← История

История · id 4445

البداية والنهاية - ت التركي

ابن كثير

Полный текст (13 161 стр.). Показаны 7211–7250 · переход к 7216.

стр. 7211

أَنْتُمْ أَهْلُ السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَالصَّبْرِ وَالْيَقِينِ، لَا يَغْلِبَنَّ بَاطِلُ هَؤُلَاءِ الْأَرْجَاسِ حَقَّكُمْ، غُضُّوا الْأَبْصَارَ، وَاجْثُوا عَلَى الرُّكَبِ، وَاسْتَقْبِلُوا بِأَطْرَافِ الْأَسِنَّةِ. فَفَعَلُوا ذَلِكَ. وَأَقْبَلَ شَبِيبٌ وَقَدْ عَبَّأَ أَصْحَابَهُ ثَلَاثَ فِرَقٍ; وَاحِدَةٌ مَعَهُ، وَأُخْرَى مَعَ سُوَيْدِ بْنِ سُلَيْمٍ، وَأُخْرَى مَعَ الْمُجَلَّلِ بْنِ وَائِلٍ، وَأَمَرَ شَبِيبٌ سُوَيْدًا أَنْ يَحْمِلَ، فَحَمَلَ عَلَى جَيْشِ الْحَجَّاجِ، فَصَبَرُوا لَهُ حَتَّى إِذَا دَنَا مِنْهُمْ وَثَبُوا إِلَيْهِ وَثْبَةً وَاحِدَةً، فَانْهَزَمَ عَنْهُمْ، فَنَادَى الْحَجَّاجُ: يَا أَهْلَ السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، هَكَذَا فَافْعَلُوا. ثُمَّ أَمَرَ الْحَجَّاجُ فَقُدِّمَ كُرْسِيُّهُ الَّذِي هُوَ جَالِسٌ عَلَيْهِ إِلَى الْأَمَامِ، ثُمَّ أَمَرَ شَبِيبٌ الْمُجَلَّلَ أَنْ يَحْمِلَ، فَحَمَلَ، فَفَعَلُوا بِهِ كَمَا فَعَلُوا بِسُوِيدٍ، وَقَالَ لَهُمِ الْحَجَّاجُ كَمَا قَالَ لِأُولَئِكَ، وَقَدَّمَ كُرْسِيَّهُ إِلَى أَمَامٍ، ثُمَّ إِنَّ شَبِيبًا حَمَلَ عَلَيْهِمْ فِي كَتِيبَتِهِ فَثَبَتُوا لَهُ، حَتَّى إِذَا غَشَّى أَطْرَافَ الْأَسِنَّةِ وَثَبُوا فِي وَجْهِهِ فَقَاتَلَهُمْ طَوِيلًا، ثُمَّ إِنَّ أَهْلَ الشَّامِ طَاعَنُوهُ قُدُمًا حَتَّى أَلْحَقُوهُ بِأَصْحَابِهِ، فَلَمَّا رَأَى صَبْرَهُمْ نَادَى: يَا سُوَيْدُ، احْمِلْ فِي خَيْلِكَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ السِّكَّةِ; لَعَلَّكَ تُزِيلُ أَهْلَهَا عَنْهَا، فَأْتِ الْحَجَّاجَ مِنْ وَرَائِهِ، وَنَحْمِلُ نَحْنُ عَلَيْهِ مِنْ أَمَامِهِ. فَحَمَلَ فَلَمْ يُفِدْ ذَلِكَ شَيْئًا، وَذَلِكَ أَنَّ الْحَجَّاجَ كَانَ قَدْ جَعَلَ عُرْوَةَ بْنَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ فِي ثَلَاثِمِائَةِ فَارِسٍ رِدْءًا لَهُ مِنْ وَرَائِهِ; لِئَلَّا يُؤْتُوا مِنْ خَلْفِهِمْ، وَكَانَ الْحَجَّاجُ بَصِيرًا بِالْحَرْبِ أَيْضًا، فَعِنْدَ ذَلِكَ حَرَّضَ شَبِيبٌ أَصْحَابَهُ عَلَى الْحَمْلَةِ، وَأَمَرَهُمْ بِهَا، فَفَهِمَ ذَلِكَ الْحَجَّاجُ، فَنَادَى: يَا أَهْلَ السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، اصْبِرُوا لِهَذِهِ الشِّدَّةِ الْوَاحِدَةِ، ثُمَّ وَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ مَا شَيْءٌ دُونَ الْفَتْحِ. فَجَثَوْا عَلَى الرُّكَبِ، وَحَمَلَ عَلَيْهِمْ شَبِيبٌ بِجَمِيعِ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا غَشِيَهُمْ نَادَى

стр. 7212

الْحَجَّاجُ بِجَمَاعَةِ النَّاسِ، فَوَثَبُوا فِي وَجْهِهِ، فَمَا زَالُوا يَطْعَنُونَ وَيُطْعَنُونَ، وَهُمْ مُسْتَظْهِرُونَ عَلَى شَبِيبٍ وَأَصْحَابِهِ حَتَّى رَدُّوهُمْ عَنْ مَوَاقِفِهِمْ إِلَى مَا وَرَاءَهَا، فَنَادَى شَبِيبٌ فِي أَصْحَابِهِ: يَا أَوْلِيَاءَ اللَّهِ، الْأَرْضَ الْأَرْضَ. ثُمَّ نَزَلَ وَنَزَلَ أَصْحَابُهُ، وَنَادَى الْحَجَّاجُ: يَا أَهْلَ الشَّامِ، يَا أَهْلَ السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، هَذَا أَوَّلُ النَّصْرِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ. وَصَعِدَ مَسْجِدًا هُنَالِكَ لِشَبِيبٍ، وَمَعَهُ نَحْوٌ مِنْ عِشْرِينَ رَجُلًا مَعَهُمُ النَّبْلُ، وَاقْتَتَلَ النَّاسُ قِتَالًا شَدِيدًا عَامَّةَ النَّهَارِ، مِنْ أَشَدِّ قِتَالٍ فِي الْأَرْضِ، حَتَّى أَقَرَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ لِصَاحِبِهِ، وَالْحَجَّاجُ يَنْظُرُ إِلَى الْفَرِيقَيْنِ مِنْ مَكَانِهِ، ثُمَّ إِنَّ خَالِدَ بْنَ عَتَّابٍ اسْتَأْذَنَ الْحَجَّاجَ فِي أَنْ يَرْكَبَ فِي جَمَاعَةٍ فَيَأْتِيَ الْخَوَارِجَ مِنْ وَرَائِهِمْ، فَأَذِنَ لَهُ، فَانْطَلَقَ فِي جَمَاعَةٍ مَعَهُ نَحْوٍ مِنْ أَرْبَعَةِ آلَافٍ، فَدَخْلَ عَسْكَرَ الْخَوَارِجِ مِنْ وَرَائِهِمْ، فَقَتَلَ مُصَادًا أَخَا شَبِيبٍ، وَغَزَالَةَ امْرَأَةَ شَبِيبٍ; قَتَلَهَا رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: فَرْوَةُ بْنُ دَفَّانَ الْكَلْبِيُّ. وَخَرَقَ فِي جَيْشِ شَبِيبٍ، فَفَرِحَ بِذَلِكَ الْحَجَّاجُ وَأَصْحَابُهُ وَكَبَّرُوا، وَانْصَرَفَ شَبِيبٌ وَأَصْحَابُهُ كُلٌّ مِنْهُمْ عَلَى فَرَسٍ، فَأَمَرَ الْحَجَّاجُ النَّاسَ أَنْ يَنْطَلِقُوا فِي تَطَلُّبِهِمْ، فَشَدُّوا عَلَيْهِمْ فَهَزَمُوهُمْ، وَتَخْلَّفَ شَبِيبٌ فِي حَامِيَةِ النَّاسِ، ثُمَّ انْطَلَقَ وَاتَّبَعَهُ الطَّلَبُ، فَجَعَلَ يَنْعَسُ وَهُوَ عَلَى فَرَسِهِ حَتَّى يَخْفِقَ بِرَأْسِهِ، وَدَنَا مِنْهُ الطَّلَبُ، فَجَعَلَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ يَنْهَاهُ عَنِ النُّعَاسِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ، فَجَعَلَ لَا يَكْتَرِثُ بِهِمْ، وَيَعُودُ فَتَخْفِقُ رَأْسُهُ، فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ بَعَثَ الْحَجَّاجُ إِلَى أَصْحَابِهِ يَقُولُ: دَعُوهُ فِي

стр. 7213

حَرَقِ النَّارِ. فَتَرَكُوهُ وَرَجَعُوا. ثُمَّ دَخَلَ الْحَجَّاجُ الْكُوفَةَ، فَخَطَبَ النَّاسَ، فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ: إِنَّ شَبِيبًا لَمْ يُهْزَمْ قَبْلَهَا. ثُمَّ قَصَدَ شَبِيبٌ الْكُوفَةَ، فَخَرَجَتْ إِلَيْهِ سَرِيَّةٌ مِنْ جَيْشِ الْحَجَّاجِ، فَالْتَقَوْا مَعَهُ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ، فَهُزِمَ الْخَوَارِجُ يَوْمَ الْجُمْعَةِ، وَسَارَتِ الْخَوَارِجُ هَارِبِينَ. وَكَانَ عَلَى سَرِيَّةِ الْحَجَّاجِ الْحَارِثُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الثَّقَفِيُّ فِي أَلْفِ فَارِسٍ مَعَهُ، فَحَمَلَ شَبِيبٌ عَلَى الْحَارِثِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، فَكَسَرَهُ وَمَنْ مَعَهُ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ، وَدَخَلَ النَّاسُ الْكُوفَةَ هَارِبِينَ، وَحَصَّنَ النَّاسُ السِّكَكَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ أَبُو الْوَرْدِ مَوْلَى الْحَجَّاجِ فِي طَائِفَةٍ مِنَ الْجَيْشِ، فَقَاتِلَ حَتَّى قُتِلَ، ثُمَّ هَرَبَ أَصْحَابُهُ، وَدَخَلُوا الْكُوفَةَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْهِ أَمِيرٌ آخَرُ فَانْكَسَرَ أَيْضًا، ثُمَّ سَارَ شَبِيبٌ بِأَصْحَابِهِ نَحْوَ السَّوَادِ، فَمَرُّوا بِعَامِلِ الْحَجَّاجِ عَلَى تِلْكَ الْبِلَادِ فَقَتَلُوهُ، ثُمَّ خَطَبَ أَصْحَابَهُ وَقَالَ: اشْتَغَلْتُمْ بِالدُّنْيَا عَنِ الْآخِرَةِ. ثُمَّ رَمَى بِالْمَالِ فِي الْفُرَاتِ، ثُمَّ سَارَ بِهِمْ حَتَّى افْتَتَحَ بِلَادًا كَثِيرَةً، وَلَا يَبْرُزُ لَهُ أَحَدٌ إِلَّا قَتَلَهُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْهِ بَعْضُ الْأُمَرَاءِ الَّذِينَ عَلَى بَعْضِ الْمُدُنِ، فَقَالَ لَهُ: يَا شَبِيبُ ابْرُزْ إِلَيَّ وَأَبْرُزُ إِلَيْكَ - وَكَانَ صَدِيقَهُ - فَقَالَ لَهُ شَبِيبٌ: إِنِّي لَا أَحِبُّ قَتْلَكَ. فَقَالَ لَهُ: لَكِنِّي أُحِبُّ قَتْلَكَ، فَلَا تَغُرَّنَّكَ نَفْسُكَ وَمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْوَقَائِعِ. ثُمَّ حَمَلَ عَلَيْهِ فَضَرَبَهُ شَبِيبٌ عَلَى رَأْسِهِ، فَهَمَسَ رَأْسَهُ حَتَّى اخْتَلَطَ دِمَاغُهُ بِلَحْمِهِ وَعَظْمِهِ، ثُمَّ كَفَّنَهُ وَدَفَنَهُ، ثُمَّ إِنَّ الْحَجَّاجَ أَنْفَقَ أَمْوَالًا كَثِيرَةً عَلَى الْجُيُوشِ وَالْعَسَاكِرِ فِي طَلَبِ شَبِيبٍ فَلَمْ يُطِيقُوهُ وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِ مَوْتًا قَدَرًا

стр. 7214

مِنْ غَيْرِ صُنْعِهِمْ، وَلَا صُنْعِهِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. ذِكْرُ مَقْتَلِ شَبِيبٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عِنْدَ ابْنِ الْكَلْبِيِّ وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَجَّاجَ كَتَبَ إِلَى نَائِبِهِ عَلَى الْبَصْرَةِ; الْحَكَمِ بْنِ أَيُّوبَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي عَقِيلٍ، وَهُوَ زَوْجُ ابْنَةِ الْحَجَّاجِ، يَأْمُرُهُ أَنْ يُجَهِّزَ جَيْشًا أَرْبَعَةَ آلَافٍ يَتَطَلَّبُونَ شَبِيبًا، وَيَكُونُونَ تَبَعًا لِسُفْيَانَ بْنِ الْأَبْرَدِ، فَفِعْلَ فَالْتَقَوْا فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَصَبَرَ كُلٌّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ لِصَاحِبِهِ، ثُمَّ عَزَمَ أَصْحَابُ الْحَجَّاجِ فَحَمَلُوا عَلَى الْخَوَارِجِ، فَفَرُّوا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ذَاهِبِينَ حَتَّى اضْطَرُّوهُمْ إِلَى جِسْرٍ هُنَاكَ، فَوَقَفَ عِنْدَهُ شَبِيبٌ فِي مِائَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَعَجَزَ سُفْيَانُ بْنُ الْأَبْرَدِ عَنْ مُقَاوَمَتِهِ، وَرَدِّهِ عَنْ مَوْقِفِهِ هَذَا بَعْدَمَا تَقَاتَلُوا نَهَارًا كَامِلًا أَشَدَّ قِتَالٍ يَكُونُ، ثُمَّ أَمَرَ سُفْيَانُ بْنُ الْأَبْرَدِ الرُّمَاةَ مِنْ أَصْحَابِهِ فَرَشَقُوهُمْ بِالنَّبْلِ رَشْقًا وَاحِدًا، فَفَرَّتِ الْخَوَارِجُ، ثُمَّ كَرَّتْ عَلَى الرُّمَاةِ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ نَحْوًا مِنْ ثَلَاثِينَ رَجُلًا،

стр. 7215

مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ الْأَبْرَدِ، وَجَاءَ اللَّيْلُ بِظَلَامِهِ، فَكَفَّ النَّاسُ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ، وَبَاتَ كُلٌّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ مُصِرًّا عَلَى مُنَاهَضَةِ الْآخَرِ، فَلَمَّا طَلَعَ الْفَجْرُ عَبَرَ شَبِيبٌ وَأَصْحَابُهُ عَلَى الْجِسْرِ، فَبَيْنَمَا شَبِيبٌ عَلَى مَتْنِ الْجِسْرِ، وَهُوَ عَلَى حِصَانٍ لَهُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ فَرَسٌ أُنْثَى، فَنَزَا فَرَسُهُ وَهُوَ عَلَى الْجِسْرِ، وَنَزَلَ حَافِرُ فَرَسِ شَبِيبٍ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ فَسَقَطَ فِي الْمَاءِ، فَقَالَ: لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا. ثُمَّ انْغَمَرَ فِي الْمَاءِ، ثُمَّ ارْتَفَعَ وَهُوَ يَقُولُ: ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ فَغَرِقَ. وَلَمَّا تَحَقَّقَتِ الْخَوَارِجُ سُقُوطَهُ فِي الْمَاءِ كَرُّوا، وَانْصَرَفُوا ذَاهِبِينَ مُفَرَّقِينَ فِي الْبِلَادِ، وَجَاءَ أَمِيرُ جَيْشِ الْحَجَّاجِ، فَاسْتَخْرَجَ شَبِيبًا مِنَ الْمَاءِ، وَعَلَيْهِ دِرْعُهُ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَشُقَّ صَدْرُهُ، فَاسْتُخْرِجَ قَلْبُهُ، فَإِذَا هُوَ مُجْتَمِعٌ صُلْبٌ كَأَنَّهُ صَخْرَةٌ، وَكَانُوا يَضْرِبُونَ بِهِ الْأَرْضَ فَيَثِبُ قَامَةَ الْإِنْسَانِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ كَانَ مَعَهُ رِجَالٌ قَدْ أَبْغَضُوهُ لِمَا أَصَابَ مِنْ عَشَائِرِهِمْ، فَلَمَّا تَخَلَّفَ فِي السَّاقَةِ اشْتَوَرُوا وَقَالُوا: نَقْطَعُ الْجِسْرَ بِهِ. فَفَعَلُوا ذَلِكَ، فَمَالَتِ السُّفُنُ بِالْجِسْرِ، وَنَفَرَ فَرَسُهُ، فَسَقَطَ فِي الْمَاءِ فَغَرِقَ، فَنَادَوْا: غَرِقَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ. فَعَرَفَ جَيْشُ الْحَجَّاجِ ذَلِكَ فَجَاءُوا فَاسْتَخْرَجُوهُ. وَلَمَّا نُعِيَ شَبِيبٌ إِلَى أُمِّهِ، قَالَتْ: صَدَّقْتُمْ، إِنِّي كُنْتُ رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ وَأَنَا حَامِلٌ بِهِ أَنَّهُ قَدْ خَرَجَ مِنِّي شِهَابٌ مِنْ نَارٍ، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ لَا يُطْفِئُهُ إِلَّا الْمَاءُ. وَكَانَتْ أُمُّهُ جَارِيَةٌ اسْمُهَا جَهِيزَةُ، وَكَانَتْ جَمِيلَةً، وَكَانَتْ مِنْ أَشْجَعِ

стр. 7216

النِّسَاءِ، تُقَاتِلُ مَعَ ابْنِهَا فِي الْحُرُوبِ. وَذَكَرَ الْقَاضِي ابْنُ خَلِّكَانَ أَنَّهَا قُتِلَتْ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ، وَكَذَلِكَ قُتِلَتْ زَوْجَتُهُ غَزَالَةُ. وَكَانَتْ شَدِيدَةَ الْبَأْسِ خَارِجِيَّةً، وَكَانَ الْحَجَّاجُ مَعَ هَيْبَتِهِ يَخَافُ مِنْهَا أَشَدَّ خَوْفٍ، حَتَّى قَالَ فِيهِ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ: أَسَدٌ عَلَيَّ وَفِي الْحُرُوبِ نَعَامَةٌ … فَتْخَاءُ تَنْفِرُ مِنْ صَفِيرِ الصَّافِرِ هَلَّا بَرَزْتَ إِلَى غَزَالَةَ فِي الْوَغَى … بَلْ كَانَ قَلْبُكَ فِي جَنَاحَيْ طَائِرِ قَالَ: وَقَدْ كَانَ شَبِيبُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ نُعَيْمِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الصَّلْتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَرَاحِيلَ بْنِ مُرَّةَ بْنِ ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانَ الشَّيْبَانِيُّ - يَدَّعِي الْخِلَافَةَ، وَيَتَسَمَّى بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَوْلَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَهَرَهُ بِمَا قَهَرَهُ بِهِ مِنَ الْغَرَقِ لَنَالَ الْخِلَافَةَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَلَمَا قَدَرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ، وَإِنَّمَا قَهَرَهُ اللَّهُ عَلَى يَدَيِ الْحَجَّاجِ، لَمَّا أَرْسَلَ إِلَيْهِ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَبْدُ الْمَلِكِ بِعَسَاكِرَ لِقِتَالِهِ، فَهَرَبَ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَلَمَّا أَلْقَاهُ جَوَادُهُ عَلَى الْجِسْرِ فِي نَهْرِ دُجَيْلٍ قَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَغَرَقًا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟

стр. 7217

قَالَ: ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ قَالَ: ثُمَّ أُخْرِجَ، وَحُمِلَ إِلَى الْحَجَّاجِ، فَأَمَرَ فَنُزِعَ قَلْبُهُ مِنْ صَدْرِهِ، فَإِذَا هُوَ مِثْلُ الْحَجَرِ. وَكَانَ شَبِيبٌ رَجُلًا طَوِيلًا أَشْمَطَ جَعْدَا، وَكَانَ مَوْلِدُهُ فِي يَوْمِ عِيدِ النَّحْرِ سَنَةَ سِتٍّ وَعِشْرِينَ، وَقَدْ أُمْسِكَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَحُمِلَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ، فَقَالَ لَهُ: أَلَسْتَ الْقَائِلَ: فَإِنْ يَكُ مِنْكُمْ كَانَ مَرْوَانُ وَابْنُهُ … وَعَمْرٌو وَمِنْكُمْ هَاشِمٌ، وَ حَبِيبُ فَمِنَّا حُصَيْنٌ، وَ الْبَطِينُ وَقَعْنَبٌ … وَمِنَّا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ شَبِيبُ فَقَالَ: إِنَّمَا قُلْتُ: وَمِنَّا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ شَبِيبُ. فَأَعْجَبَهُ اعْتِذَارُهُ وَأَطْلَقَهُ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتْ حُرُوبٌ كَثِيرَةٌ جِدًّا بَيْنَ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ نَائِبِ الْحَجَّاجِ، وَبَيْنَ الْخَوَارِجِ مِنَ الْأَزَارِقَةِ، وَأَمِيرِهِمْ قَطَرِيِّ بْنِ الْفُجَاءَةِ، وَكَانَ أَيْضًا مِنَ الْفُرْسَانِ الشُّجْعَانِ الْمَذْكُورِينَ الْمَشْهُورِينَ، وَقَدْ تَفَرَّقَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ، وَنَفَرُوا فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَأَمَّا هُوَ فَشَرَدَ فِي الْأَرْضِ لَا يُدْرَى أَيْنَ ذَهَبَ، وَقَدْ جَرَتْ بَيْنَهُمْ مُنَاوَشَاتٌ وَمُجَاوَلَاتٌ يَطُولُ بَسْطُهَا وَاسْتِقْصَاؤُهَا، وَقَدْ بَالَغَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي ذِكْرِهَا. قَالَ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ ثَارَ بُكَيْرُ بْنُ وِشَاحٍ الَّذِي كَانَ نَائِبَ خُرَاسَانَ، عَلَى

стр. 7218

نَائِبِهَا أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ أُسَيْدٍ - كَمَا سَيَأْتِي - وَذَلِكَ أَنْ بُكَيْرًا اسْتَجَاشَ عَلَيْهِ النَّاسَ، وَغَدَرَ بِهِ وَقَتَلَهُ، وَقَدْ جَرَتْ بَيْنَهُمَا خُطُوبٌ طَوِيلَةٌ، قَدِ اسْتَقْصَاهَا أَبُو جَعْفَرٍ ﵀ فِي تَارِيخِهِ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتْ وَفَاةُ شَبِيبِ بْنِ يَزِيدَ الْخَارِجِيِّ - كَمَا قَدَّمْنَا - وَقَدْ كَانَ مِنَ الشَّجَاعَةِ وَالْفُرُوسِيَّةِ عَلَى جَانِبٍ كَبِيرٍ، لَمْ أَرَ بَعْدَ الصَّحَابَةِ مِثْلَهُ، وَمِثْلَ الْأَشْتَرِ وَابْنِهُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَأَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ، وَمِمَّنْ يُنَاطُ بِهَؤُلَاءِ فِي الشَّجَاعَةِ; مِثْلَ قَطَرِيِّ بْنِ الْفُجَاءَةِ مِنَ الْأَزَارِقَةِ الْخَوَارِجِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ مِنَ الْأَعْيَانِ: كَثِيرُ بْنُ الصَّلْتِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ الْكِنْدِيُّ كَانَ كَبِيرًا مُطَاعًا فِي قَوْمِهِ، وَلَهُ بِالْمَدِينَةِ دَارٌ كَبِيرَةٌ بِالْمُصَلَّى، وَقِيلَ: إِنَّهُ كَانَ كَاتِبَ عَبْدِ الْمَلِكِ عَلَى الرَّسَائِلِ، تُوُفِّيَ بِالشَّامِ. مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ كَانَتْ أُخْتُهُ تَحْتَ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَوَلَّاهُ سِجِسْتَانَ، فَلَمَّا سَارَ إِلَيْهَا قِيلَ لَهُ: إِنَّ شَبِيبًا فِي طَرِيقِكَ، وَقَدْ أَعْيَا النَّاسَ،

стр. 7219

فَاعْدِلْ إِلَيْهِ لَعَلَّكَ أَنْ تَقْتُلَهُ، فَيَكُونَ ذِكْرُ ذَلِكَ وَشُهْرَتُهُ لَكَ إِلَى الْأَبَدِ. فَلَمَّا سَارَ لَقِيَهُ شَبِيبٌ فَاقْتَتَلَ مَعَهُ، فَقَتَلَهُ شَبِيبٌ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. عِيَاضُ بْنُ عَمْرٍو الْأَشْعَرِيُّ شَهِدَ الْيَرْمُوكَ، وَحَدَّثَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ، تُوُفِّيَ بِالْبَصْرَةِ، ﵀. مُطَرِّفُ بْنُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ وَقَدْ كَانُوا إِخْوَةً; عُرْوَةُ، وَ مُطَرِّفٌ، وَ حَمْزَةُ، وَقَدْ كَانُوا يَمِيلُونَ إِلَى بَنِي أُمَيَّةَ، فَاسْتَعْمَلَهُمِ الْحَجَّاجُ عَلَى أَقَالِيمَ، فَاسْتَعْمَلَ عُرْوَةَ عَلَى الْكُوفَةِ، وَ مُطَرِّفًا عَلَى الْمَدَائِنِ،، وَ حَمْزَةَ عَلَى هَمْدَانَ.

стр. 7220

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ فَفِيهَا كَانَتْ غَزْوَةٌ عَظِيمَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ بِبِلَادِ الرُّومِ، فَفَتَحُوا إِرْقِيلِيَّةَ، فَلَمَّا رَجَعُوا أَصَابَهُمْ مَطَرٌ عَظِيمٌ وَثَلْجٌ وَبَرَدٌ، فَأُصِيبَ بِسَبَبِهِ نَاسٌ كَثِيرٌ. وَفِيهَا وَلَّى عَبْدُ الْمَلِكِ مُوسَى بْنَ نُصَيْرٍ غَزْوَ بِلَادِ الْمَغْرِبِ جَمِيعِهِ، فَسَارَ إِلَى طَنْجَةَ وَقَدَّمَ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ طَارِقًا، فَقَتَلُوا مُلُوكَ تِلْكَ الْبِلَادِ، وَبَعْضُهُمْ قَطَعُوا أَنْفَهُ وَنَفَوْهُ. وَفِيهَا عَزَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ أُمَيَّةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ إِمْرَةِ خُرَاسَانَ، وَأَضَافَهَا إِلَى الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ الثَّقَفِيِّ مَعَ سِجِسْتَانَ أَيْضًا، وَرَكِبَ الْحَجَّاجُ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ شَأْنِ شَبِيبٍ مِنَ الْكُوفَةِ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَقَدِ اسْتَخْلَفَ عَلَى الْكَوْفَةِ الْمُغِيرَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ الْحَضْرَمِيَّ، فَقَدِمَ الْمُهَلَّبُ عَلَى الْحَجَّاجِ وَهُوَ بِالْبَصْرَةِ، وَقَدْ فَرَغَ مِنْ شَأْنِ الْأَزَارِقَةِ أَيْضًا، فَأَجْلَسَهُ مَعَهُ عَلَى السَّرِيرِ، وَاسْتَدْعَى بِأَصْحَابِ الْبَلَاءِ مِنْ جَيْشِهِ، فَمَنْ أَثْنَى عَلَيْهِ الْمُهَلَّبُ أَجْزَلَ الْحَجَّاجُ لَهُ الْعَطِيَّةَ، ثُمَّ وَلَّى الْحَجَّاجُ الْمُهَلَّبَ إِمْرَةَ سِجِسْتَانَ، وَوَلَّى عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي بَكْرَةَ إِمْرَةَ خُرَاسَانَ، ثُمَّ نَاقَلَ بَيْنَهُمَا قَبْلَ خُرُوجِهِمَا مِنْ عِنْدِهِ، فَقِيلَ: كَانَ ذَلِكَ بِإِشَارَةِ الْمُهَلَّبِ. وَقِيلَ: إِنَّهُ اسْتَعَانَ بِصَاحِبِ الشُّرْطَةِ، وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ طَارِقٍ الْعَبْشَمِيُّ، حَتَّى

стр. 7221

أَشَارَ عَلَى الْحَجَّاجِ بِذَلِكَ، فَأَجَابَهُ الْحَجَّاجُ إِلَى ذَلِكَ، وَأَلْزَمَ الْمُهَلَّبَ بِأَلْفِ أَلْفِ دِرْهَمٍ; لِكَوْنِهِ اعْتَرَضَ عَلَى ذَلِكَ. قَالَ أَبُو مَعْشَرٍ: وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَكَانَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ أَبَانَ بْنَ عُثْمَانَ، وَأَمِيرُ الْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ وَسِجِسْتَانَ وَتِلْكَ النَّوَاحِي كُلِّهَا الْحَجَّاجَ، وَنَائِبُهُ عَلَى خُرَاسَانَ الْمُهَلَّبَ بْنَ أَبِي صُفْرَةَ وَنَائِبُهُ عَلَى سِجِسْتَانَ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي بَكْرَةَ الثَّقَفِيَّ، وَعَلَى قَضَاءِ الْكُوفَةِ شُرَيْحٌ، وَعَلَى قَضَاءِ الْبَصْرَةِ مُوسَى بْنُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيُّ. وَقَدْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَعْيَانِ: جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، الْأَنْصَارِيُّ السُّلَمِيُّ، صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَهُ رِوَايَاتٌ كَثِيرَةٌ، وَشَهِدَ الْعَقَبَةَ، وَأَرَادَ أَنْ يَشْهَدَ بَدْرًا فَمَنَعَهُ أَبُوهُ، وَخَلَّفَهُ عَلَى أَخَوَاتِهِ وَإِخْوَتِهِ، وَكَانُوا تِسْعَةً، وَقِيلَ: إِنَّهُ ذَهَبَ بَصَرُهُ قَبْلَ مَوْتِهِ. تُوُفِّيَ جَابِرٌ بِالْمَدِينَةِ، وَعُمْرُهُ أَرْبَعٌ وَتِسْعُونَ سَنَةً، وَأَسْنَدَ أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ وَأَرْبَعِينَ حَدِيثًا. شُرَيْحُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسٍ، أَبُو أُمَيَّةَ، الْكِنْدِيُّ وَهُوَ قَاضِي الْكُوفَةِ، وَقَدْ

стр. 7222

تَوَلَّى الْقَضَاءَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، ثُمَّ عَزَلَهُ عَلِيٌّ، ثُمَّ وَلَّاهُ مُعَاوِيَةُ، ثُمَّ اسْتَقَلَّ فِي الْقَضَاءِ، إِلَى أَنْ مَاتَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَكَانَ رِزْقُهُ عَلَى الْقَضَاءِ فِي كُلِّ شَهْرٍ مِائَةَ دِرْهَمٍ، وَقِيلَ: خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ. وَكَانَ إِذَا خَرَجَ إِلَى الْقَضَاءِ يَقُولُ: سَيَعْلَمُ الظَّالِمُ حَظَّ مَنْ نَقَصَ. وَقِيلَ: إِنَّهُ كَانَ إِذَا جَلَسَ لِلْقَضَاءِ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى (ص: ٢٦) الْآيَةَ، وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّ الظَّالِمَ يَنْتَظِرُ الْعِقَابَ، وَالْمَظْلُومَ يَنْتَظِرُ النَّصْرَ، أَوِ الْمَثُوبَةَ. وَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟ فَقَالَ: كَيْفَ يُصْبِحُ حَالُ مَنْ شَطْرُ النَّاسِ عَلَيْهِ غَضْبَانُ؟ وَقِيلَ: إِنَّهُ مَكَثَ قَاضِيًا نَحْوَ سَبْعِينَ سَنَةً. وَقِيلَ: إِنَّهُ اسْتُعْفِيَ مِنَ الْقَضَاءِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَنَةٍ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَصْلُهُ مِنْ أَوْلَادِ الْفَرَسِ الَّذِينَ كَانُوا بِالْيَمَنِ، وَقَدِمَ الْمَدِينَةَ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَتُوُفِّيَ بِالْكُوفَةِ، وَعُمْرُهُ مِائَةٌ وَثَمَانِ سِنِينَ.

стр. 7223

عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ غَنْمٍ الْأَشْعَرِيُّ نَزِيلُ فِلَسْطِينَ، وَقَدْ رَوَى عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَقِيلَ: إِنَّ لَهُ صُحْبَةٌ. وَقَدْ بَعَثَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى الشَّامِ; لِيُفَقِّهَ أَهْلَهَا فِي الدِّينِ، وَكَانَ مِنَ الْعُبَّادِ الصَّالِحِينَ. جُنَادَةُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ الْأَزْدِيُّ شَهِدَ فَتْحَ مِصْرَ، وَكَانَ أَمِيرًا عَلَى غَزْوِ الْبَحْرِ لِمُعَاوِيَةَ، وَكَانَ مَوْصُوفًا بِالشَّجَاعَةِ وَالْخَيْرِ، تُوُفِّيَ بِالشَّامِ وَقَدْ قَارَبَ الثَّمَانِينَ. الْعَلَاءُ بْنُ زِيَادٍ الْبَصْرِيُّ كَانَ مِنَ الصَّالِحِينَ الْعُبَّادِ، مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَكَانَ كَثِيرَ الْخَوْفِ وَالْوَرَعِ، وَكَانَ يَعْتَزِلُ فِي بَيْتِهِ، وَلَا يُخَالِطُ النَّاسَ، وَكَانَ كَثِيرَ الْبُكَاءِ، لَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى عَمِيَ، وَلَهُ مَنَاقِبُ كَثِيرَةٌ، تُوُفِّيَ بِالْبَصْرَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. سُرَاقَةُ بْنُ مِرْدَاسٍ الْأَزْدِيُّ كَانَ شَاعِرًا مُطْبِقًا، هَجَا الْحَجَّاجَ فَنَفَاهُ إِلَى

стр. 7224

الشَّامِ، فَتُوُفِّيَ بِهَا. النَّابِغَةُ الْجَعْدِيُّ الشَّاعِرُ السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ الْكِنْدِيُّ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. سُفْيَانُ بْنُ سَلَمَةَ الْأَسَدِيُّ مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ الْبَصْرِيُّ زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ

стр. 7225

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ فَفِيهَا وَقَعَ طَاعُونٌ عَظِيمٌ بِالشَّامِ، حَتَّى كَادُوا يَفْنُونَ مَنْ شِدَّتِهُ، وَلَمْ يَغْزُ فِيهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ; لِضَعْفِهِمْ وَقِلَّتِهِمْ، وَوَصَلَتِ الرُّومُ فِيهَا أَنْطَاكِيَّةَ، فَأَصَابُوا خَلْقًا مِنْ أَهْلِهَا; لِعِلْمِهِمْ بِضَعْفِ الْجُنُودِ وَالْمُقَاتِلَةِ. وَفِيهَا غَزَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ رُتْبِيلَ مَلِكَ التُّرْكِ حَتَّى أَوْغَلَ فِي بِلَادِهِ، ثُمَّ صَالَحَهُ عَلَى مَالٍ يَحْمِلُهُ إِلَيْهِ فِي كُلِّ سَنَةٍ. وَفِيهَا قَتَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ الْحَارِثَ بْنَ سَعِيدٍ الْمُتَنَبِّئَ الْكَذَّابَ، وَيُقَالُ لَهُ: الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعِيدٍ الدِّمَشْقِيُّ، مَوْلَى أَبِي الْجُلَاسِ الْعَبْدَرِيِّ. وَيُقَالُ: مَوْلَى الْحَكَمِ بْنِ مَرْوَانَ. كَانَ أَصْلُهُ مِنَ الْحُولَةِ، فَنَزَلَ دِمَشْقَ، وَتَعَبَّدَ بِهَا، وَتَنَسَّكَ وَتَزَهَّدَ، ثُمَّ مُكِرَ بِهِ، وَرَجَعَ الْقَهْقَرَى عَلَى عَقِبِهِ، وَانْسَلَخَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، وَفَارَقَ حِزْبَ اللَّهِ الْمُفْلِحِينَ، وَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ، وَلَمْ يَزَلِ الشَّيْطَانُ يَزُخُّ فِي قَفَاهُ حَتَّى أَخْسَرَهُ دِينَهُ وَدُنْيَاهُ، وَأَخْزَاهُ وَأَشْقَاهُ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَحَسْبُنَا اللَّهُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ.

стр. 7226

قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ: ثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ نَجْدَةَ الْحَوْطِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُبَارَكٍ، ثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَّانَ، قَالَ: كَانَ الْحَارِثُ الْكَذَّابُ مِنْ أَهْلِ دِمَشْقَ، وَكَانَ مَوْلًى لِأَبِي الْجُلَاسِ، وَكَانَ لَهُ أَبٌ بِالْحُولَةِ، فَعَرَضَ لَهُ إِبْلِيسُ وَكَانَ رَجُلًا مُتَعَبِّدًا زَاهِدًا، لَوْ لَبِسَ جُبَّةً مِنْ ذَهَبٍ لَرُئِيَتْ عَلَيْهِ الزَّهَادَةُ وَالْعِبَادَةُ، وَكَانَ إِذَا أَخَذَ فِي التَّحْمِيدِ لَمْ يَسْمَعِ السَّامِعُونَ مِثْلَ تَحْمِيدِهِ، وَلَا أَحْسَنَ مِنْ كَلَامِهِ، فَكَتَبَ إِلَى أَبِيهِ، وَكَانَ بِالْحُولَةِ: يَا أَبَتَاهُ، أَعْجِلْ عَلَيَّ، فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ أَشْيَاءَ أَتَخَوَّفُ أَنْ يَكُونَ الشَّيْطَانُ قَدْ عَرَضَ لِي. قَالَ: فَزَادَهُ أَبُوهُ غَيًّا عَلَى غَيِّهِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَبُوهُ: يَا بُنَيَّ، أَقْبِلْ عَلَى مَا أُمِرْتَ بِهِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ وَلَسْتَ بِأَفَّاكٍ وَلَا أَثِيمٍ، فَامْضِ لِمَا أُمِرْتَ بِهِ. فَكَانَ يَجِيءُ إِلَى أَهْلِ الْمَسْجِدِ رَجُلًا رَجُلًا فُيُذَاكِرُهُمْ أَمْرَهُ، وَيَأْخُذُ عَلَيْهِمُ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ، إِنْ هُوَ يَرَى مَا يَرْضَى قَبِلَ وَإِلَّا كَتَمَ عَلَيْهِ. قَالَ: وَكَانَ يُرِيهِمُ الْأَعَاجِيبَ; كَانَ يَأْتِي إِلَى رُخَامَةٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَيَنْقُرُهَا بِيَدِهِ فَتُسَبِّحُ تَسْبِيحًا بَلِيغًا، حَتَّى يَضِجَّ مِنْ ذَلِكَ الْحَاضِرُونَ. قُلْتُ: وَقَدْ سَمِعْتُ شَيْخَنَا الْعَلَّامَةَ أَبَا الْعَبَّاسِ ابْنِ تَيْمِيَةَ، ﵀، يَقُولُ: كَانَ يَنْقُرُ هَذِهِ الرُّخَامَةَ الْحَمْرَاءَ الَّتِي فِي الْمَقْصُورَةِ فَتُسَبِّحُ، وَكَانَ زِنْدِيقًا.

стр. 7227

قَالَ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ فِي رِوَايَةٍ: وَكَانَ الْحَارِثُ يُطْعِمُهُمْ فَاكِهَةَ الشِّتَاءِ فِي الصَّيْفِ، وَفَاكِهَةَ الصَّيْفِ فِي الشِّتَاءِ، وَكَانَ يَقُولُ لَهُمْ: اخْرُجُوا حَتَّى أُرِيَكُمُ الْمَلَائِكَةَ. فَيَخْرُجُ بِهِمْ إِلَى دَيْرِ الْمُرَّانِ، فَيُرِيهِمْ رِجَالًا عَلَى خَيْلٍ، فَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ بِشْرٌ كَثِيرٌ، وَفَشَا أَمَرُهُ فِي الْمَسْجِدِ، وَكَثُرَ أَصْحَابُهُ وَأَتْبَاعُهُ، حَتَّى وَصَلَ الْأَمْرُ إِلَى الْقَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ، قَالَ: فَعَرَضَ عَلَى الْقَاسِمِ أَمْرَهُ، وَأَخَذَ عَلَيْهِ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ; إِنْ هُوَ رَضِيَ أَمْرًا قَبِلَهُ، وَإِنْ كَرِهَهُ كَتَمَهُ عَلَيْهِ. قَالَ: فَقَالَ لَهُ: إِنِّي نَبِيٌّ. فَقَالَ الْقَاسِمُ: كَذَبْتَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ، مَا أَنْتَ نَبِيٌّ. وَفِي رِوَايَةٍ: وَلَكِنَّكَ أَحَدُ الْكَذَّابِينَ الدَّجَّالِينَ الَّذِينَ أَخْبَرَ عَنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ

стр. 7228

ﷺ : إِنَّ السَّاعَةَ لَا تَقُومُ حَتَّى يَخْرُجَ ثَلَاثُونَ، دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ، كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، وَأَنْتَ أَحَدُهُمْ وَلَا عَهْدَ لَكَ. قَالَ: ثُمَّ قَامَ فَخَرَجَ إِلَى أَبِي إِدْرِيسَ - وَكَانَ عَلَى الْقَضَاءِ بِدِمَشْقَ - فَأَعْلَمَهُ بِمَا سَمِعَ مِنَ الْحَارِثِ، فَقَالَ أَبُو إِدْرِيسَ: نَعْرِفُهُ. ثُمَّ أَعْلَمَ أَبُو إِدْرِيسَ عَبْدَ الْمَلِكِ بِذَلِكَ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّ مَكْحُولًا، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي زَكَرِيَّا دَخْلَا عَلَى الْحَارِثِ فَدَعَاهُمَا إِلَى نُبُوَّتِهِ، فَكَذَّبَاهُ وَرَدَّا عَلَيْهِ مَا قَالَ، وَدَخَلَا عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ فَأَعْلَمَاهُ بِأَمْرِهِ، فَتَطَلَّبَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ طَلَبًا حَثِيثًا، وَاخْتَفَى الْحَارِثُ، وَصَارَ إِلَى دَارٍ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، يَدْعُو إِلَى نَفْسِهِ سِرًّا، وَاهْتَمَّ عَبْدُ الْمَلِكِ بِشَأْنِهِ، حَتَّى رَكِبَ إِلَى الصِّنَّبْرَةِ فَنَزَلَهَا، فَوَرَدَ عَلَيْهِ هُنَاكَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، مِمَّنْ كَانَ يَدْخُلُ عَلَى الْحَارِثِ وَهُوَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَأَعْلَمَهُ بِأَمْرِهِ وَأَيْنَ هُوَ، وَسَأَلَ مِنْ عَبْدِ الْمَلِكِ أَنْ يَبْعَثَ مَعَهُ بِطَائِفَةٍ مِنَ الْجُنْدِ الْأَتْرَاكِ لِيَحْتَاطَ عَلَيْهِ، فَأَرْسَلَ مَعَهُ طَائِفَةً وَكَتَبَ إِلَى نَائِبِ الْقُدْسِ; لِيَكُونَ فِي طَاعَةِ هَذَا الرَّجُلِ، وَيَفْعَلَ مَا يَأْمُرُهُ

стр. 7229

بِهِ، فَلَمَّا وَصَلَ الرَّجُلُ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِمَنْ مَعَهُ انْتَدَبَ نَائِبَ الْقُدْسِ لِخِدْمَتِهِ، فَأَمْرَهُ أَنْ يَجْمَعَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ الشُّمُوعِ، وَيَجْعَلُ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ شَمْعَةً، فَإِذَا أَمَرَهُمْ بِإِشْعَالِهَا فِي اللَّيْلِ أَشْعَلُوهَا كُلُّهُمْ فِي سَائِرِ الطُّرُقِ وَالْأَزِقَّةِ، حَتَّى لَا يَخْفَى أَمْرُهُ، وَذَهَبَ الرَّجُلُ بِنَفْسِهِ، فَدَخَلَ الدَّارَ الَّتِي فِيهَا الْحَارِثُ، فَقَالَ لِبَوَّابِهِ: اسْتَأْذِنْ لِي عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ. فَقَالَ: فِي هَذِهِ السَّاعَةِ لَا يُؤْذَنُ عَلَيْهِ حَتَّى يُصْبِحَ. فَصَاحَ الْبَصْرِيُّ: أَسْرِجُوا. فَأَسْرَجَ النَّاسُ شُمُوعَهُمْ حَتَّى صَارَ اللَّيْلُ كَأَنَّهُ النَّهَارُ، وَهَجَمَ الْبَصْرِيُّ عَلَى الْحَارِثِ، فَاخْتَفَى مِنْهُ فِي سِرْبٍ هُنَاكَ، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: هَيْهَاتَ، تُرِيدُونَ أَنْ تَصِلُوا إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ، إِنَّهُ قَدْ رُفِعَ إِلَى السَّمَاءِ. قَالَ: فَأَدْخَلَ الْبَصْرِيُّ يَدَهُ فِي ذَلِكَ السِّرْبِ فَإِذَا بِثَوْبِهِ، فَاجْتَرَّهُ فَأَخْرَجَهُ، ثُمَّ قَالَ لِلْفَرْغَانِيِّينَ مِنْ أَتْرَاكِ الْخَلِيفَةِ: تَسَلَّمُوا. قَالَ: فَأَخَذُوهُ فَرَبَطُوهُ فَقَيَّدُوهُ، فَيُقَالُ: إِنَّ الْقُيُودَ وَالْجَامِعَةَ سَقَطَتْ مِنْ عُنُقِهِ مِرَارًا، وَيُعِيدُونَهَا، وَجَعَلَ يَقْرَأُ: قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ [سَبَأٍ: ٥٠]، وَقَالَ لِأُولَئِكَ الْأَتْرَاكِ: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ [غَافِرٍ: ٢٨] فَقَالُوا لَهُ بِلِسَانِهِمْ وَلُغَتِهِمْ: هَذَا كُرَانُنَا فَهَاتِ كُرَانَكَ. أَيْ: هَذَا قُرْآنُنَا فَهَاتِ قُرْآنَكَ. فَلَمَّا انْتَهَوْا بِهِ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ أَمَرَ بِصَلْبِهِ عَلَى خَشَبَةٍ، وَأَمَرَ رَجُلًا فَطَعَنَهُ بِحَرْبَةٍ، فَانْثَنَتْ فِي ضِلْعٍ مِنْ أَضْلَاعِهِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ: وَيْحَكَ، أَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ حِينَ طَعَنْتَهُ؟ فَقَالَ: نَسِيتُ. فَقَالَ: وَيْحَكَ، سَمِّ اللَّهَ، ثُمَّ اطْعَنْهُ. قَالَ: فَذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ ثُمَّ طَعَنَهُ فَأَنْفَذَهُ، وَقَدْ كَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ

стр. 7230

حَبَسَهُ قَبْلَ صَلْبِهِ، وَأَمَرَ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ أَنْ يَعِظُوهُ وَيُعْلِمُوهُ أَنَّ هَذَا الَّذِي بِهِ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُمْ، فَصَلَبَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَهَذَا مِنْ تَمَامِ الْعَدْلِ وَالدِّينِ. وَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ ابْنِ جَابِرٍ، فَحَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ عُتْبَةَ الْأَعْوَرَ يَقُولُ: سَمِعْتُ الْعَلَاءَ بْنَ زِيَادٍ الْعَدَوِيَّ يَقُولُ: مَا غَبَطْتُ عَبْدَ الْمَلِكِ بِشَيْءٍ مِنْ وِلَايَتِهِ إِلَّا بِقَتْلِهِ حَارِثًا; حُدِّثْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ ثَلَاثُونَ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، فَمَنْ قَالَهُ فَاقْتُلُوهُ، وَمَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ أَحَدًا فَلَهُ الْجَنَّةُ. وَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ: بَلَغَنِي أَنَّ خَالِدَ بْنَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ قَالَ لِعَبْدِ الْمَلِكِ: لَوْ حَضَرْتُكَ مَا أَمَرْتُكَ بِقَتْلِهِ. قَالَ: وَلِمَ؟ قَالَ إِنَّهُ إِنَّمَا كَانَ بِهِ الْمَذْهَبُ، فَلَوْ جَوَّعَتَهُ لَذَهَبَ ذَلِكَ عَنْهُ. وَقَالَ الْوَلِيدُ، عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ نَافِعٍ: سَمِعْتُ خَالِدَ بْنَ اللَّجْلَاجِ يَقُولُ لِغَيْلَانَ: وَيْحَكَ يَا غَيْلَانُ، أَلَمْ يَأْخُذْكَ فِي شَبِيبَتِكَ تُرَامِي النِّسَاءَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ بِالتُّفَّاحِ، ثُمَّ صِرْتَ حَارِثِيًّا يَحْجُبُ امْرَأَتَهُ، وَيَزْعُمُ أَنَّهَا أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ، ثُمَّ تَحَوَّلْتَ فَصِرْتَ قَدَرِيًّا زِنْدِيقًا. وَفِيهَا غَزَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ رُتْبِيلَ - مَلِكَ التُّرْكِ الْأَعْظَمَ فِيهِمْ - وَقَدْ كَانَ يُصَانِعُ الْمُسْلِمِينَ تَارَةً، وَيَتَمَرَّدُ أُخْرَى، فَكَتَبَ الْحَجَّاجُ إِلَى ابْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ

стр. 7231

أَبِي بَكْرَةَ أَنْ نَاجِزْهُ بِمَنْ مَعَكَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى تَسْتَبِيحَ أَرْضَهُ، وَتَهْدِمَ قِلَاعَهُ، وَتَقْتُلَ مُقَاتِلَتَهُ. فَخَرَجَ فِي جَمْعٍ مِنَ الْجُنُودِ مِنْ بِلَادِهِ، وَخَلْقٍ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ، ثُمَّ الْتَقَى مَعَ رُتْبِيلَ - مَلِكِ التُّرْكِ - فَكَسَرَهُ، وَهَدَمَ أَرْكَانَهُ بِسَطْوَةٍ بِتَّارَةٍ، وَجَاسَ ابْنُ أَبِي بَكْرَةَ وَجُنْدُهُ خِلَالَ دِيَارِهِمْ، وَاسْتَحْوَذَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ أَقَالِيمِهِ وَمُدُنِهِ وَأَمْصَارِهِ، وَتَبَّرَ مَا هُنَالِكَ تَتْبِيرًا، ثُمَّ إِنَّ رُتْبِيلَ تَقَهْقَرَ مِنْهُ مُنْشَمِرًا، وَمَا زَالَ يَتْبَعُهُ حَتَّى اقْتَرَبَ مِنْ مَدِينَتِهِ الْعُظْمَى، حَتَّى كَانُوا مِنْهَا عَلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ فَرْسَخًا، وَخَافَتِ الْأَتْرَاكُ مِنْهُمْ خَوْفًا شَدِيدًا، ثُمَّ إِنَّ التُّرْكَ أَخَذَتْ عَلَيْهِمُ الطُّرُقَ وَالشِّعَابَ، وَضَيَّقُوا عَلَيْهِمُ الْمَسَالِكَ، حَتَّى ظَنَّ كُلٌّ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ لَا مَحَالَةَ هَالِكٌ، فَعِنْدَ ذَلِكَ طَلَبَ عُبَيْدُ اللَّهِ أَنْ يُصَالِحَ رُتْبِيلَ عَلَى أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ سَبْعَمِائَةِ أَلْفٍ، وَيَفْتَحُوا لِلْمُسْلِمِينَ طَرِيقًا يَخْرُجُونَ مِنْهُ، وَيَرْجِعُونَ عَنْهُمْ إِلَى بِلَادِهِمْ، فَانْتَدَبَ شُرَيْحَ بْنَ هَانِئٍ الْحَارِثِيَّ - وَكَانَ صَحَابِيًّا، وَكَانَ مِنْ أَكْبَرِ أَصْحَابِ عَلَيٍّ، وَهُوَ الْمُقَدَّمُ عَلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ - فَنَدَبَ النَّاسَ إِلَى الْقِتَالِ وَالْمُصَابَرَةِ، وَالنِّزَالِ وَالْجِلَادِ بِالسُّيُوفِ وَالرِّمَاحِ وَالنِّبَالِ، فَنَهَاهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ فَلَمْ يَنْتَهِ، وَأَجَابَهُ شِرْذِمَةٌ مِنَ النَّاسِ مِنَ الشُّجْعَانِ وَأَهْلِ الْحَفَائِظِ، فَمَا زَالَ يُقَاتِلُ بِهِمِ التَّرْكَ حَتَّى فَنِيَ أَكْثَرُ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. قَالُوا: وَجَعَلَ شُرَيْحُ بْنُ هَانِئٍ يَرْتَجِزُ، وَيَقُولُ:

стр. 7232

أَصْبَحْتُ ذَا بَثٍّ أُقَاسِيَ الْكِبَرَا … قَدْ عِشْتُ بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ أَعْصُرَا ثُمَّتَ أَدْرَكْتُ النَّبِيَّ الْمُنْذِرَا … وَبَعْدَهُ صِدِّيقَهُ وَعُمَرَا وَيَوْمَ مِهْرَانَ وَيَوْمَ تُسْتَرَا … وَالْجَمْعَ فِي صِفِّينِهِمْ وَالنَّهَرَا هَيْهَاتَ مَا أَطْوَلَ هَذَا عُمُرَا ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ ﵁، وَقُتِلَ مَعَهُ خَلْقٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، ثُمَّ خَرَجَ مَنْ خَرَجَ مِنَ النَّاسِ صُحْبَةَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ مِنْ أَرْضِ رُتْبِيلَ، وَهُمْ قَلِيلٌ، وَبَلَغَ ذَلِكَ الْحَجَّاجَ فَأَخْذَهُ مَا تَقَدَّمَ، وَمَا تَأَخَّرَ، وَكَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ يُعْلِمُهُ بِذَلِكَ، وَيَسْتَشِيرُهُ فِي بَعْثِ جَيْشٍ كَثِيفٍ إِلَى بِلَادِ رُتْبِيلَ; لِيَنْتَقِمُوا مِنْهُ بِسَبَبِ مَا حَلَّ بِالْمُسْلِمِينَ فِي بِلَادِهِ، فَحِينَ وَصَلَ الْبَرِيدُ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ كَتَبَ إِلَى الْحَجَّاجِ بِالْمُوَافَقَةِ عَلَى مَا رَأَى مِنَ الْمَصْلَحَةِ فِي ذَلِكَ، وَأَنْ يُعَجِّلَ ذَلِكَ سَرِيعًا، فَحِينَ وَصَلَ الْبَرِيدُ إِلَى الْحَجَّاجِ بِذَلِكَ أَخَذَ فِي جَمْعِ الْجُيُوشِ، فَجَهَّزَ جَيْشًا كَثِيفًا لِذَلِكَ، عَلَى مَا سَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ فِي السَّنَةِ الْآتِيَةِ بَعْدَهَا. وَقِيلَ: إِنَّهُ قُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَعَ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ ثَلَاثُونَ أَلْفًا، وَابْتِيعَ الرَّغِيفُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ بِدِينَارٍ، وَقَاسَوْا شَدَائِدَ، وَمَاتَ بِسَبَبِ الْجُوعِ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ أَيْضًا، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَقَدْ قَتَلَ الْمُسْلِمُونَ مِنَ التُّرْكِ خَلْقًا كَثِيرًا أَيْضًا، قَتَلُوا أَضْعَافَهَمْ. وَيُقَالُ: إِنَّهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ اسْتَعْفَى شُرَيْحٌ مِنَ الْقَضَاءِ فَأَعْفَاهُ الْحَجَّاجُ مِنْ ذَلِكَ، وَوَلَّى مَكَانَهُ أَبَا بُرْدَةَ بْنَ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ

стр. 7233

تَرْجَمَةُ شُرَيْحٍ عِنْدَ وَفَاتِهِ فِي السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ، وَأَبُو مَعْشَرٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ السِّيَرِ: وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ قَطَرِيُّ بْنُ الْفُجَاءَةِ التَّمِيمِيُّ، أَبُو نَعَامَةَ الْخَارِجِيُّ، وَكَانَ مِنَ الشُّجْعَانِ الْمَشَاهِيرِ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ مَكَثَ عِشْرِينَ سَنَةً يُسَلِّمُ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ بِالْخِلَافَةِ، وَقَدْ جَرَتْ لَهُ خُطُوبٌ وَحُرُوبٌ مَعَ جَيْشِ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ مِنْ جِهَةِ الْحَجَّاجِ وَغَيْرِهِ. وَقَدْ قَدَّمْنَا مِنْهَا طَرَفًا صَالِحًا فِي أَمَاكِنِهِ. وَكَانَ خُرُوجُهُ فِي زَمَنِ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَتَغَلَّبَ عَلَى قِلَاعٍ كَثِيرَةٍ وَأَقَالِيمَ وَغَيْرِهَا، وَوَقَائِعُهُ مَشْهُورَةٌ، وَقَدْ أَرْسَلَ إِلَيْهِ الْحَجَّاجُ جُيُوشًا كَثِيرَةً فَهَزَمَهَا، وَقِيلَ: إِنَّهُ بَرَزَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ بَعْضِ الْحَرُورِيَّةِ، وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ أَعْجَفَ، وَبِيَدِهِ عَمُودُ حَدِيدٍ، فَلَمَّا قَرُبَ مِنْهُ كَشَفَ قَطَرِيٌّ عَنْ وَجْهِهِ، فَوَلَّى الرَّجُلُ هَارِبًا، فَقَالَ لَهُ قَطَرِيٌّ: إِلَى أَيْنَ؟ أَمَا تَسْتَحِي أَنْ تَفِرَّ وَلَمْ تَرَ طَعْنًا وَلَا ضَرْبًا؟ فَقَالَ: إِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَسْتَحِي أَنْ يَفِرَّ مِنْ مِثْلِكَ. ثُمَّ إِنَّهُ فِي آخِرِ أَمْرِهِ تَوَجَّهَ إِلَيْهِ سُفْيَانُ بْنُ الْأَبْرَدِ الْكَلْبِيُّ فِي جَيْشٍ، فَاقْتَتَلُوا بِطَبَرِسْتَانَ، فَعَثَرَ بِقَطَرِيٍّ فَرَسُهُ فَوَقَعَ إِلَى الْأَرْضِ، فَتَكَاثَرُوا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ، وَحَمَلُوا رَأْسَهُ إِلَى الْحَجَّاجِ. وَقِيلَ: إِنَّ الَّذِي قَتَلَهُ سَوْدَةُ بْنُ الْحُرِّ الدَّارِمِيُّ.

стр. 7234

وَكَانَ قَطَرِيُّ بْنُ الْفُجَاءَةِ - مَعَ شَجَاعَتِهِ الْمُفَرِطَةِ وَإِقْدَامِهِ - مِنْ خُطَبَاءَ الْعَرَبِ الْمَشْهُورِينَ بِالْفَصَاحَةِ وَالْبَلَاغَةِ، وَجَوْدَةِ الْكَلَامِ، وَالشِّعْرِ الْحَسَنِ، فَمِنْ مُسْتَجَادِ شِعْرِهِ قَوْلُهُ يُشَجِّعُ نَفْسَهُ وَغَيْرَهُ، وَمَنْ سَمِعَهَا انْتَفَعَ بِهَا: أَقُولُ لَهَا وَقَدْ طَارَتْ شَعَاعًا … مِنَ الْأَبْطَالِ وَيْحَكِ لَنْ تُرَاعِي فَإِنَّكِ لَوْ سَأَلْتِ بَقَاءَ يَوْمٍ … عَلَى الْأَجَلِ الَّذِي لَكَ لِمَ تُطَاعِي فَصَبْرًا فِي مَجَالِ الْمَوْتِ صَبْرًا … فَمَا نَيْلُ الْخُلُودِ بِمُسْتَطَاعِ وَلَا ثَوْبُ الْحَيَاةِ بِثَوْبِ عِزٍّ … فَيُطْوَى عَنْ أَخِي الْخَنَعِ الْيَرَاعِ سَبِيلُ الْمَوْتِ غَايَةُ كُلِّ حَيٍّ … وَدَاعِيهِ لِأَهْلِ الْأَرْضِ دَاعِي وَمَنْ لَا يَغْتَبِطْ يَسْأَمْ وَيَهْرَمْ … وَتُسْلِمْهُ الْمَنُونُ إِلَى انْقِطَاعِ وَمَا لِلْمَرْءِ خَيْرٌ فِي حَيَاةٍ … إِذَا مَا عُدَّ مِنْ سَقَطِ الْمَتَاعِ ذَكَرَهَا صَاحِبُ الْحَمَاسَةِ، وَاسْتَحْسَنَهَا ابْنُ خَلِّكَانَ فِي تَارِيخِهِ كَثِيرًا. وَفِيهَا تُوُفِّيَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ، ﵀، وَهُوَ أَمِيرُ الْجَيْشِ الَّذِي دَخَلَ بِلَادَ التُّرْكِ، وَقَاتَلُوا رُتْبِيلَ - مَلِكَ التُّرْكِ - وَقَدْ قُتِلَ مِنْ جَيْشِهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ مَعَ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ كَمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ. وَقَدْ دَخَلَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ عَلَى الْحَجَّاجِ مَرَّةً، وَفِي يَدِهِ خَاتَمٌ، فَقَالَ لَهُ الْحَجَّاجُ: كَمْ خَتَمْتَ بِخَاتَمِكَ هَذَا؟ قَالَ: عَلَى أَرْبَعِينَ أَلْفِ أَلْفِ دِينَارٍ. قَالَ: فَفِيمَ أَنْفَقْتَهَا؟ قَالَ: فِي اصْطِنَاعِ الْمَعْرُوفِ، وَرَدِّ الْمَلْهُوفِ، وَالْمُكَافَأَةِ بِالصَّنَائِعِ، وَتَزْوِيجِ الْعَقَائِلِ. وَقِيلَ: إِنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ عَطَشَ يَوْمًا

стр. 7235

فَأَخْرَجَتْ لَهُ امْرَأَةٌ كُوزَ مَاءٍ بَارِدٍ، فَأَعْطَاهَا ثَلَاثِينَ أَلْفًا. وَقِيلَ: إِنَّهُ أُهْدِيَ إِلَيْهِ وَصَيْفٌ وَوَصِيفَةٌ، وَهُوَ جَالِسٌ بَيْنَ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ: خُذْهُمَا لَكَ. ثُمَّ فَكَّرَ، وَقَالَ: وَاللَّهِ، إِنَّ إِيثَارَ بَعْضِ الْجُلَسَاءِ عَلَى بَعْضٍ لَشُحٌّ قَبِيحٌ، وَدَنَاءَةٌ رَدِيئَةٌ، ثُمَّ قَالَ: يَا غُلَامُ، ادْفَعْ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ جُلَسَائِي وَصَيْفًا وَوَصِيفَةً. فَأُحْصِيَ ذَلِكَ فَكَانُوا ثَمَانِينَ وَصَيْفًا وَوَصِيفَةً. تُوُفِّيَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ بِبُسْتَ. وَقِيلَ: بِذَرِيحَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 7236

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ فِيهَا كَانَ السَّيْلُ الْجُحَافُ بِمَكَّةَ; لِأَنَّهُ حَجَفَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مَرَّ بِهِ، وَحَمَلَ الْحُجَّاجَ مِنْ بَطْنِ مَكَّةَ وَالْجِمَالَ بِمَا عَلَيْهَا، وَالرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يُنْقِذَهُمْ مِنْهُ، وَبَلَغَ الْمَاءُ إِلَى الْحَجُونِ وَغَرِقَ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَقِيلَ: إِنَّهُ ارْتَفَعَ حَتَّى كَادَ أَنْ يُغَطِّيَ الْبَيْتَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَحَكَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الْوَاقِدِيِّ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ بِالْبَصْرَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ الطَّاعُونُ الْجَارِفُ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ كَانَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَسِتِّينَ، كَمَا تَقَدَّمَ. وَفِيهَا قَطَعَ الْمُهَلَّبُ بْنُ أَبِي صُفْرَةَ نَهْرَ بَلْخَ، وَأَقَامَ بِكَشَّ سَنَتَيْنِ صَابِرًا مُصَابِرًا لِلْأَعْدَاءِ مِنَ الْأَتْرَاكِ، وَجَرَتْ لَهُ مَعَهُمْ هُنَاكَ فُصُولٌ يُطُولُ ذِكْرُهَا، وَقَدِمَ عَلَيْهِ فِي غُبُونِ هَذِهِ الْمُدَّةِ كِتَابُ ابْنُ الْأَشْعَثِ بِخَلْعِهِ الْحَجَّاجَ، فَبَعَثَهُ الْمُهَلَّبُ بِرُمَّتِهِ إِلَى الْحَجَّاجِ حَتَّى قَرَأَهُ، ثُمَّ كَانَ مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ وَتَفْصِيلُهُ فِيمَا بَعْدُ مِنْ حُرُوبِ ابْنِ الْأَشْعَثِ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ جَهَّزَ الْحَجَّاجُ الْجُيُوشَ مِنَ الْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ وَغَيْرِهِمَا; لِقِتَالِ

стр. 7237

رُتْبِيلَ مَلِكِ التُّرْكِ; لِيَقْتَصُّوا مِنْهُ مَا كَانَ مِنْ قَتْلِ جَيْشِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ فِي السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ، فَجَهَّزَ أَرْبَعِينَ أَلْفًا مِنْ كُلٍّ مِنَ الْمِصْرَيْنِ عِشْرِينَ أَلْفًا، وَأَمَّرَ عَلَى الْجَمِيعِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ مَعَ أَنَّهُ كَانَ الْحَجَّاجُ يُبْغِضُهُ جِدًّا، حَتَّى إِنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَا رَأَيْتُهُ قَطُّ إِلَّا هَمَمْتُ بِقَتْلِهِ. وَدَخَلَ ابْنُ الْأَشْعَثِ يَوْمًا عَلَى الْحَجَّاجِ وَعِنْدَهُ عَامِرٌ الشَّعْبِيُّ، فَقَالَ: انْظُرْ إِلَى مِشْيَتِهِ، وَاللَّهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَهُ. فَأَسَرَّهَا الشَّعْبِيُّ إِلَى ابْنِ الْأَشْعَثِ، فَقَالَ ابْنُ الْأَشْعَثِ: وَأَنَا وَاللَّهِ لَأَجْهَدَنَّ أَنْ أُزِيلَهُ عَنْ سُلْطَانِهِ إِنْ طَالَ بِي وَبِهِ الْبَقَاءُ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْحَجَّاجَ أَخْذَ فِي اسْتِعْرَاضِ هَذِهِ الْجُيُوشِ، وَبَذَلِ فِيهِمُ الْعَطَاءَ، ثُمَّ اخْتَلَفَ رَأْيُهُ فِيمَنْ يُؤَمِّرُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ وَقَعَ اخْتِيَارُهُ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ، فَقَدَّمَهُ عَلَيْهِمْ، فَأَتَى عَمُّهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْأَشْعَثِ، فَقَالَ لِلْحَجَّاجِ: إِنِّي أَخَافُ أَنْ تُؤَمِّرَهُ فَلَا يَرَى لَكَ طَاعَةً إِذَا جَاوَزَ جِسْرَ الْفُرَاتِ. فَقَالَ: لَيْسَ هُوَ هُنَالِكَ، هُوَ لِي أَهْيَبُ، وَمِنِّي أَرْهَبُ أَنْ يُخَالِفَ أَمْرِي، أَوْ يَخْرُجَ عَنْ طَاعَتِي، فَأَمْضَاهُ عَلَيْهِمْ، فَسَارَ ابْنُ الْأَشْعَثِ بِالْجُيُوشِ نَحْوَ أَرْضِ رُتْبِيلَ، فَلَمَّا بَلَغَ رُتْبِيلَ مَجِيءُ ابْنِ الْأَشْعَثِ بِالْجُنُودِ إِلَيْهِ كَتَبَ إِلَيْهِ رُتْبِيلَ يَعْتَذِرُ مِمَّا أَصَابَ الْمُسْلِمِينَ فِي بِلَادِهِ فِي السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ، وَأَنَّهُ كَانَ لِذَلِكَ كَارِهًا،

стр. 7238

وَأَنَّهُمْ أَلْجَئُوهُ إِلَى قِتَالِهِمْ، وَسَأَلَ مِنَ ابْنِ الْأَشْعَثِ أَنْ يُصَالِحَهُ، وَأَنْ يَبْذُلَ لِلْمُسْلِمِينَ الْخَرَاجَ، فَلَمْ يُجِبْهُ ابْنُ الْأَشْعَثِ إِلَى ذَلِكَ، وَصَمَّمَ عَلَى دُخُولِ بِلَادِهِ، وَجَمَعَ رُتْبِيلُ جُنُودَهُ، وَتَهَيَّأَ لَهُ وَلِحَرْبِهِ، وَجَعَلَ ابْنُ الْأَشْعَثِ كَلَّمَا دَخَلَ بَلَدًا أَوْ مَدِينَةً، أَوْ أَخَذَ قَلْعَةً مِنْ بِلَادِ رُتْبِيلَ اسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا نَائِبًا مِنْ جِهَتِهِ، وَجَعَلَ مَعَهُ مَنْ يَحْفَظُهَا، وَجَعَلَ الْمَسَالِحَ عَلَى كُلِّ أَرْضٍ وَمَكَانٍ مَخُوفٍ، فَاسْتَحْوَذَ عَلَى بِلَادٍ وَمُدُنٍ كَثِيرَةٍ مِنْ بِلَادِ رُتْبِيلَ، وَغَنِمَ أَمْوَالًا كَثِيرَةً جَزِيلَةً، وَسَبَى خَلْقًا كَثِيرَةً، ثُمَّ حَبَسَ النَّاسَ عَنِ التَّوَغُّلِ فِي بِلَادِ رُتْبِيلَ حَتَّى يُصْلِحُوا مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنَ الْبِلَادِ، وَيَتَقَوَّوْا بِمَا فِيهَا مِنَ الْمُغَلَّاتِ وَالْحَوَاصِلِ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُوا فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ إِلَى أَعْدَائِهِمْ، فَلَا يَزَالُونَ يُجَوِّزُونَ الْأَرَاضِيَ وَالْأَقَالِيمَ حَتَّى يُحَاصِرُوهُمْ فِي مَدِينَتِهِمْ - مَدِينَةِ الْعُظَمَاءِ - عَلَى الْكُنُوزِ وَالْأَمْوَالِ وَالذَّرَّارِي حَتَّى يَغْنَمُوهَا، ثُمَّ يَقْتُلُونَ مُقَاتِلَتَهُمْ، وَعَزَمُوا عَلَى ذَلِكَ، وَكَانَ هَذَا هُوَ الرَّأْيُ. وَكَتَبَ ابْنُ الْأَشْعَثِ إِلَى الْحَجَّاجِ يُخْبِرُهُ بِمَا وَقَعَ مِنَ الْفَتْحِ، وَمَا صَنَعَ اللَّهُ لَهُمْ، وَبِهَذَا الرَّأْيِ الَّذِي رَآهُ لَهُمْ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ الْحَجَّاجُ قَدْ وَجَّهَ هِمْيَانَ بْنَ عَدِيٍّ السَّدُوسِيَّ إِلَى كَرْمَانَ مَسْلَحَةً لِأَهْلِهَا; لِيَمُدَّ عَامِلَ سِجِسْتَانَ وَالسِّنْدِ إِنِ احْتَاجَا إِلَى ذَلِكَ، فَعَصَى هِمْيَانُ وَمَنْ مَعَهُ، فَوَجَّهَ الْحَجَّاجُ إِلَيْهِ ابْنَ الْأَشْعَثِ، فَهَزَمَهُ وَأَقَامَ بِمَنْ مَعَهُ.

стр. 7239

وَمَاتَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ، فَكَتَبَ الْحَجَّاجُ إِلَى ابْنِ الْأَشْعَثِ بِإِمْرَةِ سِجِسْتَانَ مَكَانَ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ، وَجَهَّزَ إِلَى ابْنِ الْأَشْعَثِ جَيْشًا أَنْفَقَ عَلَيْهِ أَلْفَيْ أَلْفٍ سِوَى أُعْطِيَاتِهِمْ، وَكَانَ يُدْعَى هَذَا الْجَيْشُ جَيْشَ الطَّوَاوِيسِ، وَأَمَرَهُ بِالْإِقْدَامِ عَلَى رُتْبِيلَ، فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَعَهُ مَا تَقَدَّمَ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ، وَ أَبُو مَعْشَرٍ: وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ. وَقَالَ غَيْرُهُمَا: بَلْ حَجَّ بِهِمْ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ. وَكَانَ عَلَى الصَّائِفَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَعَلَى الْمَدِينَةِ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ، وَعَلَى الْمَشْرِقِ بِكَمَالِهِ الْحَجَّاجُ، وَعَلَى قَضَاءِ الْكُوفَةِ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى، وَعَلَى قَضَاءِ الْبَصْرَةِ مُوسَى بْنُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَعْيَانِ: أَسْلَمُ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: وَهُوَ أَبُو زَيْدِ بْنُ أَسْلَمَ، أَصْلُهُ مِنْ سَبْيِ عَيْنِ التَّمْرِ، اشْتَرَاهُ عُمَرُ بِمَكَّةَ لَمَّا حَجَّ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ، وَتُوُفِّيَ وَعُمْرُهُ مِائَةٌ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَرَوَى عَنْ عُمَرَ عِدَّةَ أَحَادِيثَ، وَرَوَى عَنْ غَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِهِ أَيْضًا، وَلَهُ مَنَاقِبُ كَثِيرَةٌ، ﵀. جُبَيْرُ بْنُ نُفَيْرِ بْنِ مَالِكٍ الْحَضْرَمِيُّ لَهُ صُحْبَةٌ وَرِوَايَةٌ، وَكَانَ مِنْ عُلَمَاءِ

стр. 7240

أَهْلِ الشَّامِ، وَكَانَ مَشْهُورًا بِالْعِبَادَةِ وَالْعِلْمِ، تُوُفِّيَ بِالشَّامِ وَعُمْرُهُ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، وَقِيلَ أَكْثَرُ، وَقِيلَ أَقَلُّ. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: وُلِدَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ وَأُمُّهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ وَهُوَ آخِرُ مَنْ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَفَاةً، سَكَنَ الْمَدِينَةَ، وَلَمَّا اسْتُشْهِدَ أَبُوهُ جَعْفَرٌ بِمُؤْتَةَ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ إِلَى أُمِّهِمْ فَقَالَ: ائْتُونِي بِبَنِي أَخِي. فَأُتِيَ بِهِمْ كَأَنَّهُمْ أَفْرُخٌ، فَدَعَا بِالْحَلَّاقِ فَحَلَقَ رُءُوسَهُمْ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اخْلُفْ جَعْفَرًا فِي أَهْلِهِ، وَبَارِكْ لِعَبْدِ اللَّهِ فِي صَفْقَتِهِ فَجَاءَتْ أُمُّهُمْ فَذَكَرَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ شَيْءٌ، فَقَالَ: أَنَا لَهُمْ عِوَضًا مِنْ أَبِيهِمْ. وَقَدْ بَايَعَ النَّبِيَّ ﷺ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، وَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَعُمْرُهُمَا سَبْعُ سِنِينَ، وَهَذَا لَمْ يَتَّفِقْ لِغَيْرِهِمَا. وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ مِنْ أَسْخَى النَّاسِ، يُعْطِي الْجَزِيلَ الْكَثِيرَ وَيَسْتَقِلُّهُ، وَقَدْ تَصَدَّقَ مَرَّةً بِأَلْفَيْ أَلْفٍ، وَأَعْطَى مَرَّةً رَجُلًا سِتِّينَ أَلْفًا، وَمَرَّةً أَعْطَى رَجُلًا أَرْبَعَةَ آلَافِ دِينَارٍ، وَقِيلَ: إِنَّ رَجُلًا جَلَبَ مَرَّةً سُكَّرًا إِلَى الْمَدِينَةِ فَكَسَدَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَشْتَرِهِ أَحَدٌ، فَأَمَرَ ابْنُ جَعْفَرٍ قَيِّمَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ، وَأَنْ يَهَبَهُ لِلنَّاسِ. وَقِيلَ: إِنَّ مُعَاوِيَةَ لَمَّا حَجَّ وَنَزَلَ الْمَدِينَةَ فِي دَارِ مَرْوَانَ قَالَ يَوْمًا لِحَاجِبِهِ: انْظُرْ هَلْ تَرَى بِالْبَابِ الْحَسَنَ أَوِ الْحُسَيْنَ أَوِ ابْنَ جَعْفَرٍ أَوْ فُلَانًا - وَعَدَّ جَمَاعَةً - فَخَرَجَ فَلَمْ يَرَ

стр. 7241

أَحَدًا، فَقِيلَ لَهُ: هُمْ مُجْتَمِعُونَ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ يَتَغَدَّوْنَ. فَأَتَى مُعَاوِيَةَ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ: مَا أَنَا إِلَّا كَأَحَدِهِمْ. ثُمَّ أَخَذَ عَصًا فَتَوَكَّأَ عَلَيْهَا، ثُمَّ أَتَى بَابَ ابْنِ جَعْفَرٍ، فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ، وَدَخَلَ فَأَجْلَسَهُ فِي صَدْرِ فِرَاشِهِ، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: أَيْنَ غَدَاؤُكَ يَا ابْنَ جَعْفَرٍ؟ فَقَالَ: وَمَا تَشْتَهِي مِنْ شَيْءٍ فَادْعُ بِهِ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: أَطْعِمْنَا مُخًّا. فَقَالَ: يَا غُلَامُ هَاتِ مُخًّا. فَجَاءَ بِصَحْفَةٍ فَأَكَلَ مُعَاوِيَةُ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَعْفَرٍ لِغُلَامِهِ: هَاتِ مُخًّا. فَجَاءَ بِصَحْفَةٍ أُخْرَى مَلْآنَةً مُخًّا، إِلَى أَنْ فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَتَعَجَّبَ مُعَاوِيَةُ وَقَالَ: يَا ابْنَ جَعْفَرٍ مَا يَسَعُكَ إِلَّا الْكَثِيرُ مِنَ الْعَطَاءِ. فَلَمَّا خَرَجَ مُعَاوِيَةُ أَمَرَ لَهُ بِخَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ. وَكَانَ ابْنُ جَعْفَرٍ صَدِيقًا لِمُعَاوِيَةَ، وَكَانَ يَفِدُ عَلَيْهِ كُلَّ سَنَةٍ فَيُعْطِيهِ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَيَقْضِي لَهُ مِائَةَ حَاجَةٍ، وَلَمَّا حَضَرَتْ مُعَاوِيَةَ الْوَفَاةُ أَوْصَى ابْنَهُ يَزِيدَ بِهِ. فَلَمَّا قَدِمَ ابْنُ جَعْفَرٍ عَلَى يَزِيدَ قَالَ لَهُ: كَمْ كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يُعْطِيكَ كُلَّ سَنَةٍ؟ قَالَ: أَلْفَ أَلْفٍ. فَقَالَ لَهُ: قَدْ أَضَعَفْنَاهَا لَكَ. وَكَانَ يُعْطِيهِ أَلْفَيْ أَلْفٍ كُلَّ سَنَةٍ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، مَا قُلْتُهَا لِأَحَدٍ قَبْلَكَ، وَلَا أَقُولُهَا لِأَحَدٍ بَعْدَكَ. فَقَالَ يَزِيدُ: وَلَا أَعْطَاكَهَا أَحَدٌ قَبْلِي، وَلَا يُعْطِيكَهَا أَحَدٌ بَعْدِي. وَقِيلَ: إِنَّهُ كَانَ عِنْدَ ابْنِ جَعْفَرٍ جَارِيَةٌ تُغَنِّيهِ تُسَمَّى عِمَارَةَ، وَكَانَ يُحِبُّهَا مَحَبَّةً عَظِيمَةً، فَحَضَرَ عِنْدَهُ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ يَوْمًا، فَغَنَّتِ الْجَارِيَةُ، فَلَمَّا سَمِعَهَا يَزِيدُ

стр. 7242

افْتُتِنَ بِهَا وَلَمْ يَجْسُرْ عَلَى ابْنِ جَعْفَرٍ أَنْ يَطْلُبَهَا مِنْهُ، خَوْفًا أَنْ يَمْنَعَهُ إِيَّاهَا، فَلَمْ يَزَلْ فِي نَفْسِ يَزِيدَ مِنْهَا حَتَّى مَاتَ أَبُوهُ مُعَاوِيَةُ، فَبَعَثَ يَزِيدُ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَدَفَعَ إِلَيْهِ تِجَارَةً، وَأَمَرَهُ أَنَّ يَتَلَطَّفَ فِي أَمْرِ هَذِهِ الْجَارِيَةِ، فَقَدِمَ الرَّجُلُ الْمَدِينَةَ، وَنَزَلَ جِوَارَ ابْنِ جَعْفَرٍ، وَأَهْدَى إِلَيْهِ هَدَايَا وَتُحَفًا كَثِيرَةً، وَأَنِسَ بِهِ، وَلَا زَالَ حَتَّى أَخَذَ الْجَارِيَةَ، وَأَتَى بِهَا يَزِيدَ، وَكَانَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ يَذُمُّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ عَلَى سَمَاعِهِ الْغِنَاءَ وَاللَّهْوِ، وَشِرَائِهِ الْمُوَلَّدَاتِ، وَيَقُولُ: أَمَا يَكْفِيهِ هَذَا الْأَمْرُ الْقَبِيحُ الَّذِي هُوَ مُتَلَبِّسٌ بِهِ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَغَيْرِهَا؟ حَتَّى زَوَّجَ الْحَجَّاجَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَ الْحَجَّاجُ يَقُولُ: إِنَّمَا تَزَوَّجْتُهَا لِأَذِلَّ بِهَا آلَ أَبِي طَالِبٍ. وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يَصِلْ إِلَيْهَا. وَقَدْ كَتَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَيْهِ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَطَلَّقَهَا. أَسْنَدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ ثَلَاثَةَ عَشَرَ حَدِيثًا أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ اسْمُهُ عَائِذُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، لَهُ أَحْوَالٌ وَمَنَاقِبُ، كَانَ يَقُولُ: قَلْبٌ نَقِيٌّ فِي ثِيَابٍ دَنِسَةٍ خَيْرٌ مِنْ قَلْبٍ دَنِسٍ فِي ثِيَابٍ نَقِيَّةٍ. وَقَدْ تَوَلَّى الْقَضَاءَ بِدِمَشْقَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا تَرْجَمَتَهُ فِي كِتَابِنَا «التَّكْمِيلِ». مَعْبَدٌ الْجُهَنِيُّ الْقَدَرِيُّ يُقَالُ: إِنَّهُ مَعْبَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ رَاوِي

стр. 7243

حَدِيثِ لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ فِي نَسَبِهِ. سَمِعَ الْحَدِيثَ مِنَ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَمُعَاوِيَةَ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَغَيْرِهِمْ، وَشَهِدَ يَوْمَ التَّحْكِيمِ، وَسَأَلَ أَبَا مُوسَى فِي ذَلِكَ، وَوَصَّاهُ، ثُمَّ اجْتَمَعَ بِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فَوَصَّاهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ: إِيهًا يَا تَيْسَ جُهَيْنَةَ، مَا أَنْتَ مِنْ أَهْلِ السِّرِّ وَلَا الْعَلَانِيَةِ، وَإِنَّهُ لَا يَنْفَعُكَ الْحَقُّ وَلَا يَضُرُّكُ الْبَاطِلُ. وَهَذَا تَوَسُّمٌ فِيهِ مِنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ; وَلِهَذَا كَانَ هُوَ أَوَّلَ مَنْ تَكَلَّمَ فِي الْقَدَرِ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ أَخَذَ ذَلِكَ عَنْ رَجُلٍ مِنَ النَّصَارَى مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ يُقَالُ لَهُ: سَوْسَنُ. وَأَخَذَ غَيْلَانُ الْقَدَرَ مِنْ مَعْبَدٍ. وَقَدْ كَانَتْ لِمَعْبَدٍ عِبَادَةٌ، وَفِيهِ زَهَادَةٌ، وَوَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُ فِي حَدِيثِهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: إِيَّاكُمْ وَمَعْبَدًا; فَإِنَّهُ ضَالٌّ مُضِلٌّ. وَكَانَ مِمَّنْ خَرَجَ مَعَ ابْنِ الْأَشْعَثِ، فَعَاقَبَهُ الْحَجَّاجُ عُقُوبَةً عَظِيمَةً بِأَنْوَاعِ الْعَذَابِ، ثُمَّ قَتَلَهُ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ: بَلْ صَلَبَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ فِي سَنَةِ ثَمَانِينَ بِدِمَشْقَ، ثُمَّ قَتَلَهُ. وَقَالَ

стр. 7244

خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ: مَاتَ قَبْلَ التِّسْعِينَ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 7245

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَثَمَانِينَ فَفِيهَا: فَتَحَ عَبِيدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ مَدِينَةَ قَالِيقَلَا، وَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهَا غَنَائِمَ كَثِيرَةً، وَفِيهَا قُتِلَ بُكَيْرُ بْنُ وِشَاحٍ; قَتَلَهُ بُحَيْرُ بْنُ وَرْقَاءَ الصُّرَيْمِيُّ، وَكَانَ بُكَيْرٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ الشُّجْعَانِ، ثُمَّ ثَارَ لَبُكَيْرِ بْنِ وِشَاحٍ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ يُقَالُ لَهُ: صَعْصَعَةُ بْنُ حَرْبٍ الْعَوْفِيُّ الصُّرَيْمِيُّ. فَقَتَلَ بُحَيْرَ بْنَ وَرْقَاءَ الَّذِي قَتَلَ بُكَيْرًا; طَعْنُهُ بِخِنْجَرٍ، وَهُوَ جَالِسٌ عِنْدَ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ، فَحُمِلَ إِلَى مَنْزِلِهِ وَهُوَ بِآخِرِ رَمَقٍ، فَبَعَثَ الْمُهْلَّبُ بِصَعْصَعَةَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا تَمَكَّنَ مِنْهُ بُحَيْرُ بْنُ وَرْقَاءَ قَالَ: ضَعُوا رَأْسَهُ عِنْدَ رِجْلِي. فَوَضَعُوهُ، فَطَعَنَهُ بَحِيرٌ بِحَرْبَتِهِ حَتَّى قَتَلَهُ، وَمَاتَ عَلَى إِثْرِهِ. وَقَدْ قَالَ لَهُ أَنَسُ بْنُ طَارِقٍ: اعْفُ عَنْهُ، فَقَدْ قَتَلْتَ بُكَيْرَ بْنَ وِشَاحٍ. فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ، لَا أَمُوتُ وَهَذَا حَيٌّ. ثُمَّ قَتَلَهُ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ إِنَّمَا قُتِلَ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ. فِتْنَةُ ابْنِ الْأَشْعَثِ قَالَ أَبُو مِخْنَفٍ: كَانَ ابْتِدَاؤُهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: فِي سَنَةِ

стр. 7246

ثِنْتَيْنِ وَثَمَانِينَ، وَقَدْ سَاقَهَا ابْنُ جَرِيرٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فَوَافَقْنَاهُ فِي ذَلِكَ. وَكَانَ سَبَبَ هَذِهِ الْفِتْنَةِ أَنَّ ابْنَ الْأَشْعَثِ كَانَ الْحَجَّاجُ يُبْغِضُهُ، وَكَانَ هُوَ يَفْهَمُ ذَلِكَ، وَيُضْمِرُ لَهُ السُّوءَ وَزَوَالَ الْمُلْكِ عَنْهُ، فَلَمَّا أَمَّرَهُ الْحَجَّاجُ عَلَى ذَلِكَ الْجَيْشِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ، وَأَمَرَهُ بِدُخُولِ بِلَادِ رُتْبِيلَ مَلِكِ التُّرْكِ، فَمَضَى وَصَنَعَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَخْذِهِ بَعْضَ بِلَادِ التُّرْكِ، ثُمَّ رَأَى لِأَصْحَابِهِ أَنْ يُقِيمُوا حَتَّى يَتَقَوَّوْا إِلَى الْعَامِ الْمُقْبِلِ، فَكَتَبَ إِلَى الْحَجَّاجِ بِذَلِكَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْحَجَّاجُ يَسْتَهْجِنُ رَأْيَهُ فِي ذَلِكَ، وَيَسْتَضْعِفُ عَقْلَهُ، وَيَقْرَعُهُ بِالْجُبْنِ وَالنُّكُولِ عَنِ الْحَرْبِ، وَيَأْمُرُهُ حَتْمًا بِدُخُولِ بِلَادِ رُتْبِيلَ، ثُمَّ أَرْدَفَ ذَلِكَ بِكِتَابٍ ثَانٍ ثُمَّ ثَالِثٍ، فَلَمَّا تَوَارَدَتْ كُتُبُ الْحَجَّاجِ إِلَيْهِ يَحُثُّهُ عَلَى التَّوَغُّلِ فِي بِلَادِ رُتْبِيلَ، جَمَعَ مَنْ مَعَهُ، وَقَامَ فِيهِمْ، فَأَعْلَمَهُمْ بِمَا كَانَ رَأَى مِنَ الرَّأْيِ فِي ذَلِكَ، وَبِمَا كَتَبَ إِلَيْهِ الْحَجَّاجُ مِنَ الْأَمْرِ بِمُعَاجَلَةِ رُتْبِيلَ، فَثَارَ

стр. 7247

إِلَيْهِ النَّاسُ، وَقَالُوا: لَا، بَلْ نَأْبَى عَلَى عَدُوِّ اللَّهِ الْحَجَّاجِ، وَلَا نَسْمَعُ لَهُ وَلَا نُطِيعُ. قَالَ أَبُو مِخْنَفٍ: فَحَدَّثَنِي مُطَرِّفُ بْنُ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ الْكِنَانِيُّ، أَنَّ أَبَاهُ كَانَ أَوَّلَ مَنْ تَكَلَّمَ فِي ذَلِكَ، وَكَانَ شَاعِرًا خَطِيبًا، وَكَانَ مِمَّا قَالَ: إِنَّ مَثَلَ الْحَجَّاجِ فِي هَذَا الرَّأْيِ وَمَثَلَنَا كَمَا قَالَ الْأَوَّلُ لِأَخِيهِ: احْمِلْ عَبْدَكَ عَلَى الْفَرَسِ، فَإِنْ هَلَكَ هَلَكَ، وَإِنْ نَجَا فَلَكَ. إِنَّكُمْ إِنْ ظَفِرْتُمْ كَانَ ذَلِكَ زِيَادَةً فِي سُلْطَانِهِ، وَإِنْ هَلَكْتُمْ كُنْتُمُ الْأَعْدَاءَ الْبُغَضَاءُ. ثُمَّ قَالَ: اخْلَعُوا عَدُوَّ اللَّهِ الْحَجَّاجَ - وَلَمْ يَذْكُرْ خَلْعَ عَبْدِ الْمَلِكِ - وَبَايِعُوا لِأَمِيرِكُمْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَشْعَثِ، فَإِنِّي أُشْهِدُكُمْ أَنِّي أَوَّلُ خَالِعٍ لِلْحَجَّاجِ. فَقَالَ النَّاسُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ: خَلَعْنَا عَدُوَّ اللَّهِ. وَوَثَبُوا إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَشْعَثِ فَبَايَعُوهُ عِوَضًا عَنِ الْحَجَّاجِ، وَلَمْ يَذْكُرُوا خَلْعَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ. وَبَعَثَ ابْنُ الْأَشْعَثِ إِلَى رُتْبِيلَ، فَصَالَحَهُ عَلَى أَنَّهُ إِنْ ظَفِرَ بِالْحَجَّاجِ فَلَا خَرَاجَ عَلَى رُتْبِيلَ أَبَدًا، ثُمَّ سَارَ ابْنُ الْأَشْعَثِ بِالْجُنُودِ الَّذِينَ مَعَهُ مُقْبِلًا مِنْ سِجِسْتَانَ إِلَى الْحَجَّاجِ; لِيُقَاتِلَهُ وَيَأْخُذَ مِنْهُ الْعِرَاقَ، ثُمَّ لَمَّا تَوَسَّطُوا الطَّرِيقَ قَالُوا: إِنَّ خَلْعَنَا لِلْحَجَّاجِ خَلْعٌ لِابْنِ مَرْوَانَ. فَخَلَعُوهُمَا جَمِيعًا، وَجَدَّدُوا الْبَيْعَةَ لِابْنِ الْأَشْعَثِ، فَبَايَعَهُمْ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسِنَةِ رَسُولِهِ، وَخَلْعِ أَئِمَّةِ الضَّلَالَةِ وَجِهَادِ الْمُحِلِّينَ. فَإِذَا قَالُوا: نَعَمْ. بَايَعَهُمْ. فَلَمَّا بَلَغَ الْحَجَّاجَ مَا صَنَعُوا مِنْ خَلْعِهِ وَخَلْعِ

стр. 7248

ابْنِ مَرْوَانَ، كَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ يُعْلِمُهُ بِذَلِكَ، وَيَسْتَعْجِلُهُ فِي بَعْثِهِ الْجُنُودَ إِلَيْهِ، وَجَاءَ الْحَجَّاجُ حَتَّى نَزَلَ الْبَصْرَةَ، وَبَلَغَ الْمُهَلَّبَ خَبَرُ ابْنِ الْأَشْعَثِ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ يَدْعُوهُ إِلَى ذَلِكَ فَأَبَى عَلَيْهِ، وَبَعَثَ بِكِتَابِهِ إِلَى الْحَجَّاجِ، وَكَتَبَ الْمُهَلَّبُ إِلَى ابْنِ الْأَشْعَثِ يَقُولُ لَهُ: إِنَّكَ يَا ابْنَ الْأَشْعَثِ قَدْ وَضَعْتَ رَجْلَكَ فِي رِكَابٍ طَوِيلٍ، أَبْقِ عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، اللَّهَ اللَّهَ، انْظُرْ لِنَفْسِكَ فَلَا تُهْلِكْهَا، وَدِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ فَلَا تَسْفِكْهَا، وَالْجَمَاعَةِ فَلَا تُفَرِّقْهَا، وَالْبَيْعَةِ فَلَا تَنْكُثْهَا، فَإِنْ قُلْتَ: أَخَافُ النَّاسَ عَلَى نَفْسِي، فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخَافَهُ مِنَ النَّاسِ، فَلَا تُعَرِّضْهَا لِلَّهِ فِي سَفْكِ الدِّمَاءِ، أَوِ اسْتِحْلَالِ مُحَرَّمٍ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ. وَكَتَبَ الْمُهَلَّبُ إِلَى الْحَجَّاجِ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ أَهْلَ الْعِرَاقِ قَدْ أَقْبَلُوا إِلَيْكَ مِثْلَ السَّيْلِ الْمُنْحَدِرِ مِنْ عَلِ، لَيْسَ شَيْءٌ يَرُدُّهُ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى قَرَارِهِ، وَإِنَّ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ شِرَّةً فِي أَوَّلِ مَخْرَجِهِمْ وَصَبَابَةً إِلَى أَبْنَائِهِمْ وَنِسَائِهِمْ، فَلَيْسَ شَيْءٌ يَرُدُّهُمْ حَتَّى يَصِلُوا إِلَى أَهْلِيهِمْ، وَيَشَمُّوا أَوْلَادَهُمْ، ثُمَّ وَاقِعْهُمْ عِنْدَهَا، فَإِنَّ اللَّهَ نَاصِرُكَ عَلَيْهِمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.

стр. 7249

فَلَمَّا قَرَأَ الْحَجَّاجُ كِتَابَهُ قَالَ: فَعَلَ اللَّهُ بِهِ وَفَعَلَ، لَا وَاللَّهِ مَا لِي نَظَرَ، وَلَكِنْ لِابْنِ عَمِّهِ نَصَحَ. وَلَمَّا وَقَعَ كِتَابُ الْحَجَّاجِ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ هَالَهُ ذَلِكَ، ثُمَّ نَزَلَ عَنْ سَرِيرِهِ، وَبَعَثَ إِلَى خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، فَأَقْرَأَهُ كِتَابَ الْحَجَّاجِ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنْ كَانَ هَذَا الْحَدَثُ مِنْ قِبَلِ خُرَاسَانَ فَخَفْهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ قِبَلِ سِجِسْتَانَ فَلَا تَخَفْهُ. ثُمَّ أَخَذَ عَبْدُ الْمَلِكِ فِي تَجْهِيزِ الْجُنُودِ مِنَ الشَّامِ إِلَى الْعِرَاقِ فِي نُصْرَةِ الْحَجَّاجِ، وَتَجْهِيزِ الْحَجَّاجِ لِلْخُرُوجِ إِلَى ابْنِ الْأَشْعَثِ، وَعَصَى رَأْيَ الْمُهَلَّبِ فِيمَا أَشَارَ بِهِ عَلَيْهِ، وَكَانَ فِيهِ النُّصْحُ وَالصِّدْقُ، وَجُعِلَتْ كُتُبُ الْحَجَّاجِ لَا تَنْقَطِعُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بِخَبَرِ ابْنِ الْأَشْعَثِ صَبَاحًا وَمَسَاءً; أَيْنَ نَزَلَ؟ وَمِنْ أَيْنَ ارْتَحَلَ؟ وَأَيُّ النَّاسِ إِلَيْهِ أَسْرَعُ؟ وَجَعَلَ النَّاسُ يَلْتَفُّونَ عَلَى ابْنِ الْأَشْعَثِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، حَتَّى قِيلَ: إِنَّهُ سَارَ مَعَهُ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ أَلْفَ فَارِسٍ، وَمِائَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفَ رَاجِلٍ، وَخَرَجَ الْحَجَّاجُ فِي جُنُودِ الشَّامِ مِنَ الْبَصْرَةِ نَحْوَ ابْنِ الْأَشْعَثِ، فَنَزَلَ تُسْتَرَ، وَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ مُطَهِّرَ بْنَ حَيٍّ الْعَكِّيَّ أَمِيرًا عَلَى الْمُقَدِّمَةِ، وَمَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زُمَيْتٍ أَمِيرًا آخَرَ، فَانْتَهَوْا إِلَى دُجَيْلٍ، فَإِذَا مُقَدِّمَةُ ابْنِ الْأَشْعَثِ فِي ثَلَاثِمِائَةِ فَارِسٍ عَلَيْهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبَانٍ الْحَارِثِيُّ، فَالْتَقَوْا فِي يَوْمِ الْأَضْحَى عِنْدَ نَهْرِ دُجَيْلٍ، فَهُزِمَتْ مُقَدِّمَةُ الْحَجَّاجِ، وَقَتَلَ أَصْحَابُ ابْنِ الْأَشْعَثِ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، نَحْوَ أَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ،

стр. 7250

وَاحْتَازُوا مَا فِي مُعَسْكَرِهِمْ مِنْ خُيُولٍ وَقُمَاشٍ وَأَمْوَالٍ، وَجَاءَ الْخَبَرُ إِلَى الْحَجَّاجِ بِهَزِيمَةِ أَصْحَابِهِ، فَأَخَذَهُ مَا دَبَّ وَدَرَجَ، وَقَدْ كَانَ قَائِمًا يَخْطُبُ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، ارْجِعُوا إِلَى الْبَصْرَةِ، فَإِنَّهُ أَرْفَقُ بِالْجُنْدِ، فَرَجَعَ بِالنَّاسِ، وَاتَّبَعَتْهُمْ خُيُولُ ابْنِ الْأَشْعَثِ لَا يُدْرِكُونَ مِنْهُمْ شَاذًّا إِلَّا قَتَلُوهُ، وَلَا فَاذًّا إِلَّا أَهْلَكُوهُ، وَمَضَى الْحَجَّاجُ هَارِبًا لَا يَلْوِي عَلَى شَيْءٍ، حَتَّى أَتَى الزَّاوِيَةَ، فَعَسْكَرَ عِنْدَهَا، وَجَعَلَ يَقُولُ: لِلَّهِ دَرُّ الْمُهَلَّبِ! أَيُّ صَاحِبِ حَرْبٍ هُوَ؟! قَدْ أَشَارَ عَلَيْنَا بِالرَّأْيِ، وَلَكِنَّا لَمْ نَقْبَلْ. وَأَنْفَقَ الْحَجَّاجُ عَلَى جَيْشِهِ - وَهُوَ بِهَذَا الْمَكَانِ - مِائَةً وَخَمْسِينَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَخَنْدَقَ حَوْلَ جَيْشِهِ خَنْدَقًا، وَجَاءَ أَهْلُ الْعِرَاقِ فَدَخَلُوا الْبَصْرَةَ، وَاجْتَمَعُوا بِأَهَالِيهِمْ وَشَمُّوا أَوْلَادَهُمْ، وَدَخَلَ ابْنُ الْأَشْعَثِ الْبَصْرَةَ، فَخَطَبَ النَّاسَ بِهَا، وَبَايَعَهُمْ وَبَايَعُوهُ عَلَى خَلْعِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَنَائِبِهِ الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ، وَقَالَ لَهُمُ ابْنُ الْأَشْعَثِ: لَيْسَ الْحَجَّاجُ بِشَيْءٍ، وَلَكِنِ اذْهَبُوا بِنَا إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ لِنُقَاتِلَهُ. وَوَافَقَهُ عَلَى خَلْعِهِمَا جَمِيعُ مَنْ بِالْبَصْرَةِ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْقُرَّاءِ وَالشُّيُوخِ وَالشَّبَابِ، ثُمَّ أَمَرَ ابْنُ الْأَشْعَثِ بِخَنْدَقٍ حَوْلَ الْبَصْرَةِ فَعَمِلَ ذَلِكَ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي أَوَاخِرِ ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ فِيمَا ذَكَرَهُ الْوَاقِدِيُّ وَأَبُو
следующие страницы →