← История

История · id 4445

البداية والنهاية - ت التركي

ابن كثير

Полный текст (13 161 стр.). Показаны 5846–5885 · переход к 5851.

стр. 5846

صِفَةُ قَتْلِهِ، ﵁ قَالَ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، ثَنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: أَنْبَأَنِي وَثَّابٌ قَالَ: بَعَثَنِي عُثْمَانُ فَدَعَوْتُ لَهُ الْأَشْتَرَ فَقَالَ: مَا يُرِيدُ النَّاسُ؟ قَالَ: ثَلَاثٌ لَيْسَ مِنْ إِحْدَاهُنَّ بُدٌّ. قَالَ: مَا هُنَّ؟ قَالَ: يُخَيِّرُونَكَ بَيْنَ أَنْ تَخْلَعَ لَهُمْ أَمْرَهُمْ فَتَقُولَ: هَذَا أَمْرُكُمْ فَاخْتَارُوا مَنْ شِئْتُمْ، وَبَيْنَ أَنْ تُقِصَّ مِنْ نَفْسِكَ، فَإِنْ أَبَيْتَ فَإِنَّ الْقَوْمَ قَاتِلُوكَ. فَقَالَ: أَمَّا أَنْ أَخْلَعَ لَهُمْ أَمْرَهُمْ فَمَا كُنْتُ لِأَخْلَعَ سِرْبَالًا سَرْبَلَنِيهِ اللَّهُ، وَأَمَّا أَنْ أُقِصَّ لَهُمْ مِنْ نَفْسِي، فَوَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ صَاحِبَيَّ بَيْنَ يَدَيَّ قَدْ كَانَا يُعَاقِبَانِ، وَمَا يَقُومُ بَدَنِي بِالْقِصَاصِ، وَأَمَّا أَنْ يَقْتُلُونِي، فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَتَلْتُمُونِي لَا تَحَابُّونَ بَعْدِي أَبَدًا، وَلَا تُصَلُّونَ بَعْدِي جَمِيعًا أَبَدًا،

стр. 5847

وَلَا تُقَاتِلُونَ بَعْدِي عَدُوًّا جَمِيعًا أَبَدًا. قَالَ: وَجَاءَ رُوَيْجِلٌ كَأَنَّهُ ذِئْبٌ فَاطَّلَعَ مِنْ بَابٍ وَرَجَعَ، وَجَاءَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ فِي ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَأَخَذَ بِلِحْيَتِهِ فَقَالَ بِهَا حَتَّى سَمِعْتُ وَقْعَ أَضْرَاسِهِ، فَقَالَ: مَا أَغْنَى عَنْكَ مُعَاوِيَةُ، وَمَا أَغْنَى عَنْكَ ابْنُ عَامِرٍ، وَمَا أَغْنَتْ عَنْكَ كُتُبُكَ. قَالَ: أَرْسِلْ لِحْيَتِي يَا ابْنَ أَخِي. قَالَ: فَأَنَا رَأَيْتُهُ اسْتَعْدَى رَجُلًا مِنَ الْقَوْمِ بِعَيْنِهِ - يَعْنِي أَشَارَ إِلَيْهِ - فَقَامَ إِلَيْهِ بِمِشْقَصٍ فَوَجَأَ بِهِ رَأْسَهُ. قُلْتُ: ثُمَّ مَهْ؟ قَالَ: ثُمَّ تَعَاوَرُوا عَلَيْهِ وَاللَّهِ حَتَّى قَتَلُوهُ. وَقَالَ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ التَّمِيمِيُّ، ﵀، عَنِ الْغُصْنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ خَنْسَاءَ مَوْلَاةِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ - وَكَانَتْ تَكُونُ مَعَ نَائِلَةَ بِنْتِ الْفَرَافِصَةِ امْرَأَةِ عُثْمَانَ - أَنَّهَا كَانَتْ فِي الدَّارِ، وَدَخَلَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ فَأَخَذَ بِلِحْيَتِهِ وَأَهْوَى بِمَشَاقِصَ مَعَهُ لِيَجَأَ بِهَا فِي حَلْقِهِ، فَقَالَ: مَهْلًا يَا ابْنَ أَخِي، فَوَاللَّهِ لَقَدْ أَخَذْتَ مَأْخَذًا مَا كَانَ أَبُوكَ لِيَأْخُذَ بِهِ. فَتَرَكَهُ وَانْصَرَفَ مُسْتَحْيِيًا نَادِمًا، فَاسْتَقْبَلَهُ الْقَوْمُ عَلَى بَابِ الصُّفَّةِ، فَرَدَّهُمْ طَوِيلًا حَتَّى غَلَبُوهُ فَدَخَلُوا، وَخَرَجَ مُحَمَّدٌ رَاجِعًا، فَأَتَاهُ رَجُلٌ بِيَدِهِ جَرِيدَةٌ يُقَدِّمُهُمْ حَتَّى قَامَ عَلَى عُثْمَانَ، فَضَرَبَ بِهَا رَأْسَهُ فَشَجَّهُ،

стр. 5848

فَقَطَرَ دَمُهُ عَلَى الْمُصْحَفِ حَتَّى لَطَّخَهُ، ثُمَّ تَغَاوَوْا عَلَيْهِ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَضَرَبَهُ عَلَى الثَّدْيِ بِالسَّيْفِ، وَوَثَبَتْ نَائِلَةُ بِنْتُ الْفَرَافِصَةِ الْكَلْبِيَّةُ فَصَاحَتْ وَأَلْقَتْ نَفْسَهَا عَلَيْهِ، وَقَالَتْ: يَا بِنْتَ شَيْبَةَ أَيُقْتَلُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ! وَأَخَذَتِ السَّيْفَ فَقَطَعَ الرَّجُلُ يَدَهَا، وَانْتَهَبُوا مَتَاعَ الدَّارِ، وَمَرَّ رَجُلٌ عَلَى عُثْمَانَ وَرَأْسُهُ مَعَ الْمُصْحَفِ، فَضَرَبَ رَأَسَهُ بِرِجْلِهِ وَنَحَّاهُ عَنِ الْمُصْحَفِ وَقَالَ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ وَجْهَ كَافِرٍ أَحْسَنَ، وَلَا مَضْجَعَ كَافِرٍ أَكْرَمَ. فَلَا وَاللَّهِ مَا تَرَكُوا فِي دَارِهِ شَيْئًا حَتَّى الْأَقْدَاحَ إِلَّا ذَهَبُوا بِهِ. وَرَوَى الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ أَنَّ عُثْمَانَ لَمَّا عَزَمَ عَلَى أَهْلِ الدَّارِ فِي الِانْصِرَافِ، وَلَمْ يَبْقَ عِنْدَهُ سِوَى أَهْلِهِ تَسَوَّرُوا عَلَيْهِ الدَّارَ، وَأَحْرَقُوا الْبَابَ وَدَخَلُوا عَلَيْهِ، وَلَيْسَ فِيهِمْ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَا أَبْنَائِهِمْ إِلَّا مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، وَسَبَقَهُ بَعْضُهُمْ فَضَرَبُوهُ حَتَّى غُشِيَ عَلَيْهِ وَصَاحَ النِّسْوَةُ فَانْذَعَرُوا وَخَرَجُوا، وَدَخَلَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ قَدْ قُتِلَ، فَلَمَّا رَآهُ قَدْ أَفَاقَ قَالَ: عَلَى أَيِّ دِينٍ أَنْتَ يَا نَعْثَلُ؟ قَالَ: عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ، وَلَسْتُ بِنَعْثَلٍ، وَلَكِنِّي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ: غَيَّرْتَ كِتَابَ اللَّهِ. فَقَالَ: كِتَابُ اللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ. فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ وَأَخَذَ بِلِحْيَتِهِ وَقَالَ: إِنَّا لَا يُقْبَلُ مِنَّا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ نَقُولَ:

стр. 5849

رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا [الْأَحْزَابِ: ٦٧]. وَشَحَطَهُ بِيَدِهِ مِنَ الْبَيْتِ إِلَى بَابِ الدَّارِ وَهُوَ يَقُولُ: يَا ابْنَ أَخِي مَا كَانَ أَبُوكَ لِيَأْخُذَ بِلِحْيَتِي. وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ - يُلَقَّبُ حِمَارًا وَيُكَنَّى، بِأَبِي رُومَانَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: اسْمُهُ رُومَانُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: كَانَ أَزْرَقَ أَشْقَرَ. وَقِيلَ: كَانَ اسْمُهُ سُودَانَ بْنَ رُومَانَ الْمُرَادِيَّ. وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ اسْمُ الَّذِي قَتَلَ عُثْمَانَ أَسْوَدُ بْنُ حُمْرَانَ ضَرَبَهُ بِحَرْبَةٍ - وَبِيَدِهِ السَّيْفُ صَلْتًا فَقَالَ: أَفْرِجُوا. ثُمَّ جَاءَ فَضَرَبَهُ بِهِ فِي صَدْرِهِ حَتَّى أَقْعَصَهُ، ثُمَّ وَضَعَ ذُبَابَ السَّيْفِ فِي بَطْنِهِ وَاتَّكَأَ عَلَيْهِ وَتَحَامَلَ حَتَّى قَتَلَهُ، وَقَامَتْ نَائِلَةُ دُونَهُ فَقَطَعَ السَّيْفُ أَصَابِعَهَا، ﵂. وَيُرْوَى أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ طَعْنَهُ بِمَشَاقِصَ فِي أُذُنِهِ حَتَّى دَخَلَتْ حَلْقَهُ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ غَيْرُهُ، وَأَنَّهُ اسْتَحْيَى وَرَجَعَ حِينَ قَالَ لَهُ عُثْمَانُ: لَقَدْ أَخَذْتَ بِلِحْيَةٍ كَانَ أَبُوكَ يُكْرِمُهَا. فَتَذَمَّمَ مِنْ ذَلِكَ وَغَطَّى وَجْهَهُ وَرَجَعَ وَجَاحَفَ دُونَهُ فَلَمْ يُفِدْ، وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا وَكَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا.

стр. 5850

وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، أَنَّ كِنَانَةَ بْنَ بِشْرٍ ضَرَبَ جَبِينَهُ وَمُقَدَّمَ رَأْسِهِ بِعَمُودٍ حَدِيدٍ، فَخَرَّ لِجَنْبِهِ، وَضَرَبَهُ سُودَانُ بْنُ حُمْرَانَ الْمُرَادِيُّ بَعْدَ مَا خَرَّ لِجَنْبِهِ فَقَتَلَهُ، وَأَمَّا عَمْرُو بْنُ الْحَمِقِ فَوَثَبَ عَلَى عُثْمَانَ فَجَلَسَ عَلَى صَدْرِهِ وَبِهِ رَمَقٌ، فَطَعَنَهُ تِسْعَ طَعَنَاتٍ وَقَالَ: أَمَّا ثَلَاثٌ مِنْهُنَّ فَلِلَّهِ، وَسِتٌّ لِمَا كَانَ فِي صَدْرِي عَلَيْهِ. وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَدَقَةَ الْبَغْدَادِيُّ وَإِسْحَاقُ بْنُ دَاوُدَ الصَّوَّافُ التُّسْتَرِيُّ، قَالَا: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ خِدَاشٍ، ثَنَا سَلْمُ بْنُ قُتَيْبَةَ، ثَنَا مُبَارَكٌ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: حَدَّثَنِي سَيَّافُ عُثْمَانَ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ دَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ فَقَالَ: ارْجِعْ يَا ابْنَ أَخِي فَلَسْتَ بِقَاتِلِي. قَالَ: وَكَيْفَ عَلِمْتَ ذَاكَ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ أُتِيَ بِكَ النَّبِيُّ، ﷺ ، يَوْمَ سَابِعِكَ فَحَنَّكَكَ وَدَعَا لَكَ بِالْبَرَكَةِ. ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ آخَرُ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ سَوَاءً. ثُمَّ دَخَلَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: أَنْتَ قَاتِلِي. قَالَ: وَمَا يُدْرِيكَ يَا نَعْثَلُ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ أُتِيَ بِكَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ ، يَوْمَ سَابِعِكَ لِيُحَنِّكَكَ وَيَدْعُوَ لَكَ بِالْبَرَكَةِ، فَخَرِيتَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ . قَالَ: فَوَثَبَ عَلَى صَدْرِهِ وَقَبَضَ عَلَى لِحْيَتِهِ، وَوَجَأَهُ بِمَشَاقِصَ كَانَتْ فِي يَدِهِ. هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا وَفِيهِ نَكَارَةٌ.

стр. 5851

وَثَبَتَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ أَنَّ أَوَّلَ قَطْرَةٍ مِنْ دَمِهِ سَقَطَتْ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الْبَقَرَةِ: ١٣٧]. وَيُرْوَى أَنَّهُ كَانَ قَدْ وَصَلَ إِلَيْهَا فِي التِّلَاوَةِ أَيْضًا حِينَ دَخَلُوا عَلَيْهِ. وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ، فَإِنَّهُ كَانَ قَدْ وَضَعَ الْمُصْحَفَ يَقْرَأُ فِيهِ الْقُرْآنَ. وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ أَنَّهُ لَمَّا طُعِنَ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ فَلَمَّا قَطَرَ الدَّمُ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي «تَارِيخِهِ» بِأَسَانِيدِهِ أَنَّ الْمِصْرِيِّينَ لَمَّا وَجَدُوا ذَلِكَ الْكِتَابَ مَعَ الْبَرِيدِ إِلَى أَمِيرِ مِصْرَ، فِيهِ الْأَمْرُ بِقَتْلِ بَعْضِهِمْ، وَصَلْبِ بَعْضِهِمْ، وَبِقَطْعِ أَيْدِي بَعْضِهِمْ وَأَرْجُلِهِمْ، وَكَانَ قَدْ كَتَبَهُ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ عَلَى لِسَانِ عُثْمَانَ مُتَأَوِّلًا قَوْلَهُ تَعَالَى إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [الْمَائِدَةِ: ٣٣]. وَعِنْدَهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ خَرَجُوا عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ، ﵁، مِنْ جُمْلَةِ الْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُمْ كَذَلِكَ، لَكِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَفْتَاتَ عَلَى عُثْمَانَ وَيَكْتُبَ عَلَى لِسَانِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ، وَيُزَوِّرَ عَلَى خَطِّهِ وَخَاتَمِهِ، وَيَبْعَثَ غُلَامَهُ عَلَى بَعِيرِهِ بَعْدَ مَا وَقَعَ الصُّلْحُ بَيْنَ عُثْمَانَ وَبَيْنَ الْمِصْرِيِّينَ عَلَى تَأْمِيرِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَلَى مِصْرَ، بِخِلَافِ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَلِهَذَا لَمَّا

стр. 5852

وَجَدُوا هَذَا الْكِتَابَ عَلَى خِلَافِ مَا وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَيْهِ، وَظَنُّوا أَنَّهُ مِنْ عُثْمَانَ، أَعْظَمُوا ذَلِكَ، مَعَ مَا هُمْ مُشْتَمَلُونَ عَلَيْهِ مِنَ الشَّرِّ، فَرَجَعُوا إِلَى الْمَدِينَةِ، فَطَافُوا بِهِ عَلَى رُءُوسِ الصَّحَابَةِ، وَأَعَانَهُمْ عَلَى ذَلِكَ قَوْمٌ آخَرُونَ، حَتَّى ظَنَّ بَعْضُ الصَّحَابَةِ أَنَّ هَذَا عَنْ أَمْرِ عُثْمَانَ، ﵁، فَلَمَّا قِيلَ لِعُثْمَانَ، ﵁، فِي أَمْرِ هَذَا الْكِتَابِ بِحَضْرَةِ جَمَاعَةٍ مِنْ أَعْيَانِ الصَّحَابَةِ وَجُمْهُورِ الْمِصْرِيِّينَ، حَلَفَ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ - وَهُوَ الصَّادِقُ الْبَارُّ الرَّاشِدُ - أَنَّهُ لَمْ يَكْتُبْ هَذَا الْكِتَابَ وَلَا أَمَلَاهُ عَلَى مَنْ كَتَبَهُ، وَلَا عِلْمَ بِهِ فَقَالُوا لَهُ: فَإِنَّ عَلَيْهِ خَاتَمَكَ. فَقَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ قَدْ يُزَوَّرُ عَلَى خَطِّهِ وَخَاتَمِهِ. قَالُوا: فَإِنَّهُ مَعَ غُلَامِكَ وَعَلَى جَمَلِكَ. فَقَالَ: وَاللَّهِ لَمْ أَشْعُرْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. فَقَالُوا لَهُ بَعْدَ كُلِّ مَقَالِهِ: إِنْ كُنْتَ قَدْ كَتَبْتَهُ فَقَدْ خُنْتَ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ قَدْ كَتَبْتَهُ بَلْ كُتِبَ عَلَى لِسَانِكَ وَأَنْتَ لَا تَعْلَمُ فَقَدْ عَجَزْتَ، وَمِثْلُكَ لَا يَصْلُحُ لِلْخِلَافَةِ; إِمَّا لِخِيَانَتِكَ، وَإِمَّا لِعَجْزِكَ. وَهَذَا الَّذِي قَالُوا بَاطِلٌ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ، فَإِنَّهُ لَوْ فُرِضَ أَنَّهُ كَتَبَ الْكِتَابَ - وَهُوَ لَمْ يَكْتُبْهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ - لَا يَضُرُّهُ ذَلِكَ; لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ رَأَى ذَلِكَ مَصْلَحَةً لِلْأُمَّةِ فِي إِزَالَةِ شَوْكَةِ هَؤُلَاءِ الْبُغَاةِ الْخَارِجِينَ عَلَى الْإِمَامِ، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ قَدْ عَلِمَ بِهِ فَأَيُّ عَجْزٍ يُنْسَبُ إِلَيْهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ قَدِ اطَّلَعَ عَلَيْهِ وَزُوِّرَ عَلَى لِسَانِهِ؟! وَلَيْسَ هُوَ بِمَعْصُومٍ بَلِ الْخَطَأُ وَالْغَفْلَةُ جَائِزَانِ عَلَيْهِ، ﵁، وَإِنَّمَا هَؤُلَاءِ الْجَهَلَةُ الْبُغَاةُ مُتَعَنِّتُونَ خَوَنَةٌ ظَلَمَةٌ مُفْتَرُونَ، وَلِهَذَا صَمَّمُوا بَعْدَ هَذَا عَلَى حَصْرِهِ وَالتَّضْيِيقِ عَلَيْهِ حَتَّى مَنَعُوهُ الْمِيرَةَ وَالْمَاءَ وَالْخُرُوجَ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَتَهَدَّدُوهُ بِالْقَتْلِ، وَلِهَذَا خَاطَبَهُمْ بِمَا خَاطَبَهُمْ بِهِ مِنْ تَوْسِعَةِ الْمَسْجِدِ وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ مُنِعَ مِنْهُ، وَمِنْ وَقْفِهِ بِئْرَ رُومَةَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ مُنِعَ مَاءَهَا، وَمِنْ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ ، يَقُولُ: لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ; النَّفْسُ بِالنَّفْسِ وَالثَّيِّبُ

стр. 5853

الزَّانِي، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ وَذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْ نَفَسًا، وَلَا ارْتَدَّ بَعْدَ إِيمَانِهِ، وَلَا زَنَى فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ، بَلْ وَلَا مَسَّ فَرْجَهُ بِيَمِينِهِ بَعْدَ أَنْ بَايَعَ بِهَا رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ . وَفِي رِوَايَةٍ بَعْدَ أَنْ كَتَبَ بِهَا الْمُفَصَّلَ. ثُمَّ ذَكَرَ لَهُمْ مِنْ فَضَائِلِهِ وَمَنَاقِبِهِ مَا لَعَلَّهُ يَنْجَعُ فِيهِمْ بِالْكَفِّ عَنْهُ وَالرُّجُوعِ إِلَى الطَّاعَةِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ، فَأَبَوْا إِلَّا الِاسْتِمْرَارَ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْبَغْيِ وَالْعُدْوَانِ. وَمَنَعُوا النَّاسَ مِنَ الدُّخُولِ إِلَيْهِ وَالْخُرُوجِ مِنْ عِنْدِهِ، حَتَّى اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْحَالُ، وَضَاقَ الْمَجَالُ، وَنَفَدَ مَا عِنْدَهُ مِنَ الْمَاءِ، فَاسْتَغَاثَ بِالْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ فَرَكِبَ عَلِيٌّ بِنَفْسِهِ وَحَمَلَ مَعَهُ قِرَبًا مِنَ الْمَاءِ فَبِالْجَهْدِ حَتَّى أَوْصَلَهَا إِلَيْهِ بَعْدَ مَا نَالَهُ مِنْ جَهَلَةِ أُولَئِكَ كَلَامٌ غَلِيظٌ، وَتَنْفِيرٌ لِدَابَّتِهِ، وَإِخْرَاقٌ عَظِيمٌ بَلِيغٌ، وَكَانَ قَدْ زَجَرَهُمْ أَتَمَّ الزَّجْرِ، حَتَّى قَالَ لَهُمْ فِيمَا قَالَ: وَاللَّهِ إِنَّ فَارِسَ وَالرُّومَ لَا يَفْعَلُونَ كَفِعْلِكُمْ هَذَا بِهَذَا الرَّجُلِ، وَاللَّهِ إِنَّهُمْ لِيَأْسِرُونِ فَيُطْعِمُونَ وَيَسْقُونَ. فَأَبَوْا أَنْ يَقْبَلُوا مِنْهُ حَتَّى رَمَى بِعِمَامَتِهِ فِي وَسَطِ الدَّارِ، وَجَاءَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ رَاكِبَةً بَغْلَةً وَحَوْلَهَا حَشَمُهَا وَخَدَمُهَا، فَقَالُوا: مَا جَاءَ بِكِ؟ فَقَالَتْ: إِنْ عِنْدَهُ وَصَايَا بَنِي أُمَيَّةَ لِأَيْتَامٍ وَأَرَامِلَ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُذَكِّرَهُ بِهَا. فَكَذَّبُوهَا فِي ذَلِكَ، وَنَالَهَا مِنْهُمْ شِدَّةٌ عَظِيمَةٌ، وَقَطَعُوا حِزَامَ الْبَغْلَةِ وَنَدَّتْ بِهَا، وَكَادَتْ أَوْ سَقَطَتْ عَنْهَا، وَكَادَتْ تُقْتَلُ لَوْلَا تَلَاحَقَ بِهَا النَّاسُ فَأَمْسَكُوا بِدَابَّتِهَا، وَوَقَعَ أَمْرٌ كَبِيرٌ جِدًّا، وَلَمْ يَبْقَ يَحْصُلُ لِعُثْمَانَ وَأَهْلِهِ مِنَ الْمَاءِ إِلَّا مَا يُوصِلُهُ إِلَيْهِمْ آلُ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ فِي الْخُفْيَةِ لَيْلًا، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.

стр. 5854

وَلَمَّا وَقَعَ هَذَا أَعْظَمَهُ النَّاسُ جِدًّا، وَلَزِمَ أَكْثَرُ النَّاسِ بُيُوتَهُمْ، وَجَاءَ وَقْتُ الْحَجِّ فَخَرَجَتْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ إِلَى الْحَجِّ، فَقِيلَ لَهَا: إِنَّكِ لَوْ أَقَمْتِ كَانَ أَصْلَحَ، لَعَلَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ يَهَابُونَكِ. فَقَالَتْ: إِنِّي أَخْشَى أَنْ أُشِيرَ عَلَيْهِمْ بِرَأْيٍ فَيَنَالَنِي مِنْهُمْ مِنَ الْأَذِيَّةِ مَا نَالَ أُمَّ حَبِيبَةَ. فَعَزَمَتْ عَلَى الْخُرُوجِ. وَاسْتَخْلَفَ عُثْمَانُ، ﵁، فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَلَى الْحَجِّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ مُقَامِي عَلَى بَابِكَ أُجَاحِفُ عَنْكَ أَفْضَلُ مِنَ الْحَجِّ. فَعَزَمَ عَلَيْهِ فَخَرَجَ بِالنَّاسِ إِلَى الْحَجِّ، وَاسْتَمَرَّ الْحِصَارُ بِالدَّارِ حَتَّى مَضَتْ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ وَرَجَعَ الْبَشِيرُ مِنَ الْحَجِّ، فَأَخْبَرَ بِسَلَامَةِ النَّاسِ، وَأَخْبَرَ أُولَئِكَ بِأَنَّ أَهْلَ الْمَوْسِمِ عَازِمُونَ عَلَى الرُّجُوعِ إِلَى الْمَدِينَةِ لِيَكُفُّوكُمْ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. وَبَلَغَهُمْ أَيْضًا أَنَّ مُعَاوِيَةَ قَدْ بَعَثَ جَيْشًا مَعَ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ، وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ قَدْ نَفَّذَ آخَرَ مَعَ مُعَاوِيَةَ بْنِ حُدَيْجٍ، وَأَنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ قَدْ بَعَثُوا الْقَعْقَاعَ بْنَ عَمْرٍو فِي جَيْشٍ، وَأَنَّ أَهْلَ الْبَصْرَةِ بَعَثُوا مُجَاشِعًا فِي جَيْشٍ، فَعِنْدَ ذَلِكَ صَمَّمُوا عَلَى أَمْرِهِمْ وَبَالَغُوا فِيهِ وَانْتَهَزُوا الْفُرْصَةَ بِقِلَّةِ النَّاسِ وَغَيْبَتِهِمْ فِي الْحَجِّ، وَأَحَاطُوا بِالدَّارِ، وَجَدُّوا فِي الْحِصَارِ، وَأَحْرَقُوا الْبَابَ، وَتَسَوَّرُوا مِنَ الدَّارِ الْمُتَاخِمَةِ لِلدَّارِ; كَدَارِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ وَغَيْرِهَا، وَجَاحَفَ النَّاسُ عَنْ عُثْمَانَ أَشَدَّ الْمُجَاحَفَةِ، وَاقْتَتَلُوا عَلَى الْبَابِ قِتَالًا شَدِيدًا، وَتَبَارَزُوا وَتَرَاجَزُوا بِالشِّعْرِ فِي مُبَارَزَتِهِمْ، وَجَعَلَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقُولُ: هَذَا يَوْمٌ طَابَ امْضِرَابُ. وَقُتِلَ طَائِفَةٌ مِنْ

стр. 5855

أَهْلِ الدَّارِ، وَآخَرُونَ مِنْ أُولَئِكَ الْفُجَّارِ، وَجُرِحَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ جِرَاحَاتٍ كَثِيرَةً، وَكَذَلِكَ جُرِحَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، وَمَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ فَقُطِعَ إِحْدَى عِلْبَاوَيْهِ، فَعَاشَ أَوْقَصَ حَتَّى مَاتَ. وَمِنْ أَعْيَانِ مَنْ قُتِلَ مِنْ أَصْحَابِ عُثْمَانَ، زِيَادُ بْنُ نُعَيْمٍ الْفِهْرِيُّ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ الْأَخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ، وَنِيَارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَسْلَمِيُّ، فِي أُنَاسٍ وَقْتَ الْمَعْرَكَةِ. وَيُقَالُ: إِنَّهُ انْهَزَمَ أَصْحَابُ عُثْمَانَ ثُمَّ تَرَاجَعُوا. وَلَمَّا رَأَى عُثْمَانُ ذَلِكَ عَزَمَ عَلَى النَّاسِ لِيَنْصَرِفُوا إِلَى بُيُوتِهِمْ، فَانْصَرَفُوا - كَمَا تَقَدَّمَ - فَلَمْ يَبْقَ عِنْدَهُ أَحَدٌ سِوَى أَهْلِهِ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ مِنَ الْبَابِ وَمِنَ الْجُدْرَانِ، وَفَزِعَ عُثْمَانُ إِلَى الصَّلَاةِ وَافْتَتَحَ سُورَةَ طه - وَكَانَ سَرِيعَ الْقِرَاءَةِ - فَقَرَأَهَا وَالنَّاسُ فِي غَلَبَةٍ عَظِيمَةٍ، قَدِ احْتَرَقَ الْبَابُ وَالسَّقِيفَةُ الَّتِي عِنْدَهُ، وَخَافُوا أَنْ يَصِلَ الْحَرِيقُ إِلَى بَيْتِ الْمَالِ، ثُمَّ فَرَغَ عُثْمَانُ مِنْ صِلَاتِهِ وَجَلَسَ وَبَيْنَ يَدَيْهِ الْمُصْحَفُ، وَجَعَلَ يَتْلُو هَذِهِ الْآيَةَ: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [آلِ عِمْرَانَ: ١٧٣] فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ

стр. 5856

رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: الْمَوْتُ الْأَسْوَدُ. فَخَنَقَهُ خَنْقًا شَدِيدًا حَتَّى غُشِيَ عَلَيْهِ، وَجَعَلَتْ نَفْسُهُ تَتَرَدَّدُ فِي حَلْقِهِ، فَتَرَكَهُ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ قَدْ قَتَلَهُ، ثُمَّ دَخَلَ ابْنُ أَبِي بَكْرٍ فَمَسَكَ بِلِحْيَتِهِ، ثُمَّ نَدِمَ وَخَرَجَ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ آخَرُ وَمَعَهُ سَيْفٌ فَضَرَبَهُ بِهِ فَاتَّقَاهُ بِيَدِهِ فَقَطَعَهَا. فَقِيلَ: إِنَّهُ أَبَانَهَا. وَقِيلَ: بَلْ قَطَعَهَا وَلَمْ يُبِنْهَا. إِلَّا أَنَّ عُثْمَانَ قَالَ: وَاللَّهِ إِنَّهَا لَأَوَّلُ يَدٍ كَتَبَتِ الْمُفَصَّلَ. فَكَانَ أَوَّلُ قَطْرَةِ دَمٍ مِنْهَا سَقَطَتْ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ: فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الْبَقَرَةِ: ١٣٧]. ثُمَّ جَاءَ آخَرُ شَاهِرًا سَيْفَهُ، فَاسْتَقْبَلَتْهُ نَائِلَةُ بِنْتُ الْفَرَافِصَةِ لِتَمْنَعَهُ مِنْهُ، وَأَخَذَتِ السَّيْفَ فَانْتَزَعَهُ مِنْهَا فَقَطَعَ أَصَابِعَهَا، ثُمَّ إِنَّهُ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ، فَوَضَعَ السَّيْفَ فِي بَطْنِهِ فَتَحَامَلَ عَلَيْهِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْ عُثْمَانَ وَأَرْضَاهُ. وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ الْغَافِقِيَّ بْنَ حَرْبٍ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ بَعْدَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ فَضَرَبَهُ بِحَدِيدَةٍ فِي يَدِهِ، وَرَفَسَ الْمُصْحَفَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ بِرِجْلِهِ، فَاسْتَدَارَ الْمُصْحَفُ ثُمَّ اسْتَقَرَّ بَيْنَ يَدَيْ عُثْمَانَ، ﵁، وَسَالَتْ عَلَيْهِ الدِّمَاءُ، ثُمَّ تَقَدَّمَ سُودَانُ بْنُ حُمْرَانَ بِالسَّيْفِ فَمَانَعَتْهُ نَائِلَةُ، فَقَطَعَ أَصَابِعَهَا، فَوَلَّتْ فَضَرَبَ عَجِيزَتَهَا بِيَدِهِ، وَقَالَ: إِنَّهَا لِكَبِيرَةُ الْعَجِيزَةِ. وَضَرَبَ عُثْمَانَ فَقَتَلَهُ، فَجَاءَ غُلَامُ عُثْمَانَ فَضَرَبَ

стр. 5857

سُودَانَ فَقَتَلَهُ، فَضَرَبَ الْغُلَامَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: قُتَيْرَةُ. فَقَتَلَهُ. وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّهُمْ أَرَادُوا حَزَّ رَأْسِهِ بَعْدَ قَتْلِهِ، فَصَاحَ النِّسَاءُ وَضَرَبْنَ وُجُوهَهُنَّ; فِيهِنَّ امْرَأَتَاهُ نَائِلَةُ وَأُمُّ الْبَنِينَ وَبَنَاتُهُ، فَقَالَ ابْنُ عُدَيْسٍ: اتْرُكُوهُ! فَتَرَكُوهُ. ثُمَّ مَالَ هَؤُلَاءِ الْفَجَرَةُ عَلَى مَا فِي الْبَيْتِ فَنَهَبُوهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ نَادَى مُنَادِيهِمْ: أَيَحِلُّ لَنَا دَمُهُ وَلَا يَحِلُّ لَنَا مَالُهُ! فَانْتَهَبُوهُ، ثُمَّ خَرَجُوا فَأَغْلَقُوا الْبَابَ عَلَى عُثْمَانَ وَقَتِيلَيْنِ مَعَهُ، فَلَمَّا خَرَجُوا إِلَى صَحْنِ الدَّارِ وَثَبَ غُلَامٌ لِعُثْمَانَ عَلَى قُتَيْرَةَ فَقَتَلَهُ، وَجَعَلُوا لَا يَمُرُّونَ عَلَى شَيْءٍ إِلَّا أَخَذُوهُ، حَتَّى اسْتَلَبَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: كُلْثُومٌ التُّجِيبِيُّ، مُلَاءَةَ نَائِلَةَ، فَضَرَبَهُ غُلَامٌ لِعُثْمَانَ فَقَتَلَهُ، وَقُتِلَ الْغُلَامُ أَيْضًا، ثُمَّ تَنَادَى الْقَوْمُ: أَنْ أَدْرِكُوا بَيْتَ الْمَالِ لَا تَسْتَبَقُوا إِلَيْهِ. فَسَمِعَهُمْ حَفَظَةُ بَيْتِ الْمَالِ فَقَالُوا: يَا قَوْمُ النَّجَاءَ النَّجَاءَ! فَإِنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ لَمْ يَصْدُقُوا فِيمَا قَالُوا مِنْ أَنَّ قَصْدَهُمْ قِيَامُ الْحَقِّ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا ادَّعَوْا أَنَّهُمْ إِنَّمَا قَامُوا لِأَجْلِهِ، وَكَذَبُوا إِنَّمَا قَصْدُهُمُ الدُّنْيَا. فَانْهَزَمُوا وَجَاءَ الْخَوَارِجُ فَأَخَذُوا مَالَ بَيْتِ الْمَالِ وَكَانَ فِيهِ شَيْءٌ كَثِيرٌ جِدًّا.

стр. 5858

وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ سَهْمِ بْنِ خَنْبَسٍ أَبِي خَنْبَشٍ أَوْ خُنَيْسٍ الْأَزْدِيِّ - وَكَانَ قَدْ شَهِدَ الدَّارَ - وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَائِذٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ الرَّحْبِيِّ، عَنْهُ وَكَانَ قَدِ اسْتَدْعَاهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى دَيْرِ سَمْعَانَ، فَسَأَلَهُ عَنْ مَقْتَلِ عُثْمَانَ، فَذَكَرَ مَا مُلَخَّصُهُ أَنَّ وَفْدَ الْأَشْقِيَاءِ وَهُمْ وَفْدُ مِصْرَ كَانُوا قَدْ قَدِمُوا عَلَى عُثْمَانَ فَأَجَازَهُمْ وَأَرْضَاهُمْ، فَانْصَرَفُوا رَاجِعِينَ، ثُمَّ كَرُّوا إِلَى الْمَدِينَةِ، فَوَافَقُوا عُثْمَانَ قَدْ خَرَجَ لِصَلَاةِ الْغَدَاةِ أَوِ الظُّهْرِ، فَحَصَبُوهُ بِالْحَصَا وَالنِّعَالِ وَالْخِفَافِ، فَانْصَرَفَ إِلَى الدَّارِ وَمَعَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَالزُّبَيْرُ وَابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ وَطَلْحَةُ وَمَرْوَانُ وَالْمُغِيرَةُ بْنُ الْأَخْنَسِ فِي أُنَاسٍ، وَأَطَافَ وَفْدُ مِصْرَ بِدَارِهِ، فَاسْتَشَارَ النَّاسَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّي أُشِيرُ بِإِحْدَى ثَلَاثِ خِصَالٍ; إِمَّا أَنْ تُحْرِمَ بِعُمْرَةٍ فَتَحْرُمَ عَلَيْهِمْ دِمَاؤُنَا، وَإِمَّا أَنْ نَرْكَبَ مَعَكَ إِلَى مُعَاوِيَةَ بِالشَّامِ، وَإِمَّا أَنْ نَخْرُجَ فَنَضْرِبَ بِالسَّيْفِ إِلَى أَنْ يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، فَإِنَّا عَلَى الْحَقِّ وَهُمْ عَلَى الْبَاطِلِ. فَقَالَ عُثْمَانُ: أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنَ الْإِحْرَامِ بِعُمْرَةٍ فَتَحْرُمُ دِمَاؤُنَا فَإِنَّهُمْ يَرَوْنَا حَلَالًا الْآنَ وَحَالَ الْإِحْرَامِ وَبَعْدَ الْإِحْرَامِ، وَأَمَّا الذَّهَابُ إِلَى الشَّامِ فَإِنِّي أَسْتَحْيِي أَنْ أَخْرُجَ مِنْ بَيْنِهِمْ خَائِفًا فَيَرَانِي أَهْلُ الشَّامِ وَتَسْمَعُ الْأَعْدَاءُ مِنَ الْكُفَّارِ ذَلِكَ، وَأَمَّا الْقِتَالُ فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللَّهَ وَلَيْسَ يُهَرَاقُ بِسَبَبِي مِحْجَمَةُ دَمٍ. قَالَ: ثُمَّ صَلَّيْنَا مَعَهُ صَلَاةَ الصُّبْحِ ذَاتَ يَوْمٍ فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ أَتَيَانِي اللَّيْلَةَ

стр. 5859

فَقَالَا لِي: صُمْ يَا عُثْمَانُ فَإِنَّكَ تُفْطِرُ عِنْدَنَا. وَإِنِّي أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَصْبَحْتُ صَائِمًا، وَإِنِّي أَعْزِمُ عَلَى مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الدَّارِ سَالِمًا مَسْلُومًا مِنْهُ. فَقُلْنَا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنْ خَرَجْنَا لَمْ نَأْمَنْ مِنْهُمْ عَلَيْنَا، فَائْذَنْ لَنَا أَنْ نَكُونَ فِي بَيْتٍ مِنَ الدَّارِ تَكُونُ لَنَا فِيهِ جَمَاعَةٌ وَمَنَعَةٌ. ثُمَّ أَمَرَ بِبَابِ الدَّارِ فَفُتِحَ، وَدَعَا بِالْمُصْحَفِ فَأَكَبَّ عَلَيْهِ وَعِنْدَهُ امْرَأَتَاهُ بِنْتُ الْفَرَافِصَةِ الْكَلْبِيَّةُ وَابْنَةُ شَيْبَةَ، فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ فَأَخَذَ بِلِحْيَتِهِ، فَقَالَ: دَعْهَا يَا ابْنَ أَخِي فَوَاللَّهِ لَقَدْ كَانَ أَبُوكَ يَتَلَهَّفُ لَهَا بِأَدْنَى مِنْ هَذَا. فَاسْتَحْيَى فَخَرَجَ فَقَالَ لِلْقَوْمِ: قَدْ أَشْعَرْتُهُ لَكُمْ. وَأَخَذَ عُثْمَانُ مَا امْتُعِطَ مِنْ لِحْيَتِهِ فَأَعْطَاهُ إِحْدَى امْرَأَتَيْهِ، ثُمَّ دَخَلَ رُومَانُ بْنُ سُودَانَ، رَجُلٌ أَزْرَقُ قَصِيرٌ مُخَدَّدٌ، عِدَادُهُ مِنْ مُرَادٍ مَعَهُ جُرْزٌ مِنْ حَدِيدٍ، فَاسْتَقْبَلَهُ فَقَالَ: عَلَى أَيِّ مِلَّةٍ أَنْتَ يَا نَعْثَلُ؟ فَقَالَ عُثْمَانُ: لَسْتُ بِنَعْثَلٍ وَلَكِنِّي عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وَأَنَا عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ. فَقَالَ: كَذَبْتَ. وَضَرَبَهُ بِالْجُرْزِ عَلَى صُدْغِهِ الْأَيْسَرِ فَقَتَلَهُ فَخَرَّ، فَأَدْخَلَتْهُ بِنْتُ الْفَرَافِصَةِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ ثِيَابِهَا - وَكَانَتِ امْرَأَةً جَسِيمَةً ضَلِيعَةً - فَأَلْقَتْ نَفْسَهَا عَلَيْهِ، وَأَلْقَتْ بِنْتَ شَيْبَةَ نَفْسَهَا عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ

стр. 5860

جَسَدِهِ وَدَخَلَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ بِالسَّيْفِ مُصْلَتًا فَقَالَ: وَاللَّهِ لَأَقْطَعَنَّ أَنْفَهُ. فَعَالَجَ الْمَرْأَةَ عَنْهُ، فَغَلَبَتْهُ، فَكَشَفَ عَنْهَا دِرْعَهَا مِنْ خَلْفِهَا حَتَّى نَظَرَ إِلَى مَتْنِهَا، فَلَمَّا لَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ أَدْخَلَ السَّيْفَ بَيْنَ قُرْطِهَا وَمَنْكِبِهَا، فَقَبَضَتْ عَلَى السَّيْفِ فَقَطَعَ أَنَامِلَهَا، فَقَالَتْ يَا رَبَاحُ - لِغُلَامِ عُثْمَانَ أَسْوَدَ - يَا غُلَامُ ادْفَعْ عَنِّي هَذَا الرَّجُلَ. فَمَشَى إِلَيْهِ الْغُلَامُ فَضَرَبَهُ فَقَتَلَهُ، وَخَرَجَ أَهْلُ الْبَيْتِ يُقَاتِلُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، فَقُتِلَ الْمُغِيرَةُ بْنُ الْأَخْنَسِ وَجُرِحَ مَرْوَانُ. قَالَ: فَلَمَّا أَمْسَيْنَا قُلْنَا: إِنْ تَرَكْتُمْ صَاحِبَكُمْ حَتَّى يُصْبِحَ مَثَّلُوا بِهِ. فَاحْتَمَلْنَاهُ إِلَى بَقِيعِ الْغَرْقَدِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، وَغَشِيَنَا سَوَادٌ مِنْ خَلْفِنَا فَهِبْنَاهُمْ وَكِدْنَا أَنْ نَتَفَرَّقَ عَنْهُ، فَنَادَى مُنَادِيهِمْ: أَنْ لَا رَوْعَ عَلَيْكُمْ، اثْبُتُوا إِنَّمَا جِئْنَا لِنَشْهَدَهُ مَعَكُمْ - وَكَانَ أَبُو خُنَيْسٍ يَقُولُ: هُمْ مَلَائِكَةُ اللَّهِ - فَدَفَنَّاهُ ثُمَّ هَرَبْنَا إِلَى الشَّامِ مِنْ لَيْلَتِنَا، فَلَقِينَا الْجَيْشَ بِوَادِي الْقُرَى عَلَيْهِمْ حَبِيبُ بْنُ مَسْلَمَةَ. فَصْلٌ (تَعْلِيقَاتٌ عَلَى مَقْتَلِ عُثْمَانَ ﵁ وَلَمَّا وَقَعَ هَذَا الْأَمْرُ الْعَظِيمُ الْفَظِيعُ الشَّنِيعُ أُسْقِطَ فِي أَيْدِي النَّاسِ،

стр. 5861

فَأَعْظَمُوهُ جِدًّا، وَنَدِمَ أَكْثَرُ هَؤُلَاءِ الْجَهَلَةِ الْخَوَارِجِ عَلَى مَا صَنَعُوا، وَأَشْبَهُوا مَنْ تَقَدَّمَهُمْ مِمَّنْ قَصَّ اللَّهُ عَلَيْنَا خَبَرَهُمْ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ، مِنَ الَّذِينَ عَبَدُوا الْعِجْلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الْأَعْرَافِ: ١٤٩] وَلَمَّا بَلَغَ الزُّبَيْرَ مَقْتَلُ عُثْمَانَ - وَكَانَ قَدْ خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ - قَالَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. ثُمَّ تَرَحَّمَ عَلَى عُثْمَانَ، وَبَلَغَهُ أَنَّ الَّذِينَ قَتَلُوهُ نَدِمُوا فَقَالَ: تَبًّا لَهُمْ. ثُمَّ تَلَا قَوْلَهُ تَعَالَى: مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ [يس: ٤٨، ٤٩]. وَبَلَغَ عَلِيًّا قَتْلُهُ فَتَرَحَّمَ عَلَيْهِ، وَسَمِعَ بِنَدَمِ الَّذِينَ قَتَلُوهُ فَتَلَا قَوْلَهُ تَعَالَى كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ الْآيَةَ [الْحَشْرِ: ١٦]. وَلَمَّا بَلَغَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ قَتْلُ عُثْمَانَ اسْتَغْفَرَ لَهُ، وَتَرَحَّمَ عَلَيْهِ، وَتَلَا فِي حَقِّ الَّذِينَ قَتَلُوهُ: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا [الْكَهْفِ: ١٠٣، ١٠٤]. ثُمَّ قَالَ سَعْدٌ: اللَّهُمَّ أَنْدِمْهُمْ ثُمَّ خُذْهُمْ. وَقَدْ أَقْسَمَ بَعْضُ السَّلَفِ بِاللَّهِ أَنَّهُ مَا مَاتَ أَحَدٌ مِنْ قَتَلَةِ عُثْمَانَ إِلَّا مَقْتُولًا. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَهَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ؛ لِوُجُوهٍ مِنْهَا، دَعْوَةُ سَعْدٍ الْمُسْتَجَابَةُ، كَمَا ثَبَتَ فِي

стр. 5862

الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَا مَاتَ أَحَدٌ مِنْهُمْ حَتَّى جُنَّ. وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: الَّذِي قَتَلَ عُثْمَانَ كِنَانَةُ بْنُ بِشْرِ بْنِ عَتَّابٍ التُّجِيبِيُّ، وَكَانَتِ امْرَأَةُ مَنْظُورِ بْنِ سَيَّارٍ الْفَزَارِيِّ تَقُولُ: خَرَجْنَا إِلَى الْحَجِّ وَمَا عَلِمْنَا لِعُثْمَانَ بِقَتْلٍ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْعَرْجِ سَمِعْنَا رَجُلًا يُغَنِّي تَحْتَ اللَّيْلِ: أَلَا إِنَّ خَيْرَ النَّاسِ بَعْدَ ثَلَاثَةٍ … قَتِيلُ التُّجِيبِيِّ الَّذِي جَاءَ مِنْ مِصْرِ وَلَمَّا رَجَعَ الْحَجِيجُ وَجَدُوا عُثْمَانَ، ﵁، قَدْ قُتِلَ وَبَايَعَ النَّاسُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، ﵁. وَلَمَّا بَلَغَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ أَنَّ عُثْمَانَ قَدْ قُتِلَ، رَجَعْنَ إِلَى مَكَّةَ، فَأَقَمْنَ بِهَا نَحْوًا مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ كَمَا سَيَأْتِي. فَصْلٌ (مُدَّةُ حِصَارِهِ ﵁ كَانَتْ مُدَّةُ حَصْرِ عُثْمَانَ، ﵁، فِي دَارِهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا عَلَى

стр. 5863

الْمَشْهُورِ. وَقِيلَ: كَانَتْ بِضْعًا وَأَرْبَعِينَ يَوْمًا. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: كَانَتْ ثِنْتَيْنِ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً. ثُمَّ كَانَ قَتْلُهُ، ﵁، فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِلَا خِلَافٍ. قَالَ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ عَنْ مَشَايِخِهِ: فِي آخِرِ سَاعَةٍ مِنْهَا. وَنَصَّ عَلَيْهِ مُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيُّ وَآخَرُونَ. وَقَالَ آخَرُونَ: ضَحْوَةً. وَهَذَا أَشْبَهُ. وَكَانَ ذَلِكَ لِثَمَانِيَ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَقِيلَ: فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ، ثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، ثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ يُونُسَ بْنَ يَزِيدَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: قُتِلَ عُثْمَانُ فَزَعَمَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهُ قُتِلَ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ - وَرَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاذٍ، عَنْ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ: قُتِلَ عُثْمَانُ فِي أَوْسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ - وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قُتِلَ يَوْمَ الْجُمْعَةِ لِثَمَانِيَ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ. وَقِيلَ: قُتِلَ يَوْمَ النَّحْرِ. حَكَاهُ

стр. 5864

ابْنُ عَسَاكِرَ. وَيُسْتَشْهَدُ لَهُ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ: ضَحَّوْا بَأَشْمَطَ عُنْوَانُ السُّجُودِ بِهِ … يُقَطِّعُ اللَّيْلَ تَسْبِيحًا وَقُرْآنَا قُلْتُ: وَالْأَوَّلُ هُوَ الْأَشْهَرُ. وَهُوَ أَنَّهُ قُتِلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِثَمَانِ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ، عَلَى الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ. وَقِيلَ: سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ. قَالَهُ مُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيُّ وَطَائِفَةٌ. وَهُوَ غَرِيبٌ. فَكَانَتْ خِلَافَتُهُ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً إِلَّا اثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا; لِأَنَّهُ بُويِعَ لَهُ فِي مُسْتَهَلِّ الْمُحَرَّمِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ. فَأَمَّا عُمُرُهُ، ﵁، فَإِنَّهُ جَاوَزَ الثَّمَانِينَ عَلَى الْمَشْهُورِ. فَقِيلَ: إِحْدَى وَثَمَانِينَ سَنَةً. وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: تُوُفِّيَ عَنْ ثِنْتَيْنِ وَثَمَانِينَ سَنَةً. وَقَالَ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ: وَأَشْهُرٍ. وَقِيلَ: أَرْبَعٌ وَثَمَانِينَ سَنَةً. وَقَالَ

стр. 5865

أَحْمَدُ، عَنْ حَسَنِ بْنِ مُوسَى، حَدَّثَنَا أَبُو هِلَالٍ، عَنْ قَتَادَةَ: تُوُفِّيَ عُثْمَانُ عَنْ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ أَوْ تِسْعِينَ سَنَةً. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: تُوُفِّيَ عَنْ سِتٍّ وَثَمَانِينَ سَنَةً. وَعَنْ هِشَامِ بْنِ الْكَلْبِيِّ: تُوُفِّيَ عَنْ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً. وَهَذَا غَرِيبٌ جِدًّا. وَأَغْرَبُ مِنْهُ مَا رَوَاهُ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ عَنْ مَشَايِخِهِ; وَهُمْ مُحَمَّدٌ وَطَلْحَةُ وَأَبُو عُثْمَانَ وَأَبُو حَارِثَةَ أَنَّهُمْ قَالُوا: قُتِلَ عُثْمَانُ، ﵁ عَنْ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً. وَأَمَّا مَوْضِعُ قَبْرِهِ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ دُفِنَ بِحَشِّ كَوْكَبٍ - شَرْقِيَّ الْبَقِيعِ - وَقَدْ بُنِيَ عَلَيْهِ زَمَانَ بَنِي أُمَيَّةَ قُبَّةٌ عَظِيمَةٌ وَهِيَ بَاقِيَةٌ إِلَى الْيَوْمِ. قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ: بَلَغَنِي أَنَّ عُثْمَانَ، ﵁، كَانَ يَمُرُّ بِمَكَانِ قَبْرِهِ مِنْ حَشِّ كَوْكَبٍ فَيَقُولُ: إِنَّهُ سَيُدْفَنُ هَاهُنَا رَجُلٌ صَالِحٌ وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ عُثْمَانَ، ﵁، بَقِيَ بَعْدَ أَنْ قُتِلَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَا يُدْفَنُ. قُلْتُ: وَكَأَنَّهُ اشْتَغَلَ النَّاسُ عَنْهُ بِمُبَايَعَةِ عَلِيٍّ، ﵁ حَتَّى تَمَّتْ. وَقِيلَ: إِنَّهُ مَكَثَ لَيْلَتَيْنِ. وَقِيلَ: بَلْ دُفِنَ مِنْ لَيْلَتِهِ. ثُمَّ كَانَ دَفْنُهُ مَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعَشَاءِ خِيفَةً مِنَ الْخَوَارِجِ. وَقِيلَ: بَلِ اسْتُؤْذِنَ فِي ذَلِكَ بَعْضُ رُؤَسَائِهِمْ.

стр. 5866

فَخَرَجُوا بِهِ فِي نَفَرٍ قَلِيلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ; مِنْهُمْ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ، وَحُوَيْطِبُ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى، وَأَبُو الْجَهْمِ بْنُ حُذَيْفَةَ، وَنِيَارُ بْنُ مُكْرَمٍ الْأَسْلَمِيُّ، وَجَبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَكَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، وَطَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَنِسَائِهِ; مِنْهُنَّ امْرَأَتَاهُ نَائِلَةُ وَأُمُّ الْبَنِينَ بِنْتُ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ، وَصِبْيَانٌ. وَهَذَا مَجْمُوعٌ مِنْ كَلَامِ الْوَاقِدِيِّ وَسَيْفِ بْنِ عُمَرَ التَّمِيمِيِّ. قَالَ أَحْمَدُ: ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: صَلَّى الزُّبَيْرُ عَلَى عُثْمَانَ وَدَفَنَهُ وَكَانَ أَوْصَى إِلَيْهِ. وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ فَرُّوخَ، عَنْ أَبِيهِ: شَهِدْتُ عُثْمَانَ دُفِنَ فِي ثِيَابِهِ بِدِمَائِهِ وَلَمْ يُغَسَّلْ. وَحَمَلَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ خَدَمِهِ بَعْدَ مَا غَسَّلُوهُ وَكَفَّنُوهُ. وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ لَمْ يُغَسَّلْ وَلَمْ يُكَفَّنْ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ. وَصَلَّى عَلَيْهِ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ. وَقِيلَ: الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ. وَقِيلَ: حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ. وَقِيلَ: مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ. وَقِيلَ: الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ. وَقَدْ عَارَضَهُ بَعْضُ الْخَوَارِجِ وَأَرَادُوا رَجْمَهُ وَإِلْقَاءَهُ عَنْ سَرِيرِهِ،

стр. 5867

وَعَزَمُوا عَلَى أَنْ يُدْفَنَ بِمَقْبَرَةِ الْيَهُودِ بِدَيْرِ سَلْعٍ، حَتَّى بَلَغَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مَنْ نَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ، وَحَمَلَ جِنَازَتَهُ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ، وَأَبُو جَهْمِ بْنُ حُذَيْفَةَ، وَنِيَارُ بْنُ مُكْرَمٍ، وَجُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ. وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّهُ لَمَّا وُضِعَ لِيُصَلَّى عَلَيْهِ - عِنْدَ مُصَلَّى الْجَنَائِزِ - أَرَادَ بَعْضُ الْأَنْصَارِ أَنْ يَمْنَعَهُمْ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ أَبُو جَهْمِ بْنُ حُذَيْفَةَ: ادْفِنُوهُ فَقَدْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَمَلَائِكَتُهُ. ثُمَّ قَالُوا: لَا يُدْفَنُ فِي الْبَقِيعِ، وَلَكِنِ ادْفِنُوهُ وَرَاءَ الْحَائِطِ. فَدَفَنُوهُ شَرْقِيَّ الْبَقِيعِ تَحْتَ نَخَلَاتٍ هُنَاكَ. وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ عُمَيْرُ بْنُ ضَابِئٍ نَزَا عَلَى سَرِيرِهِ وَهُوَ مَوْضُوعٌ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ، فَكَسَرَ ضِلْعًا مِنْ أَضْلَاعِهِ، وَقَالَ: أَحَبَسْتَ ضَابِئًا حَتَّى مَاتَ فِي السِّجْنِ؟ وَقَدْ قَتَلَ الْحَجَّاجُ فِيمَا بَعْدُ عُمَيْرَ بْنَ ضَابِئٍ هَذَا. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي «التَّارِيخِ»: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عِيسَى بْنِ مِنْهَالٍ، ثَنَا غَالِبٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: كُنْتُ أَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ وَإِذَا رَجُلٌ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي. وَمَا أَظُنُّ أَنْ تَغْفِرَ لِي. فَقُلْتُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ مَا سَمِعْتُ أَحَدًا

стр. 5868

يَقُولُ مَا تَقُولُ. قَالَ: كُنْتُ أَعْطَيْتُ اللَّهَ عَهْدًا إِنْ قَدَرْتُ أَنْ أَلْطِمَ وَجْهَ عُثْمَانَ إِلَّا لَطْمَتُهُ، فَلَمَّا قُتِلَ وُضِعَ عَلَى سَرِيرِهِ فِي الْبَيْتِ وَالنَّاسُ يَجِيئُونَ فَيُصَلُّونَ عَلَيْهِ، فَدَخَلْتُ كَأَنِّي أُصَلِّي عَلَيْهِ فَوَجَدْتُ خَلْوَةً فَرَفَعْتُ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ فَلَطَمْتُهُ، وَسَجَّيْتُهُ، وَقَدْ يَبِسَتْ يَمِينِي. قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: فَرَأَيْتُهَا يَابِسَةً كَأَنَّهَا عُودٌ. ثُمَّ خَرَجُوا بِعَبْدَيْ عُثْمَانَ اللَّذَيْنِ قُتِلَا فِي الدَّارِ; وَهُمَا صُبَيْحٌ وَنُجَيْحٌ، ﵄، فَدُفِنَا إِلَى جَانِبِهِ بِحَشِّ كَوْكَبٍ. وَقِيلَ: إِنَّ الْخَوَارِجَ لَمْ يُمَكِّنُوا مِنْ دَفْنِهِمَا، بَلْ جَرُّوهُمَا بِأَرْجُلِهِمَا حَتَّى أَلْقَوْهُمَا بِالْبَلَاطِ فَأَكَلَتْهُمَا الْكِلَابُ. وَقَدِ اعْتَنَى مُعَاوِيَةُ فِي أَيَّامِ إِمَارَتِهِ بِقَبْرِ عُثْمَانَ، وَرَفَعَ الْجِدَارَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَقِيعِ، وَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَدْفِنُوا مَوْتَاهُمْ حَوْلَهُ حَتَّى اتَّصَلَتْ بِمَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ.

стр. 5869

ذِكْرُ صِفَتِهِ، ﵁ كَانَ، ﵁، حَسَنَ الْوَجْهِ، رَقِيقَ الْبَشَرَةِ، كَبِيرَ اللِّحْيَةِ، مُعْتَدِلَ الْقَامَةِ، عَظِيمَ الْكَرَادِيسِ، بَعِيدَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ، كَثِيرَ شَعْرِ الرَّأْسِ، حَسَنَ الثَّغْرِ، فِيهِ سُمْرَةٌ. وَقِيلَ: بَيَاضٌ. وَقِيلَ: كَانَ فِي وَجْهِهِ شَيْءٌ مِنْ آثَارِ الْجُدَرِيِّ، ﵁. وَعَنِ الزُّهْرِيِّ: كَانَ حَسَنَ الْوَجْهِ وَالشَّعْرِ، مَرْبُوعًا، أَضْلَعَ، أَرْوَحَ الرِّجْلَيْنِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: ثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، ثَنَا سَالِمٌ أَبُو جُمَيْعٍ، ثَنَا الْحَسَنُ وَذَكَرَ عُثْمَانَ وَشِدَّةَ حَيَائِهِ فَقَالَ: إِنْ كَانَ لَيَكُونُ فِي الْبَيْتِ وَالْبَابُ عَلَيْهِ مُغْلَقٌ، فَمَا يَضَعُ عَنْهُ الثَّوْبَ لِيُفِيضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ; يَمْنَعُهُ الْحَيَاءُ أَنْ يُقِيمَ صُلْبَهُ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، ثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ: زَعَمَ أَبُو الْمِقْدَامِ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ قَالَ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا أَنَا بِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ

стр. 5870

مُتَوَكِّئٌ عَلَى رِدَائِهِ، فَأَتَاهُ سَقَّاءَانِ يَخْتَصِمَانِ فَقَضَى بَيْنَهُمَا، ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ فَإِذَا رَجُلٌ حَسَنُ الْوَجْهِ، بِوَجْنَتَيْهِ نَكَتَاتُ جُدَرِيٍّ، وَإِذَا شَعْرُهُ قَدْ كَسَا ذِرَاعَيْهِ. وَقَالَ وَاقِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: حَدَّثَنِي مَنْ رَأَى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ضَبَّبَ أَسْنَانَهُ بِالذَّهَبِ. وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ قَالَ: كَانَ لِعُثْمَانَ عِنْدَ خَازِنِهِ يَوْمَ قُتِلَ ثَلَاثُونَ أَلْفَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَخَمْسُمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَخَمْسُونَ وَمِائَةُ أَلْفِ دِينَارٍ، فَانْتُهِبَتْ وَذَهَبَتْ، وَتَرَكَ أَلْفَ بَعِيرٍ بِالرَّبَذَةِ، وَتَرَكَ صَدَقَاتٍ كَانَ تَصَدَّقَ بِهَا; بِبِئْرِ أَرِيسٍ، وَخَيْبَرَ، وَوَادِي الْقُرَى قِيمَةَ مِائَتَيْ أَلْفِ دِينَارٍ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: ثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، ثَنَا أَرْطَاةُ بْنُ الْمُنْذِرِ، ثَنَا أَبُو عَوْنٍ الْأَنْصَارِيُّ أَنَّ عُثْمَانَ قَالَ لِابْنِ مَسْعُودٍ: هَلْ أَنْتَ مُنْتَهٍ عَمَّا بَلَغَنِي عَنْكَ؟

стр. 5871

فَاعْتَذَرَ بَعْضُ الْعُذْرِ. فَقَالَ عُثْمَانُ: إِنِّي قَدْ سَمِعْتُ وَحَفِظْتُ، وَلَيْسَ كَمَا سَمِعْتَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ ، يَقُولُ: «إِنَّهُ سَيُقْتَلُ أَمِيرٌ، وَيَنْتَزِي مُنْتَزٍ». وَإِنِّي أَنَا الْمَقْتُولُ وَلَيْسَ عُمَرُ، إِنَّ عُمَرَ قَتَلَهُ وَاحِدٌ وَإِنَّهُ سَيُجْتَمَعُ عَلَيَّ. وَقَالَ أَحْمَدُ: ثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَهْلَةَ أَنَّ عُثْمَانَ قَالَ يَوْمَ الدَّارِ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ ، عَهِدَ لِي عَهْدًا فَأَنَا صَابِرٌ عَلَيْهِ. قَالَ قَيْسٌ: فَكَانُوا يَرَوْنَهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ. وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ وَكِيعٍ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ بِهِ. وَفِي «مُسْنَدِ أَبِي يَعْلَى»، مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَهْلَةَ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ : «سَتُبْتَلَى بَعْدِي فَلَا تُقَاتِلْ» فَصْلٌ (كَلَامُ الصَّحَابَةِ فِي مَقْتَلِ عُثْمَانَ ﵁ قَالَ الْأَعْمَشُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ قَالَ: أَوَّلُ الْفِتَنِ قَتْلُ عُثْمَانَ، وَآخِرُ الْفِتَنِ الدَّجَّالُ. وَرَوَى الْحَافِظُ بْنُ عَسَاكِرَ، مِنْ طَرِيقِ شَبَابَةَ، عَنْ حَفْصِ بْنِ مُوَرِّقٍ

стр. 5872

الْبَاهِلِيِّ، عَنْ حَجَّاجِ بْنِ أَبِي عُثْمَانَ الصَّوَّافِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ. قَالَ: أَوَّلُ الْفِتَنِ قَتْلُ عُثْمَانَ، وَآخِرُ الْفِتَنِ خُرُوجُ الدَّجَّالِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَمُوتُ رَجُلٌ وَفِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ حُبِّ قَتْلِ عُثْمَانَ إِلَّا تَبِعَ الدَّجَّالَ إِنْ أَدْرَكَهُ وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْهُ آمَنَ بِهِ فِي قَبْرِهِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا وَغَيْرُهُ: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، أَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ الْكِلَابِيُّ، ثَنَا أَبُو الْأَشْهَبِ، حَدَّثَنِي عَوْفٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ قَتْلُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ خَيْرًا فَلَيْسَ لِي فِيهِ نَصِيبٌ، وَإِنْ كَانَ قَتْلُهُ شَرًّا فَأَنَا مِنْهُ بَرِيءٌ، وَاللَّهِ لَئِنْ كَانَ قَتْلُهُ خَيْرًا لَتَحْلُبُنَّهُ لَبَنًا، وَلَئِنْ كَانَ قَتْلُهُ شَرًّا لَتَمْتَصُّنَّ بِهِ دَمًا. وَقَدْ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي «صَحِيحِهِ». طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْهُ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَائِذٍ: ذَكَرَ يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ النَّجْرَانِيُّ أَنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ فِي مَرَضِهِ الَّذِي هَلَكَ فِيهِ، كَانَ عِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ إِخْوَانِهِ وَهُوَ يُنَاجِي امْرَأَتَهُ، فَفَتَحَ عَيْنَيْهِ فَسَأَلَهُمَا فَقَالَا: خَيْرٌ. فَقَالَ:

стр. 5873

إِنَّ شَيْئًا تُسِرَّانِهِ دُونِي مَا هُوَ بِخَيْرٍ. قَالَ: قُتِلَ الرَّجُلُ. يَعْنِي عُثْمَانَ. قَالَ: فَاسْتَرْجَعَ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي كُنْتُ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ بِمَعْزِلٍ، فَإِنْ كَانَ خَيْرًا فَهُوَ لِمَنْ حَضَرَهُ، وَأَنَا مِنْهُ بَرِيءٌ، وَإِنْ كَانَ شَرًّا فَهُوَ لِمَنْ حَضَرَهُ، وَأَنَا مِنْهُ بَرِيءٌ، الْيَوْمَ نَفَرَتِ الْقُلُوبُ بِأَنْفَارِهَا، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي سَبَقَ بِيَ الْفِتَنَ، قَادَتَهَا وَعُلُوجَهَا، الْحَظِيُّ مَنْ تَرَدَّى بَعِيرُهُ، فَشَبِعَ شَحْمَا وَقَلَّ عَمَلُهُ. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ: ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُلَيَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: لَوْ كَانَ قَتْلُ عُثْمَانَ هُدًى، لَاحْتَلَبَتْ بِهِ الْأُمَّةُ لَبَنًا، وَلَكِنَّهُ كَانَ ضَلَالًا، فَاحْتَلَبَتْ بِهِ الْأُمَّةُ دَمًا. وَهَذَا مُنْقَطِعٌ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: أَنَا عَارِمُ بْنُ الْفَضْلِ، أَنَا الصَّعِقُ بْنُ حَزْنٍ، ثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ زَهْدَمٍ الْجَرْمِيِّ قَالَ: خَطَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: لَوْ لَمْ يَطْلُبِ النَّاسُ بِدَمِ عُثْمَانَ لَرُمُوا بِالْحِجَارَةِ مِنَ السَّمَاءِ. وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ عَنْهُ. وَقَالَ الْأَعْمَشُ وَغَيْرُهُ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْأَنْصَارِيِّ

стр. 5874

قَالَ: لَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ جِئْتُ عَلِيًّا وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ فَقُلْتُ لَهُ: قُتِلَ عُثْمَانُ. فَقَالَ: تَبًّا لَهُمْ آخِرَ الدَّهْرِ. وَفِي رِوَايَةٍ: خَيْبَةً لَهُمْ. وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، أَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا وَهُوَ بِبَابِ الْمَسْجِدِ، أَوْ عِنْدَ أَحْجَارِ الزَّيْتِ رَافِعًا صَوْتَهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِنْ دَمِ عُثْمَانَ. وَقَالَ أَبُو هِلَالٍ: عَنْ قَتَادَةَ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قُتِلَ عُثْمَانُ وَعَلِيٌّ غَائِبٌ فِي أَرْضٍ لَهُ، فَلَمَّا بَلَغَهُ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي لَمْ أَرْضَ وَلَمْ أُمَالِئْ. وَرَوَى الرَّبِيعُ بْنُ بَدْرٍ عَنْ سَيَّارِ بْنِ سَلَامَةَ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ أَنَّ عَلِيًّا دَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ، فَوَقَعَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ يَبْكِي حَتَّى ظَنُّوا أَنَّهُ سَيَلْحَقُ بِهِ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ طَاوُسٍ. ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ يَوْمَ قُتِلَ عُثْمَانُ: وَاللَّهِ مَا قَتَلْتُ، وَلَا أَمَرْتُ، وَلَكِنِّي غُلِبْتُ. وَرَوَاهُ غَيْرُ لَيْثٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَهُ. وَقَالَ حَبِيبُ بْنُ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: إِنْ شَاءَ النَّاسُ حَلَفْتُ لَهُمْ عِنْدَ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ بِاللَّهِ، مَا قَتَلْتُ عُثْمَانَ، وَلَا أَمَرْتُ بِقَتْلِهِ، وَلَقَدْ نَهَيْتُهُمْ فَعَصَوْنِي. وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ عَلِيٍّ بِنَحْوِهِ.

стр. 5875

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ الْكُدَيْمِيُّ: ثَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَوْمَ الْجَمَلِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِنْ دَمِ عُثْمَانَ، وَلَقَدْ طَاشَ عَقْلِي يَوْمَ قُتِلَ عُثْمَانُ، وَأَنْكَرْتُ نَفْسِي وَجَاءُونِي لِلْبَيْعَةِ فَقُلْتُ: وَاللَّهِ إِنِّي لِأَسْتَحْيِي مِنَ اللَّهِ أَنْ أُبَايِعَ قَوْمًا قَتَلُوا رَجُلًا قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ : أَلَا أَسْتَحْيِي مِمَّنْ تَسْتَحْيِي مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ. وَإِنِّي لِأَسْتَحْيِي مِنَ اللَّهِ أَنْ أُبَايِعَ وَعُثْمَانُ قَتِيلٌ عَلَى الْأَرْضِ لَمْ يُدْفَنْ بَعْدُ. فَانْصَرَفُوا، فَلَمَّا دُفِنَ رَجَعَ النَّاسُ يَسْأَلُونِي الْبَيْعَةَ فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ إِنِّي لَمُشْفِقٌ مِمَّا أُقْدِمُ عَلَيْهِ، ثُمَّ جَاءَتْ عَزْمَةٌ فَبَايَعْتُ، فَلَمَّا قَالُوا: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، فَكَأَنَّمَا صُدِعَ قَلْبِي وَانْسَكَبْتُ بِعَبْرَةٍ. وَقَدِ اعْتَنَى الْحَافِظُ الْكَبِيرُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَسَاكِرَ بِجَمْعِ الطُّرُقِ الْوَارِدَةِ عَنْ عَلِيٍّ، أَنَّهُ تَبَرَّأَ مِنْ دَمِ عُثْمَانَ، وَكَانَ يُقْسِمُ عَلَى ذَلِكَ فِي خُطَبِهِ وَغَيْرِهَا أَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْهُ، وَلَا أَمَرَ بِقَتْلِهِ، وَلَا مَالَأَ، وَلَا رَضِيَ بِهِ، وَلَقَدْ نَهَى عَنْهُ فَلَمْ يَسْمَعُوا مِنْهُ. ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْهُ مِنْ طُرُقٍ تُفِيدُ الْقَطْعَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ. وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَثَبَتَ عَنْهُ أَيْضًا مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنِّي لَأَرْجُوَ أَنْ أَكُونَ أَنَا وَعُثْمَانُ مِمَّنْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ

стр. 5876

[الْحِجْرِ: ٤٧]. وَثَبَتَ عَنْهُ أَيْضًا مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا، ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا. وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ عُثْمَانُ، ﵁، خَيْرَنَا، وَأَوْصَلَنَا لِلرَّحِمِ، وَأَشَدَّنَا حَيَاءً، وَأَحْسَنَنَا طُهُورًا، وَأَتْقَانَا لِلرَّبِّ، . وَرَوَى يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ مَجَالِدٍ، عَنْ عُمَيْرِ بْنِ زَوْذِيٍّ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: خَطَبَ عَلِيٌّ فَقَطَعَ الْخَوَارِجُ عَلَيْهِ خُطْبَتَهُ، فَنَزَلَ فَقَالَ: إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ عُثْمَانَ كَمَثَلِ أَثْوَارٍ ثَلَاثَةٍ; أَحْمَرَ وَأَبْيَضَ وَأَسْوَدَ، وَمَعَهُمْ فِي أَجَمَةٍ أَسَدٌ، فَكَانَ كُلَّمَا أَرَادَ قَتْلَ أَحَدِهِمْ مَنَعَهُ الْآخَرَانِ، فَقَالَ لِلْأَسْوَدِ وَالْأَحْمَرِ: إِنَّ هَذَا الْأَبْيَضَ قَدْ فَضَحَنَا فِي هَذِهِ الْأَجَمَةِ فَخَلِّيَا عَنْهُ حَتَّى آكُلَهُ. فَخَلَّيَا عَنْهُ فَأَكَلَهُ، ثُمَّ كَانَ كُلَّمَا أَرَادَ أَحَدَهُمَا مَنَعَهُ الْآخَرُ، فَقَالَ لِلْأَحْمَرِ: إِنَّ هَذَا الْأَسْوَدَ قَدْ فَضَحَنَا فِي هَذِهِ الْأَجَمَةِ، وَإِنَّ لَوْنِي عَلَى لَوْنِكَ، فَلَوْ خَلَّيْتَ عَنْهُ أَكَلْتُهُ. فَخَلَّى عَنْهُ الْأَحْمَرُ فَأَكَلَهُ، ثُمَّ قَالَ لِلْأَحْمَرِ: إِنِّي آكِلُكَ. فَقَالَ: دَعْنِي حَتَّى أَصِيحَ ثَلَاثَ صَيْحَاتٍ. فَقَالَ: دُونَكَ. فَقَالَ: أَلَا إِنِّي إِنَّمَا أُكِلْتُ يَوْمَ أُكِلَ الْأَبْيَضُ. ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ عَلِيٌّ: وَإِنَّمَا أَنَا وَهَنْتُ يَوْمَ قُتِلَ عُثْمَانُ. قَالَهَا ثَلَاثًا.

стр. 5877

وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ، مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ الْحَضْرَمِيِّ، عَنْ سَوَّارِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَنْبَرِيِّ الْقَاضِي، عَنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَجِيءُ فِي زَمَانِ عُثْمَانَ إِلَى بَيْتِ الْمَالِ، فَتَحْمِلُ وِقْرَهَا وَتَقُولُ: اللَّهُمَّ بَدِّلْ، اللَّهُمَّ غَيِّرْ. فَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ حِينَ قُتِلَ عُثْمَانُ، ﵁: قُلْتُمُ بَدِّلْ فَقَدْ بَدَّلَكُمْ … سَنَةً حَرَّى وَحَرْبًا كَاللَّهَبْ مَا نَقِمْتُمْ مِنْ ثِيَابٍ خِلْفَةٍ … وَعَبِيدٍ وَإِمَاءٍ وَذَهَبْ قَالَ: وَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ أَخُو بَنِي سَاعِدَةَ - وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا، وَكَانَ فِي مَنْ جَانَبَ عُثْمَانَ - فَلَمَّا قُتِلَ قَالَ: وَاللَّهِ مَا أَرَدْنَا قَتْلَهُ، وَلَا كُنَّا نَرَى أَنْ يَبْلُغَ مِنْهُ الْقَتْلَ، اللَّهُمَّ إِنَّ لَكَ عَلَيَّ أَنْ لَا أَفْعَلَ كَذَا وَكَذَا، وَلَا أَضْحَكَ حَتَّى أَلْقَاكَ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، أَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَإِنَّ عُمَرَ مُوثِقِي وَأُخْتَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَلَوِ ارْفَضَّ أُحُدٌ فِيمَا صَنَعْتُمْ بِابْنِ عَفَّانَ،

стр. 5878

لَكَانَ حَقِيقًا. وَهَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي «صَحِيحِهِ». وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عَائِذٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: سَمِعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ رَجُلًا يَقُولُ لِآخَرَ: قُتِلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، فَلَمْ يَنْتَطِحُ فِيهِ عَنْزَانِ. فَقَالَ ابْنُ سَلَامٍ: أَجَلْ إِنَّ الْبَقَرَ وَالْمَعْزَ لَا تَنْتَطِحُ فِي قَتْلِ الْخَلِيفَةِ، وَلَكِنْ تَنْتَطِحُ فِيهِ الرِّجَالُ بِالسِّلَاحِ، وَاللَّهِ لَيُقْتَلَنَّ بِهِ أَقْوَامٌ، إِنَّهُمْ لَفِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ مَا وُلِدُوا بَعْدُ. وَقَالَ لَيْثٌ عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ سَلَامٍ: يُحَكَّمُ عُثْمَانُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الْقَاتِلِ وَالْخَاذِلِ. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَحَامِلِيُّ: ثَنَا أَبُو الْأَشْعَثِ، ثَنَا حَزْمُ بْنُ أَبِي حَزْمٍ، سَمِعْتُ أَبَا الْأَسْوَدِ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرَةَ يَقُولُ: لَأَنْ أَخِرَّ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُشْرَكَ فِي دَمِ عُثْمَانَ. وَقَالَ أَبُو يَعْلَى: ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَرْعَرَةَ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ الْهُنَائِيُّ، ثَنَا الْبَرَاءُ بْنُ أَبِي فَضَالَةَ، ثَنَا الْحَضْرَمِيُّ، عَنْ أَبِي مَرْيَمَ رَضِيعِ

стр. 5879

الْجَارُودِ قَالَ: كُنْتُ بِالْكُوفَةِ فَقَامَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ خَطِيبًا فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، رَأَيْتُ الْبَارِحَةَ فِي مَنَامِي عَجَبًا; رَأَيْتُ الرَّبَّ ﵎ فَوْقَ عَرْشِهِ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ ، حَتَّى قَامَ عِنْدَ قَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ الْعَرْشِ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى مَنْكِبِ النَّبِيِّ، ﷺ ، ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى مَنْكِبِ أَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ جَاءَ عُثْمَانُ فَكَانَ نُبْذَةً، فَقَالَ: رَبِّ سَلْ عِبَادَكَ فِيمَ قَتَلُونِي؟ فَانْبَعَثَ مِنَ السَّمَاءِ مِيزَابَانِ مِنْ دَمٍ فِي الْأَرْضِ. قَالَ: فَقِيلَ لِعَلِيٍّ: أَلَا تَرَى مَا يُحَدِّثُ بِهِ الْحَسَنُ؟ فَقَالَ: حَدَّثَ بِمَا رَأَى. وَرَوَاهُ أَبُو يَعْلَى أَيْضًا، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ وَكِيعٍ، عَنْ جُمَيْعِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُجَالِدٍ، عَنْ طُحْرُبٍ الْعِجْلِيِّ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ يَقُولُ: مَا كُنْتُ لِأُقَاتِلَ بَعْدَ رُؤْيَا رَأَيْتُهَا; رَأَيْتُ الْعَرْشَ، وَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ ، مُتَعَلِّقًا بِالْعَرْشِ، وَرَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ وَاضِعًا يَدَهُ عَلَى مَنْكِبِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ ، وَكَانَ عُمَرُ وَاضِعًا يَدَهُ عَلَى مَنْكِبِ أَبِي بَكْرٍ، وَرَأَيْتُ عُثْمَانَ وَاضِعًا يَدَهُ عَلَى مَنْكِبِ

стр. 5880

عُمَرَ، وَرَأَيْتُ دَمًا دُونَهُمْ فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ فَقِيلَ: هَذَا دَمُ عُثْمَانَ يَطْلُبُ اللَّهَ بِهِ. وَقَالَ مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: ثَنَا سَلَّامُ بْنُ مِسْكِينٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ شَبِيبٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ صُوحَانَ أَنَّهُ قَالَ يَوْمَ قُتِلَ عُثْمَانُ: نَفَرَتِ الْقُلُوبُ مَنَافِرَهَا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا تَتَآلَفُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: مُصْتُمُوهُ مَوْصَ الْإِنَاءِ ثُمَّ قَتَلْتُمُوهُ. وَقَالَ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ: ثَنَا أَبُو قُتَيْبَةَ، ثَنَا يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ: قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: غَضِبْتُ لَكُمْ مِنَ السَّوْطِ وَلَا أَغْضَبُ لِعُثْمَانَ مِنَ السَّيْفِ! اسْتَعْتَبْتُمُوهُ حَتَّى إِذَا تَرَكْتُمُوهُ كَالْقَلْبِ الْمُصَفَّى قَتَلْتُمُوهُ. وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ خَيْثَمَةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ حِينَ قُتِلَ عُثْمَانُ: تَرَكْتُمُوهُ كَالثَّوْبِ النَّقِيِّ مِنَ الدَّنَسِ ثُمَّ قَتَلْتُمُوهُ. وَفِي

стр. 5881

رِوَايَةٍ: ثُمَّ قَرَّبْتُمُوهُ فَذَبَحْتُمُوهُ كَمَا يُذْبَحُ الْكَبْشُ. فَقَالَ لَهَا مَسْرُوقٌ: هَذَا عَمَلُكِ، أَنْتِ كَتَبْتِ إِلَى النَّاسِ تَأْمُرِينَهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا إِلَيْهِ. فَقَالَتْ: لَا وَالَّذِي آمَنَ بِهِ الْمُؤْمِنُونَ، وَكَفَرَ بِهِ الْكَافِرُونَ، مَا كَتَبْتُ إِلَيْهِمْ سَوْدَاءَ فِي بَيْضَاءَ حَتَّى جَلَسْتُ مَجْلِسِي هَذَا. قَالَ الْأَعْمَشُ: فَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ كُتِبَ عَلَى لِسَانِهَا. وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ إِلَيْهَا. وَفِي هَذَا وَأَمْثَالِهِ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى أَنَّ هَؤُلَاءِ الْخَوَارِجَ، قَبَّحَهُمُ اللَّهُ، زَوَّرُوا كُتُبًا عَلَى لِسَانِ الصَّحَابَةِ إِلَى الْآفَاقِ، يُحَرِّضُونَهُمْ عَلَى قِتَالِ عُثْمَانَ، كَمَا قَدَّمْنَا بَيَانَهُ. وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا حَزْمٌ الْقُطَعِيُّ، ثَنَا أَبُو الْأَسْوَدِ بْنُ سَوَادَةَ، أَخْبَرَنِي طَلْقُ بْنُ خُشَّافٍ. قَالَ: قُتِلَ عُثْمَانُ فَتَفَرَّقْنَا فِي أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ، ﷺ ، نَسْأَلُهُمْ عَنْ قَتْلِهِ، فَسَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: قُتِلَ مَظْلُومًا لَعَنَ اللَّهُ قَتَلَتَهُ. وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ثُمَامَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ لَمَّا سَمِعَتْ بِقَتْلِ عُثْمَانَ: ﵀، أَمَا إِنَّهُمْ لَنْ

стр. 5882

يَحْتَلِبُوا بَعْدَهُ إِلَّا دَمًا. وَأَمَّا كَلَامُ أَئِمَّةِ التَّابِعِينَ فِي هَذَا الْفَصْلِ فَكَثِيرٌ جِدًّا يَطُولُ ذِكْرُنَا لَهُ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ أَبِي مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيِّ حِينَ رَأَى الْوَفْدَ الَّذِينَ قَدِمُوا مِنْ قَتْلِهِ: أَمَا مَرَرْتُمْ بِبِلَادِ ثَمُودَ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكُمْ مِثْلُهُمْ، لَخَلِيفَةُ اللَّهِ أَكْرَمُ عَلَيْهِ مِنْ نَاقَتِهِ. وَقَالَ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: لَوْ كَانَ قَتْلُ عُثْمَانَ هُدًى لَاحْتَلَبَتْ بِهِ الْأُمَّةُ لَبَنًا، وَلَكِنَّهُ كَانَ ضَلَالًا فَاحْتَلَبَتْ بِهِ الْأُمَّةُ دَمًا. وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الْبَاقِرُ: كَانَ قَتْلُ عُثْمَانَ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْحَقِّ ذِكْرُ بَعْضِ مَا رُثِيَ بِهِ، ﵁ قَالَ مَجَالِدٌ عَنِ الشَّعْبِيِّ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَرَاثِي عُثْمَانَ أَحْسَنَ مِنْ قَوْلِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ: فَكَفَّ يَدَيْهِ ثُمَّ أَغْلَقَ بَابَهُ … وَأَيْقَنَ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِغَافِلِ وَقَالَ لِأَهْلِ الدَّارِ لَا تَقْتُلُوهُمُ … عَفَا اللَّهُ عَنْ كُلِّ امْرِئٍ لَمْ يُقَاتِلِ فَكَيْفَ رَأَيْتَ اللَّهَ صَبَّ عَلَيْهِمُ … الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ بَعْدَ التَّوَاصُلِ

стр. 5883

. وَكَيْفَ رَأَيْتَ الْخَيْرَ أَدْبَرَ بَعْدَهُ عَنِ النَّاسِ إِدْبَارَ النَّعَامِ الْجَوَافِلِ وَقَدْ نَسَبَ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ إِلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ الْأَخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ. وَقَالَ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ: وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ: مَاذَا أَرَدْتُمْ مِنْ أَخِي الدِّينِ بَارَكَتْ … يَدُ اللَّهِ فِي ذَاكَ الْأَدِيمِ الْمُقَدَّدِ قَتَلْتُمْ وَلِيَّ اللَّهِ فِي جَوْفِ دَارِهِ … وَجِئْتُمْ بِأَمْرٍ جَائِرٍ غَيْرَ مُهْتَدِ فَهَلَّا رَعَيْتُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ بَيْنَكُمْ … وَأَوْفَيْتُمُ بِالْعَهْدِ عَهْدِ مُحَمَّدِ أَلَمْ يَكُ فِيكُمْ ذَا بَلَاءٍ وَمَصْدَقٍ … وَأَوْفَاكُمُ قِدْمًا لَدَى كُلِّ مَشْهَدِ فَلَا ظَفِرَتْ أَيْمَانُ قَوْمٍ تَبَايَعُوا … عَلَى قَتْلِ عُثْمَانَ الرَّشِيدِ الْمُسَدَّدِ وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ، ﵁: مَنْ سَرَّهُ الْمَوْتُ صِرْفًا لَا مِزَاجَ لَهُ … فَلْيَأْتِ مَأْسَدَةً فِي دَارِ عُثْمَانَا

стр. 5884

مُسْتَشْعِرِي حَلَقَ الْمَاذِيِّ قَدْ شُفِعَتْ … قَبْلَ الْمَخَاطِمِ بَيْضٌ زَانَ أَبْدَانَا ضَحَّوْا بَأَشْمَطَ عُنْوَانُ السُّجُودِ بِهِ … يُقَطِّعُ اللَّيْلَ تَسْبِيحًا وُقُرْآنَا صَبْرًا فِدًى لَكُمُ أُمِّي وَمَا وَلَدَتْ … قَدْ يَنْفَعُ الصَّبْرُ فِي الْمَكْرُوهِ أَحْيَانَا فَقَدْ رَضِينَا بَأَرْضِ الشَّامِ نَافِرَةً … وَبِالْأَمِيرِ وَبِالْإِخْوَانِ إِخْوَانَا إِنِّي لَمِنْهُمْ وَإِنْ غَابُوا وَإِنْ شَهِدُوا … مَا دُمْتُ حَيًّا وَمَا سُمِّيتُ حَسَّانَا لَتَسْمَعُنَ وَشِيكًا فِي دِيَارِهِمُ … اللَّهُ أَكْبَرُ يَا ثَارَاتِ عُثْمَانَا يَا لَيْتَ شِعْرِي وَلَيْتَ الطَّيْرَ تُخْبِرُنِي … مَا كَانَ شَأْنُ عَلِيٍّ وَابْنِ عَفَّانَا وَقَالَ رَاعِي الْإِبِلِ النُّمَيْرِيُّ فِي عُثْمَانَ:

стр. 5885

عَشِيَّةَ يَدْخُلُونَ بِغَيْرِ إِذْنٍ … عَلَى مُتَوَكِّلٍ أَوْفَى وَطَابَا خَلِيلُ مُحَمِّدٍ وَوَزِيرُ صِدْقٍ … وَرَابِعُ خَيْرِ مَنْ وَطِئِ التُّرَابَا فَصْلٌ (كَيْفِيَّةُ قَتْلِ عُثْمَانَ بِالْمَدِينَةِ وَبِهَا جَمَاعَةٌ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ) إِنْ قَالَ قَائِلٌ: كَيْفَ وَقَعَ قَتْلُ عُثْمَانَ، ﵁، بِالْمَدِينَةِ وَفِيهَا جَمَاعَةٌ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ، ﵃؟ فَجَوَابُهُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا، أَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ، بَلْ أَكْثَرُهُمْ أَوْ كُلُّهُمْ، لَمْ يَكُنْ يَظُنُّ أَنَّهُ يَبْلُغُ الْأَمْرُ إِلَى قَتْلِهِ، فَإِنَّ أُولَئِكَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَكُونُوا يُحَاوِلُونَ قَتْلَهُ عَيْنًا، بَلْ طَلَبُوا مِنْهُ أَحَدَ أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ; إِمَّا أَنْ يَعْزِلَ نَفْسَهُ، أَوْ يُسَلِّمَ إِلَيْهِمْ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ، أَوْ يَقْتُلُوهُ، فَكَانُوا يَرْجُونَ أَنْ يُسَلِّمَ إِلَى النَّاسِ مَرْوَانَ، أَوْ أَنْ يَعْزِلَ نَفْسَهُ وَيَسْتَرِيحَ مِنْ هَذِهِ الضَّائِقَةِ الشَّدِيدَةِ. وَأَمَّا الْقَتْلُ فَمَا كَانَ يَظُنُّ أَحَدٌ أَنَّهُ يَقَعُ، وَلَا أَنَّ هَؤُلَاءِ يَجْتَرِئُونَ عَلَيْهِ إِلَى مَا هَذَا حَدُّهُ، حَتَّى وَقَعَ مَا وَقَعَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الثَّانِي، أَنَّ الصَّحَابَةَ مَانَعُوا دُونَهُ أَشَدَّ الْمُمَانَعَةِ، وَلَكِنْ لَمَّا وَقَعَ التَّضْيِيقُ الشَّدِيدُ عَزَمَ عُثْمَانُ عَلَى النَّاسِ أَنَّ يَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ وَيُغْمِدُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَفَعَلُوا، فَتَمَكَّنَ أُولَئِكَ مِمَّا أَرَادُوا، وَمَعَ هَذَا مَا ظَنَّ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ أَنَّهُ يُقْتَلُ بِالْكُلِّيَّةِ. الثَّالِثُ، أَنَّ هَؤُلَاءِ الْخَوَارِجَ لَمَّا اغْتَنَمُوا غَيْبَةَ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي أَيَّامِ الْحَجِّ، وَلَمْ تَقْدِمِ الْجُيُوشُ مِنَ الْآفَاقِ لِلنُّصْرَةِ، بَلْ لَمَّا اقْتَرَبَ مَجِيئُهُمْ، انْتَهَزُوا فُرْصَتَهُمْ، قَبَّحَهُمُ اللَّهُ، وَصَنَعُوا مَا صَنَعُوا مِنَ الْأَمْرِ الْعَظِيمِ. الرَّابِعُ، أَنَّ هَؤُلَاءِ الْخَوَارِجُ كَانُوا قَرِيبًا مِنْ أَلْفَيْ مُقَاتِلٍ مِنَ الْأَبْطَالِ، وَرُبَّمَا لَمْ
следующие страницы →