← История

История · id 4445

البداية والنهاية - ت التركي

ابن كثير

Полный текст (13 161 стр.). Показаны 8926–8965 · переход к 8931.

стр. 8926

عَلَى حَوَاصِلِهِ وَأَمْوَالِهِ، وَفَرَّ الْخَبِيثُ ذَاهِبًا وَكَرَّ هَارِبًا وَتَرَكَ حَلَائِلَهُ وَأَوْلَادَهُ وَحَوَاصِلَهُ، فَأَخَذَهَا الْمُوَفَّقُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَشَرْحُ ذَلِكَ كُلِّهِ يَطُولُ جِدًّا. وَقَدْ حَرَّرَهُ مَبْسُوطًا ابْنُ جَرِيرٍ وَلَخَّصَهُ مَبْسُوطًا ابْنُ الْأَثِيرِ، وَاخْتَصَرَهُ ابْنُ كَثِيرٍ وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ. وَلَمَّا رَأَى الْخَلِيفَةُ الْمُعْتَمِدُ أَنَّ أَخَاهُ أَبَا أَحْمَدَ قَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَى أُمُورِ الْخِلَافَةِ وَصَارَ هُوَ الْحَاكِمَ الْآمِرَ النَّاهِيَ الَّذِي إِلَيْهِ تُجْلَبُ الْأَمْوَالُ وَيُحْمَلُ الْخَرَاجُ، وهُوَ الَّذِي يُوَلِّي وَيَعْزِلُ، كَتَبَ إِلَى أَحْمَدَ بْنِ طُولُونَ يَشْكُو إِلَيْهِ ذَلِكَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ ابْنُ طُولُونَ أَنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى عِنْدِهِ بِبِلَادِ مِصْرَ وَوَعَدَهُ النَّصْرَ وَالْقِيَامَ مَعَهُ، فَاسْتَغْنَمَ غَيْبَةَ أَخِيهِ الْمُوَفَّقِ وَرَكِبَ فِي جُمَادَى الْأُولَى وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْقُوَّادِ، وَقَدْ أَرْصَدَ لَهُ أَحْمَدُ بْنُ طُولُونَ جَيْشًا بِالرَّقَّةِ يَتَلَقَّوْنَهُ، فَلَمَّا اجْتَازَ الْخَلِيفَةُ بِإِسْحَاقَ بْنِ كِنْدَاجٍ نَائِبِ الْمَوْصِلِ وَعَامَّةِ الْجَزِيرَةِ اعْتَقَلَهُ عِنْدَهُ عَنِ الْمَسِيرِ إِلَى ابْنِ طُولُونَ، وَقَيَّدَ أَعْيَانَ الْأُمَرَاءِ الَّذِينَ مَعَهُ، وَعَاتَبَ الْخَلِيفَةَ وَلَامَهُ عَلَى هَذَا الصَّنِيعِ أَشَدَّ اللَّوْمِ، ثُمَّ أَلْزَمَهُ الْعَوْدَ إِلَى سَامَرَّا وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْأُمَرَاءِ، فَرَجَعُوا إِلَيْهَا فِي غَايَةِ الذُّلِّ وَالْإِهَانَةِ. وَلَمَّا بَلَغَ الْمُوَفَّقَ ذَلِكَ شَكَرَ سَعْيَ إِسْحَاقَ وَوَلَّاهُ جَمِيعَ أَعْمَالِ أَحْمَدَ بْنِ طُولُونَ إِلَى أَقْصَى بِلَادِ إِفْرِيقِيَّةَ، وَكَتَبَ إِلَى أَخِيهِ أَنْ يَلْعَنَ ابْنَ طُولُونَ فِي دَارِ الْعَامَّةِ، فَلَمْ يُمْكِنِ الْمُعْتَمِدَ إِلَّا إِجَابَتُهُ إِلَى ذَلِكَ، وَهُوَ كَارِهٌ، وَكَانَ ابْنُ طُولُونَ قَدْ قَطَعَ ذِكْرَ الْمُوَفَّقِ فِي الْخُطَبِ وَأَسْقَطَ اسْمَهُ عَنِ الطِّرَازَاتِ.

стр. 8927

وَفِيهَا فِي ذِي الْقَعْدَةِ وَقَعَتْ فِتْنَةٌ بِمَكَّةَ بَيْنَ أَصْحَابِ الْمُوَفَّقِ وَأَصْحَابِ ابْنِ طُولُونَ، فَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ طُولُونَ مِائَتَانِ وَهَرَبَ بَقِيَّتُهُمْ، واسْتَلَبَهُمْ أَصْحَابُ الْمُوَفَّقِ شَيْئًا كَثِيرًا. وَفِيهَا قَطَعَتِ الْأَعْرَابُ عَلَى الْحَجِيجِ الطَّرِيقَ، وَأَخَذُوا مِنْهُمْ خَمْسَةَ آلَافِ بَعِيرٍ بِأَحْمَالِهَا. وَفِيهَا تُوُفِّيَ: إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُنْقِذٍ الْخَوْلَانِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ مُخَالِدٍ مَوْلَى الْمُعْتَصِمِ، وَكَانَ مِنْ دُعَاةِ الْمُعْتَزِلَةِ، أَخَذَ الْكَلَامَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُبَشِّرٍ الْمُعْتَزِلِيِّ. وَسُلَيْمَانُ بْنِ حَفْصٍ الْمُعْتَزِلِيُّ صَاحِبُ بِشْرٍ الْمَرِيسِيِّ وَأَبِي الْهُذَيْلِ الْعَلَّافِ. وَعِيسَى ابْنُ الشَّيْخِ ابْنِ السَّلِيلِ الشَّيْبَانِيُّ نَائِبُ أَرْمِينِيَّةَ وَدِيَارِ بَكْرٍ. وَأَبُو فَرْوَةَ يَزِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الرًّهَاوِيُّ، أَحَدُ الضُّعَفَاءِ.

стр. 8928

سَنَةُ سَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ مِنَ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ فِيهَا كَانَ مَقْتَلُ صَاحِبِ الزَّنْجِ قَبَّحَهُ اللَّهُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُوَفَّقَ لَمَّا فَرَغَ مِنْ شَأْنِ مَدِينَةِ صَاحِبِ الزَّنْجِ وَهِيَ الْمُخْتَارَةُ وَاحْتَازَ مَا كَانَ بِهَا مِنَ الْأَمْوَالِ، وَقَتَلَ مَنْ كَانَ بِهَا مِنَ الرِّجَالِ، وَسَبَى مَنْ وَجَدَ فِيهَا مِنَ النِّسَاءِ وَالْأَطْفَالِ، وَقَدْ هَرَبَ صَاحِبُ الزَّنْجِ عَنْ حَوْمَةِ الْجِلَادِ وَالنِّزَالِ، وَسَارَ إِلَى بَعْضِ الْبِلَادِ طَرِيدًا شَرِيدًا بِشَرِّ حَالٍ، عَادَ الْمُوَفَّقُ - وَفَّقَهُ اللَّهُ - إِلَى مَدِينَتِهِ الْمُوَفَّقِيَّةِ مُؤَيَّدًا مَنْصُورًا، وَقَدِمَ عَلَيْهِ لُؤْلُؤَةُ غُلَامُ أَحْمَدَ بْنِ طُولُونَ مُنَابِذًا لِسَيِّدِهِ سَمِيعًا مُطِيعًا لِلْمُوَفَّقِ، فَكَانَ وُرُودُهُ عَلَيْهِ فِي ثَالِثِ الْمُحَرَّمِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، فَأَكْرَمَهُ وَعَظَّمَهُ وَأَعْطَاهُ وَخَلَعَ عَلَيْهِ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، وَبَعَثَهُ طَلِيعَةً بَيْنَ يَدَيْهِ لِقِتَالِ صَاحِبِ الزَّنْجِ وَرَكِبَ الْمُوَفَّقُ فِي الْجُيُوشِ الْكَثِيفَةِ الْهَائِلَةِ وَرَاءَهُ، فَقَصَدُوا الْخَبِيثَ وَقَدْ تَحَصَّنَ بِبَلْدَةٍ أُخْرَى، فَلَمْ يَزَلْ مُحَاصِرًا لَهُ حَتَّى أَخْرَجَهُ مِنْهَا ذَلِيلًا وَهُوَ صَاغِرٌ، وَاسْتَحْوَذَ عَلَى مَا كَانَ بِهَا مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْمَغَانِمِ، ثُمَّ بَعَثَ السَّرَايَا وَالْجُيُوشَ وَرَاءَهُ، فَأَسَرُوا عَامَّةَ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ خَاصَّتِهِ وَحُمَاتِهِ; مِنْهُمْ سُلَيْمَانُ بْنُ جَامِعٍ، فَاسْتَبْشَرَ النَّاسُ بِأَسْرِهِ وَكَبَّرُوا فَرَحًا بِالنَّصْرِ وَالْفَتْحِ، وَحَمَلَ الْمُوَفَّقُ بِمَنِّ مَعَهُ حَمْلَةً وَاحِدَةً عَلَى أَصْحَابِ الْخَبِيثِ فَاسْتَحَرَّ فِيهِمُ الْقَتْلُ، وَمَا انْجَلَتِ الْحَرْبُ حَتَّى جَاءَ الْبَشِيرُ بِقَتْلِ

стр. 8929

الْخَبِيثِ صَاحِبِ الزَّنْجِ فِي الْمَعْرَكَةِ، وَأَتَى بِرَأْسِهِ مَعَ غُلَامِ لُؤْلُؤَةَ فَتَى أَحْمَدَ بْنِ طُولُونَ فَلَمَّا تَحَقَّقَ الْمُوَفَّقُ أَنَّهُ رَأَسُهُ بَعْدَ شَهَادَةِ الْأُمَرَاءِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ بِذَلِكَ، خَرَّ سَاجِدًا لِلَّهِ ثُمَّ انْكَفَأَ رَاجِعًا إِلَى الْمُوَفَّقِيَّةِ، وَرَأْسُ الْخَبِيثِ تُحْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَسُلَيْمَانَ مَعَهُ أَسِيرٌ، فَدَخَلَ الْبَلَدَ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا، وَفَرِحَ الْمُسْلِمُونَ بِذَلِكَ فِي الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ، ثُمَّ جِيءَ بِأَنْكَلَايَ وَلَدِ صَاحِبِ الزَّنْجِ وَأَبَانِ بْنِ عَلِيٍّ الْمُهَلَّبِيِّ، مُسَعَّرِ حَرْبِهِمْ، مَأْسُورَيْنِ، وَمَعَهُمَا قَرِيبٌ مِنْ خَمْسَةِ آلَافِ أَسِيرٍ، فَتَمَّ السُّرُورُ، وَهَرَبَ قِرْطَاسٌ الَّذِي رَمَى الْمُوَفَّقَ فِي صَدْرِهِ بِذَلِكَ السَّهْمِ إِلَى رَامَهُرْمُزَ فَأُخِذَ وَبُعِثَ بِهِ إِلَى الْمُوَفَّقِ فَقَتَلَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ وَلَدُ الْمُوَفَّقِ. وَاسْتَأْمَنَ مَنْ بَقِيَ مِنْ جُيُوشِ الزَّنْجِ فَأَمَّنَهُمُ الْمُوَفَّقُ، وَنَادَى فِي النَّاسِ بِالْأَمَانِ، وَأَنْ يَرْجِعَ كُلُّ مَنْ كَانَ أُخْرِجَ مِنْ دِيَارِهِ بِسَبَبِ فِتْنَةِ الزَّنْجِ إِلَى أَوْطَانِهِمْ وَبُلْدَانِهِمْ، ثُمَّ قَدَّمَ وَلَدَهُ أَبَا الْعَبَّاسِ بَيْنَ يَدَيْهِ إِلَى بَغْدَادَ وَمَعَهُ رَأْسُ الْخَبِيثِ يُحْمَلُ لِيَرَاهُ أَهْلُ بَغْدَادَ فَدَخَلَهَا لِثِنْتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً بَقِيتْ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا بِبَغْدَادَ، وَانْتَهَتْ أَيَّامُ صَاحِبِ الزَّنْجِ الْمُدَّعِي الْكَذَّابِ، قَبَّحَهُ اللَّهُ. وَقَدْ كَانَ ظُهُورُهُ فِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ لِأَرْبَعٍ بَقِينَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَقُتِلَ يَوْمَ السَّبْتِ لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْ صَفَرٍ سَنَةَ سَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ. وَكَانَتْ دَوْلَتُهُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَسِتَّةَ أَيَّامٍ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.

стр. 8930

وَقَدْ قِيلَ فِي انْقِضَاءِ دَوْلَةِ الزَّنْجِ وَمَا كَانَ مِنَ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ أَشْعَارٌ كَثِيرَةٌ; مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَسْلَمِيِّ: أَقُولُ وَقَدْ جَاءَ الْبَشِيرُ بِوَقْعِةٍ … أَعَزَّتْ مِنَ الْإِسْلَامِ مَا كَانَ وَاهِيًا جَزَى اللَّهُ خَيْرَ النَّاسِ لِلنَّاسِ بَعْدَمَا … أُبِيحَ حِمَاهُمْ خَيْرَ مَا كَانَ جَازِيَا تَفَرَّدَ - إِذْ لَمْ يَنْصُرِ اللَّهُ نَاصِرٌ … بِتَجْدِيدِ دِينٍ كَانَ أَصْبَحَ بَالِيَا وَتَجْدِيدِ مُلْكٍ قَدْ وَهَى بَعْدَ عِزِّهِ … وَأَخْذٍ بِثَارَاتٍ تُبِيرُ الْأَعَادِيَا وَرَدِّ عِمَارَاتٍ أُزِيلَتْ وَأُخْرِبَتْ … لِيَرْجِعَ فَيْءٌ قَدْ تَخَرَّمَ وَافِيَا وَتَرْجِعَ أَمْصَارٌ أُبِيحَتْ وَأُحْرِقَتْ … مِرَارًا فَقَدْ أَمْسَتْ قَوَاءً عَوَافِيَا وَيَشْفِي صُدُورَ الْمُسْلِمِينَ بِوَقْعَةٍ … يُقِرُّ بِهَا مِنَّا الْعُيُونَ الْبَوَاكِيَا وَيُتْلَى كِتَابُ اللَّهِ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ … وَيُلْقَى دُعَاءُ الطَّالِبِيِّينَ خَاسِيَا فَأَعْرَضَ عَنْ أَحْبَابِهِ وَنَعِيمِهِ … وَعَنْ لَذَّةِ الدُّنْيَا وَأَصْبَحَ عَارِيَا وَهِيَ قَصِيدَةٌ طَوِيلَةٌ، هَذَا طَرَفٌ مِنْهَا. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ أَقْبَلَتِ الرُّومُ فِي مِائَةِ أَلْفِ مُقَاتِلٍ، فَنَزَلُوا قَرِيبًا مِنْ طَرَسُوسَ فَخَرَجَ إِلَيْهِمُ الْمُسْلِمُونَ فَبَيَّتُوهُمْ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ حَتَّى الصَّبَاحِ نَحْوًا مِنْ سَبْعِينَ أَلْفًا مِنَ الْمُقَاتِلَةِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَقُتِلَ الْمُقَدَّمُ الَّذِي عَلَيْهِمْ وَهُوَ بِطْرِيقُ الْبَطَارِقَةِ، وَجُرِحَ أَكْثَرُ الْبَاقِينَ، وَغَنِمَ

стр. 8931

الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ غَنِيمَةً عَظِيمَةً; مِنْ ذَلِكَ سَبْعُ صُلْبَانٍ مَنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَصَلِيبُهُمُ الْأَعْظَمُ عِنْدَهُمْ، وَهُوَ مٍنْ ذَهَبٍ صَامِتٍ مُكَلَّلٍ بِالْجَوَاهِرِ، وَأَرْبَعَةُ كَرَاسٍ مِنْ ذَهَبٍ، وَمِائَتَا كُرْسِيٍّ مِنْ فِضَّةٍ، وَآنِيَةٌ كَثِيرَةٌ، وَعَشَرَةُ آلَافِ عَلَمٍ مِنْ دِيبَاجٍ، وَغَنِمُوا حَرِيرًا كَثِيرًا وَخَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفَ دَابَّةٍ وَسُرُوجًا وَسِلَاحًا وَسُيُوفًا مُحَلَّاةً، وَشَيْئًا كَثِيرًا جِدًّا وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ أَوَّلًا وَآخِرًا. وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: أَحْمَدُ بْنُ طُولُونَ. أَبُو الْعَبَّاسِ أَمِيرُ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَبَانِي الْجَامِعِ بِهَا، الْمَنْسُوبُ إِلَيْهِ، وَقَدْ مَلَكَ دِمَشْقَ وَالْعَوَاصِمَ وَالثُّغُورَ مُدَّةً طَوِيلَةً، وَقَدْ كَانَ أَبُوهُ طُولُونَ مِنَ الْأَتْرَاكِ الَّذِينَ أَهْدَاهُمْ نُوحُ بْنُ أَسَدِ بْنِ سَامَانَ السَّامَانِيُّ، عَامِلُ بُخَارَى إِلَى الْمَأْمُونِ فِي سَنَةِ مِائَتَيْنِ، وَيُقَالُ: إِلَى الرَّشِيدِ فِي سَنَةِ تِسْعِينَ وَمِائَةٍ. وُلِدَ أَحْمَدُ هَذَا فِي سَنَةِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَقِيلَ: فِي سَنَةِ عِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ.

стр. 8932

وَمَاتَ أَبُوهُ طُولُونَ فِي سَنَةِ ثَلَاثِينَ، وَقِيلَ: فِي سَنَةِ أَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ. وَحَكَى ابْنُ خِلِّكَانَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنِ ابْنَهُ وَإِنَّمَا تَبَنَّاهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَحَكَى ابْنُ عَسَاكِرَ أَنَّهُ مِنْ جَارِيَةٍ تُرْكِيَّةٍ اسْمُهَا هَاشِمُ. وَنَشَأَ أَحْمَدُ هَذَا فِي صِيَانَةٍ وَعَفَافٍ وَدِرَاسَةٍ لِلْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، مَعَ حُسْنِ الصَّوْتِ، وَكَانَ يَعِيبُ عَلَى أَوْلَادِ التُّرْكِ مَا يَرْتَكِبُونَهُ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ وَالْأَشْيَاءِ الْمُنْكَرَاتِ، وَكَانَتْ أُمُّهُ جَارِيَةً اسْمُهَا هَاشِمُ. وَحَكَى الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي «تَارِيخِهِ» عَنْ بَعْضِ مَشَايِخِ مِصْرَ أَنَّ طُولُونَ لَمْ يَكُنْ أَبَاهُ، وَإِنَّمَا كَانَ قَدْ تَبَنَّاهُ، وَأَنَّهُ كَانَ ظَاهِرَ النَّجَابَةِ مِنْ صِغَرِهِ، وَأَنَّهُ اتَّفَقَ أَنْ بَعَثَهُ طُولُونَ فِي حَاجَةٍ لِيَأْتِيَهُ بِهَا مِنْ قَصْرِ الْإِمَارَةِ، فَذَهَبَ، فَإِذَا حَظِيَّةٌ مِنْ حَظَايَا أَبِيهِ مَعَ بَعْضِ الْخَدَمِ فِي فَاحِشَةٍ، فَأَخَذَ حَاجَتَهُ الَّتِي أَمَرَهُ بِهَا، وَكَرَّ رَاجِعًا إِلَيْهِ سَرِيعًا، وَلَمْ يُخْبِرْهُ بِشَيْءٍ مِمَّا رَأَى مِنْ ذَلِكَ، فَتَوَهَّمَتِ الْحَظِيَّةُ أَنْ يَكُونَ أَحْمَدُ قَدْ أَخْبَرَ طُولُونَ بِمَا رَأَى، فَجَاءَتْ إِلَى طُولُونَ فَقَالَتْ: إِنَّ أَحْمَدَ

стр. 8933

جَاءَنِي الْآنَ إِلَى الْمَكَانِ الْفُلَانِيِّ وَرَاوَدَنِي عَنْ نَفْسِي، وَانْصَرَفَتْ إِلَى قَصْرِهَا، فَوَقَعَ فِي نَفْسِهِ صِدْقُهَا، فَاسْتَدْعَى أَحْمَدَ، وَكَتَبَ مَعَهُ كِتَابًا، وَخَتَمَهُ إِلَى بَعْضِ الْأُمَرَاءِ: أَنْ إِذَا وَصَلَ إِلَيْكَ حَامِلُ هَذَا الْكِتَابِ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ، وَابْعَثْ بِرَأْسِهِ سَرِيعًا إِلَيَّ. فَذَهَبَ أَحْمَدُ وَهُوَ لَا يَدْرِي مَا فِي الْكِتَابِ، فَاجْتَازَ فِي طَرِيقِهِ بِقَصْرِ تِلْكَ الْحَظِيَّةِ، فَاسْتَدْعَتْهُ إِلَيْهَا، فَقَالَ: إِنِّي مَشْغُولٌ بِهَذَا الْكِتَابِ لِأُوَصِّلَهُ إِلَى فُلَانٍ. فَقَالَتْ: هَلُمَّ، فَلِي إِلَيْكَ حَاجَةٌ - وَأَرَادَتْ أَنْ تَحْبِسَهُ عِنْدَهَا; لِيَكْتُبَ لَهَا كِتَابًا، لِتُحَقِّقَ فِي ذِهْنِ الْمَلِكِ مَا ذَكَرَتْهُ مِنْ أَمْرِهِ، وَأَرْسَلَتْ بِذَلِكَ الْكِتَابِ مَعَ الْخَادِمِ الَّذِي كَانَتْ هِيَ وَإِيَّاهُ عَلَى الْفَاحِشَةِ وَجَلَسَ أَحْمَدُ يَكْتُبُ لَهَا الْكِتَابَ، وَذَهَبَ ذَلِكَ الْخَادِمُ إِلَى ذَلِكَ الْأَمِيرِ بِالْكِتَابِ، فَلَمَّا قَرَأَهُ أَمَرَ بِضَرْبِ عُنُقِهِ، وَأَرْسَلَ بِرَأْسِهِ إِلَى الْمَلِكِ طُولُونَ، فَتَعَجَّبَ الْمَلِكُ وَقَالَ: أَيْنَ أَحْمَدُ؟ فَطُلَبَ لَهُ، فَقَالَ: وَيْحَكَ، أَخْبِرْنِي كَيْفَ صَنَعْتَ مُنْذُ خَرَجْتَ مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ؟ فَأَخْبَرَهُ بِمَا جَرَى مِنَ الْأَمْرِ، وَلَمَّا سَمِعَتْ تِلْكَ الْحَظِيَّةُ بِأَنَّ رَأْسَ الْخَادِمِ قَدْ أُتِيَ بِهِ إِلَى الْمَلِكِ سَقَطَ فِي يَدَيْهَا، وَتَوَهَّمَتْ أَنَّ الْمَلِكَ قَدْ تَحَقَّقَ الْحَالَ، فَقَامَتْ إِلَيْهِ

стр. 8934

تَعْتَذِرُ وَتَسْتَغْفِرُ مِمَّا وَقَعَ مِنْهَا مَعَ الْخَادِمِ، وَاعْتَرَفَتْ بِالْحِقِّ وَبَرَّأَتْ سَاحَةَ أَحْمَدَ، فَحَظِيَ عِنْدَهُ، وَأَوْصَى لَهُ بِالْمُلْكِ مِنْ بَعْدِهِ. ثُمَّ وَلِيَ نِيَابَةَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ لِلْمُعْتَزِّ، فَدَخَلَهَا يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ لِسَبْعٍ بَقِينَ مِنْ رَمَضَانَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ، فَأَحْسَنَ إِلَى أَهْلِهَا إِحْسَانًا كَثِيرًا، وَأَنْفَقَ فِيهِمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَمِنْ صَدَقَاتِهِ، وَاسْتَغَلَّ الدِّيَارَ الْمِصْرِيَّةَ فِي بَعْضِ السِّنِينَ أَرْبَعَةَ آلَافِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَبَنَى بِهَا الْجَامِعَ، وَغَرِمَ عَلَيْهِ مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ وَعِشْرِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَكَانَ فَرَاغُهُ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ، وَقِيلَ: فِي سَنَةِ سِتٍّ وَسِتِّينَ. وَكَانَتْ لَهُ مَائِدَةٌ فِي كُلِّ يَوْمٍ يَحْضُرُهَا الْخَاصُّ وَالْعَامُّ، وَكَانَ يَتَصَدَّقُ فِي كُلِّ شَهْرٍ مِنْ خَالِصِ مَالِهِ بِأَلْفِ دِينَارٍ. وَقَالَ لَهُ وَكِيلُهُ يَوْمًا: إِنَّهُ تَأْتِينِي الْمَرْأَةُ وَعَلَيْهَا الْإِزَارُ وَبِذْلَةٌ وَهَيْئَةٌ فَتَسْأَلُنِي أَفَأُعْطِيَهَا؟ فَقَالَ: مَنْ مَدَّ يَدَهُ إِلَيْكَ فَأَعْطِهِ. وَكَانَ مِنْ أَحْفَظِ النَّاسِ لِتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَمِنْ أَطْيَبِهِمْ صَوْتًا بِهِ. وَقَدْ قِيلَ - فِيمَا حَكَاهُ ابْنُ خَلِّكَانَ: إِنَّهُ قَتَلَ صَبْرًا نَحْوًا مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْفَ نَفْسٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَبَنَى الْبِيمَارِسْتَانَ، فَغَرِمَ عَلَيْهِ سِتِّينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَعَلَى الْمَيْدَانِ مِائَةً وَخَمْسِينَ أَلْفًا، وَكَانَ لَهُ صَدَقَاتٌ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَإِحْسَانٌ زَائِدٌ، ثُمَّ مَلَكَ دِمَشْقَ بَعْدَ أَمِيرِهَا أَمَاجُورَ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ أَيْضًا.

стр. 8935

وَاتَّفَقَ أَنَّهُ وَقَعَ بِهَا حَرِيقٌ عِنْدَ كَنِيسَةِ مَرْيَمَ، فَنَهَضَ بِنَفْسِهِ إِلَيْهِ وَمَعَهُ أَبُو زُرْعَةَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرٍو الْحَافِظُ الدِّمَشْقِيُّ، وَكَاتِبُهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَاسِطِيُّ، ثُمَّ أَمَرَ كَاتِبَهُ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ مَالِ الْأَمِيرِ سَبْعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ تُصْرَفُ إِلَى أَهْلِ الدُّورِ وَالْأَمْوَالِ الَّتِي أُحْرِقَتْ، فَصَرَفَ إِلَيْهِمْ جَمِيعَ قِيمَةِ مَا ذَكَرُوهُ، وَبَقِيَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُوَزَّعَ عَلَيْهِمْ عَلَى قَدْرِ حِصَصِهِمْ، ثُمَّ أَمَرَ بِمَالٍ عَظِيمٍ يُفَرَّقُ عَلَى فُقَرَاءِ دِمَشْقَ وَغُوطَتِهَا، فَأَقَلُّ مَا حَصَلَ لِلْفَقِيرِ دِينَارٌ، ﵀. ثُمَّ خَرَجَ إِلَى أَنْطَاكِيَةَ فَحَاصَرَ بِهَا صَاحِبَهَا سِيمَا حَتَّى قَتَلَهُ، وَتَسَلَّمَ الْبَلَدَ - كَمَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ - ثُمَّ كَانَتْ وَفَاتُهُ بِمِصْرَ فِي أَوَائِلِ ذِي الْقَعْدَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ مِنْ عِلَّةٍ أَصَابَتْهُ مِنْ أَكْلِ لَبَنِ الْجَوَامِيسِ، فَأَصَابَهُ ذَرَبٌ، فَدَاوَاهُ الْأَطِبَّاءُ، فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُمْ، فَكَانَ يَأْكُلُ مِنْهُ فِي الْخُفْيَةِ، فَمَاتَ. ﵀. وَقَدْ تَرَكَ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَثَاثِ وَالدَّوَابِّ شَيْئًا كَثِيرًا جِدًّا; مِنْ ذَلِكَ عَشَرَةُ آلَافِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَكَانَ لَهُ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ وَلَدًا; مِنْهُمْ سَبْعَةَ عَشَرَ ذَكَرًا، فَقَامَ

стр. 8936

بِالْأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ وَلَدُهُ خُمَارَوَيْهِ، وَسَيَأْتِي مَا كَانَ مَنْ أَمْرِهِ. وَكَانَ لَهُ مِنَ الْغِلْمَانِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفَ غُلَامٍ، وَمِنَ الْمُوَالَى سَبْعَةُ آلَافِ مَوْلًى، وَمِنَ الْبِغَالِ وَالْخَيْلِ وَالْجِمَالِ شَيْءٌ كَثِيرٌ جِدًّا. قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ: وَإِنَّمَا تَغَلَّبَ عَلَى الْبِلَادِ لِاشْتِغَالِ الْمُوَفَّقِ طَلْحَةَ ابْنِ الْمُتَوَكِّلِ عَنْهُ بِحَرْبِ صَاحِبِ الزَّنْجِ وَقَدْ كَانَ الْمُوَفَّقُ نَائِبَ أَخِيهِ الْمُعْتَمِدِ عَلَى اللَّهِ - وَهُوَ وَالِدُ الْمُعْتَضِدِ ﵏. وَأَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ سَهْلٍ الْكَاتِبُ. صَاحِبُ كِتَابِ «الْخَرَاجِ»، قَالَهُ ابْنُ خَلِّكَانَ. وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْبَرْقِيِّ. وَأُسِيدُ بْنُ عَاصِمٍ الْجَمَّالُ. وَبَكَّارُ بْنُ قُتَيْبَةَ الْمِصْرِيُّ. فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.

стр. 8937

وَالْحَسَنُ بْنُ زَيْدٍ الْعَلَوِيُّ. صَاحِبُ طَبَرِسْتَانَ فِي رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً وَثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ وَسِتَّةَ أَيَّامٍ، وَقَامَ بِالْأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ أَخُوهُ مُحَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ، وَكَانَ الْحَسَنُ بْنُ زَيْدٍ كَرِيمًا جَوَادًا مُمَدَّحًا يَعْرِفُ الْفِقْهَ وَالْعَرَبِيَّةَ، قَالَ لَهُ شَاعِرٌ فِي جُمْلَةِ قَصِيدَةٍ مَدَحَهُ بِهَا: اللَّهُ فَرْدٌ وَابْنُ زَيْدٍ فَرْدُ فَقَالَ: وَيْلَكَ، لَا تَقُلْ، هَلَّا قُلْتَ: اللَّهُ فَرْدٌ وَابْنُ زَيْدٍ عَبْدُ ثُمَّ نَزَلَ عَنْ سَرِيرِهِ، وَخَرَّ سَاجِدًا لِلَّهِ وَأَلْصَقَ خَدَّهُ بِالتُّرَابِ، وَلَمْ يُعْطِ ذَلِكَ الشَّاعِرَ شَيْئًا. وَامْتَدَحَهُ بَعْضُهُمْ فَقَالَ فِي أَوَّلِ قَصِيدَتِهِ: لَا تَقُلْ بُشْرَى وَلَكِنْ بُشْرَيَانِ … عِزَّةُ الدَّاعِي وَيَوْمُ الْمِهْرَجَانِ فَقَالَ لَهُ الْحَسَنُ بْنُ زَيْدٍ: لَوِ ابْتَدَأَتْ بِالْمِصْرَاعِ الثَّانِي لَكَانَ أَحْسَنَ، وَأَبْعَدَ لَكَ أَنْ تَبْتَدِئَ شِعْرَكَ بِحَرْفِ «لَا». فَقَالَ لَهُ الشَّاعِرُ: لَيْسَ فِي الدُّنْيَا كَلِمَةٌ أَجْلَّ مَنْ قَوْلِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. فَقَالَ: أَصَبْتَ. وَأَمَرَ لَهُ بِجَائِزَةٍ سَنِيَّةٍ.

стр. 8938

وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَفَّانَ الْعَامِرِيُّ. وَدَاودُ بْنُ عَلِيٍّ. الْأَصْبَهَانِيُّ ثُمَّ الْبَغْدَادِيُّ الْفَقِيهُ الظَّاهِرِيُّ، إِمَامُ أَهْلِ الظَّاهِرِ، رَوَى عَنْ أَبِي ثَوْرٍ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ خَالِدٍ، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ الْقَعْنَبِيِّ، وَمُسَدَّدِ بْنِ مُسَرْهَدٍ، وَغَيْرِ وَاحِدٍ، وَرَوَى عَنْهُ ابْنُهُ الْفَقِيهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ دَاوُدَ، وَزَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى السَّاجِيُّ. قَالَ الْخَطِيبُ: كَانَ فَقِيهًا زَاهِدًا وَفِي كُتُبِهِ حَدِيثٌ كَثِيرٌ، وَالرِّوَايَةُ عَنْهُ عَزِيزَةٌ جِدًّا، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِبَغْدَادَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ فِي سَنَةِ مِائَتَيْنِ، وَقِيلَ: فِي سَنَةِ ثِنْتَيْنِ وَمِائَتَيْنِ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ فِي «طَبَقَاتِهِ» أَنَّ أَصْلَهُ مِنْ أَصْبَهَانَ وَوُلِدَ بِالْكُوفَةِ، وَنَشَأَ بِبَغْدَادَ وَأَنَّهُ انْتَهَتْ إِلَيْهِ رِيَاسَةُ الْعِلْمِ بِهَا، وَكَانَ يَحْضُرُ مَجْلِسَهُ أَرْبَعُمِائَةِ صَاحِبِ

стр. 8939

طَيْلَسَانٍ أَخْضَرَ، وَكَانَ مِنَ الْمُتَعَصِّبِينَ لِلشَّافِعِيِّ، وَصَنَّفَ مَنَاقِبَهُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: كَانَ حَسَنَ الصَّلَاةِ وَالتَّوَاضُعِ. وَقَدْ قَالَ الْأَزْدِيُّ: تُرِكَ حَدِيثُهُ. وَلَمْ يُتَابَعِ الْأَزْدِيُّ عَلَى ذَلِكَ. لَكِنْ رُوِيَ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ تَكَلَّمَ فِيهِ بِسَبَبِ كَلَامِهِ فِي الْقُرْآنِ، وَأَنَّ لَفْظَهُ بِهِ مَخْلُوقٌ، كَمَا نُسِبَ إِلَى الْإِمَامِ الْبُخَارِيِّ، ﵀. قُلْتُ: وَقَدْ كَانَ مِنَ الْفُقَهَاءِ الْمَشْهُورِينَ، وَلَكِنْ حَصَرَ نَفْسَهُ بِنَفْيِهِ الْقِيَاسَ الصَّحِيحَ، فَضَاقَ بِذَلِكَ ذَرْعُهُ فِي أَمَاكِنَ كَثِيرَةٍ مِنَ الْفِقْهِ، فَلَزِمَهُ الْقَوْلُ بِأَشْيَاءَ قَطْعِيَّةٍ صَارَ إِلَيْهَا بِسَبَبِ اتِّبَاعِهِ الظَّاهِرَ الْمُجَرَّدَ مِنْ غَيْرِ تَفَهُّمٍ لِمَعْنَى النَّصِّ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ الْقِيَاسِيُّونَ بَعْدَهُ فِي الِاعْتِدَادِ بِخِلَافِهِ، وَأَنَّهُ هَلْ يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ بِدُونِهِ مَعَ خِلَافِهِ أَمْ لَا؟ عَلَى أَقْوَالٍ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ بَسْطِهَا. وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا: الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُرَادِيُّ. صَاحِبُ الشَّافِعِيِّ وَقَدْ تَرْجَمْنَاهُ فِي «طَبَقَاتِ الشَّافِعِيَّةِ» وَالْقَاضِي بَكَّارُ بْنُ قُتَيْبَةَ. الْحَاكِمُ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ مِنْ سَنَةِ سِتٍّ

стр. 8940

وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ مَسْجُونًا فِي حَبْسِ أَحْمَدَ بْنِ طُولُونَ; لِكَوْنِهِ لَمْ يَخْلَعِ الْمُوَفَّقَ فِي سَنَةِ سَبْعِينَ، وَكَانَ عَالِمًا عَابِدًا زَاهِدًا كَثِيرَ التِّلَاوَةِ وَالْمُحَاسَبَةِ لِنَفْسِهِ، وَقَدْ شَغَرَ مَنْصِبُ الْقَضَاءِ بَعْدَهُ بِمِصْرَ ثَلَاثَ سِنِينَ وَقَدْ بَسَطَ ابْنُ خَلِّكَانَ تَرْجَمَتَهُ فِي الْوَفَيَاتِ. ابْنُ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ قَاضِيهَا، النَّحْوِيُّ اللُّغَوِيُّ صَاحِبُ الْمُصَنَّفَاتِ الْبَدِيعَةِ الْمُفِيدَةِ الْمُحْتَوِيَةِ عَلَى عُلُومٍ جَمَّةٍ نَافِعَةٍ، اشْتَغَلَ بِبَغْدَادَ، وَسَمِعَ بِهَا الْحَدِيثَ عَلَى إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ وَطَبَقَتِهِ، وَأَخَذَ اللُّغَةَ عَنْ أَبِي حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيِّ وَذَوِيهِ، وَصَنَّفَ وَجَمَعَ وَأَلَّفَ الْكُتُبَ الْكَثِيرَةَ; فَمِنْ ذَلِكَ كِتَابُ «الْمَعَارِفِ» «وَأَدَبُ الْكَاتِبِ» الَّذِي شَرَحَهُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ السَّيِّدِ الْبَطْلَيُوسِيُّ، وَكِتَابُ «مُشْكِلِ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ»، «وَغَرِيبُ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ»، «وَعُيُونُ الْأَخْبَارِ»، «وَإِصْلَاحُ الْغَلَطِ»، وَكِتَابُ «الْخَيْلِ»، وَكِتَابُ «الْأَنْوَاءِ»، وَكِتَابُ «الْمَسَائِلِ وَالْجَوَابَاتِ»، وَكِتَابُ «الْمَيْسِرِ وَالْقِدَاحِ»، وَغَيْرُ ذَلِكَ. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقِيلَ: فِي الَّتِي بَعْدَهَا. وَمَوْلِدُهُ فِي سَنَةِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ، وَلَمْ يُجَاوِزِ السِّتِّينَ، وَرَوَى عَنْهُ وَلَدُهُ أَحْمَدُ جَمِيعَ

стр. 8941

مُصَنَّفَاتِهِ. وَقَدْ وَلِيَ وَلَدُهُ أَحْمَدُ قَضَاءَ مِصْرَ سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ. وَتُوُفِّيَ بِهَا بَعْدَ سَنَةٍ، ﵀. وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ جَعْفَرٍ الصَّاغَانِيُّ. وَمُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ وَارَةَ. وَمُصَعَبُ بْنُ أَحْمَدَ أَبُو أَحْمَدَ الصُّوفِيُّ. وَكَانَ مِنْ أَقْرَانِ الْجُنَيْدِ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ مَلِكُ الرُّومِ ابْنُ الصَّقْلَبِيَّةِ، لَعَنَهُ اللَّهُ. وَفِيهَا ابْتَدَأَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى بِبِنَاءِ مَدِينَةِ لَارِدَةَ مِنْ بِلَادِ الْأَنْدَلُسِ.

стр. 8942

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ فِيهَا عَزَلَ الْخَلِيفَةُ عَمْرَو بْنَ اللَّيْثِ عَنْ وِلَايَةِ خُرَاسَانَ وَأَمَرَ بِلَعْنِهِ عَلَى الْمَنَابِرِ، وَفَوَّضَ أَمْرَ خُرَاسَانَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ، وَبَعَثَ جَيْشًا إِلَى عَمْرِو بْنِ اللَّيْثِ فَهُزِمَ عَمْرٌو. وَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةٌ بَيْنَ أَبِي الْعَبَّاسِ الْمُعْتَضِدِ ابْنِ الْمُوَفَّقِ أَبِي أَحْمَدَ وَبَيْنَ خُمَارَوَيْهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ طُولُونَ; وَذَلِكَ أَنَّ خُمَارَوَيْهِ لَمَّا مَلَكَ بَعْدَ أَبِيهِ بِلَادَ مِصْرَ وَالشَّامِ جَاءَهُ جَيْشٌ مِنْ جِهَةِ الْخَلِيفَةِ، عَلَيْهِمْ إِسْحَاقُ بْنُ كِنْدَاجَ نَائِبُ الْجَزِيرَةِ وَابْنُ أَبِي السَّاجِ فَقَاتَلُوهُ بِأَرْضِ شَيْرَزَ، فَامْتَنَعَ مِنْ تَسْلِيمِ الشَّامِ إِلَيْهِمْ، فَاسْتَنْجَدُوا بِأَبِي الْعَبَّاسِ ابْنِ الْمُوَفَّقِ، فَقَدِمَ إِلَيْهِمْ فَكَسَرَ جَيْشَ خُمَارَوَيْهِ بْنِ أَحْمَدَ، وَتَسَلَّمَ دِمَشْقَ وَاحْتَازَهَا، ثُمَّ سَارَ نَحْوَ خُمَارَوَيْهِ إِلَى بِلَادِ الرَّمْلَةِ عِنْدَ مَاءٍ عَلَيْهِ طَوَاحِينُ، فَاقْتَتَلُوا هُنَالِكَ، فَبِذَلِكَ تُسَمَّى هَذِهِ وَقْعَةَ الطَّوَاحِينِ، ثُمَّ كَانَتِ النَّوْبَةُ أَوَّلًا لِأَبِي الْعَبَّاسِ عَلَى خُمَارَوَيْهِ، فَهَزَمَهُ حَتَّى هَرَبَ خُمَارَوَيْهِ، لَا يَلْوِي عَلَى شَيْءٍ، فَلَمْ يَرْجِعْ حَتَّى دَخَلَ الدِّيَارَ الْمِصْرِيَّةَ، فَأَقْبَلَ أَبُو الْعَبَّاسِ وَأَصْحَابُهُ عَلَى نَهْبِ مُعَسْكَرِهِمْ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ أَقْبَلَ كَمِينٌ لِجَيْشِ خُمَارَوَيْهِ وَهُمْ مَشْغُولُونَ بِالْغَنِيمَةِ فَوَضَعَتِ الْمِصْرِيُّونَ فِيهِمُ السُّيُوفَ، فَقُتِلَ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَانْهَزَمَ

стр. 8943

الْجَيْشُ، وَهَرَبَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْمُعْتَضِدُ، فَلَمْ يَرْجِعْ حَتَّى وَصَلَ إِلَى دِمَشْقَ فَلَمْ يَفْتَحْ لَهُ أَهْلُهَا بَابَهَا، فَانْصَرَفَ حَتَّى وَصَلَ إِلَى طَرَسُوسَ وَبَقِيَ الْجَيْشَانِ الْمِصْرِيُّ وَالْعِرَاقِيُّ يَقْتَتِلَانِ، وَلَيْسَ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَمِيرٌ. ثُمَّ كَانَ الظَّفَرُ لِلْمِصْرِيِّينَ; لِأَنَّهُمْ أَقَامُوا أَبَا الْعَشَائِرِ أَخَا خُمَارَوَيْهِ عَلَيْهِمْ أَمِيرًا، فَغَلَبُوا بِسَبَبِ ذَلِكَ، وَاسْتَقَرَّتْ أَيْدِيهِمْ عَلَى دِمَشْقَ وَسَائِرِ الشَّامِ وَهَذِهِ مِنْ أَعْجَبِ الْوَقَعَاتِ. وَفِيهَا جَرَتْ حُرُوبٌ كَثِيرَةٌ بِأَرْضِ الْأَنْدَلُسِ مِنْ بِلَادِ الْمَغْرِبِ. وَفِيهَا دَخَلَ إِلَى الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ مُحَمَّدٌ وَعَلِيٌّ ابْنَا الْحُسَيْنِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَقَتَلَا خَلْقًا كَثِيرًا مِنْ أَهْلِهَا، وَأَخَذَا أَمْوَالًا جَزِيلَةً، وَتَعَطَّلَتِ الصَّلَوَاتُ فِي الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ أَرْبَعَ جُمَعٍ لَمْ يَحْضُرِ النَّاسُ فِيهَا جُمْعَةً وَلَا جَمَاعَةً، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. وَجَرَتْ بِمَكَّةَ فِتْنَةٌ أُخْرَى وَاقْتَتَلَ النَّاسُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَيْضًا. وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ هَارُونُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ الْعَبَّاسِيُّ. وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: عَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ. تِلْمِيذُ ابْنِ مَعِينٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَئِمَّةِ الْجَرْحِ

стр. 8944

وَالتَّعْدِيلِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُورٍ الْبَصْرِيُّ. وَمُحَمَّدُ بْنُ حَمَّادٍ الطَّهْرَانِيُّ. وَمُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ. وَيُوسُفُ بْنُ مُسْلِمٍ. وَبُورَانُ بِنْتُ الْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ. زَوْجَةُ الْمَأْمُونِ وَيُقَالُ: إِنَّ اسْمَهَا خَدِيجَةُ، وَبُورَانُ لَقَبٌ لَهَا. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ. عَقَدَ عَلَيْهَا الْمَأْمُونُ بِفَمِ الصِّلْحِ سَنَةَ ثِنْتَيْنِ وَمِائَتَيْنِ، وَلَهَا عَشْرُ سِنِينَ، فَنَثَرَ أَبُوهَا عَلَى النَّاسِ يَوْمَئِذٍ بَنَادِقَ الْمِسْكِ، مَكْتُوبٌ فِي وَرَقَةٍ وَسَطَ كُلِّ بُنْدُقَةٍ اسْمَ قَرْيَةٍ، أَوْ مِلْكٍ، أَوْ جَارِيَةٍ، أَوْ غُلَامٍ، أَوْ فَرَسٍ، فَمَنِ الْتَقَطَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا مَلَكَهَ، وَنَثَرَ عَلَى عَامَّةِ النَّاسِ الدَّنَانِيرَ وَنَوَافِجَ

стр. 8945

الْمِسْكِ وَبِيصَ الْعَنْبَرِ، وَأَنْفَقَ عَلَى الْمَأْمُونِ وَعَسْكَرِهِ مُدَّةَ مُقَامِهِ تِلْكَ الْأَيَّامَ خَمْسِينَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ. فَلَمَّا تَرَحَّلَ الْمَأْمُونُ عَنْهُ أَطْلَقَ لَهُ عَشَرَةَ آلَافِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَأَقْطَعُهُ فَمَ الصِّلْحِ وَبَنَى بِهَا فِي سَنَةِ عَشْرٍ. فَلَمَّا جَلَسَ الْمَأْمُونُ فَرَشُوا لَهُ حَصِيرًا مَنْ ذَهَبٍ، وَنَثَرُوا عَلَى قَدَمَيْهِ أَلْفَ حَبَّةِ جَوْهَرٍ، وَهُنَاكَ تَوْرٌ مَنْ ذَهَبٍ فِيهِ شَمْعَةٌ مِنْ عَنْبَرٍ زِنَةُ أَرْبَعِينَ مَنًّا مِنْ عَنْبَرٍ، فَقَالَ: هَذَا سَرَفٌ. وَنَظَرَ إِلَى ذَلِكَ الْحَبِّ عَلَى الْحَصِيرِ فَقَالَ: قَاتَلَ اللَّهُ أَبَا نُوَاسٍ حَيْثُ يَقُولُ فِي صِفَةِ الْخَمْرِ: كَأَنَّ صُغْرَى وَكُبْرَى مِنْ فَوَاقِعِهَا … حَصْبَاءُ دُرٍّ عَلَى أَرْضٍ مِنَ الذَّهَبِ ثُمَّ أَمَرَ بِالدُّرِّ فَجُمِعَ فَوَضَعَهُ فِي حِجْرِهَا وَقَالَ: هَذَا نِحْلَةٌ مِنِّي لَكَ، وَسَلِي حَاجَتَكِ. فَقَالَتْ لَهَا جَدَّتُهَا: سَلِي سَيِّدَكِ فَقَدِ اسْتَنْطَقَكِ. فَقَالَتْ: أَسْأَلُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَرْضَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمَهْدِيِّ فَرَضِيَ عَنْهُ، ثُمَّ أَرَادَ الِاجْتِمَاعَ بِهَا فَإِذَا هِيَ حَائِضٌ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، ثُمَّ تُوُفِّيَ الْمَأْمُونُ فِي سَنَةِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ، وَتَأَخَّرَتْ هِيَ بَعْدَهُ حَتَّى كَانَتْ وَفَاتُهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَلَهَا ثَمَانُونَ سَنَةً.

стр. 8946

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ فِي جُمَادَى الْأُولَى مِنْهَا سَارَ نَائِبُ قَزْوِينَ وَهُوَ أَذْكُوتِكِينُ فِي أَرْبَعَةِ آلَافِ مُقَاتِلٍ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ الْعَلَوِيِّ صَاحِبِ طَبَرِسْتَانَ بَعْدَ أَخِيهِ الْحَسَنِ بْنِ زَيْدٍ وَهُوَ بِالرِّيِّ، فِي جَيْشٍ عَظِيمٍ مِنَ الدَّيْلَمِ وَغَيْرِهِمْ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا فَهَزَمَهُ أَذْكُوتِكِينُ وَغَنِمَ مَا فِي مُعَسْكَرِهِ، وَقَتَلَ مِنْ أَصْحَابِهِ سِتَّةَ آلَافٍ، وَدَخَلَ الرَّىَّ فَأَخَذَ مِنْ أَهْلِهَا مِائَةَ أَلْفِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَفَرَّقَ عُمَّالَهُ فِي نُوَاحِي الرَّىِّ. وَفِيهَا وَقَعَ بَيْنَ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ الْمُوَفَّقِ وَبَيْنَ صَاحِبِ ثَغْرِ طَرَسُوسَ - وَهُوَ يَازْمَانُ الْخَادِمُ - فَثَارَ أَهْلُ طَرَسُوسَ عَلَى أَبِي الْعَبَّاسِ فَأَخْرَجُوهُ عَنْهُمْ، فَرَجَعَ إِلَى بَغْدَادَ. وَفِيهَا دَخَلَ حَمْدَانُ بْنُ حَمْدُونَ وَهَارُونُ الشَّارِي مَدِينَةَ الْمَوْصِلِ وَصَلَّى بِهِمُ الشَّارِي فِي جَامِعِهَا الْأَعْظَمِ. وَفِيهَا عَاثَتْ بَنُو شَيْبَانَ فِي أَرْضِ الْمَوْصِلِ وَسَعَوْا فِي الْأَرْضِ فَسَادًا. وَفِيهَا تَحَرَّكَتْ بَقِيَّةُ الزَّنْجِ فِي أَرْضِ الْبَصْرَةِ وَنَادَوْا: يَا أَنْكِلَايُ، يَا مَنْصُورُ.

стр. 8947

وَكَانَ أَنْكِلَايُ ابْنُ صَاحِبِ الزَّنْجِ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ جَامِعٍ، وَأَبَانُ بْنُ عَلِيٍّ الْمُهَلَّبِيُّ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ وُجُوهِ أُمَرَائِهِمْ فِي حَبْسِ الْمُوَفَّقِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ، فَقُتِلُوا وَحُمِلَتْ رُءُوسُهُمْ إِلَيْهِ وَصُلِبَتْ أَبْدَانُهُمْ بِبَغْدَادَ، وَسَكَنَتِ الشُّرُورُ. وَفِيهَا صَلُحَ أَمْرُ الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَتَرَاجَعَ النَّاسُ إِلَيْهَا، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَفِيهَا جَرَتْ حُرُوبٌ كَثِيرَةٌ بِبِلَادِ الْأَنْدَلُسِ، وَتَسَلَّمَتِ الرُّومُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بَلَدَيْنِ عَظِيمَيْنِ مِنَ الْأَنْدَلُسِ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. وَفِيهَا قَدِمَ صَاعِدُ بْنُ مُخَلَّدٍ الْكَاتِبُ مِنْ فَارِسَ إِلَى وَاسِطَ فَأَمَرَ الْمُوَفَّقُ الْقُوَّادَ أَنْ يَتَلَقَّوْهُ، فَدَخَلَ فِي أُبَّهَةٍ عَظِيمَةٍ، وَلَكِنْ ظَهَرَ مِنْهُ تِيهٌ وَعُجْبٌ شَدِيدٌ، فَأَمَرَ الْمُوَفَّقُ عَمَّا قَرِيبٍ بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ، وَعَلَى أَهْلِهِ وَأَمْوَالِهِ وَحَوَاصِلِهِ، وَاسْتَكْتَبَ مَكَانَهُ أَبَا الصَّقْرِ إِسْمَاعِيلَ بْنَ بُلْبُلٍ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا هَارُونُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ الْعَبَّاسِيُّ، أَمِيرُ الْحَجِّ مُنْذُ دَهْرٍ. وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْوَلِيدِ الْجَشَّاشُ. وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُطَارِدٍ الْعُطَارِدِيُّ التَّمِيمِيُّ، رَاوِي السِّيرَةِ عَنْ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ

стр. 8948

بْنِ يَسَارٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَأَبُو عُتْبَةَ الْحِجَازِيُّ. وَسُلَيْمَانُ بْنُ سَيْفٍ. وَسُلَيْمَانُ بْنُ وَهْبٍ الْوَزِيرُ، فِي حَبْسِ الْمُوَفَّقِ. وَشُعَيْبُ بْنُ بَكَّارٍ، يَرْوِي عَنْ أَبِي عَاصِمٍ النَّبِيلِ. وَمُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْمَاطِيُّ، وَيُلَقَّبُ بِكِيلَجَةَ، وَهُوَ مِنْ تَلَامِيذِ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْفَرَّاءُ. وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمُنَادِي. وَمُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الْحِمْصِيُّ. وَأَبُو مَعْشَرٍ الْمُنَجِّمُ. وَاسْمُهُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَلْخِيُّ، أُسْتَاذُ عَصْرِهِ فِي صِنَاعَةِ التَّنْجِيمِ، وَلَهُ فِيهِ التَّصَانِيفُ الْمَشْهُورَةُ، كَ «الْمَدْخَلِ»، وَ «الزِّيجِ»، وَ «الْأُلُوفِ» وَغَيْرِهَا، وَتَكَلَّمَ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّسْيِيرِ وَكَذَلِكَ بِالْأَحْكَامِ.

стр. 8949

قَالَ الْقَاضِي ابْنُ خَلِّكَانَ وَلَهُ إِصَابَاتٌ عَجِيبَةٌ. ثُمَّ حَكَى أَنَّ بَعْضَ الْمُلُوكِ تَطَلَّبَ رَجُلًا، فَذَهَبَ ذَلِكَ الرَّجُلُ فَاخْتَفَى وَخَافَ مِنْ أَبِي مَعْشَرٍ الْمُنَجِّمِ أَنْ يَدُلَّ عَلَيْهِ الْمَلِكَ بِصَنْعَتِهِ، فَعَمَدَ إِلَى طَسْتٍ فَمَلَأَهُ دِمَاءً، وَوَضَعَ أَسْفَلَهُ هَاوَنًا وَجَلَسَ عَلَى ذَلِكَ الْهَاوَنِ، فَاسْتَدْعَى الْمَلِكُ أَبَا مَعْشَرٍ، فَضَرَبَ رَمْلَهُ وَحَرَّرَ أَمْرَهُ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا عَجِيبٌ! أَجِدُ هَذَا الرَّجُلَ جَالِسًا عَلَى جَبَلٍ مِنْ ذَهَبٍ فِي وَسَطِ بَحْرٍ مِنْ دَمٍ، وَلَكِنْ لَيْسَ هَذَا فِي الدُّنْيَا. ثُمَّ أَعَادَ الضَّرْبَ فَوَجَدَهُ كَذَلِكَ، فَتَعَجَّبَ الْمَلِكُ أَيْضًا، وَنَادَى فِي الْبَلَدِ بِأَمَانِ الْمَذْكُورِ، فَلَمَّا مَثُلَ بَيْنَ يَدَيِ الْمَلِكِ سَأَلَهُ أَيْنَ اخْتَفَى؟ فَأَخْبَرَهُ بِأَمْرِهِ، فَتَعَجَّبَ النَّاسُ مِنْ ذَلِكَ. قُلْتُ: وَالظَّاهِرُ أَنِ الَّذِي يُنْسَبُ إِلَى جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ مِنْ عِلْمِ الرَّجَزِ، وَالطُّرَفِ، وَاخْتِلَاجِ الْأَعْضَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، إِنَّمَا هُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ هَذَا، وَلَيْسَ بِالصَّادِقِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 8950

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ وَفِيهَا وَقَعَ بَيْنَ إِسْحَاقَ بْنِ كِنْدَاجَ نَائِبِ الْمَوْصِلِ وَالْجَزِيرَةِ وَبَيْنَ صَاحِبِهِ ابْنِ أَبِي السَّاجِ نَائِبِ قِنَّسْرِينَ وَغَيْرِهَا بَعْدَمَا كَانَا مُتَّفِقَيْنِ، وَكَاتَبَ ابْنُ أَبِي السَّاجِ خُمَارَوَيْهِ صَاحِبَ مِصْرَ، وَخَطَبَ لَهُ بِبِلَادِهِ، وَقَدِمَ خُمَارَوَيْهِ إِلَى الشَّامِ فَاجْتَمَعَ بِهِ ابْنُ أَبِي السَّاجِ، ثُمَّ سَارَ إِلَى إِسْحَاقَ بْنِ كِنْدَاجَ فَتَوَاقَعَا، فَانْهَزَمَ ابْنُ كِنْدَاجَ، وَهَرَبَ إِلَى قَلْعَةِ مَارْدِينَ فَحَاصَرَهُ بِهَا، ثُمَّ ظَهَرَ أَمْرُ ابْنِ أَبِي السَّاجِ، وَاسْتَحْوَذَ عَلَى الْمَوْصِلِ وَبِلَادِ الْجَزِيرَةِ وَخَطَبَ بِهَا لِخُمَارَوَيْهِ، وَاسْتَفْحَلَ أَمْرُهُ جِدًّا. وَفِيهَا قَبَضَ الْمُوَفَّقُ عَلَى لُؤْلُؤٍ غُلَامِ ابْنِ طُولُونَ، وَصَادَرَهُ بِأَرْبَعِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَسَجَنَهُ، فَكَانَ يَقُولُ: لَيْسَ لِي ذَنْبٌ إِلَّا كَثْرَةُ مَالِي. ثُمَّ أُخْرِجَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ السِّجْنِ وَهُوَ فَقِيرٌ ذَلِيلٌ، فَعَادَ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ فِي أَيَّامِ هَارُونَ بْنِ خُمَارَوَيْهِ، وَمَعَهُ غُلَامٌ وَاحِدٌ. وَهَذَا جَزَاءُ كُفْرِ نِعْمَةِ سَيِّدِهِ عَلَيْهِ. وَفِيهَا عَدَا أَوْلَادُ مَلِكِ الرُّومِ عَلَى أَبِيهِمْ فَقَتَلُوهُ، وَتَمَلَّكَ بَعْدَهُ أَحَدُ أَوْلَادِهِ. وَفِيهَا كَانَتْ وَفَاةُ:

стр. 8951

مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَكَمِ الْأُمَوِيِّ. صَاحِبِ الْأَنْدَلُسِ عَنْ خَمْسٍ وَسِتِّينَ سَنَةً، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً وَأَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ أَبْيَضَ مُشْرَبًا بِحُمْرَةٍ، رَبْعَةً أَوْقَصَ، يَخْضِبُ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ، وَكَانَ عَاقِلًا لَبِيبًا، وَكَانَ يُدْرِكُ الْأَشْيَاءَ الْمُشْتَبِهَةَ، وَخَلَّفَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ ذَكَرًا، وَقَامَ بِالْأَمْرِ بَعْدَهُ وَلَدُهُ الْمُنْذِرُ، فَأَحْسَنَ إِلَى النَّاسِ فَأَحَبُّوهُ. وَفِيهَا كَانَتْ وَفَاةُ: خَالِدِ بْنِ أَحْمَدَ أَبِي الْهَيْثَمِ الذُّهْلِيِّ. الَّذِي كَانَ أَمِيرَ خُرَاسَانَ فِي حَبْسِ الْمُعْتَمِدِ عَلَى اللَّهِ وَهَذَا الرَّجُلُ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الْبُخَارِيَّ مِنْ بُخَارَى، فَدَعَا عَلَيْهِ، فَلَمْ يُفْلِحْ بَعْدَهَا، وَلَمْ يَبْقَ فِي الْإِمْرَةِ إِلَّا أَقَلَّ مِنْ شَهْرٍ حَتَّى احْتِيطَ عَلَيْهِ وَعَلَى أَمْوَالِهِ وَحَوَاصِلِهِ، وَأُرْكِبَ حِمَارًا وَنُودِيَ عَلَيْهِ فِي بَلَدِهِ، ثُمَّ سُجِنَ، فَمَاتَ فِيهِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَهَذَا جَزَاءُ مَنْ تَعَرَّضَ لِأَهْلِ السُّنَّةِ وَأَئِمَّةِ الْحَدِيثِ. وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا - أَيْضًا - مِنَ الْأَعْيَانِ: إِسْحَاقُ بْنُ سَيَّارٍ. وَحَنْبَلُ بْنُ

стр. 8952

إِسْحَاقَ، ابْنُ عَمِّ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَأَحَدُ الرُّوَاةِ الْمَشْهُورِينَ عَنْهُ، عَلَى أَنَّهُ قَدِ اتُّهِمَ فِي بَعْضِ مَا يَرْوِيهِ وَيَحْكِيهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَبُو أُمَيَّةَ الطَّرَسُوسِيُّ. وَالْفَتْحُ بْنُ شُخْرُفٍ، أَحَدُ مَشَايِخِ الصُّوفِيَّةِ ذَوِي الْأَحْوَالِ وَالْكَرَامَاتِ وَالْمَقَامَاتِ وَالْكَلِمَاتِ النَّافِعَاتِ، وَوَهِمَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي قَوْلِهِ فِي «كَامِلِهِ»: إِنَّ أَبَا دَاوُدَ صَاحِبَ «السُّنَنِ» تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، بَلْ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ، كَمَا سَيَأْتِي. ابْنُ مَاجَهْ الْقَزْوِينِيُّ. صَاحِبُ «السُّنَنِ»، وَهُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، ابْنُ مَاجَهْ الْقَزْوِينِيُّ مَوْلَى رَبِيعَةَ، صَاحِبُ كِتَابِ «السُّنَنِ» الْمَشْهُورَةِ، وَهِيَ دَالَّةٌ عَلَى عَمَلِهِ وَعِلْمِهِ وَتَبَحُّرِهِ وَاطِّلَاعِهِ وَاتِّبَاعِهِ لِلسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ، وَيَشْتَمِلُ عَلَى اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ كِتَابًا، وَأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةِ بَابٍ، وَيَحْتَوِي عَلَى أَرْبَعَةِ آلَافِ حَدِيثٍ، كُلُّهَا جِيَادٌ سِوَى الْيَسِيرِ.

стр. 8953

وَقَدْ حُكِيَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ الرَّازِيِّ أَنَّهُ انْتَقَدَ مِنْهَا بِضْعَةَ عَشَرَ حَدِيثًا، رُبَّمَا يُقَالُ: إِنَّهَا مَوْضُوعَةٌ، أَوْ مُنْكَرَةٌ جِدًّا. وَلَهُ تَفْسِيرٌ حَافِلٌ وَتَارِيخٌ كَامِلٌ مِنْ لَدُنِ الصَّحَابَةِ إِلَى عَصْرِهِ. قَالَ أَبُو يَعْلَى الْخَلِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَلِيلِيُّ الْقَزْوِينِيُّ: أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ وَيَعْرِفُ يَزِيدُ بِمَاجَهْ مَوْلَى رَبِيعَةَ، عَالِمٌ بِهَذَا الشَّأْنِ، صَاحِبُ التَّصَانِيفِ فِي التَّارِيخِ، وَالسُّنَنِ، ارْتَحَلَ إِلَى الْعِرَاقَيْنِ وَمِصْرَ وَالشَّامِ. ثُمَّ ذَكَرَ طَرَفًا مِنْ مَشَايِخِهِ، وَقَدْ تَرْجَمْنَاهُمْ فِي كِتَابِنَا «التَّكْمِيلِ» وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. قَالَ: وَقَدْ رَوَى عَنْهُ الْكِبَارُ الْقُدَمَاءُ; ابْنُ سِيبَوَيْهِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الصَّفَّارُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَلَمَةَ الْقَطَّانُ، وَجَدِّي أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَزِيدَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: كَانَتْ وَفَاتُهُ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ، وَدُفِنَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ لِثَمَانٍ بَقِينَ مِنْ رَمَضَانَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ عَنْ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ سَنَةً وَصَلَّى عَلَيْهِ أَخُوهُ أَبُو بَكْرٍ، وَتَوَلَّى دَفْنَهُ مَعَ أَخِيهِ الْآخَرِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ، ﵀.

стр. 8954

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ فِيهَا نَشِبَتِ الْحَرْبُ بَيْنَ أَبِي أَحْمَدَ الْمُوَفَّقِ وَبَيْنَ عَمْرِو بْنِ اللَّيْثِ بِفَارِسَ، فَقَصَدَهُ أَبُو أَحْمَدَ، فَهَرَبَ مِنْهُ عَمْرٌو مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ، وَيَتْبَعُهُ، ثُمَّ لَمْ يَقَعْ بَيْنَهُمَا قِتَالٌ وَلَا مُوَاجَهَةٌ، وَقَدْ تَحَيَّزَ إِلَى أَبِي أَحْمَدَ الْمُوَفَّقِ مُقَدَّمُ جَيْشِ عَمْرِو بْنِ اللَّيْثِ، وَهُوَ أَبُو طَلْحَةَ شَرْكَبٌ الْجَمَّالُ، ثُمَّ أَرَادَ الْعَوْدَ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ أَبُو أَحْمَدَ الْمُوَفَّقُ، وَأَبَاحَ مَالَهُ لِوَلَدِهِ أَبِي الْعَبَّاسِ الْمُعْتَضِدِ، وَذَلِكَ بِالْقُرْبِ مِنْ شِيرَازَ. وَفِيهَا غَزَا يَازْمَانُ الْخَادِمُ - نَائِبُ طَرَسُوسَ - بِلَادَ الرُّومِ، فَأَوْغَلَ فِيهَا فَقَتَلَ وَغَنِمَ وَسَلِمَ. وَفِيهَا دَخَلَ صِدِّيقٌ الْفَرْغَانِيُّ سَامَرَّا، فَنَهَبَ دُورَ التُّجَّارِ بِهَا، وَكَرَّ رَاجِعًا، وَقَدْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ مِمَّنْ يَحْرُسُ الطُّرُقَاتِ، فَتَرَكَ ذَلِكَ وَأَقْبَلَ يَقْطَعُهَا وَضَعُفَ الْجُنْدُ بِسَامَرَّا عَنْ مُقَاوَمَتِهِ. وَمِمَّا تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى بْنِ الْأَصَمِّ، أَبُو إِسْحَاقَ، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي «الْمُنْتَظِمِ»: كَانَ حَافِظًا فَاضِلًا، رَوَى عَنْ حَرْمَلَةَ وَغَيْرِهِ، وَتُوُفِّيَ فِي جُمَادَى

стр. 8955

الْآخِرَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ زِيَادٍ، أَبُو يَعْقُوبَ الْمُقْرِئُ، حَدَّثَ عَنْ هُدْبَةَ، وَعَنْهُ ابْنُ مَخْلَدٍ. تُوُفِّيَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْهَا. أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ الصُّغْدِيُّ، يَرْوِي عَنْ آدَمَ بْنِ أَبِي إِيَاسٍ، وَأَبِي الْيَمَانِ، وَعَلِيِّ بْنِ الْجَعْدِ، وَعَنْهُ ابْنُ صَاعِدٍ وَابْنُ السَّمَاكِ، وَكَانَ ثِقَةً، تُوُفِّيَ فِي رَمَضَانَ مِنْهَا. الْحَسَنُ بْنُ مُكْرَمِ بْنِ حَسَّانَ بْنِ عَلِيٍّ الْبَزَّارُ، سَمِعَ عَفَّانَ، وَأَبَا النَّضْرِ، وَيَزِيدَ بْنَ هَارُونَ وَغَيْرَهُمْ، وَعَنْهُ الْمَحَامِلِيُّ، وَابْنُ مَخْلَدٍ النَّجَّادُ، وَكَانَ ثِقَةً. تُوُفِّيَ فِي رَمَضَانَ مِنْهَا عَنْ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً. خَلَفُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، أَبُو الْحُسَيْنِ الْوَاسِطِيُّ، الْمُلَقَّبُ بِكُرْدُوسٍ، رَوَى عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ وَغَيْرِهِ، وَعَنْهُ الْمَحَامِلِيُّ، وَابْنُ مَخْلَدٍ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ:

стр. 8956

صَدُوقٌ. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: ثِقَةٌ. تُوُفِّيَ فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْهَا وَقَدْ نَيَّفَ عَلَى الثَّمَانِينَ. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوْحِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَدَائِنِيُّ، الْمَعْرُوفُ بِعَبْدُوسٍ، رَوَى عَنْ شَبَابَةَ، وَيَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، وَعَنْهُ الْمَحَامِلِيُّ، وَابْنُ السَّمَّاكِ، وَأَبُو بَكْرٍ الشَّافِعِيُّ، وَكَانَ مِنَ الثِّقَاتِ. تُوُفِّيَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي سَعْدٍ، أَبُو مُحَمَّدٍ الْوَرَّاقُ، أَصْلُهُ مِنْ بِلْخَ وَسَكَنَ بَغْدَادَ رَوَى عَنْ سُرَيْجِ بْنِ يُونُسَ، وَعَفَّانَ، وَعَلِيِّ بْنِ الْجَعْدِ، وَغَيْرِهِمْ، وَعَنْهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا وَالْبَغَوِيُّ، وَالْمَحَامِلِيُّ، وَكَانَ ثِقَةً صَاحِبَ أَخْبَارٍ وَآدَابٍ وَمُلَحٍ، تُوُفِّيَ بِوَاسِطَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْهَا عَنْ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً. مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ زِيَادٍ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، وَقِيلَ: أَبُو بَكْرٍ الدُّولَابِيُّ، سَمِعَ أَبَا النَّضْرِ، وَأَبَا الْيَمَانِ، وَأَبَا مُسْهِرٍ، وَعَنْهُ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْمُنَادِي، وَمُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ، وَابْنُ السَّمَّاكِ، وَكَانَ ثِقَةً.

стр. 8957

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ فِي الْمُحَرَّمِ مِنْهَا وَقَعَ الْخِلَافُ بَيْنَ ابْنِ أَبِي السَّاجِ وَبَيْنَ خُمَارَوَيْهِ، فَاقْتَتَلَا عِنْدَ ثَنِيَّةِ الْعُقَابِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ فَغُلِبَ ابْنُ أَبِي السَّاجِ وَانْهَزَمَ، وَكَانَتْ حَوَاصِلُهُ بِحِمْصَ، فَبَعَثَ خُمَارَوَيْهِ مَنْ سَبَقَهُ إِلَيْهَا، فَأَخَذَهَا وَمَنَعَ مِنْهُ حِمْصَ فَذَهَبَ إِلَى حَلَبٍ فَمَنَعَهُ خُمَارَوَيْهِ، فَسَارَ إِلَى الرَّقَّةِ فَاتَّبَعَهُ، فَذَهَبَ إِلَى الْمَوْصِلِ ثُمَّ انْهَزَمَ مِنْهَا خَوْفًا مِنْ خُمَارَوَيْهِ وَوَصَلَ خُمَارَوَيْهِ إِلَى الْبَلَدِ، وَاتَّخَذَ لَهُ بِهَا سَرِيرًا طَوِيلَ الْقَوَائِمِ، وَكَانَ يَجْلِسُ عَلَيْهِ فِي الْفُرَاتِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ طَمِعَ فِيهِ إِسْحَاقُ بْنُ كِنْدَاجَ فَسَارَ وَرَاءَهُ; لِيَظْفَرَ مِنْهُ بِشَيْءٍ فَلَمْ يَقْدِرْ، وَقَدِ الْتَقَيَا فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ، فَصَبَرَ لَهُ ابْنُ أَبِي السَّاجِ صَبْرًا عَظِيمًا، فَسَلِمَ وَانْصَرَفَ إِلَى أَبِي أَحْمَدَ الْمُوَفَّقِ بِبَغْدَادَ، فَأَكْرَمَهُ وَخَلَعَ عَلَيْهِ وَاسْتَصْحَبَهُ مَعَهُ إِلَى الْجَبَلِ، وَرَجَعَ إِسْحَاقُ بْنُ كِنْدَاجَ إِلَى دِيَارِ بِكْرٍ وَمُضَرَ مِنَ الْجَزِيرَةِ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي شَوَّالٍ مِنْهَا سَجَنَ أَبُو أَحْمَدَ الْمُوَفَّقُ ابْنَهُ أَبَا الْعَبَّاسِ الْمُعْتَضِدَ فِي دَارِ الْإِمَارَةِ، وَكَانَ سَبَبَ ذَلِكَ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِالْمَسِيرِ إِلَى بَعْضِ الْوُجُوهِ، فَامْتَنَعَ أَنْ يَسِيرَ إِلَّا إِلَى الشَّامِ الَّتِي كَانَ عَمُّهُ الْمُعْتَمِدُ وَلَّاهُ إِيَّاهَا، فَغَضِبَ عَلَيْهِ وَأَمَرَ بِسَجْنِهِ، فَثَارَتِ الْأُمَرَاءُ وَاخْتَبَطَتْ بَغْدَادُ وَرَكِبَ الْمُوَفَّقُ إِلَى بَغْدَادَ وَقَالَ

стр. 8958

لِلنَّاسِ: أَتَظُنُّونَ أَنَّكُمْ أَشْفَقُ عَلَى وَلَدِي مِنِّي؟ فَسَكَنَ النَّاسُ عِنْدَ ذَلِكَ وَتَرَاجَعُوا إِلَى مَنَازِلِهِمْ، ثُمَّ أَفْرَجَ عَنْهُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ رَافِعٌ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ أَخِي الْحَسَنِ بْنِ زَيْدٍ الْعَلَوِيِّ، فَأَخَذَ مِنْهُ مَدِينَةَ جُرْجَانَ فَهَرَبَ مِنْهُ إِلَى أَسْتَرَابَاذَ فَحَصَرَهُ بِهَا سَنَتَيْنِ، فَغَلَا بِهَا السِّعْرُ حَتَّى بِيعَ الْمِلْحُ بِهَا وَزْنُ الدِّرْهَمِ بِدِرْهَمَيْنِ، فَهَرَبَ مُحَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ مِنْهَا لَيْلًا إِلَى سَارِيَةَ، ثُمَّ أَخَذَ مِنْهُ رَافِعٌ بِلَادًا كَثِيرَةً بَعْدَ ذَلِكَ فِي مُدَّةٍ مُتَطَاوِلَةٍ. وَفِي الْمُحَرَّمِ مِنْهَا - أَوْ فِي صِفْرٍ - كَانَتْ وَفَاةُ الْمُنْذِرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأُقْوِيِّ صَاحِبِ الْأَنْدَلُسِ عَنْ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً. وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ سَنَةً وَأَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا وَعَشَرَةَ أَيَّامٍ، وَكَانَ أَسْمَرَ طَوِيلًا، بِوَجْهِهِ أَثَرُ جُدَرِيٍّ، جَوَادًا مُمَدَّحًا، يُحِبُّ الشُّعَرَاءَ وَيَصِلُهُمْ بِمَالٍ كَثِيرٍ، وَخَلَّفَ مِنَ الْأَوْلَادِ سِتَّةَ ذُكُورٍ، وَقَامَ بِالْأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ أَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، فَامْتَلَأَتْ بِلَادُ الْأَنْدَلُسِ فِي أَيَّامِهِ فِتَنًا وَشُرُورًا حَتَّى هَلَكَ، كَمَا سَيَأْتِي. وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَجَّاجُ الْمَرُّوذِيُّ صَاحِبُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، كَانَ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْأَذْكِيَاءِ، وَكَانَ أَحْمَدُ يُقَدِّمُهُ عَلَى جَمِيعِ أَصْحَابِهِ وَيَأْنَسُ بِهِ

стр. 8959

وَيَبْعَثُهُ فِي الْحَاجَةِ وَيَقُولُ: قُلْ مَا شِئْتَ. وَهُوَ الَّذِي أَغْمَضَ الْإِمَامَ أَحْمَدَ وَكَانَ فِيمَنْ غَسَّلَهُ أَيْضًا، وَقَدْ نَقَلَ عَنْ أَحْمَدَ مَسَائِلَ كَثِيرَةً، وَحَصَلَتْ لَهُ رِفْعَةٌ عَظِيمَةٌ، شَيَّعَهُ إِلَى سَامَرَّا حِينَ أَرَادَ الْغَزْوَ خَمْسُونَ أَلْفًا. أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ غَالِبِ بْنِ خَالِدِ بْنِ مِرْدَاسٍ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَاهِلِيُّ الْبَصْرِيُّ، الْمَعْرُوفُ بِغُلَامِ خَلِيلٍ، سَكَنَ بَغْدَادَ وَرَوَى عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ الشَّاذَكُونِيِّ، وَشَيْبَانَ بْنِ فَرُّوخَ، وَقُرَّةَ بْنِ حَبِيبٍ وَغَيْرِهِمْ، وَعَنْهُ ابْنُ السَّمَّاكِ وَابْنُ مَخْلَدٍ وَغَيْرُهُمَا، وَقَدْ أَنْكَرَ عَلَيْهِ أَبُو حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ أَحَادِيثَ رَوَاهَا مُنْكَرَةً عَنْ شُيُوخٍ مَجْهُولِينَ، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: وَلَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَفْتَعِلُ الْحَدِيثَ، كَانَ رَجُلًا صَالِحًا. وَكَذَّبَهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَرَوَى ابْنُ عَدِيٍّ عَنْهُ أَنَّهُ اعْتَرَفَ بِوَضْعِ الْحَدِيثِ لِيُرَقِّقَ بِهِ قُلُوبَ النَّاسِ. وَكَانَ عَابِدًا زَاهِدًا يَقْتَاتُ الْبَاقِلَاءَ الصِّرْفَ، وَحِينَ مَاتَ أُغْلِقَتْ أَسْوَاقُ بَغْدَادَ وَحَضَرَ النَّاسُ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ، ثُمَّ حُمِلَ فِي زَوْرَقٍ إِلَى الْبَصْرَةِ فَدُفِنَ بِهَا، وَكَانَ ذَلِكَ فِي رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. وَأَحْمَدُ بْنُ مُلَاعِبٍ، رَوَى عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ وَغَيْرِهِ، وَكَانَ ثِقَةً دَيِّنًا عَالِمًا فَاضِلًا، انْتَشَرَ بِهِ عِلْمٌ كَثِيرٌ مِنَ الْحَدِيثِ.

стр. 8960

وَأَبُو سَعِيدٍ الْحَسَنُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السُّكَّرِيُّ النَّحْوِيُّ اللُّغَوِيُّ، صَاحِبُ التَّصَانِيفِ. وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَانِئٍ، أَبُو يَعْقُوبَ النَّيْسَابُورِيُّ، كَانَ مِنْ أَخِصَّاءِ أَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَعِنْدَهُ اخْتَفَى فِي زَمَنِ الْمِحْنَةِ. وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ التَّمِيمِيُّ الْعَطَّارُ الْمَوْصِلِيُّ، قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: كَانَ كَثِيرَ الْحَدِيثِ مُعَدَّلًا عِنْدَ الْحُكَّامِ. وَيَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ. وَأَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ: صَاحِبُ «السُّنَنِ»، وَهُوَ سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ بَشِيرِ بْنِ شَدَّادِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عِمْرَانَ، أَبُو دَاوُدَ الْأَزْدِيُّ السِّجِسْتَانِيُّ، أَحَدُ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ الرَّحَّالِينَ الْجَوَّالِينَ فِي الْآفَاقِ وَالْأَقَالِيمِ، جَمَعَ وَصَنَّفَ وَخَرَّجَ وَأَلَّفَ، وَسَمِعَ الْكَثِيرَ عَنْ مَشَايِخِ الْبُلْدَانِ فِي الشَّامِ وَمِصْرَ وَالْجَزِيرَةِ وَالْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَلَهُ «السُّنَنُ» الْمَشْهُورَةُ الْمُتَدَاوَلَةُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، الَّتِي قَالَ فِيهَا أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ: يَكْفِي الْمُجْتَهِدَ مَعْرِفَتُهَا مِنَ الْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ. وَحَدَّثَ عَنْهُ جَمَاعَةٌ; مِنْهُمُ ابْنُهُ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ، وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ

стр. 8961

سَلْمَانَ النَّجَّادُ، وَهُوَ آخِرُ مَنْ رَوَى عَنْهُ فِي الدُّنْيَا. سَكَنَ أَبُو دَاوُدَ الْبَصْرَةَ وَقَدِمَ بَغْدَادَ غَيْرَ مَرَّةٍ وَحَدَّثَ بِكِتَابِهِ «السُّنَنِ» بِهَا، وَيُقَالُ: إِنَّهُ صَنَّفَهُ بِهَا، وَعَرَضَهُ عَلَى الْإِمَامِ أَحْمَدَ فَاسْتَجَادَهُ وَاسْتَحْسَنَهُ. وَقَالَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْقَارِيُّ الدِّينَوَرِيُّ، بِلَفْظِهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْحُسَيْنِ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ الْفَرْضِيَّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ دَاسَهْ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا دَاوُدَ يَقُولُ: كَتَبْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَمْسَمِائَةِ أَلْفِ حَدِيثٍ، انْتَخَبْتُ مِنْهَا مَا ضَمَّنْتُهُ هَذَا الْكِتَابَ - يَعْنِي كِتَابَ «السُّنَنِ» - جَمَعْتُ فِيهِ أَرْبَعَةَ آلَافٍ وَثَمَانِمِائَةِ حَدِيثٍ; ذَكَرْتُ الصَّحِيحَ وَمَا يُشْبِهُهُ وَيُقَارِبُهُ، وَيَكْفِي الْإِنْسَانَ لِدِينِهِ مِنْ ذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَحَادِيثَ; أَحَدُهَا: قَوْلُهُ ﵇ الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَالثَّانِي: قَوْلُهُ مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ وَالثَّالِثُ: قَوْلُهُ لَا يَكُونُ الْمُؤْمِنُ مُؤْمِنًا حَتَّى يَرْضَى لِأَخِيهِ مَا يَرْضَى لِنَفْسِهِ وَالرَّابِعُ: قَوْلُهُ الْحَلَّالُ بَيِّنٌ، وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَ ذَلِكَ أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ وَحُدِّثْتُ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جَعْفَرٍ الْحَنْبَلِيِّ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الْخَلَّالَ قَالَ: أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ السِّجِسْتَانِيُّ

стр. 8962

الْإِمَامُ الْمُقَدَّمُ فِي زَمَانِهِ رَجُلٌ لَمْ يَسْبِقْهُ إِلَى مَعْرِفَتِهِ تَخْرِيجَ الْعُلُومِ وَبَصَرِهِ بِمَوَاضِعِهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ زَمَانِهِ، رَجُلٌ وَرِعٌ مُقَدَّمٌ، قَدْ سَمِعَ مِنْهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ حَدِيثًا وَاحِدًا كَانَ أَبُو دَاوُدَ يَذْكُرُهُ، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ الْأَصْبَهَانِيُّ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ صَدَقَةَ يَرْفَعُونَ مِنْ قَدْرِهِ وَيَذْكُرُونَهُ بِمَا لَا يَذْكُرُونَ أَحَدًا فِي زَمَانِهِ مِثْلَهُ. قُلْتُ: الْحَدِيثُ الَّذِي كَتَبَهُ عَنْهُ وَسَمِعَهُ مِنْهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ هُوَ مَا رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَبِي الْعُشَرَاءِ الدَّارِمِيِّ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنِ الْعَتِيرَةِ، فَحَسَّنَهَا». وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ وَغَيْرُهُ: أُلِينَ لِأَبِي دَاوُدَ الْحَدِيثُ كَمَا أُلِينَ لِدَاودَ الْحَدِيدُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: كَانَ أَحَدَ حُفَّاظِ الْإِسْلَامِ لِلْحَدِيثِ وَعِلَلِهِ وَسَنَدِهِ، فِي أَعْلَى دَرَجَةِ النُّسُكِ وَالْعَفَافِ وَالصَّلَاحِ وَالْوَرَعِ، مِنْ فُرْسَانِ الْحَدِيثِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يُشَبَّهُ بِالنَّبِيِّ ﷺ . فِي هَدْيِهِ وَدَلِّهِ وَسَمْتِهِ، وَكَانَ عَلْقَمَةُ يُشْبِهُهُ، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ يُشْبِهُ عَلْقَمَةَ، وَكَانَ مَنْصُورٌ يُشْبِهُ إِبْرَاهِيمَ، وَكَانَ سُفْيَانُ يُشْبِهُ مَنْصُورًا، وَكَانَ وَكِيعٌ يُشْبِهُ سُفْيَانَ، وَكَانَ أَحْمَدُ يُشْبِهُ وَكِيعًا، وَكَانَ أَبُو دَاوُدَ يُشْبِهُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ.

стр. 8963

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ: كَانَ لِأَبِي دَاوُدَ كُمٌّ وَاسِعٌ وَكُمٌّ ضَيَّقٌ، فَقِيلَ لَهُ: مَا هَذَا يَرْحَمُكَ اللَّهُ؟ فَقَالَ: هَذَا الْوَاسِعُ لِلْكُتُبِ، وَالْآخَرُ لَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ. وَقَدْ كَانَ مَوْلِدُ أَبِي دَاوُدَ فِي سَنَةِ ثِنْتَيْنِ وَمِائَتَيْنِ، وَتُوُفِّيَ بِالْبَصْرَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِأَرْبَعَ عَشْرَةَ بَقِيَتْ مِنْ شَوَّالٍ سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ; عَنْ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً، وَدُفِنَ إِلَى جَانِبِ قَبْرِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ. وَقَدْ ذَكَرْنَا تَرْجَمَتَهُ فِي كتَابِنَا «التَّكْمِيلِ»، وَذَكَرْنَا ثَنَاءَ الْأَئِمَّةِ عَلَيْهِ. مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ أَبُو الْعَنْبَسِ الصَّيْمَرِيُّ الشَّاعِرُ، كَانَ مُجِيدًا فِي شِعْرِهِ، أَدِيبًا، كَثِيرَ الْمُلَحِ، وَكَانَ هَجَّاءً، وَمِنْ جَيِّدِ شِعْرِهِ قَوْلُهُ: كَمْ مَرِيضٌ قَدْ عَاشَ مِنْ بَعْدِ يَأْسٍ … بَعْدَ مَوْتِ الطَّبِيبِ وَالْعُوَّادِ قَدْ يُصَادُ الْقَطَا فَيَنْجُو سَلِيمًا … وَيَحُلُّ الْقَضَاءُ بِالصَّيَّادِ

стр. 8964

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ فِي الْمُحَرَّمِ مِنْهَا أُعِيدَ عَمْرُو بْنُ اللَّيْثِ إِلَى شُرْطَةِ بَغْدَادَ وَكُتِبَ اسْمُهُ عَلَى الْفُرُشِ وَالْمَقَاعِدِ وَالسُّتُورِ، ثُمَّ أُسْقِطَ اسْمُهُ فِي شَوَّالٍ مِنْهَا، وَعُزِلَ عَنْ ذَلِكَ وَوَلِيَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ طَاهِرٍ. وَفِيهَا وَلَّى الْمُوَفَّقُ ابْنَ أَبِي السَّاجِ نِيَابَةَ أَذْرَبِيجَانَ. وَفِيهَا قَصَدَ هَارُونُ الشَّارِي الْخَارِجِيُّ مَدِينَةَ الْمَوْصِلِ فَنَزَلَ شَرْقِيَّ دِجْلَتِهَا، فَحَاصَرَهَا، فَخَرَجَ إِلَيْهِ أَشْرَافُ أَهْلِهَا فَاسْتَأْمَنُوهُ فَأَمَّنَهُمْ، وَرَجَعَ عَنْهُمْ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ هَارُونُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَبَّاسِيُّ أَمِيرُ الْحَرَمَيْنِ وَالطَّائِفِ، وَلَمَّا رَجَعَ حُجَّاجُ الْيَمَنِ نَزَلُوا فِي بَعْضِ الْأَمَاكِنِ، فَجَاءَهُمْ سَيْلٌ فَلَمْ يَشْعُرُوا بِهِ حَتَّى غَرَّقَهُمْ كُلَّهُمْ، فَلَمْ يُفْلِتْ مِنْهُمْ أَحَدٌ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي «مُنْتَظَمِهِ» وَابْنُ الْأَثِيرِ فِي «كَامِلِهِ»، أَنَّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ انْفَرَجَ تَلٌّ فِي أَرْضِ الْبَصْرَةِ يُعْرَفُ بِتَلِّ بَنِيَ شَقِيقٍ عَنْ سَبْعَةِ أَقْبُرٍ فِي مِثْلِ الْحَوْضِ، وَفِيهِ سَبْعَةٌ، أَبْدَانُهُمْ صَحِيحَةٌ وَأَكْفَانُهُمْ، يَفُوحُ مِنْهُمْ رِيحُ الْمِسْكِ،

стр. 8965

أَحَدُهُمْ شَابٌّ لَهُ جُمَّةٌ وَعَلَى شَفَتَيْهِ بَلَلٌ كَأَنَّهُ قَدْ شَرِبَ مَاءً، وَكَأَنَّ عَيْنَيْهِ مُكَحَّلَتَانِ، وَبِهِ ضَرْبَةٌ فِي خَاصِرَتِهِ، وَأَرَادَ بَعْضُ مَنْ حَضَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ شَعْرِهِ شَيْئًا فَإِذَا هُوَ قَوِيٌ كَشَعْرِ الْحَيِّ. وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: أَحْمَدُ بْنُ حَازِمِ بْنِ أَبِي غَرْزَةَ، الْحَافِظُ صَاحِبُ «الْمُسْنَدِ» الْمَشْهُورِ، لَهُ حَدِيثٌ كَثِيرٌ وَرِوَايَةٌ عَالِيَةٌ. وَبَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ. أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْدَلُسِيُّ الْحَافِظُ الْكَبِيرُ، صَاحِبُ «الْمُسْنَدِ» الْمُبَوَّبِ عَلَى الْفِقْهِ، رَوَى فِيهِ عَنْ أَلْفٍ وَسِتِّمِائَةِ صَحَابِيٍّ، وَقَدْ فَضَّلَهُ ابْنُ حَزْمٍ عَلَى «مُسْنَدِ» الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَعِنْدِي فِي ذَلِكَ نَظَرٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ «مُسْنَدَ أَحْمَدَ» أَجْوَدُ مِنْهُ; فَإِنَّهُ لَيْسَ هُوَ بِبِلَادِهِمْ، وَلَا وَقَعَ لَهُمْ رِوَايَتُهُ، وَلَوِ اطَّلَعَ عَلَيْهِ وَوَقَفَ عَلَى مَا فِيهِ لِمَا فَضَّلَ عَلَيْهِ مُسْنَدًا مِنَ الْمُسْنَدَاتِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ بَقِيٌّ قَدْ سَمِعَ مِنْ أَحْمَدَ جَمِيعَ «الْمُسْنَدِ»، وَزَادَ عَلَيْهِ، كَمَا قَدْ يَسَّرَ اللَّهُ مِنَ الزِّيَادَاتِ الَّتِي أَلْحَقْنَاهَا بِ «مُسْنَدِ» الْإِمَامِ أَحْمَدَ. وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَقَدْ رَحَلَ بَقِيٌّ إِلَى الْعِرَاقِ، فَسَمِعَ مِنَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ بِالْعِرَاقِ
следующие страницы →