Полный текст (13 161 стр.). Показаны 7141–7180 · переход к 7146.
стр. 7141
عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ: سَأَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ مُعَاوِيَةَ شَيْئًا فَمَنَعَهُ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَجْهَلُ أَنْ أَلْزَمَ هَذِهِ الْبَنِيَّةَ، فَلَا أَشْتُمُ لَكَ عِرْضًا، وَلَا أَقَصِبُ لَكَ حَسَبًا، وَلَكِنِّي أَسْدُلُ عِمَامَتِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ ذِرَاعًا، وَمِنْ خَلْفِي ذِرَاعًا فِي طَرِيقِ أَهْلِ الشَّامِ، وَأَذْكُرُ سِيرَةَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَعُمَرَ، فَيَقُولُ النَّاسُ: مَنْ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: ابْنُ حَوَارِيِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَابْنُ بِنْتِ الصِّدِّيقِ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: حَسْبُكَ بِهَذَا شَرًّا. ثُمَّ قَالَ: هَاتِ حَوَائِجَكَ.
وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: ثَنَا غَسَّانُ بْنُ مُضَرَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: دَخَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ عَلَى مُعَاوِيَةَ، فَأَمَرَ ابْنًا لَهُ صَغِيرًا فَلَطَمَهُ لَطْمَةً دَوَّخَ مِنْهَا رَأْسَهُ، فَلَمَّا أَفَاقَ ابْنُ الزُّبَيْرِ قَالَ لِلصَّبِيِّ: ادْنُ مِنِّي. فَدَنَا مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ: الْطِمْ مُعَاوِيَةَ. قَالَ: لَا أَفْعَلُ. قَالَ: وَلِمَ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ أَبِي. فَرَفَعَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَدَهُ، فَلَطَمَ الصَّبِيَّ لَطْمَةً جَعَلَ يَدُورُ مِنْهَا كَمَا تَدُورُ الدُّوَّامَةُ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: تَفْعَلُ هَذَا بِغُلَامٍ لَمْ تَجْرِ عَلَيْهِ الْأَحْكَامُ؟ قَالَ: إِنَّهُ وَاللَّهِ قَدْ عَرَفَ مَا يَضُرُّهُ مِمَّا يَنْفَعُهُ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُحْسِنَ أَدَبَهُ.
وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَدَائِنِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: لَحِقَ ابْنُ الزُّبَيْرِ مُعَاوِيَةَ وَهُوَ سَائِرٌ إِلَى الشَّامِ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَوَجَدَهُ وَهُوَ يَنْعَسُ عَلَى
стр. 7142
رَاحِلَتِهِ، فَقَالَ لَهُ: أَتَنْعَسُ وَأَنَا مَعَكَ؟ أَمَا تَخَافُ مِنِّي أَنْ أَقْتُلَكَ؟ فَقَالَ: إِنَّكَ لَسْتَ مِنْ قُتَّالِ الْمُلُوكِ، إِنَّمَا يَصِيدُ كُلُّ طَائِرٍ قَدْرَهُ. فَقَالَ: أَمَا لَقَدْ سِرْتُ تَحْتَ لِوَاءِ أَبِي إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَهُوَ مَنْ تَعْلَمُ. فَقَالَ: لَا جَرَمَ قَتَلَكُمْ وَاللَّهِ بِشِمَالِهِ. فَقَالَ: أَمَا إِنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي نُصْرَةِ عُثْمَانَ، ثُمَّ لَمْ يُجْزَ بِهَا. فَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ لِبُغْضِ عَلِيٍّ لَا لِنُصْرَةِ عُثْمَانَ. فَقَالَ لَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ: إِنَّا قَدْ أَعْطَيْنَاكَ عَهْدًا، فَنَحْنُ وَافُونَ لَكَ بِهِ مَا عِشْتَ، فَسَيَعْلَمُ مَنْ بَعْدَكَ. فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ مَا أَخَافُكَ إِلَّا عَلَى نَفْسِكَ، وَكَأَنِّي بِكَ قَدْ خُبِطْتَ فِي الْحِبَالَةِ، وَاسْتُحْكِمَتْ عَلَيْكَ الْأُنْشُوطَةُ، فَذَكَرْتَنِي وَأَنْتَ فِيهَا، فَقُلْتُ: لَيْتَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَهَا، لَيْتَنِي وَاللَّهِ لَهَا، أَمَا وَاللَّهِ لَأَحْلُلَنَّكَ رُوَيْدًا، وَلَأُطْلِقَنَّكَ سَرِيعًا، وَلَبِئْسَ الْوَلِيُّ أَنْتَ تِلْكَ السَّاعَةَ. وَحَكَى ابْنُ عُيَيْنَةَ نَحْوَ هَذَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ لَمَّا مَاتَ، وَجَاءَتْ بَيْعَةُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ إِلَى الْمَدِينَةِ انْشَمَرَ مِنْهَا ابْنَ الزُّبَيْرِ وَالْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، فَقَصَدَا مَكَّةَ فَأَقَامَا بِهَا، ثُمَّ خَرَجَ الْحُسَيْنُ إِلَى الْعِرَاقِ، وَكَانَ مِنْ أَمْرِ مَقْتَلِهِ بِأَرْضِ كَرْبَلَاءَ مَا تَقَدَّمَ، وَتَفَرَّدَ بِالرِّيَاسَةِ وَالسُّؤْدُدِ
стр. 7143
بِمَكَّةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ; وَلِهَذَا كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُنْشِدُ بَعْدَ مَخْرَجِ الْحُسَيْنِ:
يَا لَكِ مِنْ قُنْبَرَةٍ بِمَعْمَرِ … خَلَا لَكِ الْجَوُّ فَبِيضِي وَاصْفِرِي
وَنَقِّرِي مَا شِئْتِ أَنْ تُنَقِّرِي
يُعَرِّضُ بِابْنِ الزُّبَيْرِ.
وَقِيلَ: إِنَّ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ كَتَبَ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ يَقُولُ: إِنِّي قَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكَ بِسِلْسِلَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَقَيْدٍ مِنْ ذَهَبٍ، وَجَامِعَةٍ مِنْ فِضَّةٍ، وَحَلَفْتُ لَتَأْتِيَنِي فِي ذَلِكَ، فَأَبِرَّ قَسَمِي، وَلَا تَشُقَّ الْعَصَا. فَلَمَّا قَرَأَ كِتَابَهُ أَلْقَاهُ مِنْ يَدِهِ وَقَالَ:
وَلَا أَلِينُ لِغَيْرِ الْحَقِّ أَسْأَلُهُ … حَتَّى يَلِينَ لِضِرْسِ الْمَاضِغِ الْحَجَرُ
فَلَمَّا مَاتَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، وَابْنُهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ يَزِيدَ مِنْ بَعْدِهِ قَرِيبًا، اسْتَفْحَلَ أَمْرُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ جِدًّا، وَبُويِعَ لَهُ بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ وَمِصْرَ، وَبَايَعَ لَهُ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ بِدِمَشْقَ وَأَعْمَالِهَا، وَلَكِنْ عَارَضَهُ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ فِي ذَلِكَ، وَمَا زَالَ حَتَّى قَتَلَهُ وَجَمَاعَةً بِمَرْجِ رَاهِطٍ كَمَا تَقَدَّمَ، فَبَايَعَ لَهُ أَهْلُ الشَّامِ، ثُمَّ دَخَلَ مِصْرَ فَانْتَزَعَهَا مِنْ نُوَّابِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، ثُمَّ جَهَّزَ السَّرَايَا إِلَى الْعِرَاقِ، وَمَاتَ
стр. 7144
وَاسْتَخْلَفَ بَعْدَهُ ابْنَهُ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ، فَمَا زَالَ حَتَّى قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَأَخَذَ الْعِرَاقَ مِنْهُ، ثُمَّ بَعَثَ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ، فَحَاصَرَ ابْنَ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ قَرِيبًا مِنْ سَبْعَةِ أَشْهُرٍ، حَتَّى ظَفِرَ بِهِ فِي يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ سَابِعَ عَشَرَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ.
وَكَانَتْ وِلَايَةُ ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ، وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا كُلِّهَا، وَبَنَى الْكَعْبَةَ فِي أَيَّامِهِ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الرَّسُولُ ﷺ ، وَرَدَّ بِنَاءَهَا كَمَا كَانَتْ عَلَيْهِ، كَمَا أَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ، وَكَسَا الْكَعْبَةَ الْحَرِيرَ، وَكَانَتْ كُسْوَتُهَا قَبْلَ ذَلِكَ الْأَنْطَاعَ وَالْمُسُوحَ.
وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ عَالِمًا عَابِدًا، مَهِيبًا وَقُورًا، كَثِيرَ الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ، شَدِيدَ الْخُشُوعِ، قَوِيَّ السِّيَاسَةِ، قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ الْأَصْبَهَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو حَامِدِ بْنُ جَبَلَةَ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الثَّقَفِيُّ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ، ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: كَانَ لِابْنِ الزُّبَيْرِ مِائَةُ غُلَامٍ يَتَكَلَّمُ كُلُّ غُلَامٍ مِنْهُمْ بِلُغَةٍ غَيْرِ لُغَةِ الْآخَرِ، وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يُكَلِّمُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِلُغَتِهِ، وَكُنْتَ إِذَا نَظَرْتَ إِلَيْهِ فِي أَمْرِ دُنْيَاهُ قُلْتَ: هَذَا رَجُلٌ لَمْ يُرِدِ اللَّهَ طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَإِذَا نَظَرْتَ إِلَيْهِ فِي أَمْرِ آخِرَتِهِ قُلْتَ: هَذَا رَجُلٌ لَمْ يُرِدِ الدُّنْيَا طَرْفَةَ عَيْنٍ.
стр. 7145
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي الضُّحَى، قَالَ: رَأَيْتُ عَلَى رَأْسِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِنَ الْمِسْكِ مَا لَوْ كَانَ لِي كَانَ رَأْسَ مَالٍ. وَكَانَ يُطَيِّبُ الْكَعْبَةَ حَتَّى كَانَ يُوجَدُ رِيحُهَا مِنْ مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعَمَرٍ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: دَخَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ عَلَى امْرَأَتِهِ بِنْتِ الْحَسَنِ، فَرَأَى ثَلَاثَةَ مُثُلٍ - يَعْنِي أَفَرِشَةً - فَقَالَ: هَذَا لِي، وَهَذَا لِابْنَةِ الْحَسَنِ، وَهَذَا لِلشَّيْطَانِ. فَأَخْرَجُوهُ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي بَشِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسَاوِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يُعَاتِبُ ابْنَ الزُّبَيْرِ عَلَى الْبُخْلِ وَيَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَيْسَ بِالْمُؤْمِنِ مَنْ يَبِيتُ شَبْعَانَ، وَجَارُهُ إِلَى جَنْبِهِ جَائِعٌ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانٍ الْوَرَّاقُ، ثَنَا يَعْقُوبُ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةَ، عَنِ ابْنِ أَبْزَى، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَالَ: قَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ حِينَ حُصِرَ: إِنَّ عِنْدِي نَجَائِبَ قَدْ أَعْدَدْتُهَا لَكَ، فَهَلْ لَكَ أَنْ تَحَوَّلَ إِلَى
стр. 7146
مَكَّةَ، فَيَأْتِيكَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَكَ؟ قَالَ: لَا، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: يُلْحِدُ بِمَكَّةَ كَبْشٌ مِنْ قُرَيْشٍ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ، عَلَيْهِ مِثْلُ أَوْزَارِ النَّاسِ وَهَذَا الْحَدِيثُ مُنْكَرٌ جِدًّا، وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ، وَيَعْقُوبُ هَذَا هُوَ الْقُمِّيُّ، وَفِيهِ تَشَيُّعٌ وَضَعْفٌ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يُقْبَلُ تَفَرُّدُهُ بِهِ، وَبِتَقْدِيرِ صِحَّتِهِ فَلَيْسَ هُوَ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَإِنَّهُ كَانَ عَلَى صِفَاتٍ حَمِيدَةٍ، وَقِيَامُهُ فِي الْإِمَارَةِ إِنَّمَا كَانَ لِلَّهِ ، ثُمَّ هُوَ كَانَ الْأَمْرُ بَعْدَ مَوْتِ مُعَاوِيَةَ بْنِ يَزِيدَ لَا مَحَالَةَ، وَهُوَ أَرْشَدُ مِنْ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، حَيْثُ نَازَعَهُ بَعْدَ أَنِ اجْتَمَعَتِ الْكَلِمَةُ عَلَيْهِ، وَقَامَتِ الْبَيْعَةُ لَهُ فِي الْآفَاقِ، وَانْتَظَمَ لَهُ الْأَمْرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدٍ، ثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: أَتَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْحِجْرِ، فَقَالَ: يَابْنَ الزُّبَيْرِ، إِيَّاكَ وَالْإِلْحَادَ فِي حَرَمِ اللَّهِ، فَإِنِّي أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: يُحِلُّهَا وَيَحُلُّ بِهِ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ، لَوْ وُزِنَتْ ذُنُوبُهُ بِذُنُوبِ الثَّقَلَيْنِ لَوَزَنَتْهَا قَالَ: فَانْظُرْ أَنْ لَا
стр. 7147
تَكَوُنَهُ يَابْنَ عَمْرٍو، فَإِنَّكَ قَرَأْتَ الْكُتُبَ، وَصَحِبْتَ النَّبِيَّ ﷺ . قَالَ: فَإِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّ هَذَا وَجِهِي إِلَى الشَّامِ مُجَاهِدًا.
وَهَذَا قَدْ يَكُونُ رَفْعُهُ غَلَطًا، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ كَلَامِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، مِمَّا أَصَابَهُ مِنَ الزَّامِلَتَيْنِ مِنْ عُلُومِ أَهْلِ الْكِتَابِ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ وَكِيعٌ، عَنِ الثَّوْرِيِّ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِي صَادِقٍ، عَنْ حَنَشٍ الْكِنَانِيِّ، عَنْ عُلَيْمٍ الْكِنْدِيِّ، عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ: لَيُحْرَقَنَّ هَذَا الْبَيْتُ عَلَى يَدَيْ رَجُلٍ مِنْ آلِ الزُّبَيْرِ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ، عَنِ ابْنِ فُضَيْلٍ، ثَنَا سَالِمُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ، عَنْ مُنْذِرٍ الثَّوْرِيِّ قَالَ: قَالَ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ:
стр. 7148
اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ أَعْلَمُ مِمَّا عَلَّمْتَنِي أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ لَا يَخْرُجُ مِنْهَا إِلَّا قَتِيلًا، يُطَافُ بِرَأْسِهِ فِي الْأَسْوَاقِ.
وَقَدْ رَوَى الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ: إِنَّ أَوَّلَ مَا أَفْصَحَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ وَهُوَ صَغِيرٌ: السَّيْفُ، فَكَانَ لَا يَضَعُهُ مِنْ فِيهِ. وَكَانَ الزُّبَيْرُ إِذَا سَمِعَ ذَلِكَ مِنْهُ يَقُولُ لَهُ: أَمَا وَاللَّهِ لَيَكُونُنَّ لَكَ مِنْهُ يَوْمٌ وَيَوْمٌ وَأَيَّامٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَ كَيْفِيَّةُ مَقْتَلِهِ، وَأَنَّ الْحَجَّاجَ صَلَبَهُ عَلَى جِذْعٍ فَوْقَ الثَّنِيَّةِ، وَأَنَّهُ رَبَطَ إِلَى جَنْبِهِ هِرَّةً مَيِّتَةً، فَكَانَ رِيحُ الْمِسْكِ يَغْلِبُ عَلَى رِيحِهَا، وَأَنَّ أُمَّهُ أَرْسَلَتْ إِلَى الْحَجَّاجِ تَقُولُ لَهُ: قَاتَلَكَ اللَّهُ، عَلَامَ تَصْلُبُ وَلَدِي؟ فَقَالَ: إِنِّي اسْتَبَقْتُ أَنَا وَإِيَّاهُ إِلَى هَذِهِ الْخَشَبَةِ فَسَبَقَنِي إِلَيْهَا. وَأَنَّ أُمَّهُ جَاءَتْ حَتَّى وَقَفَتْ عَلَيْهِ فَدَعَتْ لَهُ طَوِيلًا، وَلَا يَقْطُرُ مِنْ عَيْنِهَا دَمْعَةٌ، ثُمَّ انْصَرَفَتْ، وَكَذَلِكَ وَقَفَ عَلَيْهِ ابْنُ عُمَرَ فَدَعَا لَهُ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثَنَاءً كَثِيرًا جِدًّا.
وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنِي نَافِعُ بْنُ ثَابِتٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى أَسْمَاءَ، قَالَ: لَمَّا قُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ خَرَجَتْ إِلَيْهِ أُمُّهُ حَتَّى وَقَفَتْ عَلَيْهِ، وَهِيَ عَلَى دَابَّةٍ، فَأَقْبَلَ الْحَجَّاجُ فِي أَصْحَابِهِ فَسَأَلَ عَنْهَا فَأُخْبِرَ بِهَا، فَأَقْبَلَ حَتَّى وَقَفَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: كَيْفَ رَأَيْتِ
стр. 7149
نَصَرَ اللَّهُ الْحَقَّ وَأَظْهَرَهُ؟ قَالَتْ: رُبَّمَا أُدِيلَ الْبَاطِلُ عَلَى الْحَقِّ، وَإِنَّكَ بَيْنَ فَرْثِهَا وَالْجِيَّةِ. فَقَالَ: إِنَّ ابْنَكِ أَلْحَدَ فِي هَذَا الْبَيْتِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ وَقَدْ أَذَاقَهُ اللَّهُ ذَلِكَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ; قَطْعَ السُّبُلِ. قَالَتْ: كَذَبْتَ، كَانَ أَوَّلَ مَوْلُودٍ فِي الْإِسْلَامِ بِالْمَدِينَةِ، وَسُرَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَحَنَّكَهُ بِيَدِهِ، وَكَبَّرَ الْمُسْلِمُونَ يَوْمَئِذٍ حَتَّى ارْتَجَّتِ الْمَدِينَةُ فَرَحًا بِهِ، وَقَدْ فَرِحْتَ أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ بِمَقْتَلِهِ، فَمَنْ كَانَ فَرِحَ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مِنْكَ وَمِنْ أَصْحَابِكَ، وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ بَرًّا بِالْوَالِدَيْنِ، صَوَّامًا، قَوَّامًا بِكِتَابِ اللَّهِ، مُعَظِّمًا لِحُرُمِ اللَّهِ، يُبْغِضُ أَنْ يُعْصَى اللَّهُ ، أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِسَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَيَخْرُجُ مِنْ ثَقِيفٍ كَذَّابَانِ، الْآخِرُ مِنْهُمَا شَرٌّ مِنَ الْأَوَّلِ، وَهُوَ مُبِيرٌ فَانْكَسَرَ الْحَجَّاجُ وَانْصَرَفَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عَبْدَ الْمَلِكِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ يَلُومُهُ فِي مُخَاطَبَتِهِ أَسْمَاءَ، وَقَالَ: مَا لَكَ وَلِابْنَةِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ؟
وَقَالَ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ فِي «صَحِيحِهِ»: ثَنَا عَقَبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَضْرَمِيُّ، أَنَا الْأَسْوَدُ بْنُ شَيْبَانَ، عَنْ أَبِي
стр. 7150
نَوْفَلٍ قَالَ: رَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ عَلَى عَقَبَةِ الْمَدِينَةِ، قَالَ: فَجَعَلَتْ قُرَيْشٌ تَمُرُّ عَلَيْهِ وَالنَّاسُ، حَتَّى مَرَّ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، فَوَقَفَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَبَا خُبَيْبٍ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَبَا خُبَيْبٍ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَبَا خُبَيْبٍ، أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ هَذَا، أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ هَذَا، أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ هَذَا، أَمَا وَاللَّهِ إِنْ كُنْتَ مَا عَلِمْتُ صَوَّامًا قَوَّامًا وَصُولًا لِلرَّحِمِ، أَمَا وَاللَّهِ لَأُمَّةٌ أَنْتَ شَرُّهَا لَأُمَّةُ خَيْرٍ. ثُمَّ نَفَذَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، فَبَلَغَ الْحَجَّاجُ وُقُوفُ ابْنِ عُمَرَ عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، فَأُنْزِلَ عَنْ جِذْعِهِ، وَأُلْقِيَ فِي قُبُورِ الْيَهُودِ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى أُمِّهِ أَسْمَاءِ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، فَأَبَتْ أَنْ تَأْتِيَهُ، فَأَعَادَ عَلَيْهَا الرَّسُولَ: لِتَأْتِيَنِّي أَوْ لَأَبْعَثَنَّ إِلَيْكِ مَنْ يَسْحَبُكِ بِقُرُونِكِ. فَأَبَتْ، وَقَالَتْ: وَاللَّهِ لَا آتِيهِ حَتَّى يَبْعَثَ إِلَيَّ مَنْ يَسْحَبُنِي بِقُرُونِي. قَالَ: فَقَالَ الْحَجَّاجُ: أَرَوْنِي سِبْتَيَّ. فَأَخَذَ نَعْلَيْهِ، ثُمَّ انْطَلَقَ يَتَوَذَّفُ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: كَيْفَ رَأَيٍتِينِي صَنَعْتُ بِعَدُوِّ اللَّهِ؟ قَالَتْ: رَأَيْتُكَ أَفْسَدْتَ عَلَيْهِ دُنْيَاهُ، وَأَفْسَدَ عَلَيْكَ آخِرَتَكَ، بَلَغَنِي أَنَّكَ تَقُولُ: يَابْنَ ذَاتِ النِّطَاقَيْنِ، أَنَا وَاللَّهِ
стр. 7151
ذَاتُ النِّطَاقَيْنِ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكُنْتُ أَرْفَعُ بِهِ طَعَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَطَعَامَ أَبِي بَكْرٍ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَنِطَاقُ الْمَرْأَةِ الَّذِي لَا تَسْتَغْنِي عَنْهُ، أَمَا إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ حَدَّثَنَا أَنَّ فِي ثَقِيفٍ كَذَّابًا وَمُبِيرًا، فَأَمَّا الْكَذَّابُ فَرَأَيْنَاهُ، وَأَمَّا الْمُبِيرُ فَلَا إِخَالُكَ إِلَّا إِيَّاهُ. قَالَ: فَقَامَ عَنْهَا وَلَمْ يُرَاجِعْهَا. انْفَرَدَ بِهِ مُسْلِمٌ.
وَرَوَى الْوَاقِدِيُّ أَنَّ الْحَجَّاجَ لَمَّا صَلَبَ ابْنَ الزُّبَيْرِ عَلَى ثَنِيَّةِ الْحَجُونَ بَعَثَتْ إِلَيْهِ أَسْمَاءُ تَدْعُو عَلَيْهِ، وَطَلَبَتْ مِنْهُ أَنْ يُدْفَنَ، فَأَبَى عَلَيْهَا، حَتَّى كَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ فِي ذَلِكَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنْ يُدْفَنَ، فَدُفِنَ بِالْحَجُونِ، وَذَكَرُوا أَنَّهُ كَانَ يُشْتَمُّ مِنْ عِنْدِ قَبْرِهِ رِيحُ الْمِسْكِ.
وَكَانَ الْحَجَّاجُ قَدْ قَدِمَ مِنَ الشَّامِ فِي أَلْفَيْ فَارِسٍ، وَانْضَافَ إِلَيْهِ طَارِقُ بْنُ عَمْرٍو فِي خَمْسَةِ آلَافٍ، وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُهُ بِسَنَدِهِ أَنَّ الْحَجَّاجَ حَاصَرَ ابْنَ الزُّبَيْرِ، وَأَنَّهُ اجْتَمَعَ مَعَهُ أَرْبَعُونَ أَلْفًا، وَأَنَّهُ نَصَبَ الْمَنْجَنِيقَ عَلَى أَبِي قُبَيْسٍ لِيَرْمِيَ بِهِ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ الَّذِي فِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَأَنَّهُ جَعَلَ يُؤْمِّنُ، وَأَنَّهُ أَمَّنَ مَنْ خَرَجَ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، وَنَادَى فِيهِمْ بِذَلِكَ، وَقَالَ: إِنَّا لَمْ نَأْتِ لِقِتَالِ أَحَدٍ سِوَى ابْنِ الزُّبَيْرِ. وَأَنَّهُ خَيَّرَ ابْنَ الزُّبَيْرِ بَيْنَ ثَلَاثٍ، إِمَّا أَنْ يَذْهَبَ فِي الْأَرْضِ حَيْثُ شَاءَ، أَوْ يَبْعَثَهُ إِلَى الشَّامِ مُقَيَّدًا بِالْحَدِيدِ، أَوْ يُقَاتِلَ حَتَّى يَقْتُلَ. فَشَاوَرَ أُمَّهُ فِي ذَلِكَ، فَأَشَارَتْ عَلَيْهِ بِالثَّالِثِ فَقَطْ، وَيُرْوَى أَنَّهَا اسْتَدْعَتْ بِكَفَنٍ لَهُ
стр. 7152
وَبَخَّرَتْهُ وَشَجَّعَتْهُ عَلَى الْقَتْلِ، فَخَرَجَ بِهَذِهِ النِّيَّةِ، فَقَاتَلَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ السَّابِعَ عَشَرَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ قِتَالًا شَدِيدًا، فَجَاءَتْهُ آجُرَّةٌ فَفَلَقَتْ رَأْسَهُ فَسَقَطَ عَلَى وَجْهِهِ إِلَى الْأَرْضِ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَنْهَضَ فَلَمْ يَقْدِرْ، فَاتَّكَأَ عَلَى مَرْفِقِهِ الْأَيْسَرِ وَجَعَلَ يَحْذِمُ بِالسَّيْفِ مَنْ جَاءَهُ، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مَنْ أَهَّلِ الشَّامِ، فَضَرَبَهُ فَقَطَعَ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ تَكَاثَرُوا عَلَيْهِ حَتَّى قَتَلُوهُ وَاحْتَزُّوا رَأْسَهُ، وَكَانَ مَقْتَلُهُ قَرِيبًا مِنَ الْحَجُونِ، وَيُقَالُ: بَلْ قُتِلَ وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ صَلَبَهُ الْحَجَّاجُ مُنَكَّسًا عَلَى ثَنِيَّةِ كَدَاءٍ عِنْدَ الْحَجُونِ، ثُمَّ لَمَّا أَنْزَلَهُ دَفَنَهُ فِي مَقَابِرِ الْيَهُودِ كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَقِيلَ: دُفِنَ بِالْحَجُونِ بِالْمَكَانِ الَّذِي صُلِبَ فِيهِ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقِيلَ: إِنَّ وَالِدَتَهُ أَسْمَاءَ غَسَّلَتْهُ بَعْدَمَا تَقَطَّعَتْ أَوْصَالُهُ، وَخَيَّطَتْهُ وَكَفَّنَتْهُ، وَصَلَّتْ عَلَيْهِ، وَحَمَلَتْهُ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَدَفَنَتْهُ فِي دَارِ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ، وَأَنَّ هَذِهِ الدَّارَ زِيدَتْ فِي الْمَسْجِدِ، فَهُوَ مَدْفُونٌ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ لَمَّا جِيءَ بِرَأْسِ الْمُخْتَارِ: مَا كَانَ يُحَدِّثُنَا كَعْبُ الْأَحْبَارِ شَيْئًا إِلَّا وَجَدْنَاهُ إِلَّا قَوْلَهُ: إِنَّ فَتَى ثَقِيفٍ يَقْتُلُنِي، وَهَذَا رَأْسُهُ بَيْنَ يَدَيَّ. قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: وَلَمْ يَشْعُرْ أَنَّهُ قَدْ خُبِّئَ لَهُ الْحَجَّاجُ. وَرُوِيَ هَذَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ.
стр. 7153
قُلْتُ: وَالْمَشْهُورُ أَنَّ مَقْتَلَ ابْنِ الزُّبَيْرِ كَانَ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ، فِي يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ سَابِعَ عَشَرَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى، وَقِيلَ: الْآخِرَةِ مِنْهَا. وَعَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ أَنَّ مَقْتَلَهُ كَانَ عَلَى رَأْسِ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ، وَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ هُوَ الْأَوَّلُ، وَكَانَتْ بَيْعَتُهُ فِي سَابِعِ رَجَبٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ فِي أَوَّلِ سَنَةِ إِحْدَى مِنَ الْهِجْرَةِ، وَقِيلَ: فِي شَوَّالٍ مِنْ سَنَةِ ثِنْتَيْنِ مِنَ الْهِجْرَةِ، فَجَاوَزَ السَّبْعِينَ قَطْعًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا أُمُّهُ فَإِنَّهَا لَمْ تَعِشْ بَعْدَهُ إِلَّا مِائَةَ يَوْمٍ، وَقِيلَ: إِنَّمَا عَاشَتْ بَعْدَهُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ. وَقِيلَ: خَمْسَةً. وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ، وَسَتَأْتِي تَرْجَمَتُهَا قَرِيبًا ﵂.
وَكَانَ لَهُ مِنَ الْوَلَدِ: خُبَيْبٌ وَحَمْزَةُ وَعَبَّادٌ وَثَابِتٌ، وَأُمُّهُمْ تُمَاضِرُ بِنْتُ مَنْظُورٍ الْفَزَارِيِّ، وَهَاشِمٌ وَقَيْسٌ وَعُرْوَةُ - قُتِلَ مَعَ أَبِيهِ - وَالزُّبَيْرُ، وَأُمُّهُمْ أُمُّ هَاشِمٍ بِنْتُ حُلَّةَ بْنِ مَنْظُورٍ، وَعَامِرٌ وَمُوسَى وَأُمُّ حَكِيمٍ وَفَاطِمَةُ وَفَاخِتَةُ، وَأُمُّهُمْ جُثَيْمَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، وَبَكْرٌ وَرُقَيَّةُ، وَأُمُّهُمْ عَائِشَةُ بِنْتُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَعَبْدُ اللَّهِ وَمُصْعَبٌ مِنْ أُمِّ وَلَدٍ.
وَقَدْ أَسْنَدَ ثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ حَدِيثًا.
وَقَدْ رُثِيَ ابْنُ الزُّبَيْرِ وَأَخُوهُ مُصْعَبٌ بِمَرَاثٍ كَثِيرَةٍ حَسَنَةٍ بَلِيغَةٍ، رَحِمَهُمَا اللَّهُ، مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ مَعْمَرٍ الذُّهْلِيِّ يَرْثِيهُمَا بِأَبْيَاتٍ:
стр. 7154
لَعَمْرُكَ مَا أَبْقَيْتُ فِي النَّاسِ حَاجَةً … وَلَا كُنْتُ مَلْبُوسَ الْهُدَى مُتَذَبْذِبًا
غَدَاةَ دَعَانِي مُصْعَبٌ فَأَجَبْتُهُ … وَقَلْتُ لَهُ أَهْلًا وَسَهْلًا وَمَرْحَبًا
أَبُوكَ حَوَارِيُّ الرَّسُولِ وَسَيْفُهُ … فَأَنْتَ بِحَمْدِ اللَّهِ مِنْ خَيْرِنَا أَبَا
وَذَاكَ أَخُوكَ الْمُهْتَدَى بِضِيَائِهِ … بِمَكَّةَ يَدْعُونَا دُعَاءً مُثَوَّبَا
وَلَمْ أَكُ ذَا وَجْهَيْنِ وَجْهٍ لِمُصْعَبٍ … مَرِيضٍ وَوَجْهٍ لِابْنِ مَرْوَانَ إِذْ صَبَا
وَكُنْتُ امْرَأً نَاصَحْتُهُ غَيْرَ مُؤْثِرٍ … عَلَيْهِ ابْنَ مَرْوَانَ وَلَا مُتَقَرِّبَا
إِلَيْهِ بِمَا تُقْذَى بِهِ عَيْنُ مُصْعَبٍ … وَلَكِنَّنِي نَاصَحْتُ فِي اللَّهِ مُصْعَبَا
إِلَى أَنْ رَمَتْهُ الْحَادِثَاتُ بِسَهْمِهَا … فَلِلَّهِ سَهْمًا مَا أَسَدَّ وَأَصْوَبَا
فَإِنْ يَكُ هَذَا الدَّهْرُ أَوْدَى بِمُصْعَبٍ … وَأَصْبَحَ عَبْدُ اللَّهِ شِلْوًا مُلَحَّبَا
فَكُلُّ امْرِئٍ حَاسٍ مِنَ الْمَوْتِ جُرْعَةً … وَإِنْ حَادَ عَنْهَا جُهْدَهُ وَتَهَيَّبَا
وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَاهُ دَمَ مَحَاجِمِهِ يُهَرِيقُهُ، فَحَسَاهُ، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَا صَنَعْتَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بِالدَّمِ؟ قُلْتُ: جَعَلْتُهُ فِي مَكَانٍ ظَنَنْتُ أَنَّهُ خَافٍ عَلَى النَّاسِ. قَالَ: فَلَعَلَّكَ شَرِبْتَهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: وَمَنْ أَمَرَكَ أَنْ تَشْرَبَ الدَّمَ؟ وَيْلٌ لَكَ مِنَ النَّاسِ، وَوَيْلٌ لِلنَّاسِ مِنْكَ.
стр. 7155
وَدَخَلَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ مَرَّةً عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَإِذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ قَائِمٌ فِي الدِّهْلِيزِ، وَمَعَهُ طَسْتٌ يَشْرَبُ مِنْهُ، فَدَخَلَ سَلْمَانُ، وَدَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: فَرَغْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ سَلْمَانُ: وَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَعْطَيْتَهُ غُسَالَةَ مَحَاجِمِي يُهَرِيقُ مَا فِيهَا. قَالَ سَلْمَانُ: شَرِبَهَا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ. قَالَ: شَرِبْتَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: لِمَ؟ قَالَ: أَحْبَبْتُ أَنْ يَكُونَ دَمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي جَوْفِي. فَقَالَ بِيَدِهِ عَلَى رَأْسِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَقَالَ: وَيْلٌ لَكَ مِنَ النَّاسِ، وَوَيْلٌ لِلنَّاسِ مِنْكَ، لَا تَمَسُّكَ النَّارُ إِلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ.
وَلَمَّا بَعَثَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ ذَلِكَ الْقَيْدَ مِنْ ذَهَبٍ، وَسِلْسِلَةً مِنْ فِضَّةٍ، وَجَامِعَةً مِنْ فِضَّةٍ، وَأَقْسَمَ لَتَأْتِيَنِّي فِيهَا، فَقَالُوا لَهُ: بِرَّ قَسَمَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ:
وَلَا أَلِينُ لِغَيْرِ الْحَقِّ أَسْأَلُهُ … حَتَّى يَلِينَ لِضِرْسِ الْمَاضِغِ الْحَجَرُ
ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لَضَرْبَةٌ بِسَيْفٍ بِعِزٍّ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ ضَرْبَةٍ بِسَوْطٍ فِي ذُلٍّ. ثُمَّ دَعَا إِلَى نَفْسِهِ، وَأَظْهَرَ الْخِلَافَ لِيَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ.
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ دَخَلَ عَلَى أُمِّهِ فَقَالَ: إِنَّ فِي الْمَوْتِ لَرَاحَةٌ. وَكَانَتْ أُمُّهُ قَدْ أَتَتْ عَلَيْهَا مِائَةُ سَنَةٍ لَمْ يَسْقُطْ لَهَا سِنٌّ، وَلَمْ يَفْسُدْ لَهَا بَصَرٌ، فَقَالَتْ لَهُ: مَا أُحِبُّ أَنْ أَمُوتَ حَتَّى آتِيَ عَلَى أَحَدِ طَرَفَيْكَ، إِمَّا أَنْ تَمْلِكَ فَتَقَرَّ عَيْنِي، وَإِمَّا أَنْ تُقْتَلَ فَأَحْتَسِبَكَ. ثُمَّ خَرَجَ عَنْهَا، وَهُوَ يَقُولُ:
стр. 7156
وَلَسْتُ بِمُبْتَاعِ الْحَيَاةِ بِسُبَّةٍ … وَلَا مُرْتَقٍ مِنْ خَشْيَةِ الْمَوْتِ سُلَّمَا
ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى آلِ الزُّبَيْرِ يَعِظُهُمْ وَيَقُولُ: لِيُكِنَّ أَحَدُكُمْ سَيْفَهُ كَمَا يُكِنُّ وَجْهَهُ، فَيَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ بِيَدِهِ كَأَنَّهُ امْرَأَةٌ، وَاللَّهِ مَا لَقِيتُ زَحْفًا قَطُّ إِلَّا فِي الرَّعِيلِ الْأَوَّلِ، وَمَا أَلِمْتُ جُرْحًا إِلَّا أَلَمَ الدَّوَاءِ، ثُمَّ حَمَلَ عَلَيْهِمْ وَمَعَهُ سَيْفَانِ، فَأَوَّلُ مَنْ لَقِيَهُ الْأَسْوَدُ، فَضَرَبَهُ بِسَيْفِهِ حَتَّى أَطَنَّ رِجْلَهُ، فَقَالَ لَهُ الْأَسْوَدُ: أَخُّ يَابْنَ الزَّانِيَةِ. فَقَالَ لَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ: اخْسَأْ يَابْنَ حَامٍ، أَسْمَاءُ زَانِيَةٌ؟! ثُمَّ أَخْرَجَهُمْ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَعْوَانِهِ يَرْمُونَ أَعْدَاءَهُ بِالْآجُرِّ، فَأَصَابَتْهُ آجُرَّةٌ مِنْ أَعْوَانِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ، فَفَلَقَتْ رَأْسَهُ، فَوَقَفَ قَائِمًا وَهُوَ يَقُولُ:
لَوْ كَانَ قَرْنِي وَاحِدًا كَفَيْتُهُ
وَيَقُولُ:
وَلَسْنَا عَلَى الْأَعْقَابِ تَدْمَى كُلُومُنَا … وَلَكِنْ عَلَى أَقْدَامِنَا تَقْطُرُ الدِّمَا
ثُمَّ وَقَعَ، فَأَكَبَّ عَلَيْهِ مَوْلَيَانِ لَهُ، وَهُمَا يَقُولَانِ:
стр. 7157
الْعَبْدُ يَحْمِي رَبَّهُ وَيَحْتَمِي
ثُمَّ أَرْسَلُوا إِلَيْهِ فَحَزُّوا رَأْسَهُ.
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ أَيْضًا، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: أَنَا حَاضِرٌ مَقْتَلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، يَوْمَ قُتِلَ جَعَلَتِ الْجُيُوشُ تَدَخُلُ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ، وَكُلَّمَا دَخَلَ قَوْمٌ مِنْ بَابٍ حَمَلَ عَلَيْهِمْ حَتَّى يُخْرِجَهُمْ، فَبَيْنَمَا هُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ إِذْ جَاءَتْ شُرْفَةٌ مِنْ شُرُفَاتِ الْمَسْجِدِ، فَوَقَعَتْ عَلَى رَأْسِهِ فَصَرَعَتْهُ، وَهُوَ يَتَمَثَّلُ بِهَذِهِ الْأَبْيَاتِ:
أَسْمَاءُ يَا أَسْمَاءُ لَا تَبْكِينِي … لَمْ يَبْقَ إِلَّا حَسَبِي وَدِينِي
وَصَارِمٌ لَانَتْ بِهِ يَمِينِي
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ أُمَّهُ قَالَتْ لِلْحَجَّاجِ: أَمَا آنَ لِهَذَا الرَّاكِبِ أَنْ يَنْزِلَ؟ فَقَالَ الْحَجَّاجُ: ابْنُكُ الْمُنَافِقُ؟ فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا كَانَ مُنَافِقًا، إِنْ كَانَ لَصَوَّامًا قَوَّامًا وَصُولًا لِلرَّحِمِ. فَقَالَ: انْصَرِفِي يَا عَجُوزُ، فَإِنَّكِ قَدْ خَرِفْتِ. فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا خَرِفْتُ مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: يَخْرُجُ مِنْ ثَقِيفٍ كَذَّابٌ وَمُبِيرٌ فَأَمَّا الْكَذَّابُ فَقَدْ رَأَيْنَاهُ، وَأَمَّا الْمُبِيرُ فَأَنْتَ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ فَمَرَّ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَوَقَفَ فَتَرَحَّمَ عَلَيْهِ،
стр. 7158
وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ وَقَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ.
وَرَوَى سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ: ذَكَرْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: كَانَ عَفِيفًا فِي الْإِسْلَامِ، قَارِئًا لِلْقُرْآنِ، صَوَّامًا قَوَّامًا، أَبُوهُ الزُّبَيْرُ، وَأُمُّهُ أَسْمَاءُ، وَجَدُّهُ أَبُو بَكْرٍ، وَعَمَّتُهُ خَدِيجَةُ، وَجَدَّتُهُ صَفِيَّةُ، وَخَالَتُهُ عَائِشَةُ، وَاللَّهِ لَأُحَاسِبَنَّ لَهُ بِنَفْسِي مُحَاسَبَةً لَمْ أُحَاسِبْهَا لِأَبِي بَكْرٍ وَلَا لِعُمَرَ.
وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا السَّاجِيُّ، ثَنَا حَوْثَرَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، ثَنَا سَعِيدُ بْنُ الْمَرْزُبَانِ أَبُو سَعِيدٍ الْعَبْسِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيُّ قَالَ: شَهِدْتُ خُطْبَةَ ابْنِ الزُّبَيْرِ بِالْمَوْسِمِ، خَرَجَ عَلَيْنَا قَبْلَ التَّرْوِيَةِ بِيَوْمٍ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَلَبَّى بِأَحْسَنِ تَلْبِيَةٍ سَمِعْتُهَا قَطُّ، ثُمَّ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّكُمْ جِئْتُمْ مِنْ آفَاقٍ شَتَّى وُفُودًا إِلَى اللَّهِ ، فَحَقٌّ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكْرِمَ وَفْدَهُ، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَطْلُبُ مَا عِنْدَ اللَّهِ فَإِنَّ طَالِبَ مَا عِنْدَ اللَّهِ لَا يَخِيبُ، فَصَدِّقُوا قَوْلَكُمْ بِفِعْلٍ، فَإِنَّ مَلَاكَ الْقَوْلِ الْفِعْلُ، وَالنِّيَّةَ النِّيَّةَ، وَالْقُلُوبَ الْقُلُوبَ، اللَّهَ اللَّهَ فِي أَيَّامِكُمْ هَذِهِ; فَإِنَّهَا أَيَّامٌ تُغْفَرُ فِيهَا الذُّنُوبُ، جِئْتُمْ مِنْ آفَاقٍ شَتَّى فِي غَيْرِ تِجَارَةٍ، وَلَا طَلَبِ مَالٍ، وَلَا دُنْيَا تَرْجُونَهَا هَاهُنَا. ثُمَّ لَبَّى وَلَبَّى النَّاسُ، فَمَا رَأَيْتُ بَاكِيًا أَكْثَرَ مِنْ يَوْمِئِذٍ.
стр. 7159
وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ: ثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، ثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ قَالَ: كُتِبَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ بِمَوْعِظَةٍ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ لِأَهْلِ التَّقْوَى عَلَامَاتٌ يُعْرَفُونَ بِهَا، وَيَعْرِفُونَهَا مِنْ أَنْفُسِهِمْ: صِدْقُ الْحَدِيثِ، وَأَدَاءُ الْأَمَانَةِ، وَكَظْمُ الْغَيْظِ، وَصَبْرٌ عَلَى الْبَلَاءِ، وَرِضًا بِالْقَضَاءِ، وَشُكْرٌ لِلنَّعْمَاءِ، وَذُلٌّ لِحُكْمِ الْقُرْآنِ، وَإِنَّمَا الْإِمَامُ كَالسُّوقِ; مَا نَفَقَ فِيهَا حُمِلَ إِلَيْهَا، إِنْ نَفَقَ الْحَقُّ عِنْدَهُ حُمِلَ إِلَيْهِ وَجَاءَهُ أَهْلُهُ، وَإِنْ نَفَقَ الْبَاطِلُ عِنْدَهُ حُمِلَ إِلَيْهِ وَجَاءَهُ أَهْلُهُ.
وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: ثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ قَالَ: مَا رَأَيْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ يُعْطِي سَلَمَهُ قَطُّ لِرَغْبَةٍ وَلَا لِرَهْبَةِ سُلْطَانٍ وَلَا غَيْرِهِ.
وَبِهَذِهِ الْإِسْنَادَاتِ أَهْلُ الشَّامِ كَانُوا يُعَيِّرُونَ ابْنَ الزُّبَيْرِ وَيَقُولُونَ لَهُ: يَابْنَ ذَاتِ النِّطَاقَيْنِ. فَقَالَتْ لَهُ أَسْمَاءُ: يَا بُنَيَّ، إِنَّهُمْ يُعَيِّرُونَكَ بِالنِّطَاقَيْنِ، وَإِنَّمَا كَانَ لِي نِطَاقٌ وَاحِدٌ شَقَقْتُهُ نِصْفَيْنِ; فَجَعَلْتُ فِي سُفْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَدَهُمَا، وَأَوْكَيْتُ قِرْبَتَهُ بِالْآخَرِ لَمَّا خَرَجَ هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ يُرِيدَانِ الْهِجْرَةَ إِلَى الْمَدِينَةِ. فَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا عَيَّرُوهُ بِالنِّطَاقَيْنِ يَقُولُ: إِيهًا وَاللَّهِ:
стр. 7160
وَتِلْكَ شَكَاةٌ ظَاهِرٌ عَنْكَ عَارُهَا
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِ مَّنْ قُتِلَ مَعَ ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ بِمَكَّةَ مِنَ الْأَعْيَانِ:
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ الْجُمَحِيُّ، أَبُو صَفْوَانَ الْمَكِّيُّ
وَكَانَ أَكْبَرَ وَلَدِ أَبِيهِ، أَدْرَكَ حَيَاةَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَرَوَى عَنْ عُمَرَ وَجَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَحَدَّثَ عَنْهُ خَلْقٌ مِنَ التَّابِعَيْنِ، وَكَانَ سَيِّدًا شَرِيفًا مُطَاعًا حَلِيمًا، يَحْتَمِلُ الْأَذَى، لَوْ سَبَّهُ عَبْدٌ أَسْوَدُ، مَا اسْتَنْكَفَ عَنْهُ، وَلَمْ يَقْصِدْهُ أَحَدٌ فِي شَيْءٍ فَرَدَّهُ خَائِبًا، وَلَا سَمِعَ بِمَفَازَةٍ إِلَّا حَفَرَ جُبًّا، أَوْ عَمِلَ فِيهَا بِرْكَةً، وَلَا عَقَبَةٍ إِلَّا سَهَّلَهَا.
وَقِيلَ: إِنَّ الْمُهَلَّبَ بْنَ أَبِي صُفْرَةَ قَدِمَ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ مِنَ الْعِرَاقِ، فَأَطَالَ الْخَلْوَةَ مَعَهُ، فَجَاءَ ابْنُ صَفْوَانَ فَقَالَ: مَنْ هَذَا الَّذِي شَغَلَكَ مُنْذُ الْيَوْمِ؟ قَالَ: هَذَا سَيِّدُ الْعَرَبِ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ. فَقَالَ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُهَلَّبَ. فَقَالَ الْمُهَلَّبُ لِابْنِ الزُّبَيْرِ: وَمَنْ هَذَا الَّذِي يَسْأَلُ عَنِّي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: هَذَا سَيِّدُ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ. فَقَالَ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ صَفْوَانَ. وَكَانَ ابْنُ صَفْوَانَ كَرِيمًا جِدًّا.
وَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ بِسَنَدِهِ: إِنَّ مُعَاوِيَةَ قَدِمَ حَاجًّا فَتَلَقَّاهُ النَّاسُ، فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَفْوَانَ فِي جُمْلَةِ مَنْ تَلَقَّاهُ، فَجَعَلَ يُسَايِرُ مُعَاوِيَةَ، وَجَعَلَ أَهْلُ
стр. 7161
الشَّامِ يَقُولُونَ: مَنْ هَذَا الَّذِي يُسَايِرُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى مَكَّةَ إِذَا الْجَبَلُ أَبْيَضُ مِنَ الْغَنَمِ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَذِهِ غَنَمٌ أَجْزَرْتُكَهَا; تُقَسِّمُهَا بَيْنَ الْجُنْدِ. فَإِذَا هِيَ أَلَفَا شَاةٍ، فَقَالُوا: مَا رَأَيْنَا أَكْرَمَ مِنِ ابْنِ عَمِّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ.
ثُمَّ كَانَ ابْنُ صَفْوَانَ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ صَبَرَ مَعَ ابْنِ الزُّبَيْرِ حِينَ حَصَرَهُ الْحَجَّاجُ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ: إِنِّي قَدْ أَقَلْتُكَ بَيْعَتِي، فَاذْهَبْ حَيْثُ شِئْتَ. فَقَالَ: إِنِّي إِنَّمَا قَاتَلْتُ عَنْ دِينِي. ثُمَّ صَبَّرَ نَفْسَهُ، حَتَّى قُتِلَ وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، ﵀ وَأَكْرَمَ مَثْوَاهُ.
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُطِيعِ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ حَارِثَةَ الْقُرَشِيُّ الْعَدَوِيُّ الْمَدَنِيُّ
وُلِدَ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَحَنَّكَهُ، وَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ، وَرَوَى عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: لَا يُقْتَلُ قُرَشِيٌّ بَعْدَ الْيَوْمِ صَبْرًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَعَنْهُ ابْنَاهُ: إِبْرَاهِيمُ، وَ مُحَمَّدٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَعِيسَى بْنُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُوسَى.
قَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ: كَانَ ابْنُ مُطِيعٍ مِنْ كِبَارِ رِجَالِ قُرَيْشٍ جَلَدًا وَشَجَاعَةً،
стр. 7162
وَأَخْبَرَنِي عَمِّي مُصْعَبٌ أَنَّهُ كَانَ عَلَى قُرَيْشٍ يَوْمَ الْحَرَّةِ، وَقُتِلَ مَعَ ابْنِ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ، وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ:
أَنَا الَّذِي فَرَرْتُ يَوْمَ الْحَرَّةْ
وَالشَّيْخُ لَا يَفِرُّ إِلَّا مَرَّةْ
لَأُجْبُرَنَّ كَرَةً بِفَرَّةْ
﵀.
عَوْفُ بْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَوْفٍ الْأَشْجَعِيُّ الْغَطَفَانِيُّ
صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ، شَهِدَ مُؤْتَةَ مَعَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَالْأُمَرَاءِ قَبْلَهُ، وَشَهِدَ الْفَتْحَ، وَكَانَتْ مَعَهُ رَايَةُ قَوْمِهِ يَوْمَئِذٍ، وَشَهِدَ فَتْحَ الشَّامِ، وَرَوَى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَادِيثَ، وَرَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعَيْنِ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَقَدْ مَاتَ قَبْلَهُ، وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ، وَخَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ: تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ بِالشَّامِ.
أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ
وَالِدَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، يُقَالُ لَهَا: ذَاتُ النِّطَاقَيْنِ، وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ عَامَ الْهِجْرَةِ حِينَ شَقَّتْ نِطَاقَهَا، وَرَبَطَتْ بِهِ سُفْرَةَ
стр. 7163
النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ حِينَ خَرَجَا إِلَى غَارِ ثَوْرٍ لِلْهِجْرَةِ. وَأُمُّهَا قَيْلَةُ، وَقِيلَ: قُتَيْلَةُ بِنْتُ عَبْدِ الْعُزَّى مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ.
أَسْلَمَتْ أَسْمَاءُ قَدِيمًا، وَهُمْ بِمَكَّةَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، وَهَاجَرَتْ هِيَ وَزَوْجُهَا الزُّبَيْرُ، وَهِيَ حَامِلٌ مُتِمٌّ بِوَلَدِهَا عَبْدِ اللَّهِ، فَوَضَعَتْهُ بِقُبَاءٍ، أَوَّلَ مَقْدِمِهِمِ الْمَدِينَةَ، ثُمَّ وَلَدَتْ لِلزُّبَيْرِ بَعْدَ ذَلِكَ عُرْوَةَ، وَ الْمُنْذِرَ، ثُمَّ لَمَّا كَبُرَتْ طَلَّقَهَا الزُّبَيْرُ، وَقِيلَ: بَلْ قَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُهُ: إِنَّ مِثْلِي لَا تُوطَأُ أُمُّهُ. فَطَلَّقَهَا الزُّبَيْرُ، وَقِيلَ: بَلِ اخْتَصَمَتْ هِيَ وَالزُّبَيْرُ، فَجَاءَ عَبْدُ اللَّهِ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمَا، فَقَالَ الزُّبَيْرُ: إِنْ دَخَلْتَ فَهِيَ طَالِقٌ. فَدَخَلْتُ فَبَانَتْ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 7164
وَقَدْ عُمِّرَتْ أَسْمَاءُ دَهْرًا صَالِحًا وَأَضَرَّتْ فِي آخِرِ عُمُرِهَا، وَقِيلَ: بَلْ كَانَتْ صَحِيحَةَ الْبَصَرِ، لَمْ يَسْقُطْ لَهَا سِنٌّ، وَأَدْرَكَتْ قَتْلَ وَلَدِهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَمَا ذَكَرْنَا، ثُمَّ مَاتَتْ بَعْدَهُ بِخَمْسَةِ أَيَّامٍ. وَقِيلَ: بِعَشَرَةٍ. وَقِيلَ: بِعِشْرِينَ. وَقِيلَ: بِبِضْعَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا. وَقِيلَ: عَاشَتْ بَعْدَهُ مِائَةَ يَوْمٍ. وَهُوَ الْأَشْهَرُ، وَبَلَغَتْ مِنَ الْعُمُرِ مِائَةَ سَنَةٍ، وَلَمْ يَسْقُطْ لَهَا سِنٌّ، وَلَمْ يُنْكَرْ لَهَا عَقْلٌ، رَحِمَهَا اللَّهُ وَرَضِيَ عَنْهَا، وَقَدْ رَوَتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ عِدَّةَ أَحَادِيثَ طَيِّبَةٍ مُبَارَكَةٍ، ﵂ وَرَحِمَهَا.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ - يَعْنِي سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ - عَزَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ خَالِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الْبَصْرَةِ، وَأَضَافَهَا إِلَى أَخِيهِ بِشْرِ بْنِ مَرْوَانَ مَعَ الْكُوفَةِ، فَارْتَحَلَ إِلَيْهَا بِشْرٌ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْكُوفَةِ عَمْرَو بْنَ حُرَيْثٍ.
وَفِيهَا غَزَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ الصَّائِفَةَ، فَهَزَمَ الرُّومَ.
وَقِيلَ: إِنَّهُ كَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَقْعَةُ عُثْمَانَ بْنِ الْوَلِيدِ بِالرُّومِ، مِنْ نَاحِيَةِ أَرْمِينِيَّةَ، وَهُوَ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ، وَالرُّومُ فِي سِتِّينَ أَلْفًا، فَهَزَمَهُمْ، وَأَكْثَرَ الْقَتْلَ فِيهِمْ.
وَأَقَامَ لِلنَّاسِ الْحَجَّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ الثَّقَفِيُّ أَيْضًا، وَهُوَ عَلَى
стр. 7165
مَكَّةَ وَالْيَمَنِ وَالْيَمَامَةِ، وَعَلَى الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ بِشْرُ بْنُ مَرْوَانَ، فِي قَوْلِ الْوَاقِدِيِّ، وَفِي قَوْلِ غَيْرِهِ: عَلَى الْكُوفَةِ بِشْرُ بْنُ مَرْوَانَ، وَعَلَى الْبَصْرَةِ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَلَى قَضَاءِ الْكُوفَةِ شُرَيْحُ بْنُ الْحَارِثِ. وَعَلَى قَضَاءِ الْبَصْرَةِ هِشَامُ بْنُ هُبَيْرَةَ. وَعَلَى إِمْرَةِ خُرَاسَانَ بُكَيْرُ بْنُ وِشَاحٍ، يَعْنِي الَّذِي كَانَ نَائِبًا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَازِمٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا غَيْرُ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مَعَ ابْنِ الزُّبَيْرِ:
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ خَيْثَمَةَ الْأَنْصَارِيُّ
لَهُ صُحْبَةٌ، وَشَهِدَ الْيَرْمُوكَ، وَكَانَ كَثِيرَ الْعِبَادَةِ وَالْغَزْوِ.
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي حَدْرَدٍ الْأَسْلَمِيُّ
أَبُو مُحَمَّدٍ، لَهُ صُحْبَةٌ وَرِوَايَةٌ، تُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ.
مَالِكُ بْنُ مِسْمَعِ بْنِ غَسَّانَ الْبَصْرِيُّ
كَانَ شَدِيدَ الِاجْتِهَادِ فِي الْعِبَادَةِ وَالزَّهَادَةِ.
ثَابِتُ بْنُ الضَّحَّاكِ الْأَنْصَارِيُّ
لَهُ صُحْبَةٌ وَرِوَايَةٌ، تُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ، يُقَالُ
стр. 7166
لَهُ: أَبُو زَيْدٍ الْأَشْهَلِيُّ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْبَيْعَةِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، قَالَ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو قِلَابَةَ، أَنَّ ثَابِتَ بْنَ الضَّحَّاكِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَنْ قَذَفَ مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهُوَ كَقَتْلِهِ.
زَيْنَبُ بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ الْمَخْزُومِيَّةُ
رَبِيبَةُ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَدَتْهَا أُمُّهَا بِالْحَبَشَةِ، وَلَهَا رِوَايَةٌ وَصُحْبَةٌ.
تَوْبَةُ بْنُ الْحُمَيِّرِ
وَهُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: مَجْنُونُ لَيْلَى. كَانَ تَوْبَةُ يَشُنُّ الْغَارَاتِ عَلَى بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ، فَرَأَى لَيْلَى، فَهَوَاهَا وَتَهَتَّكَ بِهَا، وَهَامَ بِهَا مَحَبَّةً وَعِشْقًا، وَقَالَ فِيهَا الْأَشْعَارَ الْكَثِيرَةَ الْقَوِيَّةَ الرَّائِقَةَ، الَّتِي لَمْ يُسْبَقْ إِلَيْهَا، وَلَمْ يُلْحَقْ فِيهَا; لِكَثْرَةِ مَا فِيهَا مِنَ الْمَعَانِي وَالْحِكَمِ، وَقَدْ قِيلَ لَهُ مَرَّةً: هَلْ كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ لَيْلَى رِيبَةٌ قَطُّ؟ فَقَالَ: بَرِئْتُ مِنْ شَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ إِنْ كُنْتُ قَطُّ حَلَلْتُ سَرَاوِيلِي عَلَى مُحَرَّمٍ.
وَقَدْ دَخَلَتْ لَيْلَى عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ تَشْكُو ظُلَامَةً، فَقَالَ لَهَا: مَاذَا رَأَى مِنْكِ تَوْبَةُ حَتَّى عَشِقَكِ هَذَا الْعِشْقَ كُلَّهُ؟ فَقَالَتْ: وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ قَطُّ رِيبَةٌ، وَلَا خَنَا، وَإِنَّمَا الْعَرَبُ تَعْشَقُ وَتَعِفُّ،
стр. 7167
وَتَقُولُ الْأَشْعَارَ فِي مَنْ تَهْوَى وَتُحِبُّ، مَعَ الْعِفَّةِ وَالصِّيَانَةِ لِأَنْفُسِهَا عَنِ الدَّنَاءَاتِ. فَأَزَالَ ظُلَامَتَهَا وَأَجَازَهَا. تُوُفِّيَ تَوْبَةُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقِيلَ: إِنَّ لَيْلَى جَاءَتْ إِلَى قَبْرِهِ فَبَكَتْ عَلَيْهِ حَتَّى مَاتَتْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 7168
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ
فِيهَا عَزَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ طَارِقَ بْنَ عَمْرٍو عَنْ إِمْرَةِ الْمَدِينَةِ، وَأَضَافَهَا إِلَى الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ الثَّقَفِيِّ، فَقَدِمَهَا الْحَجَّاجُ، فَأَقَامَ بِهَا شَهْرًا، ثُمَّ خَرَجَ مُعْتَمِرًا، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْمَدِينَةِ فِي صَفَرٍ، فَأَقَامَ بِهَا ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، وَبَنَى فِي بَنِي سَلَمَةَ مَسْجِدًا، وَهُوَ الَّذِي يُنْسَبُ إِلَيْهِ الْيَوْمَ، وَيُقَالُ: إِنَّ الْحَجَّاجَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَهَذِهِ الْمُدَّةِ خَتَمَ جَابِرًا، وَ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ، وَقَرَّعَهُمَا; لِمَ لَا نَصَرَا عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، وَخَاطَبَهُمَا خِطَابًا غَلِيظًا - قَبَّحَهُ اللَّهُ وَأَخْزَاهُ - وَقَدِ اسْتَقْضَى أَبَا إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيَّ - أَظُنُّهُ - عَلَى الْيَمَنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: إِنَّ الْحَجَّاجَ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ صَعِدَ مِنْبَرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَخَطَبَ النَّاسَ وَقَالَ: يَا أَهْلَ خَبِيثَةَ - يَعْنِي طَيْبَةَ - أَنْتُمْ شَرُّ أُمَّةٍ وَأَخَسُّ، وَلَوْلَا أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَوْصَانِي بِكُمْ لَجَعَلْتُهَا مِثْلَ جَوْفِ حِمَارٍ، يَا أَهْلَ خَبِيثَةَ، تَمَنَّوْنَ، هَلْ تَعَوَّذُونَ إِلَّا بِأَعْوَادٍ يَابِسَةٍ - يَعْنِي الْمِنْبَرَ - وَرُمَّةٍ بَالِيَةٍ، وَأَشَارَ إِلَى قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ نَزَلَ إِلَى سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ، فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَنْصُرَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ؟ فَقَالَ: قَدْ فَعَلَتُ. فَقَالَ: كَذَبْتَ. ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَخُتِمَ فِي عُنُقِهِ
стр. 7169
بِرَصَاصٍ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ بِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ; خَتَمَهُ فِي يَدِهِ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فِي عُنُقِهِ، وَكَانَ قَصْدُهُ يُذِلُّهُمْ بِذَلِكَ، فَقَالَ أَنَسٌ: إِنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُفْعَلَ بِهِمْ هَذَا.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَفِيهَا نَقَضَ الْحَجَّاجُ بُنْيَانَ الْكَعْبَةِ الَّذِي كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ بَنَاهُ، وَأَعَادَهَا عَلَى بُنْيَانِهَا الْأَوَّلِ.
قُلْتُ: الْحَجَّاجُ لَمْ يَنْقُضْ بُنْيَانَ الْكَعْبَةِ جَمِيعَهُ؛ بَلْ إِنَّمَا هَدَمَ الْحَائِطَ الشَّامِيَّ، حَتَّى أَخْرَجَ الْحِجْرَ مِنَ الْبَيْتِ، ثُمَّ سَدَّهُ، وَأَدْخَلَ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ مَا فَضَلَ مِنَ الْأَحْجَارِ، وَبَقِيَتِ الْحِيطَانُ الثَّلَاثَةُ بِحَالِهَا; وَلِهَذَا بَقِيَ الْبَابَانِ الشَّرْقِيُّ وَالْغَرْبِيُّ وَهُمَا مُلْصَقَانِ بِالْأَرْضِ، كَمَا هُوَ الْمُشَاهَدُ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا، وَلَكِنْ سَدَّ الْغَرْبِيَّ بِالْكُلِّيَّةِ، وَرَدَمَ أَسْفَلَ الشَّرْقِيِّ، حَتَّى جَعَلَهُ مُرْتَفِعًا كَمَا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَلَمْ يَبْلُغِ الْحَجَّاجَ وَلَا عَبْدَ الْمَلِكِ مَا كَانَ بَلَغَ ابْنَ الزُّبَيْرِ مِنَ الْعِلْمِ النَّبَوِيِّ، الَّذِي كَانَتْ أَخْبَرَتْهُ بِهِ خَالَتُهُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ بِنْتُ الصِّدِّيقِ، ﵂، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ - مِنْ قَوْلِهِ: لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِكُفْرٍ - وَفِي رِوَايَةٍ: بِجَاهِلِيَّةٍ - لَنَقَضْتُ الْكَعْبَةَ، وَأَدَخَلْتُ فِيهَا الْحِجْرَ، وَجَعَلْتُ لَهَا بَابًا شَرْقِيًّا، وَبَابًا غَرْبِيًّا، وَلَأَلْصَقْتُهُمَا بِالْأَرْضِ، فَإِنَّ قَوْمَكِ قَصُرَتْ بِهِمُ النَّفَقَةُ، فَلَمْ يُدْخِلُوا فِيهَا الْحِجْرَ، وَلَمْ يُتَمِّمُوهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ، وَرَفَعُوا بَابَهَا لِيُدْخِلُوا مَنْ شَاءُوا،
стр. 7170
وَيَمْنَعُوا مَنْ شَاءُوا فَلَمَّا تَمَكَّنَ ابْنُ الزُّبَيْرِ بَنَاهَا كَذَلِكَ، وَلَمَّا بَلَغَ عَبْدَ الْمَلِكِ هَذَا الْحَدِيثُ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ: وَدِدْنَا أَنَا تَرَكْنَاهُ وَمَا تَوَلَّى مِنْ ذَلِكَ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وَلِيَ الْمُهَلَّبُ بْنُ أَبِي صُفْرَةَ حَرْبَ الْأَزَارِقَةِ عَنْ أَمْرِ عَبْدِ الْمَلِكِ لِأَخِيهِ بِشْرِ بْنِ مَرْوَانَ أَنْ يُجَهِّزَ الْمُهَلَّبَ إِلَى الْخَوَارِجِ الْأَزَارِقَةِ فِي جُيُوشٍ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ، وَوَجَدَ بِشْرٌ عَلَى الْمُهَلَّبِ فِي نَفْسِهِ، حَيْثُ عَيَّنَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ فِي كِتَابِهِ; فَلَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنْ طَاعَتِهِ فِي تَأْمِيرِهِ عَلَى النَّاسِ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ، وَمَا كَانَ لَهُ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ، غَيْرَ أَنَّهُ أَوْصَى أَمِيرَ الْكُوفِيِّينَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مِخْنَفٍ أَنْ يَسْتَبِدَّ بِالْأَمْرِ دُونَهُ، وَأَنْ لَا يَقْبَلَ لَهُ رَأْيًا وَلَا مَشُورَةً، فَسَارَ الْمُهَلَّبُ بِأَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَأُمَرَاءِ الْأَرْبَاعِ مَعَهُ عَلَى مَنَازِلِهِمْ، حَتَّى نَزَلَ بِرَامَهُرْمُزَ، فَلَمْ يَقُمْ عَلَيْهَا إِلَّا عَشْرًا حَتَّى جَاءَ نَعْيُ بِشْرِ بْنِ مَرْوَانَ، وَأَنَّهُ مَاتَ بِالْبَصْرَةِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَيْهَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَارْفَضَّ بَعْضُ الْجَيْشِ، وَرَجَعُوا إِلَى الْبَصْرَةِ، فَبَعَثُوا فِي آثَارِهِمْ مَنْ يَرُدُّهُمْ، وَكَتَبَ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى الْفَارِّينَ يَتَوَعَّدُهُمْ إِنْ لَمْ يَرْجِعُوا إِلَى أَمِيرِهِمْ، وَيَتَوَعَّدُهُمْ بِسَطْوَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَعَدَلُوا يَسْتَأْذِنُونَ عَمْرَو بْنَ حُرَيْثٍ فِي الْمَصِيرِ إِلَى الْكُوفَةِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ: إِنَّكُمْ تَرَكْتُمْ أَمِيرَكُمْ، وَأَقْبَلْتُمْ عَاصِينَ مُخَالِفِينَ، وَلَيْسَ لَكُمْ إِذَنٌ وَلَا إِمَامٌ وَلَا أُمَّانٌ. فَلَمَّا جَاءَهُمْ ذَلِكَ، أَقْبَلُوا إِلَى رِحَالِهِمْ فَرَكِبُوهَا، ثُمَّ سَارُوا إِلَى بَعْضِ الْبِلَادِ، فَلَمْ يَزَالُوا مُخْتَفِينَ بِهَا حَتَّى قَدِمَ الْحَجَّاجُ وَالِيًا عَلَى الْعِرَاقِ مَكَانَ بِشْرِ بْنِ مَرْوَانَ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ قَرِيبًا.
стр. 7171
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ عَزَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ بُكَيْرَ بْنَ وِشَاحٍ التَّمِيمِيَّ عَنْ إِمْرَةِ خُرَاسَانَ، وَوَلَّاهَا أُمَيَّةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ أُسَيْدٍ الْقُرَشِيَّ; لِيَجْتَمِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ، فَإِنَّهُ قَدْ كَادَتِ الْفِتْنَةُ تَتَفَاقَمُ بِخُرَاسَانَ بَعْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَازِمٍ، فَلَمَّا قَدِمَ أُمَيَّةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ خُرَاسَانَ عَرَضَ عَلَى بُكَيْرِ بْنِ وِشَاحٍ أَنْ يَكُونَ عَلَى شُرْطَتِهِ، فَأَبَى، وَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يُوَلِّيَهُ طُخَارِسْتَانَ، فَخَوَّفُوهُ مِنْهُ أَنْ يَخْلَعَهُ هُنَالِكَ، فَتَرَكَهُ مُقِيمًا عِنْدَهُ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا الْحَجَّاجُ، وَهُوَ عَلَى إِمْرَةِ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ وَالْيَمَنِ وَالْيَمَامَةِ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ اعْتَمَرَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَلَا نَعْلَمُ صِحَّةَ ذَلِكَ.
ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَعْيَانِ
رَافِعُ بْنُ خَدِيجِ بْنِ رَافِعٍ الْأَنْصَارِيُّ
صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ، شَهِدَ أُحُدًا وَمَا بَعْدَهَا، وَصِفِّينَ مَعَ عَلِيٍّ، وَكَانَ يَتَعَانَى الْمَزَارِعَ وَالْفِلَاحَةَ، تُوُفِّيَ وَهُوَ ابْنُ سِتٍّ وَثَمَانِينَ سَنَةً، وَأَسْنَدَ ثَمَانِيَةً وَسَبْعِينَ حَدِيثًا، وَأَحَادِيثُهُ جَيِّدَةٌ، وَقَدْ أَصَابَهُ يَوْمَ أُحُدٍ سَهْمٌ فِي تَرْقُوَتِهِ، فَخَيَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَنْ يَنْزِعَهُ مِنْهُ وَبَيْنَ أَنْ
стр. 7172
يَتْرُكَ فِيهِ الْقُطْبَةَ، وَيَشْهَدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَاخْتَارَ هَذِهِ، وَانْتَقَضَ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فَمَاتَ مِنْهُ، ﵁.
أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ سَعْدُ بْنُ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ، الْأَنْصَارِيُّ الْخَزْرَجَيُّ
صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ، مِنْ فُقَهَاءَ الصَّحَابَةِ، اسْتُصْغِرَ يَوْمَ أُحُدٍ، ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ مَشَاهِدِهِ الْخَنْدَقُ، وَشَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ غَزْوَةً، وَرَوَى عَنْهُ أَحَادِيثَ كَثِيرَةً، وَعَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَحَدَّثَ عَنْهُ خَلْقٌ مِنَ التَّابِعَيْنِ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ. كَانَ مِنْ نُجَبَاءَ الصَّحَابَةِ وَفُضَلَائِهِمْ وَعُلَمَائِهِمْ، ﵁.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ وَغَيْرُهُ: مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ. وَقِيلَ: قَبْلَهَا بِعَشْرِ سِنِينَ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا الْمِقْدَامُ بْنُ دَاوُدَ، ثَنَا خَالِدُ بْنُ نِزَارٍ، ثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبَى سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟ فَقَالَ: النَّبِيُّونَ. قُلْتُ: ثُمَّ أَيْ؟
стр. 7173
قَالَ: ثُمَّ الصَّالِحُونَ، إِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ لَيُبْتَلَى بِالْفَقْرِ حَتَّى مَا يَجِدُ إِلَّا السُّتْرَةَ - وَفِي رِوَايَةٍ: إِلَّا الْعَبَاءَةَ - أَوْ نَحْوَهَا، وَإِنَّ أَحَدَهُمْ لَيُبْتَلَى فَيَقْمَلُ حَتَّى يَنْبِذَ الْقَمْلَ، وَكَانَ أَحَدُهُمْ بِالْبَلَاءِ أَشَدَّ فَرَحًا مِنْهُ بِالرَّخَاءِ.
وَقَالَ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: ثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ أَهْلَهُ شَكَوْا إِلَيْهِ الْحَاجَةَ، فَخَرَجَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَسْأَلُ لَهُ شَيْئًا، فَوَافَقَهُ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَهُوَ يَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ، قَدْ آنَ لَكُمْ أَنْ تَسْتَغْنُوا عَنِ الْمَسْأَلَةِ; فَإِنَّهُ مَنْ يَسْتَعِفَّ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، مَا رَزَقَ اللَّهُ عَبْدًا مِنْ رِزْقٍ أَوْسَعَ لَهُ مِنَ الصَّبْرِ، وَلَئِنْ أَبَيْتُمْ إِلَّا أَنْ تَسْأَلُونِي لَأُعْطِيَنَّكُمْ مَا وَجَدْتُ وَقَدْ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبَى سَعِيدٍ نَحْوَهُ.
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، الْقُرَشِيُّ الْعَدَوِيُّ، أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، الْمَكِّيُّ ثُمَّ الْمَدَنِيُّ
أَسْلَمَ قَدِيمًا مَعَ أَبِيهِ، وَلَمْ يَبْلُغِ الْحُلُمَ، وَهَاجَرَ وَعُمْرُهُ عَشْرُ سِنِينَ، وَقَدِ اسْتُصْغِرَ يَوْمَ أُحُدٍ وَكَانَ ابْنَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْخَنْدَقِ أَجَازَهُ، وَهُوَ ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَشَهِدَهَا وَمَا بَعْدَهَا، وَهُوَ شَقِيقُ حَفْصَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ،
стр. 7174
أُمُّهُمَا زَيْنَبُ بِنْتُ مَظْعُونٍ، أُخْتُ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ.
وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَبْعَةً مِنَ الرِّجَالِ، آدَمَ، لَهُ جُمَّةٌ تَضْرِبُ إِلَى مَنْكِبَيْهِ، جَسِيمًا، يَخْضِبُ بِالصُّفْرَةِ، وَيُحْفِي شَارِبَهُ، وَكَانَ يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَيُدْخِلُ الْمَاءَ فِي أُصُولِ عَيْنَيْهِ، وَقَدْ أَرَادَهُ عُثْمَانُ عَلَى الْقَضَاءِ فَأَبَى ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ أَبُوهُ، وَشَهِدَ الْيَرْمُوكَ وَالْقَادِسِيَّةَ وَجَلُولَاءَ، وَمَا بَيْنَهُمَا مِنْ وَقَائِعَ الْفُرْسِ، وَشَهِدَ فَتْحَ مِصْرَ، وَاخْتَطَّ بِهَا دَارًا، وَقَدِمَ الْبَصْرَةَ وَشَهِدَ غَزْوَ فَارِسَ، وَوَرَدَ الْمَدَائِنَ مِرَارًا، وَكَانَ عُمْرُهُ يَوْمَ مَاتَ النَّبِيُّ ﷺ ثِنْتَيْنِ وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَكَانَ إِذَا أَعْجَبَهُ شَيْءٌ مِنْ مَالِهِ تَقَرَّبَ بِهِ إِلَى اللَّهِ ، وَكَانَ عَبِيدُهُ قَدْ عَرَفُوا ذَلِكَ مِنْهُ، فَرُبَّمَا لَزِمَ أَحَدُهُمُ الْمَسْجِدَ; فَإِذَا رَآهُ ابْنُ عُمَرَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ أَعْتَقَهُ، فَيُقَالُ لَهُ: إِنَّهُمْ يَخْدَعُونَكَ. فَيَقُولُ: مَنْ خَدَعَنَا بِاللَّهِ انْخَدَعْنَا لَهُ. وَكَانَ لَهُ جَارِيَةً يُحِبُّهَا كَثِيرًا، فَأَعْتَقَهَا وَزَوَّجَهَا لِمَوْلَاهُ نَافِعٍ، وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَكَانَ لَهُ نَجِيبٌ اشْتَرَاهُ بِمَالٍ، فَأَعْجَبَهُ لَمَّا رَكِبَهُ، فَقَالَ: يَا نَافِعُ، أَدْخِلْهُ فِي إِبِلِ الصَّدَقَةِ. وَأَعْطَاهُ ابْنُ جَعْفَرٍ فِي نَافِعٍ عَشَرَةَ آلَافِ دِينَارٍ، فَقِيلَ لَهُ: مَا تَنْتَظِرُ بِبَيْعِهِ؟ فَقَالَ: مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ، هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ. وَاشْتَرَى مَرَّةً غُلَامًا بِأَرْبَعِينَ أَلْفًا، وَأَعْتَقَهُ، فَقَالَ الْغُلَامُ: يَا مَوْلَايَ، قَدْ أَعْتَقْتَنِي فَهَبْ لِي شَيْئًا أَعِيشُ بِهِ. فَأَعْطَاهُ أَرْبَعِينَ أَلْفًا، وَاشْتَرَى مَرَّةً خَمْسَةَ عَبِيدٍ، فَقَامَ يُصَلِّي فَقَامُوا خَلْفَهُ يُصَلُّونَ، فَقَالَ: لِمَنْ صَلَّيْتُمْ هَذِهِ الصَّلَاةَ؟ فَقَالُوا: لِلَّهِ! فَقَالَ: أَنْتُمْ أَحْرَارٌ لِمَنْ صَلَّيْتُمْ لَهُ. فَأَعْتَقَهُمْ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ مَا مَاتَ حَتَّى أَعْتَقَ أَلْفَ رَقَبَةٍ، وَرُبَّمَا تَصَدَّقَ
стр. 7175
فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ بِثَلَاثِينَ أَلْفًا، وَكَانَتْ تَمْضِي عَلَيْهِ الْأَيَّامُ الْكَثِيرَةُ وَالشَّهْرُ لَا يَذُوقُ فِيهِ لَحْمًا، وَمَا كَانَ يَأْكُلُ طَعَامَهُ إِلَّا وَعَلَى مَائِدَتِهِ يَتِيمٌ.
وَبَعَثَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ بِمِائَةِ أَلْفٍ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يُبَايِعَ لِيَزِيدَ، فَمَا حَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ وَعِنْدَهُ مِنْهَا شَيْءٌ، وَكَانَ يَقُولُ: إِنِّي لَا أَسْأَلُ أَحَدًا شَيْئًا، فَمَا رَزَقَنِي اللَّهُ فَلَا أَرُدُّهُ، وَكَانَ فِي مُدَّةِ الْفِتْنَةِ لَا يَأْتِي أَمِيرٌ إِلَّا صَلَّى خَلْفَهُ، وَأَدَّى إِلَيْهِ زَكَاةَ مَالِهِ، وَكَانَ أَعْلَمَ النَّاسِ بِمَنَاسِكَ الْحَجِّ، وَكَانَ يَتَتَبَّعُ آثَارَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كُلَّ مَكَانٍ صَلَّى فِيهِ، أَوْ قَعَدَ فِيهِ، حَتَّى إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَزَلَ تَحْتَ شَجَرَةٍ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَتَعَاهَدُهَا، وَيَصُبُّ فِي أَصْلِهَا الْمَاءَ حَتَّى لَا تَيْبَسَ، وَكَانَ إِذَا فَاتَتْهُ الْعِشَاءُ فِي جَمَاعَةٍ أَحْيَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَكَانَ يَقُومُ أَكْثَرَ اللَّيْلِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ مَاتَ وَهُوَ فِي الْفَضْلِ مِثْلُ أَبِيهِ، وَكَانَ يَوْمَ مَاتَ خَيْرُ مَنْ بَقِيَ، وَمَكَثَ سِتِّينَ سَنَةً يُفْتِي النَّاسَ مِنْ سَائِرِ الْبِلَادِ.
وَرَوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَحَادِيثَ كَثِيرَةً، وَرَوَى عَنِ الصِّدِّيقِ، وَعَنْ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَسَعْدٍ، وَ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَحَفْصَةَ وَعَائِشَةَ أُمَّيِ الْمُؤْمِنِينَ، وَغَيْرِهِمْ، وَعَنْهُ خَلَقٌ مِنَ التَّابِعَيْنِ: مِنْهُمْ بَنُوهُ حَمْزَةُ، وَ بِلَالٌ، وَزَيْدٌ، وَسَالِمٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ، وَعُمَرُ - إِنْ كَانَ مَحْفُوظًا - وَأَسْلَمُ - مَوْلَى أَبِيهِ - وَأَنَسُ بْنُ سِيرِينَ، وَالْحَسَنُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَطَاوُسٌ، وَعُرْوَةُ، وَعَطَاءٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَمُجَاهِدٌ، وَ ابْنُ سِيرِينَ، وَالزُّهْرِيُّ، وَمَوْلَاهُ نَافِعٌ.
стр. 7176
وَثَبَتَ فِي «الصَّحِيحِ» عَنْ حَفْصَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ رَجُلٌ صَالِحٌ; لَوْ كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ فَكَانَ بَعْدُ يَقُومُ اللَّيْلَ.
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إِنَّ مِنْ أَمْلَكِ شَبَابِ قُرَيْشٍ لِنَفْسِهِ عَنِ الدُّنْيَا ابْنُ عُمَرَ. وَقَالَ جَابِرٌ: مَا مِنَّا أَحَدٌ أَدْرَكَ الدُّنْيَا إِلَّا مَالَتْ بِهِ، وَمَالَ بِهَا، إِلَّا ابْنَ عُمَرَ، وَمَا أَصَابَ أَحَدٌ مِنَ الدُّنْيَا شَيْئًا إِلَّا نَقَصَ مِنْ دَرَجَاتِهِ عِنْدَ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ كَرِيمًا. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: مَاتَ ابْنُ عُمَرَ يَوْمَ مَاتَ وَمَا مِنَ الدُّنْيَا أَحَدٌ أَحَبَّ أَنْ أَلْقَى اللَّهَ بِمِثْلِ عَمَلِهِ مِنْهُ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: لَا يُعْدَلُ بِرَأْيهِ، فَإِنَّهُ أَقَامَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سِتِّينَ سَنَةً، فَلَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِهِ، وَلَا مَنْ أَمْرِ أَصْحَابِهِ، ﵃.
وَقَالَ مَالِكٌ: بَلَغَ ابْنُ عُمَرَ سِتًّا وَثَمَانِينَ سَنَةً، وَأَفْتَى فِي الْإِسْلَامِ سِتِّينَ سَنَةً، يَقْدَمُ عَلَيْهِ وُفُودُ النَّاسِ مِنْ أَقْطَارِ الْأَرْضِ. وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ وَجَمَاعَةٌ: تُوُفِّيَ ابْنُ عُمَرَ سَنَةَ أَرْبَعٍ
стр. 7177
وَسَبْعِينَ. وَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ وَآخَرُونَ: تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ. وَالْأَوَّلُ أَثْبَتَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ: لَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ وَاسْتُخْلِفَ عَلِيٌّ، أَتَاهُ ابْنُ عُمَرَ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: إِنَّكَ مَحْبُوبٌ إِلَى النَّاسِ، فَسِرْ إِلَى الشَّامِ فَقَدْ وَلَّيْتُكَهَا. فَقَالَ: أُذَكِّرُكَ اللَّهَ وَقَرَابَتِي وَصُحْبَتِي لِرَسُولِ اللَّهِ وَالرَّحِمِ إِلَّا مَا وَلَّيْتَ غَيْرِي وَأَعْفَيْتَنِي. فَأَبَى عَلَيْهِ، فَاسْتَعَانَ بِحَفْصَةَ أُخْتِهِ فَكَلَّمَتْهُ، ثُمَّ سَارَ مِنْ لَيْلَتِهِ إِلَى مَكَّةَ هَارِبًا مِنْهُ.
وَقِيلَ: إِنَّ مَرْوَانَ قَالَ لِابْنِ عُمَرَ: أَلَا تَخْرُجُ إِلَى الشَّامِ فَيُبَايِعُوكَ؟ قَالَ: فَكَيْفَ أَصْنَعُ بِأَهْلِ الْعِرَاقِ؟ قَالَ: تُقَاتِلُهُمْ بِأَهْلِ الشَّامِ. فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي مُلْكَ الْأَرْضِ، وَأَنَّ النَّاسَ كُلَّهَمْ بَايَعُونِي، وَقَدْ قُتِلَ مِنْهُمْ رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَمَا أُحِبُّ أَنَّهَا أَتَتْنِي وَرَجُلٌ يَقُولُ: لَا، وَآخَرُ يَقُولُ: نَعَمْ. وَقِيلَ: إِنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ الْحَجَّاجُ وَهُوَ مَرِيضٌ فَغَمَّضَ عَيْنَيْهِ، فَكَلَّمَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ.
تُوُفِّيَ بِمَكَّةَ بَعْدَ مُنْصَرَفِ النَّاسِ مِنَ الْحَجِّ فِي آخِرِ السَّنَةِ، وَعُمْرُهُ أَرْبَعٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً، وَدُفِنَ بِالْمُحَصَّبِ، وَهُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ مِنَ الصَّحَابَةِ بِمَكَّةَ.
стр. 7178
وَكَانَ لَهُ مِنَ الْوَلَدِ: أَبُو بَكْرٍ، وَ أَبُو عُبَيْدَةَ، وَ وَاقِدٌ، وَ عَبْدُ اللَّهِ، وَ عُمَرُ وَحَفْصَةُ وَسَوْدَةُ، أُمُّهُمْ صَفِيَّةُ بِنْتُ أَبِي عُبَيْدٍ أُخْتُ الْمُخْتَارِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَ سَالِمٌ، وَ عُبَيْدُ اللَّهِ، وَ حَمْزَةُ، وَأُمُّهُمْ أُمُّ وَلَدٍ، وَزَيْدٌ وَعَائِشَةُ لِأُمِّ وَلَدٍ، وَأَسْنَدَ أَلْفَيْنِ وَسِتَّمِائَةٍ وَثَلَاثِينَ حَدِيثًا.
عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ قَتَادَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ عَامِرِ بْنِ جُنْدَعِ بْنِ لَيْثٍ، اللَّيْثِيُّ ثُمَّ الْجَنْدَعِيُّ، أَبُو عَاصِمٍ الْمَكِّيُّ
قَاصُّ أَهْلِ مَكَّةَ.
قَالَ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ: وُلِدَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ . وَقَالَ غَيْرُهُ: وَرَآهُ أَيْضًا. رَوَى عَنْ أَبِيهِ - وَلَهُ صُحْبَةٌ - وَعَنْ عُمَرَ، وَ عَلِيٍّ، وَ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَ ابْنِ عُمَرَ، وَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَأُمِّ سَلَمَةَ، وَغَيْرِهِمْ.
وَعَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعَيْنِ وَغَيْرُهُمْ، وَوَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ، وَ أَبُو زُرْعَةَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ.
стр. 7179
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَجْلِسُ فِي حَلْقَتِهِ وَيَبْكِي، وَكَانَ يُعْجِبُهُ تَذْكِيرُهُ، وَكَانَ بَلِيغًا، وَكَانَ يَبْكِي حَتَّى يَبُلَّ الْحَصَى بِدُمُوعِهِ.
قَالَ مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، عَنْ غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ، قَالَ: كَانَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ إِذَا آخَى أَحَدًا فِي اللَّهِ اسْتَقْبَلَ بِهِ الْقِبْلَةَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا سُعَدَاءَ بِمَا جَاءَ بِهِ نَبِيُّكَ، وَاجْعَلْ مُحَمَّدًا شَهِيدًا عَلَيْنَا بِالْإِيمَانِ، وَقَدْ سَبَقَتْ لَنَا مِنْكَ الْحُسْنَى، غَيْرَ مُتَطَاوِلٍ عَلَيْنَا الْأَمَدُ، وَلَا قَاسِيَةٍ قُلُوبُنَا وَلَا قَائِلِينَ مَا لَيْسَ لَنَا بِحَقٍّ، وَلَا سَائِلَيْنِ مَا لَيْسَ لَنَا بِهِ عِلْمٌ.
وَحَكَى الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَنَّ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ مَاتَ قَبْلَ ابْنِ عُمَرَ ﵁.
أَبُو جُحَيْفَةَ وَهْبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ السُّوَائِيُّ
صَحَابِيٌّ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ ، وَكَانَ دُونَ الْبُلُوغِ عِنْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ، لَكِنْ رَوَى عَنْهُ عِدَّةَ أَحَادِيثَ، وَعَنْ عَلِيٍّ، وَ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، وَعَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعَيْنِ; مِنْهُمْ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، وَالْحَكَمُ، وَ سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ، وَ الشَّعْبِيُّ، وَ أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ، وَكَانَ قَدْ نَزَلَ الْكُوفَةَ وَابْتَنَى بِهَا دَارًا، وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقِيلَ: فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَكَانَ صَاحِبَ شُرْطَةِ عَلِيٍّ، وَكَانَ عَلِيٌّ إِذَا خَطَبَ يَقُومُ أَبُو جُحَيْفَةَ تَحْتَ مِنْبَرِهِ.
стр. 7180
سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سِنَانٍ الْأَنْصَارِيُّ
وَهُوَ أَحَدُ مَنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، وَكَانَ مِنْ فُرْسَانِ الصَّحَابَةِ، وَمِنْ عُلَمَائِهِمْ، كَانَ يُفْتِي بِالْمَدِينَةِ، وَلَهُ مَشَاهِدُ مَعْرُوفَةٌ، فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ وَبَعْدَهُ، تُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ، وَقَدْ جَاوَزَ السَّبْعِينَ سَنَةً.
مَالِكُ بْنُ أَبِي عَامِرٍ، الْأَصْبَحِيُّ الْمَدَنِيُّ
وَهُوَ جَدُّ الْإِمَامِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، رَوَى عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَكَانَ فَاضِلًا عَالِمًا، تُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ.
أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ
مُقْرِئُ أَهْلِ الْكُوفَةِ بِلَا مُدَافَعَةٍ، وَاسْمُهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَبِيبٍ، قَرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَسَمِعَ مِنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَأَقْرَأَ النَّاسَ الْقُرْآنَ بِالْكُوفَةِ مِنْ خِلَافَةِ عُثْمَانَ إِلَى إِمْرَةِ الْحَجَّاجِ، قَرَأَ عَلَيْهِ عَاصِمُ بْنُ أَبِي النَّجُودِ، وَخَلْقٌ غَيْرُهُ، تُوُفِّيَ بِالْكُوفَةِ.
أَبُو مُعْرِضٍ الْأَسَدِيُّ
اسْمُهُ مُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْكُوفِيِّ، وُلِدَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَوَفَدَ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَامْتَدَحَهُ، وَلَهُ شِعْرٌ جَيِّدٌ وَيُعْرَفُ
следующие страницы →