Полный текст (13 161 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.
стр. 4026
فَتَمَّمَهُ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ، وَلَكِنْ خَشِيَ مِنْ حَدَاثَةِ عَهْدِ النَّاسِ بِالْجَاهِلِيَّةِ فَتُنْكِرُهُ قُلُوبُهُمْ، فَلَمَّا كَانَتْ إِمْرَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ هَدَمَ الْكَعْبَةَ، وَبَنَاهَا عَلَى مَا أَشَارَ إِلَيْهِ، ﷺ ، كَمَا أَخْبَرَتْهُ خَالَتُهُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ بِنْتُ الصِّدِّيقِ. فَإِنْ كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ اسْتَلَمَ الْأَرْكَانَ كُلَّهَا بَعْدَ بِنَائِهِ إِيَّاهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ فَحَسَنٌ جِدًّا وَهُوَ وَاللَّهِ الْمَظْنُونُ بِهِ.
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: ثَنَا مُسَدَّدٌ ثَنَا يَحْيَى عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَدَعُ أَنْ يَسْتَلِمَ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَ وَالْحَجَرَ فِي كُلِّ طَوْفَةٍ. وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، عَنْ يَحْيَى.
وَقَالَ النَّسَائِيُّ: ثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ بَيْنَ الرُّكْنِ الْيَمَانِي وَالْحَجَرِ:» رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ «(الْبَقَرَةِ: ٢٠١) وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ مُسَدَّدٍ، عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ بِهِ.
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: ثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ
стр. 4027
جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَاسْتَلَمَ الْحَجَرَ، ثُمَّ مَضَى عَلَى يَمِينِهِ فَرَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ أَتَى الْمَقَامَ فَقَالَ:» وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى «. فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَالْمَقَامُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ، ثُمَّ أَتَى الْحَجَرَ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّفَا، أَظُنُّهُ قَالَ:» إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ " حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَهَكَذَا رَوَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ آدَمَ وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، عَنِ النَّسَائِيِّ وَغَيْرِهِ، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ وَاصِلٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ آدَمَ بِهِ.
ذِكْرُ رَمَلِهِ ﵊ فِي طَوَافِهِ وَاضْطِبَاعِهِ
قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا أَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ إِذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ الْأَسْوَدَ أَوَّلَ مَا يَطُوفُ يَخُبُّ ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ مِنَ السَّبْعِ .. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي الطَّاهِرِ بْنِ السَّرْحِ وَحَرْمَلَةَ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ وَهْبٍ بِهِ.
стр. 4028
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، ثَنَا سُرَيْجُ بْنُ النُّعْمَانِ، ثَنَا فُلَيْحٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَعَى النَّبِيُّ ﷺ ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ وَمَشَى أَرْبَعَةً فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ. تَابَعَهُ اللَّيْثُ حَدَّثَنِي كَثِيرُ بْنُ فَرْقَدٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . انْفَرَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ. وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ، عَنْ مُحَمَّدٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، كِلَاهُمَا عَنْ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، عَنْ أَبِيهِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ كَثِيرِ بْنِ فَرْقَدٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِهِ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، ثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ ثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا طَافَ فِي الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ أَوَّلَ مَا يَقْدَمُ سَعَى ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ وَمَشَى أَرْبَعَةً، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، ثَنَا أَنَسٌ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ الطَّوَافَ الْأَوَّلَ يَخُبُّ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ وَيَمْشِي أَرْبَعَةً، وَأَنَّهُ كَانَ يَسْعَى بَطْنَ الْمَسِيلِ إِذَا طَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ.
стр. 4029
وَقَالَ مُسْلِمٌ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَبَانَ الْجُعْفِيُّ، أَنْبَأَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ أَنْبَأَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: رَمَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا. ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمِ بْنِ أَخْضَرَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بِنَحْوِهِ.
وَقَالَ مُسْلِمٌ أَيْضًا: حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَالِكٌ وَابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَمَلَ الثَّلَاثَةَ أَطْوَافٍ مِنَ الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ.
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِيمَ الرَّمَلَانُ وَالْكَشْفُ عَنِ الْمَنَاكِبِ وَقَدْ أَطَّأَ اللَّهُ الْإِسْلَامَ، وَنَفَى الْكُفْرَ وَأَهْلَهُ؟! وَمَعَ ذَلِكَ لَا نَتْرُكُ شَيْئًا كُنَّا نَفْعَلُهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْهُ. وَهَذَا كُلُّهُ رَدٌّ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَمَنْ تَابَعَهُ مِنْ أَنَّ الرَّمَلَ لَيْسَ بِسُنَّةٍ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِنَّمَا فَعَلَهُ لَمَّا قَدِمَ هُوَ
стр. 4030
وَأَصْحَابُهُ صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ - يَعْنِي فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ - وَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنَّهُ يَقْدُمُ عَلَيْكُمْ وَفْدٌ وَهَنَتْهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ. فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَرْمُلُوا الْأَشْوَاطَ الثَّلَاثَةَ، وَأَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ، وَلَمْ يَمْنَعْهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الْأَشْوَاطَ كُلَّهَا إِلَّا الْإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ، وَهَذَا ثَابِتٌ عَنْهُ فِي «الصَّحِيحَيْنِ»، فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُنْكِرُ وُقُوعَ الرَّمَلِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَقَدْ صَحَّ بِالنَّقْلِ الثَّابِتِ كَمَا تَقَدَّمَ - بَلْ فِيهِ زِيَادَةُ تَكْمِيلٍ - الرَّمَلُ مِنَ الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ، وَلَمْ يَمْشِ مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ; لِزَوَالِ تِلْكَ الْعِلَّةِ الْمُشَارِ إِلَيْهَا، وَهِيَ الضَّعْفُ.
وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمْ رَمَلُوا فِي عُمْرَةِ الْجِعْرَانَةِ وَاضْطَبَعُوا. وَهُوَ رَدٌّ عَلَيْهِ، فَإِنَّ عُمْرَةَ الْجِعْرَانَةِ لَمْ يَبْقَ فِي أَيَّامِهَا خَوْفٌ; لِأَنَّهَا بَعْدَ الْفَتْحِ كَمَا تَقَدَّمَ. رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابَهُ اعْتَمَرُوا مِنَ الْجِعْرَانَةِ، فَرَمَلُوا بِالْبَيْتِ وَاضْطَبَعُوا، وَوَضَعُوا أَرْدِيَتَهُمْ تَحْتَ آبَاطِهِمْ وَعَلَى عَوَاتِقِهِمْ. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ حَمَّادٍ بِنَحْوِهِ، وَمِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِهِ.
فَأَمَّا الِاضْطِبَاعُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَدْ قَالَ قَبِيصَةُ وَالْفِرْيَابِيُّ عَنْ سُفْيَانَ
стр. 4031
الثَّوْرِيِّ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ مُضْطَبِعًا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، ثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ يَعْلَى، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: طَافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُضْطَبِعًا بُرْدًا أَخْضَرَ.
وَهَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ وَكِيعٍ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ يَعْلَى، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا قَدِمَ طَافَ بِالْبَيْتِ وَهُوَ مُضْطَبِعٌ بِبُرْدٍ لَهُ حَضْرَمِيٍّ.
وَقَالَ جَابِرٌ فِي حَدِيثِهِ الْمُتَقَدِّمِ: حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ، فَرَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ نَفَذَ إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ فَقَرَأَ: «وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى». فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ. فَذَكَرَ أَنَّهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ قَرَأَ فِيهِمَا: «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ» (الْإِخْلَاصِ: ١). وَ «قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ» (الْكَافِرُونَ: ١). فَإِنْ قِيلَ: فَهَلْ كَانَ، ﵊ فِي هَذَا الطَّوَافِ
стр. 4032
رَاكِبًا أَوْ مَاشِيًا؟ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ قَدْ وَرَدَ نَقْلَانِ قَدْ يُظَنُّ أَنَّهُمَا مُتَعَارِضَانِ، وَنَحْنُ نَذْكُرُهُمَا، وَنُشِيرُ إِلَى التَّوْفِيقِ بَيْنَهُمَا، وَرَفْعِ اللَّبْسِ عِنْدَ مَنْ يَتَوَهَّمُ فِيهِمَا تَعَارُضًا، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ وَعَلَيْهِ الِاسْتِعَانَةُ، وَهُوَ حَسْبُنَا وَنَعِمَ الْوَكِيلُ.
قَالَ الْبُخَارِيُّ، ﵀: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ وَيَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَا: ثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: طَافَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى بَعِيرِهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ. وَأَخْرَجَهُ بَقِيَّةُ الْجَمَاعَةِ إِلَّا التِّرْمِذِيَّ مِنْ طُرُقٍ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ قَالَ الْبُخَارِيُّ: تَابَعَهُ الدَّرَاوَرْدِيُّ، عَنِ ابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَمِّهِ. وَهَذِهِ الْمُتَابَعَةُ غَرِيبَةٌ جِدًّا.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، ثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، ثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: طَافَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْبَيْتِ عَلَى بَعِيرٍ، كُلَّمَا أَتَى الرُّكْنَ أَشَارَ إِلَيْهِ.
وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيِّ وَعَبْدِ الْوَارِثِ، كِلَاهُمَا عَنْ خَالِدِ بْنِ مِهْرَانَ الْحَذَّاءِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: طَافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى رَاحِلَتِهِ، فَإِذَا انْتَهَى إِلَى الرُّكْنِ أَشَارَ إِلَيْهِ. وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
стр. 4033
ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ: ثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: طَافَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْبَيْتِ عَلَى بَعِيرٍ، كُلَّمَا أَتَى الرُّكْنَ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ كَانَ عِنْدَهُ وَكَبَّرَ. تَابَعَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ. وَقَدْ أَسْنَدَ هَذَا التَّعْلِيقَ هَاهُنَا فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي عَامِرٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ بِهِ.
وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ مُوسَى، عَنْ شُعَيْبِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طَافَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ حَوْلَ الْكَعْبَةِ عَلَى بَعِيرِهِ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ; كَرَاهِيَةَ أَنْ يُضْرِبَ عَنْهُ النَّاسُ. فَهَذَا إِثْبَاتُ أَنَّهُ، ﵊ طَافَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى بَعِيرٍ، وَلَكِنْ حَجَّةُ الْوَدَاعِ كَانَ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَطْوَافٍ; الْأَوَّلُ طَوَافُ الْقُدُومِ، وَالثَّانِي طَوَافُ الْإِفَاضَةِ، وَهُوَ طَوَافُ الْفَرْضِ وَكَانَ يَوْمَ النَّحْرِ، وَالثَّالِثُ طَوَافُ الْوَدَاعِ. فَلَعَلَّ رُكُوبَهُ ﷺ كَانَ فِي أَحَدِ الْأَخِيرَيْنِ، أَوْ فِي كِلَيْهِمَا. فَأَمَّا الْأَوَّلُ، وَهُوَ طَوَافُ الْقُدُومِ، فَكَانَ مَاشِيًا فِيهِ. وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى هَذَا كُلِّهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِهِ «السُّنَنِ الْكَبِيرِ» أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُؤَمَّلِ بْنِ
стр. 4034
الْحَسَنِ بْنِ عِيسَى، ثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، ثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ ثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ - هُوَ ابْنُ يَسَارٍ، ﵀ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: دَخَلْنَا مَكَّةَ عِنْدَ ارْتِفَاعِ الضُّحَى، فَأَتَى النَّبِيُّ ﷺ بَابَ الْمَسْجِدِ فَأَنَاخَ رَاحِلَتَهُ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَبَدَأَ بِالْحَجَرِ فَاسْتَلَمَهُ، وَفَاضَتْ عَيْنَاهُ بِالْبُكَاءِ، ثُمَّ رَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا، حَتَّى فَرَغَ، فَلَمَّا فَرَغَ قَبَّلَ الْحَجَرَ، وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَيْهِ وَمَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ. وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ.
فَأَمَّا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، ثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدِمَ مَكَّةَ وَهُوَ يَشْتَكِي، فَطَافَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، فَلَمَّا أَتَى عَلَى الرُّكْنِ اسْتَلَمَهُ بِمِحْجَنٍ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ أَنَاخَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ. تَفَرَّدَ بِهِ يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ. ثُمَّ لَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَلَا ذَكَرَ أَنَّهُ فِي الطَّوَافِ الْأَوَّلِ مِنْ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَكَذَا جَابِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَكِبَ فِي طَوَافِهِ لِضَعْفِهِ. وَإِنَّمَا ذَكَرَا كَثْرَةَ النَّاسِ وَغِشْيَانَهُمْ لَهُ، وَكَانَ لَا يُحِبُّ أَنْ يُضْرَبُوا بَيْنَ يَدَيْهِ، كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ. ثُمَّ هَذَا التَّقْبِيلُ الثَّانِي الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي رِوَايَتِهِ بَعْدَ الطَّوَافِ وَبَعْدَ رَكْعَتَيْهِ أَيْضًا ثَابِتٌ فِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ» مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، قَالَ فِيهِ بَعْدَ ذِكْرِ صَلَاةِ رَكْعَتِيِ الطَّوَافِ: ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ.
стр. 4035
وَقَدْ قَالَ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ فِي «صَحِيحِهِ»: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنُ نُمَيْرٍ جَمِيعًا، عَنْ أَبِي خَالِدٍ - قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ - عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ يَسْتَلِمُ الْحَجَرَ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَبَّلَ يَدَهُ وَقَالَ: مَا تَرَكْتُهُ مُنْذُ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُهُ. فَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ الطَّوْفَاتِ أَوْ فِي آخِرِ اسْتِلَامٍ فَعَلَ هَذَا كَمَا ذَكَرْنَا، أَوْ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ لَمْ يَصِلْ إِلَى الْحَجَرِ لِضَعْفٍ كَانَ بِهِ، أَوْ لِئَلَّا يُزَاحِمَ غَيْرَهُ فَيَحْصُلُ لِغَيْرِهِ أَذًى بِهِ.
وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِوَالِدِهِ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي «مُسْنَدِهِ» حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ الْعَبْدِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ شَيْخًا بِمَكَّةَ فِي إِمَارَةِ الْحَجَّاجِ يُحَدِّثُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: «يَا عُمَرُ إِنَّكَ رَجُلٌ قَوِيٌّ، لَا تُزَاحِمْ عَلَى الْحَجَرِ فَتُؤْذِيَ الضَّعِيفَ، إِنْ وَجَدْتَ خَلْوَةً فَاسْتَلِمْهُ، وَإِلَّا فَاسْتَقْبِلْهُ فَهَلِّلْ وَكَبِّرْ». وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ لَكِنَّ رَاوِيَهُ عَنْ عُمَرَ مُبْهَمٌ لَمْ يُسَمَّ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ ثِقَةٌ جَلِيلٌ. فَقَدْ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ الْعَبْدِيِّ، وَاسْمُهُ وَقْدَانُ، سَمِعْتُ رَجُلًا مِنْ خُزَاعَةَ حِينَ قُتِلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ، وَكَانَ أَمِيرًا عَلَى مَكَّةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعُمَرَ: «يَا أَبَا حَفْصٍ، إِنَّكَ رَجُلٌ قَوِيٌّ فَلَا تُزَاحِمْ عَلَى الرُّكْنِ; فَإِنَّكَ تُؤْذِي الضَّعِيفَ، وَلَكِنْ
стр. 4036
إِنْ وَجَدْتَ خَلْوَةً فَاسْتَلِمْهُ، وَإِلَّا فَكَبِّرْ وَامْضِ». قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَارِثِ كَانَ الْحَجَّاجُ اسْتَعْمَلَهُ عَلَيْهَا مُنْصَرَفَهُ مِنْهَا حِينَ قُتِلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ.
قُلْتُ: وَقَدْ كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ هَذَا جَلِيلًا نَبِيلًا كَبِيرَ الْقَدْرِ، وَكَانَ أَحَدَ النَّفَرِ الْأَرْبَعَةِ الَّذِينَ نَدَبَهُمْ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فِي كِتَابَةِ الْمَصَاحِفِ الْأَئِمَّةِ الَّتِي نَفَّذَهَا إِلَى الْآفَاقِ، وَوَقَعَ عَلَى مَا فَعَلَهُ الْإِجْمَاعُ وَالِاتِّفَاقُ.
стр. 4037
ذِكْرُ طَوَافِهِ ﷺ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ
رَوَى مُسْلِمٌ فِي «صَحِيحِهِ» عَنْ جَابِرٍ فِي حَدِيثِهِ الطَّوِيلِ الْمُتَقَدِّمِ، بَعْدَ ذِكْرِهِ طَوَافَهُ، ﵊، بِالْبَيْتِ سَبْعًا وَصَلَاتَهُ عِنْدَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ قَالَ: ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْبَابِ إِلَى الصَّفَا، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الصَّفَا قَرَأَ: «إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ» أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ «. فَبَدَأَ بِالصَّفَا، فَرَقِيَ عَلَيْهِ حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَوَحَّدَ اللَّهَ وَكَبَّرَهُ، وَقَالَ:» لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ «. ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ، فَقَالَ مِثْلَ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَّمَاهُ فِي الْوَادِي رَمَلَ، حَتَّى إِذَا صَعِدَ مَشَى حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ، فَرَقِيَ عَلَيْهَا، حَتَّى نَظَرَ إِلَى الْبَيْتِ، فَقَالَ عَلَيْهَا كَمَا قَالَ عَلَى الصَّفَا.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: ثَنَا عُمَرُ بْنُ هَارُونَ الْبَلْخِيُّ أَبُو حَفْصٍ، ثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ بَعْضِ بَنِي يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ مُضْطَبِعًا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ بِبُرْدٍ لَهُ نَجْرَانِيٍّ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: ثَنَا يُونُسُ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُؤَمَّلِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ
стр. 4038
عَبْدِ الرَّحْمَنِ، ثَنَا عَطَاءٌ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، عَنْ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي تِجْرَاةَ قَالَتْ: دَخَلْتُ دَارَ أَبِي حُسَيْنٍ فِي نِسْوَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَالنَّبِيُّ ﷺ يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. قَالَتْ: وَهُوَ يَسْعَى يَدُورُ بِهِ إِزَارُهُ مِنْ شِدَّةِ السَّعْيِ، وَهُوَ يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ:» اسْعَوْا، إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ «
وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا: ثَنَا سُرَيْجٌ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُؤَمَّلِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، ثَنَا عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، عَنْ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي تِجْرَاةَ قَالَتْ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَالنَّاسُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ وَرَاءَهُمْ وَهُوَ يَسْعَى، حَتَّى أَرَى رُكْبَتَيْهِ مِنْ شِدَّةِ السَّعْيِ يَدُورُ بِهِ إِزَارُهُ، وَهُوَ يَقُولُ:» اسْعَوْا، فَإِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ «تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ.
وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ وَاصِلٍ مَوْلَى أَبِي عُيَيْنَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، أَنَّ امْرَأَةً أَخْبَرَتْهَا أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ ﷺ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ يَقُولُ:» كُتِبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيُ فَاسْعَوْا «وَهَذِهِ الْمَرْأَةُ هِيَ حَبِيبَةُ بِنْتُ أَبِي تِجْرَاةَ الْمُصَرَّحُ بِذِكْرِهَا فِي الْإِسْنَادَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ.
وَعَنْ أُمِّ وَلَدِ شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ أَنَّهَا أَبْصَرَتِ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَهُوَ يَقُولُ: لَا يُقْطَعُ الْأَبْطَحُ
стр. 4039
إِلَّا شَدًّا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. وَالْمُرَادُ بِالسَّعْيِ هَاهُنَا هُوَ الذَّهَابُ مِنَ الصَّفَا إِلَى الْمَرْوَةِ، وَمِنْهَا إِلَيْهَا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالسَّعْيِ هَاهُنَا الْهَرْوَلَةَ وَالْإِسْرَاعَ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَكْتُبْهُ عَلَيْنَا حَتْمًا، بَلْ لَوْ مَشَى الْإِنْسَانُ عَلَى هِينَةٍ فِي السَّبْعِ الطَّوْفَاتِ بَيْنَهُمَا وَلَمْ يَرْمُلْ فِي الْمَسِيلِ، أَجْزَأَهُ ذَلِكَ عِنْدَ جَمَاعَةِ الْعُلَمَاءِ، لَا يُعْرَفُ بَيْنَهُمُ اخْتِلَافٌ فِي ذَلِكَ.
وَقَدْ نَقَلَهُ التِّرْمِذِيُّ، ﵀، عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، ثُمَّ قَالَ: ثَنَا يُوسُفُ بْنُ عِيسَى، ثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ جُمْهَانَ قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ يَمْشِي فِي الْمَسْعَى فَقُلْتُ: أَتَمْشِي فِي السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ؟ فَقَالَ: لَئِنْ سَعَيْتُ لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْعَى، وَلَئِنْ مَشَيْتُ لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمْشِي، وَأَنَا شَيْخٌ كَبِيرٌ. ثُمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ رَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَ هَذَا. وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ جُمْهَانَ السُّلَمِيِّ الْكُوفِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ. فَقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ شَاهَدَ الْحَالَيْنِ مِنْهُ ﷺ يَحْتَمِلُ شَيْئَيْنِ; أَحَدُهُمَا أَنَّهُ رَآهُ يَسْعَى فِي وَقْتٍ مَاشِيًا لَمْ يَمْزُجْهُ بِرَمَلٍ فِيهِ بِالْكُلِّيَّةِ وَالثَّانِي أَنَّهُ رَآهُ يَسْعَى فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ وَيَمْشِي فِي بَعْضِهِ. وَهَذَا لَهُ قُوَّةٌ; لِأَنَّهُ قَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ
стр. 4040
حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْعُمَرِيِّ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَسْعَى بَطْنَ الْمَسِيلِ إِذَا طَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. وَتَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّهُ، ﵊، نَزَلَ مِنَ الصَّفَا، فَلَمَّا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي الْوَادِي رَمَلَ، حَتَّى إِذَا صَعِدَ مَشَى حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ. وَهَذَا هُوَ الَّذِي تَسْتَحِبُّهُ الْعُلَمَاءُ قَاطِبَةً; أَنَّ السَّاعِيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَرْمُلَ فِي بَطْنِ الْوَادِي فِي كُلِّ طَوْفَةٍ فِي بَطْنِ الْمَسِيلِ الَّذِي بَيْنَهُمَا، وَحَدَّدُوا ذَلِكَ بِمَا بَيْنَ الْأَمْيَالِ الْخُضْرِ، فَوَاحِدٌ مُفْرَدٌ مِنْ نَاحِيَةِ الصَّفَا مِمَّا يَلِي الْمَسْجِدَ، وَاثْنَانِ مُجْتَمِعَانِ مِنْ نَاحِيَةِ الْمَرْوَةِ مِمَّا يَلِي الْمَسْجِدَ أَيْضًا. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: مَا بَيْنَ هَذِهِ الْأَمْيَالِ الْيَوْمَ أَوْسَعُ مِنْ بَطْنِ الْمَسِيلِ الَّذِي رَمَلَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ فِي الْكِتَابِ الَّذِي جَمَعَهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: ثُمَّ خَرَجَ، ﵊، إِلَى الصَّفَا فَقَرَأَ: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ». فَطَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَيْضًا سَبْعًا رَاكِبًا عَلَى بَعِيرٍ، يَخُبُّ ثَلَاثًا وَيَمْشِي أَرْبَعًا. فَإِنَّهُ لَمْ يُتَابِعْ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، وَلَمْ يَتَفَوَّهْ بِهِ أَحَدٌ قَبْلَهُ مِنْ أَنَّهُ، ﵊، خَبَّ ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ مَعَ هَذَا الْغَلَطِ الْفَاحِشِ لَمْ يَذْكُرْ عَلَيْهِ دَلِيلًا بِالْكُلِّيَّةِ، بَلْ لَمَّا انْتَهَى إِلَى مَوْضِعِ الِاسْتِدْلَالِ عَلَيْهِ قَالَ: وَلَمْ نَجِدْ عَدَدَ الرَّمَلِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مَنْصُوصًا، وَلَكِنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. هَذَا لَفْظُهُ فَإِنْ أَرَادَ أَنَّ الرَّمَلَ
стр. 4041
فِي الطَّوْفَاتِ الثَّلَاثِ الْأُوَلِ - عَلَى مَا ذَكَرَ - مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ بَلْ لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ. وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ الرَّمَلَ فِي الثَّلَاثِ الْأُوَلِ فِي الْجُمْلَةِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فَلَا يُجْدِي لَهُ شَيْئًا وَلَا يُحَصِّلُ لَهُ مَقْصُودًا، فَإِنَّهُمْ كَمَا اتَّفَقُوا عَلَى الرَّمَلِ فِي الثَّلَاثِ الْأُوَلِ فِي بَعْضِهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، كَذَلِكَ اتَّفَقُوا عَلَى اسْتِحْبَابِهِ فِي الْأَرْبَعِ الْأُخَرِ أَيْضًا، فَتَخْصِيصُ ابْنِ حَزْمٍ الثَّلَاثَ الْأُوَلَ بِاسْتِحْبَابِ الرَّمَلِ فِيهَا، مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ الْعُلَمَاءُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَزْمٍ أَنَّهُ، ﵊، كَانَ رَاكِبًا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. فَقَدْ تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَسْعَى بَطْنَ الْمَسِيلِ أَخْرَجَاهُ. وَلِلتِّرْمِذِيِّ عَنْهُ: إِنْ أَسْعَى فَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْعَى، وَإِنْ مَشَيْتُ فَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمْشِي. وَقَالَ جَابِرٌ: فَلَمَّا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي الْوَادِي رَمَلَ، حَتَّى إِذَا صَعِدَ مَشَى. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَقَالَتْ حَبِيبَةُ بِنْتُ أَبِي تِجْرَاةَ: يَسْعَى، يَدُورُ بِهِ إِزَارُهُ مِنْ شِدَّةِ السَّعْيِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَفِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ» عَنْ جَابِرٍ كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ رَقِيَ عَلَى الصَّفَا حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ. وَكَذَلِكَ عَلَى الْمَرْوَةِ.
وَقَدْ قَدَّمْنَا مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنَاخَ بَعِيرَهُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، يَعْنِي حَتَّى طَافَ، ثُمَّ لَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ رَكِبَهُ حَالَ مَا خَرَجَ إِلَى الصَّفَا. وَهَذَا كُلُّهُ مِمَّا يَقْتَضِي أَنَّهُ، ﵊، سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مَاشِيًا.
وَلَكِنْ قَالَ مُسْلِمٌ: ثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ثَنَا مُحَمَّدٌ - يَعْنِي ابْنَ بَكْرٍ - أَنَا ابْنُ
стр. 4042
جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: طَافَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لِيَرَاهُ النَّاسُ، وَلِيُشْرِفَ وَلِيَسْأَلُوهُ; فَإِنَّ النَّاسَ غَشَوْهُ، وَلَمْ يَطُفِ النَّبِيُّ ﷺ وَلَا أَصْحَابُهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إِلَّا طَوَافًا وَاحِدًا. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ، وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ خَشْرَمٍ، عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَاتِمٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ بِهِ. وَلَيْسَ فِي بَعْضِهَا: وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.
وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: طَافَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، عَنِ الْفَلَّاسِ، عَنْ يَحْيَى، وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ شُعَيْبِ بْنِ إِسْحَاقَ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ بِهِ. فَهَذَا مَحْفُوظٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَهُوَ مُشْكِلٌ جِدًّا; لِأَنَّ بَقِيَّةَ الرِّوَايَاتِ عَنْ جَابِرٍ وَغَيْرِهِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ، ﵊، كَانَ مَاشِيًا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. وَقَدْ تَكُونُ رِوَايَةُ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ -
стр. 4043
وَهِيَ قَوْلُهُ: وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ - مُقْحَمَةً أَوْ مُدْرَجَةً مِمَّنْ بَعْدَ الصَّحَابِيِّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. أَوْ أَنَّهُ، ﵊، طَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ بَعْضَ الطَّوْفَاتِ عَلَى قَدَمَيْهِ، وَشُوهِدَ مِنْهُ مَا ذُكِرَ، فَلَمَّا ازْدَحَمَ النَّاسُ عَلَيْهِ وَكَثُرُوا رَكِبَ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْآتِي قَرِيبًا. وَقَدْ سَلَّمَ ابْنُ حَزْمٍ أَنَّ طَوَافَهُ الْأَوَّلَ بِالْبَيْتِ كَانَ مَاشِيًا، وَحَمَلَ رُكُوبَهُ فِي الطَّوَافِ عَلَى مَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَادَّعَى أَنَّهُ كَانَ رَاكِبًا فِي السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، قَالَ: لِأَنَّهُ لَمْ يَطُفْ بَيْنَهُمَا إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً. ثُمَّ تَأَوَّلَ قَوْلَ جَابِرٍ: حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَّمَاهُ فِي الْوَادِي رَمَلَ. بِأَنَّهُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ رَاكِبًا; فَإِنَّهُ إِذَا انْصَبَّ بِعِيرُهُ فَقَدِ انْصَبَّ كُلُّهُ وَانْصَبَّتْ قَدَمَاهُ مَعَ سَائِرِ جَسَدِهِ. قَالَ: وَكَذَلِكَ ذِكْرُ الرَّمَلِ يَعْنِي بِهِ رَمَلَ الدَّابَّةِ بِرَاكِبِهَا. وَهَذَا التَّأْوِيلُ بَعِيدٌ جِدًّا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: ثَنَا أَبُو سَلَمَةَ مُوسَى، ثَنَا حَمَّادٌ، أَنْبَأَنَا أَبُو عَاصِمٍ الْغَنَوِيُّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: يَزْعُمُ قَوْمُكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ رَمَلَ بِالْبَيْتِ، وَأَنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ. قَالَ: صَدَقُوا وَكَذَبُوا. فَقُلْتُ مَا صَدَقُوا وَمَا كَذَبُوا؟! قَالَ: صَدَقُوا قَدْ رَمَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَكَذَبُوا; لَيْسَ بِسُنَّةٍ، إِنَّ قُرَيْشًا قَالَتْ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ دَعُوا مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ حَتَّى يَمُوتُوا مَوْتَ النَّغَفِ. فَلَمَّا صَالَحُوهُ عَلَى أَنْ يَجِيئُوا مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ فَيُقِيمُوا بِمَكَّةَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْمُشْرِكُونَ مِنْ قِبَلِ قُعَيْقِعَانَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
стр. 4044
لِأَصْحَابِهِ: «ارْمُلُوا بِالْبَيْتِ ثَلَاثًا». وَلَيْسَ بِسُنَّةٍ. قُلْتُ: يَزْعُمُ قَوْمُكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ عَلَى بَعِيرٍ وَأَنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ. قَالَ: صَدَقُوا وَكَذَبُوا. قُلْتُ: مَا صَدَقُوا وَمَا كَذَبُوا؟! قَالَ: صَدَقُوا; قَدْ طَافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ عَلَى بَعِيرٍ، وَكَذَبُوا; لَيْسَتْ بِسُنَّةٍ، كَانَ النَّاسُ لَا يُدْفَعُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا يُصْرَفُونَ عَنْهُ، فَطَافَ عَلَى بَعِيرٍ لِيَسْمَعُوا كَلَامَهُ، وَلِيَرَوْا مَكَانَهُ وَلَا تَنَالَهُ أَيْدِيهِمْ هَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي كَامِلٍ، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَذَكَرَ فَضْلَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ بِنَحْوِ مَا تَقَدَّمَ، ثُمَّ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَخْبِرْنِي عَنِ الطَّوَافِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ رَاكِبًا، أَسُنَّةٌ هُوَ؟ فَإِنَّ قَوْمَكَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ سُنَّةٌ. قَالَ صَدَقُوا وَكَذَبُوا. قُلْتُ: وَمَا قَوْلُكَ: صَدَقُوا وَكَذَبُوا؟! قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَثُرَ عَلَيْهِ النَّاسُ يَقُولُونَ: هَذَا مُحَمَّدٌ، هَذَا مُحَمَّدٌ. حَتَّى خَرَجَ الْعَوَاتِقُ مِنَ الْبُيُوتِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يُضْرَبُ النَّاسُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلَمَّا كَثُرَ عَلَيْهِ النَّاسُ رَكِبَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَالْمَشْيُ وَالسَّعْيُ أَفْضَلُ. هَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ، وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهُ إِنَّمَا رَكِبَ فِي أَثْنَاءِ الْحَالِ، وَبِهِ يَحْصُلُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي «صَحِيحِهِ» حَيْثُ قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، ثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ:
стр. 4045
قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: أُرَانِي قَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . قَالَ: فَصِفْهُ لِي. قُلْتُ: رَأَيْتُهُ عِنْدَ الْمَرْوَةِ عَلَى نَاقَةٍ وَقَدْ كَثُرَ النَّاسُ عَلَيْهِ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ذَاكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يُدَعُّونَ عَنْهُ وَلَا يُكْرَهُونَ. فَقَدْ تَفَرَّدَ بِهِ مُسْلِمٌ، وَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ، ﵊، سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ رَاكِبًا، إِذْ لَمْ يُقَيَّدْ ذَلِكَ بِحَجَّةِ الْوَدَاعِ وَلَا غَيْرِهَا، وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَمِنَ الْجَائِزِ أَنَّهُ، ﵊، بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنَ السَّعْيِ وَجُلُوسِهِ عَلَى الْمَرْوَةِ وَخُطْبَتِهِ النَّاسَ وَأَمْرِهِ إِيَّاهُمْ مَنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ مِنْهُمْ أَنْ يَفْسَخَ الْحَجَّ إِلَى الْعُمْرَةِ، فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ إِلَّا مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ. ثُمَّ بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ أُتِيَ بِنَاقَتِهِ فَرَكِبَهَا، وَسَارَ إِلَى مَنْزِلِهِ بِالْأَبْطَحِ، كَمَا سَنَذْكُرُهُ قَرِيبًا، وَحِينَئِذٍ رَآهُ أَبُو الطُّفَيْلِ عَامِرُ بْنُ وَاثِلَةَ الْبِكْرِيُّ وَهُوَ مَعْدُودٌ فِي صِغَارِ الصَّحَابَةِ.
لَكِنْ قَالَ أَبُو دَاوُدَ: ثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَا: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ مَعْرُوفٍ، يَعْنِي ابْنَ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيَّ، حَدَّثَنَا أَبُو الطُّفَيْلِ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عَلَى رَاحِلَتِهِ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنِهِ، ثُمَّ يُقَبِّلُهُ. زَادَ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ: ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَطَافَ سَبْعًا عَلَى رَاحِلَتِهِ. وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي «صَحِيحِهِ» مِنْ حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، عَنْ مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ
стр. 4046
بِهِ، بِدُونِ الزِّيَادَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ مَعْرُوفٍ بِدُونِهَا. وَرَوَاهُ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنِ الْأَصَمِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي طَالِبٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ مُلَيْكٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ بِدُونِهَا. فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ: أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَسَنِ وَأَبُو زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَا: ثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دُحَيْمٍ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ، أَنْبَأَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى وَجَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، قَالَا: أَنْبَأَنَا أَيْمَنُ بْنُ نَابِلٍ، عَنْ قُدَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ عَلَى بَعِيرٍ; لَا ضَرْبٌ، وَلَا طَرْدٌ، وَلَا إِلَيْكَ إِلَيْكَ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: كَذَا قَالَا، وَقَدْ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ أَيْمَنَ فَقَالُوا: يَرْمِي الْجَمْرَةَ يَوْمَ النَّحْرِ. قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَا صَحِيحَيْنِ.
قُلْتُ: رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي «مُسْنَدِهِ» عَنْ وَكِيعٍ، وَقُرَّانَ بْنِ تَمَّامٍ، وَأَبِي قُرَّةَ مُوسَى بْنِ طَارِقٍ، قَاضِي أَهْلِ الْيَمَنِ، وَأَبِي أَحْمَدَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيِّ، وَمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَيْمَنَ بْنِ نَابِلٍ الْحَبَشِيِّ أَبِي عِمْرَانَ الْمَكِّيِّ نَزِيلِ عَسْقَلَانَ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَهُوَ ثِقَةٌ جَلِيلٌ مِنْ رِجَالِ الْبُخَارِيِّ، عَنْ قُدَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمَّارٍ الْكِلَابِيِّ، أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَرْمِي الْجَمْرَةَ يَوْمَ النَّحْرِ مِنْ
стр. 4047
بَطْنِ الْوَادِي عَلَى نَاقَةٍ صَهْبَاءَ; لَا ضَرْبٌ، وَلَا طَرْدٌ، وَلَا إِلَيْكَ إِلَيْكَ. وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مَنِيعٍ، عَنْ مَرْوَانَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ، وَابْنِ مَاجَهْ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ وَكِيعٍ، كِلَاهُمَا عَنْ أَيْمَنَ بْنِ نَابِلٍ، عَنْ قُدَامَةَ كَمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
قُلْتُ قَدْ ذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ; كَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَالثَّوْرِيِّ إِلَى أَنَّ الْقَارِنَ يَطُوفُ طَوَافَيْنِ وَيَسْعَى سَعْيَيْنِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَمُجَاهِدٍ وَالشَّعْبِيِّ، وَلَهُمْ أَنْ يَحْتَجُّوا بِحَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ، دَلَالَةً عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مَاشِيًا، وَحَدِيثُهُ هَذَا أَنَّهُ سَعَى بَيْنَهُمَا رَاكِبًا عَلَى تَعْدَادِ الطَّوَافِ بَيْنَهُمَا; مَرَّةً مَاشِيًا وَمَرَّةً رَاكِبًا.
وَقَدْ رَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي «سُنَنِهِ»، عَنْ عَلِيٍّ ﵁، أَنَّهُ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ طَافَ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لِعُمْرَتِهِ، ثُمَّ عَادَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لِحَجَّتِهِ، ثُمَّ أَقَامَ حَرَامًا إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ. هَذَا لَفْظُهُ. وَرَوَاهُ أَبُو ذَرٍّ الْهَرَوِيُّ فِي «مَنَاسِكِهِ» عَنْ عَلِيٍّ، أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَطَافَ لَهُمَا طَوَافَيْنِ وَسَعَى لَهُمَا سَعْيَيْنِ، وَقَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَلَ.
стр. 4048
وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ فِي «خَصَائِصِ عَلِيٍّ» فَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي «سُنَنِهِ»: أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَارِثِ الْفَقِيهُ، أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ صَاعِدٍ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زُنْبُورٍ، ثَنَا فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ - أَوْ مَنْصُورٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ - عَنْ أَبِي نَصْرٍ قَالَ: لَقِيتُ عَلِيًّا وَقَدْ أَهْلَلْتُ بِالْحَجِّ وَأَهَلَّ هُوَ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَقُلْتُ: هَلْ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَفْعَلَ كَمَا فَعَلْتَ؟ قَالَ: ذَلِكَ لَوْ كُنْتَ بَدَأْتَ بِالْعُمْرَةِ. قُلْتُ: كَيْفَ أَفْعَلُ إِذَا أَرَدْتُ ذَلِكَ؟ قَالَ: تَأْخُذُ إِدَاوَةً مِنْ مَاءٍ، فَتُفِيضُهَا عَلَيْكَ، ثُمَّ تُهِلُّ بِهِمَا جَمِيعًا، ثُمَّ تَطُوفُ لَهُمَا طَوَافَيْنِ وَتَسْعَى لَهُمَا سَعْيَيْنِ، وَلَا يَحِلُّ لَكَ حَرَامٌ دُونَ يَوْمِ النَّحْرِ. قَالَ مَنْصُورٌ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِمُجَاهِدٍ، قَالَ: مَا كُنَّا نُفْتِي إِلَّا بِطَوَافٍ وَاحِدٍ، فَأَمَّا الْآنَ فَلَا نَفْعَلُ. قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ: وَقَدْ رَوَاهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَشُعْبَةُ عَنْ مَنْصُورٍ، فَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ السَّعْيَ. قَالَ: وَأَبُو نَصْرٍ هَذَا مَجْهُولٌ، وَإِنْ صَحَّ فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ طَوَافَ الْقُدُومِ وَطَوَافَ الزِّيَارَةِ. قَالَ: وَقَدْ رُوِيَ بِأَسَانِيدَ أُخَرَ، عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا، وَمَدَارُهَا عَلَى الْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ، وَحَفْصِ بْنِ أَبِي دَاوُدَ، وَعِيسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَحَمَّادِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَكُلُّهُمْ ضَعِيفٌ لَا يُحْتَجُّ بِشَيْءٍ مِمَّا رَوَوْهُ فِي ذَلِكَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 4049
قُلْتُ: وَالْمَنْقُولُ فِي الْأَحَادِيثِ الصِّحَاحِ خِلَافُ ذَلِكَ، فَقَدْ قَدَّمْنَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» أَنَّهُ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَأَدْخَلَ عَلَيْهَا الْحَجَّ، فَصَارَ قَارِنًا، وَطَافَ لَهُمَا طَوَافًا وَاحِدًا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَقَالَ: هَكَذَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ الدَّرَاوَرْدِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ طَافَ لَهُمَا طَوَافًا وَاحِدًا، وَسَعَى لَهُمَا سَعْيًا وَاحِدًا قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. قُلْتُ: إِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ. وَهَكَذَا جَرَى لِعَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّهَا كَانَتْ مِمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ; لِعَدَمِ سَوْقِ الْهَدْيِ مَعَهَا، فَلَمَّا حَاضَتْ أَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تَغْتَسِلَ، وَتُهِلَّ بِحَجٍّ مَعَ عُمْرَتِهَا، فَصَارَتْ قَارِنَةً، فَلَمَّا رَجَعُوا مِنْ مِنًى طَلَبَتْ أَنْ يُعْمِرَهَا مِنْ بَعْدِ الْحَجِّ، فَأَعْمَرَهَا تَطْيِيبًا لِقَلْبِهَا، كَمَا جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي الْحَدِيثِ.
وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشَّافِعِيُّ: أَنْبَأَنَا مُسْلِمٌ، هُوَ ابْنُ خَالِدٍ الزَّنْجِيُّ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِعَائِشَةَ: «طَوَافُكِ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ يَكْفِيكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ». وَهَذَا ظَاهِرُهُ الْإِرْسَالُ، وَهُوَ مُسْنَدٌ فِي الْمَعْنَى، بِدَلِيلِ مَا قَالَ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا: أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ: عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عَائِشَةَ. وَرُبَّمَا قَالَ: عَنْ عَطَاءٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ
стр. 4050
لِعَائِشَةَ - فَذَكَرَهُ. قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ: رَوَاهُ ابْنُ أَبِي عُمَرَ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ مَوْصُولًا. وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ وُهَيْبٍ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ بِمِثْلِهِ.
وَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا يَقُولُ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى عَائِشَةَ وَهِيَ تَبْكِي، فَقَالَ: «مَالَكِ تَبْكِينَ؟» قَالَتْ: أَبْكِي أَنَّ النَّاسَ حَلُّوا وَلَمْ أَحِلَّ، وَطَافُوا بِالْبَيْتِ وَلَمْ أَطُفْ، وَهَذَا الْحَجُّ قَدْ حَضَرَ. قَالَ: «إِنَّ هَذَا أَمْرٌ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَاغْتَسِلِي وَأَهِلِّي بِحَجٍّ». قَالَتْ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ، فَلَمَّا طَهَرْتُ قَالَ: «طُوفِي بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ قَدْ حَلِلْتِ مِنْ حَجِّكِ وَعُمَرَتِكِ». قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَجِدُ فِي نَفْسِي مِنْ عُمْرَتِي أَنِّي لَمْ أَكُنْ طُفْتُ حَتَّى حَجَجْتُ. قَالَ: «اذْهَبْ بِهَا يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ فَأَعْمِرْهَا مِنَ التَّنْعِيمِ». وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَيْضًا: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ سَمِعْتُ جَابِرًا قَالَ: لَمْ يَطُفِ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إِلَّا طَوَافًا وَاحِدًا. وَعِنْدَ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ، ﵀، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ الَّذِينَ سَاقُوا الْهَدْيَ كَانُوا قَدْ قَرَنُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ الْمُتَقَدِّمَةُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: أَنْبَأَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ،
стр. 4051
عَنْ عَلِيٍّ قَالَ فِي الْقَارِنِ: يَطُوفُ طَوَافَيْنِ وَيَسْعَى سَعْيًا. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: طَوَافَانِ وَسَعْيَانِ. وَاحْتَجَّ فِيهِ بِرِوَايَةٍ ضَعِيفَةٍ عَنْ عَلِيٍّ. قَالَ: جَعْفَرٌ يَرْوِي عَنْ عَلِيٍّ قَوْلَنَا، وَرُوِّينَاهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
فَصْلٌ (فِي دَلَالَةِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ السَّعْيَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ وَالرَّدُّ عَلَيْهِمْ)
قَالَ جَابِرٌ فِي حَدِيثِهِ: حَتَّى إِذَا كَانَ آخِرُ طَوَافِهِ عِنْدَ الْمَرْوَةِ قَالَ: «إِنِّي لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. فَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ، كُلُّ ذَهَابٍ وَإِيَابٍ يُحْسَبُ مَرَّةً. قَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَكَابِرِ الشَّافِعِيَّةِ. وَهَذَا الْحَدِيثُ رَدٌّ عَلَيْهِمْ; لِأَنَّ آخِرَ الطَّوَافِ عَلَى قَوْلِهِمْ يَكُونُ عِنْدَ الصَّفَا لَا عِنْدَ الْمَرْوَةِ; وَلِهَذَا قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَتِهِ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ: فَلَمَّا كَانَ السَّابِعُ عِنْدَ الْمَرْوَةِ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَحِلَّ وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً». فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ. وَقَالَ مُسْلِمٌ: فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ وَقَصَّرُوا إِلَّا النَّبِيَّ ﷺ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ
فَصْلٌ (نَقْلُ الْخِلَافِ فِيمَنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ هَلْ لَهُ فَسْخٌ أَمْ لَا)
رَوَى أَمْرَهُ، ﵊، لِمَنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ، بِفَسْخِ الْحَجِّ إِلَى
стр. 4052
الْعُمْرَةِ خَلْقٌ مِنَ الصَّحَابَةِ يَطُولُ ذِكْرُنَا لَهُمْ هَاهُنَا، وَمَوْضِعُ سَرْدِ ذَلِكَ كِتَابُ «الْأَحْكَامِ الْكَبِيرِ» إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ: كَانَ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِ الصَّحَابَةِ، ثُمَّ نُسِخَ جَوَازُ الْفَسْخِ لِغَيْرِهِمْ. وَتَمَسَّكُوا بِقَوْلِ أَبِي ذَرٍّ، ﵁: لَمْ يَكُنْ فَسْخُ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ إِلَّا لِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَأَمَّا الْإِمَامُ أَحْمَدُ فَرَدَّ ذَلِكَ وَقَالَ: قَدْ رَوَاهُ أَحَدَ عَشَرَ صَحَابِيًّا، فَأَيْنَ تَقَعُ هَذِهِ الرِّوَايَةُ مِنْ ذَلِكَ؟! وَذَهَبَ، ﵀، إِلَى جَوَازِ الْفَسْخِ لِغَيْرِ الصَّحَابَةِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، ﵄، بِوُجُوبِ الْفَسْخِ عَلَى كُلِّ مَنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ، بَلْ عِنْدَهُ أَنَّهُ يَحِلُّ شَرْعًا إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ وَلَمْ يَكُنْ سَاقَ هَدْيًا صَارَ حَلَالًا بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ، وَلَيْسَ عِنْدَهُ النُّسُكُ إِلَّا الْقِرَانُ لِمَنْ سَاقَ الْهَدْيَ، أَوِ التَّمَتُّعُ لِمَنْ لَمْ يَسُقْ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْبُخَارِيُّ: ثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ، وَعَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَا: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ صُبْحَ رَابِعَةٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ يُهِلُّونَ بِالْحَجِّ لَا يَخْلِطُهُ شَيْءٌ، فَلَمَّا قَدِمْنَا أَمَرَنَا فَجَعَلْنَاهَا عُمْرَةً، وَأَنَّ نَحِلَّ إِلَى نِسَائِنَا، فَفَشَتْ فِي ذَلِكَ الْقَالَةُ. قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ جَابِرٌ: فَيَرُوحُ أَحَدُنَا إِلَى مِنًى وَذَكَرُهُ يَقْطُرُ مَنِيًّا - قَالَ جَابِرٌ بِكَفِّهِ - فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «بَلَغَنِي أَنَّ قَوْمًا يَقُولُونَ كَذَا وَكَذَا، وَاللَّهِ
стр. 4053
لَأَنَا أَبَرُّ وَأَتْقَى لِلَّهِ مِنْهُمْ، وَلَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا أَهْدَيْتُ، وَلَوْلَا أَنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ لَأَحْلَلْتُ». فَقَامَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هِيَ لَنَا أَوْ لِلْأَبَدِ؟ فَقَالَ: «لَا بَلْ لِلْأَبَدِ».
وَقَالَ مُسْلِمٌ: ثَنَا قُتَيْبَةُ، ثَنَا اللَّيْثُ، هُوَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّهُ قَالَ: أَقْبَلْنَا مُهِلِّينَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِحَجٍّ مُفْرَدٍ، وَأَقْبَلَتْ عَائِشَةُ بِعُمْرَةٍ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِسَرِفٍ عَرَكَتْ، حَتَّى إِذَا قَدِمْنَا طُفْنَا بِالْكَعْبَةِ وَالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَحِلَّ مِنَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ. قَالَ: فَقُلْنَا: حِلُّ مَاذَا؟ قَالَ: «الْحِلُّ كُلُّهُ». فَوَاقَعْنَا النِّسَاءَ، وَتَطَيَّبْنَا بِالطِّيبِ، وَلَبِسْنَا ثِيَابَنَا، وَلَيْسَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ عَرَفَةَ إِلَّا أَرْبَعُ لَيَالٍ. فَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ فِيهِمَا التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ، ﵊، قَدِمَ مَكَّةَ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ لِصُبْحِ رَابِعَةِ ذِي الْحِجَّةِ، وَذَلِكَ يَوْمَ الْأَحَدِ حِينَ ارْتَفَعَ النَّهَارُ وَقْتَ الضَّحَاءِ; لِأَنَّ أَوَّلَ ذِي الْحِجَّةِ تِلْكَ السَّنَةَ كَانَ يَوْمَ الْخَمِيسِ بِلَا خِلَافٍ، لِأَنَّ يَوْمَ عَرَفَةَ مِنْهُ كَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِنَصِّ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ الثَّابِتِ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» كَمَا سَيَأْتِي. فَلَمَّا قَدِمَ، ﵊، يَوْمَ الْأَحَدِ رَابِعَ الشَّهْرِ بَدَأَ - كَمَا ذَكَرْنَا - بِالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ بِالسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَلَمَّا انْتَهَى طَوَافُهُ بَيْنَهُمَا عِنْدَ الْمَرْوَةِ، أَمَرَ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ أَنْ يَحِلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ حَتْمًا، فَوَجَبَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ لَا مَحَالَةَ، فَفَعَلُوهُ وَبَعْضُهُمْ مُتَأَسِّفٌ; لِأَجْلِ أَنَّهُ، ﵊، لَمْ يَحِلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ لِأَجْلِ سَوْقِهِ الْهَدْيَ، وَكَانُوا يُحِبُّونَ مُوَافَقَتَهُ، ﵊، وَالتَّأَسِّيَ بِهِ، فَلَمَّا
стр. 4054
رَأَى مَا عِنْدَهُمْ مِنْ ذَلِكَ قَالَ لَهُمْ: «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمَا سُقْتُ الْهَدْيَ وَلَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً». أَيْ لَوْ أَعْلَمُ أَنَّ هَذَا يَشُقُّ عَلَيْكُمْ لَكُنْتُ تَرَكْتُ سَوْقَ الْهَدْيِ حَتَّى أَحِلَّ كَمَا أَحْلَلْتُمْ. وَمِنْ هَاهُنَا تَتَّضِحُ الدَّلَالَةُ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ التَّمَتُّعِ كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَخْذًا مِنْ هَذَا، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا أَشُكُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ قَارِنًا، وَلَكِنَّ التَّمَتُّعَ أَفْضَلُ لِتَأَسُّفِهِ عَلَيْهِ. وَجَوَابُهُ أَنَّهُ، ﵊، لَمْ يَتَأَسَّفْ عَلَى التَّمَتُّعِ لِكَوْنِهِ أَفْضَلَ مِنَ الْقِرَانِ فِي حَقِّ مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ، وَإِنَّمَا تَأَسَّفَ عَلَيْهِ لِئَلَّا يَشُقَّ عَلَى أَصْحَابِهِ فِي بَقَائِهِ عَلَى إِحْرَامِهِ وَأَمْرِهِ لَهُمْ بِالْإِحْلَالِ، وَلِهَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ لَمَّا تَأَمَّلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ هَذَا السِّرَّ، نَصَّ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ عَلَى أَنَّ التَّمَتُّعَ أَفْضَلُ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ; لِأَمْرِهِ، ﵊، مَنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ مِنْ أَصْحَابِهِ بِالتَّمَتُّعِ، وَأَنَّ الْقِرَانَ أَفْضَلُ فِي حَقِّ مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ كَمَا اخْتَارَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَأَمْرِهِ لَهُ بِذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ (نُزُولُ النَّبِيِّ ﷺ بِالْأَبْطَحِ شَرْقِيَّ مَكَّةَ)
ثُمَّ سَارَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ طَوَافِهِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَأَمْرِهِ بِالْفَسْخِ لِمَنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ، وَالنَّاسُ مَعَهُ حَتَّى نَزَلَ بِالْأَبْطَحِ شَرْقِيَّ مَكَّةَ فَأَقَامَ هُنَالِكَ بَقِيَّةَ يَوْمِ الْأَحَدِ وَيَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالثُّلَاثَاءِ وَالْأَرْبِعَاءِ، حَتَّى صَلَّى الصُّبْحَ مِنْ يَوْمِ الْخَمِيسِ، وَكُلُّ ذَلِكَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ هُنَالِكَ، وَلَمْ يَعُدْ إِلَى الْكَعْبَةِ مِنْ
стр. 4055
تِلْكَ الْأَيَّامِ كُلِّهَا. قَالَ الْبُخَارِيُّ: بَابُ مَنْ لَمْ يَقْرَبِ الْكَعْبَةَ، وَلَمْ يَطُفْ حَتَّى يَخْرُجَ إِلَى عَرَفَةَ وَيَرْجِعَ بَعْدَ الطَّوَافِ الْأَوَّلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، ثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ، ثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي كُرَيْبٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ فَطَافَ سَبْعًا، وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلَمْ يَقْرَبِ الْكَعْبَةَ بَعْدَ طَوَافِهِ بِهَا حَتَّى رَجَعَ مِنْ عَرَفَةَ انْفَرَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ.
فَصْلٌ (قُدُومُ عَلِيٍّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِالْأَبْطَحِ وَإِيجَادُهُ فَاطِمَةَ قَدْ حَلَّتْ)
وَقَدِمَ فِي هَذَا الْوَقْتِ - وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُنِيخٌ بِالْبَطْحَاءِ خَارِجَ مَكَّةَ - عَلِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ بَعَثَهُ، كَمَا قَدَّمْنَا، إِلَى الْيَمَنِ أَمِيرًا بَعْدَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، ﵄، فَلَمَّا قَدِمَ وَجَدَ زَوْجَتَهُ فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَدْ حَلَّتْ كَمَا حَلَّ أَزْوَاجُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالَّذِينَ لَمْ يَسُوقُوا الْهَدْيَ، وَاكْتَحَلَتْ وَلَبِسَتْ ثِيَابًا صَبِيغًا، فَقَالَ: مَنْ أَمَرَكِ بِهَذَا؟ قَالَتْ: أَبِي. فَذَهَبَ مُحَرِّشًا عَلَيْهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّهَا حَلَّتْ، وَلَبِسَتْ ثِيَابًا صَبِيغًا، وَاكْتَحَلَتْ، وَزَعَمَتْ أَنَّكَ أَمَرْتَهَا بِذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ: «صَدَقَتْ، صَدَقَتْ، صَدَقَتْ». ثُمَّ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «بِمَ أَهْلَلْتَ حِينَ أَوْجَبْتَ الْحَجَّ؟» قَالَ: بِإِهْلَالٍ كَإِهْلَالِ النَّبِيِّ ﷺ . قَالَ: «فَإِنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ فَلَا تَحِلَّ». فَكَانَ جَمَاعَةُ الْهَدْيِ الَّذِي جَاءَ بِهِ عَلِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ، وَالَّذِي أَتَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ
стр. 4056
وَاشْتَرَاهُ فِي الطَّرِيقِ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، وَاشْتَرَكَا فِي الْهَدْيِ جَمِيعًا. وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا كُلُّهُ فِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ»، ﵀.
وَهَذَا التَّقْرِيرُ يَرُدُّ الرِّوَايَةَ الَّتِي ذَكَرَهَا الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ، ﵀، مِنْ حَدِيثِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ عَلِيًّا تَلَقَّى النَّبِيَّ ﷺ إِلَى الْجُحْفَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَكَانَ أَبُو مُوسَى فِي جُمْلَةِ مَنْ قَدِمَ مَعَ عَلِيٍّ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَسُقْ هَدْيًا، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَنْ يَحِلَّ، بَعْدَ مَا طَافَ لِلْعُمْرَةِ وَسَعَى، فَفَسَخَ حَجَّهُ إِلَى الْعُمْرَةِ، وَصَارَ مُتَمَتِّعًا، فَكَانَ يُفْتِي بِذَلِكَ فِي أَثْنَاءِ خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَلَمَّا رَأَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنْ يُفْرِدَ الْحَجَّ عَنِ الْعُمْرَةِ تَرَكَ فُتْيَاهُ; مَهَابَةً لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ، ﵁ وَأَرْضَاهُ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْتُ بِلَالًا يُؤَذِّنُ وَيَدُورُ وَأَتَتَبَّعُ فَاهُ هَاهُنَا وَهَاهُنَا، وَأُصْبُعَاهُ فِي أُذُنَيْهِ. قَالَ: وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي قُبَّةٍ لَهُ حَمْرَاءَ، أَرَاهَا مَنْ أَدَمٍ. قَالَ: فَخَرَجَ بِلَالٌ بَيْنَ يَدَيْهِ بِالْعَنَزَةِ فَرَكَزَهَا، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: وَسَمِعْتُهُ بِمَكَّةَ قَالَ: بِالْبَطْحَاءِ - وَيَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ الْكَلْبُ وَالْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ، وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَرِيقِ سَاقَيْهِ. قَالَ سُفْيَانُ: نَرَاهَا حِبَرَةً.
وَقَالَ أَحْمَدُ: ثَنَا وَكِيعٌ، ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِالْأَبْطَحِ وَهُوَ فِي قُبَّةٍ لَهُ حَمْرَاءَ، فَخَرَجَ بِلَالٌ بِفَضْلِ
стр. 4057
وَضُوئِهِ فَمِنْ نَاضِحٍ وَنَائِلٍ. قَالَ: فَأَذَّنَ بِلَالٌ فَكُنْتُ أَتَتَبَّعُ فَاهُ هَكَذَا وَهَكَذَا - يَعْنِي يَمِينًا وَشِمَالًا - قَالَ: ثُمَّ رَكَزْتُ لَهُ عَنَزَةً، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ لَهُ حَمْرَاءُ - أَوْ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ - وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَرِيقِ سَاقَيْهِ، فَصَلَّى بِنَا إِلَى عَنَزَةٍ الظُّهْرَ - أَوِ الْعَصْرَ - رَكْعَتَيْنِ، تَمُرُّ الْمَرْأَةُ وَالْكَلْبُ وَالْحِمَارُ، لَا يَمْنَعُ، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ حَتَّى أَتَى الْمَدِينَةَ. وَقَالَ وَكِيعٌ مَرَّةً: فَصَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ. وَأَخْرَجَاهُ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ.
وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، ثَنَا شُعْبَةُ. ح وَحَجَّاجٌ، أَخْبَرَنِي شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، سَمِعْتُ أَبَا جُحَيْفَةَ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْهَاجِرَةِ إِلَى الْبَطْحَاءِ، فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةٌ. وَزَادَ فِيهِ عَوْنٌ، عَنْ أَبِيهِ أَبِي جُحَيْفَةَ: وَكَانَ يَمُرُّ مِنْ وَرَائِهَا الْحِمَارُ وَالْمَرْأَةُ. قَالَ حَجَّاجٌ فِي الْحَدِيثِ: ثُمَّ قَامَ النَّاسُ فَجَعَلُوا يَأْخُذُونَ يَدَهُ فَيَمْسَحُونَ بِهَا وُجُوهَهُمْ. قَالَ: فَأَخَذْتُ يَدَهُ فَوَضَعْتُهَا عَلَى وَجْهِي، فَإِذَا هِيَ أَبْرَدُ مِنَ الثَّلْجِ وَأَطْيَبُ رِيحًا مِنَ الْمِسْكِ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ صَاحِبَا «الصَّحِيحِ» مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ بِتَمَامِهِ.
стр. 4058
فَصْلٌ (رُكُوبُ النَّبِيِّ ﷺ قَاصِدًا إِلَى مِنًى قَبْلَ الزَّوَالِ)
فَأَقَامَ ﵊ بِالْأَبْطَحِ - كَمَا قَدَّمْنَا - يَوْمَ الْأَحَدِ وَيَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الثُّلَاثَاءَ وَيَوْمَ الْأَرْبِعَاءَ وَقَدْ حَلَّ النَّاسُ، إِلَّا مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ، وَقَدِمَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مِنَ الْيَمَنِ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَمَا مَعَهُ مِنَ الْأَمْوَالِ، وَلَمْ يَعُدْ، ﵊، إِلَى الْكَعْبَةِ بَعْدَمَا طَافَ بِهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ، ﵊، يَوْمَ الْخَمِيسِ صَلَّى بِالْأَبْطَحِ الصُّبْحَ مِنْ يَوْمَئِذٍ، وَهُوَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ، وَيُقَالُ لَهُ: يَوْمُ مِنًى; لِأَنَّهُ يُسَارُ فِيهِ إِلَيْهَا، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ قَبْلَ هَذَا الْيَوْمِ. وَيُقَالُ لِلَّذِي قَبْلَهُ فِيمَا رَأَيْتُهُ فِي بَعْضِ التَّعَالِيقِ يَوْمُ الزِّينَةِ. لِأَنَّهُ تُزَيَّنُ فِيهِ الْبُدْنُ بِالْجِلَالِ وَنَحْوِهَا. فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ: أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْجُلُودِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، ثَنَا أَبُو قُرَّةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا كَانَ قَبْلَ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ خَطَبَ النَّاسَ فَأَخْبَرَهُمْ بِمَنَاسِكِهِمْ.
فَرَكِبَ، ﵊، قَاصِدًا إِلَى مِنًى قَبْلَ الزَّوَالِ، وَقِيلَ: بَعْدَهُ. وَأَحْرَمَ الَّذِينَ كَانُوا قَدْ حَلُّوا بِالْحَجِّ مِنَ الْأَبْطَحِ حِينَ تَوَجَّهُوا إِلَى مِنًى، وَانْبَعَثَتْ رَوَاحِلُهُمْ نَحْوَهَا.
стр. 4059
قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: قَدِمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَحْلَلْنَا، حَتَّى كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ وَجَعَلْنَا مَكَّةَ مِنَّا بِظَهْرٍ، لَبَّيْنَا بِالْحَجِّ. ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا مَجْزُومًا.
وَقَالَ مُسْلِمٌ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمَّا أَحْلَلْنَا أَنْ نُحْرِمَ إِذَا تَوَجَّهْنَا إِلَى مِنًى. قَالَ: وَأَهْلَلْنَا مِنَ الْأَبْطَحِ.
وَقَالَ عُبَيْدُ بْنُ جُرَيْجٍ لِابْنِ عُمَرَ: رَأَيْتُكَ إِذَا كُنْتَ بِمَكَّةَ أَهَلَّ النَّاسُ إِذَا رَأَوُا الْهِلَالَ، وَلَمْ تُهِلَّ أَنْتَ حَتَّى يَوْمِ التَّرْوِيَةِ. فَقَالَ: لَمْ أَرَ النَّبِيَّ ﷺ يُهِلُّ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي جُمْلَةِ حَدِيثٍ طَوِيلٍ.
قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَسُئِلَ عَطَاءٌ عَنِ الْمُجَاوِرِ مِنًى يُلَبِّي بِالْحَجِّ؟ فَقَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُلَبِّي يَوْمَ التَّرْوِيَةِ إِذَا صَلَّى الظُّهْرَ وَاسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ.
قُلْتُ: هَكَذَا كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَصْنَعُ إِذَا حَجَّ مُعْتَمِرًا; يَحِلُّ مِنَ الْعُمْرَةِ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ لَا يُلَبِّي حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ مُتَوَجِّهًا إِلَى مِنًى، كَمَا أَحْرَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ بَعْدَ مَا صَلَّى الظُّهْرَ وَانْبَعَثَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ، لَكِنْ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ لَمْ يُصَلِّ النَّبِيُّ ﷺ الظُّهْرَ بِالْأَبْطَحِ، وَإِنَّمَا صَلَّاهَا يَوْمَئِذٍ بِمِنًى، وَهَذَا مِمَّا لَا نِزَاعَ فِيهِ.
стр. 4060
قَالَ الْبُخَارِيُّ: بَابُ أَيْنَ يُصَلِّي الظُّهْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثَنَا إِسْحَاقُ الْأَزْرَقُ، ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قُلْتُ: أَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ عَقَلْتَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ; أَيْنَ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ؟ قَالَ: بِمِنًى. قُلْتُ: فَأَيْنَ صَلَّى الْعَصْرَ يَوْمَ النَّفْرِ؟ قَالَ: بِالْأَبْطَحِ. ثُمَّ قَالَ: افْعَلْ كَمَا يَفْعَلُ أُمَرَاؤُكَ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ بَقِيَّةُ الْجَمَاعَةِ إِلَّا ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طُرُقٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ يُوسُفَ الْأَزْرَقِ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ بِهِ. وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ يُوسُفَ الْأَزْرَقِ بِهِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، يُسْتَغْرَبُ مِنْ حَدِيثِ الْأَزْرَقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ.
ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، سَمِعَ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَيَّاشٍ، ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رُفَيْعٍ قَالَ: لَقِيتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ. وَحَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ، ثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: خَرَجْتُ إِلَى مِنًى يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، فَلَقِيتُ أَنَسًا ذَاهِبًا عَلَى حِمَارٍ، فَقُلْتُ: أَيْنَ صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ هَذَا الْيَوْمَ الظُّهْرَ؟ فَقَالَ: انْظُرْ حَيْثُ يُصَلِّي أُمَرَاؤُكَ فَصَلِّ
وَقَالَ أَحْمَدُ: ثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، ثَنَا أَبُو كُدَيْنَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى خَمْسَ
стр. 4061
صَلَوَاتٍ بِمِنًى.
وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، ثَنَا أَبُو مُحَيَّاةَ يَحْيَى بْنُ يَعْلَى التَّيْمِيُّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ بِمِنًى، وَصَلَّى الْغَدَاةَ يَوْمَ عَرَفَةَ بِهَا.
وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ أَحْوَصَ بْنِ جَوَّابٍ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ رُزَيْقٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مِهْرَانَ الْأَعْمَشِ بِهِ، وَلَفْظُهُ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ وَالْفَجْرَ يَوْمَ عَرَفَةَ بِمِنًى. وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنِ الْأَشَجِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَجْلَحِ، عَنِ الْأَعْمَشِ بِمَعْنَاهُ، وَقَالَ: لَيْسَ هَذَا مِمَّا عَدَّهُ شُعْبَةُ فِيمَا سَمِعَهُ الْحَكَمُ عَنْ مِقْسَمٍ.
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: ثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْأَجْلَحِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمِنًى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ، ثُمَّ غَدَا إِلَى عَرَفَاتٍ. ثُمَّ قَالَ: وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ قَدْ تُكُلِّمَ فِيهِ، وَفِي الْبَابِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: ثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ رَبِّهِ، ثَنَا الْوَلِيدُ أَبُو مُسْلِمٍ، عَنْ
стр. 4062
عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاتِكَةِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَمَّنْ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ أَنَّهُ رَاحَ إِلَى مِنًى يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، وَإِلَى جَانِبِهِ بِلَالٌ، بِيَدِهِ عُودٌ عَلَيْهِ ثَوْبٌ يُظَلِّلُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . يَعْنِي مِنَ الْحَرِّ. تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ. وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّهُ، ﵊، رَكِبَ مِنَ الْأَبْطَحِ إِلَى مِنًى بَعْدَ الزَّوَالِ، وَلَكِنَّهُ إِنَّمَا صَلَّى الظُّهْرَ بِمِنًى، فَقَدْ يُسْتَدَلُّ لَهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَتَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ وَقَصَّرُوا إِلَّا النَّبِيَّ ﷺ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إِلَى مِنًى فَأَهَلُّوا بِالْحَجِّ، وَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ، ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلًا حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ لَهُ مِنْ شَعْرٍ، فَضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ، فَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَا تَشُكُّ قُرَيْشٌ إِلَّا أَنَّهُ وَاقِفٌ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ، كَمَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصْنَعُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ، فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ فَنَزَلَ بِهَا، حَتَّى إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ فَرُحِلَتْ لَهُ، فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِي، فَخَطَبَ النَّاسَ وَقَالَ: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمِي مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا; رِبَا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ
стр. 4063
بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ; كِتَابَ اللَّهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ. فَقَالَ بِأُصْبُعِهِ السَّبَّابَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ». ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيُّ: أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ قَالَ: أَنْبَأَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ زِيَادِ بْنِ حِذْيَمِ بْنِ عَمْرٍو السَّعْدِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: «اعْلَمُوا أَنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، كَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، كَحُرْمَةِ بَلَدِكُمْ هَذَا».
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: بَابُ الْخُطْبَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ بِعَرَفَةَ، حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي زَائِدَةَ، ثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي ضَمْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَوْ عَمِّهِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ بِعَرَفَةَ. وَهَذَا الْإِسْنَادُ ضَعِيفٌ; لِأَنَّ فِيهِ رَجُلًا مُبْهَمًا، ثُمَّ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ أَنَّهُ، ﵊، خَطَبَ عَلَى نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ.
ثُمَّ قَالَ أَبُو دَاوُدَ: ثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُبَيْطٍ
стр. 4064
عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْحَيِّ، عَنْ أَبِيهِ نُبَيْطٍ، أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَاقِفًا بِعَرَفَةَ عَلَى بَعِيرٍ أَحْمَرَ يَخْطُبُ. وَهَذَا فِيهِ مُبْهَمٌ أَيْضًا، وَلَكِنَّ حَدِيثَ جَابِرٍ شَاهِدٌ لَهُ.
ثُمَّ قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَا: ثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ أَبِي عَمْرٍو قَالَ: حَدَّثَنِي الْعَدَّاءُ بْنُ خَالِدِ بْنِ هَوْذَةَ - وَقَالَ هَنَّادٌ: عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ، حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ الْعَدَّاءِ بْنِ هَوْذَةَ - قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ النَّاسَ يَوْمَ عَرَفَةَ عَلَى بَعِيرٍ قَائِمًا فِي الرِّكَابَيْنِ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ ابْنُ الْعَلَاءِ، عَنْ وَكِيعٍ، كَمَا قَالَ هَنَّادٌ، وَحَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ، ثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، ثَنَا عَبْدُ الْمَجِيدِ أَبُو عَمْرٍو، عَنِ الْعَدَّاءِ بْنِ خَالِدٍ بِمَعْنَاهُ.
وَفِي «الصَّحِيحَيْنِ» عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ: «مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا فَلْيَلْبَسِ السَّرَاوِيلَ». لِلْمُحْرِمِ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ عَبَّادٍ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ الَّذِي يَصْرُخُ فِي النَّاسِ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِعَرَفَةَ رَبِيعَةَ بْنَ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ; قَالَ: يَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «قُلْ أَيُّهَا
стр. 4065
النَّاسُ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: هَلْ تَدْرُونَ أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» فَيَقُولُونَ: الشَّهْرُ الْحَرَامُ. فَيَقُولُ: «قُلْ لَهُمْ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ، كَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا». ثُمَّ يَقُولُ: «قُلْ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: هَلْ تَدْرُونَ أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ خَارِجَةَ قَالَ: بَعَثَنِي عَتَّابُ بْنُ أَسِيدٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ فِي حَاجَةٍ فَبَلَغْتُهُ، ثُمَّ وَقَفْتُ تَحْتَ نَاقَتِهِ، وَإِنَّ لُعَابَهَا لِيَقَعُ عَلَى رَأْسِي، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَدَّى إِلَى كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، وَإِنَّهُ لَا تَجُوزُ وَصِيَّةٌ لِوَارِثٍ، وَالْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ، وَمَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، أَوْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا». وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غُنْمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ خَارِجَةَ بِهِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. قُلْتُ: وَفِيهِ اخْتِلَافٌ عَلَى قَتَادَةَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَسَنَذْكُرُ الْخُطْبَةَ الَّتِي خَطَبَهَا، ﵊، بَعْدَ هَذِهِ الْخُطْبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ، وَمَا فِيهَا مِنَ الْحِكَمِ وَالْمَوَاعِظِ وَالتَّفَاصِيلِ وَالْآدَابِ النَّبَوِيَّةِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
следующие страницы →