← История

История · id 4445

البداية والنهاية - ت التركي

ابن كثير

Полный текст (13 161 стр.). Показаны 12881–12920 · переход к 12886.

стр. 12881

سَيْفٍ، عَنْ أَبِي مُعَاذٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ جُبِّ الْحَزَنِ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا جُبُّ الْحَزَنِ؟ قَالَ: «وَادٍ فِي جَهَنَّمَ تَسْتَعِيذُ جَهَنَّمُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ أَرْبَعَمِائَةِ مَرَّةٍ، أَعَدَّهُ اللَّهُ لِلْقُرَّاءِ الْمُرَائِينَ بِأَعْمَالِهِمْ، وَإِنَّ مِنْ أَبْغَضِ الْقُرَّاءِ إِلَى اللَّهِ الَّذِينَ يُؤَازِرُونَ الْأُمَرَاءَ الْجَوَرَةَ». وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ عَمَّارِ بْنِ سَيْفٍ، عَنْ أَبِي مُعَانٍ - وَهُوَ الصَّوَابُ - بِهِ. اخْتَصَرَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: غَرِيبٌ. وَعِنْدَهُ: «مِائَةُ مَرَّةٍ». وَبَسَطَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَعِنْدَهُ: «يَزُورُونَ الْأُمَرَاءَ الْجَوَرَةَ». جُبُّ الْفَلَقِ قَالَ هُشَيْمٌ: عَنِ الْعَوَّامِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْخَوْلَانِيِّ، قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ دِمَشْقَ، فَرَأَى مَا فِيهِ النَّاسُ مِنَ الْحِرْصِ عَلَى الدُّنْيَا، وَالشَّهَوَاتِ، وَمَا هُمْ فِيهِ مِنْ زِينَتِهَا، فَقَالَ: وَمَا يُغْنِي

стр. 12882

عَنْهُمْ ذَلِكَ؟ أَلَيْسَ مِنْ وَرَائِهِمُ الْفَلَقُ؟! قِيلَ لَهُ: وَمَا الْفَلَقُ؟ قَالَ: جُبٌّ فِي النَّارِ، إِذَا فُتِحَ هَرَّ مِنْهُ أَهْلُ النَّارِ. كَذَا، وَلَمْ يَقُلْ: فَرَّ مِنْهُ أَهْلُ النَّارِ، بَلْ هَرَّ مِنْهُ. كَذَا ذَكَرَ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ . ذِكْرُ وَادِي لَمْلَمَ قَالَ الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ: حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ فِي جَهَنَّمَ لَوَادِيًا يُقَالُ لَهُ: لَمْلَمُ. إِنَّ أَوْدِيَةَ جَهَنَّمَ لَتَسْتَعِيذُ بِاللَّهِ مِنْ حَرِّهِ». هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.

стр. 12883

ذِكْرُ نَهَرٍ فِيهَا هُوَ مِنْهَا بِمَنْزِلَةِ نَهَرِ الْقَلُوطِ مِنْ أَنْهَارِ الدُّنْيَا وَهُوَ مُجْتَمَعُ الْأَوْسَاخِ، وَالْأَقْذَارِ، وَالنَّتَنِ، أَعَاذَنَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى الْفُضَيْلِ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ حَدِيثِ أَبِي حَرِيزٍ، أَنَّ أَبَا بُرْدَةَ حَدَّثَهُ، عَنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «ثَلَاثَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ: مُدْمِنُ خَمْرٍ، وَقَاطِعُ رَحِمٍ، وَمُصَدِّقٌ بِالسِّحْرِ، وَمَنْ مَاتَ مُدْمِنًا لِلْخَمْرِ سَقَاهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ نَهَرِ الْغُوطَةِ». قِيلَ: وَمَا نَهَرُ الْغُوطَةِ؟ قَالَ: «نَهَرٌ يَجْرِي مِنْ فُرُوجِ الْمُومِسَاتِ، يُؤْذِي أَهْلَ النَّارِ رِيحُ فُرُوجِهِنَّ».

стр. 12884

ذِكْرُ وَادٍ أَوْ بِئْرٍ فِيهَا يُقَالُ لَهُ: هَبْهَبٌ قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا الْأَزْهَرُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى بِلَالِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا بِلَالُ، إِنَّ أَبَاكَ حَدَّثَنِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «إِنَّ فِي جَهَنَّمَ وَادِيًا يُقَالُ لَهُ: هَبْهَبٌ. حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُسْكِنَهُ كُلَّ جَبَّارٍ، فَإِيَّاكَ يَا بِلَالُ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَسْكُنُهُ». وَقَدْ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَزْهَرَ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ وَاسِعٍ، أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى بِلَالِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ أَبَاكَ حَدَّثَنِي، عَنْ جَدِّكَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ فِي جَهَنَّمَ وَادِيًا، فِي الْوَادِي بِئْرٌ يُقَالُ لَهُ: هَبْهَبٌ. حَقٌّ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُسْكِنَهُ كُلَّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ». تَفَرَّدَ بِهِ أَزْهَرُ بْنُ سِنَانٍ، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُ الْحُفَّاظِ، وَلَيَّنَهُ. ذِكْرُ وَيْلٍ وَصَعُودٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ [الْمُرْسَلَاتِ: ١٥]. وَقَالَ تَعَالَى:

стр. 12885

سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا [الْمُدَّثِّرِ: ١٧]. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ دَرَّاجٍ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «وَيْلٌ: وَادٍ فِي جَهَنَّمَ، يَهْوِي فِيهِ الْكَافِرُ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ قَعْرَهُ، وَالصَّعُودُ: جَبَلٌ مِنْ نَارٍ، يَتَصَعَّدُ فِيهِ سَبْعِينَ خَرِيفًا، ثُمَّ يَهْوِي بِهِ كَذَلِكَ فِيهِ أَبَدًا». وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُوسَى الْأَشْيَبِ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ دَرَّاجٍ، ثُمَّ قَالَ: غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ. (كَذَا قَالَ). وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ دَرَّاجٍ، بِهِ. وَبِكُلِّ حَالٍ فَهُوَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ، بَلْ مُنْكَرٌ، وَالْأَظْهَرُ فِي تَفْسِيرِ وَيْلٍ أَنَّهُ ضِدُّ السَّلَامَةِ وَالنَّجَاةِ، كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ: وَيْلٌ لَهُ، وَيَا وَيْلَهُ، وَوَيْلَهُ. وَقَدْ رَوَى الْبَزَّارُ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، مِنْ حَدِيثِ شَرِيكٍ الْقَاضِي، عَنْ عَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ:

стр. 12886

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا. قَالَ: «هُوَ جَبَلٌ فِي النَّارِ مِنْ نَارٍ، يُكَلَّفُ أَنْ يَصْعَدَهُ، فَإِذَا وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ ذَابَتْ، فَإِذَا رَفَعَهَا عَادَتْ، وَإِذَا وَضَعَ رِجْلَهُ عَلَيْهِ ذَابَتْ، فَإِذَا رَفَعَهَا عَادَتْ». وَقَالَ قَتَادَةُ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: صَعُودٌ: صَخْرَةٌ فِي جَهَنَّمَ، يُسْحَبُ عَلَيْهَا الْكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: صَعُودٌ: صَخْرَةٌ مَلْسَاءُ فِي جَهَنَّمَ، يُكَلَّفُ أَنْ يَصْعَدَهَا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا. أَيْ مَشَقَّةً مِنَ الْعَذَابِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: عَذَابًا لَا رَاحَةَ فِيهِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. ذِكْرُ حَيَّاتِهَا وَعَقَارِبِهَا، أَعَاذَنَا اللَّهُ مِنْهَا بِرَحْمَتِهِ قَالَ تَعَالَى: سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [آلِ عِمْرَانَ: ١٨٠]. وَثَبَتَ فِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ،

стр. 12887

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنْ صَاحِبِ كَنْزٍ لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهُ إِلَّا مُثِّلَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ، لَهُ زَبِيبَتَانِ، يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ فَيَقُولُ: أَنَا مَالُكَ، أَنَا كَنْزُكَ». وَفِي رِوَايَةٍ: «يَفِرُّ مِنْهُ، وَهُوَ يَتْبَعُهُ، وَيَتَّقِي مِنْهُ، فَيُلْقِمُهُ يَدَهُ، ثُمَّ يُطَوِّقُهُ». وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ. وَقَدْ رُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا. وَقَالَ الْأَعْمَشُ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ [النَّحْلِ: ٨٨]. قَالَ: زِيدُوا عَقَارِبَ، لَهَا أَذْنَابٌ كَالنَّخْلِ الطِّوَالِ.

стр. 12888

وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ، عَنِ الْحَاكِمِ، عَنِ الْأَصَمِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ أَصْبَغَ بْنِ الْفَرَجِ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، أَنَّ دَرَّاجًا أَبَا السَّمْحِ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ الزُّبَيْدِيَّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «إِنَّ فِي النَّارِ لِحَيَّاتٍ أَمْثَالَ أَعْنَاقِ الْبُخْتِ، يَلْسَعْنَ اللَّسْعَةَ فَيَجِدُ حُمُوَّتَهَا أَرْبَعِينَ خَرِيفًا، وَإِنَّ فِيهَا لَعَقَارِبَ كَالْبِغَالِ الْمُؤَكَّفَةِ، يَلْسَعْنَ اللَّسْعَةَ فَيَجِدُ حُمُوَّتَهَا أَرْبَعِينَ خَرِيفًا. وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الْحَنْظَلِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ، أَبُو الْجُمَاهِرِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يُوسُفَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَّامٍ، حَدَّثَنِي الْحَجَّاجُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الثُّمَالِيُّ - وَكَانَ قَدْ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ ، وَحَجَّ مَعَهُ حَجَّةَ الْوَدَاعِ - أَنَّ نُفَيْرَ بْنَ مُجِيبٍ - وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَقُدَمَائِهِمْ - قَالَ: إِنَّ فِي جَهَنَّمَ سَبْعِينَ أَلْفَ وَادٍ، فِي كُلِّ وَادٍ سَبْعُونَ أَلْفَ شِعْبٍ، فِي كُلِّ شِعْبٍ سَبْعُونَ أَلْفَ دَارٍ، فِي كُلِّ دَارٍ سَبْعُونَ أَلْفَ بَيْتٍ، فِي كُلِّ بَيْتٍ سَبْعُونَ أَلْفَ شِقٍّ، فِي كُلِّ شِقٍّ سَبْعُونَ أَلْفَ ثُعْبَانٍ، فِي شِدْقِ كُلِّ

стр. 12889

ثُعْبَانٍ سَبْعُونَ أَلْفَ عَقْرَبٍ، لَا يَنْتَهِي الْكَافِرُ وَالْمُنَافِقُ حَتَّى يُوَاقِعَ ذَلِكَ كُلَّهُ، وَهَذَا مَوْقُوفٌ، وَغَرِيبٌ جِدًّا، بَلْ مُنْكَرٌ نَكَارَةً شَدِيدَةً، وَسَعِيدُ بْنُ يُوسُفَ هَذَا - الَّذِي حَدَّثَ عَنْهُ بِهِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ - مَجْهُولٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَبِتَقْدِيرِ رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ لَهُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ; وَهُوَ حِجَازِيٌّ، وَإِسْمَاعِيلُ فِي غَيْرِ الشَّامِيِّينَ غَيْرُ مَقْبُولٍ، وَقَدْ ذَكَرَ هَذَا الْأَثَرَ الْبُخَارِيُّ فِي» تَارِيخِهِ الْكَبِيرِ «، بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ فِي تَفْسِيرِ:» غَيٍّ «وَ» أَثَامٍ «، أَنَّهُمَا وَادِيَانِ مِنْ أَوْدِيَةِ جَهَنَّمَ، أَجَارَنَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْهَا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا [الْكَهْفِ: ٥٢]. قَالَ: هُوَ نَهَرٌ مِنْ قَيْحٍ وَدَمٍ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وَمُجَاهِدٌ: هُوَ وَادٍ مِنْ أَوْدِيَةِ جَهَنَّمَ. زَادَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: عَمِيقٌ، فُرِقَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْنَ أَهْلِ الْهُدَى، وَأَهْلِ الضَّلَالَةِ. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ، عَنِ الْحَاكِمِ، عَنِ الْأَصَمِّ، عَنْ عَبَّاسٍ الدُّورِيِّ، عَنِ ابْنِ مَعِينٍ، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنِ الْعَوَّامِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ

стр. 12890

الْخَوْلَانِيِّ، قَالَ: قَدِمِ عَلَيْنَا رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ دِمَشْقَ، فَرَأَى مَا فِيهِ النَّاسُ - يَعْنِي مِنَ الدُّنْيَا - فَقَالَ: وَمَا يُغْنِي عَنْهُمْ، أَلَيْسَ مِنْ وَرَائِهِمُ الْفَلَقُ؟ وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْأَثَرُ. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ، عَنِ الْحَاكِمِ وَغَيْرِهِ، عَنِ الْأَصَمِّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَرْزُوقٍ بِمِصْرَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ مَنْصُورٌ وَقَرَأْتُهُ عَلَيْهِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ شَجَرَةَ، وَكَانَ يَزِيدُ بْنُ شَجَرَةَ رَجُلًا مِنَ الزُّهَّادِ، وَكَانَ مُعَاوِيَةُ يَسْتَعْمِلُهُ عَلَى الْجُيُوشِ، فَخَطَبَنَا يَوْمًا، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، مَا أَحْسَنَ أَثَرَ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْكُمْ لَوْ تَرَوْنَ مَا أَرَى مِنْ بَيْنِ أَحْمَرَ وَأَصْفَرَ وَمِنْ كُلِّ لَوْنٍ، وَفِي الرِّحَالِ مَا فِيهَا، إِنَّهُ إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فُتِحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَأَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَأَبْوَابُ النَّارِ، وَإِذَا الْتَقَى الصَّفَّانِ فُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَأَبْوَابُ النَّارِ وَزُيِّنَ الْحُورُ الْعِينُ فَيَطَّلِعْنَ، فَإِذَا أَقْبَلَ أَحَدُكُمْ بِوَجْهِهِ إِلَى الْقِتَالِ، قُلْنَ: اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ، اللَّهُمَّ انْصُرْهُ. وَإِذَا أَدْبَرَ احْتَجَبْنَ عَنْهُ، وَقُلْنَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، فَانْهَكُوا وُجُوهَ الْقَوْمِ، فِدَاكُمْ أَبِي وَأُمِّي، فَإِنَّ أَوَّلَ

стр. 12891

قَطْرَةٍ تَقْطُرُ مِنْ دَمِ أَحَدِكُمْ يَحُطُّ اللَّهُ بِهَا عَنْهُ خَطَايَاهُ، كَمَا يَحُطُّ الْغُصْنُ مِنْ وَرَقِ الشَّجَرِ، وَتَبْتَدِرُهُ اثْنَتَانِ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ وَيَمْسَحَانِ التُّرَابَ عَنْ وَجْهِهِ، وَتَقُولَانِ: فِدَانَا لَكَ. وَيَقُولُ: فِدَانَا لَكُمَا. فَيُكْسَى مِائَةَ حُلَّةٍ لَوْ وُضِعَتْ بَيْنَ إِصْبَعِي هَاتَيْنِ لَوَسِعَتَاهُنَّ، لَيْسَتْ مِنْ نَسْجِ بَنِي آدَمَ، وَلَكِنَّهَا مِنْ ثِيَابِ الْجَنَّةِ، إِنَّكُمْ مَكْتُوبُونَ عِنْدَ اللَّهِ بِأَسْمَائِكُمْ وَسِيمَاكُمْ وَنَجْوَاكُمْ وَحُلَاكُمْ وَمَجَالِسِكُمْ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ قِيلَ: يَا فُلَانُ، هَذَا نُورُكَ، يَا فُلَانُ، لَا نُورَ لَكَ، وَإِنَّ لِجَهَنَّمَ جِبَابًا مِنْ سَاحِلٍ كَسَاحِلِ الْبَحْرِ، فِيهِ هَوَامٌّ وَحَيَّاتٌ كَالْبَخَاتِيِّ، وَعَقَارِبُ كَالْبِغَالِ الدُّلْمِ، أَوْ كَالدُّلْمِ الْبِغَالِ، فَإِذَا سَأَلَ أَهْلُ النَّارِ التَّخْفِيفَ قِيلَ: اخْرُجُوا إِلَى السَّاحِلِ. فَتَأْخُذُهُمْ تِلْكَ الْهَوَامُّ بِشِفَاهِهِمْ وَجَنُوبِهِمْ، وَبِمَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ، فَتَكْشِطُهَا فَيَرْجِعُونَ، فَيُبَادِرُونَ إِلَى مُعْظَمِ النَّارِ، وَيُسَلَّطُ عَلَيْهِمُ الْجَرَبُ، حَتَّى إِنَّ أَحَدَهُمْ لَيَحُكُّ جِلْدَهُ حَتَّى يَبْدُوَ الْعَظْمُ، فَيُقَالُ لَهُ: يَا

стр. 12892

فُلَانُ، هَلْ يُؤْذِيكَ هَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُقَالُ لَهُ: ذَلِكَ بِمَا كُنْتَ تُؤْذِي الْمُؤْمِنِينَ. وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :» مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الْجَنَّةَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَالَتِ الْجَنَّةُ: اللَّهُمَّ أَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ. وَمَنِ اسْتَجَارَ مِنَ النَّارِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَالَتِ النَّارُ: اللَّهُمَّ أَجِرْهُ مِنَ النَّارِ «. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، أَوْ عَنِ ابْنِ حُجَيْرَةِ الْأَكْبَرِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ أَحَدَهُمَا حَدَّثَهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ:» إِذَا كَانَ يَوْمٌ حَارٌّ أَلْقَى اللَّهُ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ إِلَى أَهْلِ السَّمَاءِ وَأَهْلِ الْأَرْضِ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، مَا أَشَدَّ حَرَّ هَذَا الْيَوْمِ، اللَّهُمَّ أَجِرْنِي مِنْ حَرِّ نَارِ جَهَنَّمَ. قَالَ اللَّهُ لِجَهَنَّمَ: إِنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِي قَدِ اسْتَجَارَ بِي مِنْكِ، وَإِنِّي أُشْهِدُكِ أَنِّي قَدْ أَجَرْتُهُ. وَإِذَا كَانَ يَوْمٌ شَدِيدُ الْبَرْدِ أَلْقَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ إِلَى أَهْلِ السَّمَاءِ وَأَهْلِ الْأَرْضِ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، مَا أَشَدَّ بَرْدَ هَذَا الْيَوْمِ، اللَّهُمَّ أَجِرْنِي مِنْ زَمْهَرِيرِ جَهَنَّمَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِجَهَنَّمَ: إِنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِي قَدِ اسْتَجَارَ بِي مِنْ زَمْهَرِيرِكِ، وَإِنِّي أُشْهِدُكِ أَنِّي قَدْ أَجَرْتُهُ «. قَالُوا: وَمَا زَمْهَرِيرُ جَهَنَّمَ؟ قَالَ:» جُبٌّ يُلْقَى فِيهِ الْكَافِرُ فَيَتَمَيَّزُ مِنْ شِدَّةِ الْبَرْدِ بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ ".

стр. 12893

فَصْلٌ (دَرَكَاتُ جَهَنَّمَ) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: قَالَ الْعُلَمَاءُ: أَعْلَى الدَّرَكَاتِ جَهَنَّمُ، وَهِيَ مُخْتَصَّةٌ بِالْعُصَاةِ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَهِيَ الَّتِي تَخْلُو مِنْ أَهْلِهَا، فَتَصْفِقُ الرِّيَاحُ أَبْوَابَهَا، ثُمَّ لَظَى، ثُمَّ الْحُطَمَةُ، ثُمَّ السَّعِيرُ، ثُمَّ سَقَرُ، ثُمَّ الْجَحِيمُ، ثُمَّ الْهَاوِيَةُ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: فِي الدَّرْكِ الْأَعْلَى الْمُحَمَّدِيُّونَ، وَفِي الثَّانِي النَّصَارَى، وَفِي الثَّالِثِ الْيَهُودُ، وَفِي الرَّابِعِ الصَّابِئُونَ، وَفِي الْخَامِسِ الْمَجُوسُ، وَفِي السَّادِسِ مُشْرِكُو الْعَرَبِ، وَفِي السَّابِعِ الْمُنَافِقُونَ. قُلْتُ: هَذِهِ الْمَرَاتِبُ وَالْمَنَازِلُ، وَتَخْصِيصُهَا بِهَؤُلَاءِ، مِمَّا يَحْتَاجُ إِثْبَاتُهُ إِلَى سَنَدٍ صَحِيحٍ إِلَى الْمَعْصُومِ الَّذِي لَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، أَوْ قُرْآنٍ نَاطِقٍ بِذَلِكَ، وَلَكِنْ مَعْلُومٌ أَنَّ هَؤُلَاءِ كُلَّهُمْ يَدْخُلُونَ النَّارَ، وَكَوْنُهُمْ يَكُونُونَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ فِي الْأَخْبَارِ، وَعَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ، فَأَمَّا الْمُنَافِقُونَ فَفِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ لَا مَحَالَةَ.

стр. 12894

قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فَمِنْ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ مَا هُوَ عَلَمٌ لِلنَّارِ كُلِّهَا بِجُمْلَتِهَا، نَحْوُ جَهَنَّمُ، وَسَعِيرٌ، وَلَظَى، فَهَذِهِ أَعْلَامٌ لَيْسَتْ لِبَابٍ دُونَ بَابٍ. وَصَدَقَ فِيمَا قَالَ. وَقَالَ حَرْمَلَةُ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو أَنَّ دَرَّاجًا أَبَا السَّمْحِ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ الزُّبَيْدِيَّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ فِي النَّارِ لَحَيَّاتٍ أَمْثَالَ أَعْنَاقِ الْبُخْتِ». وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ. وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو يَزِيدَ الْقَرَاطِيسِيُّ، حَدَّثَنَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنِ الرَّبِيعِ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ [النَّحْلِ: ٨٨]. قَالَ: «عَقَارِبُ أَمْثَالُ النَّخْلِ الطِّوَالِ، تَنْهَشُهُمْ فِي جَهَنَّمَ». وَقَدْ رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَوْلَهُ، وَتَقَدَّمَ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا شُجَاعُ بْنُ الْأَشْرَسِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ

стр. 12895

كَعْبِ الْأَحْبَارِ، قَالَ: حَيَّاتُ جَهَنَّمَ أَمْثَالُ الْأَوْدِيَةِ، وَعَقَارِبُهَا أَمْثَالُ الْقِلَالِ، وَإِنَّ لَهَا لَأَذْنَابًا كَأَمْثَالِ الرِّمَاحِ، تَلْقَى إِحْدَاهُنَّ الْكَافِرَ فَتَلْسَعُهُ، فَيَتَنَاثَرُ لَحْمُهُ عَلَى قَدَمَيْهِ. ذِكْرُ بُكَاءِ أَهْلِ النَّارِ فِيهَا قَالَ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ أَبِي خِدَاشٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، ابْكُوا، فَإِنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَبَاكَوْا، فَإِنَّ أَهْلَ النَّارِ يَبْكُونَ فِي النَّارِ حَتَّى تَسِيلَ دُمُوعُهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ كَأَنَّهَا جَدَاوِلُ، حَتَّى تَنْقَطِعَ الدُّمُوعُ، فَتَسِيلُ فَتُقَرِّحَ الْعُيُونَ، فَلَوْ أَنَّ سُفُنًا أُرْسِلَتْ فِيهَا لَجَرَتْ». وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسٍ بِنَحْوِهِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ الْجَزَرِيُّ، عَنْ

стр. 12896

زَيْدِ بْنِ رُفَيْعٍ، رَفَعَهُ، قَالَ: «إِنَّ أَهْلَ النَّارِ إِذَا دَخَلُوا النَّارَ بَكَوُا الدُّمُوعَ زَمَانًا، ثُمَّ بَكَوُا الْقَيْحَ زَمَانًا، فَيَقُولُ لَهُمُ الْخَزَنَةُ: يَا مَعْشَرَ الْأَشْقِيَاءِ، تَرَكْتُمُ الْبُكَاءَ فِي الدَّارِ الْمَرْحُومِ فِيهَا أَهْلُهَا وَتَبْكُونَ فِي الدَّارِ الَّتِي لَا يُرْحَمُ أَهْلُهَا، هَلْ تَجِدُونَ الْيَوْمَ مَنْ تَسْتَغِيثُونَ بِهِ؟» قَالَ: «فَيَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، يَا مَعْشَرَ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ وَالْأَوْلَادِ، خَرَجْنَا مِنَ الْقُبُورِ عِطَاشًا، وَكُنَّا طُولَ الْمَوْقِفِ عِطَاشًا، وَنَحْنُ الْيَوْمُ فِي النَّارِ عِطَاشٌ، فَأَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ.» قَالَ: «فَيَدْعُونَ أَرْبَعِينَ سَنَةً لَا يُجِيبُهُمْ أَحَدٌ، ثُمَّ يُجِيبُهُمْ مَالِكٌ: إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ قَالَ؟» فَيَيْأَسُونَ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ «. قَوْلُهُ تَعَالَى: تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ [الْمُؤْمِنُونَ: ١٠٤]. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ - هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ أَبُو شُجَاعٍ، عَنْ أَبِي السَّمْحِ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ قَالَ:» تَشْوِيهِ النَّارُ، فَتَقْلِصُ شَفَتُهُ الْعُلْيَا حَتَّى تَبْلُغَ وَسَطَ رَأْسِهِ، وَتَسْتَرْخِي شَفَتُهُ

стр. 12897

السُّفْلَى حَتَّى تَبْلُغَ سُرَّتَهُ «. وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ سُوَيْدٍ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، بِهِ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. وَقَالَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْقَزَّازُ، حَدَّثَنَا الْخَضِرُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ يُوسُفَ الْقَطَّانُ، حَدَّثَنَا عَمُّ الْحَارِثِ بْنِ الْخَضِرِ الْقَطَّانُ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ، عَنْ أَخِيهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ قَالَ:» تَلْفَحُهُمْ لَفْحَةً، فَتَسِيلُ لُحُومُهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ ". أَجَارَنَا اللَّهُ مِنْهَا، آمِينَ. أَحَادِيثُ شَتَّى فِي صِفَةِ النَّارِ وَأَهْلِهَا قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الشَّعْثَاءِ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ نَافِعٍ الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا اجْتَمَعَ أَهْلُ النَّارِ فِي النَّارِ، وَمَعَهُمْ مَنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ، قَالَ الْكُفَّارُ لِلْمُسْلِمِينَ: أَلَمْ تَكُونُوا

стр. 12898

مُسْلِمِينَ؟ قَالُوا: بَلَى. قَالُوا: فَمَا أَغْنَى عَنْكُمُ الْإِسْلَامُ، وَقَدْ صِرْتُمْ مَعَنَا فِي النَّارِ؟ قَالُوا: كَانَتْ لَنَا ذُنُوبٌ، فَأُخِذْنَا بِهَا. فَسَمِعَ اللَّهُ مَا قَالُوا، فَأَمَرَ بِمَنْ كَانَ فِي النَّارِ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ فَأُخْرِجُوا، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ مَنْ بَقِيَ فِي النَّارِ مِنَ الْكُفَّارِ قَالُوا: يَا لَيْتَنَا كُنَّا مُسْلِمِينَ، فَنَخْرُجُ كَمَا خَرَجُوا». قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ ﷺ : «أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ رُبَّمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ [الْحِجْرِ: ١، ٢]. وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي أُسَامَةَ: أَحَدَّثَكُمْ أَبُو رَوْقٍ عَطِيَّةُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ أَبِي طَرِيفٍ، سَأَلْتُ أَبَا سَعِيدِ الْخُدْرِيَّ، فَقُلْتُ لَهُ: هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: رُبَّمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ؟ قَالَ: نَعَمْ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ:» يُخْرِجُ اللَّهُ نَاسًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ النَّارِ بَعْدَ مَا يَأْخُذُ نِقْمَتَهُ مِنْهُمْ «. وَقَالَ:» لَمَّا أَدْخَلَهُمُ اللَّهُ النَّارَ مَعَ الْمُشْرِكِينَ قَالَ لَهُمُ الْمُشْرِكُونَ: تَزْعُمُونَ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا، فَمَا بَالُكُمْ مَعَنَا فِي النَّارِ؟ فَإِذَا سَمِعَ اللَّهُ ذَلِكَ مِنْهُمْ أَذِنَ فِي الشَّفَاعَةِ لَهُمْ، فَيَشْفَعُ الْمَلَائِكَةُ وَالنَّبِيُّونَ، وَيَشْفَعُ الْمُؤْمِنُونَ، حَتَّى يَخْرُجُوا بِإِذْنِ اللَّهِ، فَإِذَا رَأَى الْمُشْرِكُونَ ذَلِكَ قَالُوا: يَا لَيْتَنَا كُنَّا مِثْلَهُمْ، فَتُدْرِكَنَا الشَّفَاعَةُ، فَنَخْرُجَ مَعَهُمْ. قَالَ. فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ فَيُسَمَّوْنَ فِي الْجَنَّةِ: الْجَهَنَّمِيُّونَ. مِنْ أَجْلِ سَوَادٍ فِي وُجُوهِهِمْ، فَيَقُولُونَ: يَا رَبَّنَا، أَذْهِبْ عَنَّا هَذَا الِاسْمَ. فَيَأْمُرُهُمْ، فَيَغْتَسِلُونَ فِي نَهَرِ الْجَنَّةِ، فَيَذْهَبُ ذَلِكَ الِاسْمُ عَنْهُمْ «. فَأَقَرَّ بِهِ أَبُو أُسَامَةَ، وَقَالَ: نَعَمْ.

стр. 12899

وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ - هُوَ الْأَخْرَمُ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ الطُّوسِيُّ، حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ إِسْحَاقَ الْجِهْبِذُ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، حَدَّثَنَا مُعَرِّفُ بْنُ وَاصِلٍ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ أَبِي نُبَاتَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمِنِ الْأَغَرِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :» إِنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَدْخُلُونَ النَّارَ بِذُنُوبِهِمْ، فَيَقُولُ لَهُمْ أَهْلُ اللَّاتِ وَالْعُزَّى: مَا أَغْنَى عَنْكُمْ قَوْلُكُمْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَأَنْتُمْ مَعَنَا فِي النَّارِ؟ فَيَغْضَبُ اللَّهُ لَهُمْ فَيُخْرِجُهُمْ، فَيُلْقِيهِمْ فِي نَهَرِ الْحَيَاةِ، فَيَبْرَءُونَ مِنْ حَرَقِهِمْ، كَمَا يَبْرَأُ الْقَمَرُ مِنْ كُسُوفِهِ، فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، وَيُسَمَّوْنَ فِيهَا الْجَهَنَّمِيِّينِ «. فَقَالَ رَجُلٌ: يَا أَنَسُ، أَنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالَ أَنَسٌ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:» مَنْ كَذِبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ ". نَعَمْ، أَنَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ هَذَا. قَالَ الطَّبَرَانِيُّ: لَمْ يَرْوِهِ عَنْ مُعَرِّفِ بْنِ وَاصِلٍ إِلَّا صَالِحُ بْنُ إِسْحَاقَ الْجِهْبِذُ. أَثَرٌ غَرِيبٌ وَسِيَاقٌ عَجِيبٌ وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنَا طَلْحَةُ

стр. 12900

بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبْجَرَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُقَادُ بِسَبْعِينَ أَلْفَ زِمَامٍ، آخِذٌ بِكُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، وَهَى تَمَايَلُ عَلَيْهِمْ حَتَّى تُوقَفَ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ، وَيُلْقِي اللَّهُ عَلَيْهَا الذُّلَّ يَوْمَئِذٍ، فَيُوحِي اللَّهُ إِلَيْهَا: مَا هَذَا الذُّلُّ؟ فَتَقُولُ: يَا رَبِّ، أَخَافُ أَنْ يَكُونَ لَكَ فِيَّ نِقْمَةٌ. فَيُوحِي اللَّهُ إِلَيْهَا: إِنَّمَا خَلَقْتُكِ نِقْمَةً، وَلَيْسَ لِي فِيكِ نِقْمَةٌ. فَيُوحِي اللَّهُ إِلَيْهَا، فَتَزْفَرُ زَفْرَةً لَا تَبْقَى دَمْعَةٌ فِي عَيْنٍ إِلَّا جَرَتْ. قَالَ: ثُمَّ تَزْفَرُ أُخْرَى، فَلَا يَبْقَى مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ إِلَّا صَعِقَ، إِلَّا نَبِيُّكُمْ نَبِيُّ الرَّحْمَةِ ﷺ ، يَقُولُ: يَا رَبِّ، أُمَّتِي أُمَّتِي. أَثَرٌ آخَرُ مَنْ أَغْرَبِ الْآثَارِ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ الْأَصْبَهَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْجُنَيْدِ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ ابْنِ عَائِشَةَ، حَدَّثَنَا سَلْمٌ الْخَوَّاصُ، عَنْ فُرَاتِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ زَاذَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ الْأَحْبَارِ يَقُولُ: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ جَمْعَ اللَّهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَنَزَلَتِ الْمَلَائِكَةُ، فَصَارُوا صُفُوفًا، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: يَا جِبْرِيلُ

стр. 12901

ائْتِنِي بِجَهَنَّمَ. فَيَأْتِي بِهَا جِبْرِيلُ تُقَادُ بِسَبْعِينَ أَلْفَ زِمَامٍ، حَتَّى إِذَا كَانَتْ مِنَ الْخَلَائِقِ عَلَى قَدْرِ مِائَةِ عَامٍ زَفَرَتْ زَفْرَةً طَارَتْ لَهَا أَفْئِدَةُ الْخَلَائِقِ، ثُمَّ زَفَرَتْ ثَانِيَةً، فَلَا يَبْقَى مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ إِلَّا جَثَا لِرُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ زَفَرَتِ الثَّالِثَةَ، فَتَبْلُغُ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ، وَتَذْهَلُ الْعُقُولُ، فَيَفْزَعُ كُلُّ امْرِئٍ إِلَى عَمَلِهِ، حَتَّى إِنَّ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ، ﵇، يَقُولُ: بِخُلَّتِي لَا أَسْأَلُكَ إِلَّا نَفْسِي. وَيَقُولُ مُوسَى ﵇: بِمُنَاجَاتِي لَا أَسْأَلُكَ إِلَّا نَفْسِي. وَإِنَّ عِيسَى، ﵇، لَيَقُولُ: بِمَا أَكْرَمَتْنِي لَا أَسْأَلُكَ إِلَّا نَفْسِي، لَا أَسْأَلُكَ مَرْيَمَ الَّتِي وَلَدَتْنِي. وَمُحَمَّدٌ ﷺ يَقُولُ: أُمَّتِي أُمَّتِي، لَا أَسْأَلُكَ الْيَوْمَ نَفْسِي، إِنَّمَا أَسْأَلُكَ أُمَّتِي. قَالَ: فَيُجِيبُهُ الْجَلِيلُ ﷻ : أَوْلِيَائِي مِنْ أُمَّتِكَ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ، فَوَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَأُقِرَّنَّ عَيْنَكَ فِي أُمَّتِكَ. ثُمَّ تَقِفُ الْمَلَائِكَةُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ، يَنْتَظِرُونَ مَا يُؤَمَرُونَ بِهِ، فَيَقُولُ لَهُمُ الرَّبُّ تَعَالَى وَتَقَدَّسَ: مَعَاشِرَ الزَّبَانِيَةِ، انْطَلِقُوا بِالْمُصِرِّينَ مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ إِلَى النَّارِ، فَقَدِ اشْتَدَّ غَضَبِي عَلَيْهِمْ بِتَهَاوُنِهِمْ بِأَمْرِي فِي دَارِ الدُّنْيَا، وَاسْتِخْفَافِهِمْ بِحَقِّي، وَانْتِهَاكِهِمْ حُرْمَتِي، يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ، وَيُبَارِزُونِي بِالْمَعَاصِي مَعَ كَرَامَتِي لَهُمْ، وَتَفْضِيلِي إِيَّاهُمْ عَلَى الْأُمَمِ، وَلَمْ يَعْرِفُوا فَضْلِي، وَعِظَمَ نِعْمَتِي. فَعِنْدَهَا تَأْخُذُ الزَّبَانِيَةُ بِلِحَى الرِّجَالِ، وَذَوَائِبِ النِّسَاءِ، فَيَنْطَلِقُونَ بِهِمْ إِلَى النَّارِ، وَمَا مِنْ عَبْدٍ يُسَاقُ إِلَى النَّارِ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِلَّا مُسْوَدًّا وَجْهُهُ، وَقَدْ وُضِعَتِ الْأَنْكَالُ فِي قَدَمَيْهِ، وَالْأَغْلَالُ فِي عُنُقِهِ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَإِنَّهُمْ يُسَاقُونَ بِأَلْوَانِهِمْ، فَإِذَا وَرَدُوا عَلَى مَالِكٍ قَالَ

стр. 12902

لَهُمْ: مُعَاشِرَ الْأَشْقِيَاءِ، مِنْ أَيِّ أُمَّةٍ أَنْتُمْ؟ فَمَا وَرَدَ عَلَيَّ أَحْسَنُ وُجُوهًا مِنْكُمْ. فَيَقُولُونَ: يَا مَالِكُ، نَحْنُ مِنْ أُمَّةِ الْقُرْآنِ. فَيَقُولُ لَهُمْ: مَعَاشِرَ الْأَشْقِيَاءِ، أَوَلَيْسَ الْقُرْآنُ أُنْزِلُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ ؟ قَالَ: فَيَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ بِالنَّحِيبِ وَالْبُكَاءِ: وَامُحَمَّدَاهُ، يَا مُحَمَّدُ، اشْفَعْ لِمَنْ آمَنَ بِكَ مِمَّنْ أُمِرَ بِهِ إِلَى النَّارِ مِنْ أُمَّتِكَ. قَالَ: فَيُنَادَى مَالِكٌ، بِتَهَدُّدٍ وَانْتِهَارٍ: يَا مَالِكُ، مَنْ أَمَرَكَ بِمُعَاتَبَةِ الْأَشْقِيَاءِ وَمُحَادَثَتِهِمْ، وَالتَّوَقُّفِ عَنْ إِدْخَالِهِمُ الْعَذَابَ؟ يَا مَالِكُ، لَا تُسَوِّدْ وُجُوهَهُمْ، فَقَدْ كَانُوا يَسْجُدُونَ لِي بِهَا فِي دَارِ الدُّنْيَا، يَا مَالِكُ لَا تُغِلَّهُمْ بِالْأَغْلَالِ؟ فَقَدْ كَانُوا يَغْتَسِلُونَ مِنَ الْجَنَابَةِ، يَا مَالِكُ، لَا تُقَيِّدْهُمْ بِالْأَنْكَالِ، فَقَدْ طَافُوا حَوْلَ بَيْتِيَ الْحَرَامِ، يَا مَالِكُ لَا تُلْبِسْهُمُ الْقَطِرَانَ؟ فَقَدْ خَلَعُوا ثِيَابَهُمْ لِلْإِحْرَامِ، يَا مَالِكُ، مُرِ النَّارَ لَا تُحْرِقُ أَلْسِنَتَهُمْ; فَقَدْ كَانُوا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، يَا مَالِكُ، قُلْ لِلنَّارِ تَأْخُذُهُمْ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ، فَالنَّارُ أَعْرَفُ بِهِمْ وَبِمَقَادِيرِ اسْتِحْقَاقِهِمْ مِنَ الْعَذَابِ مِنَ الْوَالِدَةِ بِوَلَدِهَا. فَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إِلَى كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إِلَى سُرَّتِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إِلَى صَدْرِهِ. قَالَ: فَإِذَا انْتَقَمَ اللَّهُ مِنْهُمْ عَلَى قَدْرِ كَبَائِرِهِمْ وَعُتُوِّهُمْ وَإِصْرَارِهِمْ فَتَحَ بَيْنِهِمْ وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ بَابًا، وَهُمْ فِي الطَّبَقِ الْأَعْلَى مِنَ النَّارِ، لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا، يَبْكُونَ وَيَقُولُونَ: يَا مُحَمَّدَاهُ، ارْحَمْ مِنْ أُمَّتِكَ الْأَشْقِيَاءَ، وَاشْفَعْ لَهُمْ؟ فَقَدْ أَكَلَتِ النَّارُ لُحُومَهُمْ وَعِظَامَهُمْ وَدِمَاءَهُمْ. ثُمَّ يُنَادُونَ: يَا رَبَّاهُ، يَا

стр. 12903

سَيِّدَاهُ، ارْحَمْ مَنْ لَمْ يُشْرِكْ بِكَ فِي دَارِ الدُّنْيَا، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَسَاءَ وَأَخْطَأَ وَتَعَدَّى. فَعِنْدَهَا يَقُولُ الْمُشْرِكُونَ لَهُمْ: مَا أَغْنَى عَنْكُمْ إِيمَانُكُمْ بِاللَّهِ وَبِمُحَمَّدٍ؟! فَيَغْضَبُ اللَّهُ لِذَلِكَ، فَيَقُولُ: يَا جِبْرِيلُ، انْطَلِقْ، فَأَخْرِجْ مَنَ فِي النَّارِ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ . فَيُخْرِجُهُمْ ضَبَائِرَ، قَدِ امْتَحَشُوا، فَيُلْقِيهِمْ فِي نَهَرٍ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ، يُقَالُ لَهُ: نَهَرُ الْحَيَاةِ. فَيَمْكُثُونَ حَتَّى يَعُودُوا أَنْضَرَ مَا كَانُوا، ثُمَّ يَأْمُرُ اللَّهُ، ، بِإِدْخَالِهِمُ الْجَنَّةَ، مَكْتُوبٌ عَلَى جِبَاهِهِمْ: هَؤُلَاءِ الْجَهَنَّمِيُّونَ، عُتَقَاءُ الرَّحْمَنِ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ . فَيُعْرَفُونَ مِنْ بَيْنِ أَهْلِ الْجَنَّةِ بِذَلِكَ، فَيَتَضَرَّعُونَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَمْحُوَ عَنْهُمْ تِلْكَ السِّمَةَ، فَيَمْحُوهَا اللَّهُ عَنْهُمْ، فَلَا يُعْرَفُونَ بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ بَيْنِ أَهْلِ الْجَنَّةِ. لِبَعْضِ هَذَا الْأَثَرِ شَوَاهِدُ مِنَ الْأَحَادِيثِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَسَيَأْتِي بَعْدَ ذِكْرِ أَحَادِيثِ الشَّفَاعَةِ ذِكْرُ آخِرِ مَنْ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ، وَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ذِكْرُ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي شَفَاعَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَيَانُ أَنْوَاعِهَا وَتِعْدَادِهَا: فَالنَّوْعُ الْأَوَّلُ مِنْهَا: شَفَاعَتُهُ الْأُولَى، وَهِيَ الْعُظْمَى الْخَاصَّةُ بِهِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ إِخْوَانِهِ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ. وَهِيَ الَّتِي يَرْغَبُ إِلَيْهِ فِيهَا الْخَلْقُ كُلُّهُمْ، حَتَّى إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ، وَمُوسَى

стр. 12904

الْكَلِيمُ، وَيَتَوَسَّلُ النَّاسُ إِلَى آدَمَ فَمَنْ بَعْدَهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ، فَكُلٌّ يَحِيدُ عَنْهَا، وَيَقُولُ: لَسْتُ بِصَاحِبِهَا. حَتَّى يَنْتَهِيَ الْأَمْرُ إِلَى سَيِّدِ وَلَدِ آدَمَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، فَيَقُولُ: «أَنَا لَهَا، أَنَا لَهَا». فَيَذْهَبُ فَيَشْفَعُ عِنْدَ اللَّهِ فِي أَنْ يَأْتِيَ، لِفَصْلِ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْخَلْقِ، وَيُرِيحَهُمْ مِمَّا هُمْ فِيهِ، وَيُمَيِّزَ بَيْنَ مُؤْمِنِهِمْ وَكَافِرِهِمْ، بِمُجَازَاةِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْجَنَّةِ، وَالْكَافِرِينَ بِالنَّارِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ «سُبْحَانَ» عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا [الْإِسْرَاءِ: ٧٩]. وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي هَذَا الْكِتَابِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى هَذَا الْمَقَامِ الْمَحْمُودِ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَثَبَتَ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» مِنْ طَرِيقِ هُشَيْمٍ، عَنْ سَيَّارٍ، عَنْ يَزِيدَ الْفَقِيرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي، نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ، وَلَمْ تُحَلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً». وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ وَاصِلٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، بِنَحْوِهِ، وَرَوَاهُ الْأَعْمَشُ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ

стр. 12905

عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ. فَقَوْلُهُ: «وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ». يَعْنِي بِذَلِكَ الشَّفَاعَةَ الْعُظْمَى، وَهِيَ الْأُولَى الَّتِي يَشْفَعُ فِيهَا عِنْدَ اللَّهِ ، أَنْ يَأْتِيَ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْعِبَادِ، وَيَغْبِطُهُ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ، فَهُوَ مُخْتَصٌّ بِهَذِهِ الشَّفَاعَةِ دُونَ غَيْرِهِ. وَأُمًّا الشَّفَاعَةُ فِي الْعُصَاةِ فَيَشْرَكُهُ فِيهَا غَيْرُهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْمُؤْمِنِينَ، حَتَّى الْقُرْآنُ وَالْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِيمَا نُورِدُهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، وَغَيْرِهَا. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ أَبِي عَمَّارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ فَرُّوخٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ، وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ». وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، عَنْ مَعْمَرِ بْنِ رَاشِدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَعْقُوبَ، عَنْ بِشْرِ بْنِ شَغَافٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ، وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ وَمُشَفَّعٍ، بِيَدِي لِوَاءُ الْحَمْدِ، تَحْتِي آدَمُ فَمَنْ دُونَهُ». وَفِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ» مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ رَبِّي أَرْسَلَ إِلَيَّ أَنِ اقْرَأِ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ،

стр. 12906

فَرَدَدْتُ عَلَيْهِ: يَا رَبِّ، هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِي. فَرَدَّ عَلَيَّ الثَّانِيَةَ أَنِ اقْرَأْهُ عَلَى حَرْفَيْنِ» قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَبِّ، هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِي. فَرَدَّ عَلَيَّ الثَّالِثَةَ أَنِ اقْرَأْهُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، وَلَكَ بِكُلِّ رَدَّةٍ رُدِدْتَهَا مَسْأَلَةٌ تَسْأَلُنِيهَا. فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأُمَّتِي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأُمَّتِي، وَأَخَّرْتُ الثَّالِثَةَ إِلَى يَوْمٍ يَرْغَبُ إِلَيَّ فِيهِ الْخَلْقُ حَتَّى إِبْرَاهِيمُ». النَّوْعُ الثَّانِي وَالثَّالِثُ مِنَ الشَّفَاعَةِ: شَفَاعَتُهُ فِي أَقْوَامٍ قَدْ تَسَاوَتْ حَسَنَاتُهُمْ وَسَيِّئَاتُهُمْ، فَيَشْفَعُ فِيهِمْ، لِيَدْخُلُوا الْجَنَّةَ، وَفِي أَقْوَامٍ آخَرِينَ قَدْ أُمِرَ بِهِمْ إِلَى النَّارِ أَنْ لَا يَدْخُلُوهَا. قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ «الْأَهْوَالِ»: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَرْمِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ الْحَدَّادُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَابِتٍ الْبُنَانِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يُنْصَبُ لِلْأَنْبِيَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنَابِرُ مِنْ ذَهَبٍ، فَيَجْلِسُونَ عَلَيْهَا». قَالَ: «وَيَبْقَى مِنْبَرِي لَا أَجْلِسُ عَلَيْهِ، قَائِمًا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، ، مُنْتَصِبًا بِأُمَّتِي; مَخَافَةَ أَنْ يُبْعَثَ بِي إِلَى الْجَنَّةِ وَتَبْقَى أُمَّتِي بَعْدِي، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُمَّتِي، فَيَقُولُ اللَّهُ: يَا مُحَمَّدُ، وَمَا تُرِيدُ أَنْ أَصْنَعَ بِأُمَّتِكَ؟ فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، عَجِّلْ حِسَابَهُمْ، فَيُدْعَى بِهِمْ، فَيُحَاسَبُونَ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِشَفَاعَتِي، وَمَا أَزَالُ أَشْفَعُ حَتَّى أُعْطَى

стр. 12907

صِكَاكًا بِرِجَالٍ قَدْ بُعِثَ بِهِمْ إِلَى النَّارِ، حَتَّى أَنَّ مَالِكًا خَازِنَ النَّارِ لَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ، مَا تَرَكْتَ لِغَضَبِ رَبِّكَ لِأُمَّتِكَ مِنْ نِقْمَةٍ». وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ أَبِي كَرِيمَةَ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحِيمِ، حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «يُحْشَرُ النَّاسُ عُرَاةً، فَيَجْتَمِعُونَ شَاخِصَةً أَبْصَارُهُمْ إِلَى السَّمَاءِ، يَنْتَظِرُونَ فَصْلَ الْقَضَاءِ قِيَامًا أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَيَنْزِلُ اللَّهُ ، مِنَ الْعَرْشِ إِلَى الْكُرْسِيِّ، فَيَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُدْعَى إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ، ﵊، فَيُكْسَى قُبْطِيَّتَيْنِ مِنَ الْجَنَّةِ، ثُمَّ يَقُولُ: ادْعُوا لِيَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ مُحَمَّدًا». قَالَ: «فَأَقُومُ، فَأُكْسَى حُلَّةً مِنْ ثِيَابِ الْجَنَّةِ». قَالَ: «وَيُفَجَّرُ لِيَ الْحَوْضُ، وَعَرْضُهُ كَمَا بَيْنَ أَيْلَةَ إِلَى الْكَعْبَةِ». قَالَ: «فَأَشْرَبُ وَأَغْتَسِلُ وَقَدْ تَقَطَّعَتْ أَعْنَاقُ الْخَلَائِقِ مِنَ الْعَطَشِ، ثُمَّ أَقُومُ عَنْ يَمِينِ الْكُرْسِيِّ، لَيْسَ أَحَدٌ يَوْمَئِذٍ قَائِمًا ذَلِكَ الْمَقَامَ غَيْرِي، ثُمَّ يُقَالُ: سَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ». قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ: أَتَرْجُو لِوَالِدَيْكَ شَيْئًا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «إِنِّي لَشَافِعٌ لَهُمَا، أُعْطِيتُ أَوْ مُنِعْتُ، وَمَا أَرْجُو لَهُمَا شَيْئًا». ثُمَّ قَالَ الْمِنْهَالُ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ أَيْضًا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَمُرُّ بِقَوْمٍ مِنْ أُمَّتِي قَدْ أُمِرَ بِهِمْ إِلَى النَّارِ، فَيَقُولُونَ: يَا مُحَمَّدُ، نَنْشُدُكَ

стр. 12908

الشَّفَاعَةَ». قَالَ: «فَآمُرُ الْمَلَائِكَةَ أَنْ يَقِفُوا بِهِمْ». قَالَ: «فَأَنْطَلِقُ فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى الرَّبِّ ، فَيُؤْذَنُ لِي فَأَسْجُدُ، وَأَقُولُ: يَا رَبِّ، قَوْمٌ مِنْ أُمَّتِي قَدْ أَمَرْتَ بِهِمْ إِلَى النَّارِ». قَالَ: «فَيَقُولُ: انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مِنْهُمْ». قَالَ: «فَأَنْطَلِقُ، فَأُخْرِجُ مِنْهُمْ مَنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ أُخْرِجَ، ثُمَّ يُنَادِي الْبَاقُونَ: يَا مُحَمَّدُ، نَنْشُدُكَ الشَّفَاعَةَ. فَأَرْجِعُ إِلَى الرَّبِّ ، فَأَسْتَأْذِنُ، فَيُؤْذَنُ لِي فَأَسْجُدُ، فَيُقَالُ لِي: ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَسُلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ». قَالَ: «فَأَقُومُ فَأُثْنِي عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ ثَنَاءً لَمْ يُثْنِ عَلَيْهِ أَحَدٌ ثَنَاءً مِثْلَهُ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، قَوْمٌ مِنْ أُمَّتِي قَدْ أُمِرَ بِهِمْ إِلَى النَّارِ. فَيَقُولُ: انْطَلِقْ، فَأَخْرِجْ مِنْهُمْ». قَالَ: «فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، أُخْرِجُ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ؟» قَالَ: «فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ، لَيْسَتْ تِلْكَ لَكَ، تِلْكَ لِي». قَالَ: «فَأَنْطَلِقُ فَأُخْرِجُ مَنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ أُخْرِجَ». قَالَ: «وَيَبْقَى قَوْمٌ فَيَدْخُلُونَ النَّارَ، فَيُعَيِّرُهُمْ أَهْلُ النَّارِ فَيَقُولُونَ: أَنْتُمْ كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ اللَّهَ، وَلَا تُشْرِكُونَ بِهِ شَيْئًا، فَمَا الَّذِي أَدْخَلَكُمُ النَّارَ؟!» قَالَ: «فَيَحْرَجُونَ وَيَحْزَنُونَ مِنْ ذَلِكَ». قَالَ: «فَيَبْعَثُ اللَّهُ مَلِكًا بِكَفٍّ مِنْ مَاءٍ فَيَنْضَحُ بِهَا فِي النَّارِ الَّتِي فِيهَا الْمُوَحِّدُونَ، فَلَا يَبْقَى أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِلَّا وَقَعَتْ فِي وَجْهِهِ مِنْهَا قَطْرَةٌ». قَالَ: «فَيُعْرَفُونَ بِهَا. وَيَغْبِطُهُمْ أَهْلُ النَّارِ، ثُمَّ يَخْرُجُونَ فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، فَيُقَالُ لَهُمْ: انْطَلِقُوا، فَتَضَيَّفُوا النَّاسَ. فَلَوْ أَنَّ جَمِيعَهُمْ نَزَلُوا بِرَجُلٍ وَاحِدٍ كَانَ لَهُمْ عِنْدَهُ سَعَةٌ، وَيُسَمَّوْنَ الْمُحَرِّرِينَ». وَهَذَا السِّيَاقُ يَقْتَضِي تَعْدَادَ هَذِهِ الشَّفَاعَةِ فِيمَنْ أُمِرَ بِهِمْ إِلَى النَّارِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ

стр. 12909

أَنْ لَا يَدْخُلُوهَا، وَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ: «فَأَخْرِجْ». أَيْ أَنْقِذْ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: «وَيَبْقَى قَوْمٌ فَيَدْخُلُونَ النَّارَ». وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. النَّوْعُ الرَّابِعُ مِنَ الشَّفَاعَةِ: شَفَاعَتُهُ فِي رَفْعِ دَرَجَاتِ مِنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ فَوْقَ مَا يَقْتَضِيهِ ثَوَابُ أَعْمَالِهِمْ. وَقَدْ وَافَقَتِ الْمُعْتَزِلَةُ عَلَى هَذِهِ الشَّفَاعَةِ خَاصَّةً، وَخَالَفُوا فِيمَا عَدَاهَا مِنَ الشَّفَاعَاتِ، مَعَ تَوَاتُرِ الْأَحَادِيثِ فِيهَا، عَلَى مَا سَتَرَاهُ قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَأَمَّا دَلِيلُ هَذِهِ الشَّفَاعَةِ فَهُوَ مَا ثَبَتَ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» وَغَيْرِهِمَا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ لَمَّا أُصِيبَ عَمُّهُ أَبُو عَامِرٍ فِي غَزْوَةِ أَوَطَاسٍ، فَلَمَّا أَخْبَرَ أَبُو مُوسَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ، فَتَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَقَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعُبَيْدٍ أَبِي عَامِرٍ، وَاجْعَلْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَوْقَ كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِكَ». وَهَكَذَا حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَعَا لِأَبِي سَلَمَةَ بَعْدَ مَا تُوُفِّيَ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَبِي سَلَمَةَ، وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِّينَ، وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ فِي الْغَابِرِينَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَأَفْسِحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ». وَهُوَ فِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ».

стр. 12910

وَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ نَوْعًا آخَرَ مِنَ الشَّفَاعَةِ، وَهُوَ خَامِسٌ، وَهُوَ فِي أَقْوَامٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَلَمْ أَرَ لِهَذَا شَاهِدًا فِيمَا عَلِمْتُ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْقَاضِي عِيَاضٌ لَهُ مُسْتَنَدًا فِيمَا رَأَيْتُ، ثُمَّ تَذَكَّرْتُ حَدِيثَ عُكَّاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ، حِينَ دَعَا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَجْعَلَهُ مِنَ السَّبْعِينَ أَلْفًا الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَالْحَدِيثُ مُخَرَّجٌ فِي «الصَّحِيحَيْنِ»، كَمَا تَقَدَّمَ "، وَهُوَ يُنَاسِبُ هَذَا الْمَقَامَ. وَذَكَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيُّ فِي «التَّذْكِرَةِ» نَوْعًا سَادِسًا مِنَ الشَّفَاعَةِ، وَهُوَ شَفَاعَتُهُ فِي عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يُخَفَّفَ عَذَابُهُ، وَاسْتَشْهَدَ بِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ» «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذُكِرَ عِنْدَهُ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ، فَقَالَ:» لَعَلَّهُ تَنْفَعُهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُجْعَلُ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ يَبْلُغُ كَعْبَيْهِ يَغْلِي مِنْهُ دِمَاغُهُ ". ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [الْمُدَّثِّرِ: ٤٨]. قِيلَ: لَا تَنْفَعُهُ فِي الْخُرُوجِ مِنَ النَّارِ، كَمَا تَنْفَعُ عُصَاةَ الْمُوَحِّدِينَ الَّذِينَ يَخْرُجُونَ مِنْهَا، وَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ. النَّوْعُ السَّابِعُ مِنَ الشَّفَاعَةِ: شَفَاعَتُهُ لِجَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ قَاطِبَةً فِي أَنْ يُؤْذَنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ، كَمَا ثَبَتَ فِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ»، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ

стр. 12911

رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَنَا أَوَّلُ شَفِيعٍ فِي الْجَنَّةِ». وَقَالَ فِي حَدِيثِ الصُّورِ بَعْدَ ذِكْرِ مُرُورِ النَّاسِ عَلَى الصِّرَاطِ: «فَإِذَا أَفْضَى أَهْلُ الْجَنَّةِ إِلَى الْجَنَّةِ قَالُوا: مَنْ يَشْفَعُ لَنَا إِلَى رَبِّنَا فَنَدْخُلَ الْجَنَّةَ؟ فَيَقُولُونَ: مَنْ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْ أَبِيكُمْ آدَمَ». فَذَكَرَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ: «وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُحَمَّدٍ». قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «فَيَأْتُونِي وَلِي عِنْدَ رَبِّي ثَلَاثُ شَفَاعَاتٍ، وَعَدَنِيهِنَّ، فَأَنْطَلِقُ فَآتِي الْجَنَّةَ، فَآخُذُ بِحَلْقَةِ الْبَابِ، ثُمَّ أَسْتَفْتِحُ، فَيُفْتَحُ لِي، فَأُحَيَّا، وَيُرَحَّبُ بِي فَإِذَا دَخَلْتُ، فَنَظَرْتُ إِلَى رَبِّي، ، خَرَرْتُ لَهُ سَاجِدًا، فَيَأْذَنُ اللَّهُ تَعَالَى لِي مِنْ حَمْدِهِ وَتَمْجِيدِهِ بِشَيْءٍ مَا أَذِنَ بِهِ لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ، ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ لِيَ: ارْفَعْ رَأْسَكَ يَا مُحَمَّدُ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، وَسَلَّ تُعْطَهْ. فَإِذَا رَفَعْتُ رَأْسِي قَالَ اللَّهُ وَهُوَ أَعْلَمُ: مَا شَأْنُكَ؟ فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، وَعَدْتَنِي الشَّفَاعَةَ، فَشَفِّعْنِي فِي أَهْلِ الْجَنَّةِ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ اللَّهُ : قَدْ شَفَّعْتُكَ، وَأَذِنْتُ لَهُمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ». وَذَكَرَ الْحَدِيثَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ الصُّورِ. ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّفَاعَةَ فِي أَهْلِ الْكَبَائِرِ، وَهُوَ النَّوْعُ الثَّامِنُ مِنَ الشَّفَاعَةِ، وَهُوَ شَفَاعَتُهُ فِي أَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِهِ مِمَّنْ دَخَلَ النَّارَ بِذُنُوبِهِ وَكَبَائِرِ إِثْمِهِ، فَيَخْرُجُونَ مِنْهَا. وَقَدْ تَوَاتَرَتْ بِهَذَا النَّوْعِ الْأَحَادِيثُ، وَقَدْ خَفِيَ عِلْمُ ذَلِكَ عَلَى الْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ، فَخَالَفُوا فِي ذَلِكَ جَهْلًا مِنْهُمْ بِصِحَّةِ الْأَحَادِيثِ، وَعِنَادًا مِمَّنْ عَلِمَ ذَلِكَ وَاسْتَمَرَّ عَلَى بِدْعَتِهِ. وَهَذِهِ الشَّفَاعَةُ يُشَارِكُهُ فِيهَا الْمَلَائِكَةُ وَالنَّبِيُّونَ وَالْمُؤْمِنُونَ، وَهَذِهِ الشَّفَاعَةُ تَتَكَرَّرُ مِنْهُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ.

стр. 12912

بَيَانُ طُرُقِ الْأَحَادِيثِ وَأَلْفَاظِهَا رِوَايَةُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: قَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَضَّاحٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، عَنِ الطُّفَيْلِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَنَا خَطِيبُ الْأَنْبِيَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِمَامُهُمْ، وَصَاحِبُ شَفَاعَتِهِمْ». رِوَايَةُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: قَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ لَيْثٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَنَا أَوَّلُهُمْ خُرُوجًا، وَأَنَا قَائِدُهُمْ إِذَا وَفَدُوا، وَأَنَا خَطِيبُهُمْ إِذَا أَنْصَتُوا، وَأَنَا شَفِيعُهُمْ إِذَا حُبِسُوا، وَأَنَا مُبَشِّرُهُمْ إِذَا يَئِسُوا، لِوَاءُ الْكَرَامَةِ وَالْمَفَاتِيحُ يَوْمَئِذٍ بِيَدِي، وَلِوَاءُ الْحَمْدِ يَوْمَئِذٍ بِيَدِي، وَأَنَا أَكْرَمُ وَلَدِ آدَمَ عَلَى رَبِّي، يَطُوفُ عَلَيَّ أَلْفُ خَادِمٍ، كَأَنَّهُمْ بَيْضٌ مُكَنُّونٌ، أَوْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَنْثُورٌ». ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ خَلَفِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ حِبَّانِ بْنِ عَلِيٍّ الْعَنَزِيِّ، عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زَحْرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، فَذَكَرَهُ مَرْفُوعًا كَمَا تَقَدَّمَ.

стр. 12913

طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْهُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا بِسْطَامُ بْنُ حُرَيْثٍ، عَنْ أَشْعَثَ الْحُدَّانِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي». وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ بِسْطَامٍ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَابِرٍ الْحُدَّانِيِّ، عَنْ أَنَسٍ. طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ الْبَزَّارُ فِي «مُسْنَدِهِ»: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا الْخَزْرَجُ بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي». ثُمَّ قَالَ: لَمْ يَرْوِهِ عَنْ ثَابِتٍ إِلَّا الْخَزْرَجُ بْنُ عُثْمَانَ. وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي». طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْهُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَارِمٌ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ،

стр. 12914

سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «كُلُّ نَبِيٍّ قَدْ سَأَلَ سُؤَالًا». أَوْ قَالَ: «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ قَدْ دَعَاهَا، فَاسْتَخْبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ». أَوْ كَمَا قَالَ. وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا، فَقَالَ: وَقَالَ مُعْتَمِرٌ، عَنْ أَبِيهِ. وَأَسْنَدَهُ مُسْلِمٌ، فَرَوَاهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَدِ الْأَعْلَى، عَنْ مُعْتَمِرٍ، عَنْ أَبِيهِ سُلَيْمَانَ بْنِ طَرْخَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، بِهِ نَحْوَهُ. طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْهُ: قَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا فُضَيْلِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي». قَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الْعِجْلِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أُنِلْتُ الشَّفَاعَةَ، فَأَشْفَعُ لِمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ، حَتَّى لَا يَبْقَى أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْإِيمَانِ مِثْلُ هَذَا». وَحَرَّكَ الْإِبْهَامِ وَالْمُسَبِّحَةَ. طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْهُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا بَهْزٌ وَعَفَّانُ، قَالَا: حَدَّثَنَا

стр. 12915

هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةً قَدْ دَعَا بِهَا، فَاسْتُجِيبَ لَهُ، وَإِنِّي اسْتَخْبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ». وَهَذَا الْحَدِيثُ عَلَى شَرْطِهِمَا، وَلَمْ يُخْرِجُوهُ مِنْ حَدِيثِ هَمَّامٍ، وَإِنَّمَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي عَوَانَةَ الْوَضَّاحِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْيَشْكُرِيِّ، عَنْ قَتَادَةَ. ثُمَّ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَجْتَمِعُ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُهَمُّونَ بِذَلِكَ، أَوْ يُلْهَمُونَ ذَلِكَ». بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي عَوَانَةَ. وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: «ثُمَّ آتِيهِ الرَّابِعَةَ - أَوْ أَعُودُ الرَّابِعَةَ - فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، مَا بَقِيَ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ». طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْهُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يُحْبَسُ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُهَمُّونَ لِذَلِكَ، فَيَقُولُونَ: لَوِ اسْتَشْفَعْنَا عَلَى رَبِّنَا فَيُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا. فَيَأْتُونَ آدَمَ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ أَبُونَا، خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ، وَعَلَّمَكَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ، فَاشْفَعْ لَنَا عِنْدَ رَبِّكَ. قَالَ: فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ. وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ، أَكْلَهُ مِنَ الشَّجَرَةِ وَقَدْ نُهِيَ عَنْهَا. وَلَكِنِ ائْتُوا نُوحًا أَوَّلَ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ. قَالَ: فَيَأْتُونَ نُوحًا، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ.

стр. 12916

وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ; سُؤَالَهُ رَبَّهُ مَا لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ، وَلَكِنِ ائْتُوا إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَ الرَّحْمَنِ. فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ. وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ، ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ كَذَبَهُنَّ; قَوْلَهُ: إِنِّي سَقِيمٌ. وَقَوْلَهُ: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا. وَأَتَى عَلَى جَبَّارٍ مُتْرَفٍ وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ، فَقَالَ: أَخْبِرِيهِ أَنِّي أَخُوكِ; فَإِنِّي مُخْبِرُهُ أَنَّكِ أُخْتِي. وَلَكِنِ ائْتُوا مُوسَى; عَبْدًا كَلَّمَهُ اللَّهُ تَكْلِيمًا، وَأَعْطَاهُ التَّوْرَاةَ. قَالَ: فَيَأْتُونَ مُوسَى، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ. وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ; قَتَلَهُ الرَّجُلَ. وَلَكِنِ ائْتُوا عِيسَى عَبْدَ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَةَ اللَّهِ وَرُوحَهُ. قَالَ: فَيَأْتُونَ عِيسَى، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَلَكِنِ ائْتُوا مُحَمَّدًا، عَبْدًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ». قَالَ: «فَيَأْتُونِي، فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي، ، فِي دَارِهِ، فَيُؤْذَنُ لِي عَلَيْهِ، فَإِذَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي، ثُمَّ يَقُولُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ يَا مُحَمَّدُ، وَقُلْ تُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، وَسَلْ تُعْطَ. فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَحْمَدُ رَبِّي، ، بِثَنَاءٍ وَتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ، ثُمَّ أَشْفَعُ، فَيَحِدُّ لِي حَدًّا، فَأُخْرِجُهُمْ، فَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ - وَسَمِعَتُهُ يَقُولُ: فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ وَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ - قَالَ:» ثُمَّ أَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي ، الثَّانِيَةَ، فَيُؤْذَنُ لِي عَلَيْهِ، فَإِذَا

стр. 12917

رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي، ثُمَّ يَقُولُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ مُحَمَّدُ، وَقُلْ تُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ وَسَلْ تُعْطَ «. قَالَ:» فَأَرْفَعُ رَأْسِي، وَأَحْمَدُ رَبِّي بِثَنَاءٍ وَتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ، ثُمَّ أَشْفَعُ، فَيَحِدُّ لِي حَدًّا، فَأُخْرِجُهُمْ، فَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ «- قَالَ هَمَّامٌ: وَسَمِعَتُهُ يَقُولُ:» فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ، فَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ «- قَالَ:» ثُمَّ أَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي، ، الثَّالِثَةَ، فَإِذَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي، ثُمَّ يَقُولُ: ارْفَعْ مُحَمَّدُ، وَقُلْ تُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، وَسَلْ تُعْطَ. فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأَحْمَدُ رَبِّي بِثَنَاءٍ وَتَحُمَيْدٍ يُعَلِّمُنِيهِ، ثُمَّ أَشْفَعُ، فَيَحِدُّ لِي حَدًّا، فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ، فَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ «- قَالَ هَمَّامٌ: وَسَمِعَتُهُ يَقُولُ:» فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ، فَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ «-» فَمَا يَبْقَى فِي النَّارِ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ، أَيْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ «. ثُمَّ تَلَا قَتَادَةُ: عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا [الْإِسْرَاءِ: ٧٩]. قَالَ: هُوَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ الَّذِي وَعَدَ اللَّهُ ، نَبِيَّهُ ﷺ . وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ مُعَلَّقًا، فَقَالَ: وَقَالَ حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، عَنْ هَمَّامٍ. فَذَكَرَهُ بِنَحْوِهِ. طُرُقٌ أُخَرُ مُتَعَدِّدَةٌ عَنْ أَنَسٍ: قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا مَعْبَدُ بْنُ هِلَالٍ الْعَنَزِيُّ.

стр. 12918

قَالَ: اجْتَمَعْنَا نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، فَذَهَبْنَا إِلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَذَهَبْنَا مَعَنَا بِثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ يَسْأَلُهُ لَنَا عَنْ حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ، فَإِذَا هُوَ فِي قَصْرِهِ، فَوَافَقْنَاهُ يُصَلِّي الضُّحَى -، فَاسْتَأْذَنَّا، فَأَذِنَ لَنَا، وَهُوَ قَاعِدٌ عَلَى فِرَاشِهِ، فَقُلْنَا لِثَابِتٍ: لَا تَسْأَلْهُ عَنْ شَيْءٍ أَوَّلَ مِنْ حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ. فَقَالَ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، هَؤُلَاءِ إِخْوَانُكَ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، جَاءُوا يَسْأَلُونَكَ عَنْ حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ. فَقَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ ﷺ قَالَ:» إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ مَاجَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ، فَيَأْتُونَ آدَمَ، فَيَقُولُونَ: اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ. فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِإِبْرَاهِيمَ; فَإِنَّهُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ. فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُوسَى، فَإِنَّهُ كَلِيمُ اللَّهِ. فَيَأْتُونَ مُوسَى، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِعِيسَى; فَإِنَّهُ رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ. فَيَأْتُونَ عِيسَى، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ، فَيَأْتُونِي، فَأَقُولُ: أَنَا لَهَا. فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي، فَيُؤْذَنُ لِي، وَيُلْهِمُنِي مَحَامِدَ أَحْمَدُهُ بِهَا، لَا تَحْضُرُنِي الْآنَ، فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ، وَأَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ. فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، أُمَّتِي أُمَّتِي. فَيُقَالُ: انْطَلِقَ فَأَخْرَجْ مِنْهَا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ شَعِيرَةٍ مِنْ إِيمَانٍ. فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ، ثُمَّ أَعُودُ، فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ. فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، أُمَّتِي أُمَّتِي. فَيُقَالُ:

стр. 12919

انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مِنْهَا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ، أَوْ خَرْدَلَةٍ مِنْ إِيمَانٍ. فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ، ثُمَّ أَعُودُ، فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَسُلْ تُعْطَهْ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ. فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، أُمَّتِي أُمَّتِي. فَيُقَالُ: انْطَلِقْ، فَأَخْرِجْ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى مِثْقَالِ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَأَخْرِجْهُ مِنَ النَّارِ. فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ «. قَالَ: فَلَمَّا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ أَنَسٍ، قُلْتُ لِبَعْضِ أَصْحَابِي: لَوْ مَرَرْنَا بِالْحَسَنِ وَهُوَ مُتَوَارٍ فِي مَنْزِلِ أَبِي خَلِيفَةَ، فَحَدَّثْنَاهُ بِمَا حَدَّثَنَا بِهِ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ. فَأَتَيْنَاهُ فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ، فَأَذِنَ لَنَا، فَقُلْنَا لَهُ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، جِئْنَاكَ مِنْ عِنْدِ أَخِيكَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، فَلَمْ نَرَ مِثْلَ مَا حَدَّثَنَا فِي الشَّفَاعَةِ، فَقَالَ: هِيهِ. فَحَدَّثْنَاهُ بِالْحَدِيثِ، فَانْتَهَيْنَا إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ فَقَالَ: هِيهِ. فَقُلْنَا: لَمْ يَزِدْ لَنَا عَلَى هَذَا. فَقَالَ: لَقَدْ حَدَّثَنِي وَهُوَ جَمِيعٌ مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً، فَمَا أَدْرِي أَنَسِيَ أَمْ كَرِهَ أَنْ تَتَّكِلُوا؟ فَقُلْنَا: يَا أَبَا سَعِيدٍ، فَحَدِّثْنَا. فَضَحِكَ وَقَالَ: وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا، مَا ذَكَرْتُهُ إِلَّا وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُحَدِّثَكُمْ، حَدَّثَنِي كَمَا حَدَّثَكُمْ، قَالَ:» ثُمَّ أَعُودُ الرَّابِعَةَ، فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ،

стр. 12920

وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ. فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، ائْذَنْ لِي فِيمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. فَيَقُولُ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي وَكِبْرِيَائِي وَعَظَمَتِي، لَأُخْرِجَنَّ مِنْهَا مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ «. وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ، كِلَاهُمَا عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، بِهِ نَحْوَهُ. وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ عَفَّانَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، وَقَالَ:» فَأَحْمَدُ رَبِّي بِمَحَامِدَ لَمْ يَحْمَدْهُ بِهَا أَحَدٌ كَانَ قَبْلِي، وَلَا يَحْمَدُهُ بِهَا أَحَدٌ بَعْدِي «. وَفِيهِ:» فَأَخْرِجْ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ شَعِيرَةٍ «. ثُمَّ يَعُودُ، فَيُقَالُ:» مِثْقَالُ بُرَّةٍ «. ثُمَّ يَعُودُ، فَيُقَالُ:» مِثْقَالُ ذَرَّةٍ «. وَلَمْ يَذْكُرِ الرَّابِعَةَ. وَكَذَا رَوَاهُ الْبَزَّارُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ مَعْمَرٍ، كِلَاهُمَا عَنْ حَمَّادِ بْنِ مَسْعَدَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ جُوثَةَ بْنِ عُبَيْدٍ الْمَدَنِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، وَفِيهِ الشَّفَاعَةُ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: لَمْ يَرْوِ عَنْ جُوثَةَ بْنِ عُبَيْدٍ إِلَّا ابْنُ عَجْلَانَ.
следующие страницы →