Полный текст (13 161 стр.). Показаны 5916–5955 · переход к 5921.
стр. 5916
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ - حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ - أَنَا كَهْمَسُ بْنُ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، حَدَّثَنِي هَرِمُ بْنُ الْحَارِثِ وَأُسَامَةُ بْنُ خُرَيْمٍ - وَكَانَا يُغَازِيَانِ - فَحَدَّثَانِي حَدِيثًا وَلَمْ يَشْعُرْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّ صَاحِبَهُ حَدَّثَنِيهِ، عَنْ مُرَّةَ الْبَهْزِيِّ، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ ، فِي طَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ الْمَدِينَةِ فَقَالَ: «كَيْفَ تَصْنَعُونَ فِي فِتْنَةٍ تَثُورُ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ كَأَنَّهَا صَيَاصِي بَقَرٍ؟» قَالُوا: نَصْنَعُ مَاذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «عَلَيْكُمْ هَذَا وَأَصْحَابَهُ» - أَوْ «اتَّبِعُوا هَذَا وَأَصْحَابَهُ» - قَالَ: فَأَسْرَعْتُ حَتَّى عَيِيتُ فَأَدْرَكْتُ الرَّجُلَ فَقُلْتُ: هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «هَذَا». فَإِذَا هُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، فَقَالَ: «هَذَا وَأَصْحَابُهُ». فَذَكَرَهُ.
طَرِيقٌ أُخْرَى: وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي «جَامِعِهِ»: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، ثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، ثَنَا أَيُّوبُ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي الْأَشْعَثِ الصَّنْعَانِيِّ أَنَّ خُطَبَاءَ قَامَتْ بِالشَّامِ، وَفِيهِمْ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ، ﷺ ، فَقَامَ آخِرُهُمْ; رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: مُرَّةُ بْنُ كَعْبٍ. فَقَالَ: لَوْلَا حَدِيثٌ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ ، مَا تَكَلَّمْتُ، وَذَكَرَ الْفِتَنَ فَقَرَّبَهَا، فَمَرَّ رَجُلٌ مُقَنَّعٌ فِي ثَوْبٍ، فَقَالَ:
стр. 5917
«هَذَا يَوْمَئِذٍ عَلَى الْهُدَى». فَقُمْتُ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، فَأَقْبَلْتُ عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ فَقُلْتُ: هَذَا؟ قَالَ «نَعَمْ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوَالَةَ وَكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ. قُلْتُ: وَقَدْ رَوَاهُ أَسَدُ بْنُ مُوسَى، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ الْبَهْزِيِّ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ مُعَاوِيَةَ، عَنْ صَالِحٍ، عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ كَعْبِ بْنِ مُرَّةَ الْبَهْزِيِّ، وَالصَّحِيحُ مُرَّةُ بْنُ كَعْبٍ، كَمَا تَقَدَّمَ.
وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ حَوَالَةَ، فَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوَالَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ : «كَيْفَ أَنْتَ وَفِتْنَةٌ تَكُونُ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ؟». قُلْتُ: مَا خَارَ اللَّهُ لِي وَرَسُولُهُ. قَالَ: «اتَّبِعْ هَذَا الرَّجُلَ، فَإِنَّهُ يَوْمَئِذٍ وَمَنِ اتَّبَعَهُ عَلَى الْحَقِّ». قَالَ: فَأَتْبَعْتُهُ فَأَخَذْتُ بِمَنْكِبِهِ فَلَفَتُّهُ، فَقُلْتُ: هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: «نَعَمْ». فَإِذَا هُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ،
стр. 5918
وَقَالَ حَرْمَلَةُ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ لَقِيطٍ، عَنِ ابْنِ حَوَالَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ : ثَلَاثٌ مَنْ نَجَا مِنْهُنَّ فَقَدْ نَجَا; مَوْتِي، وَخُرُوجُ الدَّجَّالِ، وَقَتْلُ خَلِيفَةٍ مُصْطَبِرٍ قَوَّامٍ بِالْحَقِّ يُعْطِيهِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، فَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ الرَّازِيُّ، أَخْبَرَنِي مُغِيرَةُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ ، فِتْنَةً فَقَرَّبَهَا وَعَظَّمَهَا. قَالَ: ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ مُقَنَّعٌ فِي مِلْحَفَةٍ، فَقَالَ: «هَذَا يَوْمَئِذٍ عَلَى الْحَقِّ». فَانْطَلَقْتُ مُسْرِعًا - أَوْ قَالَ: مُحْضِرًا - وَأَخَذْتُ بِضَبْعَيْهِ، فَقُلْتُ: هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «هَذَا». فَإِذَا هُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ.
ثُمَّ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ.
وَرَوَاهُ أَبُو يَعْلَى، عَنْ هُدْبَةَ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ
стр. 5919
سِيرِينَ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ.
وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ
وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ أَبِي ثَوْرٍ الْفَهْمِيِّ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ فِي الْخُطْبَةِ الَّتِي خَاطَبَ بِهَا النَّاسَ مِنْ دَارِهِ: وَاللَّهِ مَا تَعَتَّيْتُ وَلَا تَمَنَّيْتُ، وَلَا زَنَيْتُ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ، وَلَا مَسَسْتُ فَرْجِي بِيَمِينِي مُنْذُ بَايَعْتُ بِهَا رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ . وَأَنَّهُ كَانَ يُعْتِقُ كُلَّ يَوْمِ جُمُعَةٍ عَتِيقًا، فَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ أَعْتَقَ فِي الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى عَتِيقَيْنِ. وَقَالَ مَوْلَاهُ حُمْرَانُ: كَانَ عُثْمَانُ يَغْتَسِلُ كُلَّ يَوْمٍ مُنْذُ أَسْلَمَ، ﵁.
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ، ثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، أَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ وَهُوَ مَحْصُورٌ، فَقَالَ: إِنَّكَ إِمَامُ الْعَامَّةِ، وَقَدْ نَزَلَ بِكَ مَا تَرَى، وَإِنِّي أَعْرِضُ عَلَيْكَ خِصَالًا ثَلَاثًا اخْتَرْ إِحْدَاهُنَّ; إِمَّا أَنْ تَخْرُجَ فَتَقَاتِلَهُمْ، فَإِنَّ مَعَكَ عَدَدًا وَقُوَّةً وَأَنْتَ عَلَى الْحَقِّ وَهُمْ عَلَى الْبَاطِلِ، وَإِمَّا أَنْ تَخْرِقَ بَابًا سِوَى الْبَابِ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ فَتَقْعُدَ عَلَى رَوَاحِلِكَ فَتَلْحَقَ بِمَكَّةَ، فَإِنَّهُمْ لَنْ يَسْتَحِلُّوكَ وَأَنْتَ بِهَا، وَإِمَّا أَنْ تَلْحَقَ بِالشَّامِ، فَإِنَّهُمْ أَهْلُ الشَّامِ وَفِيهِمْ مُعَاوِيَةُ.
стр. 5920
فَقَالَ عُثْمَانُ: أَمَّا أَنْ أَخْرَجَ فَأُقَاتِلُ، فَلَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ خَلَفَ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ ، فِي أُمَّتِهِ بِسَفْكِ الدِّمَاءِ، وَأَمَّا أَنْ أَخْرُجَ إِلَى مَكَّةَ فَإِنَّهُمْ لَنْ يَسْتَحِلُّونِي بِهَا، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ ، يَقُولُ: يُلْحِدُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ يَكُونُ عَلَيْهِ نِصْفُ عَذَابِ الْعَالَمِ. فَلَنْ أَكُونَ أَنَا، وَأَمَّا أَنْ أَلْحَقَ بِالشَّامِ، فَإِنَّهُمْ أَهْلُ الشَّامِ وَفِيهِمْ مُعَاوِيَةُ فَلَنْ أُفَارِقَ دَارَ هِجْرَتِي وَمُجَاوَرَةَ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: ثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، ثَنَا أَرْطَاةُ - يَعْنِي ابْنَ الْمُنْذِرِ - حَدَّثَنِي أَبُو عَوْنٍ الْأَنْصَارِيُّ أَنَّ عُثْمَانَ قَالَ لِابْنِ مَسْعُودٍ: «هَلْ أَنْتَ مُنْتَهٍ عَمَّا بَلَغَنِي عَنْكَ؟ فَاعْتَذَرَ بَعْضَ الْعُذْرِ، فَقَالَ عُثْمَانُ: وَيْحَكَ! إِنِّي قَدْ سَمِعْتُ وَحَفِظْتُ - وَلَيْسَ كَمَا سَمِعْتَ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ ، قَالَ: سَيُقْتَلُ أَمِيرٌ وَيَنْتَزِي مُنْتَزٍ. وَإِنِّي أَنَا الْمَقْتُولُ، وَلَيْسَ عُمَرَ، إِنَّمَا قَتَلَ عُمَرَ وَاحِدٌ، وَإِنَّهُ يُجْتَمَعُ عَلَيَّ. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ لِابْنِ مَسْعُودٍ قَبْلَ مَقْتَلِهِ بِنَحْوٍ مَنْ أَرْبَعِ سِنِينَ، فَإِنَّهُ مَاتَ قَبْلَهُ بِنَحْوِ ذَلِكَ.
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ: ثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، ثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ الْحَكَمِ بْنِ أَوْسٍ الْأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنِي أَبُو عُبَادَةَ الزُّرَقِيُّ الْأَنْصَارِيُّ - مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ - عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: شَهِدْتُ عُثْمَانَ يَوْمَ حُصِرَ فِي مَوْضِعِ الْجَنَائِزِ وَلَوْ أُلْقِيَ حَجَرٌ لَمْ يَقَعْ إِلَّا عَلَى رَأْسِ رَجُلٍ، فَرَأَيْتُ عُثْمَانَ أَشْرَفَ مِنَ الْخَوْخَةِ الَّتِي تَلِي بَابَ مَقَامِ جِبْرِيلَ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، أَفِيكُمْ طَلْحَةُ؟
стр. 5921
فَسَكَتُوا ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، أَفِيكُمْ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ؟ فَسَكَتُوا، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ أَفِيكُمْ طَلْحَةُ؟ فَقَامَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: أَلَا أَرَاكَ هَاهُنَا؟ مَا كُنْتُ أَرَى أَنَّكَ تَكُونُ فِي جَمَاعَةِ قَوْمٍ تَسْمَعُ نِدَائِي آخَرَ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ، ثُمَّ لَا تُجِيبُنِي؟ أَنْشُدُكَ اللَّهَ يَا طَلْحَةُ، تَذْكُرُ يَوْمَ كُنْتُ أَنَا وَأَنْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ ، فِي مَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ غَيْرِي وَغَيْرُكَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَقَالَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ : إِنَّهُ مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَمَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ رَفِيقٌ مِنْ أُمَّتِهِ مَعَهُ فِي الْجَنَّةِ، وَإِنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ هَذَا - يَعْنِينِي - رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ»؟ فَقَالَ طَلْحَةُ: اللَّهُمَّ نَعَمْ. تَفَرَّدَ بِهِ.
حَدِيثٌ آخَرُ، عَنْ طَلْحَةَ: قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ الرِّفَاعِيُّ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ الْيَمَانِ، عَنْ شَيْخِ بْنِ زُهْرَةَ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ : لِكُلِّ نَبِيٍّ رَفِيقٌ، وَرَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ عُثْمَانُ. ثُمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ، وَإِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ. وَرَوَاهُ أَبُو مَرْوَانَ مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ،
стр. 5922
عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ الْبَغْدَادِيُّ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ زُفَرَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ ، بِجِنَازَةِ رَجُلٍ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا رَأَيْنَاكَ تَرَكْتَ الصَّلَاةَ عَلَى أَحَدٍ قَبْلَ هَذَا؟ فَقَالَ: «إِنَّهُ كَانَ يُبْغِضُ عُثْمَانَ فَأَبْغَضَهُ اللَّهُ، ». ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ هَذَا صَاحِبُ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ ضَعِيفُ الْحَدِيثِ جِدًّا، وَمُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ صَاحِبُ أَبِي هُرَيْرَةَ بَصْرِيٌّ ثِقَةٌ يُكَنَّى أَبَا الْحَارِثِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ الْأَلْهَانِيُّ صَاحِبُ أَبِي أُمَامَةَ ثِقَةٌ شَامِيٌّ يُكَنَّى أَبَا سُفْيَانَ.
حَدِيثٌ آخَرُ: رَوَى الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي مَرْوَانَ الْعُثْمَانِيِّ، حَدَّثَنِي أَبِي، عُثْمَانُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ ، لَقِيَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ: يَا عُثْمَانُ هَذَا جِبْرِيلُ يُخْبِرُنِي أَنَّ اللَّهَ قَدْ زَوَّجَكَ أُمَّ كُلْثُومٍ بِمِثْلِ صَدَاقِ رُقَيَّةَ عَلَى مِثْلِ مُصَاحَبَتِهَا وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ أَيْضًا، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةَ، وَعُمَارَةَ بْنِ رُوَيْبَةَ، وَعِصْمَةَ بْنِ مَالِكٍ الْخَطْمِيِّ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَغَيْرِهِمْ. وَهُوَ غَرِيبٌ وَمُنْكَرٌ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ.
стр. 5923
وَرُوِيَ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ ، قَالَ: لَوْ كَانَ لِي أَرْبَعُونَ ابْنَةً لَزَوَّجْتُهُنَّ بِعُثْمَانَ وَاحِدَةً بَعْدَ وَاحِدَةٍ، حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهُنَّ وَاحِدَةٌ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الْأُمَوِيُّ، عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ قَالَ: سَأَلْتُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ ، لِمَ قُلْتُمْ فِي عُثْمَانَ: أَعْلَاهَا فُوقًا؟ قَالُوا: لِأَنَّهُ لَمْ يَتَزَوَّجْ رَجُلٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ ابْنَتَيْ نَبِيٍّ غَيْرُهُ. رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ.
وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ ، رَافِعًا يَدَيْهِ حَتَّى يَبْدُوَ ضَبْعَيْهِ إِلَّا لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، إِذَا دَعَا لَهُ.
وَقَالَ مِسْعَرٌ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ ، مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ إِلَى أَنْ طَلَعَ الْفَجْرُ رَافِعًا يَدَيْهِ يَدْعُو لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، يَقُولُ: «اللَّهُمَّ عُثْمَانُ رَضِيتُ عَنْهُ فَارْضَ عَنْهُ». وَفِي رِوَايَةٍ يَقُولُ لِعُثْمَانَ «غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا قَدَّمْتَ وَمَا أَخَّرْتَ، وَمَا أَسْرَرْتَ وَمَا أَعْلَنْتَ، وَمَا كَانَ مِنْكَ وَمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَرَوَاهُ الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ
стр. 5924
الْأَسَدِيِّ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنِ النَّبِيِّ، ﷺ ، مُرْسَلًا.
وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ، عَنْ أَبِي يَعْلَى، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ الْمُسْتَمْلِيِّ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمُسْتَمْلِيِّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ ، بَعَثَ إِلَى عُثْمَانَ يَسْتَعِينُهُ فِي غَزَاةٍ غَزَاهَا، فَبَعَثَ إِلَيْهِ عُثْمَانُ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِينَارٍ، فَوَضَعَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يُقَلِّبُهَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَيَدْعُو لَهُ:» غَفَرَ اللَّهُ لَكَ يَا عُثْمَانُ مَا أَسْرَرْتَ وَمَا أَعْلَنْتَ وَمَا أَخْفَيْتَ، وَمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، مَا يُبَالِي عُثْمَانُ مَا فَعَلَ بَعْدَ هَذَا «.
حَدِيثٌ آخَرُ: وَقَالَ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ: أَوَّلُ مَنْ خَبَصَ الْخَبِيصَ عُثْمَانُ; خَلَطَ بَيْنَ الْعَسَلِ وَالنَّقِيِّ، ثُمَّ بَعَثَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ ، إِلَى مَنْزِلِ أُمِّ سَلَمَةَ فَلَمْ يُصَادِفْهُ، فَلَمَّا جَاءَ وَضَعُوهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: مَنْ بَعَثَ بِهَذَا؟ قَالُوا: عُثْمَانُ. قَالَتْ: فَرَفَعَ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ:» اللَّهُمَّ إِنَّ عُثْمَانَ يَتَرَضَّاكَ فَارْضَ عَنْهُ ".
حَدِيثٌ آخَرُ: رَوَى أَبُو يَعْلَى، عَنْ شَيْبَانَ بْنِ فَرُّوخَ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عُبَيْدَةَ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ عَطَاءٍ الْكَيْخَارَنِيِّ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ
стр. 5925
ﷺ ، اعْتَنَقَ عُثْمَانَ، وَقَالَ: أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَوَلِيِّي فِي الْآخِرَةِ.
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوَالَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ : تَهْجُمُونَ عَلَى رَجُلٍ مُعْتَجِرٍ بِبُرْدَةٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، يُبَايِعُ النَّاسَ. قَالَ: فَهَجَمْنَا عَلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ مُعْتَجِرًا يُبَايِعُ النَّاسَ.
стр. 5926
فَصْلٌ فِي ذِكْرِ شَيْءٍ مِنْ سِيرَتِهِ وَهِيَ دَالَّةٌ عَلَى فَضِيلَتِهِ، ﵁
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَمَّا تُوُفِّيَ عُمَرُ بَايَعْنَا خَيْرَنَا وَلَمْ نَأْلُ. وَفِي رِوَايَةٍ: بَايَعُوا خَيْرَهُمْ وَلَمْ يَأْلُوا.
وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، قَالَ: كَانَ نَقْشُ خَاتَمِ عُثْمَانَ: آمَنْتُ بِالَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ: بَلَغَنِي أَنَّهُ كَانَ نَقْشُ خَاتَمِ عُثْمَانَ: آمَنَ عُثْمَانُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي «التَّارِيخِ»: ثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: أَدْرَكْتُ عُثْمَانَ عَلَى مَا نَقَمُوا عَلَيْهِ، قَلَّمَا يَأْتِي عَلَى النَّاسِ يَوْمٌ إِلَّا وَهُمْ يَقْتَسِمُونَ فِيهِ خَيْرًا، يُقَالُ لَهُمْ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، اغْدُوا عَلَى أَعْطِيَاتِكُمْ. فَيَأْخُذُونَهَا وَافِرَةً، ثُمَّ يُقَالُ لَهُمُ: اغْدُوا عَلَى أَرْزَاقِكُمْ. فَيَأْخُذُونَهَا وَافِرَةً، ثُمَّ يُقَالُ لَهُمُ: اغْدُوا عَلَى السَّمْنِ وَالْعَسَلِ، الْأَعْطِيَاتُ جَارِيَةٌ، وَالْأَرْزَاقُ دَارَّةٌ، وَالْعَدُوُّ مُتَّقًى، وَذَاتُ الْبَيْنِ حَسَنٌ، وَالْخَيْرُ
стр. 5927
كَثِيرٌ، وَمَا مِنْ مُؤْمِنٍ يَخَافُ مُؤْمِنًا، مَنْ لَقِيَهُ فَهُوَ أَخُوهُ مَنْ كَانَ; أُلْفَتُهُ وَنَصِيحَتُهُ وَمَوَدَّتُهُ، قَدْ عَهِدَ إِلَيْهِمْ أَنَّهَا سَتَكُونُ أَثَرَةً، فَإِذَا كَانَتْ فَاصْبِرُوا. قَالَ الْحَسَنُ: فَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حِينَ رَأَوْهَا لَوَسِعَهُمْ مَا كَانُوا فِيهِ مِنَ الْعَطَاءِ وَالرِّزْقِ وَالْخَيْرِ الْكَثِيرِ، قَالُوا: لَا وَاللَّهِ مَا نُصَابِرُهَا. فَوَاللَّهِ مَا رُدُّوا وَمَا سَلِمُوا، وَالْأُخْرَى كَانَ السَّيْفُ مُغْمَدًا عَنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فَسَلُّوهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، فَوَاللَّهِ مَا زَالَ مَسْلُولًا إِلَى يَوْمِ النَّاسِ هَذَا، وَايْمُ اللَّهِ إِنِّي لِأُرَاهُ سَيْفًا مَسْلُولًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ يَأْمُرُ فِي خُطْبَتِهِ بِذَبْحِ وَقَتْلِ الْكِلَابِ.
وَرَوَى سَيْفُ بْنُ عُمَرَ أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ اتَّخَذَ بَعْضُهُمُ الْحَمَامَ، وَرَمَى بَعْضُهُمْ بِالْجُلَاهِقَاتِ، فَوَكَّلَ عُثْمَانُ رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيْثٍ يَتَتَبَّعُ ذَلِكَ، فَيَقُصُّ الْحَمَامَ وَيَكْسِرُ الْجُلَاهِقَاتِ، وَهِيَ قِسِيُّ الْبُنْدُقِ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: أَنْبَأَنَا الْقَعْنَبِيُّ، وَخَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هِلَالٍ، عَنْ جَدَّتِهِ - وَكَانَتْ تَدْخُلُ عَلَى عُثْمَانَ وَهُوَ مَحْصُورٌ - فَوَلَدَتْ هِلَالًا، فَفَقَدَهَا يَوْمًا، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهَا قَدْ وَلَدَتْ هَذِهِ اللَّيْلَةَ غُلَامًا. قَالَتْ: فَأَرْسَلَ إِلَيَّ بِخَمْسِينَ دِرْهَمًا وَشُقَيْقَةً سُنْبُلَانِيَّةً، وَقَالَ: هَذَا عَطَاءُ ابْنِكِ وَكِسْوَتُهُ، فَإِذَا مَرَّتْ بِهِ سَنَةٌ رَفَعْنَاهُ إِلَى مِائَةٍ.
стр. 5928
وَرَوَى الزُّبَيْرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَّامٍ، عَنِ ابْنِ دَابٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ سَعِيدِ بْنِ يَرْبُوعِ بْنِ عَنْكَثَةَ الْمَخْزُومِيُّ: انْطَلَقْتُ وَأَنَا غُلَامٌ فِي الظَّهِيرَةِ وَمَعِي طَيْرٌ أُرْسِلُهُ فِي الْمَسْجِدِ، وَالْمَسْجِدُ يُبْنَى، فَإِذَا شَيْخٌ جَمِيلٌ حَسَنُ الْوَجْهِ نَائِمٌ، تَحْتَ رَأْسِهِ لَبِنَةٌ أَوْ بَعْضُ لَبِنَةٍ، فَقُمْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهِ أَتَعَجَّبُ مِنْ جَمَالِهِ، فَفَتَحَ عَيْنَيْهِ، فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ يَا غُلَامُ؟ فَأَخْبَرْتُهُ، فَنَادَى غُلَامًا نَائِمًا، قَرِيبًا مِنْهُ، فَلَمْ يَجُبْهُ، فَقَالَ لِيَ: ادْعُهُ. فَدَعَوْتُهُ، فَأَمَرَهُ بِشَيْءٍ وَقَالَ لِيَ: اقْعُدْ. قَالَ: فَذَهَبَ الْغُلَامُ فَجَاءَ بِحُلَّةٍ، وَجَاءَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، وَنَزَعَ ثُوبِي وَأَلْبَسَنِي الْحُلَّةَ، وَجَعَلَ الْأَلْفَ دِرْهَمٍ فِيهَا، فَرَجَعْتُ إِلَى أَبِي فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ مَنْ فَعَلَ هَذَا بِكَ؟ فَقُلْتُ: لَا أَدْرِي إِلَّا أَنَّهُ رَجُلٌ فِي الْمَسْجِدِ نَائِمٌ لَمْ أَرَ قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ. قَالَ: ذَاكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي يَزِيدُ بْنُ خَصِيفَةَ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عُثْمَانَ التَّيْمِيَّ عَنْ صَلَاةِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ؟ قَالَ: إِنْ شِئْتَ أَخْبَرْتُكَ عَنْ صَلَاةِ عُثْمَانَ؟ قَالَ:
стр. 5929
نَعَمْ. قَالَ: قُلْتُ لَأَغْلِبَنَّ اللَّيْلَةَ النَّفَرَ عَلَى الْحَجَرِ - يَعْنِي الْمَقَامَ - فَلَمَّا قُمْتُ إِذَا رَجُلٌ يَزْحَمُنِي مُقَنَّعًا، قَالَ: فَالْتَفَتُّ فَإِذَا بِعُثْمَانَ فَتَأَخَّرْتُ عَنْهُ، فَصَلَّى فَإِذَا هُوَ يَسْجُدُ سُجُودَ الْقُرْآنِ حَتَّى إِذَا قُلْتُ: هَذَا هُوَ أَذَانُ الْفَجْرِ. أَوْتَرَ بِرَكْعَةٍ لَمْ يُصَلِّ غَيْرَهَا، ثُمَّ انْطَلَقَ. وَقَدْ رُوِيَ هَذَا مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ أَنَّهُ صَلَّى بِالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ عِنْدَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، أَيَّامَ الْحَجِّ. وَقَدْ كَانَ هَذَا مِنْ دَأْبِهِ، ﵁. وَلِهَذَا رُوِّينَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ [الزُّمَرِ: ٩] قَالَ: هُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [النَّحْلِ: ٧٦]. قَالَ: هُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ.
وَقَالَ حَسَّانُ:
ضَحَّوْا بِأَشْمَطَ عُنْوَانُ السُّجُودِ بِهِ … يُقَطِّعُ اللَّيْلَ تَسْبِيحًا وَقُرْآنَا
وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: ثَنَا إِسْرَائِيلُ بْنُ مُوسَى، سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: قَالَ عُثْمَانُ: لَوْ أَنَّ قُلُوبَنَا طَهُرَتْ مَا شَبِعْنَا مِنْ كَلَامِ رَبِّنَا، وَإِنِّي لَأَكْرَهُ أَنْ يَأْتِيَ عَلَيَّ يَوْمٌ لَا أَنْظُرُ فِي الْمُصْحَفِ، وَمَا مَاتَ عُثْمَانُ حَتَّى خَرَقَ مُصْحَفَهُ مِنْ كَثْرَةِ مَا
стр. 5930
يُدِيمُ النَّظَرَ فِيهِ.
وَقَالَ أَنَسٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: قَالَتِ امْرَأَةُ عُثْمَانَ يَوْمَ الدَّارِ: اقْتُلُوهُ أَوْ دَعُوهُ فَوَاللَّهِ لَقَدْ كَانَ يُحْيِي اللَّيْلَ بِالْقُرْآنِ فِي رَكْعَةٍ. وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ: إِنَّهُ، ﵁، كَانَ لَا يُوقِظُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِهِ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ لِيُعِينَهُ عَلَى وُضُوئِهِ، إِلَّا أَنْ يَجِدَهُ يَقْظَانَ، وَكَانَ يَصُومُ الدَّهْرَ، وَكَانَ يُعَاتَبُ فَيُقَالُ لَهُ: لَوْ أَيْقَظْتَ بَعْضَ الْخَدَمِ؟ فَيَقُولُ: لَا، اللَّيْلُ لَهُمْ يَسْتَرِيحُونَ فِيهِ. وَكَانَ إِذَا اغْتَسَلَ لَا يَرْفَعُ الْمِئْزَرَ عَنْهُ، وَهُوَ فِي بَيْتٍ مُغْلَقٍ عَلَيْهِ، وَلَا يَرْفَعُ صُلْبَهُ جَيِّدًا مِنْ شِدَّةِ حَيَائِهِ، ﵁.
стр. 5931
فَصْلٌ فِي ذِكْرِ شَيْءٍ مِنْ خُطَبِهِ
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيُّ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُثْمَانَ لَمَّا بُويِعَ خَرَجَ إِلَى النَّاسِ فَخَطَبَهُمْ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ أَوَّلَ كُلِّ مَرْكَبٍ صَعْبٌ، وَإِنَّ بَعْدَ الْيَوْمِ أَيَّامًا، وَإِنْ أَعِشْ تَأْتِكُمُ الْخُطْبَةُ عَلَى وَجْهِهَا، وَمَا كُنَّا خُطَبَاءَ، وَسَيُعَلِّمُنَا اللَّهُ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: خَطَبَ عُثْمَانُ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللَّهَ فَإِنَّ تَقْوَى اللَّهِ غُنْمٌ، وَإِنَّ أَكْيَسَ النَّاسِ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَاكْتَسَبَ مِنْ نُورِ اللَّهِ نُورًا لِظُلْمَةِ الْقَبْرِ، وَلْيَخْشَ عَبْدٌ أَنْ يَحْشُرَهُ اللَّهُ أَعْمَى وَقَدْ كَانَ بَصِيرًا، وَقَدْ يَكْفِينِي الْحَكِيمُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَالْأَصَمُّ يُنَادَى مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ، وَاعْلَمُوا أَنَّ مَنْ كَانَ اللَّهُ مَعَهُ لَمْ يَخَفْ شَيْئًا، وَمَنْ كَانَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَمَنْ يَرْجُو بَعْدَهُ؟
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: خَطَبَ عُثْمَانُ فَقَالَ: ابْنَ آدَمَ، اعْلَمْ أَنَّ مَلَكَ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكَ لَمْ يَزَلْ يُخْلِفُكَ وَيَتَخَطَّى إِلَى غَيْرِكَ مُنْذُ أَنْتَ فِي الدُّنْيَا، وَكَأَنَّهُ قَدْ تَخَطَّى غَيْرَكَ إِلَيْكَ وَقَصَدَكَ، فَخُذْ حِذْرَكَ وَاسْتَعِدَّ لَهُ، وَلَا تَغْفُلْ فَإِنَّهُ لَا يَغْفُلُ عَنْكَ، وَاعْلَمْ
стр. 5932
ابْنَ آدَمَ، إِنْ غَفَلْتَ عَنْ نَفْسِكَ وَلَمْ تَسْتَعِدَّ لَهَا، لَمْ يَسْتَعِدَّ لَهَا غَيْرُكَ، وَلَا بُدَّ مِنْ لِقَاءِ اللَّهِ، فَخُذْ لِنَفْسِكَ وَلَا تَكِلْهَا إِلَى غَيْرِكَ. وَالسَّلَامُ.
وَقَالَ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ بَدْرِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ عَمِّهِ قَالَ: آخَرُ خُطْبَةٍ خَطَبَهَا عُثْمَانُ فِي جَمَاعَةٍ: إِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا أَعْطَاكُمُ الدُّنْيَا لِتَطْلُبُوا بِهَا الْآخِرَةَ، وَلَمْ يُعْطِكُمُوهَا لِتَرْكَنُوا إِلَيْهَا، إِنَّ الدُّنْيَا تَفْنَى وَإِنَّ الْآخِرَةَ تَبْقَى، لَا تُبْطِرَنَّكُمُ الْفَانِيَةُ وَلَا تَشْغَلَنَّكُمْ عَنِ الْبَاقِيَةِ، فَآثِرُوا مَا يَبْقَى عَلَى مَا يَفْنَى، فَإِنَّ الدُّنْيَا مُنْقَطِعَةٌ، وَإِنَّ الْمَصِيرَ إِلَى اللَّهِ، اتَّقُوا اللَّهَ فَإِنَّ تَقْوَاهُ جُنَّةٌ مِنْ بَأْسِهِ، وَوَسِيلَةٌ عِنْدَهُ، وَاحْذَرُوا مِنَ اللَّهِ الْغِيَرَ، وَالْزَمُوا جَمَاعَتَكُمْ، لَا تَصِيرُوا أَحْزَابًا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا إِلَى آخِرِ الْآيَتَيْنِ [آلِ عِمْرَانَ: ١٠٣، ١٠٤].
فَصْلٌ (مَنَاقِبُهُ ﵁
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قَيْسٍ الْأَسَدِيُّ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَالْمُؤَذِّنُ يُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَهُوَ يَسْتَخْبِرُ النَّاسَ يَسْأَلُهُمْ عَنْ أَخْبَارِهِمْ وَأَسْعَارِهِمْ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثَنَا يُونُسُ - يَعْنِي ابْنَ عُبَيْدٍ - حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ فَرُّوخَ مَوْلَى الْقُرَشِيِّينَ أَنَّ عُثْمَانَ اشْتَرَى مِنْ رَجُلٍ أَرْضًا فَأَبْطَأَ
стр. 5933
عَلَيْهِ، فَلَقِيَهُ فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ مِنْ قَبْضِ مَالِكَ؟ قَالَ: إِنَّكَ غَبَنْتَنِي، فَمَا أَلْقَى مِنَ النَّاسِ أَحَدًا إِلَّا وَهُوَ يَلُومُنِي. قَالَ: أَوَذَلِكَ يَمْنَعُكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَاخْتَرْ بَيْنَ أَرْضِكَ وَمَالِكَ. ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ : أَدْخَلَ اللَّهُ الْجَنَّةَ رَجُلًا كَانَ سَهْلًا; مُشْتَرِيًا، وَبَائِعًا، وَقَاضِيًا، وَمُقْتَضِيًا.
وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ طَلْحَةَ لَقِيَ عُثْمَانَ وَهُوَ خَارِجٌ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَقَالَ لَهُ طَلْحَةُ: إِنَّ الْخَمْسِينَ أَلْفًا الَّتِي لَكَ عِنْدِي قَدْ حَصَلَتْ، فَأَرْسِلْ مَنْ يَقْبِضُهَا. فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: إِنَّا قَدْ وَهَبْنَاكَهَا لِمُرُوءَتِكَ.
وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: اسْتَعْمَلَ ابْنُ عَامِرٍ قَطَنَ بْنَ عَوْفٍ الْهِلَالِيَّ عَلَى كَرْمَانَ، فَأَقْبَلَ جَيْشٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ - أَرْبَعَةُ آلَافٍ - وَجَرَى الْوَادِي فَقَطَعَهُمْ عَنْ طَرِيقِهِمْ، وَخَشِيَ قَطَنٌ الْفَوْتَ فَقَالَ: مَنْ جَازَ الْوَادِي فَلَهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ. فَحَمَلُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَى الْعُظْمِ، فَكَانَ إِذَا جَازَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ قَالَ قَطَنٌ: أَعْطُوهُ جَائِزَتَهُ. حَتَّى جَازَوْا جَمِيعًا وَأَعْطَاهُمْ أَرْبَعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَأَبَى ابْنُ عَامِرٍ أَنْ يَحْسِبَهَا لَهُ، فَكَتَبَ بِذَلِكَ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَكَتَبَ عُثْمَانُ أَنِ احْسِبْهَا لَهُ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا أَعَانَ الْمُسْلِمِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَمِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ سُمِّيَتِ الْجَوَائِزُ لِإِجَازَةِ الْوَادِي، فَقَالَ الْكِنَانِيُّ ذَلِكَ:
стр. 5934
فِدًى لِلْأَكْرَمِينَ بَنِي هِلَالٍ … عَلَى عِلَّاتِهِمْ أَهْلِي وَمَالِي
هُمُ سَنُّوا الْجَوَائِزَ فِي مَعَدٍّ … فَعَادَتْ سُنَّةً أُخْرَى اللَّيَالِي
رِمَاحُهُمُ تَزِيدُ عَلَى ثَمَانٍ … وَعَشْرٍ قَبْلَ تَرْكِيبِ النِّصَالِ
فَصْلٌ (مَنَاقِبُهُ الْكِبَارُ وَحَسَنَاتُهُ الْعَظِيمَةُ)
وَمِنْ مَنَاقِبِهِ الْكِبَارِ وَحَسَنَاتِهِ الْعَظِيمَةِ أَنَّهُ جَمَعَ النَّاسَ عَلَى قِرَاءَةٍ وَاحِدَةٍ، وَكَتَبَ الْمُصْحَفَ عَلَى الْعَرْضَةِ الْأَخِيرَةِ، الَّتِي دَرَّسَهَا جِبْرِيلُ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ ، فِي آخِرِ سِنِي حَيَاتِهِ، وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ كَانَ فِي بَعْضِ الْغَزَوَاتِ، وَقَدِ اجْتَمَعَ فِيهَا خَلْقٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ مِمَّنْ يَقْرَأُ عَلَى قِرَاءَةِ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ مِمَّنْ يَقْرَأُ عَلَى قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي مُوسَى، وَجَعَلَ مَنْ لَا يَعْلَمُ بِسَوَغَانِ الْقِرَاءَةِ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ يُفَضِّلُ قِرَاءَتَهُ عَلَى قِرَاءَةِ غَيْرِهِ، وَرُبَّمَا خَطَّأَ الْآخَرَ أَوْ كَفَّرَهُ، فَأَدَّى ذَلِكَ إِلَى اخْتِلَافٍ شَدِيدٍ وَانْتِشَارٍ فِي الْكَلَامِ السَّيِّئِ بَيْنَ النَّاسِ، فَرَكِبَ حُذَيْفَةُ إِلَى عُثْمَانَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَدْرِكْ هَذِهِ الْأُمَّةَ قَبْلَ أَنْ تَخْتَلِفَ فِي كِتَابِهَا كَاخْتِلَافِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي كُتُبِهِمْ. وَذَكَرَ لَهُ مَا شَاهَدَ مِنَ اخْتِلَافِ النَّاسِ فِي الْقِرَاءَةِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ جَمَعَ عُثْمَانُ الصَّحَابَةَ وَشَاوَرَهُمْ فِي ذَلِكَ، وَرَأَى أَنْ يَكْتُبَ الْمُصْحَفَ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ، وَأَنْ يَجْمَعَ النَّاسَ فِي سَائِرِ الْأَقَالِيمِ عَلَى الْقِرَاءَةِ بِهِ دُونَ مَا سِوَاهُ; لِمَا رَأَى فِي ذَلِكَ مِنْ مَصْلَحَةِ كَفِّ الْمُنَازَعَةِ وَدَفْعِ
стр. 5935
الِاخْتِلَافِ، فَاسْتَدْعَى بِالصُّحُفِ الَّتِي كَانَ الصِّدِّيقُ أَمَرَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ بِجَمْعِهَا، وَكَانَتْ عِنْدَ الصِّدِّيقِ أَيَّامَ حَيَاتِهِ، ثُمَّ كَانَتْ عِنْدَ عُمَرَ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ صَارَتْ إِلَى حَفْصَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، فَاسْتَدْعَى بِهَا عُثْمَانُ وَأَمَرَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيَّ أَنْ يَكْتُبَ، وَأَنْ يُمْلِيَ عَلَيْهِ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ الْأُمَوِيُّ، بِحَضْرَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ الْأَسَدِيِّ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ الْمَخْزُومِيِّ، وَأَمَرَهُمْ إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ أَنْ يَكْتُبُوهُ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ، فَكَتَبَ لِأَهْلِ الشَّامِ مُصْحَفًا وَلِأَهْلِ مِصْرَ آخَرَ، وَبَعَثَ إِلَى الْبَصْرَةِ مُصْحَفًا وَإِلَى الْكُوفَةِ بِآخَرَ، وَأَرْسَلَ إِلَى مَكَّةَ مُصْحَفًا وَإِلَى الْيَمَنِ مِثْلَهُ، وَأَقَرَّ بِالْمَدِينَةِ مُصْحَفًا، وَيُقَالُ لِهَذِهِ الْمَصَاحِفِ: الْأَئِمَّةُ. وَلَيْسَتْ كُلُّهَا بِخَطِّ عُثْمَانَ، بَلْ وَلَا وَاحِدٌ مِنْهَا، وَإِنَّمَا هِيَ بِخَطِّ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَإِنَّمَا يُقَالُ لَهَا: الْمَصَاحِفُ الْعُثْمَانِيَّةُ; نِسْبَةً إِلَى أَمْرِهِ وَزَمَانِهِ وَإِمَارَتِهِ. كَمَا يُقَالُ: دِينَارٌ هِرَقْلِيُّ. أَيْ ضُرِبَ فِي زَمَانِهِ وَدَوْلَتِهِ.
وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - وَرَوَاهُ غَيْرُهُ، مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - قَالَ: لَمَّا نَسَخَ عُثْمَانُ الْمَصَاحِفَ دَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو هُرَيْرَةَ، فَقَالَ: أَصَبْتَ وَوُفِّقْتَ، أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ ، يَقُولُ: «إِنَّ أَشَدَّ أُمَّتِي حُبًّا لِي قَوْمٌ يَأْتُونَ مِنْ بَعْدِي يُؤْمِنُونَ بِي وَلَمْ يَرَوْنِي يَعْمَلُونَ بِمَا فِي الْوَرَقِ الْمُعَلَّقِ» فَقُلْتُ: أَيُّ وَرَقٍ؟ حَتَّى رَأَيْتُ الْمَصَاحِفَ. قَالَ: فَأَعْجَبَ ذَلِكَ عُثْمَانَ، وَأَمَرَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ بِعَشَرَةِ آلَافٍ، وَقَالَ:
стр. 5936
وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ أَنَّكَ لَتَحْبِسُ عَلَيْنَا حَدِيثَ نَبِيِّنَا، ﷺ . ثُمَّ عَمَدَ إِلَى بَقِيَّةِ الْمَصَاحِفِ الَّتِي بِأَيْدِي النَّاسِ مِمَّا يُخَالِفُ مَا كَتَبَهُ فَحَرَقَهُ; لِئَلَّا يَقَعَ بِسَبَبِهِ اخْتِلَافٌ، فَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ فِي كِتَابِ «الْمَصَاحِفِ»: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَا: ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ قَالَ: قَالَ لِي عَلِيٌّ حِينَ حَرَقَ عُثْمَانُ الْمَصَاحِفَ: لَوْ لَمْ يَصْنَعْهُ هُوَ لَصَنَعْتُهُ. وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، وَعَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ، عَنْ شُعْبَةَ مِثْلَهُ. وَقَدْ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ، مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبَانَ - زَوْجِ أُخْتِ حُسَيْنٍ - عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْعَيْزَارَ بْنَ جَرْوَلَ، سَمِعْتُ سُوِيدَ بْنَ غَفَلَةَ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي عُثْمَانَ، يَقُولُونَ: حَرَقَ الْمَصَاحِفَ. وَاللَّهِ مَا حَرَقَهَا إِلَّا عَنْ مَلَأٍ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ، ﷺ ، وَلَوْ وَلِيتُ مِثْلَ مَا وَلِيَ لَفَعَلْتُ مِثْلَ الَّذِي فَعَلَ.
стр. 5937
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ تَعَتَّبَ لَمَّا أُخِذَ مِنْهُ مُصْحَفُهُ فَحُرِّقَ، وَتَكَلَّمَ فِي تَقَدُّمِ إِسْلَامِهِ عَلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ الَّذِي كَتَبَ الْمَصَاحِفَ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَغُلُّوا مَصَاحِفَهُمْ، وَتَلَا قَوْلَهُ تَعَالَى وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [آلِ عِمْرَانَ: ١٦١] فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُثْمَانُ، ﵁، يَدْعُوهُ إِلَى اتِّبَاعِ الصَّحَابَةِ فِيمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ مِنَ الْمَصْلَحَةِ فِي ذَلِكَ، وَجَمْعِ الْكَلِمَةِ، وَعَدَمِ الِاخْتِلَافِ، فَأَنَابَ وَأَجَابَ إِلَى الْمُتَابَعَةِ وَتَرَكَ الْمُخَالَفَةَ، ﵃ أَجْمَعِينَ.
وَقَدْ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ دَخَلَ مَسْجِدَ مِنًى، فَقَالَ: كَمْ صَلَّى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الظُّهْرَ؟ قَالُوا: أَرْبَعًا. فَصَلَّى ابْنُ مَسْعُودٍ أَرْبَعًا، فَقَالُوا: أَلَمْ تُحَدِّثْنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ ، وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ صَلَّوْا رَكْعَتَيْنِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، وَأَنَا أُحَدِّثُكُمُوهُ الْآنَ، وَلَكِنْ أَكْرَهُ الِاخْتِلَافَ.
وَفِي «الصَّحِيحِ» أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: لَيْتَ حَظِّي مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ رَكْعَتَانِ مُتَقَبَّلَتَانِ.
وَقَالَ الْأَعْمَشُ: حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ - بِوَاسِطٍ - عَنْ أَشْيَاخِهِ قَالُوا: صَلَّى عُثْمَانُ الظُّهْرَ بِمِنًى أَرْبَعًا، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ مَسْعُودٍ، فَعَابَ عَلَيْهِ، ثُمَّ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ الْعَصْرَ فِي رَحْلِهِ أَرْبَعًا، فَقِيلَ لَهُ: عِبْتَ عَلَى عُثْمَانَ وَصَلَّيْتَ أَرْبَعًا؟ فَقَالَ: إِنِّي أَكْرَهُ الْخِلَافَ. وَفِي رِوَايَةٍ: الْخِلَافُ شَرٌّ. فَإِذَا كَانَ هَذَا مُتَابَعَةً مِنَ
стр. 5938
ابْنِ مَسْعُودٍ عُثْمَانَ فِي هَذَا الْفَرْعِ، فَكَيْفَ بِمُتَابَعَتِهِ إِيَّاهُ فِي أَصْلِ الْقُرْآنِ، وَالِاقْتِدَاءِ بِهِ فِي التِّلَاوَةِ الَّتِي عَزَمَ عَلَى النَّاسِ أَنْ يَقْرَأُوا بِهَا لَا بِغَيْرِهَا؟ وَقَدْ حَكَى الزُّهْرِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ عُثْمَانَ إِنَّمَا أَتَمَّ الصَّلَاةَ خَشْيَةً عَلَى الْأَعْرَابِ أَنْ يَعْتَقِدُوا أَنَّ فَرْضَ الصَّلَاةِ رَكْعَتَانِ. وَقِيلَ: بَلْ قَدْ تَأَهَّلَ بِمَكَّةَ. فَرَوَى أَبُو يَعْلَى وَغَيْرُهُ، مِنْ حَدِيثِ عِكْرِمَةَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُثْمَانَ صَلَّى بِهِمْ بِمِنًى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ ، يَقُولُ: إِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ بِبَلَدٍ فَهُوَ مِنْ أَهْلِهِ وَإِنِّي أَتْمَمْتُ لِأَنِّي تَزَوَّجْتُ بِهَا مُنْذُ قَدِمْتُهَا. وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا يَصِحُّ، وَقَدْ تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ ، فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ بِمَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ وَلَمْ يُتِمَّ الصَّلَاةَ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ عُثْمَانَ تَأَوَّلَ أَنَّهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ حَيْثُ كَانَ. وَهَكَذَا تَأَوَّلَتْ عَائِشَةُ فَأَتَمَّتْ. وَفِي هَذَا التَّأْوِيلِ نَظَرٌ; فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ ، هُوَ رَسُولُ اللَّهِ حَيْثُ كَانَ، وَمَعَ هَذَا مَا أَتَمَّ الصَّلَاةَ فِي الْأَسْفَارِ.
وَمِمَّا كَانَ يَعْتَمِدُهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ أَنَّهُ كَانَ يُلْزِمُ عُمَّالَهُ بِحُضُورِ الْمَوْسِمِ كُلَّ عَامٍ، وَيَكْتُبُ إِلَى الرَّعَايَا: مَنْ كَانَتْ لَهُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْهُمْ مَظْلِمَةٌ فَلْيُوَافِ إِلَى الْمَوْسِمِ، فَإِنِّي آخُذُ لَهُ حَقَّهُ مِنْ عَامِلِهِ. وَكَانَ عُثْمَانُ قَدْ سَمَحَ لِكَثِيرٍ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ فِي الْمَسِيرِ حَيْثُ شَاءُوا مِنَ الْبِلَادِ، وَكَانَ عُمَرُ يَحْجُرُ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ، حَتَّى وَلَا فِي الْغَزْوِ وَيَقُولُ: إِنِّي أَخَافُ أَنْ تَرَوُا الدُّنْيَا أَوْ أَنْ يَرَاكُمْ أَبْنَاؤُهَا. فَلَمَّا
стр. 5939
خَرَجُوا فِي زَمَانِ عُثْمَانَ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمُ النَّاسُ، وَصَارَ لِكُلِّ وَاحِدٍ أَصْحَابٌ، وَطَمِعَ كُلُّ قَوْمٍ فِي تَوْلِيَةِ صَاحِبِهِمُ الْإِمَارَةَ الْعَامَّةَ بَعْدَ عُثْمَانَ، فَاسْتَعْجَلُوا مَوْتَهُ، وَاسْتَطَالُوا حَيَاتَهُ، حَتَّى وَقَعَ مَا وَقَعَ مِنْ بَعْضِ أَهْلِ الْأَمْصَارِ، كَمَا تَقَدَّمَ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ، الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.
ذِكْرُ زَوْجَاتِهِ وَبَنِيهِ وَبَنَاتِهِ، ﵁
تَزَوَّجَ بِرُقَيَّةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ ، فَوُلِدَ لَهُ مِنْهَا عَبْدُ اللَّهِ، وَبِهِ كَانَ يُكَنَّى، بَعْدَ مَا كَانَ يُكَنَّى فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِأَبِي عَمْرٍو، ثُمَّ لَمَّا تُوُفِّيَتْ، تَزَوَّجَ بِأُخْتِهَا أُمِّ كُلْثُومٍ، ثُمَّ تُوُفِّيَتْ، فَتَزَوَّجَ بِفَاخِتَةَ بِنْتِ غَزْوَانَ بْنِ جَابِرٍ، فَوُلِدَ لَهُ مِنْهَا عُبَيْدُ اللَّهِ الْأَصْغَرُ. وَتَزَوَّجَ بِأُمِّ عَمْرٍو بِنْتِ جُنْدُبِ بْنِ عَمْرٍو الْأَزْدِيَّةِ، فَوَلَدَتْ لَهُ عَمْرًا، وَخَالِدًا، وَأَبَانَ وَعُمَرَ، وَمَرْيَمَ، وَتَزَوَّجَ بِفَاطِمَةَ بِنْتِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ الْمَخْزُومِيَّةِ، فَوَلَدَتْ لَهُ الْوَلِيدَ وَسَعِيدًا. وَتَزَوَّجَ أُمَّ الْبَنِينَ بِنْتَ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ الْفِزَارِيَّةَ، فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ الْمَلِكِ، وَيُقَالُ: وَعُتْبَةَ. وَتَزَوَّجَ رَمْلَةَ بِنْتَ شَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيٍّ، فَوَلَدَتْ لَهُ عَائِشَةَ، وَأُمَّ أَبَانَ، وَأُمَّ عَمْرٍو; بَنَاتِ عُثْمَانَ. وَتَزَوَّجَ نَائِلَةَ بِنْتَ الْفَرَافِصَةِ بْنِ الْأَحْوَصِ بْنِ عَمْرِو بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ حِصْنِ بْنِ ضَمْضَمِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ جَنَابِ بْنِ كَلْبٍ، فَوَلَدَتْ لَهُ مَرْيَمَ وَيُقَالُ: وَعَنْبَسَةَ.
стр. 5940
وَقُتِلَ، ﵁، وَعِنْدَهُ أَرْبَعٌ; نَائِلَةُ، وَرَمْلَةُ، وَأُمُّ الْبَنِينَ، وَفَاخِتَةُ. وَيُقَالُ: إِنَّهُ طَلَّقَ أُمَّ الْبَنِينَ وَهُوَ مَحْصُورٌ.
فَصْلٌ
تَقَدَّمَ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ نَاجِيَةَ الْكَاهِلِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ : «إِنَّ رَحَى الْإِسْلَامِ سَتَدُورُ لِخَمْسٍ وَثَلَاثِينَ، أَوْ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ، أَوْ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ، فَإِنْ يَهْلِكْ فَسَبِيلُ مَا هَلَكَ، وَإِنْ يَقْمْ لَهُمْ دِينُهُمْ، يَقُمْ لَهُمْ سَبْعِينَ عَامًا». قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَبِمَا مَضَى أَمْ بِمَا بَقِيَ؟ قَالَ: «بَلْ بِمَا بَقِيَ» وَفِي لَفْظٍ لَهُ وَلِأَبِي دَاوُدَ: «تَدُورُ رَحَى الْإِسْلَامِ لِخَمْسٍ وَثَلَاثِينَ، أَوْ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ». الْحَدِيثَ، وَكَأَنَّ هَذَا الشَّكَّ مِنَ الرَّاوِي، وَالْمَحْفُوظُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ: «خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ». فَإِنَّ فِيهَا قُتِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَعُثْمَانُ، عَلَى الصَّحِيحِ. وَقِيلَ: سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ. وَكَانَتْ أُمُورٌ شَنِيعَةٌ فَظِيعَةٌ، وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ وَوَقَى بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ فَلَمْ يَكُنْ بِأَسْرَعَ مِنْ أَنْ بَايَعَ النَّاسُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ
стр. 5941
عَنْهُ، وَانْتَظَمَ الْأَمْرُ، وَاجْتَمَعَ الشَّمْلُ، وَلَكِنْ جَرَتْ بَعْدَ ذَلِكَ أُمُورٌ فِي يَوْمِ الْجَمَلِ وَأَيَّامِ صِفِّينَ، عَلَى مَا سَنُبَيِّنُهُ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فَصْلٌ (ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي زَمَانِ دَوْلَةِ عُثْمَانَ)
فِي ذِكْرِ مَنْ تُوُفِّيَ فِي زَمَانِ دَوْلَةِ عُثْمَانَ مِمَّنْ لَا يُعْرَفُ وَقْتُ وَفَاتِهِ عَلَى التَّعْيِينِ، عَلَى مَا ذَكَرَهُ شَيْخُنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الذَّهَبِيُّ وَغَيْرُهُ.
أَنَسُ بْنُ مُعَاذِ بْنِ أَنَسِ بْنِ قَيْسٍ الْأَنْصَارِيُّ النَّجَّارِيُّ - وَيُقَالُ لَهُ: أُنَيْسٌ أَيْضًا، شَهِدَ الْمُشَاهِدَ كُلَّهَا، ﵁.
أَوْسُ بْنُ الصَّامِتِ، أَخُو عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ الْأَنْصَارِيِّانِ، شَهِدَ بَدْرًا، وَأَوْسٌ هُوَ زَوْجُ الْمُجَادِلَةِ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [الْمُجَادَلَةِ: ١]. وَأَمْرَأَتُهُ خَوْلَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ.
أَوْسُ بْنُ خَوَلِيٍّ الْأَنْصَارِيُّ، مِنْ بَنِي الْحُبَلَى، شَهِدَ بَدْرًا، وَهُوَ الْمُنْفَرِدُ مِنْ بَيْنِ الْأَنْصَارِ بِحُضُورِ غُسْلِ النَّبِيِّ، ﷺ ، وَالنُّزُولِ مَعَ أَهْلِهِ فِي قَبْرِهِ، ﵊.
стр. 5942
الْجَدُّ بْنُ قَيْسٍ، كَانَ سَيِّدًا فِي الْأَنْصَارِ، وَلَكِنْ كَانَ بَخِيلًا وَمُتَّهَمًا بِالنِّفَاقِ، يُقَالُ: إِنَّهُ شَهِدَ يَوْمَ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ فَلَمْ يُبَايِعْ، وَاسْتَتَرَ بِبَعِيرٍ لَهُ. وَهُوَ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ الْآيَةَ [التَّوْبَةِ: ٤٩]. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ تَابَ مِنْ ذَلِكَ وَأَقْلَعَ عَنْهُ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْحُطَيْئَةُ الشَّاعِرُ الْمَشْهُورُ، قِيلَ: اسْمُهُ جَرْوَلٌ. وَيُكَنَّى بِأَبِي مُلَيْكَةَ، مِنْ بَنِي عَبْسٍ، أَدْرَكَ أَيَّامَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَأَدْرَكَ صَدْرًا مِنَ الْإِسْلَامِ، وَكَانَ يَطُوفُ فِي الْآفَاقِ يَمْتَدِحُ الرُّؤَسَاءَ مِنَ النَّاسِ، وَيَسْتَجْدِيهِمْ، وَيُقَالُ: كَانَ بَخِيلًا مَعَ ذَلِكَ. سَافَرَ مَرَّةً فَوَدَّعَ امْرَأَتَهُ فَقَالَ لَهَا:
عُدِّي السِّنِينَ إِذَا خَرَجْتُ لِغَيْبَةٍ … وَدَعِي الشُّهُورَ فَإِنَّهُنَّ قِصَارُ
وَكَانَ مَدَّاحًا هَجَّاءً، وَلَهُ شِعْرٌ جَيِّدٌ، وَمِنْ شِعْرِهِ مَا قَالَهُ بَيْنَ يَدَيْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، ﵁، فَاسْتَجَادَ مِنْهُ قَوْلَهُ:
стр. 5943
مَنْ يَفْعَلِ الْخَيْرَ لَمْ يَعْدِمْ جَوَازِيَهُ … لَا يَذْهَبُ الْعُرْفُ بَيْنَ اللَّهِ وَالنَّاسِ
خُبَيْبُ بْنُ يَسَافِ بْنِ عِنَبَةَ الْأَنْصَارِيُّ، أَحَدُ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا.
سَلْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ الْبَاهِلِيُّ، يُقَالُ: لَهُ صُحْبَةٌ. كَانَ مِنَ الشُّجْعَانِ الْأَبْطَالِ الْمَذْكُورِينَ وَالْفُرْسَانِ الْمَشْهُورِينَ، وَلَّاهُ عُمَرُ قَضَاءَ الْكُوفَةِ، ثُمَّ وَلِيَ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ إِمْرَةً عَلَى جِهَادِ التُّرْكِ، فَقُتِلَ بِبَلَنْجَرَ، فَقَبْرُهُ هُنَاكَ فِي تَابُوتٍ يَسْتَسْقِي بِهِ التُّرْكُ إِذَا قَحَطُوا.
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ بْنِ قَيْسٍ الْقُرَشِيُّ السَّهْمِيُّ، هَاجَرَ هُوَ وَأَخُوهُ قَيْسٌ إِلَى الْحَبَشَةِ، وَكَانَ مِنْ سَادَاتِ الصَّحَابَةِ، وَهُوَ الْقَائِلُ: مَنْ أَبِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ - وَكَانَ إِذَا لَاحَى الرِّجَالَ دُعِيَ لِغَيْرِ أَبِيهِ - فَقَالَ: «أَبُوكَ حُذَافَةُ». وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ ، بَعَثَهُ إِلَى كِسْرَى، فَدَفَعَ كِتَابَهُ إِلَى عَظِيمِ بُصْرَى، فَبَعَثَ مَعَهُ مَنْ يُوَصِّلُهُ إِلَى هِرَقْلَ، كَمَا تَقَدَّمَ. وَقَدْ أَسَرَتْهُ الرُّومُ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ،
стр. 5944
﵁، فِي جُمْلَةِ ثَمَانِينَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَأَرَادُوهُ عَلَى الْكُفْرِ فَأَبَى عَلَيْهِمْ، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: قَبِّلْ رَأْسِي وَأَنَا أُطْلِقُكَ وَمَنْ مَعَكَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. فَقَبَّلَ رَأْسَهُ، فَأَطْلَقَهُمْ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى عُمَرَ قَالَ لَهُ: حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يُقَبِّلَ رَأْسَكَ. ثُمَّ قَامَ عُمَرُ فَقَبَّلَ رَأْسَهُ، ثُمَّ قَبَّلَهُ النَّاسُ، ﵁.
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُرَاقَةَ بْنِ الْمُعْتَمِرِ الْعَدَوِيُّ، صَحَابِيٌّ أُحُدِيٌّ، وَزَعَمَ الزُّهْرِيُّ أَنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا. فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسِ بْنِ خَالِدٍ الْأَنْصَارِيُّ النَّجَّارِيُّ، شَهِدَ بَدْرًا.
عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلِ بْنِ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ الْحَارِثِيُّ، شَهِدَ أُحُدًا وَمَا بَعْدَهَا، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: شَهِدَ بَدْرًا. اسْتَعْمَلَهُ عُمَرُ عَلَى الْبَصْرَةِ بَعْدَ مَوْتِ عُتْبَةَ بْنِ غَزْوَانَ، وَقَدْ نَهَشَتْهُ حَيَّةٌ فَرَقَاهُ عُمَارَةُ بْنُ حَزْمٍ، وَهُوَ الْقَائِلُ لِأَبِي بَكْرٍ، وَقَدْ جَاءَتْهُ جَدَّتَانِ فَأَعْطَى السُّدُسَ أُمَّ الْأُمِّ وَتَرَكَ الْأُخْرَى وَهِيَ أُمُّ الْأَبِ - فَقَالَ لَهُ: أَعْطَيْتَ الَّتِي لَوْ مَاتَتْ لَمْ يَرِثْهَا، وَتَرَكْتَ الَّتِي لَوْ مَاتَتْ لَوَرِثَهَا. فَشَرَكَ بَيْنَهُمَا
стр. 5945
عَمْرُو بْنُ سُرَاقَةَ بْنِ الْمُعْتَمِرِ الْعَدَوِيُّ، أَخُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُرَاقَةَ، وَهُوَ بَدْرِيٌّ كَبِيرٌ، رُوِيَ أَنَّهُ جَاعَ مَرَّةً فَرَبَطَ حَجَرًا عَلَى بَطْنِهِ مِنْ شِدَّةِ الْجُوعِ، وَمَشَى يَوْمَهُ ذَلِكَ إِلَى اللَّيْلِ، فَأَضَافَهُ قَوْمٌ مِنَ الْعَرَبِ وَمَنْ مَعَهُ، فَلَمَّا شَبِعَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: كُنْتُ أَحْسَبُ الرِّجْلَيْنِ يَحْمِلَانِ الْبَطْنَ، فَإِذَا الْبَطْنُ، يَحْمِلُ الرِّجْلَيْنِ.
عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ الْأَنْصَارِيُّ الْأَوْسِيُّ، صَحَابِيٌّ جَلِيلُ الْقَدْرِ كَبِيرُ الْمَحَلِّ، كَانَ يُقَالُ لَهُ: نَسِيجُ وَحْدِهِ. لِكَثْرَةِ زَهَادَتِهِ وَعِبَادَتِهِ، شَهِدَ فَتْحَ الشَّامِ مَعَ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَنَابَ بِحِمْصَ وَبِدِمَشْقَ أَيْضًا فِي زَمَانِ عُمَرَ، فَلَمَّا كَانَتْ خِلَافَةُ عُثْمَانَ عَزَلَهُ وَوَلَّى مُعَاوِيَةَ الشَّامَ بِكَمَالِهِ، وَلَهُ أَخْبَارٌ يَطُولُ ذِكْرُهَا.
عُرْوَةُ بْنُ حِزَامٍ، أَبُو سَعِيدٍ الْعُذْرِيُّ، كَانَ شَاعِرًا مُغْرَمًا فِي ابْنَةِ عَمٍّ لَهُ، وَهِيَ عَفْرَاءُ بِنْتُ مُهَاجِرٍ، يَقُولُ فِيهَا الشِّعْرَ، وَاشْتُهِرَ بِحُبِّهَا فَارْتَحَلَ أَهْلُهَا مِنَ الْحِجَازِ إِلَى الشَّامِ، فَتَبِعَهُمْ عُرْوَةُ فَخَطَبَهَا إِلَى عَمِّهِ فَامْتَنَعَ مِنْ تَزْوِيجِهِ لِفَقْرِهِ، وَزَوَّجَهَا بِابْنِ عَمِّهَا الْآخَرِ، فَهَلَكَ عُرْوَةُ هَذَا فِي مَحَبَّتِهَا، وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي كِتَابِ «مُصَارِعِ الْعُشَّاقِ» وَمِنْ شِعْرِهِ فِيهَا قَوْلُهُ:
وَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ أَرَاهَا فُجَاءَةً … فَأُبْهَتُ حَتَّى مَا أَكَادُ أُجِيبُ
стр. 5946
وَأُصْرَفُ عَنْ رَأْيِي الَّذِي كُنْتُ أَرْتَئِي … وَأَنْسَى الَّذِي أَعْدَدْتُ حِينَ تَغِيبُ
قُطْبَةُ بْنُ عَامِرٍ، أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ، عَقَبِيٌّ بَدْرِيٌّ.
قَيْسُ بْنُ قَهْدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ الْأَنْصَارِيُّ النَّجَّارِيُّ، لَهُ حَدِيثٌ فِي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ. وَزَعَمَ ابْنُ مَاكُولَا أَنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا. قَالَ مُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيُّ: هُوَ جَدُّ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ. وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: بَلْ
стр. 5947
هُوَ جَدُّ أَبِي مَرْيَمَ عَبْدِ الْغَفَّارِ بْنِ الْقَاسِمِ الْكُوفِيِّ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
لَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ أَبُو عَقِيلٍ الْعَامِرِيُّ الشَّاعِرُ الْمَشْهُورُ. صَحَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ ، قَالَ: أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا شَاعِرٌ كَلِمَةُ لَبِيَدٍ;
أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهُ بَاطِلُ
وَتَمَامُ الْبَيْتِ:
وَكُلُّ نَعِيمٍ لَا مَحَالَةَ زَائِلُ
فَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ إِلَّا نَعِيمَ الْجَنَّةِ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ تُوُفِّيَ سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمُسَيَّبُ بْنُ حَزْنِ بْنِ أَبِي وَهْبٍ الْمَخْزُومِيُّ، شَهِدَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ، وَهُوَ وَالِدُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ سَيِّدِ التَّابِعِينَ.
مُعَاذُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ الْأَنْصَارِيُّ، شَهِدَ بَدْرًا، وَضَرَبَ يَوْمَئِذٍ أَبَا جَهْلٍ بِسَيْفِهِ فَقَطَعَ رِجْلَهُ، وَحَمَلَ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهِلٍ عَلَى مُعَاذٍ هَذَا فَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ فَحَلَّ يَدَهُ مِنْ كَتِفِهِ، فَقَاتَلَ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ وَهِيَ مُعَلَّقَةٌ يَسْحَبُهَا خَلْفَهُ، قَالَ مُعَاذٌ: فَلَمَّا آذَتْنِي وَضَعْتُ قَدَمِي عَلَيْهَا ثُمَّ تَمَطَّأْتُ عَلَيْهَا حَتَّى طَرَحْتُهَا، ﵁. وَعَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى هَذِهِ السَّنَةِ سَنَةِ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ.
стр. 5948
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، الْقُرَشِيُّ الْهَاشِمِيُّ، وُلِدَ لِأَبِيهِ وَهُوَ بِالْحَبَشَةِ، فَلَمَّا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ سَنَةَ خَيْبَرَ، وَتُوُفِّيَ يَوْمَ مُؤْتَةَ شَهِيدًا، جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ ، إِلَى مَنْزِلِهِمْ، فَقَالَ لِأُمِّهِمْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ «ائْتِينِي بِبَنِي أَخِي». فَجِيءَ بِهِمْ كَأَنَّهُمْ أَفْرُخٌ، فَجَعَلَ يُقَبِّلُهُمْ وَيَشُمُّهُمْ وَيَبْكِي، فَبَكَتْ أُمُّهُمْ فَقَالَ: «أَتَخَافِينَ عَلَيْهِمُ الْعَيْلَةَ وَأَنَا وَلِيُّهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؟». ثُمَّ أَمَرَ الْحَلَّاقَ فَحَلَقَ رُءُوسَهُمْ. وَقَدْ مَاتَ مُحَمَّدٌ وَهُوَ شَابٌّ فِي أَيَّامِ عُثْمَانَ، كَمَا ذَكَرْنَا. وَزَعَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ تُوُفِّيَ فِي تُسْتَرَ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَعْبَدُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ . قُتِلَ شَابًّا بِإِفْرِيقِيَّةَ مِنْ بِلَادِ الْمَغْرِبِ.
مُعَيْقِيبُ بْنُ أَبِي فَاطِمَةَ الدَّوْسِيُّ، صَاحِبُ خَاتَمِ النَّبِيِّ، ﷺ ، قِيلَ: تُوُفِّيَ فِي أَيَّامِ عُثْمَانَ. وَقِيلَ: قَبْلَ ذَلِكَ. وَقِيلَ: سَنَةَ أَرْبَعِينَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مُنْقِذُ بْنُ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيُّ، أَحَدُ بَنِي مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ، كَانَ قَدْ أَصَابَتْهُ آمَّةٌ فِي رَأْسِهِ فَكَسَرَتْ لِسَانَهُ، وَضَعُفَ عَقْلُهُ، وَكَانَ يُكْثِرُ مِنَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَكَانَ يُغْبَنُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ، ﷺ : مَنْ بَايَعْتَ فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ. ثُمَّ أَنْتَ
стр. 5949
بِالْخِيَارِ فِي كُلِّ مَا تَشْتَرِيهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: كَانَ مُخَصَّصًا بِإِثْبَاتِ الْخِيَارِ ثَلَاثَةً فِي كُلِّ بَيْعٍ، سَوَاءٌ اشْتَرَطَ الْخِيَارَ أَمْ لَا.
نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ أَبُو سَلَمَةَ الْغَطَفَانِيُّ، وَهُوَ الَّذِي خَذَّلَ بَيْنَ الْأَحْزَابِ وَبَيْنَ بَنِي قُرَيْظَةَ، كَمَا قَدَّمْنَاهُ، فَلَهُ بِذَلِكَ الْيَدُ الْبَيْضَاءُ، وَالرَّايَةُ الْعُلْيَا.
أَبُو ذُؤَيْبٍ خُوَيْلِدُ بْنُ خَالِدٍ الْهُذَلِيُّ، الشَّاعِرُ الْمَشْهُورُ، أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ، وَأَسْلَمَ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ، ﷺ ، وَشَهِدَ يَوْمَ السَّقِيفَةِ، وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ، ﷺ ، وَكَانَ أَشْعَرَ هُذَيْلٍ، وَهُذَيْلٌ أَشْعَرُ الْعَرَبِ، وَهُوَ الْقَائِلُ:
وَإِذَا الْمَنِيَّةُ أَنْشَبَتْ أَظْفَارَهَا … أَلْفَيْتَ كُلَّ تَمِيمَةٍ لَا تَنْفَعُ
وَتَجَلُّدِي لِلشَّامِتِينَ أُرِيهُمُ … أَنِّي لِرَيْبِ الدَّهْرِ لَا أَتَضَعْضَعُ
تُوفِّيَ غَازِيًّا بِإِفْرِيقِيَّةَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ.
أَبُو رُهْمٍ سَبْرَةُ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى، الْقُرَشِيُّ الْعَامِرِيُّ. ذَكَرَهُ فِي هَذَا
стр. 5950
الْفَصْلِ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ وَحْدَهُ.
أَبُو زُبَيْدٍ الطَّائِيُّ، الشَّاعِرُ، اسْمُهُ حَرْمَلَةُ بْنُ الْمُنْذِرِ، كَانَ نَصْرَانِيًّا، وَكَانَ يُجَالِسُ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ، فَأَدْخَلَهُ عَلَى عُثْمَانَ، فَاسْتَنْشَدَهُ شَيْئًا مِنْ شِعْرِهِ، فَأَنْشَدَهُ قَصِيدَةً لَهُ فِي الْأَسَدِ بَدِيعَةً، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: تَفْتَأُ تَذْكُرُ الْأَسَدَ مَا حَيِيتَ؟ إِنِّي لَأَحْسَبُكَ جَبَانًا نَصْرَانِيًّا.
أَبُو سَبْرَةَ بْنُ أَبِي رُهْمٍ الْعَامِرِيُّ، أَخُو أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ، أُمُّهُمَا بَرَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، هَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ وَشَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا. قَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بِكَّارٍ: لَا نَعْلَمُ بَدْرِيًّا سَكَنَ مَكَّةَ بَعْدَ النَّبِيِّ سِوَاهُ. قَالَ: وَأَهْلُهُ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ.
стр. 5951
أَبُو لُبَابَةَ بْنُ عَبْدِ الْمُنْذِرِ، أَحَدُ نُقَبَاءِ لَيْلَةِ الْعَقَبَةِ وَقِيلَ: إِنَّهُ تُوُفِّيَ فِي خِلَافَةِ عَلِيٍّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
أَبُو هَاشِمِ بْنُ عُتْبَةَ، تَقَدَّمَ وَفَاتُهُ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ. وَقِيلَ: فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 5952
خِلَافَةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، ﵁
وَلِنَذْكُرْ شَيْئًا مِنْ تَرْجَمَتِهِ عَلَى سَبِيلِ الِاخْتِصَارِ قَبْلَ ذَلِكَ.
هُوَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - وَاسْمُهُ عَبْدُ مَنَافٍ - بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ - وَاسْمُهُ شَيْبَةُ - بْنِ هَاشِمٍ - وَاسْمُهُ عَمْرٌو - بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ - وَاسْمُهُ الْمُغِيرَةُ - بْنُ قُصَيٍّ - وَاسْمُهُ زَيْدٌ - بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ، أَبُو الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ، وَيُكْنَى بِأَبِي تُرَابٍ وَأَبِي الْقَضْمِ، الْهَاشِمِيُّ، ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ ، وَخَتَنُهُ عَلَى ابْنَتِهِ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ. وَأُمُّهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَسَدِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيٍّ. وَيُقَالُ: إِنَّهَا أَوَّلُ هَاشِمِيَّةٍ وَلَدَتْ هَاشِمِيًّا. وَكَانَ لَهُ مِنَ الْإِخْوَةِ طَالِبٌ، وَعَقِيلٌ، وَجَعْفَرٌ، وَكَانُوا أَكْبَرَ مِنْهُ، بَيْنَ كُلِّ وَاحِدٍ
стр. 5953
مِنْهُمْ وَبَيْنَ الْآخَرِ عَشْرُ سِنِينَ، وَلَهُ أُخْتَانِ; أُمُّ هَانِئٍ وَجُمَانَةُ، وَكُلُّهُمْ مِنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَسَدٍ، وَقَدْ أَسْلَمَتْ وَهَاجَرَتْ.
١ - . كَانَ عَلِيٌّ أَحَدَ الْعَشَرَةِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ، وَأَحَدَ السِّتَّةِ أَصْحَابِ الشُّورَى، وَكَانَ مِمَّنْ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ ، وَهُوَ رَاضٍ عَنْهُمْ، وَكَانَ رَابِعَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَكَانَ رَجُلًا آدَمَ شَدِيدَ الْأُدْمَةِ شَكِلَ الْعَيْنَيْنِ عَظِيمَهُمَا، فِيهِمَا خَفَشٌ، ذُو بَطْنٍ، أَصْلَعَ، وَهُوَ إِلَى الْقِصَرِ أَقْرَبُ، وَكَانَ عَظِيمَ اللِّحْيَةِ، قَدْ مَلَأَتْ صَدْرَهُ وَمَنْكِبَيْهِ، أَبْيَضُهَا كَثِيرٌ، وَكَانَ كَثِيرَ شَعْرِ الصَّدْرِ وَالْكَتِفَيْنِ، حَسَنَ الْوَجْهِ، ضَحُوكَ السِّنِّ، خَفِيفَ الْمَشْيِ عَلَى الْأَرْضِ.
أَسْلَمَ عَلِيٌّ قَدِيمًا وَهُوَ ابْنُ سَبْعٍ، وَقِيلَ: ابْنُ ثَمَانٍ. وَقِيلَ: تِسْعٍ. وَقِيلَ: عَشْرٍ. وَقِيلَ: إِحْدَى عَشْرَةَ. وَقِيلَ: اثْنَيْ عَشْرَةَ. وَقِيلَ: ثَلَاثَ عَشْرَةَ. وَقِيلَ: أَرْبَعَ عَشْرَةَ. وَقِيلَ: ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ، أَوْ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً. قَالَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ. وَيُقَالُ: إِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ
стр. 5954
أَسْلَمَ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الْغِلْمَانِ، كَمَا أَنَّ خَدِيجَةَ أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَتْ مِنَ النِّسَاءِ، وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الْمَوَالِي، وَأَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الرِّجَالِ الْأَحْرَارِ. وَكَانَ سَبَبُ إِسْلَامِ عَلِيٍّ صَغِيرًا أَنَّهُ كَانَ فِي كَفَالَةِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ ; لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ أَصَابَتْهُمْ سَنَةُ مَجَاعَةٍ فَأَخَذُوهُ مِنْ أَبِيهِ، فَكَانَ فِي كَفَالَتِهِ، فَلَمَّا بَعَثَهُ اللَّهُ بِالْحَقِّ آمَنَتْ خَدِيجَةُ وَأَهْلُ الْبَيْتِ، وَمِنْ جُمْلَتِهِمْ عَلِيٌّ، وَكَانَ الْإِيمَانُ النَّافِعُ الْمُتَعَدِّي نَفْعُهُ إِلَى النَّاسِ إِيمَانَ الصِّدِّيقِ، ﵁. وَقَدْ وَرَدَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: أَنَا أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ. وَلَا يَصِحُّ إِسْنَادُهُ إِلَيْهِ. وَقَدْ رُوِيَ فِي هَذَا الْمَعْنَى أَحَادِيثُ أَوْرَدَهَا ابْنُ عَسَاكِرَ، كَثِيرَةٌ مُنْكَرَةٌ لَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ: سَمِعْتُ أَبَا حَمْزَةَ - رَجُلًا مِنْ مَوَالِي الْأَنْصَارِ - قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ يَقُولُ: أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ ، عَلِيٌّ. وَفِي رِوَايَةٍ: أَوَّلُ مَنْ صَلَّى. قَالَ عَمْرٌو: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّخَعِيِّ فَأَنْكَرَهُ وَقَالَ: أَبُو بَكْرٍ أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: أَوَّلُ مَنْ آمَنَ خَدِيجَةُ، وَأَوَّلُ رَجُلَيْنِ آمَنَا أَبُو بَكْرٍ وَعَلِيٌّ، وَلَكِنْ كَانَ أَبُو بَكْرٍ يُظْهِرُ إِيمَانَهُ وَعَلِيٌّ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ. قُلْتُ: يَعْنِي خَوْفًا مِنْ أَبِيهِ، ثُمَّ أَمَرَهُ أَبُوهُ بِمُتَابَعَةِ ابْنِ عَمِّهِ وَنُصْرَتِهِ.
стр. 5955
وَهَاجَرَ عَلِيٌّ بَعْدَ خُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ ، مِنْ مَكَّةَ، وَكَانَ قَدْ أَمَرَهُ بِقَضَاءِ دُيُونِهِ وَرَدِّ وَدَائِعِهِ، ثُمَّ يَلْحَقُ بِهِ، فَامْتَثَلَ مَا أَمَرَهُ بِهِ، ثُمَّ هَاجَرَ، وَآخَى النَّبِيُّ، ﷺ ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ. وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ السِّيَرِ وَالْمَغَازِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ ، آخَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَفْسِهِ. وَلَا يَصِحُّ، وَقَدْ وَرَدَ فِي ذَلِكَ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ لَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْهَا; لِضَعْفِ أَسَانِيدِهَا، وَرَكَّةِ بَعْضِ مُتُونِهَا، فَإِنَّ فِي بَعْضِهَا: «أَنْتَ أَخِي وَوَارِثِي وَخَلِيفَتِي وَخَيْرُ مَنْ أُمِّرَ بَعْدِي». وَهَذَا الْحَدِيثُ مَوْضُوعٌ مُخَالِفٌ لِمَا ثَبَتَ فِي «الصِّحَاحِ» وَغَيْرِهِمَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ شَهِدَ عَلِيٌّ بَدْرًا وَكَانَتْ لَهُ الْيَدُ الْبَيْضَاءُ فِيهَا، بَارَزَ يَوْمَئِذٍ فَغَلَبَ وَظَهَرَ، وَفِيهِ وَفِي عَمِّهِ حَمْزَةَ وَابْنِ عَمِّهِ عُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ وَخُصُومِهِمُ الثَّلَاثَةِ - عُتْبَةَ وَشَيْبَةَ وَالْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ - نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: هَذَانَ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ الْآيَةَ [الْحَجِّ: ١٩]. وَقَالَ الْحَكَمُ وَغَيْرُهُ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: دَفَعَ النَّبِيُّ، ﷺ ، الرَّايَةَ يَوْمَ بَدْرٍ إِلَى عَلِيٍّ وَهُوَ ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ: حَدَّثَنِي عَمَّارُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَنْظَلِيِّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: نَادَى مُنَادٍ فِي السَّمَاءِ يَوْمَ بَدْرٍ - يُقَالُ لَهُ: رِضْوَانُ -: لَا سَيْفَ إِلَّا ذُو
следующие страницы →