← История

История · id 4445

البداية والنهاية - ت التركي

ابن كثير

Полный текст (13 161 стр.). Показаны 5146–5185 · переход к 5151.

стр. 5146

فِي صِحَّتِهِ نَظَرٌ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا سِيقَ لِذَمِّ أَيَّامِهِمْ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَأَمَّا إِذَا أَرَادَ أَنَّ ابْتِدَاءَ دَوْلَتِهِمْ مُنْذُ وَلِيَ مُعَاوِيَةُ حِينَ تَسَلَّمَهَا مِنَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، فَقَدْ كَانَ ذَلِكَ سَنَةَ أَرْبَعِينَ، أَوْ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ. وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: عَامُ الْجَمَاعَةِ. لِأَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمُ اجْتَمَعُوا عَلَى إِمَامٍ وَاحِدٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ فِي» صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ "، عَنْ أَبِي بَكْرَةٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ: إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. فَكَانَ هَذَا فِي هَذَا الْعَامِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ، وَاسْتَمَرَّ الْأَمْرُ فِي أَيْدِي بَنِي أُمَيَّةَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ إِلَى سَنَةِ ثِنْتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ، حَتَّى انْتَقَلَ إِلَى بَنِي الْعَبَّاسِ، كَمَا سَنَذْكُرُهُ، وَمَجْمُوعُ ذَلِكَ ثَنَتَانِ وَتِسْعُونَ سَنَةً، وَهَذَا لَا يُطَابِقُ أَلْفَ شَهْرٍ; لِأَنَّ مُعَدَّلَ أَلْفِ شَهْرٍ ثَلَاثٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً وَأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، فَإِنْ قَالَ: أَنَا أُخْرِجُ مِنْهَا وِلَايَةَ ابْنِ الزُّبَيْرِ. وَكَانَتْ تِسْعَ سِنِينَ، فَحِينَئِذٍ يَبْقَى ثَلَاثٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً. فَالْجَوَابُ أَنَّهُ وَإِنْ خَرَجَتْ وِلَايَةُ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ مَا بَقِيَ مُطَابِقًا لِأَلْفِ شَهْرٍ تَحْدِيدًا، بِحَيْثُ لَا يَنْقُصُ يَوْمًا وَلَا يَزِيدُهُ، كَمَا قَالَهُ، بَلْ يَكُونُ ذَلِكَ تَقْرِيبًا، هَذَا وَجْهٌ. الثَّانِي: أَنَّ وِلَايَةَ ابْنِ الزُّبَيْرِ كَانَتْ بِالْحِجَازِ وَالْأَهْوَازِ وَالْعِرَاقِ فِي بَعْضِ أَيَّامِهِ، وَفِي مِصْرَ فِي قَوْلٍ، وَلَمْ تَنْسَلِبْ يَدُ بَنِي أُمَيَّةَ مِنَ الشَّامِ أَصْلًا، وَلَا زَالَتْ دَوْلَتُهُمْ بِالْكُلِّيَّةِ فِي ذَلِكَ الْحِينِ. الثَّالِثُ: أَنَّ هَذَا يَقْتَضِي دُخُولَ دَوْلَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي حِسَابِ بَنِي أُمَيَّةَ، وَمُقْتَضَى مَا ذَكَرَهُ أَنْ تَكُونَ دَوْلَتُهُ مَذْمُومَةً، وَهَذَا لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةٍ الْإِسْلَامِ، وَإِنَّهُمْ مُصَرِّحُونَ بِأَنَّهُ أَحَدُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ حَتَّى قَرَنُوا أَيَّامَهُ تَابِعَةً لِأَيَّامِ الْأَرْبَعَةِ، وَحَتَّى اخْتَلَفُوا فِي أَيِّهِمَا أَفْضَلُ; هُوَ أَمْ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ أَحَدِ الصَّحَابَةِ؟ وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: لَا أَرَى قَوْلَ أَحَدٍ مِنَ

стр. 5147

التَّابِعَيْنِ حُجَّةٌ إِلَّا قَوْلَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ. فَإِذَا عُلِمَ هَذَا، فَإِنْ أَخْرَجَ أَيَّامَهُ مِنْ حِسَابِهِ انْخَرَمَ حِسَابُهُ، وَإِنْ أَدْخَلَهَا فِيهِ مَذْمُومَةً خَالَفَ الْأَئِمَّةَ، وَهَذَا مَا لَا مَحِيدَ عَنْهُ، وَكُلُّ هَذَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى نَكَارَةِ هَذَا الْحَدِيثِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ أَبِي الْعَبَّاسِ، سَمِعَ أَبَا الطُّفَيْلِ، سَمِعَ عَلِيًّا يَقُولُ: لَا يَزَالُ هَذَا الْأَمْرُ فِي بَنِي أُمَيَّةَ مَا لَمْ يَخْتَلِفُوا بَيْنَهُمْ. حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ حَرْمَلَةَ بْنِ عِمْرَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ أَبِي سَالِمٍ الْجَيْشَانِيِّ، سَمِعَ عَلِيًّا يَقُولُ: الْأَمْرُ لَهُمْ حَتَّى يَقْتُلُوا قَتِيلَهُمْ، وَيَتَنَافَسُوا بَيْنَهُمْ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَقْوَامًا مِنَ الْمَشْرِقِ، فَقَتَلُوهُمْ بَدَدًا وَأَحْصَوْهُمْ عَدَدًا، وَاللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ سَنَةً إِلَّا مَلَكْنَا سَنَتَيْنِ، وَلَا يَمْلِكُونَ سَنَتَيْنِ إِلَّا مَلَكْنَا أَرْبَعًا. وَقَالَ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ الْوَلِيدِ، عَنِ الْأَزْهَرِ بْنِ الْوَلِيدِ: سَمِعْتُ أُمَّ الدَّرْدَاءِ تَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ يَقُولُ: إِذَا قُتِلَ الْخَلِيفَةُ الشَّابُّ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ بَيْنَ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ مَظْلُومًا، لَمْ تَزَلْ طَاعَةٌ

стр. 5148

يُسْتَخَفُّ بِهَا، وَدَمٌ مُسْفُوكٌ بِغَيْرِ حَقٍّ. يَعْنِي الْوَلِيدَ بْنَ يَزِيدَ. وَمِثْلُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ إِنَّمَا تُقَالُ عَنْ تَوْقِيفٍ. ذِكْرُ الْإِخْبَارِ عَنْ دَوْلَةِ بَنِي الْعَبَّاسِ، وَكَانَ ظُهُورُهُمْ مِنْ خُرَاسَانَ بِالرَّايَاتِ السُّودِ فِي سَنَةِ ثِنْتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ قَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ الْعَبَّاسِ، ثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ هِشَامٍ الْمُعَيْطِيِّ، عَنْ أَبَانِ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيطٍ قَالَ: قَدِمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ عَلَى مُعَاوِيَةَ وَأَنَا حَاضِرٌ، فَأَجَازَهُ فَأَحْسَنَ جَائِزَتَهُ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا الْعَبَّاسِ، هَلْ لَكُمْ دَوْلَةٌ؟ فَقَالَ: أَعْفِنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ: لَتُخْبِرَنِّي. قَالَ: نَعَمْ. فَأَخْبَرَهُ، قَالَ: فَمَنْ أَنْصَارُكُمْ؟ قَالَ: أَهْلُ خُرَاسَانَ، وَلِبَنِي أُمَيَّةَ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ بَطَحَاتٌ. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ. وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدَةَ بْنِ حَرْبٍ، ثَنَا سُوِيدُ بْنُ سَعِيدٍ، أَنَا حَجَّاجُ بْنُ تَمِيمٍ، عَنْ

стр. 5149

مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَرَرْتُ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَإِذَا مَعَهُ جِبْرِيلُ، وَأَنَا أَظُنُّهُ دِحْيَةَ الْكَلْبِيَّ، فَقَالَ جِبْرِيلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّهُ لَوَسِخُ الثِّيَابِ، وَسَيَلْبَسُ وَلَدُهُ مِنْ بَعْدِهِ السَّوَادَ. وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ فِي ذَهَابِ بَصَرِهِ، ثُمَّ عَوْدِهِ إِلَيْهِ قَبْلَ مَوْتِهِ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: تَفَرَّدَ بِهِ حَجَّاجُ بْنُ تَمِيمٍ، وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: أَنَا الْحَاكِمُ، ثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ بَالَوَيْهِ فِي آخَرِينَ قَالُوا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، ثَنَا عُبَيْدُ بْنُ أَبِي قُرَّةَ، ثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي قُبَيْلٍ، عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ مَوْلَى الْعَبَّاسِ قَالَ: سَمِعْتُ الْعَبَّاسَ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَقَالَ: «انْظُرْ هَلْ تَرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ شَيْءٍ؟» قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: «مَا تَرَى؟» قُلْتُ: الثُّرَيَّا. قَالَ: «أَمَا إِنَّهُ سَيَمْلِكُ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِعَدَدِهَا مِنْ صُلْبِكَ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: عُبَيْدُ بْنُ أَبِي قُرَّةَ بَغْدَادِيٌّ سَمِعَ اللَّيْثَ، لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ فِي قِصَّةِ الْعَبَّاسِ. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعَامِرِيِّ - وَهُوَ ضَعِيفٌ - عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِلْعَبَّاسِ: فِيكُمُ النُّبُوَّةُ وَفِيكُمُ الْمَلِكُ.

стр. 5150

وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ: ثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَمَا فَتَحَ اللَّهُ بِأَوَّلِنَا فَأَرْجُو أَنْ يَخْتِمَهُ بِنَا. هَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ، وَهُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ كَلَامِهِ. وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَيُّوبَ ثَنَا الْوَلِيدُ، ثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ أَبِي غَنِيَّةَ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ وَنَحْنُ نَقُولُ: اثَّنَيْ عَشَرَ أَمِيرًا ثُمَّ لَا أَمِيرَ، وَاثَّنَيْ عَشَرَ أَمِيرًا، ثُمَّ هِيَ السَّاعَةُ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا أَحْمَقَكُمْ! إِنَّ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ بَعْدَ ذَلِكَ الْمَنْصُورَ، وَالسَّفَّاحَ، وَالْمَهْدِيَّ; يَدْفَعُهَا إِلَى عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ. وَهَذَا أَيْضًا مَوْقُوفٌ، وَقَدْ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا:» مِنَّا السَّفَّاحُ، وَالْمَنْصُورُ، وَالْمَهْدَيُّ «. وَهَذَا إِسْنَادٌ ضَعِيفٌ، وَالضَّحَّاكُ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ ابْنِ عَبَّاسٍ شَيْئًا عَلَى الصَّحِيحِ، فَهُوَ مُنْقَطِعٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ،

стр. 5151

عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ، عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يُقْتُلُ عِنْدَ كَنْزِكُمْ هَذِهِ ثَلَاثَةٌ، كُلُّهُمْ وَلَدُ خَلِيفَةٍ، لَا يَصِيرُ إِلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ، ثُمَّ تُقْبَلُ الرَّايَاتُ السُّودُ مِنْ خُرَاسَانَ، فَيَقْتُلُونَكُمْ مَقْتَلَةً لَمْ يَرَوْا مِثْلَهَا، ثُمَّ يَجِيءُ خَلِيفَةُ اللَّهِ الْمَهْدِيُّ، فَإِذَا سَمِعْتُمْ فَأْتُوهُ فَبَايِعُوهُ وَلَوْ حَبْوًا عَلَى الثَّلْجِ، فَإِنَّهُ خَلِيفَةُ اللَّهِ الْمَهْدِيُّ. أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُوسُفَ السُّلَمِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الذُّهْلِيِّ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِهِ. وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طُرُقٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، ثُمَّ قَالَ: تَفَرَّدَ بِهِ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَرَوَاهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ، عَنْ ثَوْبَانَ مَوْقُوفًا. ثُمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: أَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبٍ، ثَنَا كَثِيرُ بْنُ يَحْيَى، ثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ، عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا أَقْبَلَتِ الرَّايَاتُ السُّودُ مِنْ عَقِبِ خُرَاسَانَ فَأْتُوهَا وَلَوْ حَبْوًا عَلَى الثَّلْجِ، فَإِنَّ فِيهَا خَلِيفَةَ اللَّهِ الْمَهْدِيَّ وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاهِرٍ

стр. 5152

الرَّازِيُّ، ثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ فِتْيَةً مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، فَاغْرَوْرَقَتْ عَيْنَاهُ، وَذَكَرَ الرَّايَاتِ، قَالَ:» فَمَنْ أَدْرَكَهَا فَلْيَأْتِهَا وَلَوْ حَبْوًا عَلَى الثَّلْجِ ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا نَعْلَمُ رَوَاهُ عَنِ الْحَكَمِ إِلَّا ابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَلَا نَعْلَمُ يُرْوَى إِلَّا مِنْ حَدِيثِ دَاهِرِ بْنِ يَحْيَى، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ، صَالِحُ الْحَدِيثِ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ. وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: ثَنَا أَبُو هِشَامٍ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ رِفَاعَةَ، ثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، ثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : تَجِيءُ رَايَاتٌ سُودٌ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ، تَخُوضُ الْخَيْلُ الدَّمَ إِلَى ثُنَّتِهَا، يُظْهِرُونَ الْعَدْلَ، وَيَطْلُبُونَ الْعَدْلَ فَلَا يُعْطَوْنَهُ، فَيَظْهَرُونَ فَيُطْلَبُ مِنْهُمُ الْعَدْلُ فَلَا يُعْطُونَهُ. وَهَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ غَيْلَانَ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَا: ثَنَا رِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ. قَالَ يَحْيَى بْنُ غَيْلَانَ فِي حَدِيثِهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ قَبِيصَةَ، هُوَ ابْنُ ذُؤَيْبٍ الْخُزَاعِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ

стр. 5153

رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: يَخْرُجُ مِنْ خُرَاسَانَ رَايَاتٌ سُودٌ، لَا يَرُدُّهَا شَيْءٌ حَتَّى تُنْصَبَ بِإِيلِيَاءَ. وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ قُتَيْبَةَ بِهِ، وَقَالَ: غَرِيبٌ. وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، عَنْ رِشْدِينَ بْنِ سَعْدٍ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: تَفَرَّدَ بِهِ رِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ، وَقَدْ رُوِيَ قَرِيبٌ مِنْ هَذَا، عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ، وَلَعَلَّهُ أَشْبَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ رَوَى مِنْ طَرِيقِ يَعْقُوبَ بْنِ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا مُحَدِّثٌ عَنْ أَبِي الْمُغِيرَةِ عَبْدِ الْقُدُّوسِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ قَالَ: تَظْهَرُ رَايَاتٌ سُودٌ لِبَنِي الْعَبَّاسِ حَتَّى يَنْزِلُوا بِالشَّامِ، وَيَقْتُلُ اللَّهُ عَلَى أَيْدِيهِمْ كُلَّ جَبَّارٍ وَكُلَّ عَدُوٍّ لَهُمْ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَخْرُجُ عِنْدَ انْقِطَاعٍ مِنَ الزَّمَانِ وَظُهُورٍ مِنَ الْفِتَنِ، رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: السَّفَّاحُ. فَيَكُونُ إِعْطَاؤُهُ الْمَالَ حَثْيًا وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنِ الْحَاكِمِ عَنِ الْأَصَمِّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ،

стр. 5154

عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ بِهِ. وَقَالَ فِيهِ: «يَخْرُجُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يُقَالُ لَهُ: السَّفَّاحُ». فَذَكَرَهُ، وَهَذَا الْإِسْنَادُ عَلَى شَرْطِ أَهْلِ السُّنَنِ، وَلَمْ يُخْرِجُوهُ. فَهَذِهِ الْأَخْبَارُ فِي خُرُوجِ الرَّايَاتِ السُّودِ مِنْ خُرَاسَانَ وَفِي وِلَايَةِ السَّفَّاحِ، وَهُوَ أَبُو الْعَبَّاسِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمَطْلَبِ، وَقَدْ وَقَعَتْ وِلَايَتُهُ فِي حُدُودِ سَنَةِ ثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ، ثُمَّ ظَهَرَ بِأَعْوَانِهِ وَمَعَهُمُ الرَّايَاتُ السُّودُ، وَشِعَارُهُمُ السَّوَادُ، كَمَا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ وَفَوْقَهُ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ، ثُمَّ بَعَثَ عَمَّهُ عَبْدَ اللَّهِ لِقِتَالِ بَنِي أُمَيَّةَ، فَكَسَرَهُمْ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ، وَهَرَبَ مِنَ الْمَعْرَكَةِ آخِرُ خُلَفَائِهِمْ، وَهُوَ مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ، وَيُلَقَّبُ بِمَرْوَانَ الْحِمَارِ، وَيُقَالُ لَهُ: مَرْوَانُ الْجَعْدِيُّ. لِاشْتِغَالِهِ عَلَى الْجَعْدِ بْنِ دِرْهَمٍ، فِيمَا قِيلَ، وَدَخَلَ عَمُّهُ دِمَشْقَ وَاسْتَحْوَذَ عَلَى مَا كَانَ لِبَنِي أُمَيَّةَ مِنَ الْمُلِكِ وَالْأَمْلَاكِ وَالْأَمْوَالِ، وَجَرَتْ خُطُوبٌ كَثِيرَةٌ سَنُورِدُهَا مُفَصَّلَةً فِي مَوْضِعِهَا، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَدْ وَرَدَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ فِي ذِكْرِ الرَّايَاتِ السُّودِ الَّتِي تَخْرُجُ مِنْ خُرَاسَانَ بِمَا يَطُولُ ذِكْرُهُ، وَقَدِ اسْتَقْصَى ذَلِكَ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ فِي كِتَابِهِ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ أَمْرُهَا بَعْدُ، وَأَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، كَمَا سَنُورِدُهُ فِي مَوْضِعِهِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَبِهِ الثِّقَةُ وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ.

стр. 5155

وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَكُونَ الدُّنْيَا لِلُكَعِ بْنِ لَكْعِ قَالَ أَبُو مَعْمَرٍ: هُوَ أَبُو مُسْلِمٍ الْخُرَاسَانِيُّ. يَعْنِي الَّذِي أَقَامَ دَوْلَةَ بَنِي الْعَبَّاسِ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ تَحَوَّلَتِ الدَّوْلَةُ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ إِلَى بَنِي الْعَبَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَكَانَ أَوَّلَ قَائِمٍ مِنْهُمْ أَبُو الْعَبَّاسِ السَّفَّاحُ، ثُمَّ أَخُوهُ أَبُو جَعْفَرٍ عَبْدُ اللَّهِ الْمَنْصُورُ بَانِي مَدِينَةِ السَّلَامِ بَغْدَادَ، ثُمَّ ابْنُهُ الْمَهْدِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِ ابْنُهُ الْهَادِي، ثُمَّ ابْنُهُ الْآخَرُ هَارُونُ الرَّشِيدُ ثُمَّ انْتَشَرَتِ الْخِلَافَةُ فِي ذُرِّيَّتِهِ، عَلَى مَا سَنُفَصِّلُهُ إِذَا وَصَلْنَا إِلَى تِلْكَ الْأَيَّامَ، وَقَدْ نَطَقَتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ الَّتِي أَوْرَدْنَاهَا آنِفًا بِالسَّفَّاحِ وَالْمَنْصُورِ وَالْمَهْدِيِّ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمَهْدِيَّ الَّذِي هُوَ ابْنُ الْمَنْصُورِ ثَالِثُ خُلَفَاءِ بَنِي الْعَبَّاسِ، لَيْسَ هُوَ الْمَهْدِيُّ الَّذِي وَرَدَتِ الْأَحَادِيثُ الْمُسْتَفِيضَةُ بِذِكْرِهِ وَأَنَّهُ يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، يَمْلَأُ الْأَرْضَ عَدْلًا وَقِسْطًا كَمَا مُلِئَتْ جَوْرًا وَظُلْمًا، وَقَدْ أَفْرَدْنَا لِلْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِيهِ جُزْءًا عَلَى حِدَةٍ، كَمَا أَفْرَدَ لَهُ أَبُو دَاوُدَ كِتَابًا فِي «سُنَنِهِ»، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَعْضِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ آنِفًا أَنَّهُ يُسَلِّمُ الْخِلَافَةَ إِلَى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ إِذَا نَزَلَ إِلَى الْأَرْضِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا السَّفَّاحُ فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، فَيَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الَّذِي بُويِعَ أَوَّلَ خُلَفَاءِ بَنِي الْعَبَّاسِ، فَقَدْ يَكُونُ خَلِيفَةً آخَرَ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ، فَإِنَّهُ قَدْ رَوَى نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ،

стр. 5156

عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَمْرٍو الْمَعَافِرَيِّ، عَنْ تَدُومَ الْحِمْيَرِيِّ سَمِعَ تُبَيْعَ بْنَ عَامِرٍ يَقُولُ: يَعِيشُ السَّفَّاحُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، اسْمُهُ فِي التَّوْرَاةِ طَائِرُ السَّمَاءِ. قُلْتُ: وَقَدْ تَكُونُ صِفَةً لِلْمَهْدِيِّ الَّذِي يَظْهَرُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ; لِكَثْرَةِ مَا يَسْفَحُ - أَيْ يُرِيقُ - مِنَ الدِّمَاءِ لِإِقَامَةِ الْعَدْلِ، وَنَشْرِ الْقِسْطِ، وَتَكُونُ الرَّايَاتُ السُّودُ الْمَذْكُورَةُ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ، إِنْ صَحَّتْ، هِيَ الَّتِي تَكُونُ مَعَ الْمَهْدِيِّ، وَيَكُونُ أَوَّلُ ظُهُورِ بَيْعَتِهِ بِمَكَّةَ، ثُمَّ تَكُونُ أَنْصَارُهُ مِنْ خُرَاسَانَ كَمَا وَقَعَ قَدِيمًا لِلسَّفَّاحِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. هَذَا كُلُّهُ تَفْرِيعٌ عَلَى صِحَّةِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ، وَإِلَّا فَلَا يَخْلُو سَنَدٌ مِنْهَا عَنْ كَلَامٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. ذِكْرُ الْإِخْبَارِ عَنِ الْأَئِمَّةِ الِاثْنَيْ عَشَرَ الَّذِينَ كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ وَلَيْسُوا بِالِاثْنَيْ عَشَرَ الَّذِينَ يَدَّعُونَ إِمَامَتَهُمُ الرَّافِضَةُ; فَإِنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ لَمْ يَلِ أُمُورَ النَّاسِ مِنْهُمْ إِلَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَابْنُهُ الْحَسَنُ، وَآخِرُهُمْ، فِي زَعْمِهِمْ، الْمَهْدِيُّ الْمُنْتَظَرُ، فِي زَعْمِهِمْ، بِسِرْدَابِ سَامَرَّاءَ وَلَيْسَ لَهُ وُجُودٌ، وَلَا عَيْنٌ، وَلَا أَثَرٌ، بَلْ هَؤُلَاءِ مِنَ الْأَئِمَّةِ الِاثْنَيْ عَشَرَ الْمُخْبَرِ عَنْهُمْ فِي الْحَدِيثِ، الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ، أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ، ﵃، وَمِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِلَا خِلَافٍ بَيْنِ الْأَئِمَّةِ عَلَى كِلَا الْقَوْلَيْنِ لِأَهْلِ السُّنَّةِ فِي تَفْسِيرِ الِاثْنَيْ

стр. 5157

عَشَرَ كَمَا سَنَذْكُرُهُ بَعْدَ إِيرَادِ الْحَدِيثِ. ثَبَتَ فِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، وَ «مُسْلِمٍ» مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «يَكُونُ اثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً». ثُمَّ قَالَ كَلِمَةً لَمْ أسْمَعْهَا فَقُلْتُ لِأَبِي: مَا قَالَ؟ قَالَ: قَالَ: «كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ وَقَالَ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ فِي كِتَابِ» الْفِتَنِ وَالْمَلَاحِمِ «: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا مُجَالِدٌ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَكُونُ بَعْدِي مِنَ الْخُلَفَاءِ عِدَّةُ أَصْحَابِ مُوسَى وَقَدْ رُوِيَ مِثْلُ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَحُذَيْفَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَكَعْبِ الْأَحْبَارِ مِنْ قَوْلِهِمْ. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ سَمِعْتُ: رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:» لَا يَزَالُ هَذَا الدِّينُ قَائِمًا حَتَّى يَكُونَ عَلَيْهِمُ اثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً - أَوْ: أَمِيرًا - كُلُّهُمْ تَجْتَمِعُ عَلَيْهِمُ الْأُمَّةُ وَسَمِعْتُ كَلَامًا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ أَفْهَمْهُ، فَقُلْتُ لِأَبِي: مَا يَقُولُ؟ قَالَ: يَقُولُ: «كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ».

стр. 5158

وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا ابْنُ نُفَيْلٍ، حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ خَيْثَمَةَ، حَدَّثَنَا الْأَسْوَدُ بْنُ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِيُّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تَزَالُ هَذِهِ الْأُمَّةُ مُسْتَقِيمًا أَمْرُهَا، ظَاهِرَةً عَلَى عَدْوِهَا، حَتَّى يَمْضِيَ مِنْهُمُ اثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً، كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ قَالَ: فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ أَتَتْهُ قُرَيْشٌ فَقَالُوا: ثُمَّ يَكُونُ مَاذَا؟ قَالَ: «ثُمَّ يَكُونُ الْهَرْجُ». قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: فَفِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى بَيَانُ الْعَدَدِ، وَفِي الثَّانِيَةِ بَيَانُ الْمُرَادِ بِالْعَدَدِ، وَفِي الثَّالِثَةِ بَيَانُ وُقُوعِ الْهَرْجِ وَهُوَ الْقَتْلُ بَعْدَهُمْ، وَقَدْ وُجِدَ هَذَا الْعَدَدُ بِالصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ إِلَى وَقْتِ الْوَلِيدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، ثُمَّ وَقَعَ الْهَرْجُ وَالْفِتْنَةُ الْعَظِيمَةُ، كَمَا أَخْبَرَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، ثُمَّ ظَهَرَ مُلْكُ الْعَبَّاسِيَّةِ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ، وَإِنَّمَا يَزِيدُونَ عَلَى الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ فِي الْخَبَرِ إِذَا تُرِكَتِ الصِّفَةُ الْمَذْكُورَةُ فِيهِ، أَوْ عُدَّ مَعَهُمْ مَنْ كَانَ بَعْدَ الْهَرْجِ الْمَذْكُورِ فِيهِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا يَزَالُ هَذَا الْأَمْرُ فِي قُرَيْشٍ مَا بَقِيَ مِنَ النَّاسِ اثْنَانِ». ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ حَدِيثِ عَاصِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَهُ. وَفِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ

стр. 5159

مُطْعِمٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ فِي قُرَيْشٍ، لَا يُعَادِيهِمْ أَحَدٌ إِلَّا كَبَّهُ اللَّهُ عَلَى وَجْهِهِ مَا أَقَامُوا الدِّينَ». قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: أَيْ أَقَامُوا مَعَالِمَهُ، وَإِنْ قَصَّرُوا هُمْ فِي أَعْمَالِ أَنْفُسِهِمْ. ثُمَّ سَاقَ أَحَادِيثَ تَقْتَضِي مَا ذَكَرَهُ فِي هَذَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَهَذَا الَّذِي سَلَكَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَقَدْ وَافَقَهُ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْخُلَفَاءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ الْمَذْكُورِينَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ هُمُ الْمُتَتَابِعُونَ إِلَى زَمَنِ الْوَلِيدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ الْفَاسِقِ، الَّذِي قَدَّمْنَا الْحَدِيثَ فِيهِ بِالذَّمِّ وَالْوَعِيدِ، فَإِنَّهُ مَسْلَكٌ فِيهِ نَظَرٌ; وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْخُلَفَاءَ إِلَى زَمَنِ الْوَلِيدِ بْنِ يَزِيدَ هَذَا أَكْثَرُ مِنَ اثْنَيْ عَشَرَ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ نَفْرِضُهُ، وَبُرْهَانُهُ أَنَّ الْخُلَفَاءَ الْأَرْبَعَةَ; أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيُّ، خِلَافَتُهُمْ مُحَقَّقَةٌ بِنَصِّ حَدِيثِ سَفِينَةَ: «الْخِلَافَةُ بَعْدِي ثَلَاثُونَ سَنَةً». ثُمَّ بَعْدَهُمُ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، كَمَا وَقَعَ، لِأَنَّ عَلِيًّا أَوْصَى إِلَيْهِ، وَبَايَعَهُ أَهْلُ الْعِرَاقِ، وَرَكِبَ وَرَكِبُوا مَعَهُ لِقِتَالِ أَهْلِ الشَّامِ حَتَّى اصْطَلَحَ هُوَ وَمُعَاوِيَةُ وَسَلَّمَهَا إِلَيْهِ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ أَبِي بَكْرَةَ فِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ»، ثُمَّ مُعَاوِيَةُ، ثُمَّ ابْنُهُ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، ثُمَّ ابْنُهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ يَزِيدَ، ثُمَّ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ، ثُمَّ ابْنُهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ، ثُمَّ ابْنُهُ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، ثُمَّ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلَكِ، ثُمَّ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، ثُمَّ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلَكِ، ثُمَّ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلَكِ، فَهَؤُلَاءِ خَمْسَةَ عَشَرَ، ثُمَّ الْوَلِيدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ

стр. 5160

عَبْدِ الْمَلِكِ، فَإِنِ اعْتَبَرْنَا وِلَايَةَ ابْنِ الزُّبَيْرِ قَبْلَ عَبْدِ الْمَلِكِ صَارُوا سِتَّةَ عَشَرَ، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَهُمُ اثْنَا عَشَرَ قَبْلَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَهَذَا الَّذِي سَلَكَهُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يُدْخِلُ فِي الِاثْنَيْ عَشَرَ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ، وَيُخْرِجُ مِنْهُمْ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، الَّذِي أَطْبَقَ الْأَئِمَّةُ عَلَى شُكْرِهِ وَعَلَى مَدْحِهِ، وَعَدُّوهُ مِنَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَأَجْمَعَ النَّاسُ قَاطِبَةً عَلَى عَدْلِهِ، وَأَنَّ أَيَّامَهُ كَانَتْ مِنْ أَعْدَلِ الْأَيَّامِ، حَتَّى إِنَّ الرَّافِضَةَ يَعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ، فَإِنْ قَالَ: أَنَا لَا أَعْتَبِرُ فِي هَذَا إِلَّا مَنِ اجْتَمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَيْهِ. لَزِمَهُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَنْ لَا يَعُدَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَلَا ابْنَهُ; لِأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَجْتَمِعُوا عَلَيْهِمَا ; وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الشَّامِ بِكَمَالِهِمْ لَمْ يُبَايِعُوهُمَا، وَعَدَّ حِينَئِذٍ مُعَاوِيَةَ وَابْنَهُ يَزِيدَ وَابْنَ ابْنِهِ مُعَاوِيَةَ بْنَ يَزِيدَ، وَلَمْ يَعْتَدَّ بِأَيَّامِ مَرْوَانَ وَلَا ابْنِ الزُّبَيْرِ; لِأَنَّ الْأُمَّةَ لَمْ تَجْتَمِعْ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَعَلَى هَذَا نَقُولُ فِي مَسْلَكِهِ هَذَا عَادًّا لِلْخُلَفَاءِ; أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ ثُمَّ عُثْمَانُ ثُمَّ مُعَاوِيَةُ ثُمَّ يَزِيدُ ثُمَّ مُعَاوِيَةُ ثُمَّ عَبْدُ الْمَلِكِ ثُمَّ الْوَلِيدُ ثُمَّ سُلَيْمَانُ ثُمَّ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ثُمَّ يَزِيدُ، ثُمَّ هِشَامٌ، فَهَؤُلَاءِ اثْنَا عَشَرَ، ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِمُ الْوَلِيدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ الْفَاسِقُ، وَلَكِنَّ هَذَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يُسْلَكَ; لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ إِخْرَاجُ عَلِيٍّ وَابْنِهِ الْحَسَنِ مِنْ هَؤُلَاءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ، وَهُوَ خِلَافُ مَا نَصَّ عَلَيْهِ أَئِمَّةُ السُّنَّةِ بَلْ وَالشِّيعَةِ، ثُمَّ هُوَ خِلَافُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ نَصًّا

стр. 5161

حَدِيثُ سَفِينَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: الْخِلَافَةُ بَعْدِي ثَلَاثُونَ سَنَةً، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَضُوضًا وَقَدْ ذَكَرَ سَفِينَةُ تَفْصِيلُ هَذِهِ الثَّلَاثِينَ سَنَةً. فَجَمَعَهَا مِنْ خِلَافَةِ الْأَرْبَعَةِ، وَقَدْ بَيَّنَّا دُخُولَ خِلَافَةِ الْحَسَنِ - وَكَانَتْ نَحْوًا مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ - فِيهَا أَيْضًا، ثُمَّ صَارَ الْمُلْكُ إِلَى مُعَاوِيَةَ لَمَّا سَلَّمَ الْأَمْرَ إِلَيْهِ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، وَهَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ الْمَنْعُ مِنْ تَسْمِيَةِ مُعَاوِيَةَ خَلِيفَةً، وَبَيَانُ أَنَّ الْخِلَافَةَ قَدِ انْقَطَعَتْ بَعْدَ الثَّلَاثِينَ سَنَةً، لَا مُطْلَقًا، بَلِ انْقَطَعَ تَتَابُعُهَا، وَلَا يَنْفِي وُجُودَ خُلَفَاءَ رَاشِدِينَ بَعْدَ ذَلِكَ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ. وَقَالَ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ: حَدَّثَنَا رِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ قَالَ: يَكُونُ بَعْدَ عُثْمَانَ اثْنَا عَشَرَ مَلِكًا مَنْ بَنِي أُمَيَّةَ. قِيلَ لَهُ: خُلَفَاءُ؟ قَالَ: لَا، بَلْ مُلُوكٌ. وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ حَاتِمِ بْنِ أَبِي صَغِيرَةَ، عَنْ أَبِي بَحْرٍ قَالَ: كَانَ أَبُو الْجَلْدِ جَارًا لِي، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ، يَحْلِفُ عَلَيْهِ: إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ لَنْ تَهْلِكَ حَتَّى يَكُونَ فِيهَا اثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً، كُلُّهُمْ يَعْمَلُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ، مِنْهُمْ رَجُلَانِ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ; أَحَدُهُمَا يَعِيشُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَالْآخِرُ ثَلَاثِينَ سَنَةً. ثُمَّ شَرَعَ الْبَيْهَقِيُّ فِي رَدِّ مَا قَالَهُ أَبُو الْجَلْدِ بِمَا لَا يَحْصُلُ بِهِ الرَّدُّ، وَهَذَا عَجِيبٌ مِنْهُ، وَقَدْ وَافَقَ أَبَا الْجَلْدِ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَلَعَلَّ قَوْلَهُ أَرْجَحُ; لِمَا ذَكَرْنَا، وَقَدْ كَانَ يَنْظُرُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ.

стр. 5162

وَفِي التَّوْرَاةِ الَّتِي بِأَيْدِي أَهْلِ الْكِتَابِ مَا مَعْنَاهُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَشَّرَ إِبْرَاهِيمَ بِإِسْمَاعِيلَ، وَأَنَّهُ يُنَمِّيهِ وَيُكَثِّرُهُ وَيَجْعَلُ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ اثَّنَى عَشَرَ عَظِيمًا. قَالَ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ أَبُو الْعَبَّاسِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: وَهَؤُلَاءِ هُمُ الْمُبَشَّرُ بِهِمْ فِي حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ. وَقَرَّرَ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ مُفَرَّقِينَ فِي الْأُمَّةِ، وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُوجَدُوا. قَالَ: وَغَلِطَ كَثِيرٌ مِمَّنْ تَشَرَّفَ بِالْإِسْلَامِ مِنَ الْيَهُودِ فَظَنُّوا أَنَّهُمُ الَّذِينَ تَدْعُو إِلَيْهِمْ فِرْقَةُ الرَّافِضَةِ، فَاتَّبَعُوهُمْ. وَقَدْ قَالَ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ حَدَّثَنَا ضَمْرَةُ، عَنِ ابْنِ شَوْذَبٍ، عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ، عَنْ أَبِي زِيَادِ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ وَهَبَ لِإِسْمَاعِيلَ مِنْ صُلْبِهِ اثْنَيْ عَشَرَ قَيِّمًا، أَفْضَلُهُمْ وَخَيْرُهُمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ. وَقَالَ نُعَيْمٌ: حَدَّثَنَا ضَمْرَةُ، عَنِ ابْنِ شَوْذَبٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ قَالَ: لَيْسَ مِنَ الْخُلَفَاءِ مَنْ لَمْ يَمْلِكِ الْمَسْجِدَيْنِ; الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَمَسْجِدَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ.

стр. 5163

ذِكْرُ الْإِخْبَارِ عَنْ أُمُورٍ وَقَعَتْ فِي دَوْلَةِ بَنِي الْعَبَّاسِ إِلَى زَمَانِنَا هَذَا فَمِنْ ذَلِكَ بِنَاءُ أَبِي جَعْفَرٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ - الْخَلِيفَةِ بَعْدَ أَخِيهِ الْخَلِيفَةِ السَّفَّاحِ، وَهُوَ الْمَنْصُورُ - لِمَدِينَةِ بَغْدَادَ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ. قَالَ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ فِي كِتَابِهِ، عَنْ أَبِي الْمُغِيرَةِ، عَنْ أَرْطَأَةَ بْنِ الْمُنْذِرِ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ أَتَاهُ رَجُلٌ وَعِنْدَهُ حُذَيْفَةُ فَقَالَ: يَابْنَ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ تَعَالَى حم عسق [الشُّورَى: ١، ٢]. فَأَطْرَقَ سَاعَةً وَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ كَرَّرَهَا فَلَمْ يُجِبْهُ بِشَيْءٍ، فَقَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ: أَنَا أُنْبِئُكَ، قَدْ عَرَفْتُ لِمَ كَرِهَهَا، إِنَّمَا نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ الْإِلَهِ. أَوْ عَبْدُ اللَّهِ. يَنْزِلُ عَلَى نَهْرٍ مِنْ أَنْهَارِ الْمَشْرِقِ، يَبْنِي عَلَيْهِ مَدِينَتَيْنِ يَشُقُّ النَّهْرُ بَيْنَهُمَا شَقًّا، يَجْتَمِعُ فِيهِمَا كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ.

стр. 5164

وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ نَجْدَةَ الْحَوْطِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ السِّمْطِ، حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ عَلِيٍّ الْهَاشِمِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لِأَنْ يُرَبِّيَ أَحَدُكُمْ بَعْدَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ جَرْوَ كَلْبٍ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يُرَبِّيَ وَلَدًا لِصُلْبِهِ قَالَ شَيْخُنَا الذَّهَبِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ مَوْضُوعٌ. وَاتُّهِمَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ السِّمْطِ هَذَا. وَقَالَ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ الْخُزَاعِيُّ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ فِي كِتَابِهِ «الْفِتَنِ وَالْمَلَاحِمِ»: حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ الْبَصْرِيُّ، عَنْ أَبِي بَيَانَ الْمَعَافِرَيِّ، عَنْ تُبَيْعٍ، عَنْ كَعْبٍ قَالَ: إِذَا كَانَتْ سَنَةُ سِتِّينَ وَمِائَةٍ انْتَقَصَ فِيهَا حِلْمُ ذَوِي الْأَحْلَامِ، وَرَأْيُ ذَوِي الرَّأْيِ. حَدِيثٌ آخَرُ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ الْإِمَامِ، ﵀ رَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رِوَايَةً: يُوشِكُ أَنْ يَضْرِبَ النَّاسُ أَكْبَادَ الْإِبِلِ يَطْلُبُونَ الْعِلْمَ، فَلَا يَجِدُونَ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْ عَالِمِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَهُوَ حَدِيثُ ابْنِ عُيَيْنَةَ، وَقَدْ رَوَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ. وَكَذَا قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ.

стр. 5165

قُلْتُ وَقَدْ تُوُفِّيَ مَالِكٌ ﵀، سَنَةَ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ. حَدِيثٌ آخَرُ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيِّ قَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ حُمَيْدٍ الْكِنْدِيِّ أَوِ الْعَبْدِيِّ، عَنْ أَبِي الْجَارُودِ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تَسُبُّوا قُرَيْشًا; فَإِنَّ عَالِمَهَا يَمْلَأُ الْأَرْضَ عِلْمًا، اللَّهُمَّ إِنَّكَ أَذَقْتَ أَوَّلَهَا وَبَالًا، فَأَذِقْ آخِرَهَا نَوَالًا وَقَدْ رَوَاهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ الْأَصْبَهَانِيُّ: هُوَ الشَّافِعِيُّ. قُلْتُ: وَقَدْ تُوُفِّيَ الشَّافِعِيُّ، ﵀، فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَمِائَتَيْنِ، وَقَدْ أَفْرَدْنَا تَرْجَمَتَهُ فِي مُجَلَّدٍ، وَذَكَرْنَا مَعَهُ تَرَاجِمَ أَصْحَابِهِ مِنْ بَعْدِهِ. حَدِيثٌ آخَرُ: رَوَى رَوَّادُ بْنُ الْجَرَّاحِ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مَنْصُورٍ،

стр. 5166

عَنْ رِبْعِيٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ مَرْفُوعًا: خَيْرُكُمْ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ خَفِيفُ الْحَاذِ «. قَالُوا: وَمَا خَفِيفُ الْحَاذِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ:» مَنْ لَا أَهْلَ لَهُ وَلَا مَالَ وَلَا وَلَدَ حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ ابْنُ مَاجَهْ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْخَلَّالُ، حَدَّثَنَا عَوْنُ بْنُ عُمَارَةَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُثَنَّى بْنِ ثُمَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْآيَاتُ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ». وَحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا نُوحُ بْنُ قَيْسٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَعْقِلٍ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أُمَّتِي عَلَى خَمْسِ طَبَقَاتٍ; فَأَرْبَعُونَ سَنَةً أَهْلُ بِرٍّ وَتَقْوَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةِ سَنَةٍ أَهْلُ تَرَاحُمٍ وَتَوَاصُلٍ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ إِلَى سِتِّينَ وَمِائَةِ أَهْلُ تَدَابُرٍ وَتَقَاطُعٍ، ثُمَّ الْهَرْجُ الْهَرْجُ، النَّجَا النَّجَا وَحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا حَازِمٌ أَبُو مُحَمَّدٍ الْعَنْزِيُّ، حَدَّثَنَا الْمِسْوَرُ بْنُ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي مَعْنٍ، عَنْ

стр. 5167

أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أُمَّتِي عَلَى خَمْسِ طَبَقَاتٍ، كُلُّ طَبَقَةٍ أَرْبَعُونَ عَامًا، فَأَمَّا طَبَقَتِي وَطَبَقَةُ أَصْحَابِي فَأَهْلُ عَلَمٍ وَإِيمَانٍ، وَأَمَّا الطَّبَقَةُ الثَّانِيَةُ مَا بَيْنَ الْأَرْبَعِينَ إِلَى الثَّمَانِينَ، فَأَهْلُ بِرٍّ وَتَقْوَى ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ. هَذَا لَفْظُهُ، وَهُوَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَيْنَ الْوَجْهَيْنِ، وَلَا يَخْلُو عَنْ نَكَارَةٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: ثَنَا وَكِيعٌ، ثَنَا الْأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا هِلَالُ بْنُ يِسَافٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ يَتَسَمَّنُونَ، يُحِبُّونَ السِّمَنَ، يُعْطُونَ الشَّهَادَةَ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلُوهَا وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، عَنْ زَهْدَمِ بْنِ مُضَرِّبٍ، سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : خَيْرُ أُمَّتِي قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ - قَالَ عِمْرَانُ: فَلَا أَدْرِي أَذَكَرَ بَعْدَ قَرْنِهِ

стр. 5168

قَرْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً؟ - ثُمَّ إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْمًا يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَنْذِرُونَ وَلَا يُوفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ لَفْظُ الْبُخَارِيِّ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ: وَكَانُوا يَضْرِبُونَنَا عَلَى الشَّهَادَةِ وَالْعَهْدِ وَنَحْنُ صِغَارٌ. وَقَدْ رَوَاهُ بَقِيَّةُ الْجَمَاعَةِ إِلَّا أَبَا دَاوُدَ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ، عَنْ مَنْصُورٍ بِهِ. حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ: حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ الْبَصْرِيُّ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْحَارِثِ الْهَمْدَانِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: السَّابِعُ مِنْ وَلَدِ الْعَبَّاسِ يَدْعُو النَّاسَ إِلَى الْكُفْرِ فَلَا يُجِيبُونَهُ، فَيَقُولُ لَهُ أَهْلُ بَيْتِهِ: تُرِيدُ أَنْ تُخْرِجَنَا مِنْ مَعَايِشِنَا؟! فَيَقُولُ: إِنِّي أَسِيرُ فِيكُمْ بِسِيرَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَيَأْبَوْنَ عَلَيْهِ فَيَقْتُلُهُ عَدُوٌّ لَهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ مَنْ بَنِي هَاشِمٍ، فَإِذَا وَثَبَ عَلَيْهِ اخْتَلَفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ فَذَكَرَ

стр. 5169

اخْتِلَافًا طَوِيلًا إِلَى خُرُوجِ السُّفْيَانِيِّ. وَهَذَا الْحَدِيثُ يَنْطَبِقُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ الْمَأْمُونِ الَّذِي دَعَا النَّاسَ إِلَى الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، وَوَقَى اللَّهُ شَرَّهَا، كَمَا سَنُورِدُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ، وَالسُّفْيَانِيُّ رَجُلٌ يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ مَنْسُوبٌ إِلَى أَبِي سُفْيَانَ يَكُونُ مِنْ سُلَالَتِهِ، وَسَيَأْتِي فِي آخِرِ كِتَابِ الْمَلَاحِمِ. حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا هَاشِمٌ، ثَنَا لَيْثٌ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، سَمِعْتُ أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ وَهُوَ بِالْفُسْطَاطِ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ، وَكَانَ مُعَاوِيَةُ أَغْزَى النَّاسَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا تَعْجِزُ هَذِهِ الْأُمَّةُ مِنْ نِصْفِ يَوْمٍ، إِذَا رَأَيْتَ الشَّامَ مَائِدَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ وَأَهْلِ بَيْتِهِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ فَتْحُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ. هَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ مَوْقُوفًا عَلَى أَبِي ثَعْلَبَةَ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي «سُنَنِهِ» مِنْ حَدِيثِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَنْ يُعْجِزَ اللَّهُ هَذِهِ الْأُمَّةَ مِنْ نِصْفِ يَوْمٍ تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ. ثُمَّ قَالَ أَبُو دَاوُدَ: ثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، ثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنِي صَفْوَانُ عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَاصٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ لَا تَعْجِزَ أُمَّتِي عِنْدَ رَبِّهَا أَنْ يُؤَخِّرَهُمْ نِصْفَ يَوْمٍ قِيلَ لِسَعْدٍ: وَكَمْ

стр. 5170

نِصْفُ يَوْمٍ؟ قَالَ: خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ. تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ، وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ. وَهَذَا مِنْ دَلَائِلِ النُّبُوَّة ِ، فَإِنَّ هَذَا يَقْتَضِي وُقُوعَ تَأْخِيرِ الْأُمَّةِ نِصْفَ يَوْمٍ، وَهُوَ خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ كَمَا فَسَّرَهُ الصَّحَابِيُّ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [الْحَجِّ: ٤٧]. ثُمَّ هَذَا الْإِخْبَارُ بِوُقُوعِ هَذِهِ الْمُدَّةِ لَا يَنْفِي وُقُوعَ مَا زَادَ عَلَيْهَا، فَأَمَّا مَا يَذْكُرُهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ مِنْ أَنَّهُ، عَلَيْهِ الصِّلَامُ وَالسَّلَامُ، لَا يُؤَلِّفُ فِي قَبْرِهِ، بِمَعْنَى لَا يَمْضِي عَلَيْهِ أَلْفُ سَنَةٍ مِنْ يَوْمِ مَاتَ إِلَى حِينِ قِيَامِ السَّاعَةِ، فَإِنَّهُ حَدِيثٌ لَا أَصْلَ لَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْإِسْلَامِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. حَدِيثٌ آخَرُ فِيهِ الْإِخْبَارُ عَنْ ظُهُورِ النَّارِ الَّتِي كَانَتْ بِأَرْضِ الْحِجَازِ، حَتَّى أَضَاءَتْ لَهَا أَعْنَاقَ الْإِبِلِ بِبُصْرَى، وَقَدْ وَقَعَ هَذَا فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَسِتِّمِائَةٍ. قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي «صَحِيحِهِ»: ثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، ثَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَخْبَرَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَخْرُجَ نَارٌ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ تُضِيءُ أَعْنَاقَ الْإِبِلِ بِبُصْرَى تَفَرَّدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ. وَقَدْ ذَكَرَ أَهْلُ التَّارِيخِ وَغَيْرُهُمْ مِنَ النَّاسِ، وَتَوَاتَرَ وُقُوعُ هَذَا فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَسِتِّمِائَةٍ; قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْحَافِظُ شَيْخُ الْحَدِيثِ وَإِمَامُ الْمُؤَرِّخِينَ فِي زَمَانِهِ شِهَابُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمُلَقَّبُ بِأَبِي شَامَةَ، فِي «تَارِيخِهِ»: إِنَّهَا ظَهَرَتْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي خَامِسِ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ

стр. 5171

وَخَمْسِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَأَنَّهَا اسْتَمَرَّتْ شَهْرًا وَأَزِيدَ مِنْهُ. وَذَكَرَ كُتُبًا مُتَوَاتِرَةً عَنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي كَيْفِيَّةِ ظُهُورِهَا شَرْقِيَّ الْمَدِينَةِ مِنْ نَاحِيَةِ وَادِي شَظَا، تِلْقَاءَ أُحُدٍ، وَأَنَّهَا مَلَأَتْ تِلْكَ الْأَوْدِيَةَ، وَأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْهَا شَرَرٌ يَأْكُلُ الْحِجَارَةَ، وَذَكَرَ أَنَّ الْمَدِينَةَ زُلْزِلَتْ بِسَبَبِهَا، وَأَنَّهُمْ سَمِعُوا أَصْوَاتًا مُزْعِجَةً قَبْلَ ظُهُورِهَا بِخَمْسَةِ أَيَّامٍ، أَوَّلُ ذَلِكَ مُسْتَهَلُّ الشَّهْرِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، فَلَمْ تَزَلْ لَيْلًا وَنَهَارًا حَتَّى ظَهَرَتْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ خَامِسَهُ، فَانْبَجَسَتْ تِلْكَ الْأَرْضُ عِنْدَ وَادِي شَظَا عَنْ نَارٍ عَظِيمَةٍ جِدًّا، صَارَتْ مِثْلَ الْوَادِي، طُولُهُ أَرْبَعَةُ فَرَاسِخَ فِي عَرْضِ أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ، وَعَمْقُهُ قَامَةٌ وَنِصْفٌ، يَسِيلُ الصَّخْرُ حَتَّى يَبْقَى مِثْلَ الْآنُكِ، ثُمَّ يَصِيرُ كَالْفَحْمِ الْأَسْوَدِ، وَذَكَرَ أَنَّ ضَوْءَهَا يَمْتَدُّ إِلَى تَيْمَاءَ بِحَيْثُ كَتَبَ النَّاسُ عَلَى ضَوْئِهَا فِي اللَّيْلِ، وَكَأَنَّ فِي بَيْتِ كُلٍّ مِنْهُمْ مِصْبَاحًا، وَرَأَى النَّاسُ سَنَاهَا مِنْ مَكَّةَ، شَرَّفَهَا اللَّهُ. قُلْتُ: وَأَمَّا بُصَرَى فَأَخْبَرَنِي قَاضِي الْقُضَاةِ صَدْرُ الدِّينِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي قَاسِمٍ التَّمِيمِيُّ الْحَنَفِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنِي وَالِدِي، وَهُوَ الشَّيْخُ صِفِيُّ الدِّينِ مُدَرِّسُ بُصَرَى، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَعْرَابِ صَبِيحَةَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ مَنْ كَانَ

стр. 5172

بِحَاضِرَةِ بَلَدِ بُصَرَى، أَنَّهُمْ رَأَوْا صَفَحَاتِ أَعْنَاقِ إِبِلِهِمْ فِي ضَوْءِ هَذِهِ النَّارِ الَّتِي ظَهَرَتْ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ. وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ شِهَابُ الدِّينِ أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ لَجَئُوا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ إِلَى الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، وَتَابُوا إِلَى اللَّهِ مِنْ ذُنُوبٍ كَانُوا عَلَيْهَا، وَاسْتَغْفَرُوا عِنْدَ قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، مِمَّا سَلَفَ مِنْهُمْ، وَأَعْتَقُوا الْغِلْمَانَ، وَتَصَدَّقُوا عَلَى فُقَرَائِهِمْ وَمَحَاويجِهِمْ، وَقَدْ قَالَ قَائِلُهُمْ فِي ذَلِكَ: يَا كَاشِفَ الضُّرِّ صَفْحًا عَنْ جَرَائِمِنَا … لَقَدْ أَحَاطَتْ بِنَا يَا رَبِّ بَأْسَاءُ نَشْكُو إِلَيْكَ خُطُوبًا لَا نُطِيقُ لَهَا … حَمْلًا وَنَحْنُ بِهَا حَقًّا أَحِقَّاءُ زَلَازِلًا تَخْشَعُ الصُّمُّ الصِّلَادُ لَهَا … وَكَيْفَ يَقْوَى عَلَى الزِّلْزَالِ شَمَّاءُ أَقَامَ سَبْعًا يَرُجُّ الْأَرْضَ فَانْصَدَعَتْ … عَنْ مَنْظَرٍ مِنْهُ عَيْنُ الشَّمْسِ عَشْوَاءُ بَحْرٌ مِنَ النَّارِ تَجْرِي فَوْقَهُ سُفُنٌ … مِنَ الْهِضَابِ لَهَا فِي الْأَرْضِ إِرْسَاءُ يُرَى لَهَا شَرَرٌ كَالْقَصْرِ طَائِشَةٌ … كَأَنَّهَا دِيمَةٌ تَنْصِبُّ هَطْلَاءُ تَنْشَقُّ مِنْهَا قُلُوبُ الصَّخْرِ إِنْ زَفَرَتْ … رُعْبًا وَتَرْعُدُ مِثْلَ الشُّهُبِ أَضْوَاءُ

стр. 5173

مِنْهَا تَكَاثَفَ فِي الْجَوِّ الدُّخَانُ إِلَى … أَنْ عَادَتِ الشَّمْسُ مِنْهُ وَهِيَ دَهْمَاءُ قَدْ أَثَّرَتْ سُفْعَةً فِي الْبَدْرِ لَفْحَتُهَا … فَلَيْلَةُ التِّمَّ بَعْدَ النُّورِ لَيْلَاءُ فَيَالَهَا آيَةً مِنْ مُعْجِزَاتِ رَسُو … لِ اللَّهِ يَعْقِلُهَا الْقَوْمُ الْأَلِبَّاءُ إِلَى آخِرِهَا. وَمِمَّا قِيلَ فِي هَذِهِ النَّارِ مَعَ غَرَقِ بَغْدَادَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ: سُبْحَانَ مَنْ أَصْبَحَتْ مَشِيئَتُهُ … جَارِيَةً فِي الْوَرَى بِمِقْدَارِ أَغْرَقَ بَغْدَادَ بِالْمِيَاهِ كَمَا … أَحْرَقَ أَرْضَ الْحِجَازِ بِالنَّارِ حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، ثَنَا أَفْلَحُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ قِبَاءٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَافِعٍ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنْ طَالَتْ بِكَ مُدَّةٌ، أَوْشَكَ أَنْ تَرَى قَوْمًا يَغْدُونَ فِي سَخَطِ اللَّهِ وَيَرُوحُونَ فِي لَعْنَتِهِ، فِي أَيْدِيهِمْ مِثْلُ أَذْنَابِ الْبَقَرِ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ، عَنْ أَفْلَحَ بْنِ سَعِيدٍ بِهِ. وَرَوَى مُسْلِمٌ أَيْضًا، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ

стр. 5174

حَرْبٍ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا بَعْدُ; قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مَائِلَاتٌ مُمِيلَاتٌ، رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ، لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ، وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا. وَهَذَانِ الصِّنْفَانِ، وَهُمَا الْجَلَّادُونَ الَّذِينَ يُسَمَّوْنَ بِالرَّجَّالَةِ وَالْجَانْدَارِيَّةِ كَثِيرُونَ فِي زَمَانِنَا هَذَا، وَمِنْ قَبْلِهِ وَقَبْلِ قَبْلِهِ بِدَهْرٍ، وَالنِّسَاءُ الْكَاسِيَاتُ الْعَارِيَاتُ; أَيْ عَلَيْهِنَّ لُبُسٌ لَا تُوَارِي سَوْآتِهِنَّ، بَلْ هُوَ زِيَادَةٌ فِي الْعَوْرَةِ، وَإِبْدَاءٌ لِلزِّينَةِ، مَائِلَاتٌ فِي مَشْيِهِنَّ، مُمِيلَاتٌ غَيْرَهُنَّ إِلَيْهِنَّ وَقَدْ عَمَّ الْبَلَاءُ بِهِنَّ فِي زَمَانِنَا هَذَا، وَمِنْ قَبْلِهِ أَيْضًا، وَهَذَا مِنْ أَكْبَرِ دَلَالَاتِ النُّبُوَّةِ; إِذْ وَقَعَ الْأَمْرُ فِي الْخَارِجِ طِبْقَ مَا أَخْبَرَ بِهِ، ﵇، وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ جَابِرٍ: «أَمَا إِنَّهَا سَتَكُونُ لَكُمْ أَنْمَاطٌ». وَذُكِرَ تَمَامُ الْحَدِيثِ فِي وُقُوعِ ذَلِكَ وَاحْتِجَاجِ امْرَأَتِهِ عَلَيْهِ بِهَذَا. حَدِيثٌ آخَرُ: رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدَ، وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِهِ، عَنْ أَبِي

стр. 5175

حَرْبِ بْنِ أَبِي الْأَسْوَدِ الدُّئِلِيِّ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَمْرٍو الْبَصْرِيِّ، أَنَّهُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَبَيْنَمَا هُوَ يُصَلِّي إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَحْرَقَ بُطُونَنَا التَّمْرُ، وَتَخَرَّقَتْ عَنَّا الْخُنُفُ. قَالَ: فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَصَاحِبِي مَكَثْنَا بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً وَمَا لَنَا طَعَامٌ غَيْرَ الْبَرِيرِ، حَتَّى أَتَيْنَا إِخْوَانَنَا مِنَ الْأَنْصَارِ، فَآسَوْنَا مِنْ طَعَامِهِمْ، وَكَانَ جُلَّ طَعَامِهِمُ التَّمْرُ، وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَوْ قَدَرْتُ لَكُمْ عَلَى الْخُبْزِ وَاللَّحْمِ لَأَطْعَمْتُكُمُوهُ، وَسَيَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ أَوْ مَنْ أَدْرَكَهُ مِنْكُمْ يَلْبَسُونَ مِثْلَ أَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، وَيُغْدَى وَيُرَاحُ عَلَيْكُمْ بِالْجِفَانِ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْحَنُ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ أَمِ الْيَوْمَ؟ قَالَ: «بَلْ أَنْتُمُ الْيَوْمَ خَيْرٌ، أَنْتُمُ الْيَوْمَ إِخْوَانٌ، وَأَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ». وَقَدْ رَوَى سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى يُحَنَّسَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا مَشَتْ أُمَّتِي الْمُطَيْطَاءَ وَخَدَمَتْهُمْ فَارِسُ وَالرُّومُ، سَلَّطَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ. وَقَدْ أَسْنَدَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ

стр. 5176

عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِيُّ، ثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، ثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ شَرَاحِيلَ بْنِ يَزِيدَ الْمَعَافِرِيِّ، عَنْ أَبِي عَلْقَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فِيمَا أَعْلَمُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا أَمْرَ دِينِهَا. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شُرَيْحٍ الْإِسْكَنْدَرَانِيُّ لَمْ يَجُزْ بِهِ شَرَاحِيلُ تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ وَقَدْ ذَكَرَ كُلُّ طَائِفَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ، عَالِمًا مِنْ عُلَمَائِهِمْ يُنَزِّلُونَ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَيْهِ، وَقَالَ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ: بَلِ الصَّحِيحُ أَنَّ الْحَدِيثَ يَشْمَلُ كُلَّ فَرْدٍ فَرْدٍ مِنْ آحَادِ الْعُلَمَاءِ مِنْ هَذِهِ الْأَعْصَارِ مِمَّنْ يَقُومُ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ فِي أَدَاءِ الْعِلْمِ عَمَّنْ أَدْرَكَ مِنَ السَّلَفِ إِلَى مَنْ يُدْرِكُهُ مِنَ الْخَلَفِ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ طُرُقٍ مُرْسَلَةٍ وَغَيْرِ مُرْسَلَةٍ: «يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ

стр. 5177

عُدُولُهُ، يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ، وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ». وَهَذَا مَوْجُودٌ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ، إِلَى زَمَانِنَا هَذَا، وَنَحْنُ فِي الْقَرْنِ الثَّامِنِ، وَاللَّهُ الْمَسْئُولُ أَنْ يَخْتِمَ لَنَا بِخَيْرٍ، وَأَنْ يَجْعَلَنَا مِنْ عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ، وَمِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ، آمِينَ آمِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. وَسَيَأْتِي الْحَدِيثُ الْمُخَرَّجُ مِنَ «الصَّحِيحِ»: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ. وَفِي» صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ «:» وَهُمْ بِالشَّامِ «. وَقَدْ قَالَ كَثِيرٌ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ: إِنَّهُمْ أَهْلُ الْحَدِيثِ. وَهَذَا أَيْضًا مِنْ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ، فَإِنَّ أَهْلَ الْحَدِيثِ بِالشَّامِ الْيَوْمَ أَكْثَرُ مِنْ سَائِرِ أَقَالِيمِ الْإِسْلَامِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، وَلَا سِيَّمَا بِمَدِينَةِ دِمَشْقَ، حَمَاهَا اللَّهُ وَصَانَهَا، كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي سَنَذْكُرُهُ أَنَّهَا تَكُونُ مَعْقِلَ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ وُقُوعِ الْفِتَنِ. وَفِي» صَحِيحِ مُسْلِمٍ " عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخْبَرَ عَنْ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ أَنَّهُ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ. وَلَعَلَّ أَصْلَ لَفْظِ الْحَدِيثِ: عَلَى الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ الشَّرْقِيَّةِ بِدِمَشْقَ. وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّهُ كَذَلِكَ فِي بَعْضِ الْأَجْزَاءِ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ إِلَى الْآنَ، وَاللَّهُ الْمُيَسِّرُ، وَقَدْ جُدِّدَتْ هَذِهِ الْمَنَارَةُ الْبَيْضَاءُ الشَّرْقِيَّةُ بِجَامِعِ دِمَشْقَ - بَعْدَ مَا أَحْرَقَهَا النَّصَارَى - فِي أَيَّامِنَا هَذِهِ بَعْدَ سَنَةِ أَرْبَعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ، مِنْ أَمْوَالِ النَّصَارَى; مُقَاصَّةً عَلَى مَا

стр. 5178

فَعَلُوا مِنَ الْعُدْوَانِ، وَفِي هَذَا حِكْمَةٌ عَظِيمَةٌ، وَهُوَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَى هَذِهِ الْمَبْنِيَّةِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ نَبِيُّ اللَّهِ، فَيُكَذِّبَهُمْ فِيمَا افْتَرَوْهُ عَلَيْهِ مِنَ الْكَذِبِ عَلَيْهِ وَعَلَى اللَّهِ، وَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ - أَيْ يَتْرُكُهَا - وَلَا يَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَلَا مِنْ غَيْرِهِمْ إِلَّا الْإِسْلَامَ، يَعْنِي أَوْ يَقْتُلُهُ، وَقَدْ أَخْبَرَ بِهَذَا عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَقَرَّرَهُ عَلَيْهِ وَسَوَّغَهُ لَهُ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ دَائِمًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ. بَابٌ مُعْجِزَاتٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، مُمَاثِلَةٌ لِمُعْجِزَاتِ جَمَاعَةٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ. التَّنْبِيهُ عَلَى ذِكْرِ مُعْجِزَاتٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، مُمَاثِلَةٍ لِمُعْجِزَاتِ جَمَاعَةٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ، أَوْ أَعْلَى مِنْهَا، خَارِجًا عَمَّا اخْتَصَّ بِهِ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ لِأَحَدٍ قَبْلَهُ مِنْهُمْ، ﵈. فَمِنْ ذَلِكَ الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ، فَإِنَّهُ مُعْجِزَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ عَلَى الْآبَادِ، وَلَا يَخْفَى بُرْهَانُهَا، وَلَا يَنْخَفِضُ شَأْنُهَا، وَقَدْ تَحَدَّى بِهِ الثَّقَلَيْنِ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ

стр. 5179

أَوْ بِعَشْرِ سُوَرٍ أَوْ بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ، فَعَجَزُوا عَنْ ذَلِكَ، كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْمُعْجِزَاتِ، وَقَدْ سَبَقَ الْحَدِيثُ الْمُتَّفَقُ عَلَى إِخْرَاجِهِ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ أُوتِيَ مِنَ الْآيَاتِ مَا آمَنَ عَلَى مِثْلِهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَالْمَعْنَى أَنَّ كُلَّ نَبِيٍّ قَدْ أُوتِيَ مِنْ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ مَا يَقْتَضِي إِيمَانَ مَنْ رَأَى ذَلِكَ مِنْ أُولِي الْبَصَائِرِ وَالنُّهَى، لَا مِنْ أَهْلِ الْعِنَادِ وَالشَّقَاءِ، «وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُهُ» ; أَيْ جُلُّهُ وَأَعْظَمُهُ وَأَبْهَرُهُ، الْقُرْآنُ الَّذِي أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَا يَبِيدُ وَلَا يَذْهَبُ كَمَا ذَهَبَتْ مُعْجِزَاتُ الْأَنْبِيَاءِ وَانْقَضَتْ بِانْقِضَاءِ أَيَّامِهِمْ فَلَا تُشَاهَدُ، بَلْ يُخْبَرُ عَنْهَا بِالتَّوَاتُرِ أَوِ الْآحَادِ، بِخِلَافِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، فَإِنَّهُ مُعْجِزَةٌ مُتَوَاتِرَةٌ عَنْهُ، مُسْتَمِرَّةٌ دَائِمَةُ الْبَقَاءِ بَعْدَهُ، مَسْمُوعَةٌ لِكُلٍّ مَنْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْخَصَائِصِ ذِكْرُ مَا اخْتُصَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَقِيَّةِ إِخْوَانِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، كَمَا ثَبَتَ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي;

стр. 5180

نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةُ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً. وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى ذَلِكَ وَمَا شَاكَلَهُ فِيمَا سَلَفَ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ كُلَّ مُعْجِزَةٍ لِنَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ مُعْجِزَةٌ لِخَاتَمِهِمْ مُحَمَّدٍ ﷺ ; وَذَلِكَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ بَشَّرَ بِمَبْعَثِهِ، وَأَمَرَ بِمُتَابَعَتِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [آلِ عِمْرَانَ: ٨٢، ٨١]. وَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﵁، أَنَّهُ قَالَ: مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ إِلَّا أَخَذَ عَلَيْهِ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ لَئِنْ بُعِثَ مُحَمَّدٌ وَهُوَ حَيٌّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ وَلَيَتَّبِعَنَّهُ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْعَهْدَ عَلَى أُمَّتِهِ لَئِنْ بُعِثَ مُحَمَّدٌ وَهُمْ أَحْيَاءٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَيَنْصُرُنَّهُ .. وَذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ مُعْجِزَاتٌ لِلْأَنْبِيَاءِ; لِأَنَّ الْوَلِيَّ إِنَّمَا نَالَ ذَلِكَ بِبَرَكَةِ مُتَابَعَتِهِ لِنَبِيِّهِ، وَثَوَابِ إِيمَانِهِ بِهِ.

стр. 5181

وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ كَانَ الْبَاعِثَ لِي عَلَى عَقْدِ هَذَا الْبَابِ أَنِّي وَقَفْتُ عَلَى مُوَلَّدٍ اخْتَصَرَهُ مِنْ» سِيرَةِ «الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ وَغَيْرِهَا شَيْخُنَا الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ كَمَالُ الدِّينِ أَبُو الْمَعَالِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْأَنْصَارِيُّ السِّمَاكِيُّ - نِسْبَةً إِلَى أَبِي دُجَانَةَ سِمِاكِ بْنِ خَرَشَةَ الْأَوْسِيِّ، ﵁ شَيْخُ الشَّافِعِيَّةِ فِي زَمَانِهِ بِلَا مُدَافَعَةٍ، الْمَعْرُوفِ بِابْنِ الزَّمْلَكَانِيِّ، ﵀ وَبَلَّ بِالرَّحْمَةِ ثَرَاهُ، وَقَدْ ذَكَرَ فِي أَوَاخِرِهِ شَيْئًا مِنْ فَضَائِلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَعَقَدَ فَصْلًا فِي هَذَا الْبَابِ فَأَوْرَدَ فِيهِ أَشْيَاءَ حَسَنَةً، وَنَبَّهَ عَلَى فَوَائِدَ جَمَّةٍ، وَفَرَائِدَ مُهِمَّةٍ، وَتَرَكَ أَشْيَاءَ أُخْرَى حَسَنَةً، ذَكَرَهَا غَيْرُهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَلَمْ أَرَهُ اسْتَوْعَبَ الْكَلَامَ إِلَى آخِرِهِ فَإِمَّا أَنَّهُ قَدْ سَقَطَ مِنْ خَطِّهِ، أَوْ أَنَّهُ لَمْ يُكْمِلْ تَصْنِيفَهُ، فَسَأَلَنِي بَعْضُ أَهْلِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا مِمَّنْ تَتَأَكَّدُ إِجَابَتُهُ، وَتَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ فِي تَكْمِيلِهِ وَتَذْيِيلِهِ وَتَرْتِيبِهِ، وَتَهْذِيبِهِ، وَالزِّيَادَةِ عَلَيْهِ وَالْإِضَافَةِ إِلَيْهِ، فَاسْتَخَرْتُ اللَّهَ حِينًا مِنَ الدَّهْرِ، ثُمَّ نَشِطْتُ لِذَلِكَ ابْتِغَاءَ الثَّوَابِ وَالْأَجْرِ، وَقَدْ كُنْتُ سَمِعْتُ مِنْ شَيْخِنَا الْإِمَامِ الْعَلَّامَةِ الْحَافِظِ الْجِهْبَذِ أَبِي الْحَجَّاجِ الْمِزِّيِّ، تَغَمَّدَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِرَحْمَتِهِ، أَنَّ أَوَّلَ مَنْ تَكَلَّمَ فِي هَذَا الْمَقَامِ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ. وَقَدْ رَوَى الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ، ﵀، فِي كِتَابِهِ» دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ «عَنْ شَيْخِهِ الْحَاكِمِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنِي أَبُو أَحْمَدَ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ، أَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ

стр. 5182

بْنُ أَبِي حَاتِمٍ الرَّازِيُّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: مَا أَعْطَى اللَّهُ نَبِيًّا مَا أَعْطَى مُحَمَّدًا ﷺ . فَقُلْتُ: أَعْطَى عِيسَى إِحْيَاءَ الْمَوْتَى. فَقَالَ: أَعْطَى مُحَمَّدًا ﷺ الْجِذْعَ الَّذِي كَانَ يَخْطُبُ إِلَى جَنْبِهِ; حِينَ هُيِّئَ لَهُ الْمِنْبَرُ حَنَّ الْجِذْعُ حَتَّى سُمِعَ صَوْتُهُ، فَهَذَا أَكْبَرُ مِنْ ذَاكَ. هَذَا لَفْظُهُ، ﵁. وَالْمُرَادُ مِنْ إِيرَادِ مَا نَذْكُرُهُ فِي هَذَا الْبَابِ التَّنْبِيهُ عَلَى شَرَفِ مَا أَعْطَى اللَّهُ أَنْبِيَاءَهُ، ﵈، مِنَ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ، وَالْخَوَارِقِ الْقَاطِعَاتِ، وَالْحُجَجِ الْوَاضِحَاتِ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَمَعَ لِعَبْدِهِ وَرَسُولِهِ سَيِّدِ الْأَنْبِيَاءِ وَخَاتَمِهِمْ مِنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْمَحَاسِنِ وَالْآيَاتِ، مَعَ مَا اخْتَصَّهُ اللَّهُ بِهِ مِمَّا لَمَّ يُؤْتِ أَحَدًا قَبْلَهُ، كَمَا ذَكَرْنَا مِنْ خَصَائِصِهِ وَشَمَائِلِهِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ. وَوَقَفْتُ عَلَى فَصْلٍ مَلِيحٍ فِي هَذَا الْمَعْنَى فِي كِتَابِ» دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ «لِلْحَافِظِ أَبِي نُعَيْمٍ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَصْبَهَانِيِّ، وَهُوَ كِتَابٌ حَافِلٌ فِي ثَلَاثِ مُجَلَّدَاتٍ، عَقَدَ فِيهِ فَصْلًا فِي هَذَا الْمَعْنَى، وَكَذَا ذَكَرَ ذَلِكَ الْفَقِيهُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ فِي كِتَابِهِ» دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ " وَهُوَ كِتَابٌ كَبِيرٌ جَلِيلٌ حَافِلٌ، مُشْتَمِلٌ عَلَى فَوَائِدَ نَفِيسَةٍ، وَكَذَا الصَّرْصَرِيُّ الشَّاعِرُ يُورِدُ فِي بَعْضِ قَصَائِدِهِ أَشْيَاءَ مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا، كَمَا سَيَأْتِي، وَهَا أَنَا أَذْكُرُ بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى مَجَامِعَ مَا ذُكِرَ مِنْ هَذِهِ الْأَمَاكِنِ الْمُتَفَرِّقَةِ

стр. 5183

بِأَوْجَزِ عِبَارَةٍ، وَأَقْصَدِ إِشَارَةٍ، وَبِاللَّهِ الْمُسْتَعَانُ، وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ، الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ. الْقَوْلُ فِيمَا أُوتِيَ نُوحٌ، ﵇. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ» [الْقَمَرِ: ١٠ - ١٥]. وَقَدْ ذَكَرْتُ الْقِصَّةَ مَبْسُوطَةً فِي أَوَّلِ هَذَا الْكِتَابِ، وَكَيْفَ دَعَا عَلَى قَوْمِهِ فَنَجَّاهُ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَمْ يَهْلَكْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَأَغْرَقَ مَنْ خَالَفَهُ مِنَ الْكَافِرِينَ، فَلَمْ يَسْلَمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ حَتَّى وَلَا وَلَدُهُ يَامُ. قَالَ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ أَبُو الْمَعَالِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْأَنْصَارِيُّ ابْنُ الزَّمْلَكَانِيِّ، وَمِنْ خَطِّهِ نَقَلْتُ: وَبَيَانُ أَنَّ كُلَّ مُعْجِزَةٍ لِنَبِيٍّ فَلِنَبِيِّنَا ﷺ مِثْلُهَا أَوْ أَتَمُّ، يَسْتَدْعِي كَلَامًا طَوِيلًا وَتَفْصِيلًا لَا يَسَعُهُ مُجَلَّدَاتٌ عَدِيدَةٌ، وَلَكِنْ نُنَبَّهُ بِالْبَعْضِ عَلَى الْبَعْضِ، فَلْنَذْكُرْ جَلَائِلَ مُعْجِزَاتِ الْأَنْبِيَاءِ، ﵈. فَمِنْهَا نَجَاةُ نُوحٍ فِي السَّفِينَةِ بِالْمُؤْمِنِينَ، وَلَا شَكَّ أَنَّ حَمْلَ الْمَاءِ لِلنَّاسِ مِنْ غَيْرِ سَفِينَةٍ أَعْظَمُ مِنَ السُّلُوكِ عَلَيْهِ فِي السَّفِينَةِ، وَقَدْ مَشَى كَثِيرٌ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ عَلَى مَتْنِ الْمَاءِ.

стр. 5184

وَفِي قِصَّةِ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، رَوَى سَهْمُ بْنُ مِنْجَابٍ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ دَارِينَ، فَدَعَا بِثَلَاثِ دَعَوَاتٍ فَاسْتُجِيبَتْ لَهُ، فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا فَطَلَبَ الْمَاءَ فَلَمْ يَجِدْهُ، فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّا عَبِيدُكَ، وَفِي سَبِيلِكِ، نُقَاتِلُ عَدُوَّكَ، اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا نَتَوَضَّأُ بِهِ وَنَشْرَبُ، وَلَا يَكُونُ لِأَحَدٍ فِيهِ نَصِيبٌ غَيْرَنَا. فَسِرْنَا قَلِيلًا فَإِذَا نَحْنُ بِمَاءٍ حِينَ أَقْلَعَتِ السَّمَاءُ عَنْهُ، فَتَوَضَّأْنَا مِنْهُ وَتَزَوَّدْنَا، وَمَلَأْتُ إِدَاوَتِي وَتَرَكْتُهَا مَكَانَهَا حَتَّى أَنْظُرَ هَلِ اسْتُجِيبَ لَهُ أَمْ لَا، فَسِرْنَا قَلِيلًا ثُمَّ قُلْتُ لِأَصْحَابِي: نَسِيتُ إِدَاوَتِي فَرَجَعْتُ إِلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ فَكَأَنَّهُ لَمْ يُصِبْهُ مَاءٌ قَطُّ، ثُمَّ سِرْنَا حَتَّى أَتَيْنَا دَارِينَ وَالْبَحْرُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، فَقَالَ: يَا عَلِيمُ، يَا حَلِيمُ، يَا عَلِيُّ، يَا عَظِيمُ، إِنَّا عَبِيدُكَ، وَفِي سَبِيلِكَ، نُقَاتِلُ عَدُوَّكَ، اللَّهُمَّ فَاجْعَلْ لَنَا إِلَيْهِمْ سَبِيلًا. فَدَخَلْنَا الْبَحْرَ فَلَمْ يَبْلُغِ الْمَاءَ لُبُودَنَا، وَمَشَيْنَا عَلَى مَتْنِ الْمَاءِ وَلَمْ يَبْتَلَّ لَنَا شَيْءٌ. وَذَكَرَ بَقِيَّةَ الْقِصَّةِ، قَالَ: فَهَذَا أَبْلَغُ مِنْ رُكُوبِ السَّفِينَةِ، فَإِنَّ حَمْلَ الْمَاءِ لِلسَّفِينَةِ مُعْتَادٌ، وَأَبْلَغُ مِنْ فَلْقِ الْبَحْرِ لِمُوسَى، فَإِنَّ هُنَاكَ انْحَسَرَ الْمَاءُ حَتَّى مَشَوْا عَلَى الْأَرْضِ، فَالْمُعْجِزُ انْحِسَارُ الْمَاءِ وَهَا هُنَا صَارَ الْمَاءُ جَسَدًا يَمْشُونَ عَلَيْهِ كَالْأَرْضِ، وَإِنَّمَا هَذَا مَنْسُوبٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَبَرَكَتِهِ. انْتَهَى مَا ذَكَرَهُ بِحُرُوفِهِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ

стр. 5185

بِنُوحٍ ﵇. وَهَذِهِ الْقِصَّةُ الَّتِي سَاقَهَا شَيْخُنَا ذَكَرَهَا الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِهِ «الدَّلَائِلِ» مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي الدُّنْيَا، عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ، عَنِ الصَّلْتِ بْنِ مَطَرٍ الْعِجْلِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ ابْنِ أُخْتِ سَهْمٍ، عَنْ سَهْمِ بْنِ مِنْجَابٍ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ فَذَكَرَهُ. وَقَدْ ذَكَرَهَا الْبُخَارِيُّ فِي «التَّارِيخِ الْكَبِيرِ» مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁، أَنَّهُ كَانَ مَعَ الْعَلَاءِ وَشَاهَدَ ذَلِكَ. وَسَاقَهَا الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَوْنٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: أَدْرَكْتُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ ثَلَاثًا لَوْ كَانَتْ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمَا تَقَاسَمَتْهَا الْأُمَمُ. قُلْنَا: مَا هُنَّ يَا أَبَا حَمْزَةَ؟ قَالَ: كُنَّا فِي الصُّفَّةِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ مُهَاجِرَةٌ، وَمَعَهَا ابْنٌ لَهَا قَدْ بَلَغَ، فَأَضَافَ الْمَرْأَةَ إِلَى النِّسَاءِ، وَأَضَافَ ابْنَهَا إِلَيْنَا، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ أَصَابَهُ وَبَاءُ الْمَدِينَةِ فَمَرِضَ أَيَّامًا ثُمَّ قُبِضَ، فَغَمَّضَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، وَأَمَرَ بِجِهَازِهِ، فَلَمَّا أَرَدْنَا أَنْ نُغَسِّلَهُ قَالَ: «يَا أَنَسُ ائْتِ أُمَّهُ فَأَعْلِمْهَا». فَأَعْلَمْتُهَا قَالَ: فَجَاءَتْ حَتَّى جَلَسَتْ عِنْدَ قَدَمَيْهِ، فَأَخَذَتْ بِهِمَا ثُمَّ قَالَتِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْلَمْتُ لَكَ طَوْعًا، وَخَلَعْتُ الْأَوْثَانَ زُهْدًا، وَهَاجَرْتُ إِلَيْكَ رَغْبَةً اللَّهُمَّ لَا
следующие страницы →