَّذِينَ هُمْ أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ مِنَ الْمُوَلَّهِينَ وَالْمَجَانِينِ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُ يُكَاشِفُ، وَأَنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ، وَدُفِنَ بِبَابِ الصَّغِيرِ فِي يَوْمٍ كَثِيرِ الثَّلْجِ. وَفِي يَوْمِ عَرَفَةَ تُوُفِّيَتِ الشَّيْخَةُ الصَّالِحَةُ الْعَابِدَةُ النَّاسِكَةُ أُمُّ زَيْنَبَ فَاطِمَةُ بِنْتُ عَبَّاسِ بْنِ أَبِي الْفَتْحِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَغْدَادِيَّةُ، بِظَاهِرِ الْقَاهِرَةِ، وَشَهِدَهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَكَانَتْ مِنَ الْعَالِمَاتِ الْفَاضِلَاتِ، تَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَتَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، وَتَقُومُ

стр. 11622

عَلَى الْأَحْمَدِيَّةِ فِي مُؤَاخَاتِهِمُ النِّسَاءَ وَالْمُرْدَانَ، وَتُنْكِرُ أَحْوَالَهُمْ وَأَحْوَالَ أَهْلِ الْبِدَعِ وَغَيْرِهِمْ، وَتَفْعَلُ مِنْ ذَلِكَ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ، وَقَدْ كَانَتْ تَحْضُرُ مَجْلِسَ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، فَاسْتَفَادَتْ مِنْهُ ذَلِكَ وَغَيْرَهُ، وَقَدْ سَمِعْتُ الشَّيْخَ تَقِيَّ الدِّينِ يُثْنِي عَلَيْهَا، وَيَصِفُهَا بِالْفَضِيلَةِ وَالْعِلْمِ، وَيَذْكُرُ عَنْهَا أَنَّهَا كَانَتْ تَسْتَحْضِرُ كَثِيرًا مِنَ «الْمُغْنِي» أَوْ أَكْثَرَهُ، وَأَنَّهُ كَانَ يَسْتَعِدُّ لَهَا مِنْ كَثْرَةِ مَسَائِلِهَا، وَحُسْنِ سُؤَالَاتِهَا، وَسُرْعَةِ فَهْمِهَا، وَهِيَ الَّتِي خَتَّمَتْ نِسَاءً كَثِيرًا الْقُرْآنَ، مِنْهُنَّ أُمُّ زَوْجَتِي عَائِشَةُ بِنْتُ صِدِّيقٍ، زَوْجَةُ الشَّيْخِ جَمَالِ الدِّينِ الْمِزِّيِّ، وَهِيَ الَّتِي أَقَرَأَتِ ابْنَتَهَا زَوْجَتِي أَمَةَ الرَّحِيمِ زَيْنَبَ، رَحِمَهُنَّ اللَّهُ، وَأَكْرَمَهُنَّ بِرَحْمَتِهِ وَجَنَّتِهِ، آمِينَ.

стр. 11623

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسَ عَشْرَةَ وَسَبْعِمِائَةٍ اسْتَهَلَّتْ وَالْحُكَّامُ فِي الْبِلَادِ هُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا. فَتْحُ مَلَطْيَةَ فِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ مُسْتَهَلِّ الْمُحَرَّمِ خَرَجَ سَيْفُ الدِّينِ تَنْكِزُ بِالْجُيُوشِ قَاصِدًا مَلَطْيَةَ، وَخَرَجَتِ الْأَطْلَابُ عَلَى رَايَاتِهَا، وَأَبْرَزُوا مَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعُدَدِ وَآلَاتِ الْحَرْبِ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا، وَخَرَجَ مَعَ الْجَيْشِ ابْنُ صَصْرَى؛ لِأَنَّهُ قَاضِي الْعَسَاكِرِ وَقَاضِي قُضَاةِ الشَّافِعِيَّةِ، فَسَارُوا حَتَّى دَخَلُوا حَلَبَ فِي الْحَادِي عَشَرَ مِنَ الشَّهْرِ، وَمِنْهَا وَصَلُوا فِي السَّادِسَ عَشَرَ إِلَى بِلَادِ الرُّومِ، إِلَى مَلَطْيَةَ فَشَرَعُوا فِي مُحَاصَرَتِهَا فِي الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ مِنَ الْمُحَرَّمِ، وَقَدْ حُصِّنَتْ وَمُنِّعَتْ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُهَا، فَلَمَّا رَأَوْا كَثْرَةَ الْجَيْشِ، نَزَلَ مُتَوَلِّيهَا وَقَاضِيهَا وَطَلَبُوا الْأَمَانَ، فَأَمَّنُوا الْمُسْلِمِينَ وَدَخَلُوهَا، فَقَتَلُوا مِنَ الْأَرْمَنِ خَلْقًا وَمِنَ النَّصَارَى، وَأَسَرُوا ذُرِّيَّةً كَثِيرَةً، وَتَعَدَّى ذَلِكَ إِلَى بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ، وَغَنِمُوا شَيْئًا كَثِيرًا، وَأُخِذَتْ أَمْوَالُ كَثِيرٍ مِنَ

стр. 11624

الْمُسْلِمِينَ، وَرَجَعُوا عَنْهَا بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامِ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ رَابِعِ عِشْرِينَ الْمُحَرَّمِ إِلَى عَيْنِ تَابٍ، إِلَى مَرْجِ دَابِقٍ، وَزُيِّنَتْ دِمَشْقُ، وَدَقَّتِ الْبَشَائِرُ. وَفِي أَوَّلِ صَفَرٍ رَحَلَ نَائِبُ مَلَطْيَةَ مُتَوَجِّهًا إِلَى السُّلْطَانِ. وَفِي نِصْفِ الشَّهْرِ وَصَلَ قَاضِيهَا الشَّرِيفُ شَمْسُ الدِّينِ وَمَعَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِهَا. وَفِي بُكْرَةِ نَهَارِ الْجُمُعَةِ سَادِسَ عَشَرَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ وَصَلَ إِلَى دِمَشْقَ نَائِبُهَا الْأَمِيرُ تَنْكِزُ النَّاصِرِيُّ، أَعَزَّهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَفِي خِدْمَتِهِ الْجُيُوشُ الشَّامِيَّةُ وَالْمِصْرِيَّةُ، وَخَرَجَ النَّاسُ لِلْفُرْجَةِ عَلَيْهِمْ عَلَى الْعَادَةِ، وَأَقَامَ الْمِصْرِيُّونَ قَلِيلًا ثُمَّ تَرَحَّلُوا إِلَى الْقَاهِرَةِ، وَقَدْ كَانَتْ مَلَطْيَةُ إِقْطَاعًا لِلْجُوبَانِ، أَطْلَقَهَا لَهُ مَلِكُ التَّتَرِ، فَاسْتَنَابَ بِهَا رَجُلًا كُرْدِيًّا، فَتَعَدَّى وَأَسَاءَ، وَظَلَمَ، وَكَاتَبَ أَهْلُهَا السُّلْطَانَ النَّاصِرَ، وَأَحَبُّوا أَنْ يَكُونُوا مِنْ رَعِيَّتِهِ، فَلَمَّا سَارُوا إِلَيْهَا وَأَخَذُوهَا، وَفَعَلُوا مَا فَعَلُوا فِيهَا - جَاءَهَا بَعْدَ ذَلِكَ الْجُوبَانُ، فَعَمَّرَهَا وَرَدَّ إِلَيْهَا خَلْقًا مِنَ الْأَرْمَنِ وَغَيْرِهِمْ. وَفِي التَّاسِعَ عَشَرَ مِنْ هَذَا الشَّهْرِ وَصَلَ إِلَيْنَا الْخَبَرُ بِمَسْكِ بَكْتَمُرَ الْحَاجِبِ، وَأَيْدُغْدِي شُقَيْرٍ، وَغَيْرِهِمَا، وَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الْخَمِيسِ مُسْتَهَلِّ هَذَا الشَّهْرِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى السُّلْطَانِ، فَبَلَغَهُ الْخَبَرُ، فَمَسَكَهُمْ، وَاحْتِيطَ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَحَوَاصِلِهِمْ، وَظَهَرَ لِبَكْتَمُرَ أَمْوَالٌ كَثِيرَةٌ، وَأَمْتِعَةٌ، وَأَخْشَابٌ، وَحَوَاصِلُ

стр. 11625

كَثِيرَةٌ، وَقَدِمَ قِجْلِيسُ مَنَ الْقَاهِرَةِ، فَاجْتَازَ بِدِمَشْقَ إِلَى نَاحِيَةِ طَرَابُلُسَ، ثُمَّ قَدِمَ سَرِيعًا وَمَعَهُ الْأَمِيرُ سَيْفُ الدِّينِ تَمُرُ نَائِبُ طَرَابُلُسَ تَحْتَ الْحَوْطَةِ، وَمُسِكَ بِدِمَشْقَ الْأَمِيرُ سَيْفُ الدِّينِ بَهَادُرُ آصُ الْمَنْصُورِيُّ، فَحُمِلَ الْأَوَّلُ إِلَى الْقَاهِرَةِ، وَجُعِلَ مَكَانَهُ فِي نِيَابَةِ طَرَابُلُسَ كُسْتَايْ، وَحُمِلَ الثَّانِي إِلَى الْكَرَكِ، وَحَزِنَ النَّاسُ عَلَيْهِ وَدَعَوْا لَهُ. وَفِي يَوْمِ الْخَمِيسِ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْآخِرِ قَدِمَ عِزُّ الدِّينِ بْنُ مُيَسَّرٍ إِلَى دِمَشْقَ مُتَوَلِّيًا حِسْبَتَهَا، وَنَظَرَ الْأَوْقَافِ، وَانْصَرَفَ ابْنُ الْحَدَّادِ عَنِ الْحِسْبَةِ، وَبَهَاءُ الدِّينِ بْنُ عُلَيْمَةَ عَنْ نَظَرِ الْأَوْقَافِ. وَفِي لَيْلَةِ الِاثْنَيْنِ ثَالِثَ عَشَرَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى وَقَعَ حَرِيقٌ قُبَالَةَ مَسْجِدِ الشِّنْبَاشِيِّ دَاخِلَ بَابِ الصَّغِيرِ، احْتَرَقَ فِيهِ دَكَاكِينُ كَثِيرَةٌ، وَدَوْرٌ، وَأَمْوَالٌ، وَأَمْتِعَةٌ. وَفِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ سَادِسَ عَشَرَ جُمَادَى الْآخِرَةِ دَرَّسُ قَاضِي مَلَطْيَةَ الشَّرِيفُ شَمْسُ الدِّينِ بِالْمَدْرَسَةِ الْخَاتُونِيَّةِ الْبَرَّانِيَّةِ - عِوَضًا عَنْ قَاضِي الْقُضَاةِ الْحَنَفِيِّ الْبُصْرَوِيِّ، وَحَضَرَ عِنْدَهُ الْأَعْيَانُ، وَهُوَ رَجُلٌ لَهُ فَضِيلَةٌ، وَحُسْنُ خُلُقٍ، كَانَ قَاضِيًا بِمَلَطْيَةَ وَخَطِيبًا بِهَا نَحَوًا مِنْ عِشْرِينَ سَنَةً. وَفِي يَوْمِ الْخَمِيسِ رَابِعِ جُمَادَى

стр. 11626

الْآخِرَةِ أُعِيدَ ابْنُ الْحَدَّادِ إِلَى الْحِسْبَةِ، وَاسْتَمَرَّ ابْنُ مُيَسَّرٍ نَاظِرَ الْأَوْقَافِ. وَفِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ تَاسِعِ جُمَادَى الْآخِرَةِ دَرَّسَ ابْنُ صَصْرَى بِالْأَتَابِكِيَّةِ عِوَضًا عَنِ الشَّيْخِ صَفِيِّ الدِّينِ الْهِنْدِيِّ. وَفِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ الْآخِرِ حَضَرَ ابْنُ الزَّمْلَكَانِيِّ دَرْسَ الظَّاهِرِيَّةِ الْجَوَّانِيَّةِ عِوَضًا عَنِ الْهِنْدِيِّ أَيْضًا، بِحُكْمِ وَفَاتِهِ، كَمَا سَتَأْتِي تَرْجَمَتُهُ. وَفِي أَوَاخِرِ رَجَبٍ أُخْرِجَ الْأَمِيرُ جَمَالُ الدِّينِ آقُوشُ نَائِبُ الْكَرَكِ مِنْ سِجْنِ الْقَاهِرَةِ، وَأُعِيدَ إِلَى الْإِمْرَةِ بِهَا. وَفِي شَعْبَانَ تَوَجَّهَ خَمْسَةُ آلَافٍ مِنْ بِلَادِ حَلَبَ، فَأَغَارُوا عَلَى بِلَادِ آمِدَ، وَفَتَحُوا بُلْدَانًا كَثِيرَةً، وَقَتَلُوا، وَسَبَوْا، وَعَادُوا، سَالِمِينَ، وَخَمَّسُوا مَا سَبَوْا، فَبَلَغَ سَهْمُ الْخُمْسِ أَرْبَعَةَ آلَافِ رَأْسٍ وَكُسُورًا. وَفِي أَوَاخِرِ رَمَضَانَ وَصَلَ قَرَاسُنْقُرُ الْمَنْصُورِيُّ إِلَى بَغْدَادَ وَمَعَهُ زَوْجَتُهُ الْخَاتُونُ بِنْتُ أَبْغَا مَلِكِ التَّتَرِ، وَجَاءَ فِي خِدْمَةِ خَرْبَنْدَا، وَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْغَارَةِ عَلَى أَطْرَافِ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ، وَوَثَبَ عَلَيْهِ رَجُلٌ فِدَاوَيٌّ، مِنْ جِهَةِ صَاحِبِ مِصْرَ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ، وَقُتِلَ الْفِدَاوِيُّ. وَفِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ سَادِسِ عِشْرِينَ رَمَضَانَ دَرَّسَ بِالْعَادِلِيَّةِ الصَّغِيرَةِ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْمِصْرِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ كَاتِبِ قُطْلُوبَكْ، بِمُقْتَضَى نُزُولِ مُدَرِّسِهَا كَمَالِ الدِّينِ بْنِ الزَّمْلَكَانِيِّ لَهُ عَنْهَا، وَحَضَرَ عِنْدَهُ الْقُضَاةُ، وَالْأَعْيَانُ، وَالْخَطِيبُ، وَابْنُ الزَّمْلَكَانِيِّ أَيْضًا. وَفِي هَذَا الشَّهْرِ كَمَلَتْ عِمَارَةُ الْقَيْسَارِيَّةِ الْمَعْرُوفَةِ بِالدَّهْشَةِ عِنْدَ الْوَرَّاقِينَ

стр. 11627

وَاللَّبَّادِينَ، وَسَكَنَهَا التُّجَّارُ، فَتَمَيَّزَتْ بِذَلِكَ أَوْقَافُ الْجَامِعِ، وَذَلِكَ بِمُبَاشَرَةِ الصَّاحِبِ شَمْسِ الدِّينِ. وَفِي ثَامِنِ شَوَّالٍ قُتِلَ أَحْمَدُ الرُّوَيْسُ، شُهِدَ عَلَيْهِ بِالْعَظَائِمِ مِنْ تَرْكِ الْوَاجِبَاتِ، وَاسْتِحْلَالِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَاسْتِهَانَتِهِ وَتَنَقُّصِهِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَحَكَمَ الْمَالِكِيُّ بِإِرَاقَةِ دَمِهِ وَإِنْ أَسْلَمَ، فَاعْتُقِلَ، ثُمَّ قُتِلَ، لَعَنَهُ اللَّهُ. وَفِي هَذَا الْيَوْمِ كَانَ خُرُوجُ الرَّكْبِ الشَّامِيِّ، وَأَمِيرُهُ سَيْفُ الدِّينِ طَقْتَمُرُ الْمُوسَاوِيُّ، وَقَاضِيهِ قَاضِي مَلَطْيَةَ، وَحَجَّ فِيهِ قَاضِي حَمَاةَ، وَحَلَبَ، وَمَارِدِينَ، وَمُحْيِي الدِّينِ كَاتِبُ مَلِكِ الْأُمَرَاءِ تَنْكِزَ، وَصِهْرُهُ فَخْرُ الدِّينِ الْمِصْرِيُّ، وَتَقِيُّ الدِّينِ الْفَاضِلِيُّ. وَفِي ثَامِنِ ذِي الْحِجَّةِ وُلِدَ لِلسُّلْطَانِ وَلَدٌ ذَكَرٌ، فَزُيِّنَتِ الْبِلَادُ لَهُ. وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: شَرَفُ الدِّينِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَدْلِ عِمَادِ الدِّينِ بْنِ أَبِي الْفَضْلِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْفَتْحِ نَصْرِ اللَّهِ بْنِ الْمُظَفَّرِ بْنِ أَسْعَدَ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيُّ الدِّمَشْقِيُّ، ابْنُ الْقَلَانِسِيِّ، وُلِدَ سَنَةَ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَبَاشَرَ نَظَرَ الْخَاصِّ، وَقَدْ شَهِدَ قَبْلَ ذَلِكَ فِي الْقيمَةِ ثُمَّ تَرَكَهَا، وَقَدْ تَرَكَ أَوْلَادًا وَأَمْوَالًا جَمَّةً، تُوُفِّيَ لَيْلَةَ السَّبْتِ ثَانِيَ عَشَرَ صَفَرٍ، وَدُفِنَ بَقَاسِيُونَ.

стр. 11628

الشَّيْخُ صَفِيُّ الدِّينِ الْهِنْدِيُّ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأُرْمَوِيُّ الشَّافِعِيُّ الْمُتَكَلِّمُ، وُلِدَ بِالْهِنْدِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَاشْتَغَلَ عَلَى جَدِّهِ لِأُمِّهِ، وَكَانَ فَاضِلًا، وَخَرَجَ مِنْ دِهْلَى فِي رَجَبٍ سَنَةَ سَبْعٍ وَسِتِّينَ، فَحَجَّ وَجَاوَرَ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ دَخَلَ الْيَمَنَ، فَأَعْطَاهُ مَلِكُهَا الْمُظَفَّرُ أَرْبَعَمِائَةِ دِينَارٍ، ثُمَّ دَخَلَ مِصْرَ فَأَقَامَ بِهَا أَرْبَعَ سِنِينَ، ثُمَّ سَافَرَ إِلَى الرُّومِ عَلَى طَرِيقِ أَنْطَاكِيَةَ، فَأَقَامَ إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً بِقُونِيَةَ، وَبِسِيوَاسَ خَمْسًا، وَبِقَيْسَارِيَّةَ سَنَةً، وَاجْتَمَعَ بِالْقَاضِي سِرَاجِ الدِّينِ فَأَكْرَمَهُ، ثُمَّ قَدِمَ إِلَى دِمَشْقَ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ فَأَقَامَ بِهَا وَاسْتَوْطَنَهَا، وَدَرَّسَ فِي الرَّوَاحِيَّةِ، وَالدَّوْلَعِيَّةِ، وَالظَّاهِرِيَّةِ، وَالْأَتَابِكِيَّةِ، وَصَنَّفَ فِي الْأُصُولِ وَالْكَلَامِ، وَتَصَدَّرَ لِلِاشْتِغَالِ وَالْإِفْتَاءِ، وَوَقَفَ كُتُبَهُ بِدَارِ الْحَدِيثِ الْأَشْرَفِيَّةِ، وَكَانَ فِيهِ بِرٌّ وَصِلَةٌ، تُوُفِّيَ لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ تَاسِعِ عِشْرِينَ صَفَرٍ، وَدُفِنَ بِمَقَابِرِ الصُّوفِيَّةِ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ وَقْتَ مَوْتِهِ سِوَى الظَّاهِرِيَّةِ وَبِهَا مَاتَ، فَدَرَّسَ بَعْدَهُ فِيهَا ابْنُ الزَّمْلَكَانِيِّ، وَأَخَذَ ابْنُ صَصْرَى الْأَتَابِكِيَّةَ. الْقَاضِي الْمُسْنِدُ الْمُعَمَّرُ الرُّحْلَةُ، تَقِيُّ الدِّينِ سُلَيْمَانُ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ

стр. 11629

عُمَرَ بْنِ الشَّيْخِ أَبِي عُمَرَ الْمَقْدِسِيُّ الْحَنْبَلِيُّ، الْحَاكِمُ بِدِمَشْقَ، وُلِدَ فِي نِصْفِ رَجَبٍ سِنَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ الْكَثِيرَ، وَقَرَأَ بِنَفْسِهِ وَتَفَقَّهَ وَبَرَعَ، وَوَلِيَ الْحُكْمَ، وَحَدَّثَ، وَكَانَ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ، وَأَحْسَنِهِمْ خُلُقًا، وَأَكْثَرِهِمْ مُرُوءَةً، تُوُفِّيَ فَجْأَةً بَعْدَ مَرْجِعِهِ مِنَ الْبَلَدِ وَحُكْمِهِ بِالْجَوْزِيَّةِ، فَلَمَّا صَارَ إِلَى مَنْزِلِهِ بِالدَّيْرِ تَغَيَّرَتْ حَالُهُ، وَمَاتَ عَقِيبَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ لَيْلَةَ الِاثْنَيْنِ حَادِي عِشْرِينَ ذِي الْقَعْدَةِ، وَدُفِنَ مِنَ الْغَدِ بِتُرْبَةِ جَدِّهِ، وَحَضَرَ جِنَازَتَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ وَجَمٌّ غَفِيرٌ، ﵀. الشَّيْخُ عَلِيُّ بْنُ الشَّيْخِ عَلِيِّ الْحَرِيرِيُّ، كَانَ مُقَدَّمًا فِي طَائِفَتِهِ، مَاتَ أَبُوهُ وَعُمْرُهُ سَنَتَانِ، تُوُفِّيَ فِي قَرْيَةِ بُسْرَ فِي جُمَادَى الْأُولَى. الْحَكِيمُ الْفَاضِلُ الْبَارِعُ بَهَاءُ الدِّينِ عَبْدُ السَّيِّدِ بْنُ الْمُهَذَّبِ إِسْحَاقَ بْنِ يَحْيَى، الطَّبِيبُ الْكَحَّالُ، الْمُتَشَرِّفُ بِالْإِسْلَامِ، ثُمَّ قَرَأَ الْقُرْآنَ جَمِيعَهُ؛ لِأَنَّهُ أَسْلَمَ عَلَى بَصِيرَةٍ، وَأَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ قَوْمِهِ وَغَيْرِهِمْ، وَكَانَ مُبَارَكًا عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَيْهِمْ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ دَيَّانَ الْيَهُودِ، فَهَدَاهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَتُوُفِّيَ يَوْمَ الْأَحَدِ سَادِسِ جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَدُفِنَ مِنْ يَوْمِهِ بِسَفْحِ قَاسِيُونَ، وَأَسْلَمَ عَلَى يَدَيْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَةَ لَمَّا بَيَّنَ لَهُ بُطْلَانَ دِينِهِمْ وَمَا هُمْ عَلَيْهِ، وَمَا بَدَّلُوهُ مِنْ كِتَابِهِمْ وَحَرَّفُوهُ مِنَ الْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ، ﵀.

стр. 11630

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتَّ عَشْرَةَ وَسَبْعِمِائَةٍ اسْتَهَلَّتْ وَحُكَّامُ الْبِلَادِ هُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا، غَيْرَ الْحَنْبَلِيِّ بِدِمَشْقَ، فَإِنَّهُ تُوُفِّيَ فِي السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ. وَفِي الْمُحَرَّمِ تَكَمَّلَتْ تَفْرِقَةُ الْمِثَالَاتِ السُّلْطَانِيَّةِ بِمِصْرَ بِمُقْتَضَى إِرَاكَةِ الْأَخْبَازِ، وَعَرْضِ الْجَيْشِ عَلَى السُّلْطَانِ، وَأَبْطَلَ السُّلْطَانُ الْمَكْسَ بِسَائِرِ الْبِلَادِ الْقِبْلِيَّةِ وَالشَّامِيَّةِ. وَفِيهِ وَقَعَتْ فِتْنَةٌ بَيْنَ الْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ بِبَعْلَبَكَّ بِسَبَبِ الْعَقَائِدِ، وَتَرَافَعُوا إِلَى دِمَشْقَ، فَحَضَرُوا بِدَارِ السَّعَادَةِ عِنْدَ نَائِبِ السَّلْطَنَةِ تَنْكِزَ، فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ، وَانْفَصَلَ الْحَالُ عَلَى خَيْرٍ مِنْ غَيْرِ مُحَاقَقَةٍ وَلَا تَشْوِيشٍ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ، وَذَلِكَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ سَادِسَ عَشَرَ الْمُحَرَّمِ. وَفِي يَوْمِ الْأَحَدِ سَادِسَ عَشَرَ صَفَرٍ قُرِئَ تَقْلِيدُ قَاضِي الْقُضَاةِ شَمْسِ الدِّينِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ مُسَلَّمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ مَزْرُوعٍ الْحَنْبَلِيِّ بِقَضَاءِ الْحَنَابِلَةِ وَالنَّظَرِ فِي أَوْقَافِهِمْ، عِوَضًا عَنِ التَّقِيِّ سُلَيْمَانَ بِحُكْمِ وَفَاتِهِ، ﵀،

стр. 11631

وَتَارِيخُ التَّقْلِيدِ مِنْ سَادِسِ ذِي الْحِجَّةِ، وَقُرِئَ فِي الْجَامِعِ الْأُمَوِيِّ بِحُضُورِ الْقُضَاةِ، وَالصَّاحِبِ، وَالْأَعْيَانِ، ثُمَّ مَشَوْا مَعَهُ وَعَلَيْهِ الْخِلْعَةُ إِلَى دَارِ السَّعَادَةِ، فَسَلَّمَ عَلَى النَّائِبِ وَرَاحَ إِلَى الصَّالِحِيَّةِ، ثُمَّ نَزَلَ مِنَ الْغَدِ إِلَى الْجَوْزِيَّةِ فَحَكَمَ بِهَا عَلَى عَادَةِ مَنْ تَقَدَّمَهُ، وَاسْتَنَابَ بَعْدَ أَيَّامٍ الشَّيْخَ شَرَفَ الدِّينِ بْنَ الْحَافِظِ. وَفِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ سَابِعَ عَشَرَ صَفَرٍ الْمَذْكُورِ وَصَلَ الشَّيْخُ كَمَالُ الدِّينِ بْنُ الشَّرِيشِيِّ مِنْ مِصْرَ عَلَى الْبَرِيدِ، وَمَعَهُ تَوْقِيعٌ بِعَوْدِ الْوَكَالَةِ إِلَيْهِ، فَخُلِعَ عَلَيْهِ، وَسَلَّمَ عَلَى النَّائِبِ وَالْخِلْعَةُ عَلَيْهِ. وَفِي هَذَا الشَّهْرِ مُسِكَ الْوَزِيرُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ الْقَلَانِسِيِّ، وَاعْتُقِلَ بِالْعَذْرَاوِيَّةِ، وَصُولِحَ بِخَمْسِينَ أَلْفًا، ثُمَّ أُطْلِقَ لَهُ مَا كَانَ أُخِذَ مِنْهُ، وَانْفَصَلَ مِنْ دِيوَانِ نَظَرِ الْخَاصِّ. وَفِي رَبِيعٍ الْآخِرِ وَصَلَ مِنْ مِصْرَ الْأَمِيرُ فَضْلُ بْنُ عِيسَى وَمَعَهُ تَقْلِيدٌ بِإِمْرَةِ الْعَرَبِ عِوَضًا عَنْ أَخِيهِ مُهَنَّا بْنِ عِيسَى، وَأُجْرِيَ لَهُ وَلِابْنِ أَخِيهِ مُوسَى بْنِ مُهَنَّا إِقْطَاعَاتٌ جَيِّدَةٌ وَذَلِكَ بِسَبَبِ دُخُولِ مُهَنَّا إِلَى بِلَادِ التَّتَرِ وَاجْتِمَاعِهِ بِمُلْكِهِمْ خَرْبَنْدَا. وَفِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ السَّادِسِ عِشْرِينَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى بَاشَرَ ابْنُ صَصْرَى مَشْيَخَةَ الشُّيُوخِ بِالسُّمَيْسَاطِيَّةِ بِسُؤَالِ الصُّوفِيَّةِ، وَطَلَبِهِمْ لَهُ مِنْ نَائِبِ السَّلْطَنَةِ، فَحَضَرَهَا، وَحَضَرَ عِنْدَهُ الْأَعْيَانُ فِي هَذَا الْيَوْمِ، عِوَضًا عَنِ الشَّرِيفِ

стр. 11632

شِهَابِ الدِّينِ أَبِي الْقَاسِمِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ يَحْيَى بْنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ، وَهُوَ الْكَاشْغَرِيُّ، تُوُفِّيَ عَنْ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً، وَدُفِنَ بِالصُّوفِيَّةِ. وَفِي جُمَادَى الْآخِرَةِ بَاشَرَ بَهَاءُ الدِّينِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ جَمَالِ الدِّينِ يَحْيَى، الْمَعْرُوفُ بِابْنِ عُلَيْمَةَ الْحَنَفِيُّ - وَهُوَ نَاظِرُ دِيوَانِ النَّائِبِ بِالشَّامِ - نَظَرَ الدَّوَاوِينِ عِوَضًا عَنْ شَمْسِ الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْقَادِرِ بْنِ يُوسُفَ بْنِ الْمُظَفَّرِ بْنِ صَدَقَةَ بْنِ الْحَظِيرِيِّ الْحَاسِبِ الْكَاتِبِ، تُوُفِّيَ، وَقَدْ كَانَ مُبَاشِرًا عِدَّةً مِنَ الْجِهَاتِ الْكِبَارِ مِثْلَ نَظَرِ الْخِزَانَةِ، وَنَظَرِ الْجَامِعِ، وَنَظَرِ الْمَارَسْتَانِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَاسْتَمَرَّ نَظَرُ الْمَارَسْتَانِ مِنْ يَوْمَئِذٍ بِأَيْدِي نُظَّارِ دِيوَانِ نَائِبِ السَّلْطَنَةِ مَنْ كَانَ، وَصَارَتْ عَادَةً مُسْتَمِرَّةً. وَفِي رَجَبٍ نُقِلَ نَائِبُ حِمْصَ الْأَمِيرُ شِهَابُ الدِّينِ قَرَطَايْ إِلَى نِيَابَةِ طَرَابُلُسَ عِوَضًا عَنِ الْأَمِيرِ سَيْفِ الدِّينِ التُّرْكِسْتَانِيُّ بِحُكْمِ وَفَاتِهِ، وَوَلِيَ الْأَمِيرُ سَيْفُ الدِّينِ أَرُقْطَايْ نِيَابَةَ حِمْصَ وَسَارَ إِلَيْهَا مِنْ دِمَشْقَ فِي يَوْمِ الْأَحَدِ سَابِعِ رَجَبٍ، وَتَوَلَّى نِيَابَةَ الْكَرَكِ سَيْفُ الدِّينِ طُقْطَاي النَّاصِرِيُّ عِوَضًا عَنْ سَيْفِ الدِّينِ بَيْبُغَا. وَفِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ عَاشِرِ رَجَبٍ دَرَّسَ بالنَّجِيبِيَّةِ الْقَاضِي شَمْسُ الدِّينِ الدِّمَشْقِيُّ،

стр. 11633

عِوَضًا عَنِ الصَّدْرِ بَهَاءِ الدِّينِ يُوسُفَ بْنِ كَمَالِ الدِّينِ أَحْمَدَ بْنِ الظَّاهِرِ الْعَجَمِيِّ الْحَلَبِيِّ، سِبْطِ الصَّاحِبِ كَمَالِ الدِّينِ بْنِ الْعَدِيمِ، تُوُفِّيَ وَدُفِنَ عِنْدَ خَالِهِ وَوَالِدِهِ بِتُرْبَةِ الْعَدِيمِ. وَفِي آوَاخِرِ شَعْبَانَ وَصَلَ الْقَاضِي شَمْسُ الدِّينِ بْنُ عِزِّ الدِّينِ يَحْيَى الْحَرَّانِيُّ أَخُو قَاضِي قُضَاةِ الْحَنَابِلَةِ بِمِصْرَ شَرَفِ الدِّينِ عَبْدِ الْغَنِيِّ إِلَى دِمَشْقَ مُتَوَلِّيًا نَظَرَ الْأَوْقَافِ بِهَا، عِوَضًا عَنِ الصَّاحِبِ عِزِّ الدِّينِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُيَسَّرٍ، تُوُفِّيَ فِي مُسْتَهَلِّ رَجَبٍ بِدِمَشْقَ، وَقَدْ بَاشَرَ نَظَرَ الدَّوَاوِينِ بِهَا، وَبِمِصْرَ، وَالْحِسْبَةَ، وَبِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَمْ يَكُنْ بَقِيَ مَعَهُ فِي آخِرِ وَقْتٍ سِوَى نَظَرِ الْأَوْقَافِ بِدِمَشْقَ، مَاتَ وَقَدْ قَارَبَ الثَّمَانِينَ، وَدُفِنَ بَقَاسِيُونَ. وَفِي تَاسِعِ شَوَّالٍ خَرَجَ الرَّكْبُ الشَّامِيُّ وَأَمِيرُهُمْ سَيْفُ الدِّينِ أَرْغُوَنُ السِّلِحْدَارُ النَّاصِرِيُّ السَّاكِنُ عِنْدَ دَارِ الطِّرَازِ بِدِمَشْقَ، وَحَجَّ مِنْ مِصْرَ سَيْفُ الدِّينِ أَرْغُوَنُ الدَّوَادَارُ، وَقَاضِي الْقُضَاةِ ابْنُ جَمَاعَةَ، وَقَدْ زَارَ الْقُدْسَ الشَّرِيفَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ بَعْدَ وَفَاةِ وَلَدِهِ الْخَطِيبُ جَمَالُ الدِّينِ عَبْدُ اللَّهِ، وَكَانَ قَدْ رَأَسَ وَعَظُمَ شَأْنُهُ. وَفِي ذِي الْقَعْدَةِ سَارَ الْأَمِيرُ سَيْفُ الدِّينِ تَنْكِزُ إِلَى زِيَارَةِ الْقُدْسِ فَغَابَ عِشْرِينَ يَوْمًا. وَفِيهِ وَصَلَ الْأَمِيرُ سَيْفُ الدِّينِ بَكْتَمُرُ الْحَاجِبُ إِلَى دِمَشْقَ مِنْ مِصْرَ، وَقَدْ

стр. 11634

كَانَ مُعْتَقَلًا فِي السِّجْنِ، فَأُطْلِقَ وَأُكْرِمَ، وَوَلِيَ نِيَابَةَ صَفَدَ، فَسَارَ إِلَيْهَا بَعْدَ مَا قَضَى أَشْغَالَهُ بِدِمَشْقَ، وَنُقِلَ الْقَاضِي حُسَامُ الدِّينِ الْقَزْوِينِيُّ مِنْ قَضَاءِ صَفَدَ إِلَى قَضَاءِ طَرَابُلُسَ، وَأُعِيدَتْ وِلَايَةُ قَضَاءِ صَفَدَ إِلَى قَاضِي دِمَشْقَ، فَوَلَّى فِيهَا ابْنَ صَصْرَى شَرَفَ الدِّينِ النَّهَاوَنْدِيَّ، وَكَانَ مُتَوَلِّيًا طَرَابُلُسَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَوَصَلَ مَعَ بَكْتَمُرَ الْحَاجِبِ الطَّوَاشِيُّ ظَهِيرُ الدِّينِ مُخْتَارٌ الْمَعْرُوفُ بِالزُّرَعِيِّ، مُتَوَلِّيًا الْخِزَانَةَ بِالْقَلْعَةِ عِوَضًا عَنِ الطَّوَاشِيِّ ظِهِيرِ الدِّينِ مُخْتَارٍ الْبُلْبَيْسِيِّ، تُوُفِّيَ. وَفِي هَذَا الشَّهْرِ - أَعْنِي ذَا الْقِعْدَةِ - وَصَلَتِ الْأَخْبَارُ بِمَوْتِ مَلِكِ التَّتَرِ خَرْبَنْدَا مُحَمَّدِ بْنِ أَرْغُوَنَ بْنِ أَبْغَا بْنِ هُولَاكُو قَانَ، مَلِكِ الْعِرَاقِ، وَخُرَاسَانَ، وَعِرَاقِ الْعَجَمِ، وَالرُّومِ، وَأَذْرَبِيجَانَ، وَبِلَادِ الْأُرَّانَةِ، وَدِيَارِ بَكْرٍ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ، وَدُفِنَ بِتُرْبَتِهِ بِالْمَدِينَةِ الَّتِي أَنْشَأَهَا، الَّتِي يُقَالُ لَهَا: السُّلْطَانِيَّةُ، وَقَدْ جَاوَزَ الثَّلَاثِينَ مِنَ الْعُمْرِ، وَكَانَ مَوْصُوفًا بِالْكَرَمِ، وَمُحِبَّةِ اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ وَالْعَمَائِرِ، وَأَظْهَرَ الرَّفْضَ فِي بِلَادِهِ، أَقَامَ سَنَةً عَلَى السُّنَّةِ، ثُمَّ تَحَوَّلَ عَنْهَا إِلَى الرَّفْضِ

стр. 11635

فَأَقَامَ شَعَائِرَهُ بِبِلَادِهِ، وَحَظِيَ عِنْدَهُ الشَّيْخُ جَمَالُ الدِّينِ بْنُ مُطَهَّرٍ الْحِلِّيُّ تِلْمِيذُ نَصِيرِ الدِّينِ الطَّوْسِيِّ، وَأَقْطَعَهُ عِدَّةَ بِلَادٍ، وَلَمْ يَزَلْ عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ الْفَاسِدِ إِلَى أَنْ مَاتَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقَدْ جَرَتْ فِي أَيَّامِهِ فِتَنٌ كِبَارٌ، وَمَصَائِبُ عِظَامٌ، فَأَرَاحَ اللَّهُ مِنْهُ الْعِبَادَ وَالْبِلَادَ، وَقَامَ فِي الْمُلْكِ بَعْدَهُ وَلَدُهُ بُو سَعِيدٍ وَلَهُ إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً، وَمُدَبِّرُ الْجُيُوشِ وَالْمَمَالِكِ لَهُ الْأَمِيرُ جُوبَانُ، وَاسْتَمَرَّ فِي الْوِزَارَةِ عَلِيُّ شَاهْ التِّبْرِيزِيُّ، وَأَخَذَ أَهْلَ دَوْلَتِهِ بِالْمُصَادَرَةِ، وَقَتْلِ الْأَعْيَانِ مِمَّنِ اتَّهَمَهُمْ بِقَتْلِ أَبِيهِ مَسْمُومًا، وَلَعِبَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ بِهِ فِي أَوَّلِ دَوْلَتِهِ، ثُمَّ عَدَلَ إِلَى الْعَدْلِ وَإِقَامَةِ السُّنَّةِ، فَأَمَرَ بِإِعَادَةِ الْخُطْبَةِ بِالتَّرَضِّي عَنِ الشَّيْخَيْنِ أَوَّلًا، ثُمَّ عُثْمَانَ، ثُمَّ عَلِيٍّ ﵃ فَفَرِحَ النَّاسُ بِذَلِكَ، وَسَكَنَتْ بِذَلِكَ الْفِتَنُ وَالشُّرُورُ وَالْقِتَالُ الَّذِي كَانَ بَيْنَ أَهْلِ تِلْكَ الْبِلَادِ بِهَرَاةَ، وَأَصْبَهَانَ، وَبَغْدَادَ، وِإِرْبِلَ، وَسَاوَةَ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَكَانَ صَاحِبُ مَكَّةَ الْأَمِيرُ حُمَيْضَةُ بْنُ أَبِي نُمَيٍّ الْحَسَنِيُّ قَدْ قَصَدَ مَلِكَ التَّتَرِ خَرْبَنْدَا لِيَنْصُرَهُ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ، فَسَاعَدَهُ الرَّوَافِضُ هُنَاكَ، وَجَهَّزُوا مَعَهُ جَيْشًا كَثِيفًا مِنْ خُرَاسَانَ لِأَجْلِ ذَلِكَ، فَلَمَّا مَاتَ خَرْبَنْدَا بَطَلَ ذَلِكَ بِالْكُلِّيَّةِ، وَعَادَ حُمَيْضَةُ خَائِبًا خَاسِئًا، وَفِي صُحْبَتِهِ أَمِيرٌ مِنْ كِبَارِ الرَّوَافِضِ مِنَ التَّتَرِ يُقَالُ لَهُ: الدَّلْقَنْدِيُّ، وَقَدْ جَمَعَ لِحُمَيْضَةَ أَمْوَالًا كَثِيرَةً لِيُقِيمَ الرَّفْضَ بِذَلِكَ فِي بِلَادِ الْحِجَازِ، فَوَقَعَ بِهِمَا

стр. 11636

الْأَمِيرُ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى أَخُو مُهَنَّا، وَقَدْ كَانَ فِي بِلَادِ التَّتَرِ أَيْضًا وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعَرَبِ، فَكَسَرَهُمَا وَمَنْ كَانَ مَعَهُمَا، وَنَهَبَ مَا كَانَ مَعَهُمَا مِنَ الْأَمْوَالِ، وَتَفَرَّقَ الرِّجَالُ، وَبَلَغَتْ أَخْبَارُ ذَلِكَ إِلَى الدَّوْلَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، فَرَضِيَ عَنْهُ السُّلْطَانُ الْمَلِكُ النَّاصِرُ وَأَهْلُ دَوْلَتِهِ، وَغَسَلَ ذَلِكَ ذَنْبَهُ عِنْدَهُ، فَاسْتَدْعَى بِهِ السُّلْطَانُ إِلَى حَضْرَتِهِ، فَحَضَرَ سَامِعًا مُطِيعًا، فَأَكْرَمَهُ نَائِبُ الشَّامِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى السُّلْطَانِ أَكْرَمَهُ أَيْضًا، ثُمَّ إِنَّهُ اسْتَفْتَى الشَّيْخَ تَقِيَّ الدِّينِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ، وَكَذَلِكَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ السُّلْطَانُ يَسْأَلُهُ عَنِ الْأَمْوَالِ الَّتِي أُخِذَتْ مِنَ الدَّلْقَنْدِيِّ، فَأَفْتَاهُمْ بِأَنَّهَا تُصْرَفُ فِي الْمَصَالِحِ الَّتِي يَعُودُ نَفْعُهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ مُعَدَّةً لِعِنَادِ الْحَقِّ، وَنُصْرَةِ أَهْلِ الْبِدْعَةِ عَلَى السُّنَّةِ. وَ مِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: خَرْبَنْدَا مَلِكُ التَّتَارِ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَعِزُّ الدِّينِ بْنُ مُيَسَّرٍ، وَالشِّهَابُ الْكَاشْغَرِيُّ شَيْخُ الشُّيُوخِ، وَشَمْسُ الدِّينِ بْنُ الْحَظِيرِيِّ، وَالْبَهَاءُ الْعَجَمِيُّ، مُدَرِّسُ النَّجِيبِيَّةِ.

стр. 11637

وَفِيهَا قُتِلَ خَطِيبُ الْمِزَّةِ، قَتَلَهُ رَجُلٌ جَبَلِيٌّ، ضَرَبَهُ بِفَأْسِ اللِّجَامِ فِي رَأْسِهِ فِي السُّوقِ، فَبَقِيَ أَيَّامًا وَمَاتَ، وَأُخِذَ الْقَاتِلُ فَشُنِقَ فِي السُّوقِ الَّذِي قَتَلَ فِيهِ، وَذَلِكَ يَوْمَ الْأَحَدِ ثَالِثَ عَشَرَ رَبِيعٍ الْآخِرِ، وَدُفِنَ هُنَاكَ وَقَدْ جَاوَزَ السِّتِّينَ. الشَّرَفُ صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَرَبْشَاهْ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الْهَمَذَانِيُّ، مَاتَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَدُفِنَ بِمَقَابِرِ النَّيْرَبِ، وَكَانَ مَشْهُورًا بِطِيبِ الْقِرَاءَةِ، وَحُسْنِ السِّيرَةِ، وَقَدْ سَمِعَ الْحَدِيثَ، وَرَوَى «جُزْءَ ابْنِ عَرَفَةَ». صَاحِبُ «التَّذْكِرَةِ الْكِنْدِيَّةِ» الشَّيْخُ الْإِمَامُ، الْمُقْرِئُ، الْمُحَدِّثُ، النَّحْوِيُّ، الْأَدِيبُ، عَلَاءُ الدِّينِ عَلِيُّ بْنُ الْمُظَفَّرِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُمَرَ بْنِ زَيْدِ بْنِ هِبَةِ اللَّهِ الْكِنْدِيُّ الْإِسْكَنْدَرَانِيُّ ثُمَّ الدِّمَشْقِيُّ، سَمِعَ الْحَدِيثَ عَلَى أَزْيَدَ مِنْ مِائَتَيْ شَيْخٍ، وَقَرَأَ الْقِرَاءَاتِ السَّبْعَ، وَحَصَّلَ عُلُومًا جَيِّدَةً، وَنَظَمَ الشِّعْرَ الْحَسَنَ الرَّائِقَ الْفَائِقَ، وَجَمَعَ كِتَابًا فِي نَحْوٍ مَنْ خَمْسِينَ مُجَلَّدًا، فِيهِ عُلُومٌ جَمَّةٌ، أَكْثَرُهَا أَدَبِيَّاتٌ، سَمَّاهُ «التَّذْكِرَةَ الْكِنْدِيَّةَ»، وَقَفَهَا بِالسُّمَيْسَاطِيَّةِ، وَكَتَبَ حَسَنًا، وَحَسَبَ جَيِّدًا، وَخَدَمَ فِي عِدَّةِ خِدَمٍ، وَوَلِيَ مَشْيَخَةَ دَارِ الْحَدِيثِ النَّفِيسِيَّةِ فِي مُدَّةِ عَشْرِ سِنِينَ، وَقَرَأَ

стр. 11638

«صَحِيحَ الْبُخَارِيِّ» مَرَّاتٍ عَدِيدَةً، وَأَسْمَعَ الْحَدِيثَ، وَكَانَ يَلُوذُ بِشَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، وَتُوُفِّيَ بِبُسْتَانِهِ عِنْدَ قُبَّةِ الْمُسَجِّفِ لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ سَابِعَ عَشَرَ رَجَبٍ، وَدُفِنَ بِالْمِزَّةِ عَنْ سِتٍّ وَسَبْعِينَ سَنَةً. الطَّوَاشِيُّ ظَهِيرُ الدِّينِ مُخْتَارٌ الْبُلْبَيْسِيُّ، الْخِزِنْدَارُ بِالْقَلْعَةِ، وَأَحَدُ أُمَرَاءِ الطَّبْلَخَانَاهْ بِدِمَشْقَ، كَانَ زَكِيًّا، خَيِّرًا، فَاضِلًا، يَحْفَظُ الْقُرْآنَ، وَيُؤَدِّيهِ بِصَوْتٍ طَيِّبٍ، وَوَقَفَ مَكْتَبًا لِلْأَيْتَامِ عَلَى بَابِ قَلْعَةِ دِمَشْقَ، وَرَتَّبَ لَهُمُ الْكُسْوَةَ وَالْجَامَكِيَّةَ، وَكَانَ يَمْتَحِنُهُمْ بِنَفْسِهِ، وَيَفْرَحُ بِهِمْ، وَعَمِلَ لَهُ تُرْبَةً خَارِجَ بَابِ الْجَابِيَةِ، وَوَقَفَ عَلَيْهَا الْمُقْرِئِينَ، وَبَنَى عِنْدَهَا مَسْجِدًا حَسَنًا، وَوَقَفَهُ بِإِمَامٍ، وَهِيَ مِنْ أَوَائِلِ مَا عُمِلَ مِنَ التُّرَبِ بِذَلِكَ الْخَطِّ، وَدُفِنَ بِهَا فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ عَاشِرِ شَعْبَانَ، ﵀، وَكَانَ حَسَنَ الشَّكْلِ وَالْأَخْلَاقِ، عَلَيْهِ سَكِينَةٌ وَوَقَارٌ وَهَيْبَةٌ، وَلَهُ وَجَاهَةٌ فِي الدَّوْلَةِ، سَامَحَهُ اللَّهُ، وَوَلِيَ بَعْدَهُ الْخِزَانَةَ سَمِيُّهُ ظَهِيرُ الدِّينِ مُخْتَارٌ الزُّرَعِيُّ. الْأَمِيرُ بَدْرُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ الْوَزِيرِيِّ، كَانَ مِنَ الْأُمَرَاءِ الْمُقَدَّمِينَ، وَلَدَيْهِ فَضِيلَةٌ وَمَعْرِفَةٌ وَخِبْرَةٌ، وَقَدْ نَابَ عَنِ السُّلْطَانِ بِدَارِ الْعَدْلِ مَرَّةً بِمِصْرَ، وَكَانَ

стр. 11639

حَاجِبَ الْمَيْسَرَةِ، وَتَكَلَّمَ فِي الْأَوْقَافِ، وَفِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْقُضَاةِ وَالْمُدَرِّسِينَ، ثُمَّ نُقِلَ إِلَى دِمَشْقَ، فَمَاتَ بِهَا فِي سَادِسَ عَشَرَ شَعْبَانَ، وَدُفِنَ بِمَيْدَانِ الْحَصَا فَوْقَ خَانِ النَّجِيبِيِّ، وَخَلَّفَ تَرِكَةً عَظِيمَةً. الشَّيْخَةُ الصَّالِحَةُ، سِتُّ الْوُزَرَاءِ بِنْتُ عُمَرَ بْنِ أَسْعَدَ بْنِ الْمُنَجَّا، رَاوِيَةُ «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ»، وَغَيْرِهِ، جَاوَزَتِ التِّسْعِينَ سَنَةً، وَكَانَتْ مِنَ الصَّالِحَاتِ، تُوُفِّيَتْ لَيْلَةَ الْخَمِيسِ ثَامِنَ عَشَرَ شَعْبَانَ، وَدُفِنَتْ بِتُرْبَتِهِمْ بِالْقُرْبِ مِنَ الْجَامِعِ الْمُظَفَّرِيِّ بَقَاسِيُونَ. الْقَاضِي مُحِبُّ الدِّينِ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ ابْنُ قَاضِي الْقُضَاةِ تَقِيِّ الدِّينِ بْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ، اسْتَنَابَهُ أَبُوهُ فِي أَيَّامِهِ، وَزَوَّجَهُ بِابْنَةِ الْحَاكِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَدَرَّسَ بِالْكَهَّارِيَّةِ، وَرَأَسَ بَعْدَ أَبِيهِ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ تَاسِعَ عَشَرَ رَمَضَانَ، وَقَدْ قَارَبَ السِّتِّينَ، وَدُفِنَ عِنْدَ أَبِيهِ بِالْقَرَافَةِ.

стр. 11640

الشَّيْخَةُ الصَّالِحَةُ الْمُعَمَّرَةُ، سِتُّ النِّعَمِ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدُوسٍ الْحَرَّانِيَّةُ، وَالِدَةُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، عَمَّرَتْ فَوْقَ السَّبْعِينَ سَنَةً، وَكَانَتْ مِنَ الصَّالِحَاتِ، وَلَدَتْ تِسْعَةَ بَنِينَ، وَلَمْ تُرْزَقْ بِنْتًا قَطُّ، تُوُفِّيَتْ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ الْعِشْرِينَ مِنْ شَوَّالٍ، وَدُفِنَتْ بِالصُّوفِيَّةِ، وَحَضَرَ جِنَازَتَهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَجَمٌّ غَفِيرٌ، رَحِمَهَا اللَّهُ. الشَّيْخُ نَجْمُ الدِّينِ مُوسَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَلَبِيُّ ثُمَّ الدِّمَشْقِيُّ، الْكَاتِبُ الْفَاضِلُ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْبُصَيْصِ، شَيْخُ صِنَاعَةِ الْكِتَابَةِ فِي زَمَانِهِ، لَا سِيَّمَا فِي الْمُزَوَّجِ وَالْمُثَلَّثِ، وَقَدْ أَقَامَ يَكْتُبُ النَّاسَ خَمْسِينَ سَنَةً، وَأَنَا مِمَّنْ كَتَبَ عَلَيْهِ، أَثَابَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ، وَكَانَ شَيْخًا حَسَنًا بَهِيَّ الْمَنْظَرِ، يَشْعُرُ جَيِّدًا، تُوُفِّيَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ عَاشِرِ ذِي الْقَعْدَةِ، وَدُفِنَ بِمَقَابِرِ بَابِ الصَّغِيرِ، وَلَهُ خَمْسٌ وَسِتُّونَ سَنَةً. الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ الْمَوْصِلِيُّ، أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي الْكَرَمِ، شَيْخُ الْقِرَاءَةِ عِنْدَ مِحْرَابِ الصَّحَابَةِ، وَشَيْخُ مِيعَادِ ابْنِ عَامِرٍ مُدَّةً طَوِيلَةً، وَقَدِ انْتَفَعَ النَّاسُ بِهِ نَحْوًا مِنْ خَمْسِينَ سَنَةً فِي التَّلْقِينِ وَالْقِرَاءَاتِ، وَخَتَّمَ خَلْقًا كَثِيرًا، وَكَانَ يُقْصَدُ لِذَلِكَ، وَيَجْمَعُ تَصْدِيقَاتٍ يَقُولُهَا الصِّبْيَانُ لَيَالِيَ خَتْمِهِمْ، وَقَدْ سَمِعَ الْحَدِيثَ، وَكَانَ خَيِّرًا دَيِّنًا، تُوُفِّيَ لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ سَابِعَ عَشَرَ ذِي

стр. 11641

الْقَعْدَةِ، وَدُفِنَ بِمَقَابِرِ بَابِ الصَّغِيرِ، ﵀. الشَّيْخُ الصَّالِحُ، الزَّاهِدُ، الْمُقْرِئُ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْخَطِيبِ سَلَامَةَ بْنِ سَالِمِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ يَنْبُوبَ الْمَالِينِيُّ، أَحَدُ الصُّلَحَاءِ الْمَشْهُورِينَ بِجَامِعِ دِمَشْقَ، سَمِعَ الْحَدِيثَ، وَأَقْرَأَ النَّاسَ نَحْوًا مِنْ خَمْسِينَ سَنَةً، وَكَانَ يُفَصِّحُ الْأَوْلَادَ فِي الْحُرُوفِ الصَّعْبَةِ، وَكَانَ مُبْتَلَى فِي فَمِهِ، يَحْمِلُ طَاسَةً تَحْتَ فَمِهِ مِنْ كَثْرَةِ مَا يَسِيلُ مِنْهُ مِنَ الرِّيَالِ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ جَاوَزَ الثَّمَانِينَ بِأَرْبَعِ سِنِينَ، تُوُفِّيَ بِالْمَدْرَسَةِ الصَّارِمِيَّةِ يَوْمَ الْأَحَدِ ثَانِي عِشْرِينَ ذِي الْقَعْدَةِ، وَدُفِنَ بِبَابِ الصَّغِيرِ بِالْقُرْبِ مِنَ الْقَلَنْدَرِيَّةِ، وَحَضَرَ جِنَازَتَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ جِدًّا نَحْوٌ مَنْ عَشَرَةِ آلَافٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. الشَّيْخُ صَدْرُ الدِّينِ بْنُ الْوَكِيلِ، هُوَ الْعَلَّامَةُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الشَّيْخِ الْإِمَامِ مُفْتِي الْمُسْلِمِينَ زَيْنِ الدِّينِ عُمَرَ بْنِ مَكِّيِّ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ، الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْمُرَحِّلِ وَبِابْنِ الْوَكِيلِ، شَيْخُ الشَّافِعِيَّةِ فِي زَمَانِهِ، وَأَشْهُرُهُمْ فِي وَقْتِهِ بِالْفَضِيلَةِ، وَكَثْرَةِ الِاشْتِغَالِ، وَالْمُطَالَعَةِ، وَالتَّحْصِيلِ، وَالِافْتِنَانِ فِي الْعُلُومِ الْعَدِيدَةِ، وَقَدْ أَجَادَ مَعْرِفَةَ الْمَذْهَبِ وَالْأَصْلَيْنِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي النَّحْوِ بِذَاكَ الْقَوِيِّ، فَكَانَ يَقَعُ مِنْهُ اللَّحْنُ

стр. 11642

الْكَثِيرُ، مَعَ أَنَّهُ قَرَأَ فِيهِ «الْمُفَصَّلَ» لِلزَّمَخْشَرِيِّ، وَكَانَتْ لَهُ مَحْفُوظَاتٌ كَثِيرَةٌ، وُلِدَ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ عَلَى الْمَشَايِخِ، مِنْ ذَلِكَ «مُسْنَدُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ» عَلَى ابْنِ عَلَّانَ، وَ «الْكُتُبُ السِّتَّةُ»، وَقُرِئَ عَلَيْهِ قِطْعَةٌ كَبِيرَةٌ مِنْ «صَحِيحِ مُسْلِمٍ» بِدَارِ الْحَدِيثِ عَنِ الْأَمِيرِ الْإِرْبِلِيِّ، وَالْعَامِرِيِّ، وَالْمِزِّيِّ، وَكَانَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الْحَدِيثِ بِكَلَامٍ مَجْمُوعٍ مِنْ عُلُومٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الطِّبِّ وَالْفَلْسَفَةِ وَعِلْمِ الْكَلَامِ - وَلَيْسَ ذَلِكَ بِعِلْمٍ - وَعُلُومِ الْأَوَائِلِ، وَكَانَ يُكْثِرُ مِنْ ذَلِكَ، وَكَانَ يَقُولُ الشِّعْرَ جَيِّدًا، وَلَهُ دِيوَانٌ مَجْمُوعٌ مُشْتَمِلٌ عَلَى أَشْيَاءَ لَطِيفَةٍ، وَكَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَحْسُدُونَهُ وَيُحِبُّونَهُ، وَآخَرُونَ يَحْسُدُونَهُ وَيُبْغِضُونَهُ، وَكَانُوا يَتَكَلَّمُونَ فِيهِ بِأَشْيَاءَ، وَيَرْمُونَهُ بِالْعَظَائِمِ، وَقَدْ كَانَ مُسْرِفًا عَلَى نَفْسِهِ، قَدْ أَلْقَى جِلْبَابَ الْحَيَاءِ فِيمَا يَتَعَاطَاهُ مِنَ الْقَاذُورَاتِ وَالْفَوَاحِشِ، وَكَانَ يَنْصِبُ الْعَدَاوَةَ لِلشَّيْخِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، وَيُنَاظِرُهُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَحَافِلِ وَالْمَجَالِسِ، وَكَانَ يَعْتَرِفُ لِلشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ بِالْعُلُومِ الْبَاهِرَةِ وَيُثْنِي عَلَيْهِ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يُجَاحِفُ عَنْ مَذْهَبِهِ وَنَاحِيَتِهِ وَهَوَاهُ، وَيُنَافِحُ عَنْ طَائِفَتِهِ، وَقَدْ كَانَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ يُثْنِي عَلَيْهِ، وَعَلَى عُلُومِهِ، وَفَضَائِلِهِ، وَيَشْهَدُ لَهُ بِالْإِسْلَامِ إِذَا قِيلَ لَهُ عَنْ أَفْعَالِهِ وَأَعْمَالِهِ الْقَبِيحَةِ، وَكَانَ يَقُولُ: كَانَ مُخَلِّطًا عَلَى نَفْسِهِ، مُتَّبِعًا مُرَادَ الشَّيْطَانِ مِنْهُ، يَمِيلُ إِلَى الشَّهْوَةِ وَالْمُحَاضَرَةِ، وَلَمْ يَكُنْ كَمَا يَقُولُ فِيهِ بَعْضُ أَصْحَابِهِ مِمَّنْ يَحْسُدُهُ وَيَتَكَلَّمُ فِيهِ. هَذَا أَوْ مَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ. وَقَدْ دَرَّسَ بِعِدَّةِ مَدَارِسَ بِمِصْرَ وَالشَّامِ، فَدَرَّسَ بِدِمَشْقَ بِالشَّامِيَّتَيْنِ، وَالْعَذْرَاوِيَّةِ، وَدَارِ الْحَدِيثِ الْأَشْرَفِيَّةِ، وَوَلِيَ فِي وَقْتٍ الْخَطَابَةَ أَيَّامًا يَسِيرَةً كَمَا تَقَدَّمَ، ثُمَّ قَامَ الْخَلْقُ عَلَيْهِ وَأَخْرَجُوهَا مِنْ يَدِهِ، وَلَمْ يَرْقَ مِنْبَرَهَا، ثُمَّ خَالَطَ نَائِبَ السَّلْطَنَةِ الْأَفْرَمَ، فَجَرَتْ لَهُ أُمُورٌ لَا يَحْسُنُ ذِكْرُهَا، وَلَا يَرْشُدُ أَمْرُهَا، ثُمَّ آلَ بِهِ الْحَالُ عَلَى أَنْ عَزَمَ عَلَى الِانْتِقَالِ مِنْ دِمَشْقَ إِلَى حَلَبَ

стр. 11643

لِاسْتِحْوَاذِهِ عَلَى قَلْبِ نَائِبِهَا، فَأَقَامَ بِهَا وَدَرَّسَ، ثُمَّ تَرَدَّدَ فِي الرُّسْلِيَّةِ بَيْنَ السُّلْطَانِ وَمُهَنَّا صُحْبَةَ أَرْغُوَنَ وَأَلْطُنْبُغَا، ثُمَّ اسْتَقَرَّ بِهِ الْمَنْزِلُ بِمِصْرَ، وَدَرَّسَ فِيهَا بِمَشْهَدِ الْحُسَيْنِ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ بِهَا بُكْرَةَ نَهَارِ الْأَرْبِعَاءِ رَابِعِ عِشْرِينَ ذِي الْحِجَّةِ، بِدَارِهِ، قَرِيبًا مِنْ جَامِعِ الْحَاكِمِ، وَدُفِنَ مِنْ يَوْمِهِ قَرِيبًا مِنَ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ بِتُرْبَةِ الْقَاضِي نَاظِرِ الْجَيْشِ بِالْقَرَافَةِ، وَلَمَّا بَلَغَتْ وَفَاتُهُ دِمَشْقَ صُلِّيَ عَلَيْهِ بِجَامِعِهَا صَلَاةَ الْغَائِبِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ ثَالِثِ الْمُحَرَّمِ مِنَ السَّنَةِ الْآتِيَةِ، وَرَثَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ ابْنُ غَانِمٍ عَلَاءُ الدِّينِ، وَالْقَحْفَازِيُّ، وَالصَّفَدِيُّ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مِنْ عُشَرَائِهِ. وَفِي يَوْمِ عَرَفَةَ تُوُفِّيَ الشَّيْخُ عِمَادُ الدِّينِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْفُوعِيُّ، وَكِيلُ قِجْلِيسَ، وَهُوَ الَّذِي بَنَى لَهُ الْبَاشُورَةَ عَلَى بَابِ الصَّغِيرِ بِالْبَرَّانِيَّةِ الْغَرْبِيَّةِ، وَكَانَتْ فِيهِ نَهْضَةٌ وَكِفَايَةٌ، وَكَانَ مِنْ بَيْتِ الرَّفْضِ، اتَّفَقَ أَنَّهُ اسْتَحْضَرَهُ نَائِبُ السَّلْطَنَةِ فَضَرَبَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَقَامَ النَّائِبُ إِلَيْهِ بِنَفْسِهِ فَجَعَلَ يَضْرِبُهُ بِالْمَهَامِيزِ فِي وَجْهِهِ، فَرُفِعَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَهُوَ تَالِفٌ، فَمَاتَ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ، وَدُفِنَ مِنْ يَوْمِهِ بِسَفْحِ قَاسِيُونَ، وَلَهُ دَارٌ ظَاهِرَ بَابِ الْفَرَادِيسِ.

стр. 11644

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعَ عَشْرَةَ وَسَبْعِمِائَةٍ اسْتَهَلَّتْ وَالْحُكَّامُ هُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا. وَفِي صَفَرٍ شُرِعَ فِي عِمَارَةِ الْجَامِعِ الَّذِي أَنْشَأَهُ مَلِكُ الْأُمَرَاءِ سَيْفُ الدِّينِ تَنْكِزُ نَائِبُ الشَّامِ ظَاهِرَ بَابِ النَّصْرِ، تُجَاهَ حِكْرِ السِّمَاقِ عَلَى نَهْرِ بَانْيَاسَ بِدِمَشْقَ، وَتَرَدَّدَ الْقُضَاةُ وَالْعُلَمَاءُ فِي تَحْرِيرِ قِبْلَتِهِ، فَاسْتَقَرَّ الْحَالُ فِي أَمْرِهَا عَلَى مَا قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي يَوْمِ الْأَحَدِ الْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْهُ، وَشَرَعُوا فِي بِنَائِهِ بِأَمْرِ السُّلْطَانِ وَمُسَاعَدَتِهِ لِنَائِبِهِ فِي ذَلِكَ. وَفِي صَفَرٍ هَذَا جَاءَ سَيْلٌ عَظِيمٌ بِمَدِينَةِ بَعْلَبَكَّ، أَهْلَكَ خَلْقًا كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ، وَخَرَّبَ دُورًا وَعَمَائِرَ كَثِيرَةً، وَذَلِكَ فِي يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ سَابِعِ عِشْرِينَ صَفَرٍ. وَمُلَخَّصُ ذَلِكَ أَنَّهُ جَاءَهُمْ قَبْلَهُ رَعْدٌ وَبَرْقٌ عَظِيمٌ، مَعَهُمَا مَطَرٌ وَبَرَدٌ، فَسَالَتِ الْأَوْدِيَةُ، ثُمَّ جَاءَهُمْ بَعْدَهُ سَيْلٌ هَائِلٌ خَسَفَ مِنْ سُورِ الْبَلَدِ مِنْ جِهَةِ الشَّمَالِ بِشَرْقٍ مِقْدَارَ أَرْبَعِينَ ذِرَاعًا، مَعَ أَنَّ سُمْكَ الْحَائِطِ خَمْسَةُ أَذْرُعٍ، وَحَمَلَ بُرْجًا صَحِيحًا، وَمَعَهُ مِنْ جَانِبَيْهِ بَعْضُ بَدْنِيَّتَيْنِ، فَحَمَلَهُ كَمَا هُوَ حَتَّى مَرَّ فَحَفَرَ فِي

стр. 11645

الْأَرْضِ نَحْوَ خَمْسِمِائَةِ ذِرَاعٍ، سِعَةَ ثَلَاثِينَ ذِرَاعًا، وَحَمَلَ السَّيْلُ ذَلِكَ إِلَى غَرْبِيِّ الْبَلَدِ، لَا يَمُرُّ عَلَى شَيْءٍ إِلَّا أَتْلَفَهُ، وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا، فَأَتْلَفَ مَا يَزِيدُ عَلَى ثُلُثِهَا، وَدَخَلَ الْجَامِعَ فَارْتَفَعَ فِيهِ عَلَى قَامَةٍ وَنِصْفٍ، ثُمَّ قَوِيَ عَلَى حَائِطِهِ الْغَرْبِيِّ فَأَخْرَبَهُ، وَأَتْلَفَ جَمِيعَ مَا فِيهِ مِنَ الْحَوَاصِلِ، وَالْكُتُبِ، وَالْمَصَاحِفِ، وَأَتْلَفَ شَيْئًا كَثِيرًا مِنْ رِبَاعِ الْجَامِعِ، وَهَلَكَ تَحْتَ الْهَدْمِ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الرِّجَالِ، وَالنِّسَاءِ، وَالْأَطْفَالِ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَغَرِقَ فِي الْجَامِعِ الشَّيْخُ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الشَّيْخِ عَلِيٍّ الْحَرِيرِيِّ هُوَ وَجَمَاعَةٌ مَعَهُ مِنَ الْفُقَرَاءِ، وَيُقَالُ: جُمْلَةُ مَنْ هَلَكَ بِالْغَرَقِ فِي هَذِهِ الْكَائِنَةِ مَنْ أَهْلِ بَعْلَبَكَّ مِائَةٌ وَأَرْبَعَةٌ وَأَرْبَعُونَ نَفْسًا سِوَى الْغُرَبَاءِ، وَجُمْلَةُ الدُّورِ الَّتِي خَرَّبَهَا وَالْحَوَانِيتِ الَّتِي أَتْلَفَهَا نَحْوٌ مَنْ سِتِّمِائَةِ دَارٍ وَحَانُوتٍ، وَجُمْلَةُ الْبَسَاتِينِ الَّتِي جَرَفَ أَشْجَارَهَا عِشْرُونَ بُسْتَانًا، وَمِنَ الطَّوَاحِينِ ثَمَانِيَةٌ سِوَى الْجَامِعِ وَالْأَمِينِيَّةِ، وَأَمَّا الْأَمَاكِنُ الَّتِي دَخَلَهَا وَأَتْلَفَ مَا فِيهَا وَلَمْ تَخْرَبْ فَكَثِيرٌ جِدًّا. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ زَادَ النِّيلُ زِيَادَةً عَظِيمَةً لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهَا مِنْ مُدَدٍ، وَغَرَّقَ بِلَادًا كَثِيرَةً، وَهَلَكَ فِيهَا نَاسٌ كَثِيرٌ أَيْضًا، وَغَرَّقَ مُنْيَةَ الشِّيرَجِ، فَهَلَكَ لِلنَّاسِ فِيهَا شَيْءٌ كَثِيرٌ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.

стр. 11646

وَفِي مُسْتَهَلِّ رَبِيعٍ الْآخِرِ جَلَسَ السُّلْطَانُ بُو سَعِيدِ بْنُ خَرْبَنْدَا عَلَى تَخْتِ الْمَمْلَكَةِ بِالْمَدِينَةِ السُّلْطَانِيَّةِ. وَفِي رَبِيعٍ الْآخِرِ مِنْهَا أَغَارَ جَيْشُ حَلَبَ عَلَى مَدِينَةِ آمِدَ، فَنَهَبُوا، وَسَبَوْا، وَعَادُوا سَالِمِينَ. وَفِي يَوْمِ السَّبْتِ تَاسِعِ عِشْرِينَ مِنْهُ قَدِمَ قَاضِي الْمَالِكِيَّةِ إِلَى الشَّامِ مِنْ مِصْرَ، وَهُوَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ سَلَامَةَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ سَلَامَةَ الْإِسْكَنْدَرِيُّ الْمَالِكِيُّ عَلَى قَضَاءِ دِمَشْقَ، عِوَضًا عَنْ قَاضِي الْقُضَاةِ جَمَالِ الدِّينِ الزَّوَاوِيِّ لِضَعْفِهِ، وَاشْتِدَادِ مَرَضِهِ، فَالْتَقَاهُ الْقُضَاةُ وَالْأَعْيَانُ، وَقُرِئَ تَقْلِيدُهُ بِالْجَامِعِ ثَانِي يَوْمِ وُصُولِهِ، وَهُوَ مُؤَرَّخٌ بِثَانِي عَشَرَ الشَّهْرِ، وَقَدِمَ نَائِبُهُ الْفَقِيهُ نُورُ الدِّينِ السَّخَاوِيُّ، وَدَرَّسَ بِالْجَامِعِ فِي مُسْتَهَلِّ جُمَادَى الْأُولَى، وَحَضَرَ عِنْدَهُ الْفُقَهَاءُ، وَالْأَعْيَانُ، وَالْقُضَاةُ، وَشُكِرَتْ فَضَائِلُهُ، وَعُلُومُهُ، وَنَزَاهَتُهُ، وَصَرَامَتُهُ، وَدِيَانَتُهُ، وَبَعْدَ ذَلِكَ بِتِسْعَةِ أَيَّامٍ تُوُفِّيَ الزَّوَاوِيُّ الْمَعْزُولُ، وَقَدْ بَاشَرَ الْقَضَاءَ بِدِمَشْقَ ثَلَاثِينَ سَنَةً. وَفِيهِ أُفْرِجَ عَنِ الْأَمِيرِ سَيْفِ الدِّينِ بَهَادُرَآصْ مِنْ سِجْنِ الْكَرَكِ، وَحُمِلَ إِلَى الْقَاهِرَةِ، وَأَكْرَمَهُ السُّلْطَانُ، وَكَانَ سِجْنُهُ بِهَا مُطَاوَعَةً لِإِشَارَةِ نَائِبِ الشَّامِ بِسَبَبِ مَا كَانَ وَقَعَ بَيْنَهُمَا بِمَلَطْيَةَ. وَخَرَجَ الْمَحْمَلُ فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ تَاسِعِ شَوَّالٍ، وَأَمِيرُ الْحَجِّ سَيْفُ الدِّينِ كُجْكُنُ

стр. 11647

الْمَنْصُورِيُّ. وَمِمَّنْ حَجَّ قَاضِي الْقُضَاةِ نَجْمُ الدِّينِ بْنُ صَصْرَى، وَابْنُ أَخِيهِ شَرَفُ الدِّينِ، وَكَمَالُ الدِّينِ بْنُ الشِّيرَازِيِّ، وَالْقَاضِي جَلَالُ الدِّينِ الْحَنَفِيُّ، وَالشَّيْخُ شَرَفُ الدِّينِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ، وَخَلْقٌ. وَفِي سَادِسِ هَذَا الشَّهْرِ دَرَّسَ بِالْجَارُوخِيَّةِ الْقَاضِي جَمَالُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ الشَّيْخِ كَمَالِ الدِّينِ الشَّرِيشِيِّ بَعْدَ وَفَاةِ الشَّيْخِ شَرَفِ الدِّينِ بْنِ سَلَّامٍ، وَحَضَرَ عِنْدَهُ الْأَعْيَانُ. وَفِي التَّاسِعَ عَشَرَ مِنْهُ دَرَّسَ ابْنُ الزَّمْلَكَانِيِّ بِالْعَذْرَاوِيَّةِ عِوَضًا عَنِ ابْنِ سَلَّامٍ. وَفِيهِ دَرَّسَ الشَّيْخُ شَرَفُ الدِّينِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ بِالْحَنْبَلِيَّةِ عَنْ إِذَنِ أَخِيهِ لَهُ فِي ذَلِكَ، بَعْدَ وَفَاةِ أَخِيهِمَا لِأُمِّهِمَا بَدْرِ الدِّينِ قَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، ثُمَّ سَافَرَ الشَّيْخُ شَرَفُ الدِّينِ إِلَى الْحَجِّ، وَحَضَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ الدَّرْسَ بِنَفْسِهِ، وَحَضَرَ عِنْدَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْأَعْيَانِ وَغَيْرِهِمْ، حَتَّى عَادَ أَخُوهُ وَبَعْدَ عَوْدِهِ أَيْضًا، وَجَاءَتِ الْأَخْبَارُ بِأَنَّهُ قَدْ أُبْطِلَتِ الْخُمُورُ وَالْفَوَاحِشُ كُلُّهَا مِنْ بِلَادِ السَّوَاحِلِ، وَطَرَابُلُسَ، وَغَيْرِهَا، وَوُضِعَتْ مُكُوسٌ كَثِيرَةٌ عَنِ النَّاسِ هُنَالِكَ، وَبُنِيَتْ بِقُرَى النُّصَيْرِيَّةِ فِي كُلِّ قَرْيَةٍ مَسْجِدٌ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَفِي بُكْرَةِ نَهَارِ الثُّلَاثَاءِ الثَّامِنِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَوَّالٍ وَصَلَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ، شَيْخُ الْكُتَّابِ، شِهَابُ الدِّينِ مَحْمُودُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْحَلَبِيُّ عَلَى الْبَرِيدِ مِنْ مِصْرَ إِلَى دِمَشْقَ مُتَوَلِّيًا كِتَابَةَ السِّرِّ بِهَا، عِوَضًا عَنْ شَرَفِ الدِّينِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ فَضْلِ اللَّهِ

стр. 11648

تُوُفِّيَ إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ. وَفِي ذِي الْقَعْدَةِ يَوْمَ الْأَحَدِ دَرَّسَ بِالصِّمْصَامِيَّةِ الَّتِي جُدِّدَتْ لِلْمَالِكِيَّةِ، وَقَدْ وَقَفَ عَلَيْهَا الصَّاحِبُ شَمْسُ الدِّينِ غِبْرِيَالُ دَرْسًا، وَدَرَّسَ بِهَا فِقْهًا، وَعَيَّنَ تَدْرِيسَهَا لِنَائِبِ الْحُكْمِ الْفَقِيهِ نُورِ الدِّينِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ النَّصِيرِ الْمَالِكِيِّ، وَحَضَرَ عِنْدَهُ الْقُضَاةُ وَالْأَعْيَانُ، وَمِمَّنْ حَضَرَ عِنْدَهُ: الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ، وَكَانَ يَعْرِفُهُ مِنْ إِسْكَنْدَرِيَّةَ. وَفِيهِ دَرَّسَ بِالدَّخْوَارِيَّةِ الشَّيْخُ جَمَالُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ الشَّيْخِ شِهَابِ الدِّينِ أَحْمَدَ الْكَحَّالُ، وَرُتِّبَ فِي رِيَاسَةِ الطِّبِّ عِوَضًا عَنْ أَمِينِ الدِّينِ سُلَيْمَانَ الطَّبِيبِ، بِمَرْسُومِ نَائِبِ السَّلْطَنَةِ تَنْكِزَ، وَاخْتَارَهُ لِذَلِكَ. وَاتَّفَقَ أَنَّهُ فِي هَذَا الشَّهْرِ تَجَمَّعَ جَمَاعَةٌ مِنَ التُّجَّارِ بِمَارِدِينَ، وَانْضَافَ إِلَيْهِمْ خَلْقٌ مِنَ الْجُفَالِ مِنَ الْغُلَا قَاصِدِينَ بِلَادَ الشَّامِ، فَسَارُوا حَتَّى إِذَا كَانُوا بِمَرْحَلَتَيْنِ مِنْ رَأْسِ الْعَيْنِ لَحِقَهُمْ سِتُّونَ فَارِسًا مِنَ التَّتَارِ، فَمَالُوا عَلَيْهِمْ بِالنُّشَّابِ، وَقَتَلُوهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ سِوَى صِبْيَانِهِمْ نَحْوَ سَبْعِينَ صَبِيًّا، فَقَالُوا: مَنْ يَقْتُلُ هَؤُلَاءِ؟ فَقَالَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ: أَنَا، بِشَرْطِ أَنْ تَنْفِلُونِي بِمَالٍ مِنَ الْغَنِيمَةِ، فَقَتَلَهُمْ كُلَّهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ، وَكَانَ جُمْلَةُ مَنْ قُتِلَ مِنَ التُّجَّارِ سِتَّمِائَةٍ، وَمِنَ الْجُفَالِ ثَلَاثَمِائَةٍ مِنَ

стр. 11649

الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَرَدَمُوا بِمَوْتَاهُمْ خَمْسَ صَهَارِيجَ هُنَاكَ حَتَّى امْتَلَأَتْ بِهِمْ، ﵏، وَلَمْ يَسْلَمْ مِنَ الْجَمِيعِ سِوَى رَجُلٍ وَاحِدٍ تُرْكُمَانِيٍّ هَرَبَ، وَجَاءَ إِلَى رَأْسِ الْعَيْنِ، فَأَخْبَرَ النَّاسَ بِمَا رَأَى وَشَاهَدَ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ الْفَظِيعِ الْمُؤْلِمِ، فَاجْتَهَدَ مُتَسَلِّمُ دِيَارِ بَكْرٍ سُوتَايْ فِي طَلَبِ أُولَئِكَ التَّتَرِ حَتَّى أَهْلَكَهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ رَجُلٌ وَاحِدٌ، لَا جَمَعَ اللَّهُ بِهِمْ شَمَلًا، وَلَا بِهِمْ مَرْحَبًا وَلَا أَهْلًا، آمِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. صِفَةُ خُرُوجِ الْمَهْدِيِّ الضَّالِّ بِأَرْضِ جَبَلَةَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَتِ النُّصَيْرِيَّةُ عَنِ الطَّاعَةِ، فَأَقَامُوا مِنْ بَيْنِهِمْ رَجُلًا سَمَّوْهُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ الْمَهْدِيَّ الْقَائِمَ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَتَارَةً يَدَّعِي أَنَّهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَاطِرُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وَتَارَةً يَدَّعِي أَنَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ صَاحِبُ الْبِلَادِ، وَصَرَّحَ بِكُفْرِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنَّ النُّصَيْرِيَّةَ عَلَى الْحَقِّ، وَاحْتَوَى هَذَا الرَّجُلُ عَلَى عُقُولِ كَثِيرٍ مِنْ كِبَارِ النُّصَيْرِيَّةِ الضُّلَّالِ، وَعَيَّنَ لِكُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ تَقْدِمَةَ أَلْفٍ، وَبِلَادًا كَثِيرَةً، وَنِيَابَةَ قَلْعَةٍ، وَحَمَلُوا عَلَى مَدِينَةِ

стр. 11650

جَبَلَةَ، فَدَخَلُوهَا، وَقَتَلُوا خَلْقًا مِنْ أَهْلِهَا، وَخَرَجُوا مِنْهَا يَقُولُونَ: لَا إِلَهَ إِلَّا عَلِيٌّ، وَلَا حِجَابَ إِلَّا مُحَمَّدٌ، وَلَا بَابَ إِلَّا سَلْمَانُ، وَسَبُّوا الشَّيْخَيْنِ، وَصَاحَ أَهْلُ الْبَلَدِ: وَاإِسْلَامَاهُ، وَاسُلْطَانَاهُ، وَاأَمِيرَاهُ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ يَوْمَئِذٍ نَاصِرٌ وَلَا مُنْجِدٌ، وَجَعَلُوا يَبْكُونَ وَيَتَضَرَّعُونَ إِلَى اللَّهِ ، فَجَمَعَ هَذَا الضَّالُّ تِلْكَ الْأَمْوَالَ فَقَسَّمَهَا عَلَى أَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ، قَبَّحَهُمُ اللَّهُ أَجْمَعِينَ، وَقَالَ لَهُمْ: لَمْ يَبْقَ لِلْمُسْلِمِينَ ذِكْرٌ وَلَا دَوْلَةٌ، وَلَوْ لَمْ يَبْقَ مَعِي سِوَى عَشَرَةِ نَفَرٍ لَمَلِكْنَا الْبِلَادَ كُلَّهَا. وَنَادَى فِي تِلْكَ الْبِلَادِ: إِنَّ الْمُقَاسَمَةَ بِالْعُشْرِ لَا غَيْرُ لِيُرَغِّبَ الْفَلَّاحِينَ فِيهِ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِخَرَابِ الْمَسَاجِدِ، وَاتِّخَاذِهَا خَمَّارَاتٍ، وَكَانُوا يَقُولُونَ لِمَنْ أَسَرُوهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا عَلِيٌّ، وَاسْجُدْ لِإِلَهِكَ الْمَهْدِيِّ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ حَتَّى يَحْقِنَ دَمَكَ، وَيَكْتُبَ لَكَ فَرْمَانَ. وَتَجَهَّزُوا، وَعَمِلُوا أَمْرًا عَظِيمًا جِدًّا، فَجُرِّدَتْ إِلَيْهِمُ الْعَسَاكِرُ، فَهَزَمُوهُمْ، وَقَتَلُوا مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَجَمًّا غَفِيرًا، وَقُتِلَ الْمَهْدِيُّ الَّذِي أَضَلَّهُمْ، وَهُوَ يَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُقَدَّمَهُمْ وَهَادِيَهُمِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ [الْحَجِّ: ٣، ٤]. وَفِيهَا حَجَّ الْأَمِيرُ حُسَامُ الدِّينِ مُهَنَّا وَوَلَدُهُ سُلَيْمَانُ، فِي سِتَّةِ آلَافٍ، وَأَخُوهُ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ، وَلَمْ يَجْتَمِعْ مُهَنَّا بِأَحَدٍ مِنَ الْمِصْرِيِّينَ وَلَا الشَّامِيِّينَ، وَقَدْ كَانَ فِي الْمِصْرِيِّينَ قِجْلِيسُ وَغَيْرُهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ بِهَا مِنَ الْأَعْيَانِ:

стр. 11651

الشَّيْخُ الصَّالِحُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجُبُنِّيُّ، كَانَ فَاضِلًا، وَكَتَبَ حَسَنًا، نَسَخَ «التَّنْبِيهَ»، وَ «الْعُمْدَةَ»، وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَكَانَ النَّاسُ يَنْتَفِعُونَ بِهِ، وَيُقَابِلُونَ مَعَهُ، وَيُصَحِّحُونَ عَلَيْهِ، وَيَجْلِسُونَ إِلَيْهِ عِنْدَ صُنْدُوقٍ كَانَ لَهُ بِالْجَامِعِ، تُوُفِّيَ لَيْلَةَ الِاثْنَيْنِ سَادِسَ الْمُحَرَّمِ، وَدُفِنَ بِالصُّوفِيَّةِ، وَقَدْ صَحَّحْتُ عَلَيْهِ فِي «الْعُمْدَةِ» وَغَيْرِهِ. الشَّيْخُ شِهَابُ الدِّينِ الرُّومِيُّ، أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمَرَاغِيُّ، دَرَّسَ بِالْمُعِينِيَّةِ، وَأَمَّ بِمِحْرَابِ الْحَنَفِيَّةِ بِمَقْصُورَتِهِمُ الْغَرْبِيَّةِ، إِذْ كَانَ مِحْرَابُهُمْ هُنَاكَ، وَتَوَلَّى مَشْيَخَةَ الْخَاتُونِيَّةِ، وَكَانَ يَؤُمُّ بِنَائِبِ السُّلْطَانِ الْأَفْرَمِ، وَكَانَ يَقْرَأُ حَسَنًا بِصَوْتٍ مَلِيحٍ، وَكَانَتْ لَهُ مَكَانَةٌ عِنْدَهُ، وَرُبَّمَا رَاحَ إِلَيْهِ الْأَفْرَمُ مَاشِيًا حَتَّى يَدْخُلَ عَلَيْهِ زَاوِيَتَهُ الَّتِي أَنْشَأَهَا بِالشَّرَفِ الشَّمَالِيِّ عَلَى الْمَيْدَانِ الْكَبِيرِ، وَلَمَّا تُوُفِّيَ بِالْمُحَرَّمِ وَدُفِنَ بِالصُّوفِيَّةِ قَامَ وَلَدَاهُ عِمَادُ الدِّينِ وَشَرَفُ الدِّينِ فِي وَظَائِفِهِ. الشَّيْخُ الصَّالِحُ الْعَدْلُ الْأَمِينُ، فَخْرُ الدِّينِ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْوَفَا بْنِ نِعْمَةِ اللَّهِ الْأَعْزَازِيُّ، كَانَ ذَا ثَرْوَةٍ مِنَ الْمَالِ، كَثِيرَ الْمُرُوءَةِ وَالتِّلَاوَةِ، أَدَّى الْأَمَانَةَ فِي سِتِّينَ

стр. 11652

أَلْفَ دِينَارٍ وَجَوَاهِرَ، حَيْثُ لَا يَعْلَمُ بِهَا إِلَّا اللَّهُ ، بَعْدَ مَا مَاتَ صَاحِبُهَا مُجَرَّدًا فِي الْغَزَاةِ، وَهُوَ عِزُّ الدِّينِ الْجِرَاحِيُّ نَائِبُ غَزَّةَ، أَوْدَعَهُ إِيَّاهَا فَأَدَّاهَا إِلَى أَهْلِهَا، أَثَابَهُ اللَّهُ؛ وَلِهَذَا لَمَّا مَاتَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ الثَّالِثِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْآخِرِ - حَضَرَ جِنَازَتَهُ خَلْقٌ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، حَتَّى قِيلَ: إِنَّهُمْ لَمْ يَجْتَمِعُوا فِي مِثْلِهَا قَبْلَ ذَلِكَ. وَدُفِنَ بِبَابِ الصَّغِيرِ، ﵀. قَاضِي الْقُضَاةِ جَمَالُ الدِّينِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ سُومَرَ الزَّوَاوِيُّ، قَاضِي الْمَالِكِيَّةِ بِدِمَشْقَ مِنْ سَنَةِ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، قَدِمَ مِصْرَ مِنَ الْمَغْرِبِ، وَاشْتَغَلَ بِهَا، وَأَخَذَ عَنْ مَشَايِخِهَا مِنْهُمُ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، ثُمَّ قَدِمَ دِمَشْقَ قَاضِيًا فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ تَقْرِيبًا فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَأَقَامَ شِعَارَ مَذْهَبِ مَالِكٍ، وَعَمَّرَ الصِّمْصَامِيَّةَ فِي أَيَّامِهِ، وَجَدَّدَ عِمَارَةَ النُّورِيَّةِ، وَحَدَّثَ بِ «صَحِيحِ مُسْلِمٍ»، وَ «مُوَطَّأِ مَالِكٍ»، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ، وَكِتَابِ «الشِّفَا» لِلْقَاضِي عِيَاضٍ، وَعُزِلَ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِعِشْرِينَ يَوْمًا عَنِ الْقَضَاءِ، وَهَذَا مِنْ خَيْرِهِ حَيْثُ لَمْ يَمُتْ قَاضِيًا، تُوُفِّيَ بِالْمَدْرَسَةِ الصِّمْصَامِيَّةِ يَوْمَ الْخَمِيسِ التَّاسِعِ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ،

стр. 11653

وَدُفِنَ بِمَقَابِرِ بَابِ الصَّغِيرِ تُجَاهَ مَسْجِدِ النَّارَنْجِ، وَحَضَرَ النَّاسُ جِنَازَتَهُ، وَأَثْنَوْا عَلَيْهِ خَيْرًا، وَقَدْ جَاوَزَ الثَّمَانِينَ كَمَالِكٍ، ﵀، وَلَمْ يَبْلُغْ إِلَى سَبْعَ عَشْرَةَ مِنْ عُمْرِهِ عَلَى مُقْتَضَى مَذْهَبِهِ أَيْضًا. الْقَاضِي الصَّدْرُ الرَّئِيسُ، رَئِيسُ الْكُتَّابِ، شَرَفُ الدِّينِ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ جَمَالِ الدِّينِ فَضْلِ اللَّهِ بْنِ مُجَلِّي الْقُرَشِيُّ، الْعَدَوِيُّ، الْعُمَرِيُّ، وُلِدَ سَنَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ، وَخَدَمَ، وَارْتَفَعَتْ مَنْزِلَتُهُ حَتَّى كَتَبَ الْإِنْشَاءَ بِمِصْرَ، ثُمَّ نُقِلَ إِلَى كِتَابَةِ السِّرِّ بِدِمَشْقَ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ فِي ثَامِنِ رَمَضَانَ، وَدُفِنَ بَقَاسِيُونَ، وَقَدْ قَارَبَ التِّسْعِينَ وَهُوَ مُمَتَّعٌ بِحَوَاسِّهِ وَقُوَاهُ، وَكَانَتْ لَهُ عَقِيدَةٌ حَسَنَةٌ فِي الْعُلَمَاءِ، وَلَا سِيَّمَا فِي ابْنِ تَيْمِيَّةَ وَفِي الصُّلَحَاءِ، ﵀، وَقَدْ رَثَاهُ الشِّهَابُ مَحْمُودٌ كَاتِبُ السِّرِّ بَعْدَهُ بِدِمَشْقَ، وَعَلَاءُ الدِّينِ بْنُ غَانِمٍ، وَجَمَالُ الدِّينِ بْنُ نُبَاتَةَ. الْفَقِيهُ الْإِمَامُ، الْعَالَمُ الْمُنَاظِرُ، شَرَفُ الدِّينِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ الْإِمَامِ

стр. 11654

كَمَالِ الدِّينِ عَلِيِّ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ سَلَّامٍ الدِّمَشْقِيُّ الشَّافِعِيُّ، وُلِدَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَاشْتَغَلَ، وَبَرَعَ، وَحَصَّلَ، وَدَرَسَ بِالْجَارُوخِيَّةِ، وَالْعَذْرَاوِيَّةِ، وَأَعَادَ بِالظَّاهِرِيَّةِ، وَأَفْتَى بِدَارِ الْعَدْلِ، وَكَانَ وَاسِعَ الصَّدْرِ، كَثِيرَ الْهِمَّةِ، كَرِيمَ النَّفْسِ، مَشْكُورًا فِي فَهْمِهِ، وَخَطِّهِ، وَحِفْظِهِ، وَفَصَاحَتِهِ، وَمُنَاظَرَتِهِ، تُوُفِّيَ فِي رَابِعِ عِشْرِينَ رَمَضَانَ، وَتَرَكَ أَوْلَادًا، وَدَيْنًا كَثِيرًا، فَوَفَّتْهُ عَنْهُ زَوْجَتُهُ بِنْتُ زُوَيْزَانَ، تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنْهَا، وَأَحْسَنَ إِلَيْهَا. الصَّاحِبُ أَنِيسُ الْمُلُوكِ، بَدْرُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْإِرْبَلِيُّ، وُلِدَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَاشْتَغَلَ بِالْأَدَبِ فَحَصَلَ عَلَى جَانِبٍ جَيِّدٍ مِنْهُ، وَارْتَزَقَ عِنْدَ الْمُلُوكِ بِهِ، فَمِنْ رَقِيقِ شِعْرِهِ مَا أَوْرَدَهُ الشَّيْخُ عَلَمُ الدِّينِ فِي تَرْجَمَتِهِ قَوْلُهُ: وَمُدَامَةٍ حَمْرَاءَ تُشْ … بِهُ خَدَّ مَنْ أَهْوَى وَدَمْعِي يَسْعَى بِهِ قَمَرٌ أَعَزُّ … عَلَيَّ مِنْ نَظَرِي وَسَمْعِي وَقَوْلُهُ فِي مُغَنِّيَةٍ: وَغَرِيرَةٍ هَيْفَاءَ نَاعِمَةِ السَّنَا … طَوْعِ الْعِنَاقِ مَرِيضَةِ الْأَجْفَانِ غَنَّتْ وَمَاسَ قِوامُهَا فَكَأَنَّهَا الْ … وَرْقَاءُ تَسْجَعُ فَوْقَ غُصْنِ الْبَانِ

стр. 11655

الصَّدْرُ الرَّئِيسُ، شَرَفُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ جَمَالِ الدِّينِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ شَرَفِ الدِّينِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَمِينِ الدِّينِ سَالِمِ بْنِ الْحَافِظِ بَهَاءِ الدِّينِ الْحَسَنِ بْنِ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ مَحْفُوظِ بْنِ صَصْرَى، بَاشَرَ عِدَّةَ جِهَاتٍ، وَخَرَجَ مَعَ خَالِهِ قَاضِي الْقُضَاةِ ابْنِ صَصْرَى إِلَى الْحِجَازِ الشَّرِيفِ، فَلَمَّا كَانُوا بِبَرَدَى اعْتَرَاهُ مَرَضٌ، وَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى مَاتَ، تُوُفِّيَ بِمَكَّةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ مُلَبٍّ، فَشَهِدَ النَّاسُ جِنَازَتَهُ، وَغَبَطُوهُ بِهَذِهِ الْمَوْتَةِ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ آخِرَ النَّهَارِ سَابِعِ ذِي الْحِجَّةِ، وَدُفِنَ ضُحَى يَوْمِ السَّبْتِ بِمَقْبَرَةِ الْحَجُونِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَكْرَمَ مَثْوَاهُ.

стр. 11656

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانِ عَشْرَةَ وَسَبْعِمِائَةٍ الْخَلِيفَةُ وَالسُّلْطَانُ هُمَا هُمَا، وَكَذَلِكَ النُّوَّابُ وَالْقُضَاةُ، سِوَى الْمَالِكِيِّ بِدِمَشْقَ، فَإِنَّهُ الْعَلَّامَةُ فَخْرُ الدِّينِ بْنُ سَلَامَةَ، بَعْدَ الْقَاضِي جَمَالِ الدِّينِ الزَّوَاوِيِّ، ﵀. وَوَصَلَتِ الْأَخْبَارُ فِي الْمُحَرَّمِ مِنْ بِلَادِ الْجَزِيرَةِ وَبِلَادِ الشَّرْقِ: سِنْجَارَ، وَالْمَوْصِلَ، وَمَارِدِينَ، وَتِلْكَ النَّوَاحِي بِغَلَاءٍ عَظِيمٍ، وَفِنَاءٍ شَدِيدٍ، وَقِلَّةِ الْأَمْطَارِ، وَجَوْرِ التَّتَارِ، وَعَدَمِ الْأَقْوَاتِ، وَغَلَاءِ الْأَسْعَارِ، وَقِلَّةِ النَّفَقَاتِ، وَزَوَالِ النِّعَمِ، وَحُلُولِ النِّقَمِ، بِحَيْثُ إِنَّهُمْ أَكَلُوا مَا وَجَدُوهُ مِنَ الْجَمَادَاتِ، وَالْحَيَوَانَاتِ، وَالْمَيْتَاتِ، وَبَاعُوا حَتَّى أَوْلَادَهُمْ وَأَهَالِيَهُمْ، فَبِيعَ الْوَلَدُ بِخَمْسِينَ دِرْهَمًا وَأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، حَتَّى إِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ كَانُوا لَا يَشْتَرُونَ مِنْ أَوْلَادِ الْمُسْلِمِينَ تَأَثُّمًا، وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ تُصَرِّحُ بِأَنَّهَا نَصْرَانِيَّةٌ، لِيُشْتَرَى مِنْهَا وَلَدُهَا لِتَنْتَفِعَ بِثَمَنِهِ، وَيَحْصُلَ لَهَا مَنْ يُطْعِمُهُ فَيَعِيشُ، وَتَأْمَنَ عَلَيْهِ مِنَ الْهَلَاكِ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. وَجَرَتْ فِي تِلْكَ الْبِلَادِ أَحْوَالٌ صَعْبَةٌ يَطُولُ ذِكْرُهَا، وَتَنْبُو الْأَسْمَاعُ عَنْ وَصْفِهَا، وَقَدْ تَرَحَّلَتْ مِنْهُمْ فَرْقَةٌ قَرِيبُ الْأَرْبَعِمِائَةِ إِلَى نَاحِيَةِ مَرَاغَةَ، فَسَقَطَ عَلَيْهِمْ ثَلْجٌ أَهْلَكَهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ، وَصَحِبَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ فِرْقَةً مِنَ التَّتَارِ، فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَى

стр. 11657

عَقَبَةٍ صَعِدَهَا التَّتَارُ، ثُمَّ مَنَعُوهُمْ أَنْ يَصْعَدُوهَا لِئَلَّا يَتَكَلَّفُوا بِهِمْ، فَمَاتُوا عَنْ آخِرِهِمْ، فَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ. وَفِي بُكْرَةِ الِاثْنَيْنِ السَّابِعِ مِنْ صَفَرٍ قَدِمَ الْقَاضِي كَرِيمُ الدِّينِ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ الْعَلَمِ هِبَةِ اللَّهِ وَكِيلُ الْخَاصِّ السُّلْطَانِيِّ بِالْبِلَادِ جَمِيعِهَا - قَدِمَ إِلَى دِمَشْقَ فَنَزَلَ بِدَارِ السَّعَادَةِ، وَأَقَامَ بِهَا أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ، وَأَمَرَ بِبِنَاءِ جَامِعِ الْقُبَيْبَاتِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: جَامِعُ كَرِيمِ الدِّينِ. وَرَاحَ لِزِيَارَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَتَصَدَّقَ بِصَدَقَاتٍ كَثِيرَةٍ وَافِرَةٍ، وَشَرَعَ فِي بِنَاءِ جَامِعِهِ بَعْدَ سَفَرِهِ. وَفِي ثَانِي صَفَرٍ جَاءَتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ بِبِلَادِ طَرَابُلُسَ عَلَى بُيُوتِ مُقَدَّمِ تُرْكُمَانَ، فَأَهْلَكَتْ لَهُمْ شَيْئًا كَثِيرًا مِنَ الْأَمْتِعَةِ، وَقَتَلَتْ أَمِيرًا مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ: طَرَالِي، وَزَوْجَتَهُ، وَابْنَيْهِ، وَابْنَيِ ابْنَيْهِ، وَجَارِيَتَهُ، وَأَحَدَ عَشَرَ نَفْسًا، وَقَتَلَتْ جِمَالًا كَثِيرَةً وَغَيْرَهَا، وَكَسَرَتِ الْأَمْتِعَةَ وَالْأَثَاثَ، وَكَانَتْ تَرْفَعُ الْبَعِيرَ فِي الْهَوَاءِ مِقْدَارَ عَشَرَةِ أَرْمَاحٍ، ثُمَّ تُلْقِيهِ مُقَطَّعًا، ثُمَّ سَقَطَ بَعْدَ ذَلِكَ مَطَرٌ شَدِيدٌ، وَبَرَدٌ عَظِيمٌ، بِحَيْثُ أَتْلَفَ زُرُوعًا كَثِيرَةً فِي قُرًى عَدِيدَةٍ نَحْوٍ مَنْ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ قَرْيَةً، حَتَّى إِنَّهَا لَا تُرَّدُ بِدَارِهَا. وَفِي صَفَرٍ أُخْرِجَ الْأَمِيرُ سَيْفُ الدِّينِ طُغَاي الْخَاصِكِيُّ إِلَى نِيَابَةِ صَفَدَ، فَأُقِيمَ

стр. 11658

بِهَا شَهْرَيْنِ، ثُمَّ مُسِكَ، وَالصَّاحِبُ أَمِينُ الْمُلْكِ إِلَى نَظَرِ الدَّوَاوِينِ بِطَرَابُلُسَ عَلَى مَعْلُومٍ وَافِرٍ. قَالَ الشَّيْخُ عَلَمُ الدِّينِ: وَفِي يَوْمِ الْخَمِيسِ مُنْتَصَفِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ اجْتَمَعَ قَاضِي الْقُضَاةِ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ مُسَلَّمٍ بِالشَّيْخِ الْإِمَامِ الْعَلَّامَةِ تَقِيِّ الدِّينِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، وَأَشَارَ عَلَيْهِ بِتَرْكِ الْإِفْتَاءِ فِي مَسْأَلَةِ الْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ، فَقَبِلَ الشَّيْخُ نَصِيحَتَهُ، وَأَجَابَ إِلَى مَا أَشَارَ بِهِ رِعَايَةً لِخَاطِرِهِ وَخَوَاطِرِ الْجَمَاعَةِ الْمُفْتِينَ، ثُمَّ وَرَدَ الْبَرِيدُ فِي مُسْتَهَلِّ جُمَادَى الْأُولَى بِكِتَابٍ مِنَ السُّلْطَانِ فِيهِ مَنْعُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ مِنَ الْإِفْتَاءِ فِي مَسْأَلَةِ الْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ، وَعُقِدَ فِي ذَلِكَ مَجْلِسٌ، وَانْفَصَلَ الْحَالُ عَلَى مَا رَسَمَ بِهِ السُّلْطَانُ، وَنُودِيَ بِهِ فِي الْبَلَدِ، وَكَانَ قَبْلَ قُدُومِ الْمَرْسُومِ قَدِ اجْتَمَعَ بِالْقَاضِي ابْنِ مُسَلَّمٍ الْحَنْبَلِيِّ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفْتِينَ الْكِبَارِ، وَقَالُوا لَهُ أَنْ يَنْصَحَ الشَّيْخَ فِي تَرْكِ الْإِفْتَاءِ فِي مَسْأَلَةِ الطَّلَاقِ، فَعَلِمَ الشَّيْخُ نَصِيحَتَهُ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا قَصَدَ بِذَلِكَ تَرْكَ ثَوَرَانِ فِتْنَةٍ وَشَرٍّ. وَفِي عَاشِرِهِ جَاءَ الْبَرِيدُ إِلَى صَفَدَ بِمَسْكِ سَيْفِ الدِّينِ طُغَايْ، وَتَوْلِيَةِ بَدْرِ الدِّينِ الْقَرَمَانِيِّ نِيَابَةَ حِمْصَ. وَفِي هَذَا الشَّهْرِ كَانَ مَقْتَلُ رَشِيدِ الدَّوْلَةِ فَضْلِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْخَيْرِ بْنِ عَالِي الْهَمَذَانِيِّ، كَانَ أَصْلُهُ يَهُودِيًّا عَطَّارًا، فَتَقَدَّمَ بِالطِّبِّ، وَشَمِلَتْهُ السَّعَادَةُ حَتَّى صَارَ عِنْدَ خَرْبَنْدَا الْجُزْءَ الَّذِي لَا يَتَجَزَّأُ، وَعَلَتْ رُتْبَتُهُ وَكَلِمَتُهُ، وَتَوَلَّى مَنَاصِبَ الْوُزَرَاءِ، وَحَصَلَ لَهُ مِنَ الْأَمْوَالِ، وَالْأَمْلَاكِ، وَالسَّعَادَةِ مَا لَا يُحَدُّ وَلَا يُوصَفُ، وَكَانَ قَدْ أَظْهَرَ

стр. 11659

الْإِسْلَامَ، وَكَانَتْ لَدَيْهِ فَضَائِلُ جَمَّةٌ، وَقَدْ فَسَّرَ الْقُرْآنَ، وَصَنَّفَ كُتُبًا كَثِيرَةً، وَكَانَ لَهُ أَوْلَادٌ وَثَرْوَةٌ عَظِيمَةٌ، وَبَلَغَ الثَّمَانِينَ مِنَ الْعُمْرِ، وَكَانَتْ لَهُ يَدٌ جَيِّدَةٌ يَوْمَ الرَّحْبَةِ، فَإِنَّهُ صَانَعَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَتْقَنَ الْقَضِيَّةَ فِي رُجُوعِ مَلِكِ التَّتَرِ عَنِ الْبِلَادِ الشَّامِيَّةِ سَنَةَ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَكَانَ يُنَاصِحُ الْإِسْلَامَ، وَلَكِنْ قَدْ نَالَ مِنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، وَاتَّهَمُوهُ عَلَى الدِّينِ، وَتَكَلَّمُوا فِي تَفْسِيرِهِ هَذَا، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ كَانَ مُخَبِّطًا مُخَلِّطًا، وَلَيْسَ لَدَيْهِ عِلْمٌ نَافِعٌ، وَلَا عَمَلٌ صَالِحٌ. وَلَمَّا تَوَلَّى بُو سَعِيدٍ الْمَمْلَكَةَ عَزَلَهُ، وَبَقِيَ مُدَّةً خَامِلًا، ثُمَّ اسْتَدْعَاهُ جُوبَانُ، وَقَالَ لَهُ: أَنْتَ سَقَيْتَ السُّلْطَانَ خَرْبَنْدَا سُمًّا؟ فَقَالَ لَهُ: أَنَا كُنْتُ فِي غَايَةِ الْحَقَارَةِ وَالذِّلَّةِ، فَصِرْتُ فِي أَيَّامِهِ وَأَيَّامِ أَبِيهِ فِي غَايَةِ الْعَظَمَةِ وَالْعِزَّةِ، فَكَيْفَ أَعْمَدُ إِلَى سَقْيِهِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ! فَأُحْضِرَتِ الْأَطِبَّاءُ، فَذَكَرُوا صُورَةَ مَرَضِ خَرْبَنْدَا وَصِفَتَهُ، وَأَنَّ الرَّشِيدَ أَشَارَ بِإِسْهَالِهِ لِمَا عِنْدَهُ فِي بَاطِنِهِ مِنَ الْحَوَاصِلِ، فَانْطَلَقَ بَاطِنُهُ نَحْوًا مِنْ سَبْعِينَ مَجْلِسًا، فَمَاتَ، فَاعْتَرَفَ بِذَلِكَ عَلَى وَجْهِ أَنَّهُ أَخْطَأَ فِي الطِّبِّ، فَقَالَ: فَأَنْتَ إِذًا قَتَلْتَهُ، فَقَتَلَهُ وَوَلَدَهُ إِبْرَاهِيمَ، وَاحْتِيطَ عَلَى حَوَاصِلِهِ وَأَمْوَالِهِ، فَبَلَغَتْ شَيْئًا كَثِيرًا، وَقُطِّعَتْ أَعْضَاؤُهُ، وَحُمِلَ كُلُّ جُزْءٍ مِنْهَا إِلَى بَلْدَةٍ، وَنُودِيَ عَلَى رَأْسِهِ بِتِبْرِيزَ: هَذَا رَأْسُ الْيَهُودِيِّ الَّذِي بَدَّلَ كَلَامَ اللَّهِ، لَعَنَهُ اللَّهُ. ثُمَّ أُحْرِقَتْ جُثَّتُهُ، وَكَانَ الْقَائِمُ عَلَيْهِ عَلِيَّ شَاهْ. وَفِي هَذَا الشَّهْرِ - أَعْنِي: جُمَادَى الْأُولَى - تَوَلَّى قَضَاءَ الْمَالِكِيَّةِ بِمِصْرَ قَاضِي الْقُضَاةِ تَقِيُّ الدِّينِ الْأَخْنَائِيُّ عِوَضًا عَنْ زَيْنِ الدِّينِ بْنِ مَخْلُوفٍ، تُوُفِّيَ

стр. 11660

عَنْ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً، وَلَهُ فِي الْحُكْمِ ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً. وَفِي يَوْمِ الْخَمِيسِ عَاشِرِ رَجَبٍ لَبِسَ صَلَاحُ الدِّينِ يُوسُفُ بْنُ الْمَلِكِ الْأَوْحَدِ خِلْعَةَ الْإِمْرَةِ بِمَرْسُومِ السُّلْطَانِ. وَفِي آخِرِ رَجَبٍ جَاءَ سَيْلٌ عَظِيمٌ بِظَاهِرِ حِمْصَ، خَرَّبَ شَيْئًا يَسِيرًا، وَجَاءَ إِلَى الْبَلَدِ لِيَدْخُلَهَا، فَمَنَعَهُ الْخَنْدَقُ. وَفِي شَعْبَانَ تَكَامَلَ بِنَاءُ الْجَامِعِ الَّذِي عَمَرَهُ تَنْكِزُ ظَاهِرَ بَابِ النَّصْرِ، وَأُقِيمَتِ الْجُمُعَةُ فِيهِ يَوْمَ عَاشِرِ شَعْبَانَ، وَخَطَبَ فِيهِ الشَّيْخُ نَجْمُ الدِّينِ عَلِيُّ بْنُ دَاوُدَ بْنِ يَحْيَى الْحَنَفِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالْقَحْفَازِيِّ، مِنْ مَشَاهِيرِ الْفُضَلَاءِ ذَوِي الْفُنُونِ الْمُتَعَدِّدَةِ، وَحَضَرَ نَائِبُ السَّلْطَنَةِ، وَالْقُضَاةُ، وَالْأَعْيَانُ، وَالْقُرَّاءُ، وَالْمُنْشِدُونَ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا. وَفِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ الَّتِي تَلِيهَا خَطَبَ بِجَامِعِ الْقُبَيْبَاتِ الَّذِي أَنْشَأَهُ كَرِيمُ الدِّينِ وَكِيلُ السُّلْطَانِ، وَحَضَرَ فِيهِ الْقُضَاةُ وَالْأَعْيَانُ، وَخَطَبَ فِيهِ الشَّيْخُ شَمْسُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ يُوسُفَ بْنِ الْوَزِيرِ الْحَرَّانِيُّ الْأَسَدِيُّ الْحَنْبَلِيُّ، وَهُوَ مِنَ الصَّالِحِينَ الْكِبَارِ، ذَوِي الزَّهَادَةِ، وَالْعِبَادَةِ، وَالنُّسُكِ، وَالتَّوَجُّهِ، وَطِيبِ الصَّوْتِ، وَحُسْنِ السَّمْتِ. وَفِي حَادِي عَشَرَ رَمَضَانَ خَرَجَ الشَّيْخُ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ النَّقِيبِ إِلَى حِمْصَ حَاكِمًا بِهَا، مَطْلُوبًا مَسْئُولًا، مَرْغُوبًا فِيهِ، وَخَرَجَ النَّاسُ لِتَوْدِيعِهِ. وَفِي هَذَا الشَّهْرِ حَصَلَ سَيْلٌ عَظِيمٌ بِسَلَمْيَةَ، وَمِثْلُهُ بِالشَّوْبَكِ. وَخَرَجَ الْمَحْمَلُ فِي شَوَّالٍ وَأَمِيرُ الرَّكْبِ الْأَمِيرُ عَلَاءُ الدِّينِ بْنُ
следующие страницы →