← История

История · id 4445

البداية والنهاية - ت التركي

ابن كثير

Полный текст (13 161 стр.). Показаны 6441–6480 · переход к 6446.

стр. 6441

خُرَاسَانَ وَفَتْحَ سِجِسْتَانَ وَكَابُلَ وَغَيْرَهَا، وَكَانَتْ لَهُ دَارٌ بِدِمَشْقَ، وَأَقَامَ بِالْبَصْرَةِ، وَقِيلَ: بِمَرْوَ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: مَاتَ بِالْبَصْرَةِ سَنَةَ خَمْسِينَ. وَقِيلَ: سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ. وَصَلَّى عَلَيْهِ زِيَادٌ، وَتَرَكَ عِدَّةً مِنَ الذُّكُورِ، وَكَانَ اسْمُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَبْدَ كُلَالٍ، وَقِيلَ: عَبْدُ كَلُوبٍ. وَقِيلَ: عَبْدُ الْكَعْبَةِ. فَسَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبْدَ الرَّحْمَنِ، وَكَانَ أَحَدَ السَّفِيرَيْنِ بَيْنَ مُعَاوِيَةَ وَالْحَسَنِ، ﵄. وَقَدْ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ لَا تَسْأَلِ الْإِمَارَةَ; فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنَّ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا». وَفِيهَا تُوُفِّيَ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيُّ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الطَّائِفِيُّ، لَهُ وَلِأَخِيهِ الْحَكَمِ صُحْبَةٌ، قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي وَفْدِ ثَقِيفٍ، فَاسْتَعْمَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الطَّائِفِ، وَأَمَّرَهُ عَلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَكَانَ أَمِيرَهُمْ وَإِمَامَهُمْ مُدَّةً طَوِيلَةً حَتَّى مَاتَ سَنَةَ خَمْسِينَ. وَقِيلَ: سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ. ﵁. وَأَمَّا عَقِيلُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَخُو عَلِيٍّ، فَكَانَ أَكْبَرَ مِنْ جَعْفَرٍ بِعَشْرِ سِنِينَ، وَجَعْفَرٌ أَكْبَرُ مِنْ عَلِيٍّ بِعَشْرِ سِنِينَ، كَمَا أَنَّ طَالِبًا أَكْبَرُ مِنْ عَقِيلٍ بِعَشْرِ سِنِينَ، وَكُلُّهُمْ أَسْلَمَ إِلَّا طَالِبًا، أَسْلَمَ عَقِيلٌ قَبْلَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَشَهِدَ مُؤْتَةَ، وَكَانَ مِنْ أَنْسَبِ قُرَيْشٍ، وَكَانَ قَدْ وَرِثَ أَقَارِبَهُ الَّذِينَ هَاجَرُوا وَتَرَكُوا أَمْوَالَهُمْ وَدِيَارَهُمْ بِمَكَّةَ،

стр. 6442

وَمَاتَ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ. وَأَمَّا عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ فَصَحَابِيٌّ جَلِيلٌ أَسْلَمَ بَعْدَ أُحِدٍ، وَأَوَّلُ مَشَاهِدِهِ بِئْرُ مَعُونَةَ، وَكَانَ سَاعِيَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، بَعَثَهُ إِلَى النَّجَاشِيِّ فِي تَزْوِيجِ أُمِّ حَبِيبَةَ، وَأَنْ يَأْتِيَ بِمَنْ بَقِيَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ هُنَاكَ، وَلَهُ أَفْعَالٌ حَسَنَةٌ، وَآثَارٌ مَحْمُودَةٌ، ﵁، تُوُفِّيَ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ. وَكَانَ لَا يُلْحَقُ وَلَا يُسْبَقُ بِالْخَيْلِ. وَفِيهَا كَانَتْ وَفَاةُ عَمْرِو بْنِ الْحَمِقِ بْنِ الْكَاهِنِ الْخُزَاعِيِّ، أَسْلَمَ قَبْلَ الْفَتْحِ وَهَاجَرَ، وَقِيلَ: إِنَّهُ إِنَّمَا أَسْلَمَ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ. وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَعَا لَهُ أَنْ يُمَتِّعَهُ اللَّهُ بِشَبَابِهِ; فَبَقِيَ ثَمَانِينَ سَنَةً لَا يُرَى فِي لِحْيَتِهِ شَعْرَةٌ بَيْضَاءُ، وَمَعَ هَذَا كَانَ أَحَدَ الْأَرْبَعَةِ الَّذِينَ دَخَلُوا عَلَى عُثْمَانَ، ثُمَّ صَارَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ شِيعَةِ عَلِيٍّ، فَشَهِدَ مَعَهُ الْجَمَلَ وَصِفِّينَ، وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ الَّذِينَ قَامُوا مَعَ حُجْرِ بْنِ عَدِيٍّ، فَتَطَلَّبَهُ زِيَادٌ، فَهَرَبَ إِلَى الْمَوْصِلِ، فَبَعَثَ مُعَاوِيَةُ إِلَى نَائِبِهَا، فَطَلَبُوهُ فَوَجَدُوهُ قَدِ اخْتَفَى فِي غَارٍ فَنَهَشَتْهُ حَيَّةٌ، فَمَاتَ فَقَطَعَ رَأْسَهُ، فَبَعَثَ بِهِ إِلَى مُعَاوِيَةَ، فَطِيفَ بِهِ فِي الشَّامِ وَغَيْرِهَا، فَكَانَ أَوَّلَ رَأْسٍ طِيفَ بِهِ، ثُمَّ بَعَثَ مُعَاوِيَةُ بِرَأْسِهِ إِلَى زَوْجَتِهِ آمِنَةَ بِنْتِ الشَّرِيدِ - وَكَانَتْ فِي سِجْنِهِ - فَأُلْقِيَ فِي حِجْرِهَا، فَوَضَعَتْ كَفَّهَا عَلَى جَبِينِهِ وَلَثَمَتْ فَمَهُ، وَقَالَتْ: غَيَّبْتُمُوهُ عَنِّي طَوِيلًا، ثُمَّ أَهْدَيْتُمُوهُ إِلَيَّ قَتِيلًا، فَأَهْلًا بِهَا مِنْ هَدِيَّةٍ غَيْرَ قَالِيَةٍ وَلَا مَقْلِيَّةٍ.

стр. 6443

وَأَمَّا كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيُّ السُّلَمِيُّ شَاعِرُ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّهُ أَسْلَمَ قَدِيمًا، وَشَهِدَ الْعَقَبَةَ، وَلَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا، كَمَا ثَبَتَ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» فِي سِيَاقِ تَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ كَانَ أَحَدَ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ تِيبَ عَلَيْهِمْ مِنْ تَخَلُّفِهِمْ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، كَمَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ مُفَصَّلًا فِي «التَّفْسِيرِ»، وَكَمَا تَقَدَّمَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَغَلِطَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ فِي قَوْلِهِ: إِنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا. وَفِي قَوْلِهِ: إِنَّهُ تُوُفِّيَ قَبْلَ الْأَرْبَعِينَ. فَإِنَّ الْوَاقِدِيَّ - وَهُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ - قَالَ: تُوُفِّيَ سَنَةَ خَمْسِينَ. وَقَالَ الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ: سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ. ﵁. وَأَمَّا الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ بْنِ أَبِي عَامِرِ بْنِ مَسْعُودٍ، أَبُو عِيسَى، وَيُقَالُ: أَبُو عَبْدِ اللَّهِ. الثَّقَفِيُّ. وَعُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ عَمُّ أَبِيهِ، كَانَ الْمُغِيرَةُ مِنْ دُهَاةِ الْعَرَبِ، وَذَوِي آرَائِهَا، أَسْلَمَ عَامَ الْخَنْدَقِ بَعْدَ مَا قَتَلَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ ثَقِيفٍ مَرْجِعَهُمْ مِنْ عِنْدِ الْمُقَوْقِسِ، وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ، فَغَرِمَ دِيَاتِهِمْ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، وَشَهِدَ الْحُدَيْبِيَةَ، وَكَانَ وَاقِفًا يَوْمَ الصُّلْحِ عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالسَّيْفِ صَلْتًا،

стр. 6444

وَبَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ إِسْلَامِ أَهْلِ الطَّائِفِ هُوَ وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، فَهَدَمَا اللَّاتَ، وَقَدْ قَدَّمْنَا كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ، وَبَعَثَهُ الصِّدِّيقُ إِلَى الْبَحْرَيْنِ، وَشَهِدَ الْيَمَامَةَ وَالْيَرْمُوكَ، فَأُصِيبَتْ عَيْنُهُ يَوْمَئِذٍ، وَقِيلَ: بَلْ نَظَرَ إِلَى الشَّمْسِ وَهِيَ كَاسِفَةٌ، فَذَهَبَ ضَوْءُ عَيْنِهِ. وَشَهِدَ الْقَادِسِيَّةَ، وَوَلَّاهُ عُمَرُ فُتُوحًا كَثِيرَةً، مِنْهَا هَمَذَانُ وَمَيْسَانُ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ رَسُولَ سَعْدٍ إِلَى رُسْتُمَ، فَكَلَّمَهُ بِذَلِكَ الْكَلَامِ الْبَلِيغِ، فَاسْتَنَابَهُ عُمَرُ عَلَى الْبَصْرَةِ فَلَمَّا شُهِدَ عَلَيْهِ بِالزِّنَا وَلَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ، عَزَلَهُ عَنْهَا، وَوَلَّاهُ الْكُوفَةَ، وَاسْتَمَرَّ بِهِ عُثْمَانُ حِينًا، ثُمَّ عَزَلَهُ، فَبَقِيَ مَعْزُولًا حَتَّى كَانَ أَمْرُ الْحَكَمَيْنِ، فَلَحِقَ بِمُعَاوِيَةَ، فَلَمَّا قُتِلَ عَلِيٌّ وَصَالَحَ الْحَسَنُ مُعَاوِيَةَ وَدَخَلَ الْكُوفَةَ، وَلَّاهُ مُعَاوِيَةُ عَلَيْهَا، فَلَمْ يَزَلْ أَمِيرَهَا حَتَّى مَاتَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ. قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُهُ. وَقَالَ الْخَطِيبُ: أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ، وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ مِنْهَا، عَنْ سَبْعِينَ سَنَةً. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: مَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ. وَقِيلَ: سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ.

стр. 6445

وَقِيلَ: سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ. وَهُوَ غَلَطٌ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: وَكَانَ الْمُغِيرَةُ أَصْهَبَ الشَّعْرِ جِدًّا، أَكْشَفَ، مُقَلَّصَ الشَّفَتَيْنِ، أَهْتَمَ، ضَخْمَ الْهَامَةِ، عَبْلَ الذِّرَاعَيْنِ، بَعِيدَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ، وَكَانَ يَفْرُقُ رَأْسَهُ أَرْبَعَةَ قُرُونٍ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: الْقُضَاةُ أَرْبَعَةٌ; عُمَرُ، وَعَلِيٌّ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَأَبُو مُوسَى، وَالدُّهَاةُ أَرْبَعَةٌ; مُعَاوِيَةُ، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، وَالْمُغِيرَةُ، وَزِيَادٌ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: الدُّهَاةُ فِي الْفِتْنَةِ خَمْسَةٌ; مُعَاوِيَةُ، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، وَكَانَ مُعْتَزِلًا، وَقَيْسُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُدَيْلِ بْنِ وَرْقَاءَ، وَكَانَا مَعَ عَلِيٍّ. قُلْتُ: وَالشِّيعَةُ يَقُولُونَ: الْأَشْيَاخُ خَمْسَةٌ; رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَعَلِيٌّ، وَفَاطِمَةُ، وَالْحَسَنُ، وَالْحُسَيْنُ، وَالْأَضْدَادُ خَمْسَةٌ; أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَمُعَاوِيَةُ، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ.

стр. 6446

وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ يَقُولُ: مَا غَلَبَنِي أَحَدٌ إِلَّا فَتًى مَرَّةً، أَرَدْتُ أَنْ أَتَزَوَّجَ امْرَأَةً فَاسْتَشَرْتُهُ فِيهَا، فَقَالَ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ، لَا أَرَى لَكَ أَنْ تَتَزَوَّجَهَا. فَقُلْتُ لَهُ: لِمَ؟ فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ رَجُلًا يُقَبِّلُهَا. ثُمَّ بَلَغَنِي عَنْهُ أَنَّهُ قَدْ تَزَوَّجَهَا، فَقُلْتُ لَهُ: أَلَمْ تَزْعُمْ أَنَّكَ رَأَيْتَ رَجُلًا يُقَبِّلُهَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ رَأَيْتُ أَبَاهَا يُقَبِّلُهَا وَهِيَ صَغِيرَةٌ. وَقَالَ أَيْضًا: سَمِعْتُ قَبِيصَةَ بْنَ جَابِرٍ يَقُولُ: صَحِبْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ، فَلَوْ أَنَّ مَدِينَةً لَهَا ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ لَا يُخْرَجُ مِنْ بَابٍ مِنْهَا إِلَّا بِمَكْرٍ لَخَرَجَ الْمُغِيرَةُ مِنْ أَبْوَابِهَا كُلِّهَا. وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ: كَانَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ يَقُولُ: صَاحِبُ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ يَحِيضُ مَعَهَا وَيَمْرَضُ مَعَهَا، وَصَاحِبُ الْمَرْأَتَيْنِ بَيْنَ نَارَيْنِ تَشْتَعِلَانِ. وَكَانَ يَتَزَوَّجُ أَرْبَعَةً مَعًا وَيُطَلِّقُهُنَّ مَعًا، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ الصَّائِغُ: أَحْصَنَ الْمُغِيرَةُ ثَلَاثَمِائَةِ امْرَأَةٍ. وَقَالَ غَيْرُهُ: أَلْفَ امْرَأَةٍ. وَقِيلَ: مِائَةَ امْرَأَةٍ. وَقِيلَ: ثَمَانِينَ امْرَأَةً. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ضِرَارٍ الْخُزَاعِيَّةُ الْمُصْطَلِقِيَّةُ أُمُّ

стр. 6447

الْمُؤْمِنِينَ، فَسَبَاهَا رَسُولُ ﷺ فِي غَزْوَةِ الْمُرَيْسِيعِ; وَهِيَ غَزْوَةُ بَنِي الْمُصْطَلَقِ، وَكَانَ أَبُوهَا مَلِكَهُمْ فَأَسْلَمَتْ، فَأَعْتَقَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَتَزَوَّجَهَا، وَكَانَتْ قَدْ وَقَعَتْ فِي سَهْمِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ وَكَاتَبَهَا فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ ﷺ تَسْتَعِينُهُ فِي كِتَابَتِهَا فَقَالَ: أَوَ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ؟ «قَالَتْ: وَمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ:» أَشْتَرِيكِ وَأُعْتِقُكِ وَأَتَزَوَّجُكِ «فَأَعْتَقَهَا فَقَالَ النَّاسُ: أَصْهَارُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَأَعْتَقُوا مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنْ سَبْيِ بَنِي الْمُصْطَلَقِ، وَكَانُوا نَحْوًا مِنْ مِائَةِ أَهْلِ بَيْتٍ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ: لَا أَعْلَمٌ امْرَأَةً أَعْظَمَ بَرَكَةً عَلَى أَهْلِهَا مِنْهَا. وَكَانَ اسْمُهَا بَرَّةَ، فَسَمَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جُوَيْرِيَةَ. وَكَانَتِ امْرَأَةً مُلَّاحَةً - أَيْ حُلْوَةَ الْكَلَامِ - تُوُفِّيَتْ فِي هَذَا الْعَامِ سَنَةَ خَمْسِينَ، كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَغَيْرُهُ عَنْ خَمْسٍ وَسِتِّينَ سَنَةً، وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِينَ. ﵂ وَأَرْضَاهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ بْنِ سَعْيَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ أَبِي حَبِيبِ بْنِ النَّضِيرِ بْنِ النَّحَّامِ بْنِ يَنْحَوْمَ، أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ

стр. 6448

النَّضَرِيةُ، فَمِنْ سُلَالَةِ هَارُونَ أَخِي مُوسَى، ﵉، وَكَانَتْ مَعَ أَبِيهَا وَعَمِّهَا جُدَيِّ بْنِ أَخْطَبَ بِالْمَدِينَةِ، فَلَمَّا أَجْلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَنِي النَّضِيرِ سَارُوا إِلَى خَيْبَرَ وَقُتِلَ أَبُوهَا مَعَ بَنِي قُرَيْظَةَ صَبْرًا، كَمَا قَدَّمْنَا ذَلِكَ، فَلَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْبَرَ كَانَتْ فِي جُمْلَةِ السَّبْيِ، فَوَقَعَتْ فِي سَهْمِ دِحْيَةَ بْنِ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيِّ، فَذَكَرَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَالَهَا وَأَنَّهَا بِنْتُ مَلِكِهِمْ، فَاصْطَفَاهَا لِنَفْسِهِ وَعَوَّضَ دِحْيَةَ عَنْهَا، وَأَسْلَمَتْ فَأَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا، فَلَمَّا حَلَّتْ بِالصَّهْبَاءِ بَنَى بِهَا، وَكَانَتْ مَاشِطَتَهَا أُمُّ سُلَيْمٍ، وَقَدْ كَانَتْ تَحْتَ ابْنِ عَمٍّ لَهَا، يُقَالُ لَهُ: كِنَانَةُ بْنُ أَبِي الْحُقَيْقِ. فَقُتِلَ فِي الْمَعْرَكَةِ وَوَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِخَدِّهَا لَطْمَةً، فَقَالَ:» مَا هَذِهِ؟ " فَقَالَتْ: إِنِّي رَأَيْتُ كَأَنَّ الْقَمَرَ أَقْبَلَ مِنْ يَثْرِبَ، فَسَقَطَ فِي حِجْرِي، فَقَصَصْتُ الْمَنَامَ عَلَى ابْنِ عَمِّي، فَلَطَمَنِي وَقَالَ: تَتَمَنَّيْنَ أَنْ يَتَزَوَّجَكِ مَلِكُ يَثْرِبَ؟ فَهَذِهِ مِنْ لَطْمَتِهِ. وَكَانَتْ مِنْ سَيِّدَاتِ النِّسَاءِ عِبَادَةً وَوَرَعًا وَزَهَادَةً وَبِرًّا وَصَدَقَةً، ﵂ وَأَرْضَاهَا. قَالَ الْوَاقِدِيُّ: تُوُفِّيَتْ سَنَةَ خَمْسِينَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. وَأَمَّا أُمُّ شَرِيكٍ الْأَنْصَارِيَّةُ وَيُقَالُ: الْعَامِرِيَّةُ، فَهِيَ الَّتِي وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقِيلَ، قَبِلَهَا. وَقِيلَ: لَمْ يَقْبَلْهَا. وَلَمْ تَتَزَوَّجْ حَتَّى مَاتَتْ; تَرْجُو بِذَلِكَ أَنْ تَكُونَ مِنْ أَزْوَاجِهِ، وَهِيَ الَّتِي سُقِيَتْ بِدَلْوٍ مِنَ السَّمَاءِ لَمَّا مَنَعَهَا

стр. 6449

الْمُشْرِكُونَ الْمَاءَ، فَأَسْلَمُوا عِنْدَ ذَلِكَ، وَاسْمُهَا غُزَيَّةُ، وَقِيلَ: عُزَيْلَةُ. بِنْتُ دُودَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرِ بْنِ رَوَاحَةَ بْنِ مُنْقِذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مُعَيْصِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، أَسْلَمَتْ قَدِيمًا مَاتَتْ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَلَى الصَّحِيحِ، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: مَاتَتْ سَنَةَ خَمْسِينَ، وَلَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ.

стр. 6450

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَخَمْسِينَ فِيهَا كَانَ مَقْتَلُ حُجْرِ بْنِ عَدِيٍّ وَأَصْحَابُهُ، وَهُوَ حُجْرُ بْنُ عَدِيِّ بْنِ جَبَلَةَ بْنِ عَدِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْأَكْرَمِينِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ ثَوْرِ بْنِ مَرْتَعِ بْنِ كِنْدِيٍّ الْكُوفِيُّ. وَيُقَالُ لَهُ: حُجْرُ الْخَيْرِ. وَيُقَالُ لَهُ: حُجْرُ بْنُ الْأَدْبَرِ. لِأَنَّ أَبَاهُ عَدِيٍّا طُعِنَ مُولِّيًا فَسُمِّيَ الْأَدْبَرَ، وَيُكَنَّى حُجْرٌ بِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَهُوَ مِنْ كِنْدَةَ مِنْ رُؤَسَاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ. قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: وَفَدَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَسَمِعَ عَلِيًّا وَعَمَّارًا وَشَرَاحِيلَ بْنَ مُرَّةَ. وَيُقَالُ: شُرَحْبِيلُ بْنُ مُرَّةَ. وَرَوَى عَنْهُ أَبُو لَيْلَى مَوْلَاهُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَابِسٍ، وَأَبُو الْبَخْتَرِيِّ الطَّائِيُّ. وَغَزَا الشَّامَ فِي الْجَيْشِ الَّذِينَ افْتَتَحُوا عَذْرَاءَ وَشَهِدَ صِفِّينَ مَعَ عَلِيٍّ أَمِيرًا، وَقُتِلَ بِعَذْرَاءَ مِنْ قُرَى دِمَشْقَ. وَمَسْجِدُ قَبْرِهِ بِهَا

стр. 6451

مَعْرُوفٌ. ثُمَّ سَاقَ ابْنُ عَسَاكِرَ بِأَسَانِيدِهِ إِلَى حُجْرٍ، فَذَكَرَ طَرَفًا صَالِحًا مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ عَلِيٍّ وَغَيْرِهِ. وَقَدْ ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَةِ الرَّابِعَةِ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَذَكَرَ لَهُ وِفَادَةً، ثُمَّ ذَكَرَهُ فِي الْأُولَى مِنْ تَابِعِي أَهْلِ الْكُوفَةِ قَالَ: وَكَانَ ثِقَةً مَعْرُوفًا، وَلَمْ يَرْوِ عَنْ غَيْرِ عَلِيٍّ شَيْئًا. قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: بَلْ قَدْ رَوَى عَنْ عَمَّارٍ وَشُرَاحِيلَ بْنِ مُرَّةَ. وَقَالَ أَبُو أَحْمَدَ الْعَسْكَرِيُّ: أَكْثَرُ الْمُحَدِّثِينَ لَا يُصَحِّحُونَ لَهُ صُحْبَةً، شَهِدَ الْقَادِسِيَّةَ، وَافْتَتَحَ مَرْجَ عَذْرَاءَ، وَشَهِدَ الْجَمَلَ وَصِفِّينِ، وَكَانَ مَعَ عَلِيٍّ حُجْرُ الْخَيْرِ، وَهُوَ حُجْرُ بْنُ عَدِيٍّ هَذَا، وَحُجْرُ الشَّرِّ، وَهُوَ حُجْرُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ مُرَّةَ. وَقَالَ الْمَرْزُبَانِيُّ: قَدْ رَوَى أَنَّ حُجْرَ بْنَ عَدِيٍّ وَفَدَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ أَخِيهِ هَانِئِ بْنِ عَدِيٍّ.

стр. 6452

وَكَانَ هَذَا الرَّجُلُ مِنْ عُبَّادِ النَّاسِ وَزُهَّادِهِمْ، وَكَانَ بَارًّا بِأُمِّهِ، وَكَانَ كَثِيرَ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ. قَالَ أَبُو مَعْشَرٍ: مَا أَحْدَثَ قَطُّ إِلَّا تَوَضَّأَ، وَلَا تَوَضَّأَ إِلَّا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ. هَكَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ النَّاسِ. وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنِي الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: قَالَ سَلْمَانُ لِحُجْرٍ: يَا ابْنَ أُمِّ حُجْرٍ، لَوْ تَقَطَّعْتَ أَعْضَاءً مَا بَلَغْتَ الْإِيمَانَ. وَكَانَ، إِذْ كَانَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ عَلَى الْكُوفَةِ إِذَا ذَكَرَ عَلِيًّا فِي خُطْبَتِهِ يَتَنَقَّصُهُ بَعْدَ مَدْحِ عُثْمَانَ وَشِيعَتِهِ، فَيَغْضَبُ حُجْرٌ هَذَا، وَيُظْهِرُ الْإِنْكَارُ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ كَانَ الْمُغِيرَةُ فِيهِ حِلْمٌ وَأَنَاةٌ، فَكَانَ يَصْفَحُ عَنْهُ وَيَعِظُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، وَيُحَذِّرُهُ غَبَّ هَذَا الصَّنِيعِ، فَإِنَّ مُعَارَضَةَ السُّلْطَانِ شَدِيدٌ وَبَالُهَا، فَلَمْ يَرْجِعْ حُجْرٌ عَنْ ذَلِكَ. فَلَمَّا كَانَ فِي آخِرِ أَيَّامِ الْمُغِيرَةِ قَامَ حُجْرٌ يَوْمًا، فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ فِي الْخُطْبَةِ وَصَاحَ بِهِ، وَذَمَّهُ بِتَأْخِيرِهِ الْعَطَاءِ عَنِ النَّاسِ، وَقَامَ مَعَهُ فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ لِقِيَامِهِ، يُصَدِّقُونَهُ وَيُشَنِّعُونَ عَلَى الْمُغِيرَةِ، وَدَخَلَ الْمُغِيرَةُ بَعْدَ الصَّلَاةِ قَصْرَ الْإِمَارَةِ، وَدَخَلَ مَعَهُ جُمْهُورُ النَّاسِ مِنَ الْأُمَرَاءِ وَغَيْرِهِمْ، فَأَشَارُوا عَلَى الْمُغِيرَةِ بِأَنْ يَرُدَّ حُجْرًا عَمَّا يَتَعَاطَاهُ مِنَ الْجُرْأَةِ عَلَى السُّلْطَانِ وَشَقِّ الْعَصَا وَالْقِيَامِ عَلَى الْأَمِيرِ وَذَمَرَوهُ

стр. 6453

وَحَثُّوهُ عَلَى التَّنْكِيلِ بِهِ، فَصَفَحَ عَنْهُ وَحَلُمَ. وَذَكَرَ يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ أَنَّ مُعَاوِيَةَ كَتَبَ إِلَى الْمُغِيرَةِ يَسْتَمِدُّهُ بِمَالٍ يَبْعَثُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَبَعَثَ عِيرًا تَحْمِلُ مَالًا فَاعْتَرَضَ لَهَا حُجْرٌ، فَأَمَسَكَ بِزِمَامِ أَوَّلِهَا، وَقَالَ: لَا وَاللَّهِ حَتَّى يُوَفِّيَ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ. فَقَالَ شَبَابُ ثَقِيفٍ لِلْمُغِيرَةِ: أَلَّا نَأْتِيكَ بِرَأْسِهِ؟ فَقَالَ: مَا كُنْتُ لِأَفْعَلَ ذَلِكَ بِحُجْرٍ. فَتَرَكَهُ، فَلَمَّا بَلَغَ مُعَاوِيَةَ ذَلِكَ عَزَلَ الْمُغِيرَةَ وَوَلَّى زِيَادًا. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَمْ يَعْزِلِ الْمُغِيرَةَ حَتَّى مَاتَ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، ﵁، وَجُمِعَتِ الْكُوفَةُ مَعَ الْبَصْرَةِ لِزِيَادٍ دَخَلَهَا، وَقَدِ الْتَفَّ عَلَى حُجْرٍ جَمَاعَاتٌ مِنْ شِيعَةِ عَلِيٍّ يُقَوُّونَهُ وَيَشُدُّونَ أَمْرَهُ عَلَى يَدِهِ، وَيَسُبُّونَ مُعَاوِيَةَ وَيَتَبَرَّءُونَ مِنْهُ، فَلَمَّا كَانَ أَوَّلُ خُطْبَةٍ خَطَبَهَا زِيَادٌ بِالْكُوفَةِ، ذَكَرَ فِي آخِرِهَا فَضْلَ عُثْمَانَ، وَذَمَّ مَنْ قَتَلَهُ أَوْ أَعَانَ عَلَى قَتْلِهِ. فَقَامَ حُجْرٌ كَمَا كَانَ يَقُومُ فِي أَيَّامِ الْمُغِيرَةِ، وَتَكَلَّمَ بِنَحْوٍ مِمَّا قَالَ لِلْمُغِيرَةِ، فَلَمْ يَعْرِضْ لَهُ زِيَادٌ، ثُمَّ رَكِبَ زِيَادٌ إِلَى الْبَصْرَةِ وَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ حُجْرًا مَعَهُ إِلَى الْبَصْرَةِ لِئَلَّا يُحْدِثُ حَدَثًا، فَقَالَ: إِنِّي مَرِيضٌ. فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنَّكَ لَمَرِيضُ الدِّينِ وَالْقَلْبِ وَالْعَقْلِ وَاللَّهِ لَئِنْ أَحْدَثْتَ شَيْئًا لَأَسْعَيَنَّ فِي قَتْلِكَ ثُمَّ سَارَ زِيَادٌ إِلَى الْبَصْرَةِ فَبَلَغَهُ أَنَّ حُجْرًا وَأَصْحَابَهُ أَنْكَرُوا عَلَى نَائِبِهِ بِالْكُوفَةِ، وَهُوَ عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ، وَحَصَبُوهُ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَرَكِبَ زِيَادٌ إِلَى الْكُوفَةِ فَنَزَلَ الْقَصْرَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمِنْبَرِ وَعَلَيْهِ قَبَاءُ سُنْدُسٍ، وَمِطْرَفُ خَزٍّ أَحْمَرُ، قَدْ فَرَقَ شَعْرَهُ، وَحُجْرٌ جَالِسٌ وَحَوْلَهُ أَصْحَابُهُ أَكْثَرَ مَا كَانُوا يَوْمَئِذٍ، وَكَانَ مَنْ لَبِسَ مِنْ أَصْحَابِهِ يَوْمَئِذٍ نَحْوًا مِنْ ثَلَاثَةِ آلَافٍ،

стр. 6454

وَجَلَسُوا حَوْلَهُ فِي الْمَسْجِدِ فِي الْحَدِيدِ وَالسِّلَاحِ، فَخَطَبَ زِيَادٌ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ غِبَّ الْبَغْيِ وَالْغَيِّ وَخِيمٌ، وَإِنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ جَمُّوا فَأَشِرُوا وَأَمِنُونِي فَاجْتَرَءُوا عَلَيَّ، وَايْمُ اللَّهِ لَئِنْ لَمَّ تَسْتَقِيمُوا لِأُدَاوِيَنَّكُمْ بِدَوَائِكُمْ. ثُمَّ قَالَ: مَا أَنَا بِشَيْءٍ إِنْ لَمْ أَمْنَعْ سَاحَةَ الْكُوفَةِ مِنْ حُجْرٍ، وَأَدَعْهُ نَكَالًا لِمَنْ بَعْدَهُ، وَيْلُ أُمِّكُ يَا حُجْرُ، سَقَطَ بِكَ الْعَشَاءُ عَلَى سِرْحَانٍ. ثُمَّ قَالَ: أَبْلِغْ نُصَيْحَةَ أَنَّ رَاعِيَ إِبْلِهَا … سَقَطَ الْعَشَاءُ بِهِ عَلَى سِرْحَانِ وَجَعَلَ زِيَادٌ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ: إِنَّ مِنْ حَقِّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ مِنْ حَقِّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ حُجْرٌ: كَذَبْتَ. فَسَكَتَ زِيَادٌ وَنَظَرُ إِلَيْهِ، ثُمَّ عَادَ زِيَادٌ: إِنَّ مِنْ حَقِّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ مِنْ حَقِّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. يَعْنِي كَذَا وَكَذَا، فَأَخَذَ حُجْرٌ كَفًّا مِنْ حَصًا فَحَصَبَهُ، وَقَالَ: كَذَبْتَ عَلَيْكَ لَعْنَةُ اللَّهِ. فَانْحَدَرَ زِيَادٌ فَصَلَّى، ثُمَّ دَخَلَ الْقَصْرَ، وَاسْتَحْضَرَ حُجْرًا، وَيُقَالُ: إِنْ زِيَادًا لَمَّا خَطَبَ طَوَّلَ الْخُطْبَةَ وَأَخَّرَ الصَّلَاةَ، فَقَالَ لَهُ حُجْرٌ: الصَّلَاةَ. فَمَضَى فِي خِطْبَتِهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: الصَّلَاةَ. فَمَضَى فِي خِطْبَتِهِ فَلَمَّا خَشِيَ حُجْرٌ فَوْتَ الصَّلَاةِ عَمِدَ إِلَى كَفٍّ مِنْ حَصَا، وَثَارَ إِلَى الصَّلَاةِ، وَثَارَ النَّاسُ مَعَهُ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ زِيَادٌ نَزَلَ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ،

стр. 6455

فَلَمَّا انْصَرَفَ مِنْ صِلَاتِهِ كَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ فِي أَمْرِهِ وَكَثَّرَ عَلَيْهِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ أَنْ شُدَّهُ فِي الْحَدِيدِ وَاحْمِلْهُ إِلَيَّ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ زِيَادٌ وَالِيَ الشُّرْطَةِ، وَهُوَ شَدَّادُ بْنُ الْهَيْثَمِ وَمَعَهُ أَعْوَانُهُ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ الْأَمِيرَ يَطْلُبُكَ. فَامْتَنَعَ مِنَ الْحُضُورِ إِلَى زِيَادٍ، وَقَامَ دُونَهُ أَصْحَابُهُ، فَرَجَعَ الْوَالِي إِلَى زِيَادٍ فَأَعْلَمَهُ، فَاسْتَنْهَضَ زِيَادٌ جَمَاعَاتٌ مِنَ الْقَبَائِلِ، فَرَكِبُوا مَعَ الْوَالِي إِلَى حُجْرٍ وَأَصْحَابِهِ، فَكَانَ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ بِالْحِجَارَةِ وَالْعِصِيِّ، فَعَجَزُوا عَنْهُ، فَنَدَبَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْأَشْعَثِ، وَأَمْهَلَهُ ثَلَاثًا، وَجَهَّزَ مَعَهُ جَيْشًا، فَرَكِبُوا فِي طَلَبِهِ وَلَمْ يَزَالُوا حَتَّى أَحْضَرُوهُ إِلَى زِيَادٍ، وَمَا أَغْنَى عَنْهُ قَوْمُهُ وَلَا مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنَّهُ يَنْصُرُهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قَيَّدَهُ زِيَادٌ وَسَجَنَهُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ بَعَثَ بِهِ إِلَى مُعَاوِيَةَ، وَبَعَثَ مَعَهُ جَمَاعَةً يَشْهَدُونَ عَلَيْهِ أَنَّهُ سَبَّ الْخَلِيفَةَ، وَأَنَّهُ حَارَبَ الْأَمِيرَ، وَأَنَّهُ يَقُولُ: إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَا يَصْلُحُ إِلَّا فِي آلِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ الشُّهُودِ عَلَيْهِ; أَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى، وَوَائِلُ بْنُ حُجْرٍ، وَعُمَرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَإِسْحَاقُ وَإِسْمَاعِيلُ وَمُوسَى بَنُو طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ وَالْمُنْذِرُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَكَثِيرُ بْنُ شِهَابٍ، وَشَبَثُ بْنُ رِبْعِيٍّ، فِي سَبْعِينَ رَجُلًا، وَيُقَالُ: إِنَّهُ كُتِبَتْ شَهَادَةُ شُرَيْحٍ الْقَاضِي فِيهِمْ، وَإِنَّهُ أَنْكَرَ ذَلِكَ وَقَالَ: إِنَّمَا قُلْتُ لِزِيَادٍ: إِنَّهُ كَانَ صَوَّامًا قَوَّامًا. ثُمَّ بَعَثَ زِيَادٌ حُجْرًا وَأَصْحَابَهُ مَعَ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ وَكَثِيرِ بْنِ شِهَابٍ إِلَى الشَّامِ. وَكَانَ مَعَ حُجْرِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ جَبَلَةَ الْكِنْدِيِّ مِنْ أَصْحَابِهِ جَمَاعَةٌ قِيلَ: عِشْرُونَ رَجُلًا. وَقِيلَ: أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا. مِنْهُمُ; الْأَرْقَمُ بْنُ

стр. 6456

عَبْدِ اللَّهِ الْكِنْدِيُّ، وَشَرِيكُ بْنُ شَدَّادٍ الْحَضْرَمِيُّ، وَصَيْفِيُّ بْنُ فَسِيلٍ، وَقَبِيصَةُ بْنُ ضُبَيْعَةَ بْنِ حَرْمَلَةَ الْعَبْسِيُّ، وَكَرِيمُ بْنُ عَفِيفٍ الْخَثْعَمِيُّ، وَعَاصِمُ بْنُ عَوْفٍ الْبَجَلِيُّ، وَوَرْقَاءُ بْنُ سُمَيٍّ الْبَجَلِيُّ، وَكِدَامُ بْنُ حَيَّانَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَّانَ الْعَنَزِيَّانُ مِنْ بَنَى تَمِيمٍ، وَمُحْرِزُ بْنُ شِهَابٍ التَّمِيمِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَوِيَّةَ السَّعْدِيُّ التَّمِيمِيُّ أَيْضًا. فَهَؤُلَاءِ أَصْحَابُهُ الَّذِينَ وَصَلُوا مَعَهُ، فَسَارُوا بِهِمْ إِلَى الشَّامِ، ثُمَّ إِنَّ زِيَادًا أَتْبَعَهُمْ بِرَجُلَيْنِ آخَرَيْنِ; عُتْبَةَ بْنِ الْأَخْنَسِ مِنْ بَنِي سَعْدٍ، وَسَعْدِ بْنِ نَمِرَانَ الْهَمْدَانِيِّ، فَكَمَلُوا أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا. فَيُقَالُ: إِنَّ حُجْرًا لَمَّا دَخَلَ عَلَى مُعَاوِيَةَ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَغَضِبَ مُعَاوِيَةُ غَضَبًا شَدِيدًا، وَأَمَرَ بِضَرْبِ عُنُقِهِ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ. وَيُقَالُ: إِنَّ مُعَاوِيَةَ رَكِبَ فَتَلَقَّاهُمْ إِلَى مَرْجِ عَذْرَاءَ. وَيُقَالُ: بَلْ بَعَثَ إِلَيْهِمْ مَنْ تَلَقَّاهُمْ إِلَى عَذْرَاءَ تَحْتَ الثَّنِيَّةِ; ثَنِيَّةِ الْعُقَابِ فَقُتِلُوا هُنَاكَ، وَكَانَ الَّذِينَ بَعَثَ إِلَيْهِمْ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ، وَهُمْ; هُدْبَةُ بْنُ فَيَّاضٍ الْقُضَاعِيُّ، وَالْحُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْكِلَابِيُّ، وَأَبُو شَرِيفٍ

стр. 6457

الْبَدِّيُّ، فَجَاءُوا إِلَيْهِمْ عَشَاءً فَبَاتَ حُجْرٌ وَأَصْحَابُهُ يَصِلُونَ طُولَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا صَلَّوُا الصُّبْحَ قَتَلُوهُمْ، وَهَذَا هُوَ الْأَشْهَرُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ أَنَّهُمْ دَخَلُوا عَلَيْهِ، ثُمَّ رَدَّهُمْ، فَقُتِلُوا بِعَذْرَاءَ. وَكَانَ مُعَاوِيَةُ قَدِ اسْتَشَارَ النَّاسَ فِيهِمْ حِينَ وَصَلُوا إِلَى مَرْجِ عَذْرَاءَ وَقِيلَ: إِنَّهُمْ حُبِسُوا بِهَا. فَمِنْ مُشِيرٍ بِقَتْلِهِمْ، وَمِنْ مُشِيرٍ بِتَفْرِيقِهِمْ فِي الْبِلَادِ، فَكَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى زِيَادٍ كِتَابًا آخَرَ فِي أَمْرِهِمْ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِقَتْلِهِمْ إِنْ كَانَ لَهُ حَاجَةٌ فِي مُلْكِ الْعِرَاقِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَ بِقَتْلِهِمْ، فَاسْتَوْهَبَ مِنْهُ الْأُمَرَاءُ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، حَتَّى اسْتَوْهَبُوا مِنْهُ سِتَّةً، وَقَتَلَ مِنْهُمْ سِتَّةً، أَوَّلُهُمْ حُجْرُ بْنُ عَدِيٍّ وَرَجَعَ آخَرُ، فَعَفَا عَنْهُ مُعَاوِيَةُ، وَبَعَثَ بِآخَرَ نَالَ مِنْ عُثْمَانَ وَزَعَمَ أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ جَارَ فِي الْحُكْمِ، وَمَدَحَ عَلِيًّا، فَبَعَثَ بِهِ مُعَاوِيَةُ إِلَى زِيَادٍ، وَقَالَ لَهُ: لَمْ تَبْعَثْ إِلَيَّ فِيهِمْ أَرْدَى مِنْ هَذَا. فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى زِيَادٍ دَفَنَهُ فِي قُسِّ النَّاطِفِ حَيًّا، وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَّانَ الْعَنَزِيُّ. وَهَذِهِ تَسْمِيَةُ الَّذِينَ قُتِلُوا بِعَذْرَاءَ; حُجْرُ بْنُ عَدِيٍّ وَشَرِيكُ بْنُ شَدَّادٍ،

стр. 6458

وَصَيْفِيُّ بْنُ فَسِيلٍ الشَّيْبَانِيُّ، وَقَبِيصَةُ بْنُ ضُبَيْعَةَ الْعَبْسِيُّ، وَمُحْرِزُ بْنُ شِهَابٍ الْمِنْقَرِيُّ السَّعْدِيُّ، وَكِدَامُ بْنُ حَيَّانَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَّانَ الْعَنَزِيُّ الْمَبْعُوثُ إِلَى زِيَادٍ الْمَدْفُونُ فِي قُسِّ النَّاطِفِ، فَلَمَّا قُتِلُوا صُلِّيَ عَلَيْهِمْ وَدُفِنُوا. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُمْ مَدْفُونُونَ بِمَسْجِدِ الْقَصَبِ، - وَمِنْهُمْ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُمْ مَدْفُونُونَ بِمَسْجِدِ السَّبْعَةِ خَارِجَ بَابِ تُومَاءَ - وَإِنَّمَا نُسِبَتِ السَّبْعَةُ إِلَيْهِمْ; لِأَنَّهُمْ سَبْعَةٌ - فِي شَرْقِيَّهِ، وَقِيلَ: هُمْ فِي غَرْبِيِّ مَسْجِدِ الْقَصَبِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُمْ مَدْفُونُونَ بِعَذْرَاءَ مِنْ غُوطَةِ دِمَشْقَ ﵏. وَيُذْكَرُ أَنَّ حُجْرًا لَمَّا أَرَادُوا قَتْلَهُ قَالَ: دَعُونِي حَتَّى أَتَوَضَّأَ. فَقَالُوا: تَوَضَّأْ. فَقَالَ: دَعَونِي حَتَّى أُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ. فَصَلَّاهُمَا وَخَفَّفَ فِيهِمَا. ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُ صَلَاةً قَطُّ أَخَفَّ مِنْهُمَا، وَلَوْلَا أَنْ يَقُولُوا: إِنَّ مَا بِي جَزَعٌ مِنَ الْمَوْتِ. لَطَوَّلْتُهُمَا. ثُمَّ قَالَ: قَدْ تَقَدَّمَ لَهُمَا صَلَوَاتٌ كَثِيرَةٌ. ثُمَّ قَدَّمُوهُ لِلْقَتْلِ وَقَدْ حُفِرَتْ قُبُورُهُمْ وَنُشِرَتْ أَكْفَانُهُمْ، فَلَمَّا تَقَدَّمَ إِلَيْهِ السَّيَّافُ ارْتَعَدَتْ فَرَائِصُهُ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّكَ قُلْتَ: لَسْتُ بِجَازِعٍ مِنَ الْقَتْلِ. فَقَالَ: وَمَا لِي لَا أَجْزَعُ وَأَنَا أَرَى قَبْرًا مَحْفُورًا وَكَفَنًا مَنْشُورًا وَسَيْفًا مَشْهُورًا. فَأَرْسَلَهَا مَثَلًا. ثُمَّ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ الْأَعْوَرُ هُدْبَةُ بْنُ فَيَّاضٍ بِالسَّيْفِ، فَقَالَ لَهُ: امْدُدْ عُنُقَكَ. فَقَالَ: لَا أُعِينُ عَلَى

стр. 6459

قَتْلِ نَفْسِي. فَضَرَبَهُ فَقَتَلَهُ. وَكَانَ قَدْ أَوْصَى أَنْ يُدْفَنَ فِي قُيُودِهِ، فَفَعَلُوا بِهِ ذَلِكَ، وَقِيلَ: بَلْ غَسَّلُوهُ وَصَلَّوْا عَلَيْهِ. وَرَوَى أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ قَالَ: أَصَلَّوْا عَلَيْهِ وَدَفَنُوهُ فِي قُيُودِهِ؟! قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: حَجَّهُمْ وَاللَّهِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَائِلَ هَذَا إِنَّمَا هُوَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ فَإِنَّ حُجْرًا إِنَّمَا قُتِلَ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَخَمْسِينَ، وَقِيلَ: سَنَةَ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ. وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَالْحَسَنُ كَانَ قَدْ مَاتَ قَبْلَهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْحَسَنِ، وَرَحِمَ اللَّهُ حُجْرًا وَأَصْحَابَهُ. وَرُوِّينَا أَنَّ مُعَاوِيَةَ لَمَّا دَخَلَ عَلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ، فَسَلَّمَ عَلَيْهَا مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ، وَذَلِكَ بَعْدَ مَقْتَلِ حُجْرٍ وَأَصْحَابِهِ، قَالَتْ لَهُ: أَيْنَ ذَهَبَ عَنْكَ حِلْمُكَ يَا مُعَاوِيَةَ حِينَ قَتَلْتَ حُجْرًا وَأَصْحَابَهُ؟ فَقَالَ لَهَا: فَقَدْتُهُ حِينَ غَابَ عَنِّي مِنْ قَوْمِي مِثْلُكِ يَا أُمَّاهُ. ثُمَّ قَالَ لَهَا: فَكَيْفَ بِرِّي بِكِ يَا أُمَّهْ؟ فَقَالَتْ: إِنَّكَ بِي لَبَارٌّ. فَقَالَ: يَكْفِينِي هَذَا عِنْدَ اللَّهِ، وَغَدًا لِي وَلِحُجْرٍ مَوْقِفٌ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ . وفِي

стр. 6460

رِوَايَةٍ أَنَّهُ قَالَ لَهَا: إِنَّمَا قَتَلَهُ الَّذِينَ شَهِدُوا عَلَيْهِ. وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ مُعَاوِيَةَ لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوتُ جَعْلَ يُغَرْغِرُ بِرُوحِهِ وَهُوَ يَقُولُ: إِنَّ يَوْمِي بِكَ يَا حُجْرُ بْنَ عَدِيٍّ لَطَوِيلٌ. قَالَهَا ثَلَاثًا. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ فِي «الطَّبَقَاتِ»: ذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ حُجْرًا وَفَدَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ أَخِيهِ هَانِئِ بْنِ عَدِيٍّ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ عَلِيٍّ، فَلَمَّا قَدِمَ زِيَادُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ وَالِيًا عَلَى الْكُوفَةِ دَعَا بِحُجْرِ بْنِ عَدِيٍّ، فَقَالَ: تَعْلَمُ أَنِّي أَعْرِفُكَ، وَقَدْ كُنْتُ أَنَا وَإِيَّاكَ عَلَى مَا قَدْ عَلِمْتَ - يَعْنِي مِنْ حُبِّ عَلِيٍّ - وَأَنَّهُ قَدْ جَاءَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَإِنِّي أَنْشُدُكَ اللَّهَ أَنْ تُقْطِرَ لِي مِنْ دَمِكَ قَطْرَةً فَأَسْتَفْرِغَهُ كُلَّهُ، امْلِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَلْيَسَعْكَ مَنْزِلُكَ، وَهَذَا سَرِيرِي فَهُوَ مَجْلِسُكَ، وَحَوَائِجُكَ مَقْضِيَّةٌ لَدَيَّ، فَاكْفِنِي نَفْسَكَ فَإِنِّي أَعْرِفُ عِجْلَتَكَ، فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ، وَإِيَّاكَ وَهَذِهِ السَّفِلَةَ وَهَؤُلَاءِ السُّفَهَاءَ أَنْ يَسْتَنَزِلُّوكَ عَنْ رَأْيِكَ. فَقَالَ حُجْرٌ: قَدْ فَهِمْتُ. ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَأَتَاهُ الشِّيعَةُ فَقَالُوا: مَا قَالُ لَكَ؟ قَالَ: قَالَ لِي كَذَا وَكَذَا. فَقَالُوا: مَا نَصَحَ لَكَ. وَسَارَ زِيَادٌ إِلَى الْبَصْرَةِ، ثُمَّ جَعَلُوا يَتَرَدَّدُونَ إِلَيْهِ يَقُولُونَ لَهُ: أَنْتَ شَيْخُنَا. وَإِذَا جَاءَ إِلَى الْمَسْجِدِ مَشَوْا مَعَهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ نَائِبُ زِيَادٍ عَلَى الْكُوفَةِ، يَقُولُ: مَا هَذِهِ

стр. 6461

الْجَمَاعَةُ وَقَدْ أَعْطَيْتَ الْأَمِيرَ مَا قَدْ عَلِمْتَ؟ فَقَالَ لِلرَّسُولِ: إِنَّهُمْ يُنْكِرُونَ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ، إِلَيْكَ وَرَاءَكَ أَوْسَعَ لَكَ. فَكَتَبَ عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ إِلَى زِيَادٍ: إِنْ كَانَتْ لَكَ حَاجَةٌ بِالْكُوفَةِ فَالْعَجَلَ. فَأَعْجَلَ زِيَادٌ السَّيْرَ إِلَى الْكُوفَةِ، فَلَمَّا وَصَلَ بَعَثَ إِلَيْهِ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ وَجَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيَّ، وَخَالِدَ بْنَ عُرْفُطَةَ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ أَشْرَافِ أَهْلِ الْكُوفَةِ لِيَنْهَوْهُ عَنْ هَذِهِ الْجَمَاعَةِ، فَأَتَوْهُ فَجَعَلُوا يُحَدِّثُونَهُ وَلَا يَرُدُّ عَلَيْهِمْ شَيْئًا، بَلْ جَعَلَ يَقُولُ: يَا غُلَامُ، اعْلِفِ الْبَكْرَ. لِبَكْرٍ مَرْبُوطٍ فِي الدَّارِ. فَقَالَ لَهُ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ: أَمْجَنُونٌ أَنْتَ؟ نُكَلِّمُكَ وَأَنْتَ تَقُولُ: يَا غُلَامُ، اعْلِفِ الْبَكْرَ! ثُمَّ قَالَ عَدِيٌّ لِأَصْحَابِهِ: مَا كُنْتُ أَظُنُّ هَذَا الْبَائِسَ بَلَغَ بِهِ الضَّعْفُ كُلَّ مَا أَرَى. ثُمَّ نَهَضُوا فَأَخْبَرُوا زِيَادًا بِبَعْضِ الْخَبَرِ وَكَتَمُوهُ بَعْضًا، وَحَسَّنُوا أَمْرَهُ وَسَأَلُوهُ الرِّفْقَ بِهِ، فَلَمْ يَقْبَلْ، بَلْ بَعَثَ إِلَيْهِ الشُّرَطَ وَالْبُخَارِيَّةَ، فَأَتَى بِهِ وَبِأَصْحَابِهِ، فَقَالَ لَهُ: زِيَادٌ: وَيْلَكَ مَا لَكَ؟ قَالَ: إِنِّي عَلَى بَيْعَتِي لِمُعَاوِيَةَ. فَجَمَعَ زِيَادٌ سَبْعِينَ مِنْ وُجُوهِ أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَقَالَ: اكْتُبُوا شَهَادَتَكُمْ عَلَى حُجْرٍ وَأَصْحَابِهِ. فَفَعَلُوا ثُمَّ أَوْفَدَهُمْ إِلَى مُعَاوِيَةَ، وَبَلَغَ الْخَبَرُ عَائِشَةَ، فَأَرْسَلَتْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ إِلَى مُعَاوِيَةَ تَسْأَلُهُ أَنْ يُخَلِّيَ سَبِيلَهُمْ، فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى مُعَاوِيَةَ قَرَأَ كِتَابَ زِيَادٍ، وَشَهِدَ الشُّهُودُ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: اخْرُجُوا بِهِمْ إِلَى عَذْرَاءَ، فَاقْتُلُوهُمْ هُنَاكَ. فَذَهَبُوا بِهِمْ، ثُمَّ قَتَلُوا مِنْهُمْ سَبْعَةً، ثُمَّ جَاءَ رَسُولُ مُعَاوِيَةَ بِالتَّخْلِيَةِ عَنْهُمْ، وَأَنْ يُطْلِقُوهُمْ كُلَّهُمْ، فَوَجَدَهُمْ قَدْ قَتَلُوا مِنْهُمْ سَبْعَةً فَأَطْلَقُوا السَّبْعَةَ

стр. 6462

الْبَاقِينَ، وَلَكِنْ كَانَ حُجْرٌ فِيمَنْ قُتِلَ، وَكَانَ قَدْ سَأَلَهُمْ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَقْتُلُوهُ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَطَوَّلَ فِيهِمَا، وَقَالَ: إِنَّهُمَا لَأَخَفُّ صَلَاةٍ صَلَّيْتُهَا. وَجَاءَ رَسُولُ عَائِشَةَ بَعْدَ مَا فُرِغَ مِنْ شَأْنِهِمْ، فَلَمَّا حَجَّ مُعَاوِيَةُ قَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: أَيْنَ عَزَبَ عَنْكَ حِلْمُكَ حِينَ قَتَلْتَ حُجْرًا؟ فَقَالَ: حِينَ غَابَ عَنِّي مِثْلُكِ مِنْ قَوْمِي. وَيُرْوَى أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَارِثِ قَالَ لِمُعَاوِيَةَ أَقَتَلْتَ حُجْرَ بْنَ الْأَدْبَرِ؟ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: قَتْلُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقْتُلَ مَعَهُ مِائَةَ أَلْفٍ. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ عَنْ حُجْرِ بْنِ عَدِيٍّ وَأَصْحَابِهِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَنَالُونَ مِنْ عُثْمَانَ، وَيَقُولُونَ فِيهِ مَقَالَةَ الْجَوْرِ، وَيَنْتَقِدُونَ عَلَى الْأُمَرَاءِ، وَيُسَارِعُونَ فِي الْإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ، وَيُبَالِغُونَ فِي ذَلِكَ، وَيَتَوَلَّوْنَ شِيعَةَ عَلِيٍّ، وَيَتَشَدَّدُونَ فِي الدِّينِ. وَيُرْوَى أَنَّهُ لَمَّا أُخِذَ فِي قُيُودِهِ سَائِرًا مِنَ الْكُوفَةِ إِلَى الشَّامِ، تَلَقَّتْهُ بَنَاتُهُ فِي الطَّرِيقِ وَهُنَّ يَبْكِينَ، فَمَالَ نَحْوَهُنَّ فَسَكَتَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ: إِنِ الَّذِي يُطْعِمُكُنَّ وَيَسْقِيكُنَّ وَيَكْسُوكُنَّ هُوَ اللَّهُ، وَهُوَ بَاقٍ لَكُنَّ بَعْدِي، فَعَلَيْكُنَّ بِتَقْوَى اللَّهِ وَعِبَادَتِهِ، وَالصَّبْرِ ابْتِغَاءَ وَجْهِهِ، وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ حَيٌّ لَا يَمُوتُ أَبَدًا، فَاتَّقِينَ اللَّهَ وَاصْبِرْنَ، فَإِنِّي لَأَرْجُو مِنْ رَبِّي، ، فِي وَجْهِي هَذَا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ; إِمَّا

стр. 6463

الشَّهَادَةَ وَهِيَ السَّعَادَةُ الْكُبْرَى، وَإِمَّا الِانْصِرَافَ إِلَيْكُنَّ فِي عَافِيَةٍ، وَإِنِّي لَأَرْجُو مِنَ اللَّهِ الَّذِي كَانَ يَكْفِينِي مُؤْنَتَكُنَّ أَنْ لَا يُضَيِّعَكُنَّ وَأَنْ يَحْفَظَنِي فَيْكُنَّ. ثُمَّ انْصَرَفَ فَمَرَّ بِقَوْمِهِ فَجَعَلُوا يَدْعُونَ اللَّهَ لَهُ بِالْعَافِيَةِ، فَأَتَوْا بِهِ وَبِأَصْحَابِهِ مَرْجَ عَذْرَاءَ فَقُتِلُوا وَدَفَنُوهُمْ مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ، ﵏ وَعَفَا عَنْهُمْ. وَقَدْ قَالَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْمُتَشَيِّعَاتِ تَرْثِي حُجْرًا، وَهِيَ هِنْدُ بِنْتُ زَيْدِ بْنِ مَخْرَمَةَ - الْأَنْصَارِيَّةُ - وَيُقَالُ: إِنَّهَا لِهِنْدٍ أُخْتِ حُجْرٍ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ -: تَرَفَّعْ أَيُّهَا الْقَمَرُ الْمُنِيرُ … تَبَصَّرْ هَلْ تَرَى حُجْرًا يَسِيرُ يَسِيرُ إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ حَرْبٍ … لِيَقْتُلَهُ كَمَا زَعَمَ الْأَمِيرُ يَرَى قَتْلَ الْخِيَارِ عَلَيْهِ حَقًّا … لَهُ مِنْ شَرِّ أُمَّتِهِ وَزِيرُ أَلَّا يَا لَيْتَ حُجْرًا مَاتَ مَوْتًا … وَلَمْ يُنْحَرْ كَمَا نُحِرَ الْبَعِيرُ تَجَبَّرَتِ الْجَبَابِرُ بَعْدَ حُجْرٍ … وَطَابَ لَهَا الْخَوَرْنَقُ وَالسَّدِيرُ وَأَصْبَحَتِ الْبِلَادُ لَهُ مُحُولًا … كَأَنْ لَمْ يُحْيِهَا مُزْنٌ مَطِيرُ أَلَّا يَا حُجْرُ حُجْرَ بَنِي عَدِيٍّ … تَلَقَّتْكَ السَّلَامَةُ وَالسُّرُورُ

стр. 6464

أَخَافُ عَلَيْكَ مَا أَرْدَى عَدِيٍّا … وَشَيْخًا فِي دِمَشْقَ لَهُ زَئِيرُ فَإِنْ تَهْلِكْ فَكُلُّ زَعِيمِ قَوْمٍ … مِنَ الدُّنْيَا إِلَى هُلْكٍ يَصِيرُ وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَسَاكِرَ لَهُ مَرَاثِيَ كَثِيرَةً. وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ: حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ، أَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ قَالَ: دَخَلَ مُعَاوِيَةُ عَلَى عَائِشَةَ، فَقَالَتْ: مَا حَمَلَكَ عَلَى قَتْلِ أَهْلِ عَذْرَاءَ حُجْرٍ وَأَصْحَابِهِ؟ فَقَالَ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، إِنِّي رَأَيْتُ فِي قَتْلِهِمْ صَلَاحًا لِلْأُمَّةِ، وَفِي بَقَائِهِمْ فَسَادًا لِلْأُمَّةِ. فَقَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «سَيُقْتَلُ بِعَذْرَاءَ أُنَاسٌ يَغْضَبُ اللَّهُ لَهُمْ وَأَهْلُ السَّمَاءِ». وَهَذَا إِسْنَادٌ ضَعِيفٌ مُنْقَطِعٌ. وَقَدْ رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، أَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: بَلَغَنِي أَنَّهُ سَيُقْتَلُ بِعَذْرَاءَ أُنَاسٌ يَغْضَبُ اللَّهُ لَهُمْ وَأَهْلُ السَّمَاءِ. وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ: حَدَّثَنِي ابْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ،

стр. 6465

حَدَّثَنِي الْحَارِثُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زُرَيرٍ الْغَافِقِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ: يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ، سَيُقْتَلُ مِنْكُمْ سَبْعَةُ نَفَرٍ بِعَذْرَاءَ، مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ أَصْحَابِ الْأُخْدُودِ. قَالَ: فَقُتِلَ حُجْرٌ وَأَصْحَابُهُ. ابْنُ لَهِيعَةَ ضَعِيفٌ. وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ فِي السُّوقِ، فَنُعِيَ لَهُ حُجْرٌ، فَأَطْلَقَ حُبْوَتَهُ، وَقَامَ وَغَلَبَ عَلَيْهِ النَّحِيبُ. وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا، عَنْ عَفَّانَ، عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَوْ غَيْرِهِ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ مُعَاوِيَةُ الْمَدِينَةَ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ فَقَالَتْ: أَقَتَلْتَ حُجْرًا؟ فَقَالَ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، إِنِّي وَجَدْتُ قَتْلَ رَجُلٍ فِي صَلَاحِ النَّاسِ خَيْرًا مِنِ اسْتِحْيَائِهِ فِي فَسَادِهِمْ. وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ مُعَاوِيَةَ عَلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ فَقَالَتْ: يَا مُعَاوِيَةُ، قَتَلْتَ حُجْرًا وَأَصْحَابَهُ وَفَعَلْتَ الَّذِي فَعَلْتَ، أَمَّا خَشِيتَ أَنْ أُخَبِّئَ لَكَ رَجُلًا يَقْتُلُكَ؟ فَقَالَ: لَا، إِنِّي فِي بَيْتِ الْأَمَانِ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:

стр. 6466

«الْإِيمَانُ قَيَّدَ الْفَتْكَ، لَا يَفْتِكُ مُؤْمِنٌ». يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، كَيْفَ أَنَا فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ حَاجَاتِكَ وَأَمْرِكَ؟ قَالَتْ: صَالِحٌ. قَالَ: فَدَعِينِي وَحُجْرًا حَتَّى نَلْتَقِيَ عِنْدَ رَبِّنَا، . وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهَا حَجَبَتْهُ وَقَالَتْ: لَا يَدْخُلُ عَلَيَّ أَبَدًا. فَلَمْ يَزَلْ يَتَلَطَّفُ حَتَّى دَخَلَ، فَلَامَتْهُ فِي قَتْلِهِ حُجْرًا، فَلَمْ يَزَلْ يَعْتَذِرُ حَتَّى عَذَرَتْهُ. وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهَا كَانَتْ تَتَوَعَّدُهُ وَتَقُولُ: لَوْلَا يَغْلِبُنَا سُفَهَاؤُنَا لَكَانَ لِي وَلِمُعَاوِيَةَ فِي قَتْلِهِ حُجْرًا شَأْنٌ. فَلَمَّا اعْتَذَرَ إِلَيْهَا عَذَرَتْهُ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وَلَّى زِيَادٌ عَلَى خُرَاسَانَ بَعْدَ مَوْتِ الْحَكَمِ بْنِ عَمْرٍو، الرَّبِيعَ بْنَ زِيَادٍ الْحَارِثِيَّ، فَفَتَحَ بَلْخَ صُلْحًا، وَكَانُوا قَدْ أَغْلَقُوهَا بَعْدَمَا صَالَحَهُمُ الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ، وَفَتَحَ قُوهِسْتَانَ عَنْوَةً، وَكَانَ عِنْدَهَا أَتْرَاكٌ فَقَتَلَهُمْ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إِلَّا نَيْزَكُ طَرْخَانَ، فَقَتَلَهُ قُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ بَعْدَ ذَلِكَ، كَمَا سَيَأْتِي. وَفِيهَا غَزَا الرَّبِيعُ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ، فَغَنِمَ وَسَلِمَ، وَكَانَ قَدْ قَطَعَ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ قَبْلَهُ الْحَكَمُ بْنُ عَمْرٍو، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ شَرِبَ مِنَ النَّهْرِ غُلَامٌ لِلْحَكَمِ، فَسَقَى سَيِّدَهُ، وَتَوَضَّأَ الْحَكَمُ وَصَلَّى وَرَاءَ النَّهْرِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَجَعَ، فَلَمَّا كَانَ الرَّبِيعُ هَذَا غَزَا مَا وَرَاءَ النَّهْرِ، فَغَنِمَ وَسَلِمَ. وَفِيهَا حَجَّ بِالنَّاسِ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، فِيمَا قَالَهُ أَبُو مَعْشَرٍ وَالْوَاقِدِيُّ.

стр. 6467

وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي «الْمُنْتَظِمِ» أَنَّهُ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَكَابِرِ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ، وَجَعْفَرُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ الْحَارِثِ، وَحَارِثَةُ بْنُ النُّعْمَانِ، وَحُجْرُ بْنُ عَدِيٍّ، وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَنِيسٍ، وَأَبُو بَكْرَةَ نُفَيْعُ بْنُ الْحَارِثِ الثَّقَفِيُّ، ﵃. فَأَمَّا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ فَأَسْلَمَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ، وَكَانَ إِسْلَامُهُ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ عَشْرٍ، وَكَانَ قُدُومُهُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ، وَكَانَ قَدْ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ: «إِنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ مِنْ هَذَا الْفَجِّ مِنْ خَيْرِ ذِي يَمَنٍ، وَإِنَّ عَلَى وَجْهِهِ مَسْحَةَ مَلَكٍ». فَلَمَّا دَخَلَ جَرِيرٌ رَمَاهُ النَّاسُ بِأَبْصَارِهِمْ يَنْظُرُونَ. وَأَخْبَرُوهُ بِمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَحَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى. وَيُرْوَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا جَالَسَهُ بَسَطَ لَهُ رِدَاءَهُ وَقَالَ: «إِذَا جَاءَكُمْ كَرِيمُ قَوْمٍ فَأَكْرَمُوهُ». وَبَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى ذِي الْخَلَصَةِ - وَهُوَ بَيْتٌ كَانَتْ تُعَظِّمُهُ دَوْسٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ - فَذَكَرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ، فَضَرَبَ فِي صَدْرِهِ وَقَالَ: «اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا». فَذَهَبَ إِلَيْهِ فَهَدَمَهُ. وَفِي «الصَّحِيحَيْنِ» عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: مَا حَجَبَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُنْذُ أَسْلَمْتُ، وَلَا رَآنِي إِلَّا تَبَسَّمَ. وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَقُولُ: جَرِيرٌ يُوسُفُ هَذِهِ الْأُمَّةِ.

стр. 6468

وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ: رَأَيْتُ جَرِيرًا كَأَنَّ وَجْهَهُ شَقَّةُ قَمَرٍ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: كَانَ جَرِيرٌ هُوَ وَجَمَاعَةٌ مَعَ عُمَرَ فِي بَيْتٍ، فَاشْتَمَّ عُمَرُ مِنْ بَعْضِهِمْ رِيحًا، فَقَالَ: عَزَمْتُ عَلَى صَاحِبِ هَذِهِ الرِّيحِ لَمَا قَامَ فَتَوَضَّأَ. فَقَالَ جَرِيرٌ أَوَ نَقُومُ كُلُّنَا فَنَتَوَضَّأَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ عُمَرُ: نِعْمَ السَّيِّدُ كَنْتَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَنِعْمَ السَّيِّدُ أَنْتَ فِي الْإِسْلَامِ. وَقَدْ كَانَ عَامِلًا لِعُثْمَانَ عَلَى هَمَذَانَ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ أُصِيبَتْ عَيْنُهُ هُنَاكَ. فَلَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ اعْتَزَلَ عَلِيًّا وَمُعَاوِيَةَ، وَلَمْ يَزَلْ مُقِيمًا بِالْجَزِيرَةِ حَتَّى تُوُفِّيَ بِالسَّرَاةِ سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ. قَالَهُ الْوَاقِدِيُّ، وَقِيلَ: سَنَةَ أَرْبَعٍ وَقِيلَ: سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِينَ. وَأَمَّا جَعْفَرُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَأَسْلَمَ مَعَ أَبِيهِ حِينَ تَلَقَّيَاهُ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عَامَ الْفَتْحِ، فَلَمَّا رَدَّهُمَا قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: وَاللَّهِ لَئِنْ

стр. 6469

لَمْ يَأْذَنْ لِي لَآخُذَنَّ بِيَدِ بُنَيَّ هَذَا فَأَذْهَبَنَّ فِي الْأَرْضِ، فَلَا يُدْرَى أَيْنَ أَذْهَبُ. فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَقَّ لَهُ وَأَذِنَ لَهُ، وَقَبِلَ إِسْلَامَهُمَا، فَأَسْلَمَا إِسْلَامًا حَسَنًا، بَعْدَ مَا كَانَ أَبُو سُفْيَانَ هَذَا يُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَذًى كَثِيرًا، وَشَهِدَ حُنَينًا، وَكَانَ مِمَّنْ ثَبَتَ يَوْمَئِذٍ. ﵄. وَأَمَّا حَارِثَةُ بْنُ النُّعْمَانِ الْأَنْصَارِيُّ النَّجَّارِيُّ فَشَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا وَالْخَنْدَقَ وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا، وَكَانَ مِنْ فُضَلَاءِ الصَّحَابَةِ، وَرُوِيَ أَنَّهُ رَأَى جِبْرِيلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْمَقَاعِدِ يَتَحَدَّثَانِ بَعْدَ خَيْبَرَ. وَأَنَّهُ رَآهُ يَوْمَ بَنِي قُرَيْظَةَ فِي صُورَةِ دِحْيَةَ. وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَمِعَ قِرَاءَتَهُ فِي الْجَنَّةِ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يُونُسَ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي فُدَيْكٍ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ حَارِثَةَ بْنَ النُّعْمَانِ كَانَ قَدْ كُفَّ بَصَرُهُ، فَجَعَلَ خَيْطًا مِنْ مُصَلَّاهِ إِلَى بَابِ حُجْرَتِهِ، وَكَانَ يَضَعُ عِنْدَهُ مِكْتَلًا فِيهِ تَمْرٌ وَغَيْرُهُ، فَإِذَا جَاءَهُ الْمِسْكِينُ أَخَذَ مِنْ ذَلِكَ التَّمْرِ، ثُمَّ أَخَذَ يُمْسِكُ

стр. 6470

بِذَلِكَ الْخَيْطِ حَتَّى يَضَعَ ذَلِكَ فِي يَدِ الْمِسْكِينِ، وَكَانَ أَهْلُهُ يَقُولُونَ لَهُ: نَحْنُ نَكْفِيكَ ذَلِكَ. فَيَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ مُنَاوَلَةَ الْمِسْكِينِ تَقِي مَيْتَةَ السُّوءِ». وَأَمَّا حُجْرُ بْنُ عَدِيٍّ فَقَدْ تَقَدَّمَتْ قِصَّتُهُ مَبْسُوطَةً. وَأَمَّا سَعِيدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ الْقُرَشِيُّ أَبُو الْأَعْوَرِ الْعَدَوِيُّ فَهُوَ أَحَدُ الْعَشَرَةِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَأُخْتُهُ عَاتِكَةُ زَوْجَةُ عُمَرَ، وَأُخْتُ عُمَرَ فَاطِمَةُ زَوْجَةُ سَعِيدٍ. أَسْلَمَ قَبْلَ عُمَرَ هُوَ وَزَوْجَتُهُ فَاطِمَةُ، وَهَاجَرَا، وَكَانَ مِنْ سَادَاتِ الصَّحَابَةِ. قَالَ عُرْوَةُ وَالزُّهْرِيُّ وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَالْوَاقِدِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: لَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا; لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُوَ وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بَيْنَ يَدَيْهِ يَتَجَسَّسَانِ أَخْبَارَ قُرَيْشٍ، فَلَمْ يَرْجِعَا حَتَّى فَرَغَ مِنْ بَدْرٍ، فَضَرَبَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَهْمِهِمَا وَأَجْرِهِمَا. وَلَمْ يَذْكُرْهُ عُمَرُ فِي أَهْلِ الشُّورَى لِئَلَّا يُحَابَى بِسَبَبِ قَرَابَتِهِ مِنْ عُمَرَ فَيُوَلَّى، فَتَرَكَهُ لِذَلِكَ، وَإِلَّا فَهُوَ مِمَّنْ شَهِدَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْجَنَّةِ فِي جُمْلَةِ الْعَشَرَةِ، كَمَا صَحَّتْ بِذَلِكَ الْأَحَادِيثُ الْمُتَعَدِّدَةُ الصَّحِيحَةُ، وَلَمْ يَتَوَلَّ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وِلَايَةً، وَمَا زَالَ كَذَلِكَ حَتَّى مَاتَ بِالْكُوفَةِ، وَقِيلَ: بِالْمَدِينَةِ. وَهُوَ الْأَصَحُّ.

стр. 6471

قَالَ الْفَلَّاسُ وَغَيْرُهُ: سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ. وَقِيلَ: سَنَةَ ثِنْتَيْنِ وَخَمْسِينَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَكَانَ رَجُلًا طُوَالًا أَشْعَرَ، وَقَدْ غَسَّلَهُ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَحُمِلَ مِنَ الْعَقِيقِ عَلَى رِقَابِ الرِّجَالِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَكَانَ عُمْرُهُ يَوْمَئِذٍ بِضْعًا وَسَبْعِينَ سَنَةً. وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ الْجُهَنِيُّ أَبُو يَحْيَى الْمُدْنِيُّ فَصَحَابِيٌّ جَلِيلٌ، شَهِدَ الْعَقَبَةَ، وَلَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا، وَشَهِدَ مَا بَعْدَهَا، وَكَانَ هُوَ وَمُعَاذٌ يَكْسِرَانِ أَصْنَامَ الْأَنْصَارِ. لَهُ فِي «الصَّحِيحِ» حَدِيثٌ أَنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ لَيْلَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ. وَهُوَ الَّذِي بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى خَالِدِ بْنِ سُفْيَانَ الْهُذَلِيِّ، فَقَتَلَهُ بَعُرَنَةَ، وَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِخْصَرَةً، وَقَالَ: «هَذِهِ آيَةُ مَا بَيْنِي وَبَيْنَكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» فَأَمْرَ بِهَا. فَدُفِنَتْ مَعَهُ فِي أَكْفَانِهِ. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَنَّهُ تُوُفِّيَ سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ. وَقِيلَ: سَنَةَ ثَمَانِينَ.

стр. 6472

وَأَمَّا أَبُو بَكْرَةَ نُفَيْعُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ كَلَدَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عِلَاجِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ الثَّقَفِيُّ، فَصَحَابِيٌّ جَلِيلٌ كَبِيرُ الْقَدْرِ، وَيُقَالُ: كَانَ اسْمَهُ مَسْرُوحٌ. وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ: أَبُو بَكْرَةَ. لِأَنَّهُ تَدَلَّى فِي بَكْرَةَ يَوْمَ الطَّائِفِ، فَأَعْتَقَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَكُلَّ مَنْ نَزَلَ مِنْ مَوَالِيهِمْ يَوْمَئِذٍ. وَأُمُّهُ سُمَيَّةُ هِيَ أُمُّ زِيَادٍ، وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ عَلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ بِالزِّنَى هُوَ وَأَخُوهُ زِيَادٌ، وَمَعَهُمَا شِبْلُ بْنُ مَعْبَدٍ، وَنَافِعُ بْنُ الْحَارِثِ، فَلَمَّا تَلَكَّأَ زِيَادٌ فِي الشَّهَادَةِ جَلَدَ عُمَرُ الثَّلَاثَةَ الْبَاقِينَ، ثُمَّ اسْتَتَابَهُمْ فَتَابُوا إِلَّا أَبَا بَكْرَةَ فَإِنَّهُ صَمَّمَ عَلَى الشَّهَادَةِ، وَقَالَ الْمُغِيرَةُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اشْفِنِي مِنْ هَذَا الْعَبْدِ. فَنَهَرَهُ عُمَرُ وَقَالَ لَهُ: اسْكُتْ لَوْ كَمَلَتِ الشَّهَادَةُ لَرَجَمْتُكَ بِأَحْجَارِكَ. وَكَانَ أَبُو بَكْرَةَ خَيْرَ هَؤُلَاءِ الشُّهُودِ، وَكَانَ مِمَّنِ اعْتَزَلَ الْفِتَنَ، فَلَمْ يَحْضُرْ شَيْئًا مِنْهَا، وَمَاتَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقِيلَ: قَبْلَهَا بِسَنَةٍ. وَقِيلَ: بَعْدَهَا بِسَنَةٍ. وَصَلَّى عَلَيْهِ أَبُو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيُّ، وَكَانَ قَدْ آخَى بَيْنَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .

стр. 6473

وَفِيهَا تُوُفِّيَتْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ مَيْمُونَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ الْهِلَالِيَّةُ، تَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ سَنَةَ سَبْعٍ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَكَانَ ابْنَ أُخْتِهَا أُمِّ الْفَضْلِ لُبَابَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ: تَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ. أَخْرَجَاهُ. وَثَبَتَ فِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ» عَنْهَا أَنَّهُمَا كَانَا حَلَالَيْنِ. وَقَوْلُهَا مُقَدَّمٌ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ عَلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي رَافِعٍ - وَكَانَ هُوَ السَّفِيرَ بَيْنَهُمَا - أَنَّهُمَا كَانَا حَلَالَيْنِ. وَيُقَالُ: كَانَ اسْمُهَا بَرَّةَ، فَسَمَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَيْمُونَةَ. وَتُوُفِّيتُ بِسَرَفٍ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ حَيْثُ بَنَى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَقِيلَ: فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ. وَقِيلَ: سَنَةَ سِتٍّ وَسِتِّينَ. وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ، وَصَلَّى عَلَيْهَا ابْنُ أُخْتِهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ﵄.

стр. 6474

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثِنْتَيْنِ وَخَمْسِينَ فِيهَا غَزَا بِلَادَ الرُّومِ وَشَتَّى بِهَا سُفْيَانُ بْنُ عَوْفٍ الْأَزْدِيُّ، فَمَاتَ هُنَالِكَ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْجُنْدِ بَعْدَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنِ مَسْعَدَةَ الْفَزَارِيَّ، وَقِيلَ: إِنَّ الَّذِي كَانَ أَمِيرَ الْغَزْوِ بِبِلَادِ الرُّومِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ بُسْرُ بْنُ أَبِي أَرْطَاةَ، وَمَعَهُ سُفْيَانُ بْنُ عَوْفٍ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ نَائِبُ الْمَدِينَةِ. قَالَهُ أَبُو مَعْشَرٍ وَالْوَاقِدِيُّ وَغَيْرُهُمَا. وَغَزَا الصَّائِفَةَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيُّ. وَعُمَّالُ الْأَمْصَارِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عُمَّالُهَا فِي السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ. ذِكْرُ مِنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ خَالِدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ كُلَيْبٍ، أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ الْخَزْرَجِيُّ، شَهِدَ بَدْرًا وَالْعَقَبَةَ وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا، وَشَهِدَ مَعَ عَلِيٍّ قِتَالَ الْحَرَورِيَّةِ، وَفِي دَارِهِ كَانَ نُزُولُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ مُهَاجِرًا مِنْ مَكَّةَ، فَأَقَامَ عِنْدَهُ شَهْرًا حَتَّى بَنَى الْمَسْجِدَ وَمَسَاكِنَهُ حَوْلَهُ، ثُمَّ تَحَوَّلَ إِلَيْهَا، وَقَدْ كَانَ أَبُو أَيُّوبَ أَنْزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي سُفْلِ الدَّارِ، ثُمَّ تَحَرَّجَ مِنْ أَنْ يَعْلُوَ فَوْقَهُ، فَسَأَلَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَصْعَدَ إِلَى الْعُلْوِ، وَيَكُونُ هُوَ وَأُمُّ أَيُّوبَ فِي السُّفْلِ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ.

стр. 6475

وَقَدْ رُوِّينَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَدِمَ عَلَيْهِ أَبُو أَيُّوبَ الْبَصْرَةَ وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ نَائِبَهَا، فَخَرَجَ لَهُ عَنْ دَارِهِ وَأَنْزَلَهُ بِهَا، فَلَمَّا أَرَادَ الِانْصِرَافَ خَرَجَ لَهُ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ بِهَا، وَزَادَهُ تُحَفًا وَخَدَمًا كَثِيرًا، وَأَعْطَاهُ أَرْبَعِينَ أَلْفًا وَأَرْبَعِينَ عَبْدًا; إِكْرَامًا لَهُ لِمَا كَانَ أَنْزَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي دَارِهِ، وَقَدْ كَانَ مِنْ أَكْبَرِ الشَّرَفِ لَهُ. وَهُوَ الْقَائِلُ لِزَوْجَتِهِ أُمِّ أَيُّوبَ حِينَ قَالَتْ لَهُ: أَمَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ النَّاسُ فِي عَائِشَةَ؟ فَقَالَ لَهَا: أَكُنْتِ فَاعِلَةً ذَلِكَ يَا أُمَّ أَيُّوبَ؟ فَقَالَتْ: لَا وَاللَّهِ. فَقَالَ: وَاللَّهِ لَهِيَ خَيْرٌ مِنْكِ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا الْآيَةَ [النُّورِ: ١٢]. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِبِلَادِ الرُّومِ قَرِيبًا مِنْ سُورِ قُسْطَنْطِينِيَّةَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَقِيلَ: فِي الَّتِي قَبِلَهَا. وَقِيلَ: فِي الَّتِي بَعْدَهَا. وَكَانَ فِي جَيْشِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَإِلَيْهِ أَوْصَى، وَهُوَ الَّذِي صَلَّى عَلَيْهِ. وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، ثَنَا هَمَّامٌ، ثَنَا عَاصِمٌ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ أَهْلِ مَكَّةَ، أَنَّ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ كَانَ أَمِيرًا عَلَى الْجَيْشِ الَّذِي غَزَا فِيهِ أَبُو أَيُّوبَ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْمَوْتِ، فَقَالَ لَهُ: إِذَا أَنَا مُتُّ فَاقْرَءُوا عَلَى النَّاسِ مِنِّي السَّلَامَ، وَأَخْبِرُوهُمْ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا جَعَلَهُ اللَّهُ فِي الْجَنَّةِ». وَلِيَنْطَلِقُوا بِي فَيَبْعُدُوا بِي فِي أَرْضِ الرُّومِ مَا اسْتَطَاعُوا. قَالَ: فَحَدَّثَ النَّاسَ لَمَّا مَاتَ أَبُو أَيُّوبَ، فَاسْتَلْأَمَ النَّاسُ وَانْطَلَقُوا بِجِنَازَتِهِ.

стр. 6476

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، ثَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ قَالَ: غَزَا أَبُو أَيُّوبَ مَعَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ. قَالَ: فَقَالَ: إِذَا مُتُّ فَأَدْخَلُونِي فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ، فَادْفِنُونِي تَحْتَ أَقْدَامِكُمْ حَيْثُ تَلْقَونَ الْعَدُوَّ. قَالَ: ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخْلَ الْجَنَّةَ». وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ نُمَيْرٍ وَيَعْلَى بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، سَمِعْتُ أَبَا ظَبْيَانَ، فَذَكَرَهُ، وَقَالَ فِيهِ: وَسَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، لَوْلَا حَالِي هَذَا مَا حَدَّثْتُكُمُوهُ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخْلَ الْجَنَّةَ». وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ قَيْسٍ قَاصُّ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَبِي صِرْمَةَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ، أَنَّهُ قَالَ حِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ: قَدْ كُنْتُ كَتَمْتُ عَنْكُمْ شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: «لَوْلَا أَنَّكُمْ تُذْنِبُونَ لَخَلَقَ اللَّهُ قَوْمًا يُذْنِبُونَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ». وَعِنْدِي أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ وَالَّذِي قَبِلَهُ هُوَ الَّذِي حَمَلَ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ عَلَى طَرَفٍ مِنَ الْأَرْجَاءِ، وَرَكِبَ بِسَبَبِهِ أَفْعَالًا كَثِيرَةً أُنْكِرَتْ عَلَيْهِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ فِي تَرْجَمَتِهِ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .. قَالَ الْوَاقِدِيُّ: مَاتَ أَبُو أَيُّوبَ بِأَرْضِ الرُّومِ سَنَةَ ثِنْتَيْنِ وَخَمْسِينَ، وَدُفِنَ عِنْدَ

стр. 6477

الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ وَقَبْرُهُ هُنَالِكَ يَسْتَسْقِي بِهِ الرُّومُ إِذَا قَحَطُوا. وَقِيلَ: إِنَّهُ مَدْفُونٌ فِي حَائِطِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ، وَعَلَى قَبْرِهِ مَزَارٌ وَمَسْجِدٌ، وَهُمْ يُعَظِّمُونَهُ. وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ: تُوُفِّيَ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ. وَالْأَوَّلُ أَثْبَتُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ: حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ، ثَنَا دَاوُدُ بْنُ الْمُحَبَّرِ، ثَنَا مَيْسَرَةُ بْنُ عَبْدِ رَبِّهِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الرَّجُلَيْنِ لَيَتَوَجَّهَانِ إِلَى الْمَسْجِدِ فَيُصَلِّيَانِ، فَيَنْصَرِفُ أَحَدُهُمَا وَصَلَاتُهُ أَوزَنُ مِنْ أُحِدٍ وَيَنْصَرِفُ الْآخَرُ وَمَا تَعْدِلُ صَلَاتُهُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ». فَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعَدِيُّ: وَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «إِذَا كَانَ أَحْسَنَهُمَا عَقْلًا». قَالَ: وَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ؟ قَالَ: «إِذَا كَانَ أَوْرَعَهُمَا عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ وَأَحْرَصَهُمَا عَلَى الْمُسَارَعَةِ إِلَى الْخَيْرِ، وَإِنْ كَانَ دُونَهُ فِي التَّطَوُّعِ». وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِرَجُلٍ سَأَلَهُ أَنْ يُعَلِّمَهُ وَيُوجِزَ،

стр. 6478

فَقَالَ لَهُ: «إِذَا صَلَّيْتَ صَلَاةً فَصَلِّ صَلَاةَ مُودِّعٍ، وَلَا تَكَلَّمَنَّ بِكَلَامٍ تَعْتَذِرُ مِنْهُ، وَأَجْمِعِ الْيَأْسَ مِمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ». وَفِيهَا كَانَتْ وَفَاةُ أَبِي مُوسَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسِ بْنِ سُلَيْمِ بْنِ حِضَارِ بْنِ حَرْبِ بْنِ عَامِرِ بْنِ عَنْزِ بْنِ بَكْرِ بْنِ عَامِرِ بْنِ عُذْرِ بْنِ وَائِلِ بْنِ نَاجِيَةِ بْنِ جُمَاهِرِ بْنِ الْأَشْعَرِ الْأَشْعَرِيِّ الْيَمَانِيِّ، أَسْلَمَ بِبِلَادِهِ، وَقَدِمَ مَعَ جَعْفَرٍ وَأَصْحَابِهِ عَامَ خَيْبَرَ. وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ أَنَّهُ هَاجَرَ أَوَّلًا إِلَى مَكَّةَ، ثُمَّ هَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ، وَلَيْسَ هَذَا بِالْمَشْهُورِ. وَقَدِ اسْتَعْمَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ مُعَاذٍ عَلَى الْيَمَنَ، وَاسْتَنَابَهُ عُمَرُ عَلَى الْبَصْرَةِ، وَفَتَحَ تُسْتَرَ وَشَهِدَ خُطْبَةَ عُمَرَ بِالْجَابِيَةِ، وَوَلَّاهُ عُثْمَانُ الْكُوفَةَ وَكَانَ أَحَدَ الْحَكَمَيْنِ بَيْنَ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ، فَلَمَّا اجْتَمَعَا خَدَعَ عَمْرٌو أَبَا مُوسَى. وَكَانَ مِنْ قُرَّاءِ الصَّحَابَةِ وَفُقَهَائِهِمْ، وَكَانَ أَحْسَنَ الصَّحَابَةِ صَوْتًا فِي زَمَانِهِ. قَالَ أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ: مَا سَمِعْتُ صَوْتَ صَنْجٍ وَلَا بِرَبْطٍ وَلَا مِزْمَارٍ أَطْيَبَ مِنْ صَوْتِ أَبِي مُوسَى. وَثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَقَدْ أُوتِيَ هَذَا مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ». وَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ لَهُ: ذَكِّرْنَا رَبَّنَا يَا أَبَا مُوسَى.

стр. 6479

فَيَقْرَأُ وَهُمْ يَسْمَعُونَ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: كَتَبَ عُمَرُ فِي وَصِيَّتِهِ أَنْ لَا يُقَرَّ لِي عَامِلٌ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ إِلَّا أَبَا مُوسَى، فَلْيُقَرَّ أَرْبَعَ سِنِينَ. وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي «الْمُنْتَظِمِ» أَنَّهُ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ. وَقِيلَ: إِنَّهُ تُوُفِّيَ قَبْلَهَا بِسَنَةٍ. وَقِيلَ: فِي سَنَةِ ثِنْتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ. وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِمَكَّةَ لَمَّا اعْتَزَلَ النَّاسَ بَعْدَ التَّحْكِيمِ، وَقِيلَ: بِمَكَانٍ يُقَالُ لَهُ: الثَّوِيَّةُ. عَلَى مِيلَيْنِ مِنِ الْكُوفَةِ. وَكَانَ قَصِيرًا نَحِيفَ الْجِسْمِ، أَثَطَّ، أَيْ لَا لِحْيَةَ لَهُ، ﵁. وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَنَّهُ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَيْضًا مِنَ الصَّحَابَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُغَفَّلِ الْمُزَنِيُّ وَكَانَ أَحَدَ الْبَكَّائِينَ، وَأَحَدَ الْعَشَرَةِ الَّذِينَ بَعَثَهُمْ عُمَرُ إِلَى الْبَصْرَةِ لِيُفَقِّهُوا النَّاسَ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ دَخَلَ تُسْتَرَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ حِينَ فَتْحِهَا. لَكِنِ الصَّحِيحَ مَا حَكَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ مُسَدَّدٍ أَنَّهُ تُوُفِّيَ سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: تُوُفِّيَ سَنَةَ سِتِّينَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَيُرْوَى عَنْهُ أَنَّهُ رَأَى فِي مَنَامِهِ كَأَنَّ الْقِيَامَةَ قَدْ قَامَتْ، وَكَانَ هُنَاكَ مَكَانٌ مِنْ

стр. 6480

وَصَلَ إِلَيْهِ نَجَا، فَجَعَلَ يُحَاوِلُ الْوُصُولَ إِلَيْهِ، فَقِيلَ لَهُ: أَتُرِيدُ أَنْ تَصِلَ إِلَيْهِ وَعِنْدَكَ مَا عِنْدَكَ؟ فَاسْتَيْقَظَ، فَعَمَدَ إِلَى عَيْبَةٍ عِنْدَهُ فِيهَا ذَهَبٌ كَثِيرٌ، فَلَمْ يُصْبِحْ عَلَيْهِ الصَّبَاحُ إِلَّا وَقَدْ فَرَّقَهَا فِي الْمَسَاكِينِ وَالْمَحَاوِيجِ وَالْأَقَارِبِ، ﵁. وَفِيهَا تُوُفِّيَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ خَلَفٍ، أَبُو نُجَيدٍ الْخُزَاعِيُّ أَسْلَمَ هُوَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ عَامَ خَيْبَرَ وَشَهِدَ غَزَوَاتٍ، وَكَانَ مِنْ سَادَاتِ الصَّحَابَةِ، اسْتَقْضَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ عَلَى الْبَصْرَةِ فَحَكَمَ بِهَا، ثُمَّ اسْتَعْفَاهُ فَأَعْفَاهُ، وَلَمْ يَزَلْ بِهَا حَتَّى مَاتَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. قَالَ الْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ: مَا قَدِمَ الْبَصْرَةَ رَاكِبٌ خَيْرٌ مِنْهُ. وَقَدْ كَانَتِ الْمَلَائِكَةُ تُسَلِّمُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا اكْتَوَى انْقَطَعَ عَنْهُ سَلَامُهُمْ، ثُمَّ عَادُوا فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِقَلِيلٍ، ﵁ وَعَنْ أَبِيهِ أَيْضًا. كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ الْأَنْصَارِيُّ، أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَدَنِيُّ صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ، وَهُوَ الَّذِي نَزَلَتَ فِيهِ آيَةُ الْفِدْيَةِ فِي الْحَجِّ. مَاتَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقِيلَ: قَبْلَهَا بِسَنَةٍ. عَنْ خَمْسٍ أَوْ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً. مُعَاوِيَةُ بْنُ حُدَيْجِ بْنِ جَفْنَةَ بْنِ قَتِيرَةَ الْكِنْدِيُّ الْخَوْلَانِيُّ الْمِصْرِيُّ صَحَابِيٌّ
следующие страницы →