← История

История · id 4445

البداية والنهاية - ت التركي

ابن كثير

Полный текст (13 161 стр.). Показаны 5356–5395 · переход к 5361.

стр. 5356

بَنِي عَابِدٍ مِنْ مَخْزُومٍ، وَقَدْ قَالَ فِي ذَلِكَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ عُلْجُومٌ: جَزَى اللَّهُ شِخْرِيتًا وَأَفْنَاءَ هَاشِمٍ … وَفِرْضِمَ إِذْ سَارَتْ إِلَيْنَا الْحَلَائِبُ جَزَاءَ مُسِيءٍ لَمْ يُرَاقِبْ لِذِمَّةٍ … وَلَمْ يَرْجُهَا فِيمَا يُرَجَّى الْأَقَارِبُ أَعِكْرِمُ لَوْلَا جَمْعُ قَوْمِي وَفِعْلُهُمْ … لَضَاقَتْ عَلَيْكُمْ بِالْفَضَاءِ الْمَذَاهِبُ وَكُنَّا كَمَنِ اقْتَادَ كَفًّا بِأُخْتِهَا … وَحَلَّتْ عَلَيْنَا فِي الدُّهُورِ النَّوَائِبُ وَأَمَّا أَهْلُ الْيَمَنِ فَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْأَسْوَدَ الْعَنْسِيَّ، لَعَنَهُ اللَّهُ، لَمَّا نَبَغَ بِالْيَمَنِ، أَضَلَّ خَلْقًا كَثِيرًا مِنْ ضُعَفَاءِ الْعُقُولِ وَالْأَدْيَانِ، حَتَّى ارْتَدَّ كَثِيرٌ مِنْهُمْ أَوْ أَكْثَرُهُمْ عَنِ الْإِسْلَامِ، وَأَنَّهُ لَمَّا قَتَلَهُ الْأُمَرَاءُ الثَّلَاثَةُ; قَيْسُ بْنُ مَكْشُوحٍ وَفَيْرُوزُ الدَّيْلَمِيُّ وَدَاذَوَيْهِ، وَكَانَ مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ، وَلَمَّا بَلَغَهُمْ مَوْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ازْدَادَ بَعْضُ أَهْلِ الْيَمَنِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ مِنَ الْحَيْرَةِ وَالشَّكِّ، أَجَارَنَا اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ، وَطَمِعَ قَيْسُ بْنُ مَكْشُوحٍ فِي الْإِمْرَةِ بِالْيَمَنِ، فَعَمِلَ لِذَلِكَ، وَارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ، وَتَابَعَهُ عَوَامُّ أَهْلِ الْيَمَنِ، وَكَتَبَ الصِّدِّيقُ إِلَى الْأُمَرَاءِ وَالرُّؤَسَاءِ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، أَنْ يَكُونُوا عَوْنًا إِلَى فَيْرُوزَ وَالْأَبْنَاءِ عَلَى قَيْسِ بْنِ مَكْشُوحٍ، حَتَّى تَأْتِيَهُمْ جُنُودُهُ سَرِيعًا، وَحَرَصَ قَيْسٌ عَلَى قَتْلِ الْأَمِيرَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ، فَلَمْ يَقْدِرْ إِلَّا عَلَى دَاذَوَيْهِ، وَاحْتَرَزَ مِنْهُ فَيْرُوزُ الدَّيْلَمِيُّ، وَذَلِكَ أَنَّهُ عَمِلَ طَعَامًا وَأَرْسَلَ إِلَى دَاذَوَيْهِ أَوَّلًا، فَلَمَّا جَاءَهُ عِجْلٌ عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى فَيْرُوزَ لِيَحْضُرَ عِنْدَهُ، فَلَمَّا كَانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ سَمِعَ امْرَأَةً تَقُولُ لِأُخْرَى: وَهَذَا أَيْضًا وَاللَّهِ مَقْتُولٌ كَمَا قُتِلَ صَاحِبُهُ. فَرَجَعَ مِنَ الطَّرِيقِ، وَأَخْبَرَ

стр. 5357

أَصْحَابَهُ بِقَتْلِ دَاذَوَيْهِ، وَخَرَجَ إِلَى أَخْوَالِهِ; خَوْلَانَ، فَتَحَصَّنَ عِنْدَهُمْ وَسَاعَدَتْهُ عُقَيْلٌ وَعَكٌّ، وَخَلْقٌ، وَعَمَدَ قَيْسٌ إِلَى ذَرَارِيِّ فَيْرُوزَ وَدَاذَوَيْهِ وَالْأَبْنَاءِ، فَأَجْلَاهُمْ عَنِ الْيَمَنِ، وَأَرْسَلَ طَائِفَةً فِي الْبَرِّ وَطَائِفَةً فِي الْبَحْرِ، فَاحْتَدَّ فَيْرُوزُ فَخَرَجَ فِي خَلْقٍ كَثِيرٍ، فَتَصَافَّ هُوَ وَقَيْسٌ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَهَزَمَ قَيْسًا وَجُنْدَهُ مِنَ الْعَوَامِّ، وَبَقِيَّةَ جُنْدِ الْأَسْوَدِ الْعَنْسِيِّ، فَهَرَبُوا فِي كُلِّ وَجْهٍ، وَأُسِرَ قَيْسٌ وَعَمْرُو بْنُ مَعْدِيكَرِبَ، وَكَانَ عَمْرٌو قَدِ ارْتَدَّ أَيْضًا، وَتَابَعَ الْأَسْوَدَ الْعَنْسِيَّ، وَبَعَثَ بِهِمَا الْمُهَاجِرُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ أَسِيرَيْنِ فَعَنَّفَهُمَا وَأَنَّبَهُمَا، فَاعْتَذَرَا إِلَيْهِ فَقَبِلَ مِنْهُمَا عَلَانِيَتَهُمَا، وَوَكَلَ سَرَائِرَهُمَا إِلَى اللَّهِ، ، وَأَطْلَقَ سَرَاحَهُمَا وَرَدَّهُمَا إِلَى قَوْمِهِمَا، وَرَجَعَتْ عُمَّالُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِينَ كَانُوا بِالْيَمَنِ إِلَى أَمَاكِنِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا فِي حَيَاتِهِ، ﵊، بَعْدَ حُرُوبٍ طَوِيلَةٍ لَوِ اسْتَقْصَيْنَا إِيرَادَهَا لَطَالَ ذِكْرُهَا، وَمُلَخَّصُهَا أَنَّهُ مَا مِنْ نَاحِيَةٍ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ إِلَّا وَحَصَلَ فِي أَهْلِهَا رِدَّةٌ لِبَعْضِ النَّاسِ، فَبَعَثَ الصِّدِّيقُ إِلَيْهِمْ جُيُوشًا وَأُمَرَاءَ يَكُونُونَ عَوْنًا لِمَنْ فِي تِلْكَ النَّاحِيَةِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَا يَتَوَاجَهُ الْمُشْرِكُونَ وَالْمُؤْمِنُونَ فِي مَوْطِنٍ مِنْ تِلْكَ الْمَوَاطِنِ إِلَّا غَلَبَ جَيْشُ الصِّدِّيقِ لِمَنْ هُنَالِكَ مِنَ الْمُرْتَدِّينَ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ، وَقَتَلُوا مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، وَغَنِمُوا مَغَانِمَ كَثِيرَةً، فَيَتَقَوَّوْنَ بِذَلِكَ عَلَى مَنْ هُنَالِكَ، وَيَبْعَثُونَ بِأَخْمَاسِ مَا يَغْنَمُونَ إِلَى الصِّدِّيقِ فَيُنْفِقُهُ فِي النَّاسِ، فَيَحْصُلُ لَهُمْ قُوَّةٌ أَيْضًا، وَيَسْتَعِدُّونَ بِهِ عَلَى قِتَالِ مَنْ يُرِيدُونَ قِتَالَهُمْ مِنَ الْأَعَاجِمِ وَالرُّومِ، عَلَى مَا سَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ، وَلَمْ يَزَلِ الْأَمْرُ كَذَلِكَ حَتَّى لَمْ يَبْقَ

стр. 5358

بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ إِلَّا أَهْلُ طَاعَةٍ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، أَوْ أَهْلُ ذِمَّةٍ مِنَ الصِّدِّيقِ، كَأَهْلِ نَجْرَانَ وَمَا جَرَى مَجْرَاهُمْ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَعَامَّةُ مَا وَقَعَ مِنْ هَذِهِ الْحُرُوبِ كَانَ فِي أَوَاخِرِ سَنَةِ إِحْدَى عَشْرَةَ وَأَوَائِلِ سَنَةِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ، وَلْنَذْكُرْ بَعْدَ إِيرَادِ هَذِهِ الْحَوَادِثِ مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَعْيَانِ وَالْمَشَاهِيرِ وَبِاللَّهِ الْمُسْتَعَانِ. وَفِيهَا رَجَعَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ مِنَ الْيَمَنِ، وَفِيهَا اسْتَقْضَى أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، ﵄. ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. أَعْنِي سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ، مِنَ الْأَعْيَانِ وَالْمَشَاهِيرِ، وَذَكَرْنَا مَعَهُمْ مَنْ قُتِلَ بِالْيَمَامَةِ; لِأَنَّهَا كَانَتْ فِي سَنَةِ إِحْدَى عَشْرَةَ عَلَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَإِنْ كَانَ الْمَشْهُورُ أَنَّهَا فِي رَبِيعٍ سَنَةَ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ. تُوُفِّيَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَذَلِكَ فِي رَبِيعِهَا الْأَوَّلِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ ثَانِيَ عَشْرِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ، كَمَا قَدَّمْنَا بَيَانَهُ وَبَعْدَهُ بِسِتَّةِ أَشْهَرٍ - عَلَى الْأَشْهَرِ - تُوُفِّيَتِ ابْنَتُهُ فَاطِمَةُ، ﵂، وَتُكَنَّى بِأُمِّ أَبِيهَا، وَقَدْ كَانَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ عَهِدَ إِلَيْهَا أَنَّهَا أَوَّلُ أَهْلِهِ لُحُوقًا بِهِ، وَقَالَ لَهَا مَعَ ذَلِكَ: أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟. وَكَانَتْ أَصْغَرَ بَنَاتِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَلَمْ يَبْقَ بَعْدَهُ سِوَاهَا،

стр. 5359

فَلِهَذَا عَظُمَ أَجْرُهَا; لِأَنَّهَا أُصِيبَتْ بِهِ، ﵊، وَيُقَالُ: إِنَّهَا كَانَتْ تَوْأَمًا لِعَبْدِ اللَّهِ ابْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَلَيْسَ لَهُ، ﵊، نَسْلٌ إِلَّا مِنْ جِهَتِهَا، قَالَهُ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ. وَقَدْ وَرَدَ. أَنَّهُ ﵊، لَيْلَةَ زِفَافِ عَلِيٍّ عَلَى فَاطِمَةَ تَوَضَّأَ وَصَبَّ عَلَيْهِ وَعَلَى فَاطِمَةَ، وَدَعَا لَهُمَا أَنْ يُبَارَكَ فِي نَسْلِهِمَا. وَقَدْ تَزَوَّجَهَا ابْنُ عَمِّهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، وَذَلِكَ بَعْدَ بَدْرٍ، وَقِيلَ: بَعْدَ أُحُدٍ. وَقِيلَ: بَعْدَ تَزْوِيجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَائِشَةَ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَنِصْفٍ. وَبَنَى بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ بِسَبْعَةِ أَشْهُرٍ وَنِصْفٍ، أَصْدَقَهَا دِرْعَهُ الْحُطَمْيَةَ، وَقِيمَتُهُ أَرْبَعُمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَكَانَ عُمُرُهَا إِذْ ذَاكَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةٍ وَخَمْسَةَ أَشْهُرٍ، وَكَانَ عَلِيٌّ أَسَنَّ مِنْهَا بِسِتِّ سِنِينَ. وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ مَوْضُوعَةٌ فِي تَزْوِيجِ عَلِيٍّ بِفَاطِمَةَ، لَمْ نَذْكُرْهَا; رَغْبَةً عَنْهَا فَوَلَدَتْ لَهُ حَسَنًا وَحُسَيْنًا وَمُحَسِّنًا، وَأُمَّ كُلْثُومٍ، الَّتِي تَزَوَّجَ بِهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بَعْدَ ذَلِكَ. وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، ثَنَا حَمَّادٌ، أَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا زَوَّجَهُ فَاطِمَةَ بَعَثَ مَعَهَا بِخَمِيلَةٍ،

стр. 5360

وَوِسَادَةٍ مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ، وَرَحَيَيْنِ وَسِقَاءٍ وَجَرَّتَيْنِ، فَقَالَ عَلِيٌّ لِفَاطِمَةَ ذَاتَ يَوْمٍ: وَاللَّهِ لَقَدْ سَنَوْتُ حَتَّى لَقَدِ اشْتَكَيْتُ صَدْرِي، وَقَدْ جَاءَ اللَّهُ أَبَاكِ بِسَبْيٍ فَاذْهَبِي فَاسْتَخْدِمِيهِ. فَقَالَتْ: وَأَنَا وَاللَّهِ لَقَدْ طَحَنْتُ حَتَّى مَجَلَتْ يَدَايَ. فَأَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «مَا جَاءَ بِكِ أَيْ بُنَيَّةِ؟» قَالَتْ: جِئْتُ لِأُسَلِّمَ عَلَيْكَ. وَاسْتَحْيَتْ أَنْ تَسْأَلَهُ، وَرَجَعَتْ. فَقَالَ: مَا فَعَلْتِ؟ قَالَتِ: اسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسْأَلَهُ. فَأَتَيَاهُ جَمِيعًا، فَقَالَ عَلِيٌّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ لَقَدْ سَنَوْتُ حَتَّى اشْتَكَيْتُ صَدْرِي. وَقَالَتْ فَاطِمَةُ: لَقَدْ طَحَنْتُ حَتَّى مَجَلَتْ يَدَايَ، وَقَدْ جَاءَكَ اللَّهُ بِسَبْيٍ وَسَعَةٍ فَأَخْدِمْنَا. فَقَالَ: «وَاللَّهِ لَا أُعْطِيكُمَا وَأَدَعُ أَهْلَ الصُّفَّةِ تُطْوَى بُطُونُهُمْ، لَا أَجِدُ مَا أُنْفِقُ عَلَيْهِمْ، وَلَكِنِّي أَبِيعُهُمْ وَأُنْفِقُ عَلَيْهِمْ أَثْمَانَهُمْ». فَرَجَعَا فَأَتَاهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ دَخَلَا فِي قَطِيفَتِهِمَا، إِذَا غَطَّتْ رُءُوسَهُمَا تَكَشَّفَتْ أَقْدَامُهُمَا، وَإِذَا غَطَّيَا أَقْدَامَهُمَا تَكَشَّفَتْ رُءُوسُهُمَا، فَثَارَا، فَقَالَ: «مَكَانَكُمَا». ثُمَّ قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمَا بِخَيْرٍ مِمَّا سَأَلْتُمَانِي؟» قَالَا: بَلَى. قَالَ: «كَلِمَاتٌ عَلَّمَنِيهِنَّ جِبْرِيلُ; تُسَبِّحَانِ اللَّهَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ عَشْرًا، وَتَحْمَدَانِ عَشْرًا، وَتُكَبِّرَانِ عَشْرًا، وَإِذَا أَوَيْتُمَا إِلَى فِرَاشِكُمَا فَسَبِّحَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَاحْمَدَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكَبِّرَا أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ. قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا تَرَكَتْهُنَّ مُنْذُ عَلَّمَنِيهِنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . قَالَ: فَقَالَ لَهُ ابْنُ الْكَوَّاءِ: وَلَا لَيْلَةَ صِفِّينَ؟ فَقَالَ: قَاتَلَكُمُ اللَّهُ يَا أَهْلَ

стр. 5361

الْعِرَاقِ، نَعَمْ، وَلَا لَيْلَةَ صِفِّينَ. وَآخِرُ هَذَا الْحَدِيثِ ثَابِتٌ فِي» الصَّحِيحَيْنِ «مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ. فَقَدْ كَانَتْ فَاطِمَةُ صَابِرَةً مَعَ عَلِيٍّ عَلَى جَهْدِ الْعَيْشِ وَضِيقِهِ، وَلَمْ يَتَزَوَّجْ عَلَيْهَا حَتَّى مَاتَتْ، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ فِي وَقْتٍ بِدُرَّةَ بِنْتِ أَبِي جَهْلٍ، فَأَنِفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ ذَلِكَ، وَخَطَبَ النَّاسَ، فَقَالَ: إِنِّي لَا أُحَرِّمُ حَلَالًا وَلَا أُحِلُّ حَرَامًا، وَإِنَّ فَاطِمَةَ بَضْعَةٌ مِنِّي يَرِيبُنِي مَا رَابَهَا، وَيُؤْذِينِي مَا آذَاهَا، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ تُفْتَنَ عَنْ دِينِهَا، وَلَكِنْ إِنْ أَحَبَّ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يُطَلِّقَهَا وَيَتَزَوَّجَ بِنْتَ أَبِي جَهْلٍ، فَإِنَّهُ وَاللَّهِ لَا تَجْتَمِعُ بِنْتُ نَبِيِّ اللَّهِ وَبِنْتُ عَدُوِّ اللَّهِ تَحْتَ رَجُلٍ وَاحِدٍ أَبَدًا. قَالَ: فَتَرَكَ عَلِيٌّ الْخِطْبَةَ. وَلَمَّا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَأَلَتْ مِنْ أَبِي بَكْرٍ الْمِيرَاثَ، فَأَخْبَرَهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ. فَسَأَلَتْ أَنْ يَكُونَ زَوْجُهَا نَاظِرًا عَلَى هَذِهِ الصَّدَقَةِ، فَأَبَى ذَلِكَ وَقَالَ: إِنِّي أَعُولُ مَنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعُولُ، وَإِنِّي أَخْشَى إِنْ تَرَكْتُ شَيْئًا مِمَّا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُهُ أَنَّ أَضِلَّ، وَوَاللَّهِ لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي. فَكَأَنَّهَا وَجَدَتْ فِي نَفْسِهَا مِنْ ذَلِكَ، فَلَمْ تَزَلْ مُغْضَبَةً مُدَّةَ حَيَّاتِهَا، فَلَمَّا مَرِضَتْ جَاءَهَا الصِّدِّيقُ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا فَجَعَلَ يَتَرَضَّاهَا، وَقَالَ: وَاللَّهِ مَا تَرَكَتُ الدَّارَ وَالْمَالَ وَالْأَهْلَ وَالْعَشِيرَةَ، إِلَّا ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَمَرْضَاةِ رَسُولِهِ

стр. 5362

وَمَرْضَاتِكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ. فَرَضِيَتْ، ﵄. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا مُرْسَلٌ حَسَنٌ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. وَلَمَّا حَضَرَتْهَا الْوَفَاةُ أَوْصَتْ إِلَى أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمِيسٍ امْرَأَةِ الصِّدِّيقِ أَنْ تُغَسِّلَهَا، فَغَسَّلَتْهَا هِيَ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَسَلْمَى أَمُّ رَافِعٍ، قِيلَ: وَالْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. وَمَا رُوِيَ مِنْ أَنَّهَا اغْتَسَلَتْ قَبْلَ وَفَاتِهَا، وَأَوْصَتْ أَنْ لَا تُغَسَّلَ بَعْدَ ذَلِكَ فَضَعِيفٌ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَكَانَ الَّذِي صَلَّى عَلَيْهَا زَوْجُهَا عَلِيٌّ، وَقِيلَ: عَمُّهَا الْعَبَّاسُ. وَقِيلَ: أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَدُفِنَتْ لَيْلًا، وَذَلِكَ لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ لِثَلَاثٍ خَلَوْنَ مِنْ رَمَضَانَ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ. وَقِيلَ: إِنَّهَا تُوُفِّيَتْ بَعْدَهُ، ﵊، بِشَهْرَيْنِ. وَقِيلَ: بِسَبْعِينَ يَوْمًا. وَقِيلَ: بِخَمْسَةٍ وَسَبْعِينَ يَوْمًا. وَقِيلَ: بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ. وَقِيلَ: بِثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ. وَالصَّحِيحُ مَا ثَبَتَ فِي» الصَّحِيحِ «مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنْ فَاطِمَةَ عَاشَتْ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، وَدُفِنَتْ لَيْلًا. وَيُقَالُ: إِنَّهَا لَمْ تَضْحَكْ فِي مُدَّةِ بَقَائِهَا بَعْدَهُ، ﵊، وَإِنَّهَا كَادَتْ تَذُوبُ

стр. 5363

مِنْ حُزْنِهَا عَلَيْهِ، وَشَوْقِهَا إِلَيْهِ. وَاخْتُلِفَ فِي مِقْدَارِ سِنِّهَا يَوْمَئِذٍ، فَقِيلَ: سَبْعٌ. وَقِيلَ: ثَمَانٍ. وَقِيلَ: تِسْعٌ وَعِشْرُونَ. وَقِيلَ: ثَلَاثُونَ. وَقِيلَ: خَمْسٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً. وَهَذَا بَعِيدٌ، وَمَا قَبْلَهُ أَقْرَبُ مِنْهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَدُفِنَتْ بِالْبَقِيعِ، وَهِيَ أَوَّلُ مَنْ سُتِرَ سَرِيرُهَا. وَقَدْ ثَبَتَ فِي» الصَّحِيحِ «أَنَّ عَلِيًّا كَانَ لَهُ وَجْهٌ مِنَ النَّاسِ حَيَاةَ فَاطِمَةَ، فَلَمَّا مَاتَتِ الْتَمَسَ مُبَايَعَةَ الصِّدِّيقِ فَبَايَعَهُ. كَمَا هُوَ مَرْوِيٌّ فِي» الْبُخَارِيِّ «. وَهَذِهِ الْبَيْعَةُ لِإِزَالَةِ مَا كَانَ وَقَعَ مِنْ وَحْشَةٍ حَصَلَتْ بِسَبَبِ الْمِيرَاثِ، وَلَا يَنْفِي مَا ثَبَتَ مِنَ الْبَيْعَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ عَلَيْهَا كَمَا قَرَّرْنَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أُمُّ أَيْمَنَ، بَرَكَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ حُصَيْنِ بْنِ مَالِكِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ النُّعْمَانِ، مَوَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَرِثَهَا مِنْ أَبِيهِ، وَقِيلَ: مِنْ أُمِّهِ. وَحَضَنَتْهُ وَهُوَ صَغِيرٌ، وَكَذَلِكَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَدْ شَرِبَتْ بُولَهُ، فَقَالَ لَهَا: لَقَدِ احْتَظَرْتِ بِحِظَارٍ مِنَ النَّارِ. وَقَدْ أَعْتَقَهَا وَزَوَّجَهَا عُبَيْدًا، فَوَلَدَتْ مِنْهُ ابْنَهَا أَيْمَنَ فَعُرِفَتْ بِهِ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ

стр. 5364

ﷺ ، فَوَلَدَتْ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، وَقَدْ هَاجَرَتِ الْهِجْرَتَيْنِ; إِلَى الْحَبَشَةِ وَالْمَدِينَةِ، وَكَانَتْ مِنَ الصَّالِحَاتِ، وَكَانَ ﵊ يَزُورُهَا فِي بَيْتِهَا وَيَقُولُ: هِيَ أُمِّي بَعْدَ أُمِّي. وَكَذَلِكَ كَانَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يَزُورَانِهَا فِي بَيْتِهَا، كَمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي ذِكْرِ الْمَوَالِي، وَقَدْ تُوُفِّيَتْ بَعْدَهُ، ﵊، بِخَمْسَةِ أَشْهُرٍ، وَقِيلَ: بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ. وَمِنْهُمْ ثَابِتُ بْنُ أَقْرَمَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْعَجْلَانِ الْبَلَوِيُّ، حَلِيفُ الْأَنْصَارِ، شَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا، وَكَانَ مِمَّنْ حَضَرَ مُؤْتَةَ فَلَمَّا قُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ دُفِعَتِ الرَّايَةُ إِلَيْهِ، فَسَلَّمَهَا لِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَقَالَ: أَنْتَ أَعْلَمُ بِالْقِتَالِ مِنِّي. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ طُلَيْحَةَ الْأَسَدِيَّ قَتَلَهُ وَقَتَلَ مَعَهُ عُكَّاشَةَ بْنَ مِحْصَنٍ، وَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ طُلَيْحَةُ: عَشِيَّةَ غَادَرْتُ ابْنَ أَقْرَمَ ثَاوِيًا … وَعُكَّاشَةَ الْغَنْمِيَّ تَحْتَ مَجَالِ وَذَلِكَ فِي سَنَةِ إِحْدَى عَشْرَةَ، وَقِيلَ: سَنَةَ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ. وَعَنْ عُرْوَةَ أَنَّهُ قُتِلَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ . وَهَذَا غَرِيبٌ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمِنْهُمْ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ الْأَنْصَارِيُّ الْخَزْرَجِيُّ، أَبُو مُحَمَّدٍ خَطِيبُ

стр. 5365

الْأَنْصَارِ، وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا: خَطِيبُ النَّبِيِّ ﷺ . وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ، ﵊، أَنَّهُ بَشَّرَهُ بِالْجَنَّةِ وَأَنَّهُ بَشَّرَهُ بِالشَّهَادَةِ - وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ - فَقُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ شَهِيدًا، وَكَانَتْ رَايَةُ الْأَنْصَارِ يَوْمَئِذٍ بِيَدِهِ. وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: نِعْمَ الرَّجُلُ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ. وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُعَلَّى الدِّمَشْقِيُّ، ثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، ثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ قَالَ: قَدَمْتُ الْمَدِينَةَ فَسَأَلْتُ عَمَّنْ يُحَدِّثُنِي بِحَدِيثِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، فَأَرْشَدُونِي إِلَى ابْنَتِهِ، فَسَأَلْتُهَا، فَقَالَتْ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: لَمَّا أُنْزِلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [لُقْمَانَ: ١٨]. اشْتَدَّتْ عَلَى ثَابِتٍ وَغَلَّقَ عَلَيْهِ بَابَهُ، وَطَفِقَ يَبْكِي، فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَبُرَ عَلَيْهِ مِنْهَا، وَقَالَ: أَنَا رَجُلٌ أُحِبُّ الْجَمَالَ، وَأَنَا أَسَوَدُ قَوْمِي. فَقَالَ: إِنَّكَ لَسْتَ مِنْهُمْ، بَلْ تَعِيشُ بِخَيْرٍ وَتَمُوتُ بِخَيْرٍ، وَيُدْخِلُكَ اللَّهُ الْجَنَّةَ. فَلَمَّا أُنْزِلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ

стр. 5366

صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ [الْحُجُرَاتِ: ٢]. فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ ﷺ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَبُرَ عَلَيْهِ مِنْهَا، وَأَنَّهُ جَهِيرُ الصَّوْتِ، وَأَنَّهُ يَتَخَوَّفُ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ حَبِطَ عَمَلُهُ، فَقَالَ: إِنَّكَ لَسْتَ مِنْهُمْ؛ بَلْ تَعِيشُ حَمِيدًا، وَتُقْتَلُ شَهِيدًا، وَيُدْخِلُكَ اللَّهُ الْجَنَّةَ. فَلَمَّا اسْتَنْفَرَ أَبُو بَكْرٍ الْمُسْلِمِينَ إِلَى أَهْلِ الرِّدَّةِ وَالْيَمَامَةِ وَمُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ، سَارَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ فِيمَنْ سَارَ، فَلَمَّا لَقُوا مُسَيْلِمَةَ وَبَنِي حَنِيفَةَ هَزَمُوا الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ ثَابِتٌ وَسَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ: مَا هَكَذَا كُنَّا نُقَاتِلُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَجَعَلَا لِأَنْفُسِهِمَا حُفْرَةً فَدَخَلَا فِيهَا، فَقَاتَلَا حَتَّى قُتِلَا. قَالَتْ: وَأُرِيَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ فِي مَنَامِهِ، فَقَالَ: إِنِّي لَمَّا قُتِلْتُ بِالْأَمْسِ مَرَّ بِي رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَانْتَزَعَ مِنِّي دِرْعًا نَفِيسَةً، وَمَنْزِلُهُ فِي أَقْصَى الْعَسْكَرِ، وَعِنْدَ مَنْزِلِهِ فَرَسٌ يَسْتَنُّ فِي طُولِهِ، وَقَدْ أَكْفَأَ عَلَى الدِّرْعِ بُرْمَةً، وَجَعَلَ فَوْقَ الْبُرْمَةِ رَحْلًا، وَائْتِ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ،، فَلْيَبْعَثْ إِلَى دِرْعِي فَلْيَأْخُذْهَا، فَإِذَا قَدِمْتَ عَلَى خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَعْلِمْهُ أَنَّ عَلَيَّ مِنَ الدَّيْنِ كَذَا، وَلِي مِنَ الْمَالِ كَذَا، وَفُلَانٌ مِنْ رَقِيقِي عَتِيقٌ، وَإِيَّاكَ أَنْ تَقُولَ: هَذَا حُلْمٌ، فَتُضَيِّعَهُ. قَالَ: فَأَتَى خَالِدًا فَوَجَّهَ إِلَى الدِّرْعِ فَوَجَدَهَا كَمَا ذَكَرَ، وَقَدِمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ، فَأَخْبَرَهُ فَأَنَفَذَ أَبُو بَكْرٍ وَصِيَّتَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا جَازَتْ وَصِيَّتُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ إِلَّا ثَابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ. وَلِهَذَا الْحَدِيثِ وَهَذِهِ الْقِصَّةِ

стр. 5367

شَوَاهِدُ أُخَرُ، وَالْحَدِيثُ الْمُتَعَلِّقُ بِقَوْلِهِ: لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ فِي» صَحِيحِ مُسْلِمٍ «عَنْ أَنَسٍ. وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ ثَابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ جَاءَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ وَقَدْ تَحَنَّطَ وَنَشَرَ أَكْفَانَهُ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ هَؤُلَاءِ، وَأَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ. فَقُتِلَ، وَكَانَتْ لَهُ دِرْعٌ فَسُرِقَتْ، فَرَآهُ رَجُلٌ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ، فَقَالَ: إِنَّ دِرْعِي فِي قِدْرٍ تَحْتَ الْكَانُونِ فِي مَكَانِ كَذَا وَكَذَا. وَأَوْصَاهُ بِوَصَايَا، فَطَلَبُوا الدِّرْعَ فَوَجَدُوهَا وَأَنْفَذُوا الْوَصَايَا. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ أَيْضًا. وَمِنْهُمْ حَزْنُ بْنُ أَبِي وَهْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَائِذِ بْنِ عِمْرَانَ الْمَخْزُومِيُّ، لَهُ هِجْرَةٌ، وَيُقَالُ: أَسْلَمَ عَامَ الْفَتْحِ. وَهُوَ جَدُّ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُسَمِّيَهُ سَهْلًا فَامْتَنَعَ وَقَالَ: لَا أُغَيِّرُ اسْمًا سَمَّانِيهِ أَبَوَايَ. قَالَ سَعِيدٌ: فَلَمْ تَزَلِ الْحُزُونَةُ فِينَا. اسْتُشْهِدَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ وَقُتِلَ مَعَهُ أَيْضًا ابْنَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَوَهْبٌ، وَابْنُ ابْنِهِ حَكِيمُ بْنُ وَهْبِ بْنِ حَزْنٍ. وَمِمَّنِ اسْتُشْهِدَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ دَاذَوَيْهِ الْفَارِسِيُّ، أَحَدُ أُمَرَاءِ الْيَمَنِ الَّذِينَ قَتَلُوا الْأَسْوَدَ الْعَنْسِيَّ، قَتَلَهُ غِيلَةً قَيْسُ بْنُ مَكْشُوحٍ حِينَ ارْتَدَّ قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ قَيْسٌ

стр. 5368

إِلَى الْإِسْلَامِ، فَلَمَّا عَنَّفَهُ الصِّدِّيقُ عَلَى قَتْلِهِ أَنْكَرَ ذَلِكَ، فَقَبِلَ عَلَانِيَتَهُ وَإِسْلَامَهُ. وَمِنْهُمْ زَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ بْنِ نُفَيْلٍ الْقُرَشِيُّ الْعَدَوِيُّ أَبُو مُحَمَّدٍ، وَهُوَ أَخُو عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لِأَبِيهِ، وَكَانَ زَيْدٌ أَكْبَرُ مِنْ عُمَرَ، أَسْلَمَ قَدِيمًا، وَشَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا، وَقَدْ آخَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَعْنِ بْنِ عَدِيٍّ الْأَنْصَارِيِّ، وَقَدْ قُتِلَا جَمِيعًا بِالْيَمَامَةِ، وَقَدْ كَانَتْ رَايَةُ الْمُهَاجِرِينَ يَوْمَئِذٍ بِيَدِهِ، فَلَمْ يَزَلْ يَتَقَدَّمُ بِهَا حَتَّى قُتِلَ فَسَقَطَتْ، فَأَخَذَهَا سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَقَدْ قَتَلَ زَيْدٌ يَوْمَئِذٍ الرَّجَّالَ بْنَ عُنْفُوَةَ، وَاسْمُهُ نَهَارٌ، وَكَانَ الرَّجَّالُ هَذَا قَدْ أَسْلَمَ وَقَرَأَ» الْبَقَرَةَ «ثُمَّ ارْتَدَّ وَرَجَعَ فَصَدَّقَ مُسَيْلِمَةَ، وَشَهِدَ لَهُ بِالرِّسَالَةِ، فَحَصَلَ بِهِ فِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ، فَكَانَتْ وَفَاتُهُ عَلَى يَدِ زَيْدٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْ زَيْدٍ، ثُمَّ قَتَلَ زَيْدًا رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: أَبُو مَرْيَمَ الْحَنَفِيُّ. وَقَدْ أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَالَ لِعُمَرَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ اللَّهَ أَكْرَمَ زَيْدًا بِيَدِي وَلَمْ يُهِنِّي عَلَى يَدِهِ. وَقِيلَ: إِنَّمَا قَتَلَهُ سَلَمَةُ بْنُ صُبَيْحٍ، ابْنُ عَمِّ أَبِي مَرْيَمَ هَذَا. وَرَجَّحَهُ أَبُو عُمَرَ، وَقَالَ: لِأَنَّ عُمَرَ اسْتَقْضَى أَبَا مَرْيَمَ، وَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ مَا تَقَدَّمَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ قَالَ عُمَرُ لَمَّا بَلَغَهُ مَقْتَلُ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ سَبَقَنِي إِلَى الْحُسْنَيَيْنِ; أَسْلَمَ قَبْلِي، وَاسْتُشْهِدَ قَبْلِي. وَقَالَ لِمُتَمِّمِ بْنِ نُوَيْرَةَ حِينَ جَعَلَ يَرْثِي أَخَاهُ مَالِكًا بِتِلْكَ الْأَبْيَاتِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا: لَوْ كُنْتُ أُحْسِنُ الشِّعْرَ لَقُلْتُ كَمَا قُلْتَ. فَقَالَ لَهُ مُتَمِّمٌ: لَوْ أَنَّ أَخِي ذَهَبَ عَلَى مَا ذَهَبَ عَلَيْهِ أَخُوكَ مَا حَزِنْتُ

стр. 5369

عَلَيْهِ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: مَا عَزَّانِي أَحَدٌ بِمِثْلِ مَا عَزَّيْتَنِي بِهِ. وَمَعَ هَذَا كَانَ عُمَرُ يَقُولُ: مَا هَبَّتِ الصَّبَا إِلَّا ذَكَّرَتْنِي زَيْدَ بْنَ الْخَطَّابِ، ﵁. وَكَانَ لَهُ مِنَ الْوَلَدِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَأَسْمَاءُ، تَزَوَّجَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ. وَمِنْهُمْ سَالِمُ بْنُ عُبَيْدٍ وَيُقَالُ: ابْنُ مَعْقِلٍ. مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَإِنَّمَا كَانَ مُعْتَقًا لِزَوْجَتِهِ ثُبَيْتَةَ بِنْتِ يَعَارٍ، وَقَدْ تَبَنَّاهُ أَبُو حُذَيْفَةَ وَزَوَّجَهُ بِابْنَةِ أَخِيهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ [الْأَحْزَابِ: ٥]. جَاءَتِ امْرَأَةُ أَبِي حُذَيْفَةَ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ سَالِمًا يَدْخُلُ عَلَيَّ وَأَنَا فَضْلٌ. فَأَمَرَهَا أَنْ تُرْضِعَهُ فَأَرْضَعَتْهُ، فَكَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا بِتِلْكَ الرَّضَاعَةِ. وَكَانَ مِنْ سَادَاتِ الْمُسْلِمِينَ، أَسَلَمَ قَدِيمًا وَهَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ قَبْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَكَانَ يُصَلِّي بِمَنْ بِهَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَفِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ; لِكَثْرَةِ حَفِظِهِ الْقُرْآنَ، وَشَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا، وَهُوَ أَحَدُ الْأَرْبَعَةِ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اسْتَقْرِئُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ. فَذَكَرَ مِنْهُمْ سَالِمًا مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ. وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ لَمَّا احْتُضِرَ: لَوْ كَانَ سَالِمٌ حَيًّا لَمَا جَعَلْتُهَا شُورَى. قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ يَصْدُرُ عَنْ رَأْيِهِ فِيمَنْ يُوَلِّيهِ الْخِلَافَةَ.

стр. 5370

وَلَمَّا أَخَذَ الرَّايَةَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ بَعْدَ مَقْتَلِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ لَهُ الْمُهَاجِرُونَ: أَتَخْشَى أَنْ نُؤْتَى مِنْ قِبَلِكَ؟ فَقَالَ: بِئْسَ حَامِلُ الْقُرْآنِ أَنَا إِذًا. انْقَطَعَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى فَأَخَذَهَا بِيَسَارِهِ، فَقُطِعَتْ فَاحْتَضَنَهَا وَهُوَ يَقُولُ: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ [آلِ عِمْرَانَ: ١٤٤]، وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ [آلِ عِمْرَانَ: ١٤٦]. فَلَمَّا صُرِعَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: مَا فَعَلَ أَبُو حُذَيْفَةَ؟ قَالُوا: قُتِلَ. قَالَ: فَمَا فَعَلَ فُلَانٌ؟ قَالُوا: قُتِلَ. قَالَ: فَأَضْجِعُونِي بَيْنَهُمَا. وَقَدْ بَعَثَ عُمَرُ بِمِيرَاثِهِ إِلَى مَوْلَاتِهِ الَّتِي أَعْتَقَتْهُ; ثُبَيْتَةَ، فَرَدَّتْهُ وَقَالَتْ: إِنَّمَا أَعْتَقْتُهُ سَائِبَةً. فَجَعَلَهُ عُمَرُ فِي بَيْتِ الْمَالِ. وَمِنْهُمْ أَبُو دُجَانَةَ سِمَاكُ بْنُ خَرَشَةَ - وَيُقَالُ: سِمَاكُ بْنُ أَوْسِ بْنِ خَرَشَةَ - بْنِ لَوْذَانَ بْنِ عَبْدِ وُدِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ سَاعِدَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ الْخَزْرَجِ، الْأَنْصَارِيُّ الْخَزْرَجِيُّ، شَهِدَ بَدْرًا وَأَبْلَى يَوْمَ أُحُدٍ، وَقَاتَلَ قِتَالًا شَدِيدًا، وَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ سَيْفًا فَأَعْطَاهُ حَقَّهُ، وَكَانَ يَتَبَخْتَرُ عِنْدَ الْحَرْبِ، فَقَالَ ﵊: إِنَّ هَذِهِ لَمِشْيَةٌ يُبْغِضُهَا اللَّهُ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْطِنِ. وَكَانَ يَعْصِبُ رَأْسَهُ بِعِصَابَةٍ حَمْرَاءَ؛ شِعَارًا لَهُ بِالشَّجَاعَةِ، وَشَهِدَ الْيَمَامَةَ وَيُقَالُ: إِنَّهُ مِمَّنِ اقْتَحَمَ عَلَى بَنِي حَنِيفَةَ يَوْمَئِذٍ الْحَدِيقَةَ، فَانْكَسَرَتْ رِجْلُهُ،

стр. 5371

فَلَمْ يَزَلْ يُقَاتِلُ حَتَّى قُتِلَ يَوْمَئِذٍ. وَقَدْ قَتَلَ مُسَيْلِمَةَ مَعَ وَحْشِيِّ بْنِ حَرْبٍ; رَمَاهُ وَحْشِيٌّ بِالْحَرْبَةِ، وَعَلَاهُ أَبُو دُجَانَةَ بِالسَّيْفِ. قَالَ وَحْشِيٌّ: فَرَبُّكَ أَعْلَمُ أَيُّنَا قَتَلَهُ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ عَاشَ حَتَّى شَهِدَ صِفِّينَ مَعَ عَلَيٍّ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. وَأَمَّا مَا يُرْوَى عَنْهُ مِنْ ذَكْرِ الْحِرْزِ الْمَنْسُوبِ إِلَى أَبِي دُجَانَةَ، فَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ وَلَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمِنْهُمْ شُجَاعُ بْنُ وَهْبِ بْنِ رَبِيعَةَ الْأَسَدِيُّ، حَلِيفُ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، أَسْلَمَ قَدِيمًا وَهَاجَرَ، وَشَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا، وَكَانَ رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْحَارِثِ بْنِ أَبِي شَمِرٍ الْغَسَّانِيِّ، فَلَمْ يُسْلِمْ، وَأَسْلَمَ حَاجِبُهُ مُرِّيٌّ. وَاسْتُشْهِدَ شُجَاعُ بْنُ وَهْبٍ يَوْمَ الْيَمَامَةِ عَنْ بِضْعٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَكَانَ رَجُلًا طِوَالًا نَحِيفًا أَجْنَأَ. وَمِنْهُمُ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرِو بْنِ طَرِيفِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ سُلَيْمِ بْنِ فَهْمِ بْنِ غَنْمِ بْنِ دَوْسٍ الدَّوْسِيُّ أَسْلَمَ قَدِيمًا قَبْلَ الْهِجْرَةِ، وَذَهَبَ إِلَى قَوْمِهِ فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ فَهَدَاهُمُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ، فَلَمَّا هَاجَرَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ جَاءَهُ بِتِسْعِينَ أَهْلَ بَيْتٍ مِنْ دَوْسٍ مُسْلِمِينَ، وَقَدْ خَرَجَ عَامَ الْيَمَامَةِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، وَمَعَهُ ابْنُهُ عَمْرٌو، فَرَأَى الطُّفَيْلُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ رَأْسَهُ قَدْ حُلِقَ، وَكَأَنَّ امْرَأَةً أَدْخَلَتْهُ فِي فَرْجِهَا، وَكَأَنَّ ابْنَهُ يَجْتَهِدُ أَنْ يَلْحَقَهُ فَلَمْ يَصِلْ. فَأَوَّلَهَا بِأَنَّهُ سَيُقْتَلُ

стр. 5372

وَيُدْفَنُ، وَأَنَّ ابْنَهُ يَحْرِصُ عَلَى الشَّهَادَةِ فَلَا يَنَالُهَا عَامَهُ ذَلِكَ. وَقَدْ وَقَعَ الْأَمْرُ كَمَا أَوَّلَهَا، ثُمَّ قُتِلَ ابْنُهُ شَهِيدًا يَوْمَ الْيَرْمُوكِ. كَمَا سَيَأْتِي. وَمِنْهُمْ عَبَّادُ بْنُ بِشْرِ بْنِ وَقْشٍ الْأَنْصَارِيُّ، أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ قَبْلَ الْهِجْرَةِ، قَبْلَ إِسْلَامِ مُعَاذٍ وَأُسَيْدِ بْنِ الْحُضَيْرِ، وَشَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا، وَكَانَ مِمَّنْ قَتَلَ كَعْبَ بْنَ الْأَشْرَفِ، وَكَانَتْ عَصَاهُ تُضِيءُ لَهُ إِذَا خَرَجَ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي ظُلْمَةٍ. قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ: قُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ شَهِيدًا عَنْ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَكَانَ لَهُ بَلَاءٌ وَغَنَاءٌ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: تَهَجَّدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَسَمِعَ صَوْتَ عَبَّادٍ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ. وَمِنْهُمُ السَّائِبُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ، بَدْرِيٌّ، مِنَ الرُّمَاةِ، أَصَابَهُ يَوْمَ الْيَمَامَةِ سَهْمٌ فَقَتَلَهُ وَهُوَ شَابٌّ، ﵀. وَمِنْهُمُ السَّائِبُ بْنُ الْعَوَّامِ، أَخُو الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، اسْتُشْهِدَ يَوْمَئِذٍ، ﵀. وَمِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ وُدٍّ الْقُرَشِيُّ الْعَامِرِيُّ، أَسْلَمَ قَدِيمًا وَهَاجَرَ، ثُمَّ اسْتُضْعِفَ بِمَكَّةَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ خَرَجَ

стр. 5373

مَعَهُمْ، فَلَمَّا تَوَجَّهُوا فَرَّ إِلَى الْمُسْلِمِينَ فَشَهِدَهَا مَعَهُمْ، وَمَا بَعْدَهَا، وَقُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ، فَلَمَّا حَجَّ أَبُو بَكْرٍ عَزَّى أَبَاهُ فِيهِ، فَقَالَ سُهَيْلٌ: بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ الشَّهِيدَ يَشْفَعُ لِسَبْعِينَ مِنْ أَهْلِهِ. فَأَرْجُو أَنْ يَبْدَأَ بِي. وَمِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ الْأَنْصَارِيُّ الْخَزْرَجِيُّ، كَانَ مِنْ سَادَاتِ الصَّحَابَةِ وَفُضَلَائِهِمْ، شَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا، وَكَانَ أَبُوهُ رَأْسَ الْمُنَافِقِينَ، وَكَانَ أَشَدَّ النَّاسِ عَلَى أَبِيهِ، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِ لَضَرَبَ عُنُقَهُ، وَكَانَ اسْمُهُ الْحُبَابُ، فَسَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ، وَقَدِ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ، ﵁. وَمِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَسْلَمَ قَدِيمًا، وَيُقَالُ: إِنَّهُ الَّذِي كَانَ يَأْتِي بِالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالْأَخْبَارِ، إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِلَى أَبِيهِ أَبِي بَكْرٍ وَهُمَا بِغَارِ ثَوْرٍ، وَيَبِيتُ عِنْدَهُمَا وَيُصْبِحُ بِمَكَّةَ كَبَائِتٍ، فَلَا يَسْمَعُ بِأَمْرٍ يُكَادَانِ بِهِ إِلَّا أَخْبَرَهُمَا بِهِ. وَقَدْ شَهِدَ الطَّائِفَ فَرَمَاهُ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: أَبُو مِحْجَنٍ الثَّقَفِيُّ. بِسَهْمٍ فَدُوِّيَ مِنْهَا فَانْدَمَلَتْ، وَلَكِنْ لَمْ يَزَلْ مِنْهَا ضَمِنًا حَتَّى مَاتَ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ. وَمِنْهُمْ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنِ بْنِ حُرْثَانَ بْنِ قَيْسِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَثِيرِ بْنِ غَنْمِ

стр. 5374

بْنِ دُودَانَ بْنِ أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ الْأَسَدِيُّ، حَلِيفُ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، يُكَنَّى أَبَا مِحْصَنٍ، وَكَانَ مِنْ سَادَاتِ الصَّحَابَةِ وَفُضَلَائِهِمْ، هَاجَرَ وَشَهِدَ بَدْرًا، وَأَبْلَى يَوْمَئِذٍ بَلَاءً حَسَنًا، وَانْكَسَرَ سَيْفُهُ، فَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ عُرْجُونًا، فَعَادَ فِي يَدِهِ سَيْفًا أَبْيَضَ الْحَدِيدِ شَدِيدَ الْمَتْنِ. وَكَانَ ذَلِكَ السَّيْفُ يُسَمَّى الْعَوْنَ. وَشَهِدَ أُحُدًا وَالْخَنْدَقَ وَمَا بَعْدَهَا. وَلَمَّا ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ السَّبْعِينَ أَلْفًا الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، قَالَ عُكَّاشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. فَقَالَ:» اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ «. ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ آخَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. فَقَالَ:» سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ. وَالْحَدِيثُ مَرْوِّيٌّ مِنْ طُرُقٍ تُفِيدُ الْقَطْعَ. وَقَدْ خَرَجَ عُكَّاشَةُ مَعَ خَالِدٍ يَوْمَ أَمَّرَهُ الصِّدِّيقُ بِذِي الْقَصَّةِ، فَبَعَثَهُ وَثَابِتَ بْنَ أَقْرَمَ بَيْنَ يَدَيْهِ طَلِيعَةً، فَتَلَقَّاهُمَا طُلَيْحَةُ الْأَسَدِيُّ وَأَخُوهُ سَلَمَةُ فَقَتَلَاهُمَا، وَقَدْ قَتَلَ عُكَّاشَةُ قَبْلَ مَقْتَلِهِ حِبَالَ بْنَ طُلَيْحَةَ، ثُمَّ أَسْلَمَ طُلَيْحَةُ بَعْدَ ذَلِكَ، كَمَا ذَكَرْنَا، وَكَانَ عُمُرُ عُكَّاشَةَ يَوْمَئِذٍ أَرْبَعًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَكَانَ مِنْ أَجْمَلِ النَّاسِ، ﵁. وَمِنْهُمْ مَعْنُ بْنُ عَدِيِّ بْنِ الْجَدِّ بْنِ عَجْلَانَ بْنِ ضُبَيْعَةَ الْبَلَوِيُّ، حَلِيفُ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَهُوَ أَخُو عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ، شَهِدَ الْعَقَبَةَ وَبَدْرًا وَأُحُدًا وَالْخَنْدَقَ

стр. 5375

وَسَائِرَ الْمَشَاهِدِ، وَكَانَ قَدْ آخَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقُتِلَا جَمِيعًا يَوْمَ الْيَمَامَةِ، ﵄. وَقَالَ مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: بَكَى النَّاسُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ مَاتَ وَقَالُوا: وَاللَّهِ وَدِدْنَا أَنَّا مِتْنَا قَبْلَهُ، وَنَخْشَى أَنْ نُفْتَتَنَ بَعْدَهُ. فَقَالَ مَعْنُ بْنُ عَدِيٍّ: لَكِنِّي وَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنْ أَمُوتَ قَبْلَهُ; لِأُصَدِّقَهُ مَيِّتًا كَمَا صَدَّقْتُهُ حَيًّا. وَمِنْهُمُ الْوَلِيدُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ ابْنَا عُمَارَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قُتِلَا مَعَ عَمِّهِمَا خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ بِالْبُطَاحِ، وَأَبُوهُمَا عُمَارَةُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَهُوَ صَاحِبُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ إِلَى النَّجَاشِيِّ، وَقِصَّتُهُ مَشْهُورَةٌ. وَمِنْهُمْ أَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ الْقُرَشِيُّ الْعَبْشَمِيُّ، أَسْلَمَ قَدِيمًا قَبْلَ دَارِ الْأَرْقَمِ، وَهَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ وَإِلَى الْمَدِينَةِ، وَشَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا، وَآخَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَبَّادِ بْنِ بِشْرٍ، وَقَدْ قُتِلَا شَهِيدِينَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ. وَكَانَ عُمُرُ أَبِي حُذَيْفَةَ يَوْمَئِذٍ ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَكَانَ طَوِيلًا، حَسَنَ الْوَجْهِ، أَحْوَلَ أَثْعَلَ، وَهُوَ الَّذِي لَهُ سِنٌّ زَائِدَةٌ، وَكَانَ اسْمُهُ هُشَيْمًا، وَقِيلَ: مُهَشِّمٌ. وَقِيلَ: هَاشِمٌ. وَبِالْجُمْلَةِ فَقَدْ قُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ أَرْبَعُمِائَةٍ وَخَمْسُونَ مِنْ حَمَلَةِ الْقُرْآنِ وَمِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ. وَإِنَّمَا أَوْرَدْنَا هَؤُلَاءِ لِشُهْرَتِهِمْ، وَبِاللَّهِ الْمُسْتَعَانِ.

стр. 5376

قُلْتُ: وَمِمَّنِ اسْتُشْهِدَ يَوْمَئِذٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ; مَالِكُ بْنُ عَمْرٍو، حَلِيفُ بَنِي غَنْمٍ، مُهَاجِرِيٌّ بَدْرِيٌّ. وَيَزِيدُ بْنُ رُقَيْشِ بْنِ رِئَابٍ الْأَسَدِيُّ، بَدْرِيٌّ، وَالْحَكَمُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ الْأُمَوِيُّ، وَجُبَيْرُ بْنُ مَالِكِ بْنِ بُحَيْنَةَ، أَخُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ الْأَزْدِيُّ، حَلِيفُ بَنِي الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ. وَعَامِرُ بْنُ الْبُكَيْرِ اللَّيْثِيُّ، حَلِيفُ بَنِي عَدِيٍّ، بَدْرِيٌّ. وَمَالِكُ بْنُ رَبِيعَةَ، حَلِيفُ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ. وَأَبُو أُمَيَّةَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ عَمْرٍو. وَيَزِيدُ بْنُ أَوْسٍ، حَلِيفُ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ. وَحُيَيٌّ، وَيُقَالُ: مُعَلَّى بْنُ حَارِثَةَ الثَّقَفِيُّ. وَحَبِيبُ بْنُ أَسِيدِ بْنِ جَارِيَةَ الثَّقَفِيُّ. وَالْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ شَمْسٍ الْمَخْزُومِيُّ. وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ بُجْرَةَ الْعَدَوِيُّ. وَأَبُو قَيْسِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ السَّهْمِيُّ، وَهُوَ مِنْ مُهَاجِرَةِ الْحَبَشَةِ. وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسٍ. وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَخْرَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ أَبِي قَيْسِ بْنِ عَبْدِ وُدِّ بْنِ نَصْرٍ الْعَامِرِيُّ، مِنَ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ، شَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا، وَقُتِلَ يَوْمَئِذٍ. وَعَمْرُو بْنُ أُوَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ الْعَامِرِيُّ.

стр. 5377

وَسَلِيطُ بْنُ عَمْرٍو الْعَامِرِيُّ. وَرَبِيعَةُ بْنُ أَبِي خَرَشَةَ الْعَامِرِيُّ. وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ رَحْضَةَ، مِنْ بَنِي عَامِرٍ. وَمِنَ الْأَنْصَارِ غَيْرِ مَنْ ذَكَرْنَا تَرَاجِمَهُمْ; عُمَارَةُ بْنُ حَزْمِ بْنِ زَيْدِ بْنِ لَوْذَانَ النَّجَّارِيُّ، وَهُوَ أَخُو عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، كَانَتْ مَعَهُ رَايَةُ قَوْمِهِ يَوْمَ الْفَتْحِ، وَقَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وَقُتِلَ يَوْمَئِذٍ. وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرِ بْنِ نَابِي بْنِ زَيْدِ بْنِ حَرَامٍ السَّلَمِيُّ، شَهِدَ الْعَقَبَةَ الْأُولَى وَشَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا. وَثَابِتُ بْنُ هَزَّالٍ مِنْ بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ، بَدْرِيٌّ فِي قَوْلٍ. وَأَبُو عَقِيلٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، مِنْ بَنِي جَحْجَبَى، شَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْيَمَامَةِ أَصَابَهُ سَهْمٌ فَنَزَعَهُ، ثُمَّ تَحَزَّمَ وَأَخَذَ سَيْفَهُ، فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، وَقَدْ أَصَابَتْهُ جِرَاحَاتٌ كَثِيرَةٌ. وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَتِيكٍ. وَرَافِعُ بْنُ سَهْلٍ. وَحَاجِبُ بْنُ يَزِيدَ الْأَشْهَلِيُّ. وَسَهْلُ بْنُ عَدِيٍّ. وَمَالِكُ بْنُ أَوْسٍ. وَعُمَيْرُ بْنُ أَوْسٍ. وَطَلْحَةُ بْنُ عُتْبَةَ، مِنْ بَنِي جَحْجَبَى. وَرَبَاحٌ مَوْلَى الْحَارِثِ. وَمَعْنُ بْنُ عَدِيٍّ. وَجَزْءُ بْنُ مَالِكِ بْنِ عَامِرٍ، مِنْ بَنِي جَحْجَبَى. وَوَدَقَةُ

стр. 5378

بْنُ إِيَاسِ بْنِ عَمْرٍو الْخَزْرَجِيُّ، بَدْرِيٌّ. وَجَرْوَلُ بْنُ الْعَبَّاسِ. وَعَامِرُ بْنُ ثَابِتٍ. وَبِشْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَزْرَجِيُّ. وَكُلَيْبُ بْنُ تَمِيمٍ. وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِتْبَانَ. وَإِيَاسُ بْنُ وَدَقَةَ. وَأُسِيدُ بْنُ يَرْبُوعٍ. وَسَعْدُ بْنُ حَارِثَةَ. وَسَعْدُ بْنُ حِمَّانَ. وَمُخَاشِنُ بْنُ حُمَيِّرٍ. وَسَلَمَةُ بْنُ مَسْعُودٍ. وَقِيلَ: مَسْعُودُ بْنُ سِنَانٍ. وَضَمْرَةُ بْنُ عِيَاضٍ. وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ. وَأَبُو حَبَّةَ بْنُ غَزِيَّةَ الْمَازِنِيُّ. وَحَبِيبُ بْنُ زَيْدٍ. وَحَبِيبُ بْنُ عَمْرِو بْنِ مِحْصَنٍ. وَثَابِتُ بْنُ خَالِدٍ. وَفَرْوَةُ بْنُ النُّعْمَانِ. وَعَائِذُ بْنُ مَاعِصٍ. وَيَزِيدُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ الضِّحَاكِ أَخُو زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ. قَالَ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ: فَجَمِيعُ مَنِ اسْتُشْهِدَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ يَوْمَ الْيَمَامَةِ ثَمَانِيَةٌ وَخَمْسُونَ رَجُلًا. يَعْنِي وَبَقِيَّةُ الْأَرْبَعِمِائَةٍ وَالْخَمْسِينَ مِنْ غَيْرِهِمْ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ قُتِلَ مِنَ الْكُفَّارِ فِيمَا سُقْنَا مِنَ الْمَوَاطِنِ الَّتِي الْتَقَى فِيهَا الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ فِي هَذِهِ وَأَوَائِلِ الَّتِي قَبْلَهَا، مَا يَنِيفُ عَلَى خَمْسِينَ أَلْفًا، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ، وَبِهِ التَّوْفِيقُ وَالْعِصْمَةُ.

стр. 5379

فَمِنْ مَشَاهِيرِهِمْ; الْأَسْوَدُ الْعَنْسِيُّ، لَعَنَهُ اللَّهُ، وَاسْمُهُ عَبْهَلَةُ بْنُ كَعْبِ بْنِ غَوْثٍ، خَرَجَ أَوَّلَ مَخْرَجِهِ مِنْ بَلْدَةٍ بِالْيَمَنِ يُقَالُ لَهَا: كَهْفُ خُبَّانَ، وَمَعَهُ سَبْعُمِائَةُ مُقَاتِلٍ، فَمَا مَضَى شَهَرٌ حَتَّى مَلَكَ صَنْعَاءَ، ثُمَّ اسْتَوْثَقَتْ لَهُ الْيَمَنُ بِحَذَافِيرِهَا فِي أَقْصَرِ مُدَّةٍ، وَكَانَ مَعَهُ شَيْطَانٌ يُمَخْرِقُ لَهُ، وَلَكِنْ خَانَهُ أَحْوَجَ مَا كَانَ إِلَيْهِ، ثُمَّ لَمْ تَمْضِ لَهُ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ أَوْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ حَتَّى قَتَلَهُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْ إِخْوَانِ صِدْقٍ، وَأُمَرَاءِ حَقٍّ، كَمَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ، وَهُمْ دَاذَوَيْهِ الْفَارِسِيُّ، وَفَيْرُوزُ الدَّيْلَمِيُّ، وَقَيْسُ بْنُ مَكْشُوحٍ الْمُرَادِيُّ، وَذَلِكَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ سَنَةِ إِحْدَى عَشْرَةَ قَبْلَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِلَيَالٍ، وَقِيلَ: بِلَيْلَةٍ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ أَطْلَعَ اللَّهُ رَسُولَهُ لَيْلَةَ قَتْلِهِ عَلَى ذَلِكَ، كَمَا أَسْلَفْنَاهُ. وَمِنْهُمْ مُسَيْلِمَةُ بْنُ حَبِيبٍ الْحَنَفِيُّ الْيَمَامِيُّ الْكَذَّابُ لَعَنَهُ اللَّهُ. قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَافِدًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ قَوْمِهِ بَنِي حَنِيفَةَ، وَقَدْ وَقَفَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَمِعَهُ وَهُوَ يَقُولُ: إِنْ جَعَلَ لِي مُحَمَّدٌ الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ اتَّبَعْتُهُ. فَقَالَ لَهُ: لَوْ سَأَلْتَنِي هَذَا الْعُودَ - لِعُرْجُونٍ فِي يَدِهِ - مَا أَعْطَيْتُكَهُ، وَلَئِنْ أَدْبَرْتَ

стр. 5380

لَيَعْقِرَنَّكَ اللَّهُ، وَإِنِّي لَأَرَاكَ الَّذِي أُرِيتُ فِيهِ مَا أُرِيَتُ. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ رَأَى فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ فِي يَدِهِ سُوَارَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ، فَأَهَمَّهُ شَأْنُهُمَا، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ فِي الْمَنَامِ أَنِ انْفُخْهُمَا، فَنَفَخَهُمَا فَطَارَا، فَأَوَّلَهُمَا بِكَذَّابَيْنِ يَخْرُجَانِ، وَهُمَا صَاحِبُ صَنْعَاءَ وَصَاحِبُ الْيَمَامَةِ. وَهَكَذَا وَقَعَ فَإِنَّهُمَا ذَهَبَا وَذَهَبَ أَمْرُهُمَا; أَمَّا الْأَسْوَدُ فَذُبِحَ فِي دَارِهِ، وَأَمَّا مُسَيْلِمَةُ فَعَقَرَهُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْ وَحْشِيِّ بْنِ حَرْبٍ، رَمَاهُ بِالْحَرْبَةِ، فَأَنْفَذَهُ كَمَا تُعْقَرُ الْإِبِلُ، وَضَرَبَهُ أَبُو دُجَانَةَ عَلَى رَأْسِهِ فَفَلَقَهُ، وَذَلِكَ بِعُقْرِ دَارِهِ فِي الْحَدِيقَةِ الَّتِي يُقَالُ لَهَا: حَدِيقَةُ الْمَوْتِ. وَقَدْ وَقَفَ عَلَيْهِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَهُوَ طَرِيحٌ، أَرَاهُ إِيَّاهُ مِنْ بَيْنِ الْقَتْلَى مُجَّاعَةُ بْنُ مُرَارَةَ، وَيُقَالُ: كَانَ أُصَيْفَرَ أُخَيْنِسَ. وَقِيلَ: كَانَ ضَخْمًا أَسْمَرَ اللَّوْنِ كَأَنَّهُ جَمَلٌ أَوْرَقُ. وَيُقَالُ: إِنَّهُ مَاتَ وَعُمُرُهُ مِائَةٌ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ قُتِلَ قَبْلَهُ وَزِيرَاهُ وَمُسْتَشَارَاهُ، لَعَنَهُمَا اللَّهُ، وَهَمَا مُحَكَّمُ بْنُ الطُّفَيْلِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: مُحَكَّمُ الْيَمَامَةِ. قَتَلَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، رَمَاهُ بِسَهْمٍ وَهُوَ يَخْطُبُ قَوْمَهُ يَأْمُرُهُمْ بِمَصَالِحِ حَرْبِهِمْ فَقَتَلَهُ، وَالْآخَرُ نَهَارُ بْنُ عُنْفُوَةَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: الرَّجَّالُ بْنُ عُنْفُوَةَ، وَكَانَ مِمَّنْ أَسْلَمَ، ثُمَّ ارْتَدَّ وَصَدَّقَ مُسَيْلِمَةَ، لَعَنَهُمَا اللَّهُ، وَشَهِدَ لَهُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَذْكُرُ لَهُ أَنَّهُ قَدْ أُشْرِكَ فِي الْأَمْرِ مَعَهُ، وَقَدْ كَذَبَ الرَّجَّالُ، لَعَنَهُ اللَّهُ، فِي هَذِهِ الشَّهَادَةِ، وَقَدْ رَزَقَ اللَّهُ زَيْدَ بْنَ الْخَطَّابِ قَتْلَهُ قَبْلَ أَنْ يُقْتَلَ زَيْدٌ، ﵁.

стр. 5381

وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى كَذِبِ الرَّجَّالِ فِي هَذِهِ الشَّهَادَةِ الضَّرُورَةُ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ، وَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ مُسَيْلِمَةَ، لَعَنَهُ اللَّهُ، كَتَبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُسَيْلِمَةَ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى مُحَمَّدٍ رَسُولُ اللَّهِ، سَلَامٌ عَلَيْكَ، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي قَدْ أُشْرِكْتُ فِي الْأَمْرِ مَعَكَ، فَلَكَ الْمَدَرُ وَلِيَ الْوَبَرُ. وَيُرْوَى: فَلَكُمْ نِصْفُ الْأَرْضِ وَلَنَا نِصْفُهَا، وَلَكِنَّ قُرَيْشًا قَوْمٌ يَعْتَدُونَ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ. وَقَدْ قَدَّمْنَا مَا كَانَ يَتَعَاطَاهُ مُسَيْلِمَةُ وَيَتَعَانَاهُ، لَعَنَهُ اللَّهُ، مِنَ الْكَلَامِ الَّذِي هُوَ أَسْخَفُ مِنَ الْهَذَيَانِ، مِمَّا كَانَ يَزْعُمُ أَنَّهُ وَحْيٌ مِنَ الرَّحْمَنِ، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُهُ وَأَمْثَالُهُ عُلُوًّا كَبِيرًا. وَلَمَّا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَعْمَ أَنَّهُ اسْتَقَلَّ بِالْأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ، وَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ، وَكَانَ يَقُولُ: خُذِي الدُّفَّ يَا هَذِهِ وَالْعَبِي … وَبُثِّي مَحَاسِنَ هَذَا النَّبِي تَوَلَّى نَبِيُّ بَنِي هَاشِمٍ … وَقَامَ نَبِيُّ بَنِي يَعْرُبِ فَلَمْ يُمْهِلْهُ اللَّهُ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِ سَيْفًا مِنْ سُيُوفِهِ، وَحَتْفًا مِنْ حُتُوفِهِ، فَبَعَجَ بَطْنَهُ، وَفَلَقَ رَأْسَهُ وَعَجَّلَ اللَّهُ بِرُوحِهِ إِلَى النَّارِ، فَبِئْسَ الْقَرَارُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ

стр. 5382

أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ [الْأَنْعَامِ: ٩٣]. فَمُسَيْلِمَةُ وَالْأَسْوَدُ وَأَمْثَالُهُمَا، لَعَنَهُمُ اللَّهُ، أَحَقُّ النَّاسِ دُخُولًا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، وَأَوْلَاهُمْ بِهَذِهِ الْعُقُوبَةِ الْعَظِيمَةِ.

стр. 5383

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سَنَةُ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ مِنَ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ. اسْتَهَلَّتْ هَذِهِ السَّنَةُ وَجُيُوشُ الصِّدِّيقِ وَأُمَرَاؤُهُ الَّذِينَ بَعَثَهُمْ لِقِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ جَوَّالُونَ فِي الْبِلَادِ يَمِينًا وَشِمَالًا; لِتَمْهِيدِ قَوَاعِدِ الْإِسْلَامِ وَقِتَالِ الطُّغَاةِ مِنَ الْأَنَامِ، حَتَّى رُدَّ شَارِدُ الدِّينِ بَعْدَ ذَهَابِهِ، وَرَجَعَ الْحَقُّ إِلَى نِصَابِهِ، وَتَمَهَّدَتْ جَزِيرَةُ الْعَرَبِ، وَصَارَ الْبَعِيدُ الْأَقْصَى كَالْقَرِيبِ الْأَدْنَى. وَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ عُلَمَاءِ السِّيَرِ وَالتَّوَارِيخِ: إِنَّ وَقْعَةَ الْيَمَامَةِ كَانَتْ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. وَقِيلَ: إِنَّهَا كَانَتْ فِي أَوَاخِرِ الَّتِي قَبْلَهَا. وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ أَنَّ ابْتِدَاءَهَا كَانَ فِي السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ، وَانْتِهَاءَهَا وَقَعَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ الْآتِيَةِ، فَعَلَى قَوْلِ الْأَوَّلِينَ يَنْبَغِي أَنْ تُنْقَلُ تَرَاجِمُ مَنْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ قُتِلَ فِي الْيَمَامَةِ إِلَى هَذِهِ السَّنَةِ، وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ يَنْبَغِي أَنْ يُذْكَرُوا فِي السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ; لِاحْتِمَالِ أَنَّهُمْ قُتِلُوا فِي الْمَاضِيَةِ، وَمُبَادَرَةً إِلَى اسْتِيفَاءِ تَرَاجِمِهِمْ قَبْلَ أَنْ يُذْكَرُوا مَعَ مَنْ قُتِلَ بِالشَّامِ وَالْعِرَاقِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَبِهِ الثِّقَةُ وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ.

стр. 5384

وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ وَقْعَةَ جُوَاثَى وَعُمَانَ وَمَهْرَةَ، وَمَا كَانَ مِنَ الْوَقَائِعِ الَّتِي أَشَرْنَا إِلَيْهَا إِنَّمَا كَانَتْ فِي سَنَةِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ. وَفِيهَا كَانَ قَتْلُ الْمُلُوكِ الْأَرْبَعَةِ; جَمْدٌ، وَمِخْوَسٌ، وَأَبْضَعَةُ، وَمِشْرَحٌ، وَأُخْتُهُمْ الْعَمَرَّدَةُ، الَّذِينَ وَرَدَ الْحَدِيثُ فِي «مُسْنَدِ أَحْمَدَ» بِلَعْنِهِمْ، وَكَانَ الَّذِي قَتَلَهُمْ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ. بَعْثُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ إِلَى الْعِرَاقِ. لَمَّا فَرَغَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ مِنَ الْيَمَامَةِ، بَعَثَ إِلَيْهِ الصِّدِّيقُ أَنْ يَسِيرَ إِلَى الْعِرَاقِ، وَأَنْ يَبْدَأَ بِفَرْجِ الْهِنْدِ، وَهِيَ الْأُبُلَّةُ، وَيَأْتِي الْعِرَاقَ مِنْ أَعَالِيهَا، وَأَنْ يَتَأَلَّفَ النَّاسَ وَيَدْعُوَهُمْ إِلَى اللَّهِ، ، فَإِنْ أَجَابُوا وَإِلَّا أَخَذَ مِنْهُمُ الْجِزْيَةَ، فَإِنِ امْتَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ قَاتَلَهُمْ فِي اللَّهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ لَا يُكْرِهَ أَحَدًا عَلَى الْمَسِيرِ مَعَهُ، وَلَا يَسْتَعِينَ بِمَنِ ارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ عَادَ إِلَيْهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَسْتَصْحِبَ كُلَّ امْرِئٍ مَرَّ بِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَشَرَعَ أَبُو بَكْرٍ فِي تَجْهِيزِ السَّرَايَا وَالْبُعُوثِ وَالْجُيُوشِ إِمْدَادًا لِخَالِدٍ، ﵁. قَالَ الْوَاقِدِيُّ: اخْتُلِفَ فِي خَالِدٍ، فَقَائِلٌ يَقُولُ: مَضَى مِنْ وَجْهِهِ ذَلِكَ مِنَ

стр. 5385

الْيَمَامَةِ إِلَى الْعِرَاقِ. وَقَائِلٌ يَقُولُ: رَجَعَ مِنَ الْيَمَامَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ، ثُمَّ سَارَ إِلَى الْعِرَاقِ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَمَرَّ عَلَى طَرِيقِ الْكُوفَةِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْحِيرَةِ. قُلْتُ: وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ. وَقَدْ ذَكَرَ الْمَدَائِنِيُّ بِإِسْنَادِهِ أَنَّ خَالِدًا تَوَجَّهَ إِلَى الْعِرَاقِ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ، فَجَعَلَ طَرِيقَهُ الْبَصْرَةَ وَفِيهَا قُطْبَةُ بْنُ قَتَادَةَ، وَعَلَى الْكُوفَةِ الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ الشَّيْبَانِيُّ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ كَتَبَ إِلَى خَالِدٍ أَنْ يَسِيرَ إِلَى الْعِرَاقِ، فَمَضَى خَالِدٌ يُرِيدُ الْعِرَاقَ حَتَّى نَزَلَ بِقُرَيَّاتٍ مِنَ السَّوَادِ يُقَالُ لَهَا: بَانِقْيَا، وَبَارُوسْمَا، وَأُلَّيْسٌ وَصَاحِبُهَا جَابَانُ، فَصَالَحَهُ أَهْلُهَا. قُلْتُ: وَقَدْ قَتَلَ مِنْهُمُ الْمُسْلِمُونَ قَبْلَ الصُّلْحِ خَلْقًا كَثِيرًا، وَكَانَ الصُّلْحُ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَقِيلَ: دِينَارٍ. فِي رَجَبٍ، وَكَانَ الَّذِي صَالَحَهُ بُصْبُهْرَى بْنُ صَلُوبَا، وَيُقَالُ: صَلُوبَا بْنُ بُصْبُهْرَى. فَقَبِلَ مِنْهُمْ خَالِدٌ، وَكَتَبَ

стр. 5386

لَهُمْ كِتَابًا، ثُمَّ أَقْبَلَ حَتَّى نَزَلَ الْحِيرَةَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ أَشْرَافُهَا مَعَ قَبِيصَةَ بْنِ إِيَاسِ بْنِ حَيَّةَ الطَّائِيِّ، وَكَانَ أَمَّرَهُ عَلَيْهَا كِسْرَى بَعْدَ النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ، فَقَالَ لَهُمْ خَالِدٌ: أَدْعُوكُمْ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى الْإِسْلَامِ، فَإِنْ أَجَبْتُمْ إِلَيْهِ فَأَنْتُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، لَكُمْ مَا لَهُمْ وَعَلَيْكُمْ مَا عَلَيْهِمْ، فَإِنْ أَبَيْتُمْ فَالْجِزْيَةُ، فَإِنْ أَبَيْتُمُ الْجِزْيَةَ فَقَدْ أَتَيْتُكُمْ بِأَقْوَامٍ هُمْ أَحْرَصُ عَلَى الْمَوْتِ مِنْكُمْ عَلَى الْحَيَاةِ; جَاهَدْنَاكُمْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ. فَقَالَ لَهُ قَبِيصَةُ: مَا لَنَا بِحَرْبِكَ مِنْ حَاجَةٍ، بَلْ نُقِيمُ عَلَى دِينِنَا وَنُعْطِيكُمُ الْجِزْيَةَ. فَقَالَ لَهُمْ خَالِدٌ: تَبًّا لَكُمْ! إِنَّ الْكُفْرَ فَلَاةٌ مُضِلَّةٌ، فَأَحْمَقُ الْعَرَبِ مَنْ سَلَكَهَا، فَلَقِيَهُ مِنْهُمْ رَجُلَانِ; أَحَدُهُمَا عَرَبِيٌّ وَالْآخَرُ أَعْجَمِيٌّ، فَتَرَكَهُ وَاسْتَدَلَّ بِالْعَجَمِيِّ. ثُمَّ صَالَحَهُمْ عَلَى تِسْعِينَ أَلْفًا. وَفِي رِوَايَةٍ: مِائَتَيْ أَلْفِ دِرْهَمٍ. فَكَانَتْ أَوَّلَ جِزْيَةٍ أُخِذَتْ مِنَ الْعِرَاقِ وَحُمِلَتْ إِلَى الْمَدِينَةِ هِيَ وَالْقُرَيَّاتُ قَبْلَهَا الَّتِي صَالَحَ عَلَيْهَا ابْنُ صَلُوبَا. قُلْتُ: وَقَدْ كَانَ مَعَ نَائِبِ كِسْرَى عَلَى الْحِيرَةِ مِمَّنْ وَفَدَ إِلَى خَالِدٍ عَبْدُ الْمَسِيحِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَيَّانَ بْنِ بُقَيْلَةَ، وَكَانَ مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ، فَقَالَ لَهُ خَالِدٌ: مِنْ أَيْنَ أَثَرُكَ؟ قَالَ: مِنْ ظَهْرِ أَبِي. قَالَ: وَمِنْ أَيْنَ خَرَجْتَ؟ قَالَ: مِنْ بَطْنِ أُمِّي. قَالَ: وَيَحَكَ! عَلَى أَيِّ شَيْءٍ أَنْتَ؟ قَالَ: عَلَى الْأَرْضِ. قَالَ: وَيْلَكَ! وَفِي أَيِّ شَيْءٍ أَنْتَ؟ قَالَ: فِي ثِيَابِي. قَالَ: وَيَحَكَ! تَعْقِلُ؟! قَالَ: نَعَمْ

стр. 5387

وَأُقَيِّدُ. قَالَ: إِنَّمَا أَسْأَلُكَ. قَالَ: وَأَنَا أُجِيبُكَ. قَالَ: أَسِلْمٌ أَنْتَ أَمْ حَرْبٌ؟ قَالَ: بَلْ سِلْمٌ. قَالَ: فَمَا هَذِهِ الْحُصُونُ الَّتِي أَرَى؟ قَالَ: بَنَيْنَاهَا لِلسَّفِيهِ نَحْبِسُهُ حَتَّى يَجِيءَ الْحَلِيمُ فَيَنْهَاهُ. ثُمَّ دَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ أَوِ الْجِزْيَةِ أَوِ الْقِتَالِ، فَأَجَابُوا إِلَى الْجِزْيَةِ بِتِسْعِينَ أَوْ مِائَتَيْ أَلْفٍ، كَمَا تَقَدَّمَ. ثُمَّ بَعَثَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ كِتَابًا إِلَى أُمَرَاءِ كِسْرَى بِالْمَدَائِنِ وَمَرَازِبَتِهِ وَوُزَرَائِهِ، كَمَا قَالَ هِشَامُ بْنُ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي مِخْنَفٍ، عَنْ مَجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: أَقْرَأَنِي بَنُو بُقَيْلَةَ كِتَابَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ إِلَى أَهْلِ الْمَدَائِنِ: مِنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ إِلَى مَرَازِبَةِ أَهْلِ فَارِسَ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، أَمَّا بَعْدُ، فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّ خَدَمَتَكُمْ وَسَلَبَ مُلْكَكُمْ، وَوَهَّنَ كَيْدَكُمْ، وَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا فَذَلِكَ الْمُسْلِمُ الَّذِي لَهُ مَا لَنَا وَعَلَيْهِ مَا عَلَيْنَا، أَمَّا بَعْدُ، فَإِذَا جَاءَكُمْ كِتَابِي فَابْعَثُوا إِلَيَّ بِالرُّهُنِ، وَاعْتَقِدُوا مِنِّي الذِّمَّةَ، وَإِلَّا فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ لَأَبْعَثَنَّ إِلَيْكُمْ قَوْمًا يُحِبُّونَ الْمَوْتَ كَمَا تُحِبُّونَ أَنْتُمُ الْحَيَاةَ. فَلَمَّا قَرَأُوا الْكِتَابَ أَخَذُوا يَتَعَجَّبُونَ. وَقَالَ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ عَنْ طَلْحَةَ الْأَعْلَمِ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عُتَيْبَةَ، وَكَانَ قَاضِي أَهْلِ الْكُوفَةِ، قَالَ: فَرَّقَ خَالِدٌ مَخْرَجَهُ مِنَ الْيَمَامَةِ إِلَى الْعِرَاقِ، جُنْدَهُ ثَلَاثَ فِرَقٍ، وَلَمْ يَحْمِلْهُمْ عَلَى طَرِيقٍ وَاحِدَةٍ، فَسَرَّحَ الْمُثَنَّى قَبْلَهُ بِيَوْمَيْنِ وَدَلِيلُهُ ظَفَرٌ،

стр. 5388

وَسَرَّحَ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ وَعَاصِمَ بْنَ عَمْرٍو وَدَلِيلَاهُمَا مَالِكُ بْنُ عَبَّادٍ وَسَالِمُ بْنُ نَصْرٍ، أَحَدُهُمَا قَبْلَ صَاحِبِهِ بِيَوْمٍ، وَخَرَجَ خَالِدٌ - يَعْنِي فِي آخِرِهِمْ - وَدَلِيلُهُ رَافِعٌ، فَوَاعَدَهُمْ جَمِيعًا الْحَفِيرَ لِيَجْتَمِعُوا بِهِ، وَيُصَادِمُوا عَدُوَّهُمْ، وَكَانَ فَرْجُ الْهِنْدِ أَعْظَمَ فُرُوجِ فَارِسَ شَأْنًا وَأَشَدَّهَا شَوْكَةً، وَكَانَ صَاحِبُهُ يُحَارِبُ الْعَرَبَ فِي الْبَرِّ، وَالْهِنْدَ فِي الْبَحْرِ، وَهُوَ هُرْمُزُ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ خَالِدٌ، فَبَعَثَ هُرْمُزُ بِكِتَابِ خَالِدٍ إِلَى شِيرَى بْنِ كِسْرَى، وَأَرْدَشِيرَ بْنِ شِيرَى، وَجَمَعَ هُرْمُزُ وَهُوَ نَائِبُ كِسْرَى، جُمُوعًا كَثِيرَةً، وَسَارَ بِهِمْ إِلَى كَاظِمَةَ، وَعَلَى مُجَنِّبَتَيْهِ قُبَاذُ وَأَنُوشَجَانُ - وَهُمَا مِنْ بَيْتِ الْمَلِكِ - وَقَدْ تَقَرَّنَ الْجَيْشُ فِي السَّلَاسِلِ; لِئَلَّا يَفِرُّوا، وَكَانَ هُرْمُزُ هَذَا مِنْ أَخْبَثِ النَّاسِ طَوِيَّةً وَأَشَدِّهِمْ كُفْرًا، وَكَانَ شَرِيفًا فِي الْفُرْسِ، وَكَانَ الرَّجُلُ كُلَّمَا ازْدَادَ شَرَفًا زَادَ فِي حِلْيَتِهِ، فَكَانَتْ قَلَنْسُوَةُ هُرْمُزَ بِمِائَةِ أَلْفٍ، وَقَدِمَ خَالِدٌ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْجَيْشِ، وَهُمْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْفًا فَنَزَلَ تُجَاهَهُمْ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ، فَشَكَى إِلَيْهِ أَصْحَابُهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: جَالِدُوهُمْ حَتَّى تُجْلُوهُمْ عَنِ الْمَاءِ، فَإِنَّ اللَّهَ جَاعِلُ الْمَاءِ لِأَصْبَرِ الطَّائِفَتَيْنِ. فَلَمَّا اسْتَقَرَّ بِالْمُسْلِمِينَ الْمَنْزِلُ وَهُمْ رُكْبَانٌ عَلَى خُيُولِهِمْ، بَعَثَ اللَّهُ سَحَابَةً فَأَمْطَرَتْهُمْ حَتَّى صَارَ لَهُمْ غُدْرَانٌ مِنْ مَاءٍ، فَقَوِيَ الْمُسْلِمُونَ بِذَلِكَ، وَفَرِحُوا فَرَحًا شَدِيدًا، فَلَمَّا تَوَاجَهَ الصَّفَّانِ وَتَقَابَلَ الْفَرِيقَانِ،

стр. 5389

تَرَجَّلَ هُرْمُزُ وَدَعَا إِلَى الْبِرَازِ، فَتَرَجَّلَ خَالِدٌ وَتَقَدَّمَ إِلَى هُرْمُزَ، فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنِ وَاحْتَضَنَهُ خَالِدٌ، وَجَاءَتْ حَامِيَةُ هُرْمُزَ فَمَا شَغَلَهُ عَنْ قَتْلِهِ، وَحَمَلَ الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو عَلَى حَامِيَةِ هُرْمُزَ فَأَنَامُوهُمْ، وَانْهَزَمَ أَهْلُ فَارِسَ، وَرَكِبَ الْمُسْلِمُونَ أَكْتَافَهُمْ إِلَى اللَّيْلِ، وَاسْتَحْوَذَ خَالِدٌ عَلَى أَمْتِعَتِهِمْ وَسِلَاحِهِمْ، فَبَلَغَ وِقْرَ أَلْفِ بَعِيرٍ، وَسُمِّيَتْ هَذِهِ الْغَزْوَةُ ذَاتَ السَّلَاسِلِ; لِكَثْرَةِ مَنْ سُلْسِلَ بِهَا مِنْ فُرْسَانِ فَارِسَ، وَأَفْلَتَ قُبَاذُ وَأَنُوشَجَانُ. وَلَمَّا رَجَعَ الطَّلَبُ نَادَى مُنَادِي خَالِدٍ بِالرَّحِيلِ، فَسَارَ بِالنَّاسِ وَتَبِعَتْهُ الْأَثْقَالُ حَتَّى نَزَلَ بِمَوْضِعِ الْجِسْرِ الْأَعْظَمِ مِنَ الْبَصْرَةِ الْيَوْمَ، وَبَعَثَ بِالْفَتْحِ وَالْبِشَارَةِ وَالْخُمُسِ، مَعَ زِرِّ بْنِ كُلَيْبٍ، إِلَى الصِّدِّيقِ، وَبَعَثَ مَعَهُ بِفِيلٍ، فَلَمَّا رَآهُ نِسْوَةُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ جَعَلْنَ يَقُلْنَ: أَمِنْ خَلْقِ اللَّهِ هَذَا أَمْ شَيْءٌ مَصْنُوعٌ؟! فَرَدَّهُ الصِّدِّيقُ مَعَ زِرٍّ، وَبَعَثَ أَبُو بَكْرٍ لَمَّا بَلَغَهُ الْخَبَرُ إِلَى خَالِدٍ، فَنَفَّلَهُ سَلْبَ هُرْمُزَ، وَكَانَتْ قَلَنْسُوَتُهُ بِمِائَةِ أَلْفٍ، وَكَانَتْ مُرَصَّعَةً بِالْجَوْهَرِ، وَبَعَثَ خَالِدٌ الْأُمَرَاءَ يَمِينًا وَشِمَالًا يُحَاصِرُونَ حُصُونًا هُنَالِكَ، فَفَتَحُوهَا عَنْوَةً وَصُلْحًا، وَأَخَذُوا مِنْهَا أَمْوَالًا جَمَّةً، وَلَمْ يَكُنْ خَالِدٌ يَتَعَرَّضُ لِلْفَلَّاحِينَ - مَنْ لَمْ يُقَاتِلْ مِنْهُمْ - وَلَا لِأَوْلَادِهِمْ، بَلْ لِلْمُقَاتِلَةِ مِنْ أَهْلِ فَارِسَ. ثُمَّ كَانَتْ وَقْعَةُ الْمَذَارِ فِي صَفَرٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. وَيُقَالُ لَهَا: وَقْعَةُ الثَّنْيِ. وَهُوَ النَّهْرُ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَيَوْمَئِذٍ قَالَ النَّاسُ: صَفَرُ الْأَصْفَارِ، فِيهِ يُقْتَلُ كُلُّ جَبَّارٍ،

стр. 5390

عَلَى مَجْمَعِ الْأَنْهَارِ. وَكَانَ سَبَبَهَا أَنَّ هُرْمُزَ كَانَ قَدْ كَتَبَ إِلَى أَرْدَشِيرَ وَشِيرَى بِقَدُومِ خَالِدٍ نَحْوَهُ مِنَ الْيَمَامَةِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ كِسْرَى بِمَدَدٍ مَعَ أَمِيرٍ يُقَالُ لَهُ: قَارَنُ بْنُ قِرْيَانِسَ. فَلَمْ يَصِلْ إِلَى هُرْمُزَ حَتَّى كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَعَ خَالِدٍ مَا تَقَدَّمَ، وَفَرَّ مَنْ فَرَّ مِنَ الْفُرْسِ، فَتَلَقَّاهُمْ قَارَنُ، فَالْتَفُّوا عَلَيْهِ فَتَذَامَرُوا وَاتَّفَقُوا عَلَى الْعَوْدِ إِلَى خَالِدٍ، فَسَارُوا إِلَى مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ: الْمَذَارُ. وَعَلَى مُجَنِّبَتَيْ قَارَنَ قُبَاذُ وَأَنُوشَجَانُ، فَلَمَّا انْتَهَى الْخَبَرُ إِلَى خَالِدٍ، قَسَمَ مَا كَانَ مَعَهُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَخْمَاسٍ غَنِيمَةً يَوْمَ ذَاتِ السَّلَاسِلِ، وَأَرْسَلَ إِلَى الصِّدِّيقِ بِخَبَرِهِ مَعَ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ، وَسَارَ خَالِدٌ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْجُيُوشِ حَتَّى نَزَلَ عَلَى الْمَذَارِ، وَهُوَ عَلَى تَعْبِئَتِهِ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالَ حَنَقٍ وَحَفِيظَةٍ، وَخَرَجَ قَارَنُ يَدْعُو إِلَى الْبِرَازِ، فَبَرَزَ إِلَيْهِ خَالِدٌ، وَابْتَدَرَهُ الشُّجْعَانُ مِنَ الْأُمَرَاءِ، فَقَتَلَ مَعْقِلُ بْنُ الْأَعْشَى بْنِ النَّبَّاشِ قَارَنَ، وَقَتَلَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ قُبَاذَ، وَقَتَلَ عَاصِمٌ أَنُوشَجَانَ، وَفَّرَّتِ الْفُرْسُ، وَرَكِبَهُمُ الْمُسْلِمُونَ فِي ظُهُورِهِمْ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَلَاثِينَ أَلْفًا، وَغَرِقَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فِي الْأَنْهَارِ وَالْمِيَاهِ، وَأَقَامَ خَالِدٌ بِالْمَذَارِ، وَسَلَّمَ الْأَسْلَابَ إِلَى مَنْ قَتَلَ - وَكَانَ قَارَنُ قَدِ انْتَهَى شَرَفُهُ فِي أَبْنَاءِ فَارِسَ - وَجَمَعَ بَقِيَّةَ الْغَنِيمَةِ وَخَمَّسَهَا، وَبَعَثَ بِالْخُمُسِ وَالْفَتْحِ وَالْبِشَارَةِ إِلَى الصِّدِّيقِ، مَعَ سَعِيدِ بْنِ النُّعْمَانِ، أَخِي بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَأَقَامَ خَالِدٌ هُنَاكَ حَتَّى قَسَمَ أَرْبَعَةَ الْأَخْمَاسِ وَسَبَى ذَرَارِيَّ مَنْ حَضَرَهُ مِنَ الْمُقَاتِلَةِ، دُونَ الْفَلَّاحِينَ; فَإِنَّهُ أَقَرَّهُمْ بِالْجِزْيَةِ، وَكَانَ فِي هَذَا السَّبْيِ حَبِيبٌ أَبُو الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ، وَكَانَ نَصْرَانِيًّا، وَمَافِنَّةُ مَوْلَى عُثْمَانَ، وَأَبُو زِيَادٍ مَوْلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ. ثُمَّ أَمَّرَ عَلَى الْجُنْدِ سَعِيدَ بْنَ النُّعْمَانِ وَعَلَى الْجِزْيَةِ سُوَيْدَ بْنَ مُقَرِّنٍ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَنْزِلَ الْحَفِيرَ; لِيَجْبِيَ إِلَيْهِ

стр. 5391

الْأَمْوَالَ، وَأَقَامَ خَالِدٌ يَتَحَسَّسُ الْأَخْبَارَ عَنِ الْأَعْدَاءِ. ثُمَّ كَانَ أَمْرُ الْوَلَجَةِ فِي صَفَرٍ أَيْضًا مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، فِيمَا ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمَّا انْتَهَى الْخَبَرُ بِمَا كَانَ بِالْمَذَارِ مِنْ قَتْلِ قَارَنَ وَأَصْحَابِهِ، إِلَى أَرْدَشِيرَ، وَهُوَ مَلِكُ الْفُرْسِ يَوْمَئِذٍ، بَعَثَ أَمِيرًا شُجَاعًا يُقَالُ لَهُ: الْأَنْدَرْزَغَرُ. وَكَانَ مِنْ أَبْنَاءِ السَّوَادِ، وُلِدَ بِالْمَدَائِنِ وَنَشَأَ بِهَا، وَأَمَدَّهُ بِجَيْشٍ آخَرَ مَعَ أَمِيرٍ يُقَالُ لَهُ: بَهْمَنُ جَاذَوَيْهِ. فَسَارُوا حَتَّى بَلَغُوا مَكَانًا يُقَالُ لَهُ: الْوَلَجَةُ. فَسَمِعَ بِهِمْ خَالِدٌ فَسَارَ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْجُنُودِ، وَوَصَّى مَنِ اسْتَخْلَفَهُ هُنَالِكَ بِالْحَذَرِ وَقِلَّةِ الْغَفْلَةِ، فَنَازَلَ أَنْدَرْزَغَرَ وَمَنْ تَأَشَّبَ مَعَهُ، وَاجْتَمَعَ عِنْدَهُ بِالْوَلَجَةِ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا هُوَ أَشَدُّ مِمَّا قَبْلَهُ، حَتَّى ظَنَّ الْفَرِيقَانِ أَنَّ الصَّبْرَ قَدْ فَرَغَ، وَاسْتَبْطَأَ كَمِينَهُ; الَّذِي كَانَ قَدْ أَرْصَدَهُمْ وَرَاءَهُ فِي مَوْضِعَيْنِ، فَمَا كَانَ إِلَّا يَسِيرٌ حَتَّى خَرَجَ الْكَمِينَانِ مِنْ هَا هُنَا وَهَا هُنَا، فَفَرَّتْ صُفُوفُ الْأَعَاجِمِ، فَأَخَذَهُمْ خَالِدٌ مِنْ أَمَامِهِمْ، وَالْكَمِينَانِ مِنْ وَرَائِهِمْ، فَلَمْ يَعْرِفْ رَجُلٌ مِنْهُمْ مَقْتَلَ صَاحَبِهِ، وَهَرَبَ الْأَنْدَرْزَغَرُ مِنَ الْوَقْعَةِ فَمَاتَ عَطَشًا، وَقَامَ خَالِدٌ فِي النَّاسِ خَطِيبًا فَرَغَّبَهُمْ فِي بِلَادِ الْأَعَاجِمِ، وَزَهَّدَهُمْ فِي بِلَادِ الْعَرَبِ، وَقَالَ: أَلَا تَرَوْنَ مَا هَا هُنَا مِنَ الْأَطْعِمَاتِ؟ وَبِاللَّهِ لَوْ لَمْ يَلْزَمْنَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ

стр. 5392

اللَّهِ وَالدُّعَاءُ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يَكُنْ إِلَّا الْمَعَاشُ، لَكَانَ الرَّأْيُ أَنْ نُقَاتِلَ عَلَى هَذَا الرِّيفِ حَتَّى نَكُونَ أَوْلَى بِهِ، وَنُوَلِّيَ الْجُوعَ وَالْإِقْلَالَ مَنْ تَوَلَّاهُ مِمَّنِ اثَّاقَلَ عَمَّا أَنْتُمْ عَلَيْهِ. ثُمَّ خَمَّسَ الْغَنِيمَةَ، وَقَسَمَ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِهَا بَيْنَ الْغَانِمِينَ، وَبَعَثَ الْخُمُسَ إِلَى الصِّدِّيقِ، وَأَسَرَ مَنْ أَسَرَ مِنْ ذَرَارِيِّ الْمُقَاتِلَةِ، وَأَقَرَّ الْفَلَّاحِينَ بِالْجِزْيَةِ. وَقَالَ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ عَنْ عَمْرٍو، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: بَارَزَ خَالِدٌ يَوْمَ الْوَلَجَةِ رَجُلًا مِنَ الْأَعَاجِمِ يَعْدِلُ بِأَلْفِ رَجُلٍ، فَقَتَلَهُ، ثُمَّ اتَّكَأَ عَلَيْهِ وَأُتِيَ بِغَدَائِهِ فَأَكَلَهُ وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَيْهِ. يَعْنِي بَيْنَ الصَّفَّيْنِ. ثُمَّ كَانَتْ وَقْعَةُ أُلَّيْسٍ فِي صَفَرٍ أَيْضًا، وَذَلِكَ أَنَّ خَالِدًا كَانَ قَدْ قَتَلَ يَوْمَ الْوَلَجَةِ طَائِفَةً مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ مِمَّنْ كَانَ مَعَ الْفُرْسِ، فَاجْتَمَعَ عَشَائِرُهُمْ، وَأَشَدُّهُمْ حَنَقًا عَبْدُ الْأَسْوَدِ الْعِجْلِيُّ، وَكَانَ قَدْ قُتِلَ لَهُ ابْنٌ بِالْأَمْسِ، فَكَاتَبُوا الْأَعَاجِمَ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ أَرْدَشِيرُ جَيْشًا مَدَدًا، فَاجْتَمَعُوا بِمَكَانٍ يُقَالُ لَهُ: أُلَّيْسٍ. فَبَيْنَمَا هُمْ قَدْ نَصَبُوا لَهُمْ سِمَاطًا فِيهِ طَعَامٌ يُرِيدُونَ أَكْلَهُ، إِذْ غَافَلَهُمْ خَالِدٌ بِجَيْشِهِ، فَلَمَّا رَأَوْهُ أَشَارَ مَنْ أَشَارَ مِنْهُمْ بِأَكْلِ الطَّعَامِ وَعَدَمِ الِاعْتِنَاءِ بِخَالِدٍ، وَقَالَ أَمِيرُ كِسْرَى، وَاسْمُهُ جَابَانُ: بَلْ نَنْهَضُ إِلَيْهِ. فَلَمْ يَسْمَعُوا مِنْهُ. فَلَمَّا نَزَلَ خَالِدٌ تَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْ جَيْشِهِ وَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ لِشُجْعَانِ مَنْ هُنَالِكَ مِنَ

стр. 5393

الْأَعْرَابِ: أَيْنَ فُلَانٌ، أَيْنَ فُلَانٌ؟ فَكُلُّهُمْ نَكَلُوا عَنْهُ إِلَّا رَجُلًا يُقَالُ لَهُ: مَالِكُ بْنُ قَيْسٍ، مِنْ بَنِي جِذْرَةَ، فَإِنَّهُ بَرَزَ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ خَالِدٌ: يَا ابْنَ الْخَبِيثَةِ، مَا جَرَّأَكَ عَلَيَّ مِنْ بَيْنِهِمْ وَلَيْسَ فِيكَ وَفَاءٌ؟! فَضَرَبَهُ فَقَتَلَهُ. وَنَفَرَتِ الْأَعَاجِمُ عَنِ الطَّعَامِ، وَقَامُوا إِلَى السِّلَاحِ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا جِدًّا، وَالْمُشْرِكُونَ يَرْقُبُونَ قُدُومَ بَهْمَنَ مَدَدًا مِنْ جِهَةِ الْمَلِكِ إِلَيْهِمْ، فَهُمْ فِي قُوَّةٍ وَشِدَّةٍ وَكَلَبٍ فِي الْقِتَالِ، وَصَبَرَ الْمُسْلِمُونَ صَبْرًا بَلِيغًا، وَقَالَ خَالِدٌ: اللَّهُمَّ لَكَ عَلَيَّ إِنْ مَنَحْتَنَا أَكْتَافَهُمْ أَنْ لَا أَسْتَبْقِيَ مِنْهُمْ أَحَدًا أَقْدِرُ عَلَيْهِ حَتَّى أُجْرِيَ نَهْرَهُمْ بِدِمَائِهِمْ. ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ، ، مَنَحَ الْمُسْلِمِينَ أَكْتَافَهُمْ، فَنَادَى مُنَادِي خَالِدٍ: الْأَسْرَ، الْأَسْرَ، لَا تَقْتُلُوا إِلَّا مَنِ امْتَنَعَ مِنَ الْأَسْرِ. فَأَقْبَلَتِ الْخُيُولُ بِهِمْ أَفْوَاجًا يُسَاقُونَ سَوْقًا، وَقَدْ وَكَّلَ بِهِمْ رِجَالًا يَضْرِبُونَ أَعْنَاقَهُمْ فِي النَّهْرِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ خَالِدٌ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَيَطْلُبُهُمْ فِي الْغَدِ وَمِنْ بَعْدِ الْغَدِ، وَكُلَّمَا حَضَرَ مِنْهُمْ أَحَدٌ ضُرِبَتْ عُنُقُهُ فِي النَّهْرِ، وَقَدْ صَرَفَ مَاءَ النَّهْرِ إِلَى مَوْضِعٍ آخَرَ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الْأُمَرَاءِ: إِنَّ النَّهْرَ لَا يَجْرِي بِدِمَائِهِمْ حَتَّى تُرْسِلَ الْمَاءَ عَلَى الدَّمِ فَيَجْرِيَ مَعَهُ، فَتُبِرَّ يَمِينَكَ. فَأَرْسَلَهُ فَسَالَ النَّهْرُ دَمًا عَبِيطًا، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ نَهْرَ الدَّمِ، إِلَى الْيَوْمِ، فَدَارَتِ الطَّوَاحِينُ بِذَلِكَ الْمَاءِ الْمُخْتَلِطِ بِالدَّمِ الْعَبِيطِ مَا كَفَى الْعَسْكَرَ بِكَمَالِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَبَلَغَ عَدَدُ الْقَتْلَى سَبْعِينَ أَلْفًا، وَلَمَّا هَزَمَ خَالِدٌ الْجَيْشَ وَرَجَعَ مَنْ رَجَعَ مِنَ النَّاسِ، عَدَلَ خَالِدٌ إِلَى الطَّعَامِ الَّذِي كَانُوا

стр. 5394

قَدْ وَضَعُوهُ لِيَأْكُلُوهُ، فَقَالَ لِلْمُسْلِمِينَ: هَذَا نَفَلٌ فَانْزِلُوا فَكُلُوا. فَنَزَلَ النَّاسُ فَأَكَلُوا عِشَاءً. وَقَدْ جَعَلَ الْأَعَاجِمُ عَلَى طَعَامِهِمْ جَرْدَقًا كَثِيرًا، فَجَعَلَ مَنْ يَرَاهُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ مِنَ الْأَعْرَابِ يَقُولُونَ: مَا هَذِهِ الرُّقَعُ؟ يَحْسَبُونَهَا ثِيَابًا. فَيَقُولُ لَهُمْ مَنْ يَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْأَرْيَافِ وَالْمُدُنِ: أَمَا سَمِعْتُمْ بِرَقِيقِ الْعَيْشِ؟ قَالُوا: بَلَى. قَالُوا: فَهَذَا رَقِيقُ الْعَيْشِ. فَسَمَّوْهُ يَوْمَئِذٍ رُقَاقًا، وَإِنَّمَا كَانَتِ الْعَرَبُ تُسَمِّيهِ الْقَرْنَ. وَقَدْ قَالَ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَمَّنْ حَدَّثَ عَنْ خَالِدٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَفَّلَ النَّاسَ يَوْمَ خَيْبَرَ الْخُبْزَ وَالطَّبِيخَ وَالشِّوَاءَ وَمَا أَكَلُوا غَيْرَ ذَلِكَ، غَيْرَ مُتَأَثِّلِيهِ. وَكَانَ كُلُّ مَنْ قُتِلَ بِهَذِهِ الْوَقْعَةِ يَوْمَ أُلَّيْسٍ مِنْ بَلْدَةٍ يُقَالُ لَهَا: أَمْغِيشَيَا. فَعَدَلَ إِلَيْهَا خَالِدٌ وَأَمَرَ بِخَرَابِهَا، وَاسْتَوْلَى عَلَى مَا بِهَا، فَوَجَدُوا فِيهَا مَغْنَمًا عَظِيمًا، فَقَسَمَ بَيْنَ الْغَانِمِينَ فَأَصَابَ الْفَارِسُ بَعْدَ النَّفْلِ أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ، غَيْرَ مَا تَهَيَّأَ لَهُ مِمَّا قَبْلَهُ. وَبَعَثَ خَالِدٌ إِلَى الصِّدِّيقِ بِالْبِشَارَةِ وَالْفَتْحِ وَالْخُمُسِ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالسَّبْيِ مَعَ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ: جَنْدَلٌ. مِنْ بَنِي عِجْلٍ، وَكَانَ دَلِيلًا صَارِمًا، فَلَمَّا بَلَّغَ الصِّدِّيقَ الرِّسَالَةَ، وَأَدَّى الْأَمَانَةَ، أَثْنَى عَلَيْهِ وَأَجَازَهُ جَارِيَةً مِنَ السَّبْيِ، وَقَالَ

стр. 5395

الصِّدِّيقُ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إِنَّ أَسَدَكُمْ قَدْ عَدَا عَلَى الْأَسَدِ، فَغَلَبَهُ عَلَى خَرَاذِيلِهِ، عَجَزَتِ النِّسَاءُ أَنْ تَلِدْنَ مِثْلَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ. ثُمَّ جَرَتْ أُمُورٌ طَوِيلَةٌ لِخَالِدٍ فِي أَمَاكِنَ مُتَعَدِّدَةٍ يُمَلُّ سَمَاعُهَا، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ لَا يَكِلُّ وَلَا يَمَلُّ وَلَا يَهِنُ وَلَا يَحْزَنُ، بَلْ كُلُّ مَا لَهُ فِي قُوَّةٍ وَصَرَامَةٍ وَشِدَّةٍ وَشَهَامَةٍ، وَمِثْلُ هَذَا إِنَّمَا خَلَقَهُ اللَّهُ، ، عِزًّا لِلْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، وَذُلًّا لِلْكُفْرِ وَشَتَاتَ شَمْلِهِ. فَصْلٌ خَالِدٌ يُحَاصِرُ الْخَوَرْنَقَ وَالسَّدِيرَ وَالنَّجَفَ. ثُمَّ سَارَ خَالِدٌ فَنَزَلَ الْخَوَرْنَقَ وَالسَّدِيرَ وَالنَّجَفَ، وَبَثَّ سَرَايَاهُ هَا هُنَا وَهَا هُنَا، يُحَاصِرُونَ الْحُصُونَ مِنَ الْحِيرَةِ، وَيَسْتَنْزِلُونَ أَهْلَهَا قَسْرًا وَقَهْرًا، وَصُلْحًا وَيُسْرًا، وَكَانَ فِي جُمْلَةِ مَنْ نَزَلَ بِالصُّلْحِ قَوْمٌ مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ، فِيهِمُ ابْنُ بُقَيْلَةَ الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُ، وَكَتَبَ لِأَهْلِ الْحِيرَةِ كِتَابَ أَمَانٍ، فَكَانَ الَّذِي رَاوَضَهُ عَلَيْهِ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ الْمَسِيحِ بْنِ بُقَيْلَةَ، وَوَجَدَ خَالِدٌ مَعَهُ كِيسًا، فَقَالَ: مَا فِي هَذَا؟ - وَفَتَحَهُ خَالِدٌ فَوَجَدَ فِيهِ شَيْئًا - فَقَالَ ابْنُ بُقَيْلَةَ: هُوَ سُمُّ سَاعَةٍ. فَقَالَ: وَلِمَ اسْتَصْحَبْتَهُ مَعَكَ؟ فَقَالَ: حَتَّى إِذَا رَأَيْتُ مَكْرُوهًا فِي قَوْمِي أَكَلْتُهُ، فَالْمَوْتُ
следующие страницы →