← История

История · id 4445

البداية والنهاية - ت التركي

ابن كثير

Полный текст (13 161 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.

стр. 3011

وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: «أَفْلَحَتِ الْوُجُوهُ». قَالُوا: أَفْلَحَ وَجْهُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «أَقَتَلْتُمُوهُ؟». قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: «نَاوِلْنِي السَّيْفَ». فَسَلَّهُ فَقَالَ: " أَجَلْ هَذَا طَعَامُهُ فِي ذُبَابِ السَّيْفِ

стр. 3012

مَقْتَلُ خَالِدِ بْنِ سُفْيَانَ ابْنِ نُبَيْحٍ الْهُذَلِيِّ ذَكَرَهُ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ فِي «الدَّلَائِلِ» تِلْوَ مَقْتَلِ أَبِي رَافِعٍ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: دَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «إِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّ خَالِدَ بْنَ سُفْيَانَ بْنِ نُبَيْحٍ الْهُذَلِيَّ يَجْمَعُ لِيَ النَّاسَ لِيَغْزُوَنِي وَهُوَ بِعُرَنَةَ، فَأْتِهِ فَاقْتُلْهُ» قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، انْعَتْهُ لِي حَتَّى أَعْرِفَهُ. قَالَ: «إِذَا رَأَيْتَهُ وَجَدْتَ لَهُ قُشَعْرِيرَةً». قَالَ: فَخَرَجْتُ مُتَوَشِّحًا سَيْفِي حَتَّى وَقَعْتُ عَلَيْهِ، وَهُوَ بِعُرَنَةَ مَعَ ظُعُنٍ يَرْتَادُ لَهُنَّ مَنْزِلًا، وَحِينَ كَانَ وَقْتُ الْعَصْرِ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُ وَجَدْتُ مَا وَصَفَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْقُشَعْرِيرَةِ، فَأَقْبَلْتُ نَحْوَهُ، وَخَشِيتُ أَنْ يَكُونَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ مُجَاوَلَةٌ تَشْغَلُنِي عَنِ الصَّلَاةِ، فَصَلَّيْتُ وَأَنَا أَمْشِي نَحْوَهُ أُومِئُ بِرَأْسِي لِلرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَلَمَّا انْتَهَيْتُ إِلَيْهِ قَالَ: مَنِ الرَّجُلُ؟ قُلْتُ: رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ سَمِعَ

стр. 3013

بِكَ وَبِجَمْعِكَ لِهَذَا الرَّجُلِ، فَجَاءَكَ لِذَلِكَ، قَالَ: أَجَلْ، إِنَّا فِي ذَلِكَ. قَالَ: فَمَشَيْتُ مَعَهُ شَيْئًا حَتَّى إِذَا أَمْكَنَنِي حَمَلْتُ عَلَيْهِ السَّيْفَ حَتَّى قَتَلْتُهُ، ثُمَّ خَرَجْتُ وَتَرَكْتُ ظَعَائِنَهُ مُكِبَّاتٍ عَلَيْهِ، فَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَآنِي قَالَ: «أَفْلَحَ الْوَجْهُ» قَالَ: قُلْتُ: قَتَلْتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «صَدَقْتَ». قَالَ: ثُمَّ قَامَ مَعِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَدَخَلَ فِي بَيْتِهِ فَأَعْطَانِي عَصًا فَقَالَ: «أَمْسِكْ هَذِهِ عِنْدَكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُنَيْسٍ» قَالَ: فَخَرَجْتُ بِهَا عَلَى النَّاسِ، فَقَالُوا: مَا هَذِهِ الْعَصَا؟ قَالَ: قُلْتُ: أَعْطَانِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَمَرَنِي أَنْ أُمْسِكَهَا. قَالُوا: أَوَلَا تَرْجِعُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَسْأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَ أَعْطَيْتَنِي هَذِهِ الْعَصَا؟ قَالَ: «آيَةٌ بَيْنِي وَبَيْنَكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِنَّ أَقَلَّ النَّاسِ الْمُتَخَصِّرُونَ يَوْمَئِذٍ». قَالَ: فَقَرَنَهَا عَبْدُ اللَّهِ بِسَيْفِهِ، فَلَمْ تَزَلْ مَعَهُ حَتَّى إِذَا مَاتَ أُمِرَ بِهَا فَضُمَّتْ فِي كَفَنِهِ، ثُمَّ دُفِنَا جَمِيعًا ثُمَّ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ آدَمَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ بَعْضِ وَلَدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ - أَوْ قَالَ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ. وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ

стр. 3014

أُنَيْسٍ، عَنْ أَبِيهِ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ. وَرَوَاهُ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ، مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ، عَنْ أَبِيهِ فَذَكَرَهُ. وَقَدْ ذَكَرَ نَحْوَهُ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ فِي «مَغَازِيهِمَا» مُرْسَلَةً فَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ فِي قَتْلِهِ خَالِدَ بْنَ سُفْيَانَ: تَرَكْتُ ابْنَ ثَوْرٍ كَالْحُوَارِ وَحَوْلَهُ … نَوَائِحُ تَفْرِي كُلَّ جَيْبٍ مُقَدَّدِ تَنَاوَلْتُهُ وَالظُّعْنُ خَلْفِي وَخَلْفَهُ … بِأَبْيَضَ مِنْ مَاءِ الْحَدِيدِ مُهَنَّدِ عَجُومٍ لِهَامِ الدَّارِعِينَ كَأَنَّهُ … شِهَابُ غَضًى مِنْ مُلْهِبٍ مُتَوَقِّدِ أَقُولُ لَهُ وَالسَّيْفُ يَعْجُمُ رَأْسَهُ … أَنَا ابْنُ أُنَيْسٍ فَارِسًا غَيْرَ قُعْدُدِ أَنَا ابْنُ الَّذِي لَمْ يُنْزِلِ الدَّهْرُ قَدْرَهُ … رَحِيبُ فَنَاءِ الدَّارِ غَيْرُ مُزَنَّدِ

стр. 3015

وَقُلْتُ لَهُ خُذْهَا بِضَرْبَةِ مَاجِدِ … حَنِيفٍ عَلَى دِينِ النَّبِيِّ مُحَمَّدِ وَكُنْتُ إِذَا هَمَّ النَّبِيُّ بِكَافِرٍ … سَبَقْتُ إِلَيْهِ بِاللِّسَانِ وَبِالْيَدِ قُلْتُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسِ بْنِ أَسْعَدَ بْنِ حَرَامٍ، أَبُو يَحْيَى الْجُهَنِيُّ، صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ كَبِيرُ الْقَدْرِ، كَانَ فِيمَنْ شَهِدَ الْعَقَبَةَ، وَشَهِدَ أُحُدًا وَالْخَنْدَقَ وَمَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَتَأَخَّرَ مَوْتُهُ بِالشَّامِ إِلَى سَنَةِ ثَمَانِينَ عَلَى الْمَشْهُورِ وَقِيلَ: تُوُفِّيَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ فَرَّقَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَخَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ أَبِي عِيسَى الْأَنْصَارِيِّ، الَّذِي رَوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ دَعَا يَوْمَ أُحُدٍ بِإِدَاوَةٍ فِيهَا مَاءٌ، فَخَنَثَ فَمَهَا وَشَرِبَ مِنْهَا، كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ الْعُمَرِيِّ، عَنْ عِيسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ، عَنْ أَبِيهِ. ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ يَصِحُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ الْعُمَرِيُّ ضَعِيفٌ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ.

стр. 3016

قِصَّةُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ مَعَ النَّجَاشِيِّ بَعْدَ وَقْعَةِ الْخَنْدَقِ، وَإِسْلَامِهِ عَلَى يَدَيْهِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، بَعْدَ مَقْتَلِ أَبِي رَافِعٍ: وَحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ رَاشِدٍ مَوْلَى حَبِيبِ بْنِ أَبِي أَوْسٍ الثَّقَفِيِّ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي أَوْسٍ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، مِنْ فِيهِ، قَالَ: لَمَّا انْصَرَفْنَا يَوْمَ الْأَحْزَابِ عَنِ الْخَنْدَقِ، جَمَعْتُ رِجَالًا مِنْ قُرَيْشٍ كَانُوا يَرَوْنَ رَأْيِي، وَيَسْمَعُونَ مِنِّي، فَقُلْتُ لَهُمْ: تَعْلَمُونَ وَاللَّهِ أَنِّي أَرَى أَمْرَ مُحَمَّدٍ يَعْلُو الْأُمُورَ عُلُوًّا مُنْكَرًا، وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ أَمْرًا، فَمَا تَرَوْنَ فِيهِ؟ قَالُوا: وَمَا رَأَيْتَ؟ قَالَ: رَأَيْتُ أَنْ نَلْحَقَ بِالنَّجَاشِيِّ فَنَكُونَ عِنْدَهُ، فَإِنْ ظَهَرَ مُحَمَّدٌ عَلَى قَوْمِنَا كُنَّا عِنْدَ النَّجَاشِيِّ، فَإِنَّا أَنْ نَكوُنَ تَحْتَ يَدَيْهِ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ أَنْ نَكُونَ تَحْتَ يَدَيْ مُحَمَّدٍ، وَإِنْ ظَهَرَ قَوْمُنَا فَنَحْنُ مَنْ قَدْ عَرَفُوا، فَلَنْ يَأْتِيَنَا مِنْهُمْ إِلَّا خَيْرٌ قَالُوا: إِنَّ هَذَا لَرَأْيٌ. قُلْتُ: فَاجْمَعُوا لَنَا مَا نُهْدِي لَهُ. وَكَانَ أَحَبَّ مَا يُهْدَى إِلَيْهِ مِنْ أَرْضِنَا الْأَدَمُ، فَجَمَعْنَا لَهُ أَدَمًا كَثِيرًا، ثُمَّ خَرَجْنَا حَتَّى قَدِمْنَا عَلَيْهِ، فَوَاللَّهِ إِنَّا لَعِنْدَهُ، إِذْ جَاءَهُ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ بَعَثَهُ إِلَيْهِ فِي شَأْنِ جَعْفَرٍ وَأَصْحَابِهِ. قَالَ: فَدَخَلَ عَلَيْهِ ثُمَّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ. قَالَ: فَقُلْتُ لِأَصْحَابِي: هَذَا عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ، لَوْ

стр. 3017

قَدْ دَخَلْتُ عَلَى النَّجَاشِيِّ فَسَأَلْتُهُ إِيَّاهُ فَأَعْطَانِيهِ فَضَرَبْتُ عُنُقَهُ، فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ رَأَتْ قُرَيْشٌ أَنِّي قَدْ أَجْزَأْتُ عَنْهَا حِينَ قَتَلْتُ رَسُولَ مُحَمَّدٍ. قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَسَجَدْتُ لَهُ كَمَا كُنْتُ أَصْنَعُ. فَقَالَ: مَرْحَبًا بِصَدِيقِي، هَلْ أَهْدَيْتَ لِي مِنْ بِلَادِكَ شَيْئًا؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ أَيُّهَا الْمَلِكُ، قَدْ أَهْدَيْتُ لَكَ أَدَمًا كَثِيرًا. قَالَ: ثُمَّ قَرَّبْتُهُ إِلَيْهِ، فَأَعْجَبَهُ وَاشْتَهَاهُ، ثُمَّ قُلْتُ لَهُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا خَرَجَ مِنْ عِنْدِكَ وَهُوَ رَسُولُ رَجُلٍ عَدُوٍّ لَنَا، فَأَعْطِنِيهِ لِأَقْتُلَهُ؛ فَإِنَّهُ قَدْ أَصَابَ مِنْ أَشْرَافِنَا وَخِيَارِنَا. قَالَ: فَغَضِبَ ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ، فَضَرَبَ بِهَا أَنْفَهُ ضَرْبَةً ظَنَنْتُ أَنَّهُ قَدْ كَسَرَهُ، فَلَوِ انْشَقَّتِ الْأَرْضُ لَدَخَلْتُ فِيهَا فَرَقًا مِنْهُ. ثُمَّ قُلْتُ لَهُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، وَاللَّهِ لَوْ ظَنَنْتُ أَنَّكَ تَكْرَهُ هَذَا مَا سَأَلْتُكَهُ. قَالَ: أَتَسْأَلُنِي أَنْ أُعْطِيَكَ رَسُولَ رَجُلٍ يَأْتِيهِ النَّامُوسُ الْأَكْبَرُ الَّذِي كَانَ يَأْتِي مُوسَى لِتَقْتُلَهُ؟! قَالَ: قُلْتُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، أَكَذَاكَ هُوَ؟ قَالَ: وَيْحَكَ يَا عَمْرُو! أَطِعْنِي وَاتَّبِعْهُ، فَإِنَّهُ وَاللَّهِ لَعَلَى الْحَقِّ وَلَيَظْهَرَنَّ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ، كَمَا ظَهَرَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ عَلَى فِرْعَوْنَ وَجُنُودِهِ. قَالَ: قُلْتُ: أَفَتُبَايِعُنِي لَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ؟ قَالَ: نَعَمْ فَبَسَطَ يَدَهُ فَبَايَعْتُهُ عَلَى الْإِسْلَامِ، ثُمَّ خَرَجْتُ عَلَى أَصْحَابِي وَقَدْ حَالَ رَأْيِي عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ، وَكَتَمْتُ أَصْحَابِي إِسْلَامِي، ثُمَّ خَرَجْتُ عَامِدًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأُسْلِمَ، فَلَقِيتُ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ، وَذَلِكَ قُبَيْلَ الْفَتْحِ، وَهُوَ مُقْبِلٌ مِنْ مَكَّةَ فَقُلْتُ: أَيْنَ أَبَا سُلَيْمَانَ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَقَدِ اسْتَقَامَ الْمِيسَمُ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَنَبِيٌّ،

стр. 3018

أَذْهَبُ وَاللَّهِ فَأُسْلِمُ، فَحَتَّى مَتَى؟ قَالَ: قُلْتُ: وَاللَّهِ مَا جِئْتُ إِلَّا لِأُسْلِمَ. قَالَ: فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَتَقَدَّمَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَأَسْلَمَ وَبَايَعَ، ثُمَّ دَنَوْتُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُبَايِعُكَ عَلَى أَنْ تَغْفِرَ لِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِي، وَلَا أَذْكُرُ مَا تَأَخَّرَ. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا عَمْرُو، بَايِعْ فَإِنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهُ وَإِنَّ الْهِجْرَةَ تَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهَا» قَالَ: فَبَايَعْتُهُ ثُمَّ انْصَرَفْتُ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَقَدْ حَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ كَانَ مَعَهُمَا، أَسْلَمَ حِينَ أَسْلَمَا، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الزِّبَعْرَى السَّهْمِيُّ: أَنْشُدُ عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ حِلْفَنَا … وَمُلْقَى نِعَالِ الْقَوْمِ عِنْدَ الْمُقَبَّلِ وَمَا عَقَدَ الْآبَاءُ مِنْ كُلِّ حِلْفَةٍ … وَمَا خَالِدٌ مِنْ مِثْلِهَا بِمُحَلَّلِ أَمِفْتَاحَ بَيْتٍ غَيْرِ بَيْتِكَ تَبْتَغِي … وَمَا تَبْتَغِي مِنْ بَيْتِ مَجْدٍ مُؤَثَّلٍ فَلَا تَأْمَنَنَّ خَالِدًا بَعْدَ هَذِهِ … وَعُثْمَانَ جَاءَا بِالدُّهَيْمِ الْمُعَضَّلِ قُلْتُ: كَانَ إِسْلَامُهُمْ بَعْدَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ كَانَ يَوْمَئِذٍ

стр. 3019

فِي خَيْلِ الْمُشْرِكِينَ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ، فَكَانَ ذِكْرُ هَذَا الْفَصْلِ فِي إِسْلَامِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْسَبَ، وَلَكِنْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ تَبَعًا لِلْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى؛ لِأَنَّ أَوَّلَ ذَهَابِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ إِلَى النَّجَاشِيِّ كَانَ بَعْدَ وَقْعَةِ الْخَنْدَقِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ ذَهَبَ فِي بَقِيَّةِ سَنَةِ خَمْسٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 3020

فَصْلٌ فِي تَزْوِيجِ النَّبِيِّ ﷺ بِأُمِّ حَبِيبَةَ رَمْلَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ ذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ بَعْدَ وَقْعَةِ الْخَنْدَقِ مِنْ طَرِيقِ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً (الْمُمْتَحَنَةِ: ٧). قَالَ: هُوَ تَزْوِيجُ النَّبِيِّ ﷺ بِأُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ، فَصَارَتْ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، وَصَارَ مُعَاوِيَةُ خَالَ الْمُؤْمِنِينَ. ثُمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ نَجْدَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، أَنْبَأَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ، أَنَّهَا كَانَتْ عِنْدَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ، وَكَانَ رَحَلَ إِلَى النَّجَاشِيِّ فَمَاتَ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَزَوَّجَ بِأُمِّ حَبِيبَةَ وَهِيَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَزَوَّجَهَا إِيَّاهُ النَّجَاشِيُّ وَمَهْرُهَا أَرْبَعَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَبَعَثَ بِهَا مَعَ شُرَحْبِيلَ بْنِ حَسَنَةَ وَجَهَّزَهَا مِنْ عِنْدِهِ، وَمَا بَعَثَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَيْءٍ قَالَ: وَكَانَ مُهُورُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ أَرْبَعَمِائَةٍ.

стр. 3021

قُلْتُ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ مُهُورَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً وَنَشًّا، وَالْوُقِيَّةُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا، وَالنَّشُّ النِّصْفُ، وَذَلِكَ يَعْدِلُ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ. ثُمَّ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ، مِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ مَاتَ بِالْحَبَشَةِ نَصْرَانِيًّا، فَخَلَفَ عَلَى زَوْجَتِهِ أُمِّ حَبِيبَةَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، زَوَّجَهَا مِنْهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ﵁. قُلْتُ: أَمَّا تَنَصُّرُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ فَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، وَذَلِكَ عَلَى أَثَرِ مَا هَاجَرَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، اسْتَزَلَّهُ الشَّيْطَانُ فَزَيَّنَ لَهُ دِينَ النَّصَارَى، فَصَارَ إِلَيْهِ حَتَّى مَاتَ عَلَيْهِ، لَعَنَهُ اللَّهُ، وَكَانَ يَلْقَى الْمُسْلِمِينَ فَيَقُولُ لَهُمْ: أَبْصَرْنَا وَصَأْصَأْتُمْ. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ ذَلِكَ فِي هِجْرَةِ الْحَبَشَةِ. وَأَمَّا قَوْلُ عُرْوَةَ: أَنَّ عُثْمَانَ زَوَّجَهَا مِنْهُ، فَغَرِيبٌ؛ لِأَنَّ عُثْمَانَ كَانَ قَدْ رَجَعَ إِلَى مَكَّةَ قَبْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَصُحْبَتُهُ زَوْجَتُهُ رُقَيَّةُ كَمَا تَقَدَّمَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرَهُ يُونُسُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ الَّذِي وَلِيَ نِكَاحَهَا ابْنُ عَمِّهَا خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ قُلْتُ: وَكَانَ وَكِيلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي قَبُولِ الْعَقْدِ أَصْحَمَةُ النَّجَاشِيُّ مَلِكُ الْحَبَشَةِ، كَمَا قَالَ يُونُسُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ

стр. 3022

بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ إِلَى النَّجَاشِيِّ، فَزَوَّجَهُ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ، وَسَاقَ عَنْهُ أَرْبَعَمِائَةِ دِينَارٍ. وَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ زُهَيْرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ قَالَتْ: مَا شَعَرْتُ وَأَنَا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ إِلَّا بِرَسُولِ النَّجَاشِيِّ جَارِيَةٍ يُقَالُ لَهَا: أَبَرْهَةُ. كَانَتْ تَقُومُ عَلَى ثِيَابِهِ وَدُهْنِهِ، فَاسْتَأْذَنَتْ عَلَيَّ فَأَذِنْتُ لَهَا فَقَالَتْ: إِنَّ الْمَلِكَ يَقُولُ لَكِ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَتَبَ إِلَيَّ أَنْ أُزَوِّجَكِهِ. فَقُلْتُ: بَشَّرَكِ اللَّهُ بِالْخَيْرِ. وَقَالَتْ: يَقُولُ لَكِ الْمَلِكُ: وَكِّلِي مَنْ يُزَوِّجُكِ. قَالَتْ: فَأَرْسَلْتُ إِلَى خَالِدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، فَوَكَّلْتُهُ، وَأَعْطَيْتُ أَبَرْهَةَ سِوَارَيْنِ مِنْ فِضَّةٍ، وَخَدَمَتَيْنِ مِنْ فِضَّةٍ كَانَتَا عَلَيَّ وَخَوَاتِيمَ مِنْ فِضَّةٍ كَانَتْ فِي كُلِّ أَصَابِعِ رِجْلَيَّ؛ سُرُورًا بِمَا بَشَّرَتْنِي بِهِ، فَلَمَّا أَنْ كَانَ مِنَ الْعَشِيِّ أَمَرَ النَّجَاشِيُّ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَمَنْ كَانَ هُنَاكَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَحْضُرُوا، وَخَطَبَ النَّجَاشِيُّ وَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ السَّلَامِ الْمُؤْمِنِ الْمُهَيْمِنِ الْعَزِيزِ الْجَبَّارِ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّمُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّهُ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَتَبَ إِلَيَّ أَنْ أُزَوِّجَهُ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ، فَأَجَبْتُ إِلَى مَا دَعَا إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَقَدْ أَصْدَقْتُهَا أَرْبَعَمِائَةِ دِينَارٍ. ثُمَّ سَكَبَ الدَّنَانِيرَ بَيْنَ يَدَيِ الْقَوْمِ، فَتَكَلَّمَ خَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، أَحْمَدُهُ

стр. 3023

وَأَسْتَغْفِرُهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ، أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ أَجَبْتُ إِلَى مَا دَعَا إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَزَوَّجْتُهُ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ، فَبَارَكَ اللَّهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَدَفَعَ النَّجَاشِيُّ الدَّنَانِيرَ إِلَى خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ فَقَبَضَهَا، ثُمَّ أَرَادُوا أَنْ يَقُومُوا فَقَالَ: اجْلِسُوا، فَإِنَّ مِنْ سُنَّةِ الْأَنْبِيَاءِ إِذَا تَزَوَّجُوا أَنْ يُؤْكَلَ طَعَامٌ عَلَى التَّزْوِيجِ. فَدَعَا بِطَعَامٍ فَأَكَلُوا ثُمَّ تَفَرَّقُوا. قُلْتُ: فَلَعَلَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ لَمَّا رَأَى عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ خَارِجًا مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ بَعْدَ الْخَنْدَقِ إِنَّمَا كَانَ فِي قَضِيَّةِ أُمِّ حَبِيبَةَ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. لَكِنْ قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ: ذَكَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَنْدَهْ أَنَّ تَزْوِيجَهُ، ﵇ بِأُمِّ حَبِيبَةَ كَانَ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَأَنَّ تَزْوِيجَهُ بِأُمِّ سَلَمَةَ كَانَ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ. قُلْتُ: وَكَذَا قَالَ خَلِيفَةُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ الْبَرْقِيِّ: إِنَّ تَزْوِيجَ أُمِّ حَبِيبَةَ كَانَ فِي سَنَةِ سِتٍّ. وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: سَنَةَ سَبْعٍ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَذَهَبَ ابْنُ إِسْحَاقَ إِلَى أَنَّهُ ﷺ تَزَوَّجَ بِأُمِّ حَبِيبَةَ قَبْلَ أُمِّ سَلَمَةَ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَهُوَ أَشْبَهُ.

стр. 3024

قُلْتُ: قَدْ تَقَدَّمَ تَزْوِيجُهُ، ﵇، بِأُمِّ سَلَمَةَ فِي أَوَاخِرِ سَنَةِ أَرْبَعٍ، وَأَمَّا أُمُّ حَبِيبَةَ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَهُ، وَكَوْنُهُ بَعْدَ الْخَنْدَقِ أَشْبَهُ؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ ذِكْرِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ رَأَى عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ عِنْدَ النَّجَاشِيِّ، فَهُوَ فِي قَضِيَّتِهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ حَكَى الْحَافِظُ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي «الْغَابَةِ» عَنْ قَتَادَةَ، أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ لَمَّا هَاجَرَتْ مِنَ الْحَبَشَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ خَطَبَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَتَزَوَّجَهَا. وَحَكَى عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ إِسْلَامِ أَبِيهَا بَعْدَ الْفَتْحِ، وَاحْتَجَّ هَذَا الْقَائِلُ بِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ الْيَمَامِيِّ، عَنْ أَبِي زُمَيْلٍ سِمَاكِ بْنِ الْوَلِيدِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثَلَاثٌ أَعْطِنِيهُنَّ. قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: تُؤَمِّرُنِي عَلَى أَنْ أُقَاتِلَ الْكُفَّارَ كَمَا كُنْتُ أُقَاتِلُ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: وَمُعَاوِيَةُ تَجْعَلُهُ كَاتِبًا بَيْنَ يَدَيْكَ. قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: وَعِنْدِي أَحْسَنُ الْعَرَبِ وَأَجْمَلُهُ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ أُزَوِّجُكَهَا. الْحَدِيثَ بِتَمَامِهِ. قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: وَهَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا أُنْكِرَ عَلَى مُسْلِمٍ؛ لِأَنَّ أَبَا سُفْيَانَ لَمَّا جَاءَ يُجَدِّدُ الْعَقْدَ قَبْلَ الْفَتْحِ، دَخَلَ عَلَى ابْنَتِهِ أُمِّ حَبِيبَةَ فَثَنَتْ عَنْهُ فِرَاشَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَدْرِي أَرَغِبْتِ بِي عَنْهُ، أَوْ بِهِ عَنِّي؟ قَالَتْ: بَلْ هَذَا فِرَاشُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَنْتَ رَجُلٌ مُشْرِكٌ. فَقَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ أَصَابَكِ بَعْدِي يَا بُنَيَّةُ شَرٌّ.

стр. 3025

وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: هَذَا الْحَدِيثُ وَضَعَهُ عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ. وَهَذَا الْقَوْلُ مِنْهُ لَا يُتَابَعُ عَلَيْهِ. وَقَالَ آخَرُونَ: أَرَادَ أَنْ يُجَدِّدَ الْعَقْدَ لِمَا فِيهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ مِنَ الْغَضَاضَةِ عَلَيْهِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لِأَنَّهُ اعْتَقَدَ انْفِسَاخَ نِكَاحِ ابْنَتِهِ بِإِسْلَامِهِ. وَهَذِهِ كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ، وَالْأَحْسَنُ فِي هَذَا أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُزَوِّجَهُ ابْنَتَهُ الْأُخْرَى عَزَّةَ، لِمَا رَأَى فِي ذَلِكَ مِنَ الشَّرَفِ لَهُ، وَاسْتَعَانَ بِأُخْتِهَا أُمِّ حَبِيبَةَ كَمَا فِي «الصَّحِيحَيْنِ» وَإِنَّمَا وَهِمَ الرَّاوِي هَذَا بِتَسْمِيَتِهِ أُمَّ حَبِيبَةَ، وَقَدْ أَفْرَدْنَا لِذَلِكَ جُزْءًا مُفْرَدًا. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ: تُوُفِّيَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ: تُوُفِّيَتْ قَبْلَ مُعَاوِيَةَ بِسَنَةٍ، وَكَانَتْ وَفَاةُ مُعَاوِيَةَ فِي رَجَبٍ سَنَةَ سِتِّينَ.

стр. 3026

تَزْوِيجُهُ، ﵇، بِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشِ بْنِ رِئَابِ بْنِ يَعْمَرَ بْنِ صَبِرَةَ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَبِيرِ بْنِ غَنْمِ بْنِ دُودَانَ بْنِ أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ الْأَسَدِيَّةِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، وَهِيَ بِنْتُ أُمَيْمَةَ بِنْتِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَمَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَتْ قَبْلَهُ عِنْدَ مَوْلَاهُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ ﵁. قَالَ قَتَادَةُ وَالْوَاقِدِيُّ، وَبَعْضُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ: تَزَوَّجَهَا ﵇ سَنَةَ خَمْسٍ. زَادَ بَعْضُهُمْ: فِي ذِي الْقَعْدَةِ. قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ: تَزَوَّجَهَا بَعْدَ بَنِي قُرَيْظَةَ. وَقَالَ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ مَنْدَهْ: تَزَوَّجَهَا سَنَةَ ثَلَاثٍ. وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ، وَهُوَ الَّذِي سَلَكَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ التَّارِيخِ. وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ وَالْفُقَهَاءِ وَأَهْلِ التَّارِيخِ فِي سَبَبِ تَزْوِيجِهِ إِيَّاهَا ﵇، حَدِيثًا ذَكَرَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي

стр. 3027

«مُسْنَدِهِ» تَرَكْنَا إِيرَادَهُ قَصْدًا؛ لِئَلَّا يَضَعَهُ بَعْضُ مَنْ لَا يَفْهَمُ عَلَى غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (الْأَحْزَابِ: ٣٧ ٣٨). وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى ذَلِكَ فِي «التَّفْسِيرِ» بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ، فَالْمُرَادُ بِالَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ هَاهُنَا زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْإِسْلَامِ، وَأَنْعَمَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْعِتْقِ، وَزَوَّجَهُ بِابْنَةِ عَمَّتِهِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ قَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: وَكَانَ صَدَاقُهُ لَهَا عَشَرَةَ دَنَانِيرَ وَسِتِّينَ دِرْهَمًا، وَخِمَارًا، وَمِلْحَفَةً، وَدِرْعًا، وَخَمْسِينَ مُدًّا مِنْ طَعَامٍ، وَعَشَرَةَ أَمْدَادٍ مِنْ تَمْرٍ، فَمَكَثَتْ عِنْدَهُ قَرِيبًا مِنْ سَنَةٍ أَوْ فَوْقَهَا، ثُمَّ وَقَعَ بَيْنَهُمَا، فَجَاءَ زَوْجُهَا يَشْكُوهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَجَعَلَ ﷺ يَقُولُ لَهُ: «اتَّقِ اللَّهَ وَأَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ» قَالَ اللَّهُ: وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ

стр. 3028

«قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ زَيْنُ الْعَابِدِينَ، وَالسُّدِّيُّ: كَانَ اللَّهُ قَدْ أَعْلَمَهُ أَنَّهَا سَتَكُونُ مِنْ أَزْوَاجِهِ، فَهُوَ الَّذِي كَانَ فِي نَفْسِهِ، ﵇. وَقَدْ تَكَلَّمَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ هَاهُنَا بِآثَارٍ غَرِيبَةٍ، وَبَعْضُهَا فِيهِ نَظَرٌ، تَرَكْنَاهَا قَصْدًا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا وَذَلِكَ أَنَّ زَيْدًا طَلَّقَهَا، فَلَمَّا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، بَعَثَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُهَا إِلَى نَفْسِهَا، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، وَكَانَ الَّذِي زَوَّجَهَا مِنْهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﵎، كَمَا ثَبَتَ فِي» صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ «عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ كَانَتْ تَفْخَرُ عَلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ فَتَقُولُ: زَوَّجَكُنَّ أَهَالِيكُنَّ، وَزَوَّجَنِيَ اللَّهُ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ. وَفِي رِوَايَةٍ مِنْ طَرِيقِ عِيسَى بْنِ طَهْمَانَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَتْ زَيْنَبُ تَفْخَرُ عَلَى نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ وَتَقُولُ: أَنْكَحَنِيَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ. وَفِيهَا أُنْزِلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ الْآيَةَ (الْأَحْزَابِ: ٥٣) وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: جَاءَ زَيْدٌ يَشْكُو زَيْنَبَ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:» اتَّقِ اللَّهَ، وَأَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ «قَالَ أَنَسٌ: فَلَوْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَاتِمًا شَيْئًا لَكَتَمَ هَذِهِ،

стр. 3029

فَكَانَتْ تَفْخَرُ عَلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ تَقُولُ: زَوَّجَكُنَّ أَهَالِيكُنَّ، وَزَوَّجَنِيَ اللَّهُ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ. ثُمَّ قَالَ: رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدِّمِيِّ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ. ثُمَّ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَفَّانَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: جَاءَ زَيْدٌ يَشْكُو إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ :» أَمْسِكْ عَلَيْكَ أَهْلَكَ فَنَزَلَتْ: وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ ثُمَّ قَالَ: رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ، عَنْ مُعَلَّى بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ حَمَّادٍ مُخْتَصَرًا. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مُغِيرَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: كَانَتْ زَيْنَبُ تَقُولُ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنِّي لَأَدِلُّ عَلَيْكَ بِثَلَاثٍ مَا مِنْ نِسَائِكَ امْرَأَةٌ تَدِلُّ بِهِنَّ؛ أَنَّ جَدِّي وَجَدَّكَ وَاحِدٌ - تَعْنِي عَبْدَ الْمُطَّلِبِ؛ فَإِنَّهُ أَبُو أَبِي النَّبِيِّ ﷺ وَأَبُو أُمِّهَا أُمَيْمَةَ بِنْتِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ - وَأَنِّي أَنْكَحَنِيكَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ وَأَنَّ السَّفِيرَ جِبْرِيلُ ﵇. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا هَاشِمٌ - يَعْنِي ابْنَ الْقَاسِمِ أَبَا النَّضْرِ -

стр. 3030

حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا انْقَضَتْ عِدَّةُ زَيْنَبَ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِزَيْدٍ: «اذْهَبْ فَاذْكُرْهَا عَلَيَّ» فَانْطَلَقَ حَتَّى أَتَاهَا وَهِيَ تُخَمِّرُ عَجِينَهَا. قَالَ: فَلَمَّا رَأَيْتُهَا، عَظُمَتْ فِي صَدْرِي، حَتَّى مَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَنْظُرَ إِلَيْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَهَا، فَوَلَّيْتُهَا ظَهْرِي، وَنَكَصْتُ عَلَى عَقِبَيَّ وَقُلْتُ: يَازَيْنَبُ، أَبْشِرِي، أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُكِ. قَالَتْ: مَا أَنَا بِصَانِعَةٍ شَيْئًا حَتَّى أُؤَامِرَ رَبِّي . ثُمَّ قَامَتْ إِلَى مَسْجِدِهَا، وَنَزَلَ الْقُرْآنُ، وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَدَخَلَ عَلَيْهَا بِغَيْرِ إِذَنٍ. قَالَ أَنَسٌ: وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا حِينَ دَخَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَطْعَمَنَا عَلَيْهَا الْخُبْزَ وَاللَّحْمَ، فَخَرَجَ النَّاسُ، وَبَقِيَ رِجَالٌ يَتَحَدَّثُونَ فِي الْبَيْتِ بَعْدَ الطَّعَامِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاتَّبَعْتُهُ، فَجَعَلَ يَتَّبَّعُ حُجَرَ نِسَائِهِ يُسَلِّمُ عَلَيْهِنَّ، وَيَقُلْنَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ وَجَدْتَ أَهْلَكَ؟ فَمَا أَدْرِي أَنَا أَخْبَرْتُهُ أَنَّ الْقَوْمَ قَدْ خَرَجُوا، أَوْ أُخْبِرَ. قَالَ: فَانْطَلَقَ حَتَّى دَخَلَ الْبَيْتَ، فَذَهَبْتُ أَدْخُلُ مَعَهُ، فَأَلْقَى السِّتْرَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَنَزَلَ الْحِجَابُ وَوُعِظَ الْقَوْمُ بِمَا وُعِظُوا بِهِ لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ الْآيَةَ. وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ. ٥

стр. 3031

ذِكْرُ نُزُولِ آيَةِ الْحِجَابِ صَبِيحَةَ عُرْسِهَا الَّذِي وَلِيَ اللَّهُ عَقْدَ نِكَاحِهِ فَنَاسَبَ نُزُولُ الْحِجَابِ فِي هَذَا الْعُرْسِ صِيَانَةً لَهَا وَلِأَخَوَاتِهَا مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَذَلِكَ وَفْقَ الرَّأْيِ الْعُمَرِيِّ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقَاشِيُّ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، سَمِعْتُ أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو مِجْلَزٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: لَمَّا تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ دَعَا الْقَوْمَ فَطَعِمُوا ثُمَّ جَلَسُوا يَتَحَدَّثُونَ، فَإِذَا هُوَ يَتَهَيَّأُ لِلْقِيَامِ فَلَمْ يَقُومُوا، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَامَ، فَلَمَّا قَامَ، قَامَ مَنْ قَامَ، وَقَعَدَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ، وَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ لِيَدْخُلَ فَإِذَا الْقَوْمُ جُلُوسٌ، ثُمَّ إِنَّهُمْ قَامُوا فَانْطَلَقُوا، فَجِئْتُ فَأَخْبَرْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَنَّهُمْ قَدِ انْطَلَقُوا، فَجَاءَ حَتَّى دَخَلَ

стр. 3032

فَذَهَبْتُ أَدْخُلُ، فَأَلْقَى الْحِجَابَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ الْآيَةَ. وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ وَمُسْلِمٌ والنَّسَائِيُّ، مِنْ طُرُقٍ عَنْ مُعْتَمِرٍ. ثُمَّ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مُنْفَرِدًا بِهِ مِنْ حَدِيثِ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ، بِنَحْوِهِ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: بُنِيَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ بِخُبْزٍ وَلَحْمٍ، فَأُرْسِلْتُ عَلَى الطَّعَامِ دَاعِيًا، فَيَجِيءُ قَوْمٌ فَيَأْكُلُونَ وَيَخْرُجُونَ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ فَيَأْكُلُونَ وَيَخْرُجُونَ، فَدَعَوْتُ حَتَّى مَا أَجِدُ أَحَدًا أَدْعُوهُ، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، مَا أَجِدُ أَحَدًا أَدْعُوهُ. قَالَ: «فَارْفَعُوا طَعَامَكُمْ». وَبَقِيَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ يَتَحَدَّثُونَ فِي الْبَيْتِ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَانْطَلَقَ إِلَى حُجْرَةِ عَائِشَةَ فَقَالَ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ» قَالَتْ: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، كَيْفَ وَجَدْتَ أَهْلَكَ، بَارَكَ اللَّهُ لَكَ؟ فَتَقَرَّى حُجَرَ نِسَائِهِ كُلِّهِنَّ، يَقُولُ لَهُنَّ كَمَا يَقُولُ لِعَائِشَةَ، وَيَقُلْنَ لَهُ كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ، ثُمَّ رَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ فَإِذَا رَهْطٌ ثَلَاثَةٌ فِي الْبَيْتِ يَتَحَدَّثُونَ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ شَدِيدَ الْحَيَاءِ، فَخَرَجَ مُنْطَلِقًا نَحْوَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ، فَمَا أَدْرِي آخْبَرْتُهُ،

стр. 3033

أَمْ أُخْبِرَ أَنَّ الْقَوْمَ خَرَجُوا؟ فَخَرَجَ حَتَّى إِذَا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي أُسْكُفَّةِ الْبَابِ دَاخِلَةً وَأُخْرَى خَارِجَةً أَرْخَى السِّتْرَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَأُنْزِلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ تَفَرَّدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. ثُمَّ رَوَاهُ مُنْفَرِدًا بِهِ أَيْضًا، عَنْ إِسْحَاقَ هُوَ ابْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَكْرٍ السَّهْمِيِّ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، بِنَحْوِ ذَلِكَ وَقَالَ: رَجُلَانِ. بَدَلَ ثَلَاثَةٍ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنِ الْجَعْدِ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ أَنَسٍ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو الْمُظَفَّرِ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنِ الْجَعْدِ أَبِي عُثْمَانَ الْيَشْكُرِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: أَعْرَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِبَعْضِ نِسَائِهِ فَصَنَعَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ حَيْسًا ثُمَّ وَضَعَتْهُ فِي تَوْرٍ، فَقَالَتْ: اذْهَبْ بِهَذَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَخْبِرْهُ أَنَّ هَذَا مِنَّا لَهُ قَلِيلٌ. قَالَ أَنَسٌ: وَالنَّاسُ يَوْمَئِذٍ فِي جَهْدٍ فَجِئْتُ بِهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ

стр. 3034

بَعَثَتْ بِهَذَا أُمُّ سُلَيْمٍ إِلَيْكَ، وَهِيَ تُقْرِئُكَ السَّلَامَ وَتَقُولُ: أَخْبِرْهُ أَنَّ هَذَا مِنَّا لَهُ قَلِيلٌ. فَنَظَرَ إِلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «ضَعْهُ». فَوَضَعْتُهُ فِي نَاحِيَةِ الْبَيْتِ، ثُمَّ قَالَ: «اذْهَبْ فَادْعُ لِي فُلَانًا وَفُلَانًا». فَسَمَّى رِجَالًا كَثِيرًا. قَالَ: «وَمَنْ لَقِيتَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ» فَدَعَوْتُ مَنْ قَالَ لِي، وَمَنْ لَقِيتُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَجِئْتُ وَالْبَيْتُ وَالصُّفَّةُ وَالْحُجْرَةُ مَلْأَى مِنَ النَّاسِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا عُثْمَانَ، كَمْ كَانُوا؟ قَالَ: كَانُوا زُهَاءَ ثَلَاثِمِائَةٍ. قَالَ أَنَسٌ: فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «جِئْ بِهِ». فَجِئْتُ بِهِ إِلَيْهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ وَدَعَا، وَقَالَ: «مَا شَاءَ اللَّهُ» ثُمَّ قَالَ: «لِيَتَحَلَّقْ عَشَرَةٌ عَشَرَةٌ وَيُسَمُّوا، وَلْيَأْكُلْ كُلُّ إِنْسَانٍ مِمَّا يَلِيهِ». فَجَعَلُوا يُسَمُّونَ وَيَأْكُلُونَ حَتَّى أَكَلُوا كُلُّهُمْ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «ارْفَعْهُ». قَالَ: فَجِئْتُ فَأَخَذْتُ التَّوْرَ فَنَظَرْتُ، فَمَا أَدْرِي أَهُوَ حِينَ وَضَعْتُهُ أَكْثَرَ أَمْ حِينَ رَفَعْتُهُ. قَالَ: وَتَخَلَّفَ رِجَالٌ يَتَحَدَّثُونَ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَزَوْجُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّتِي دَخَلَ بِهَا مَعَهُمْ مُوَلِّيَةٌ وَجْهَهَا إِلَى الْحَائِطِ، فَأَطَالُوا الْحَدِيثَ، فَشَقُّوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَ أَشَدَّ النَّاسِ حَيَاءً، وَلَوْ عَلِمُوا كَانَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ عَزِيزًا، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَخَرَجَ فَسَلَّمَ عَلَى حُجَرِهِ وَعَلَى نِسَائِهِ، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَدْ جَاءَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ ثَقَّلُوا عَلَيْهِ، ابْتَدَرُوا الْبَابَ فَخَرَجُوا، وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَرْخَى السِّتْرَ، وَدَخَلَ الْبَيْتَ وَأَنَا فِي الْحُجْرَةِ، فَمَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ

стр. 3035

ﷺ فِي بَيْتِهِ يَسِيرًا، وَأَنْزَلَ اللَّهُ الْقُرْآنَ، فَخَرَجَ وَهُوَ يَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (الْأَحْزَابِ: ٥٣ ٥٤). قَالَ أَنَسٌ: فَقَرَأَهُنَّ عَلَيَّ قَبْلَ النَّاسِ، وَأَنَا أُحَدَّثُ النَّاسِ بِهِنَّ عَهْدًا. وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ جَمِيعًا، عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنِ الْجَعْدِ أَبِي عُثْمَانَ بِهِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الْجَعْدِ أَبَى عُثْمَانَ، بِهِ. وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ طُرُقٍ، عَنْ بَيَانٍ أَبِي بِشْرٍ الْأَحْمَسِيِّ الْكُوفِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، بِنَحْوِهِ. وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي نَضْرَةَ الْعَبْدِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، بِنَحْوِهِ، وَلَمْ يُخْرِجُوهُ. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ،

стр. 3036

مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ، وَمِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، بِنَحْوِ ذَلِكَ. قُلْتُ: كَانَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ ﵂ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلِ وَكَانَتْ كَثِيرَةَ الْخَيْرِ وَالصَّدَقَةِ، وَكَانَ اسْمُهَا أَوَّلًا بَرَّةَ فَسَمَّاهَا النَّبِيُّ ﷺ زَيْنَبَ وَكَانَتْ تُكَنَّى بِأُمِّ الْحَكَمِ، قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: مَا رَأَيْتُ امْرَأَةً قَطُّ خَيْرًا فِي الدِّينِ مِنْ زَيْنَبَ، وَأَتْقَى لِلَّهِ وَأَصْدَقَ حَدِيثًا وَأَوْصَلَ لِلرَّحِمِ وَأَعْظَمَ أَمَانَةً وَصَدَقَةً. وَثَبَتَ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» - كَمَا سَيَأْتِي فِي حَدِيثِ الْإِفْكِ - عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: وَسَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِّي زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ، وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي مِنْ نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَعَصَمَهَا اللَّهُ بِالْوَرَعِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي، مَا عَلِمْتُ إِلَّا خَيْرًا. وَقَالَ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ فِي «صَحِيحِهِ»: حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى السِّينَانِيُّ، حَدَّثَنَا طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَسْرَعُكُنَّ لُحُوقًا بِي أَطْوَلُكُنَّ يَدًا» قَالَتْ: فَكُنَّا نَتَطَاوَلُ أَيُّنَا أَطْوَلُ يَدًا. قَالَتْ: فَكَانَتْ زَيْنَبُ أَطْوَلَنَا يَدًا؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ تَعْمَلُ بِيَدِهَا وَتَتَصَدَّقُ انْفَرَدَ بِهِ مُسْلِمٌ.

стр. 3037

قَالَ الْوَاقِدِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ السِّيَرِ وَالْمَغَازِي وَالتَّوَارِيخِ: تُوُفِّيَتْ سَنَةَ عِشْرِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ. وَصَلَّى عَلَيْهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁، وَدُفِنَتْ بِالْبَقِيعِ، وَهِيَ أَوَّلُ امْرَأَةٍ صُنِعَ لَهَا النَّعْشُ.

стр. 3038

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سَنَةُ سِتٍّ مِنَ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: يُقَالُ: فِي الْمُحَرَّمِ مِنْهَا كَانَتْ سَرِيَّةُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ قِبَلَ نَجْدٍ، وَأَسَرُوا فِيهَا ثُمَامَةَ بْنَ أُثَالٍ الْيَمَامِيَّ. قُلْتُ: لَكِنْ فِي سِيَاقِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ شَهِدَ ذَلِكَ، وَهُوَ إِنَّمَا هَاجَرَ بَعْدَ خَيْبَرَ فَتُؤَخَّرُ إِلَى مَا بَعْدَهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَهِيَ السَّنَةُ الَّتِي كَانَ فِي أَوَائِلِهَا غَزْوَةُ بَنِي لِحْيَانَ، عَلَى الصَّحِيحِ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَ فَتْحُ بَنِي قُرَيْظَةَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ وَصَدْرٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ. وَوَلِيَ تِلْكَ الْحِجَّةَ الْمُشْرِكُونَ. يَعْنِي فِي سَنَةِ خَمْسٍ كَمَا تَقَدَّمَ. قَالَ: ثُمَّ أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ ذَا الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمَ وَصَفَرٍ وَشَهْرَيْ رَبِيعٍ، وَخَرَجَ فِي جُمَادَى الْأُولَى عَلَى رَأْسِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ فَتْحِ قُرَيْظَةَ إِلَى بَنِي لِحْيَانَ يَطْلُبُ بِأَصْحَابِ الرَّجِيعِ خُبَيْبٍ وَأَصْحَابِهِ، وَأَظْهَرَ أَنَّهُ يُرِيدُ الشَّامَ لِيُصِيبَ مِنَ الْقَوْمِ غِرَّةً.

стр. 3039

قَالَ ابْنُ هِشَامٍ وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ ﵇، لَمَّا انْتَهَى إِلَى مَنَازِلِهِمْ هَرَبُوا مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، فَتَحَصَّنُوا فِي رُءُوسِ الْجِبَالِ فَمَالَ إِلَى عُسْفَانَ فَلَقِيَ بِهَا جَمْعًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَصَلَّى بِهَا صَلَاةَ الْخَوْفِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذِهِ الْغَزْوَةِ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ، وَهُنَالِكَ ذَكَرَهَا الْبَيْهَقِيُّ، وَالْأَشْبَهُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّهَا كَانَتْ بَعْدَ الْخَنْدَقِ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ صَلَّى بِعُسْفَانَ يَوْمَ بَنِي لِحْيَانَ، فَلْتُكْتَبْ هَاهُنَا، وَتُحَوَّلْ مِنْ هُنَاكَ اتِّبَاعًا لِإِمَامِ أَصْحَابِ الْمَغَازِي فِي زَمَانِهِ وَبَعْدَهُ، كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: مَنْ أَرَادَ الْمَغَازِي فَهُوَ عِيَالٌ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ. وَقَدْ قَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ فِي غَزْوَةَ بَنِي لِحْيَانَ: لَوَ انَّ بَنِي لِحْيَانَ كَانُوا تَنَاظَرُوا … لَقُوا عُصَبًا فِي دَارِهِمْ ذَاتَ مَصْدَقِ لَقُوا سَرَعَانًا يَمْلَأُ السَّرْبَ رَوْعُهُ … أَمَامَ طَحُونٍ كَالْمَجَرَّةِ فَيْلَقِ

стр. 3040

.. وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا وِبَارًا تَتَبَّعَتْ شِعَابَ حِجَارٍ غَيْرِ ذِي مُتَنَفَّقِ

стр. 3041

غَزْوَةُ ذِي قَرَدٍ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: ثُمَّ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَلَمْ يُقِمْ بِهَا إِلَّا لَيَالِيَ قَلَائِلَ، حَتَّى أَغَارَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ الْفَزَارِيُّ، فِي خَيْلٍ مِنْ غَطَفَانَ عَلَى لِقَاحِ النَّبِيِّ ﷺ بِالْغَابَةِ، وَفِيهَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي غِفَارٍ وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ، فَقَتَلُوا الرَّجُلَ وَاحْتَمَلُوا الْمَرْأَةَ فِي اللِّقَاحِ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ وَمَنْ لَا أَتَّهِمُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ - كُلٌّ قَدْ حَدَّثَ فِي غَزْوَةِ ذِي قَرَدٍ بَعْضَ الْحَدِيثِ - أَنَّهُ كَانَ أَوَّلَ مَنْ نَذِرَ بِهِمْ سَلَمَةُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْأَكْوَعِ الْأَسْلَمِيُّ، غَدَا يُرِيدُ الْغَابَةَ مُتَوَشِّحًا قَوْسَهُ وَنَبْلَهُ، وَمَعَهُ غُلَامٌ لِطَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ مَعَهُ فَرَسٌ لَهُ يَقُودُهُ، حَتَّى إِذَا عَلَا ثَنِيَّةَ الْوَدَاعِ نَظَرَ إِلَى بَعْضِ خُيُولِهِمْ، فَأَشْرَفَ فِي نَاحِيَةِ سَلْعٍ، ثُمَّ صَرَخَ: وَاصَبَاحَاهُ. ثُمَّ خَرَجَ يَشْتَدُّ

стр. 3042

فِي آثَارِ الْقَوْمِ، وَكَانَ مِثْلَ السَّبُعِ حَتَّى لَحِقَ بِالْقَوْمِ، فَجَعَلَ يَرُدُّهُمْ بِالنَّبْلِ وَيَقُولُ إِذَا رَمَى: خُذْهَا وَانَا ابْنُ الْأَكْوَعْ … الْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعْ فَإِذَا وُجِّهَتِ الْخَيْلُ نَحْوَهُ انْطَلَقَ هَارِبًا ثُمَّ عَارَضَهُمْ، فَإِذَا أَمْكَنَهُ الرَّمْيُ رَمَى ثُمَّ قَالَ: خُذْهَا وَانَا ابْنُ الْأَكْوَعْ … الْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعْ قَالَ: فَيَقُولُ قَائِلُهُمْ: أُوَيْكِعُنَا هُوَ أَوَّلُ النَّهَارِ. قَالَ: وَبَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صِيَاحُ ابْنِ الْأَكْوَعِ، فَصَرَخَ بِالْمَدِينَةِ: «الْفَزَعَ الْفَزَعَ». فَتَرَامَتِ الْخُيُولُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنِ انْتَهَى إِلَيْهِ مِنَ الْفُرْسَانِالْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ، ثُمَّ عَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ، وَسَعْدُ بْنُ زَيْدٍ، وَأُسَيْدُ بْنُ ظُهَيْرٍ - يُشَكُّ فِيهِ - وَعُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ، وَمُحْرِزُ بْنُ نَضْلَةَ، أَخُو بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ، وَأَبُو

стр. 3043

قَتَادَةَ الْحَارِثُ بْنُ رِبْعِيٍّ، أَخُو بَنِي سَلِمَةَ، وَأَبُو عَيَّاشٍ عُبَيْدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ صَامِتٍ، أَخُو بَنِي زُرَيْقٍ، قَالَ: فَلَمَّا اجْتَمَعُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَمَّرَ عَلَيْهِمْ سَعْدَ بْنَ زَيْدٍ، ثُمَّ قَالَ: «اخْرُجْ فِي طَلَبِ الْقَوْمِ حَتَّى أَلْحَقَكَ فِي النَّاسِ» وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَبِي عَيَّاشٍ فِيمَا بَلَغَنِي عَنْ رِجَالٍ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ: «يَا أَبَا عَيَّاشٍ لَوْ أَعْطَيْتَ هَذَا الْفَرَسَ رَجُلًا هُوَ أَفْرَسُ مِنْكَ فَلَحِقَ بِالْقَوْمِ». قَالَ أَبُو عَيَّاشٍ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا أَفْرَسُ النَّاسِ. ثُمَّ ضَرَبْتُ الْفَرَسَ، فَوَاللَّهِ مَا جَرَى بِي خَمْسِينَ ذِرَاعًا حَتَّى طَرَحَنِي، فَعَجِبْتُ مِنْ ذَلِكَ، فَزَعَمَ رِجَالٌ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْطَى فَرَسَ أَبِي عَيَّاشٍ مُعَاذَ بْنَ مَاعِصٍ، أَوْ عَائِذَ بْنَ مَاعِصٍ بْنِ قَيْسِ بْنِ خَلَدَةَ، وَكَانَ ثَامِنًا. قَالَ: وَبَعْضُ النَّاسِ يَعُدُّ سَلَمَةَ بْنَ الْأَكْوَعِ ثَامِنًا، وَيَطْرَحُ أُسَيْدَ بْنَ ظُهَيْرٍ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ، قَالَ: وَلَمْ يَكُنْ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ يَوْمَئِذٍ فَارِسًا، وَقَدْ كَانَ أَوَّلَ مَنْ لَحِقَ بِالْقَوْمِ عَلَى رِجْلَيْهِ. قَالَ: فَخَرَجَ الْفُرْسَانُ حَتَّى تَلَاحَقُوا، فَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ أَنَّ أَوَّلَ فَارِسٍ لَحِقَ بِالْقَوْمِ مُحْرِزُ بْنُ نَضْلَةَ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ الْأَخْرَمُ. وَيُقَالُ لَهُ: قُمَيْرٌ. وَكَانَتِ الْفَرَسُ الَّتِي تَحْتَهُ لِمَحْمُودِ بْنِ مَسْلَمَةَ - وَكَانَ يُقَالُ لِلْفَرَسِ: ذُو اللِّمَّةِ - فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى الْعَدُوِّ قَالَ لَهُمْ: قِفُوا مَعْشَرَ بَنِي اللَّكِيعَةِ حَتَّى يَلْحَقَ بِكُمْ مَنْ وَرَاءَكُمْ مِنْ أَدْبَارِكُمْ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ. قَالَ: فَحَمَلَ

стр. 3044

عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَتَلَهُ، وَجَالَ الْفَرَسُ فَلَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ حَتَّى وَقَفَ عَلَى أَرِيَّةٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، أَيْ رَجَعَ إِلَى مِرْبَطِهِ الَّذِي كَانَ فِيهِ بِالْمَدِينَةِ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَلَمْ يُقْتَلْ يَوْمَئِذٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ غَيْرُهُ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ قَدْ قُتِلَ مَعَهُ أَيْضًا وَقَّاصُ بْنُ مُجَزِّزٍ الْمُدْلِجِيُّ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ مَنْ لَا أَتَّهِمُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ مُحْرِزًا كَانَ عَلَى فَرَسٍ لِعُكَّاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ يُقَالُ لَهَا: الْجَنَاحُ. فَقُتِلَ مُحْرِزٌ وَاسْتُلِبَتِ الْجَنَاحُ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ: وَلَمَّا تَلَاحَقَتِ الْخَيْلُ قَتَلَ أَبُو قَتَادَةَ حَبِيبَ بْنَ عُيَيْنَةَ وَغَشَّاهُ بُرْدَهُ، ثُمَّ لَحِقَ بِالنَّاسِ، وَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمُسْلِمِينَ - قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ - فَإِذَا حَبِيبٌ مُسَجًّى بِبُرْدِ أَبِي قَتَادَةَ، فَاسْتَرْجَعَ النَّاسُ، وَقَالُوا: قُتِلَ أَبُو قَتَادَةَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَيْسَ بِأَبِي قَتَادَةَ، وَلَكِنَّهُ قَتِيلٌ لِأَبِي قَتَادَةَ، وَوَضَعَ عَلَيْهِ بُرْدَهُ لِتَعْرِفُوا أَنَّهُ صَاحِبُهُ». قَالَ: وَأَدْرَكَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ أَوْبَارًا وَابْنَهُ عَمْرَو بْنَ أَوْبَارٍ، وَهُمَا عَلَى بَعِيرٍ وَاحِدٍ، فَانْتَظَمَهُمَا بِالرُّمْحِ فَقَتَلَهُمَا جَمِيعًا وَاسْتَنْقَذُوا بَعْضَ اللِّقَاحِ. قَالَ: وَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى نَزَلَ بِالْجَبَلِ مِنْ ذِي قَرَدٍ، وَتَلَاحَقَ بِهِ النَّاسُ، فَأَقَامَ عَلَيْهِ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَقَالَ

стр. 3045

لَهُ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ سَرَّحْتَنِي فِي مِائَةِ رَجُلٍ لَاسْتَنْقَذْتُ بَقِيَّةَ السَّرْحِ وَأَخَذْتُ بِأَعْنَاقِ الْقَوْمِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيمَا بَلَغَنِي -: إِنَّهُمُ الْآنَ لَيُغْبَقُونَ فِي غَطَفَانَ «فَقَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي أَصْحَابِهِ فِي كُلِّ مِائَةِ رَجُلٍ جَزُورًا، وَأَقَامُوا عَلَيْهِ، ثُمَّ رَجَعَ قَافِلًا حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ. قَالَ: وَأَقْبَلَتِ امْرَأَةُ الْغِفَارِيِّ عَلَى نَاقَةٍ مِنْ إِبِلِ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى قَدِمَتْ عَلَيْهِ الْمَدِينَةَ فَأَخْبَرَتْهُ الْخَبَرَ. فَلَمَّا فَرَغَتْ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي قَدْ نَذَرْتُ اللَّهَ أَنْ أَنْحَرَهَا إِنْ نَجَّانِي اللَّهُ عَلَيْهَا. قَالَ: فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ:» بِئْسَ مَا جَزَيْتِهَا أَنْ حَمَلَكِ اللَّهُ عَلَيْهَا وَنَجَّاكِ بِهَا ثُمَّ تَنْحَرِينَهَا، إِنَّهُ لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَلَا فِيمَا لَا تَمْلِكِينَ، إِنَّمَا هِيَ نَاقَةٌ مِنْ إِبِلِي، فَارْجِعِي إِلَى أَهْلِكِ عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَالْحَدِيثُ فِي ذَلِكَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ هَكَذَا أَوْرَدَ ابْنُ إِسْحَاقَ هَذِهِ الْقِصَّةَ بِمَا ذَكَرَهُ مِنَ الْإِسْنَادِ وَالسِّيَاقِ. وَقَدْ قَالَ الْبُخَارِيُّ، ﵀، بَعْدَ قِصَّةِ الْحُدَيْبِيَةِ وَقَبْلَ خَيْبَرَ: غَزْوَةُ ذِي قَرَدٍ، وَهِيَ الْغَزْوَةُ الَّتِي أَغَارُوا عَلَى لِقَاحِ النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ خَيْبَرَ بِثَلَاثٍ، حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، سَمِعْتُ سَلَمَةَ بْنَ الْأَكْوَعِ يَقُولُ: خَرَجْتُ قَبْلَ أَنْ يُؤَذَّنَ بِالْأُولَى، وَكَانَتْ لِقَاحُ النَّبِيِّ ﷺ تَرْعَى بِذِي قَرَدٍ. قَالَ: فَلَقِيَنِي غُلَامٌ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فَقَالَ: أُخِذَتْ لِقَاحُ النَّبِيِّ ﷺ فَقُلْتُ: مَنْ أَخَذَهَا؟ قَالَ: غَطَفَانُ. قَالَ: فَصَرَخْتُ ثَلَاثَ صَرَخَاتٍ: يَا

стр. 3046

صَبَاحَاهْ. قَالَ: فَأَسْمَعْتُ مَا بَيْنَ لَابَتَيِ الْمَدِينَةِ، ثُمَّ انْدَفَعْتُ عَلَى وَجْهِي حَتَّى أَدْرَكْتُهُمْ وَقَدْ أَخَذُوا يَسْتَقُونَ مِنَ الْمَاءِ، فَجَعَلْتُ أَرْمِيهِمْ بِنَبْلِي - وَكُنْتُ رَامِيًا - وَأَقُولُ: أَنَا ابْنُ الْأَكْوَعْ، الْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعْ. وَأَرْتَجِزُ حَتَّى اسْتَنْقَذْتُ اللِّقَاحَ مِنْهُمْ وَاسْتَلَبْتُ مِنْهُمْ ثَلَاثِينَ بُرْدَةً. قَالَ: وَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ وَالنَّاسُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ حَمَيْتُ الْقَوْمَ الْمَاءَ، وَهُمْ عِطَاشٌ، فَابْعَثْ إِلَيْهِمُ السَّاعَةَ. فَقَالَ: «يَا ابْنَ الْأَكْوَعِ، مَلَكْتَ فَأَسْجِحْ». ثُمَّ رَجَعْنَا، وَيُرْدِفُنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى نَاقَتِهِ حَتَّى قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ. وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ قُتَيْبَةَ، بِهِ، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَبِي عَاصِمٍ النَّبِيلِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ مَوْلَاهُ سَلَمَةَ، بِنَحْوِهِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنِي إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ مَعَ

стр. 3047

رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَخَرَجْتُ أَنَا وَرَبَاحٌ غُلَامُ النَّبِيِّ ﷺ بِظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَخَرَجْتُ بِفَرَسٍ لِطَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، كُنْتُ أُرِيدُ أَنْ أُنَدِّيَهُ مَعَ الْإِبِلِ، فَلَمَّا كَانَ بِغَلَسٍ أَغَارَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُيَيْنَةَ عَلَى إِبِلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَتَلَ رَاعِيَهَا وَخَرَجَ يَطْرُدُهَا هُوَ وَأُنَاسٌ مَعَهُ فِي خَيْلٍ، فَقُلْتُ: يَا رَبَاحُ، اقْعُدْ عَلَى هَذَا الْفَرَسِ فَأَلْحِقْهُ بِطَلْحَةَ، وَأَخْبِرْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَدْ أُغِيرَ عَلَى سَرْحِهِ. قَالَ: وَقُمْتُ عَلَى تَلٍّ فَجَعَلْتُ وَجْهِي مِنْ قِبَلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ نَادَيْتُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: يَا صَبَاحَاهْ. قَالَ: ثُمَّ اتَّبَعْتُ الْقَوْمَ مَعِي سَيْفِي وَنَبْلِي، فَجَعَلْتُ أَرْمِيهِمْ وَأَعْقِرُ بِهِمْ، وَذَلِكَ حِينَ يَكْثُرُ الشَّجَرُ فَإِذَا رَجَعَ إِلَيَّ فَارِسٌ جَلَسْتُ لَهُ فِي أَصْلِ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَمَيْتُ فَلَا يُقْبِلُ عَلَيَّ فَارِسٌ إِلَّا عَقَرْتُ بِهِ، فَجَعَلْتُ أَرْمِيهِمْ، وَأَنَا أَقُولُ: أَنَا ابْنُ الْأَكْوَعْ وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعْ. قَالَ: فَأَلْحَقُ بِرَجُلٍ مِنْهُمْ فَأَرْمِيهِ، وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ فَيَقَعُ سَهْمِي فِي الرَّجُلِ حَتَّى انْتَظَمَ كَتِفَهُ، فَقُلْتُ: خُذْهَا وَانَا ابْنُ الْأَكْوَعْ … وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعْ فَإِذَا كُنْتُ فِي الشَّجَرِ أَحْرَقْتُهُمْ بِالنَّبْلِ، فَإِذَا تَضَايَقَتِ الثَّنَايَا عَلَوْتُ الْجَبَلَ

стр. 3048

فَرَدَيْتُهُمْ بِالْحِجَارَةِ، فَمَا زَالَ ذَاكَ شَأْنِي وَشَأْنَهُمْ أَتْبَعُهُمْ وَأَرْتَجِزُ حَتَّى مَا خَلَقَ اللَّهُ شَيْئًا مِنْ ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا خَلَّفْتُهُ وَرَاءَ ظَهْرِي، فَاسْتَنْقَذْتُهُ مِنْ أَيْدِيهِمْ، ثُمَّ لَمْ أَزَلْ أَرْمِيهِمْ حَتَّى أَلْقَوْا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ رُمْحًا، وَأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ بُرْدَةً يَسْتَخِفُّونَ مِنْهَا، وَلَا يُلْقُونَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا إِلَّا جَعَلْتُ عَلَيْهِ حِجَارَةً، وَجَمَعْتُ عَلَى طَرِيقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، حَتَّى إِذَا امْتَدَّ الضُّحَى أَتَاهُمْ عُيَيْنَةُ بْنُ بَدْرٍ الْفَزَارِيُّ مَدَدًا لَهُمْ، وَهُمْ فِي ثَنِيَّةٍ ضَيِّقَةٍ، ثُمَّ عَلَوْتُ الْجَبَلَ، فَأَنَا فَوْقَهُمْ، فَقَالَ عُيَيْنَةُ: مَا هَذَا الَّذِي أَرَى؟ قَالُوا: لَقِينَا مِنْ هَذَا الْبَرْحَ، مَا فَارَقَنَا بِسَحَرٍ حَتَّى الْآنَ، وَأَخَذَ كُلَّ شَيْءٍ فِي أَيْدِينَا وَجَعَلَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ فَقَالَ عُيَيْنَةُ: لَوْلَا أَنَّ هَذَا يَرَى أَنَّ وَرَاءَهُ طَلَبًا لَقَدْ تَرَكَكُمْ، لِيَقُمْ إِلَيْهِ نَفَرٌ مِنْكُمْ. فَقَامَ إِلَيْهِ نَفَرٌ مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ، فَصَعِدُوا فِي الْجَبَلِ، فَلَمَّا أَسْمَعْتُهُمُ الصَّوْتَ قُلْتُ: أَتَعْرِفُونَنِي؟ قَالُوا: وَمَنْ أَنْتَ؟ قُلْتُ: أَنَا ابْنُ الْأَكْوَعِ، وَالَّذِي كَرَّمَ وَجْهَ مُحَمَّدٍ لَا يَطْلُبُنِي رَجُلٌ مِنْكُمْ فَيُدْرِكَنِي وَلَا أَطْلُبُهُ فَيَفُوتَنِي. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: إِنْ أَظُنُّ. قَالَ: فَمَا بَرِحْتُ مَقْعَدِي ذَلِكَ حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى فَوَارِسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَتَخَلَّلُونَ الشَّجَرَ، وَإِذَا أَوَّلُهُمِ الْأَخْرَمُ الْأَسَدِيُّ، وَعَلَى أَثَرِهِ أَبُو قَتَادَةَ فَارِسُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَعَلَى أَثَرِ أَبِي قَتَادَةَ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ الْكِنْدِيُّ، فَوَلَّى الْمُشْرِكُونَ

стр. 3049

مُدْبِرِينَ، وَأَنْزِلُ مِنَ الْجَبَلِ فَآخُذُ عِنَانَ فَرَسِهِ، فَقُلْتُ: يَا أَخْرَمُ انْذَرِ الْقَوْمَ - يَعْنِي احْذَرْهُمْ - فَإِنِّي لَا آمَنُ أَنْ يَقْتَطِعُوكَ، فَاتَّئِدْ حَتَّى يَلْحَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ قَالَ: يَا سَلَمَةُ، إِنْ كُنْتَ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَتَعْلَمُ أَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ وَالنَّارَ حَقٌّ فَلَا تَحُلْ بَيْنِي وَبَيْنَ الشَّهَادَةِ. قَالَ: فَخَلَّيْتُ عِنَانَ فَرَسِهِ، فَيَلْحَقُ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَيَعْطِفُ عَلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَاخْتَلَفَا طَعْنَتَيْنِ، فَعَقَرَ الْأَخْرَمُ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَطَعَنَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَقَتَلَهُ، فَتَحَوَّلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلَى فَرَسِ الْأَخْرَمِ، فَيَلْحَقُ أَبُو قَتَادَةَ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ فَاخْتَلَفَا طَعْنَتَيْنِ فَعَقَرَ بِأَبِي قَتَادَةَ، وَقَتَلَهُ أَبُو قَتَادَةَ، وَتَحَوَّلَ أَبُو قَتَادَةَ عَلَى فَرَسِ الْأَخْرَمِ، ثُمَّ إِنِّي خَرَجْتُ أَعْدُو فِي أَثَرِ الْقَوْمِ حَتَّى مَا أَرَى مِنْ غُبَارِ صَحَابَةِ النَّبِيِّ ﷺ شَيْئًا، وَيُعْرِضُونَ قَبْلَ غَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ إِلَى شِعْبٍ فِيهِ مَاءٌ يُقَالُ لَهُ: ذُو قَرَدٍ. فَأَرَادُوا أَنْ يَشْرَبُوا مِنْهُ، فَأَبْصَرُونِي أَعْدُو وَرَاءَهُمْ فَعَطَفُوا عَنْهُ، وَاشْتَدُّوا فِي الثَّنِيِّةِ ثَنِيَّةِ ذِي بِئْرٍ، وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَأَلْحَقُ رَجُلًا فَأَرْمِيهِ فَقُلْتُ: خُذْهَا وَانَا ابْنُ الْأَكْوَعْ … وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعْ قَالَ: فَقَالَ: يَا ثُكْلَ أُمِّ أَكْوَعَ بُكْرَةَ. فَقُلْتُ: نَعَمْ، أَيْ عَدُوَّ نَفْسِهِ. وَكَانَ الَّذِي رَمَيْتُهُ بُكْرَةَ وَأَتْبَعْتُهُ سَهْمًا آخَرَ فَعَلِقَ بِهِ سَهْمَانِ، وَيَخْلُفُونَ فَرَسَيْنِ

стр. 3050

فَجِئْتُ بِهِمَا أَسُوقُهُمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى الْمَاءِ الَّذِي أَجْلَيْتُهُمْ عَنْهُ - ذُو قَرَدٍ - وَإِذَا بِنَبِيِّ اللَّهِ ﷺ فِي خَمْسِمِائَةٍ، وَإِذَا بِلَالٌ قَدْ نَحَرَ جَزُورًا مِمَّا خَلَفْتُ، فَهُوَ يَشْوِي لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ كَبِدِهَا وَسَنَامِهَا، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، خَلِّنِي فَأَنْتَخِبُ مِنْ أَصْحَابِكَ مِائَةً، فَآخُذُ عَلَى الْكُفَّارِ بِالْعَشْوَةِ، فَلَا يَبْقَى مِنْهُمْ مُخْبِرٌ إِلَّا قَتَلْتُهُ. فَقَالَ: «أَكُنْتَ فَاعِلًا ذَلِكَ يَا سَلَمَةُ؟». قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ وَالَّذِي أَكْرَمَكَ. فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى رَأَيْتُ نَوَاجِذَهُ فِي ضَوْءِ النَّارِ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّهُمْ يُقْرَوْنَ الْآنَ بِأَرْضِ غَطَفَانَ». فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ غَطَفَانَ فَقَالَ: مَرُّوا عَلَى فُلَانٍ الْغَطَفَانِيِّ، فَنَحَرَ لَهُمْ جَزُورًا، فَلَمَّا أَخَذُوا يَكْشِطُونَ جِلْدَهَا رَأَوْا غَبَرَةً، فَتَرَكُوهَا وَخَرَجُوا هِرَابًا، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «خَيْرُ فُرْسَانِنَا الْيَوْمَ أَبُو قَتَادَةَ، وَخَيْرُ رَجَّالَتِنَا سَلَمَةُ». فَأَعْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَهْمَ الْفَارِسِ وَالرَّاجِلِ جَمِيعًا، ثُمَّ أَرْدَفَنِي وَرَاءَهُ عَلَى الْعَضْبَاءِ رَاجِعِينَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلَمَّا كَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهَا قَرِيبٌ مِنْ ضَحْوَةٍ، وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ كَانَ لَا يُسْبَقُ جَعَلَ يُنَادِي: هَلْ مِنْ مُسَابِقٍ؟ أَلَا رَجُلٌ يُسَابِقُ إِلَى الْمَدِينَةِ؟ فَأَعَادَ ذَلِكَ مِرَارًا، وَأَنَا وَرَاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُرْدِفِي، فَقُلْتُ لَهُ: أَمَا تُكْرِمُ كَرِيمًا وَلَا تَهَابُ شَرِيفًا؟ قَالَ: لَا، إِلَّا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، خَلِّنِي فَلْأُسَابِقِ الرَّجُلَ. قَالَ:
следующие страницы →