← История

История · id 4445

البداية والنهاية - ت التركي

ابن كثير

Полный текст (13 161 стр.). Показаны 9171–9210 · переход к 9176.

стр. 9171

ذَلِكَ، ثُمَّ أَظْهَرَ لَهُمْ أَنَّهُ قَدْ عَمِيَ، فَمَكَثَ حِينًا عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ أَظْهَرَ أَنَّهُ قَدْ زَمِنَ، وَكَانَ أَوَّلًا يُقَادُ إِلَى الْمَسْجِدِ ثُمَّ صَارَ يُحْمَلُ، فَمَكَثَ سَنَةً كَذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: إِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: سَيَرِدُ عَلَى هَذِهِ الْبَلْدَةِ رَجُلٌ صَالِحٌ يَكُونُ شِفَاؤُكَ عَلَى يَدَيْهِ، فَمَا كَانَ مِنْ قَرِيبٍ حَتَّى كَانَ الْوَقْتُ الَّذِي وَاعَدَهُ فِيهِ الْحَلَّاجُ، وَدَخَلَ الْحَلَّاجُ الْبَلْدَةَ مُخْتَفِيًا وَعَلَيْهِ ثِيَابُ صُوفٍ بِيضٌ فَلَزِمَ سَارِيَةً مِنَ الْمَسْجِدِ يَتَعَبَّدُ فِيهِ لَا يَلْتَفِتُ إِلَى أَحَدٍ، فَابْتَدَرَ النَّاسُ إِلَى ذَلِكَ الْمُتَعَامِي الْمُتَزَامِنِ، فَقِيلَ لَهُ: قَدِمَ رَجُلٌ صَالِحٌ فَهَلُمَّ إِلَيْهِ، فَحَمَلُوهُ حَتَّى وَضَعُوهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَكَلَّمَهُ فَعَرَفَهُ فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ إِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَنَامِ وَهُوَ يَقُولُ لِي كَذَا وَكَذَا، فَعَسَى أَنْ يَكُونَ أَنْتَ إِيَّاهُ. فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَدَعَا اللَّهَ ، وَالنَّاسُ حُضُورٌ مُتَكَاثِرُونَ يَنْظُرُونَ مَاذَا يَكُونُ مِنْ أَمْرِهِ، فَفَتَحَ الرَّجُلُ عَيْنَيْهِ وَقَامَ قَائِمًا عَلَى قَدَمَيْهِ، فَضَجَّ النَّاسُ وَعَظَّمُوا الْحَلَّاجَ تَعْظِيمًا زَائِدًا، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِحَقٍّ، فَأَقَامَ عِنْدَهُمْ مُدَّةً ثُمَّ خَرَجَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ، وَبَقِيَ ذَلِكَ الرَّجُلُ عِنْدَهُمْ عِدَّةَ شُهُورٍ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ مِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيَّ أَنْ رَدَّ عَلَيَّ بَصَرِي وَشَفَانِي وَيَنْبَغِي أَنْ أُجَاهِدَ فِي سَبِيلِهِ بِثَغْرِ طَرَسُوسَ فَعَزَمَ عَلَى ذَلِكَ فَجَمَعُوا لَهُ مِنْ بَيْنِهِمْ مَالًا جَزِيلًا أُلُوفًا مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، ثُمَّ وَدَّعَهُمْ وَوَدَّعُوهُ، فَذَهَبَ إِلَى الْحَلَّاجِ فَاقْتَسَمَا ذَلِكَ الْمَالَ. وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ قَالَ: كُنْتُ أَسْمَعُ أَنَّ الْحَلَّاجَ لَهُ أَحْوَالٌ وَكَرَامَاتٌ فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَخْتَبِرَهُ فَجِئْتُهُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ لِي: تَشَهَّ عَلَيَّ السَّاعَةَ شَيْئًا، فَقُلْتُ: أَشْتَهِي سَمَكًا طَرِيًّا، فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ فَغَابَ سَاعَةً ثُمَّ خَرَجَ وَمَعَهُ سَمَكَةٌ تَضْطَرِبُ

стр. 9172

وَرِجْلَاهُ عَلَيْهِمَا الطِّينُ، فَقَالَ: دَعَوْتُ اللَّهَ فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَ بِالْبَطَائِحِ لِآتِيَكَ بِهَذِهِ، فَخُصْتُ الْأَهْوَازَ وَهَذَا الطِّينُ مِنْهَا. فَقُلْتُ: إِنْ شِئْتَ أَدْخَلْتَنِي مَنْزِلَكَ لِأَكْشِفَ أَمْرَكَ فَإِنْ ظَهَرْتُ عَلَى شَيْءٍ وَإِلَّا آمَنْتُ بِكَ، فَقَالَ: ادْخُلْ، فَدَخَلْتُ فَلَمْ أَجِدْ فِي الْبَيْتِ مَنْفَذًا إِلَى غَيْرِهِ فَتَحَيَّرْتُ فِي أَمْرِهِ ثُمَّ نَظَرْتُ فَإِذَا تَأْزِيرٌ فَكَشَفْتُهُ فَإِذَا مِنَ وَرَائِهِ بَابٌ فَدَخَلْتُ فَخَرَجْتُ مِنْهُ إِلَى بُسْتَانٍ هَائِلٍ فِيهِ مِنْ سَائِرِ الثِّمَارِ الْجَدِيدَةِ وَالْمُعَتَّقَةِ قَدْ أُحْسِنُ إِبْقَاؤُهَا وَإِذَا أَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ مُعَدَّةٌ لِلْأَكْلِ وَإِذَا هُنَاكَ بِرْكَةٌ كَبِيرَةٌ فِيهَا سَمَكٌ كَثِيرٌ كِبَارٌ فَدَخَلْتُهَا فَأَخْرَجْتُ مِنْهَا وَاحِدَةً، فَنَالَ رِجْلِي مِنَ الطِّينِ كَمَا نَالَ رَجْلَيْهِ وَجِئْتُ إِلَى الْبَابِ فَقُلْتُ لَهُ: افْتَحْ قَدْ آمَنْتُ بِكَ، فَلَمَّا خَرَجْتُ وَرَآنِي عَلَى مِثْلِ حَالِهِ جَرَى وَرَائِي لِيَقْتُلَنِي فَضَرَبْتُهُ بِالسَّمَكَةِ فِي وَجْهِهِ، وَقُلْتُ: يَا عَدُوَّ اللَّهِ أَتْعَبْتَنِي فِي هَذَا الْيَوْمِ. وَلَمَّا خَلَصْتُ مِنْهُ لَقِيَنِي بَعْدَ ذَلِكَ فَضَاحَكَنِي، وَقَالَ: لَا تُفْشِ هَذَا لِأَحَدٍ أَبْعَثْ إِلَيْكَ مَنْ يَقْتُلُكَ عَلَى فِرَاشِكَ. قَالَ: فَلَمْ أُحَدِّثْ بِهِ أَحَدًا حَتَّى صُلِبَ. وَقَدْ قَالَ يَوْمًا لِرَجُلٍ: آمِنْ بِي حَتَّى أَبْعَثَ لَكَ بِعُصْفُورَةٍ تَأْخُذُ مِنْ ذَرْقِهَا وَزْنَ حَبَّةٍ فَتَضَعُهُ عَلَى كَذَا وَكَذَا رِطْلًا مِنْ نُحَاسٍ، فَيَصِيرُ ذَهَبًا، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: آمِنْ بِي أَنْتَ حَتَّى أَبْعَثَ إِلَيْكَ بِفِيلٍ إِذَا اسْتَلْقَى عَلَى قَفَاهُ بَلَغَتْ قَوَائِمُهُ السَّمَاءَ وَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تُخْفِيَهُ وَضَعْتَهُ فِي إِحْدَى عَيْنَيْكَ. قَالَ: فَبُهِتَ وَسَكَتَ.

стр. 9173

وَلَمَّا وَرَدَ بَغْدَادَ جَعَلَ يَدْعُو إِلَى نَفْسِهِ وَيُظْهِرُ أَشْيَاءَ مِنَ الْمَخَارِيقِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْأَحْوَالِ الشَّيْطَانِيَّةِ وَأَكْثَرُ مَا كَانَ يُرَوِّجُ عَلَى الرَّافِضَةِ لِقِلَّةِ عُقُولِهِمْ وَضِعْفِ تَمْيِيزِهِمْ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ فَاسْتَدْعَى يَوْمًا بِرَئِيسٍ مِنَ الرَّافِضَةِ فَدَعَاهُ إِلَى الْإِيمَانِ بِهِ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: إِنِّي رِجْلٌ أُحِبُّ النِّسَاءَ وَإِنِّي أَصْلَعُ الرَّأْسِ وَقَدْ شِبْتُ فَإِنْ أَنْتَ أَذْهَبْتَ عَنِّي هَذَا وَهَذَا آمَنْتُ أَنَّكَ الْإِمَامُ الْمَعْصُومُ، وَإِنْ شِئْتَ قُلْتُ أَنَّكَ نَبِيٌّ وَإِنْ شِئْتَ قُلْتُ أَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ. قَالَ: فَبُهِتَ الْحَلَّاجُ وَلَمْ يُحِرْ إِلَيْهِ جَوَابًا. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ: كَانَ الْحَلَّاجُ مُتَلَوِّنًا كَثِيرَ التَّلَوُّنِ، تَارَةً يَلْبَسُ الْمُسُوحَ وَتَارَةً يَلْبَسُ الدُّرَّاعَةَ وَتَارَةً يَلْبَسُ الْقَبَاءَ وَهُوَ مَعَ كُلِّ قَوْمٍ عَلَى مَذْهَبِهِمْ، إِنْ كَانُوا أَهْلَ سُنَّةٍ أَوْ رَافِضَةً أَوْ مُعْتَزِلَةً أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ. وَلَمَّا أَقَامَ بِالْأَهْوَازِ جَعَلَ يُنْفِقُ مِنْ دَرَاهِمَ يُخْرِجُهَا يُسَمِّيهَا دَرَاهِمَ الْقُدْرَةِ، فَسُئِلَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ الْجُبَّائِيُّ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا كُلَّهُ مِمَّا يُنَالُ بِالْحِيلَةِ وَلَكِنْ أَدْخِلُوهُ بَيْتًا لَا مَنْفَذَ لَهُ ثُمَّ سَلُوهُ أَنْ يُخْرِجَ لَكُمْ جَوْزَتَيْنِ مِنْ شَوْكٍ. فَلَمَّا بَلَغَ الْحَلَّاجَ كَلَامُ أَبِي عَلِيٍّ الْجُبَّائِيِّ تَحَوَّلَ مِنَ الْأَهْوَازِ. قَالَ الْخَطِيبُ: أَنْبَأَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَخْلَدٍ أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَلِيٍّ الْخُطَبِيُّ

стр. 9174

فِي «تَارِيخِهِ» قَالَ: وَظَهَرَ أَمْرُ رَجُلٍ يُعْرَفُ بِالْحَلَّاجِ يُقَالُ لَهُ: الْحُسَيْنُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَكَانَ فِي حَبْسِ السُّلْطَانِ بِسِعَايَةٍ وَقَعَتْ بِهِ، وَذَلِكَ فِي وِزَارَةِ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى الْأُولَى وَذُكِرَ عَنْهُ ضُرُوبٌ مِنَ الزَّنْدَقَةِ وَوَضْعِ الْحِيَلِ عَلَى تَضْلِيلِ النَّاسِ مِنْ جِهَاتٍ تُشْبِهُ الشَّعْوَذَةَ وَالسِّحْرَ وَادِّعَاءَ النُّبُوَّةِ فَكَشَفَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى عِنْدَ قَبْضِهِ عَلَيْهِ وَانْتَهَى خَبَرُهُ إِلَى السُّلْطَانِ - يَعْنِي الْمُقْتَدِرَ بِاللَّهِ - فَلَمْ يُقِرَّ بِمَا رُمِيَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ فَعَاقَبَهُ وَصَلَبَهُ حَيًّا أَيَّامًا مُتَوَالِيَةً فِي رَحْبَةِ الْجِسْرِ فِي كُلِّ يَوْمٍ غُدْوَةً وَيُنَادَى عَلَيْهِ بِمَا ذُكِرَ عَنْهُ ثُمَّ يُنْزَلُ بِهِ ثُمَّ يُحْبَسُ فَأَقَامَ فِي الْحَبْسِ سِنِينَ كَثِيرَةً يُنْقَلُ مِنْ حَبْسٍ إِلَى حَبْسٍ حَتَّى حُبِسَ بِأَخَرَةٍ فِي دَارِ السُّلْطَانِ فَاسْتَغْوَى جَمَاعَةً مِنْ غِلْمَانِ السُّلْطَانِ وَمَوَّهَ عَلَيْهِمْ وَاسْتَمَالَهُمْ بِضُرُوبٍ مِنْ حِيَلِهِ حَتَّى صَارُوا يَحْمُونَهُ وَيَدْفَعُونَ عَنْهُ وَيُرَفِّهُونَهُ، ثُمَّ رَاسَلَ جَمَاعَةً مِنَ الْكُتَّابِ وَغَيْرِهِمْ بِبَغْدَادَ وَغَيْرِهَا فَاسْتَجَابُوا لَهُ وَتَراقَى بِهِ الْأَمْرُ حَتَّى ذُكِرَ أَنَّهُ ادَّعَى الرُّبُوبِيَّةَ وَسُعِيَ بِجَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى السُّلْطَانِ فَقُبِضَ عَلَيْهِمْ وَوُجِدَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ كُتُبٌ تَدُلُّ عَلَى تَصْدِيقِ مَا ذُكِرَ عَنْهُ وَأَقَرَّ بَعْضُهُمْ بِلِسَانِهِ بِذَلِكَ وَانْتَشَرَ خَبَرُهُ وَتَكَلَّمَ النَّاسُ فِي قَتْلِهِ فَأَمَرَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بِتَسْلِيمِهِ إِلَى حَامِدِ بْنِ الْعَبَّاسِ وَأَمَرَ أَنْ يَكْشِفَهُ بِحَضْرَةِ الْقُضَاةِ وَالْعُلَمَاءِ وَيَجْمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَصْحَابِهِ فَجَرَى فِي ذَلِكَ خُطُوبٌ طِوَالٌ، ثُمَّ اسْتَيْقَنَ السُّلْطَانُ أَمْرَهُ وَوَقَفَ عَلَى مَا ذُكِرَ لَهُ عَنْهُ، فَأَمَرَ بِقَتْلِهِ وَإِحْرَاقِهِ بِالنَّارِ، فَأُحْضِرَ مَجْلِسَ الشُّرْطَةِ بِالْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ لِسَبْعٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَلَاثِمِائَةٍ فَضُرِبَ بِالسِّيَاطِ نَحْوًا مِنْ أَلْفِ سَوْطٍ وَقُطِعَتْ يَدَاهُ

стр. 9175

وَرِجْلَاهُ وَضُرِبَتْ عُنُقُهُ وَأُحْرِقَتْ جُثَّتُهُ بِالنَّارِ وَنُصِبَ رَأْسُهُ لِلنَّاسِ عَلَى سُورِ الْجِسْرِ الْجَدِيدِ وَعُلِّقَتْ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ إِلَى جَانِبِ رَأْسِهِ. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ السُّلَمِيُّ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ مُحَمَّدٍ الْوَاعِظَ يَقُولُ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الرَّازِيُّ: قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مُمْشَاذٍ: حَضَرَ عِنْدَنَا بِالدِّينَوَرِ رَجُلٌ وَمَعَهُ مِخْلَاةٌ، فَمَا كَانَ يُفَارِقُهَا بِاللَّيْلِ وَلَا بِالنَّهَارِ، فَفَتَّشُوا الْمِخْلَاةَ فَوَجَدُوا فِيهَا كِتَابًا لِلْحَلَّاجِ عُنْوَانُهُ: مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِلَى فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ. فَبُعِثَ بِهِ إِلَى بَغْدَادَ فَسُئِلَ الْحَلَّاجُ عَنْ ذَلِكَ فَأَقَرَّ أَنَّهُ كَتَبَهُ فَقَالُوا لَهُ كُنْتَ تَدَّعِي النُّبُوَّةَ فَصِرْتَ تَدَّعِي الْأُلُوهِيَّةَ وَالرُّبُوبِيَّةَ؟! فَقَالَ: لَا وَلَكِنَّ هَذَا عَيْنُ الْجَمْعِ عِنْدَنَا، هَلِ الْكَاتِبُ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَا وَالْيَدُ آلَةٌ؟ فَقِيلَ لَهُ: مَعَكَ عَلَى ذَلِكَ أَحَدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، ابْنُ عَطَاءٍ وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْجَرِيرِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ الشِّبْلِيُّ، فَسُئِلَ الْجَرِيرِيُّ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: مَنْ يَقُولُ بِهَذَا كَافِرٌ. وَسُئِلَ الشِّبْلِيُّ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ مَنْ يَقُولُ بِهَذَا يُمْنَعُ. وَسُئِلَ ابْنُ عَطَاءٍ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ بِقَوْلِ الْحَلَّاجِ فِي ذَلِكَ، فَعُوقِبَ حَتَّى كَانَ سَبَبَ هَلَاكِهِ. ثُمَّ رَوَى أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيِّ أنَّ الْوَزِيرَ حَامِدَ بْنَ الْعَبَّاسِ لَمَّا حَضَرَ الْحَلَّاجُ سَأَلَهُ عَنِ اعْتِقَادِهِ فَأَقَرَّ بِهِ فَكَتَبَهُ فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ فُقَهَاءَ بَغْدَادَ فَأَنْكَرُوا ذَلِكَ، وَقِيلَ لِلْوَزِيرِ: إِنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ بْنَ عَطَاءٍ يَقُولُ

стр. 9176

بِهَذَا. فَطَلَبَهُ إِلَى مَنْزِلِهِ، وَجَاءَ فَجَلَسَ فِي صَدْرِ الْمَجْلِسِ وَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: مَنْ لَا يَقُولُ بِهَذَا فَهُوَ بِلَا اعْتِقَادٍ. فَقَالَ لَهُ الْوَزِيرُ: وَيْحَكَ تُصَوِّبُ مِثْلَ هَذَا الِاعْتِقَادِ؟ فَقَالَ: مَا لَكَ وَلِهَذَا، عَلَيْكَ بِمَا نُصِّبْتَ لَهُ مَنْ أَخْذِ أَمْوَالِ النَّاسِ وَظُلْمِهِمْ وَقَتْلِهِمْ، فَمَا لَكَ وَلِكَلَامِ هَؤُلَاءِ السَّادَةِ؟ فَأَمَرَ الْوَزِيرُ بِضَرْبِ شِدْقَيْهِ وَنَزْعِ خُفَّيْهِ وَأَنْ يُضْرَبَ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ، فَمَا زَالَ يُفْعَلُ ذَلِكَ بِهِ حَتَّى سَالَ الدَّمُ مِنْ مَنْخَرَيْهِ وَأَمَرَ بِسَجْنِهِ، فَقِيلَ لَهُ: أَيُّهَا الْوَزِيرُ إِنَّ الْعَامَّةَ تَتَشَوَّشُ بِهَذَا. فَحُمِلَ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَقَالَ ابْنُ عَطَاءٍ: اللَّهُمَّ اقْتُلْهُ أَخْبَثَ قِتْلَةٍ وَاقْطَعْ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ. ثُمَّ مَاتَ ابْنُ عَطَاءٍ بَعْدَ سَبْعَةِ أَيَّامٍ، وَقُتِلَ الْوَزِيرُ بَعْدَ ذَلِكَ شَرَّ قِتْلَةٍ، وَقُطِعَتْ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ وَأَحْرِقَتْ دَارُهُ. وَقَدِ اتَّفَقَ عُلَمَاءُ بَغْدَادَ عَلَى كُفْرِ الْحَلَّاجِ وَزَنْدَقَتِهِ وَأَجْمَعُوا عَلَى قَتْلِهِ وَصَلْبِهِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ الظَّاهِرِيُّ: حِينَ أُحْضِرَ الْحَلَّاجُ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى قَبْلَ وَفَاةِ أَبِي بَكْرٍ هَذَا وَسُئِلَ عَنْهُ، فَقَالَ: إِنْ كَانَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ حَقًّا وَمَا جَاءَ بِهِ حَقًّا فَمَا يَقُولُهُالْحَلَّاجُ بَاطِلٌ وَكَانَ شَدِيدًا عَلَيْهِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصُّولِيُّ قَدْ رَأَيْتُ الْحَلَّاجَ وَخَاطَبْتُهُ فَرَأَيْتُهُ جَاهِلًا يَتَعَاقَلُ

стр. 9177

وَغَبِيًّا يَتَبَالَغُ وَفَاجِرًا يَتَعَبَّدُ. وَلَمَّا صُلِبَ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ وَنُودِيَ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ سَمِعَهُ بَعْضُهُمْ وَقَدْ جِيءَ بِهِ لِيُصْلَبَ وَهُوَ رَاكِبٌ عَلَى بَقَرَةٍ يَقُولُ: مَا أَنَا بِالْحَلَّاجِ وَلَكِنْ أُلْقِيَ عَلَيَّ شَبَهُهُ وَغَابَ. فَلَمَّا أُدْنِيَ إِلَى الْخَشَبَةِ لِيُصْلَبَ عَلَيْهَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا مُعِينُ الضَّنَا عَلَيَّ أَعِنِّي عَلَى الضَّنَا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: سَمِعْتُهُ وَهُوَ مَصْلُوبٌ يَقُولُ: إِلَهِي أَصْبَحْتُ فِي دَارِ الرَّغَائِبِ أَنْظُرُ إِلَى الْعَجَائِبِ إِلَهِي إِنَّكَ تَتَوَدَّدُ إِلَى مَنْ يُؤْذِيكَ فَكَيْفَ بِمَنْ يُؤْذَى فِيكَ. ذِكْرُ صِفَةِ مَقْتَلِ الْحَلَّاجِ قَالَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ وَغَيْرُهُ: كَانَ الْحَلَّاجُ قَدْ قَدِمَ آخِرَ قَدْمَةٍ إِلَى بَغْدَادَ فَصَحِبَ الصُّوفِيَّةَ وَانْتَسَبَ إِلَيْهِمْ وَكَانَ الْوَزِيرَ إِذْ ذَاكَ حَامِدُ بْنُ الْعَبَّاسِ فَبَلَغَهُ أَنَّ الْحَلَّاجَ قَدْ أَضَلَّ خَلْقًا مِنَ الْحَشَمِ وَالْحُجَّابِ فِي دَارِ السُّلْطَانِ وَمِنْ غِلْمَانِ نَصْرٍ الْقُشُورِيِّ الْحَاجِبِ، وَجَعَلَ لَهُمْ فِي جُمْلَةِ مَا ادَّعَاهُ أَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّ الْجِنَّ يَخْدِمُونَهُ

стр. 9178

وَيُحْضِرُونَ لَهُ مَا يَخْتَارُهُ وَيَشْتَهِيهِ، وَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ أَحْيَا عِدَّةً مِنَ الطَّيْرِ. وَذُكِرَ لِعَلِيِّ بْنِ عِيسَى أَنَّ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْقُنَّائِيُّ الْكَاتِبُ يَعْبُدُ الْحَلَّاجَ وَيَدْعُو النَّاسَ إِلَى ذَلِكَ، فَطَلَبَهُ وَكَبَسَ مَنْزِلَهُ فَأَقَرَّ أَنَّهُ مِنْ أَصْحَابِ الْحَلَّاجِ وَوَجَدَ فِي مَنْزِلِهِ أَشْيَاءَ بِخَطِّ الْحَلَّاجِ مُكْتَتَبَةً بِمَاءِ الذَّهَبِ فِي وَرَقِ الْحَرِيرِ مُجَلَّدَةً بِأَفْخَرِ الْجُلُودِ، وَوَجَدَ عِنْدَهُ سَفَطًا فِيهِ مِنْ رَجِيعِ الْحَلَّاجِ وَبَوْلِهِ وَأَشْيَاءَ مِنْ آثَارِهِ وَبَقِيَّةِ خُبْزٍ مِنْ زَادِهِ، فَطَلَبَ الْوَزِيرُ مِنَ الْمُقْتَدِرِ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي أَمْرِ الْحَلَّاجِ فَفَوَّضَ أَمْرَهُ إِلَيْهِ فَاسْتَدْعَى بِجَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ الْحَلَّاجِ فَتَهَدَّدَهُمْ فَاعْتَرَفُوا لَهُ أَنَّهُ قَدْ صَحَّ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ إِلَهٌ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى، وَأَنَّهُمْ كَاشَفُوا الْحَلَّاجَ فَجَحَدَ ذَلِكَ وَكَذَّبَهُمْ، وَقَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَدَّعِيَ الرُّبُوبِيَّةَ أَوِ النُّبُوَّةَ وَإِنَّمَا أَنَا رَجُلٌ أَعْبُدُ اللَّهَ وَأُكْثِرُ الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ وَفِعْلَ الْخَيْرِ، وَلَا أَعْرِفُ غَيْرَ ذَلِكَ. وَجَعَلَ لَا يَزِيدُ عَلَى الشَّهَادَتَيْنِ وَالتَّوْحِيدِ، وَيُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: سُبْحَانَكَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ عَمِلْتُ سُوءًا وَظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ. وَكَانَتْ عَلَيْهِ مِدْرَعَةٌ سَوْدَاءُ وَفِي رِجْلَيْهِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ قَيْدًا وَهِيَ وَاصِلَةٌ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ يُصَلِّي فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَلْفَ رَكْعَةٍ. وَكَانَ قَبْلَ احْتِيَاطِ الْوَزِيرِ حَامِدِ بْنِ الْعَبَّاسِ عَلَيْهِ فِي حُجْرَةٍ مِنْ دَارِ نَصْرٍ الْقُشُورَيِّ الْحَاجِبِ مَأْذُونًا لِمَنْ يَدْخُلُ إِلَيْهِ، وَكَانَ يُسَمِّي نَفْسَهُ تَارَةً بِالْحُسَيْنِ بْنِ مَنْصُورٍ، وَتَارَةً مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ الْفَارِسِيَّ، وَكَانَ نَصْرٌ الْحَاجِبُ هَذَا قَدِ افْتُتِنَ بِهِ،

стр. 9179

وَظَنَّ أَنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ وَكَانَ قَدْ أَدْخَلَهُ عَلَى الْمُقْتَدِرِ بِاللَّهِ فَرَقَاهُ مِنْ وَجَعٍ حَصَلَ فَاتَّفَقَ زَوَالُهُ، وَكَذَلِكَ وَقَعَ لِوَالِدَتِهِ السَّيِّدَةِ أُمِّ الْمُقْتَدِرِ بِاللَّهِ فَزَالَتْ عِلَّتُهَا فَنَفَقَ سُوقُهُ وَحَظِيَ فِي دَارِ السُّلْطَانِ، فَلَمَّا انْتَشَرَ الْكَلَامُ فِيهِ سُلِّمَ إِلَى الْوَزِيرِ حَامِدِ بْنِ الْعَبَّاسِ، فَحَبَسَهُ فِي قُيُودٍ كَثِيرَةٍ فِي رِجْلَيْهِ وَجَمَعَ لَهُ الْفُقَهَاءَ، فَأَجْمَعُوا عَلَى كُفْرِهِ وَزَنْدَقَتِهِ وَأَنَّهُ سَاحِرٌ مُمَخْرِقٌ، وَرَجَعَ عَنْهُ رَجُلَانِ صَالِحَانِ مِمَّنْ كَانَ اتَّبَعَهُ، أَحَدُهُمَا أَبُو عَلِيٍّ هَارُونُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْأُورَاجِيُّ، وَالْآخَرُ يُقَالُ لَهُ الدَّبَّاسُ فَذَكَرَا مِنْ فَضَائِحِهِ وَمَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ النَّاسَ مِنَ الْكَذِبِ وَالْفُجُورِ وَالْمَخْرَقَةِ وَالسِّحْرِ شَيْئًا كَثِيرًا، وَكَذَلِكَ أُحْضِرَتْ زَوْجَةُ ابْنِهِ سُلَيْمَانَ فَذَكَرَتْ عَنْهُ فَضَائِحَ كَثِيرَةً، مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَغْشَاهَا وَهِيَ نَائِمَةٌ، فَانْتَبَهَتْ، فَقَالَ: قُومِي إِلَى الصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَطَأَهَا وَأَمَرَتْهَا ابْنَتُهُ بِالسُّجُودِ لَهُ، فَقَالَتْ: أَوَيَسْجُدُ بِشَرٌ لِبَشَرٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، إِلَهٌ فِي السَّمَاءِ وَإِلَهٌ فِي الْأَرْضِ. ثُمَّ أَمَرَهَا أَنْ تَأْخُذَ مِنْ تَحْتِ بَارِيَةٍ هُنَالِكَ مَا أَحَبَّتْ، فَوَجَدَتْ تَحْتَهَا دَنَانِيرَ كَثِيرَةً مَبْدُورَةً. وَلَمَّا كَانَ مُعْتَقَلًا فِي دَارِ حَامِدِ بْنِ الْعَبَّاسِ دَخَلَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْغِلْمَانِ وَمَعَهُ طَبَقُ فِيهِ طَعَامٌ لِيَأْكُلَ مِنْهُ، فَوَجَدَهُ قَدْ مَلَأَ الْبَيْتَ مِنْ سَقْفِهِ إِلَى أَرْضِهِ، فَذُعِرَ ذَلِكَ الْغُلَامُ، وَأَلْقَى مَا كَانَ فِي يَدِهِ مِنْ ذَلِكَ الطَّبَقِ وَالطَّعَامِ وَرَجَعَ مَحْمُومًا فَمَرِضَ عِدَّةَ أَيَّامٍ. وَلَمَّا كَانَ آخِرُ مَجْلِسٍ أُحْضِرَ الْقَاضِي أَبُو عُمَرَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ وَجِيءَ بِالْحَلَّاجِ وَقَدْ أُحْضِرَ لَهُ كِتَابٌ مِنْ دُورِ بَعْضِ أَصْحَابِهِ، وَفِيهِ: مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ

стр. 9180

وَلَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ فَلْيَبْنِ فِي دَارِهِ بَيْتًا لَا يَنَالُهُ شَيْءٌ مِنَ النَّجَاسَةِ وَلَا يُمَكِّنُ أَحَدًا مِنْ دُخُولِهِ فَإِذَا كَانَ فِي أَيَّامِ الْحَجِّ فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلْيَطُفْ بِهِ كَمَا يُطَافُ بِالْكَعْبَةِ ثُمَّ يَفْعَلُ فِي دَارِهِ مَا يَفْعَلُهُ الْحَجِيجُ بِمَكَّةَ ثُمَّ يَسْتَدْعِي بِثَلَاثِينَ يَتِيمًا فَيُطْعِمُهُمْ مِنْ طَعَامِهِ وَيَتَوَلَّى خِدْمَتَهُمْ بِنَفْسِهِ ثُمَّ يَكْسُوهُمْ قَمِيصًا قَمِيصًا وَيُعْطِي كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ سَبْعَةَ دَرَاهِمَ - أَوْ قَالَ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ - فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ قَامَ لَهُ مَقَامَ الْحَجِّ، وَإِنَّ مَنْ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَا يُفْطِرُ إِلَّا فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ عَلَى وَرَقَاتِ هِنْدَبَا أَجْزَأَهُ ذَلِكَ عَنْ صِيَامِ رَمَضَانَ. وَمَنْ صَلَّى فِي لَيْلَةٍ رَكْعَتَيْنِ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ إِلَى آخِرِهِ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَأَنَّ مَنْ جَاوَرَ بِمَقَابِرِ الشُّهَدَاءِ بِمَقَابِرِ قُرَيْشٍ عَشَرَةَ أَيَّامٍ يُصَلِّي وَيَدْعُو وَيَصُومُ ثُمَّ لَا يُفْطِرُ إِلَّا عَلَى شَيْءٍ مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ وَالْمِلْحِ الْجَرِيشِ أَغْنَاهُ ذَلِكَ عَنِ الْعِبَادَةِ فِي بَقِيَّةِ عُمُرِهِ. فَقَالَ لَهُ الْقَاضِي أَبُو عُمَرَ: مِنْ أَيْنَ لَكَ هَذَا؟ فَقَالَ مِنْ كِتَابِ «الْإِخْلَاصِ» لِلْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ. فَقَالَ لَهُ: كَذَبْتَ يَا حَلَالَ الدَّمِ قَدْ سَمِعْنَا كِتَابَ «الْإِخْلَاصِ» لِلْحَسَنِ بِمَكَّةَ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ هَذَا. فَأَقْبَلَ الْوَزِيرُ حَامِدُ بْنُ الْعَبَّاسِ عَلَى الْقَاضِي أَبِي عُمَرَ، فَقَالَ لَهُ: قَدْ قُلْتَ: يَا حَلَالَ الدَّمِ فَاكْتُبْ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْوَرَقَةِ. وَأَلَحَّ عَلَيْهِ وَقَدَّمَ لَهُ الدَّوَاةَ فَكَتَبَ ذَلِكَ فِي تِلْكَ الْوَرَقَةِ، وَكَتَبَ مَنْ حَضَرَ خُطُوطَهُمْ فِيهَا، وَأَنْفَذَهَا الْوَزِيرُ إِلَى الْمُقْتَدِرِ، وَجَعَلَ الْحَلَّاجُ يَقُولُ لَهُمْ: ظَهْرِي حِمًى وَدَمِي حَرَامٌ وَمَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَتَأَوَّلُوا عَلَيَّ وَاعْتِقَادِي الْإِسْلَامُ وَمَذْهَبِي السُّنَّةُ، وَتَفْضِيلُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلَيٍّ وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ وَسَعْدٍ وَسَعِيدٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَأَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ

стр. 9181

الْجَرَّاحِ وَلِي كُتُبٌ فِي السُّنَّةِ مَوْجُودَةٌ فِي الْوَرَّاقِينَ فَاللَّهَ اللَّهَ فِي دَمِي. فَلَا يَلْتَفِتُونَ إِلَى شَيْءٍ مِمَّا يَقُولُ، وَجَعَلَ يُكَرِّرُ ذَلِكَ وَهُمْ يَكْتُبُونَ خُطُوطَهُمْ بِمَا كَانَ مِنَ الْأَمْرِ وَرُدَّ الْحَلَّاجُ إِلَى مَحْبِسِهِ وَتَأَخَّرَ جَوَابُ الْمُقْتَدِرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ حَتَّى سَاءَ ظَنُّ الْوَزِيرِ حَامِدِ بْنِ الْعَبَّاسِ، فَكَتَبَ إِلَى الْخَلِيفَةِ يَقُولُ لَهُ: إِنَّ أَمْرَ الْحَلَّاجِ قَدِ اشْتَهَرَ وَلَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ اثْنَانِ وَقَدِ افْتَتَنَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ بِهِ. فَجَاءَ الْجَوَابُ بِأَنْ يُسَلَّمَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ صَاحِبِ الشُّرْطَةِ فَلْيَضْرِبْهُ أَلْفَ سَوْطٍ فَإِنْ مَاتَ وَإِلَّا ضُرِبَتُ عُنُقُهُ. فَفَرِحَ الْوَزِيرُ بِذَلِكَ وَطَلَبَ صَاحِبَ الشُّرْطَةِ فَسَلَّمَهُ إِلَيْهِ وَبَعَثَ مَعَهُ طَائِفَةً مِنْ غِلْمَانِهِ يُوَصِّلُونَهُ مَعَهُ إِلَى مَحَلِّ الشُّرْطَةِ مِنَ الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ خَوْفًا مِنْ أَنْ يُسْتَنْقَذَ مِنْ أَيْدِيهِمْ وَذَلِكَ بَعْدَ عِشَاءِ الْآخِرَةِ فِي لَيْلَةِ الثُّلَاثَاءِ لِسِتٍّ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ وَهُوَ رَاكِبٌ عَلَى بَغْلٍ عَلَيْهِ إِكَافٌ وَحَوْلَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَعْوَانِ السِّيَاسَةِ عَلَى مِثْلِ شَكْلِهِ، فَاسْتَقَرَّ مَنْزِلُهُ بِدَارِ الشُّرْطَةِ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ فَذُكِرَ أَنَّهُ بَاتَ يُصَلِّي فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَيَدْعُو دُعَاءً كَثِيرًا. قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ الشَّاشِيَّ يَقُولُ: قَالَ أَبُو الْحَدِيدِ - يَعْنِي - الْمِصْرِيَّ: لَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي قُتِلَ فِي صَبِيحَتِهَا الْحُسَيْنُ بْنُ مَنْصُورٍ قَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّى مَا شَاءَ اللَّهُ فَلَمَّا كَانَ آخِرَ اللَّيْلِ قَامَ قَائِمًا فَتَغَطَّى بِكِسَائِهِ وَمَدَّ يَدَهُ نَحْوَ الْقِبْلَةِ فَتَكَلَّمَ بِكَلَامٍ جَائِزِ الْحِفْظِ، فَكَانَ مِمَّا حَفِظْتُ أَنْ قَالَ: نَحْنُ شَوَاهِدُكَ فَلَوْ دَلَّتْنَا عِزَّتُكَ لَتَبَدَّى مَا شِئْتَ مِنْ شَأْنِكَ وَمَشِيئَتِكَ، وَأَنْتَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ، تَتَجَلَّى لِمَا تَشَاءُ مِثْلَ تَجَلِّيكَ فِي مَشِيئَتِكَ

стр. 9182

كَأَحْسَنِ الصُّورَةِ، وَالصُّورَةُ فِيهَا الرُّوحُ النَّاطِقَةُ بِالْعِلْمِ وَالْبَيَانِ وَالْقُدْرَةِ، ثُمَّ أَوْعَزْتَ إِلَيَّ شَاهِدَكَ لِأَنِّي فِي ذَاتِكَ الْهُوِيُّ، كَيْفَ أَنْتَ إِذَا مَثَلْتَ بِذَاتِي عِنْدَ عَقِيبِ كَرَاتِي، وَدَعَوْتَ إِلَى ذَاتِي بِذَاتِي، وَأَبْدَيْتَ حَقَائِقَ عُلُومِي وَمُعْجِزَاتِي، صَاعِدًا فِي مَعَارِجِي إِلَى عُرُوشِ أَزَلِيَّاتِي عِنْدَ الْقَوْلِ مِنْ بِرِيَّاتِي، إِنِّي احْتُضِرْتُ وَقُتِلْتُ وَصُلِبْتُ وَأُحْرِقْتُ وَاحْتُمِلْتُ سَافِيَاتِي الذَّارِيَاتِ، وَلَجَجْتُ فِي الْجَارِيَاتِ وَإِنَّ ذَرَّةً مِنْ يَنْجُوجٍ مَكَانَ هَالُوكِ مُتَجَلَّيَاتِي لَأَعْظَمُ مِنَ الرَّاسِيَاتِ. ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: أَنْعَى إِلَيْكَ نُفُوسًا طَاحَ شَاهِدُهَا … فِيمَا وَرَا الْحَيْثِ أَوْ فِي شَاهِدِ الْقِدَمِ أَنْعَى إِلَيْكَ قُلُوبًا طَالَمَا هَطَلَتْ … سَحَائِبُ الْوَحْيِ فِيهَا أَبْحُرُ الْحِكَمِ أَنْعَى إِلَيْكَ لِسَانَ الْحَقِّ مِنْكَ وَمَنْ … أَوْدَى وَتَذْكَارُهُ فِي الْوَهْمِ كَالْعَدَمِ أَنْعَى إِلَيْكَ بَيَانًا تَسْتَكِينُ لَهُ … أَقْوَالُ كُلِّ فَصِيحٍ مِقْوَلٍ فَهِمِ أَنْعَى إِلَيْكَ إِشَارَاتِ الْعُقُولِ مَعًا … لَمْ يَبْقَ مِنْهُنَّ إِلَّا دَارِسُ الْعِلْمِ أَنْعَى وَحُبِّكَ أَخْلَاقًا لِطَائِفَةٍ … كَانَتْ مَطَايَاهُمْ مِنْ مَكْمَدِ الْكِظَمِ مَضَى الْجَمِيعُ فَلَا عَيْنٌ وَلَا أَثَرٌ … مُضِيَّ عَادٍ وَفِقْدَانَ الْأُلَى إِرَمِ وَخَلَّفُوا مَعْشَرًا يَحْذُونَ لِبْسَتَهُمْ … أَعْمَى مِنَ الْبُهْمِ بَلْ أَعْمَى مِنَ النَّعَمِ قَالُوا: وَلَمَّا أُخْرِجَ الْحَلَّاجُ مِنَ الْمَنْزِلِ الَّذِي بَاتَ فِيهِ لِيُذْهَبَ بِهِ إِلَى الْقَتْلِ أَنْشَدَ:

стр. 9183

طَلَبْتُ الْمُسْتَقَرَّ بِكُلِّ أَرْضٍ … فَلَمْ أَرَ لِي بِأَرْضٍ مُسْتَقَرَّا أَطَعْتُ مَطَامِعِي فَاسْتَعْبَدَتْنِي … وَلَوْ أَنِّي قَنَعْتُ لَعِشْتُ حُرَّا وَقِيلَ: إِنَّهُ قَالَهَا حِينَ قَدِمَ إِلَى الْجِذْعِ لِيُصْلَبَ، وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ، ثُمَّ مَشَى وَهُوَ يَتَبَخْتَرُ فِي مِشْيَتِهِ وَفِي رِجْلَيْهِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ قَيْدًا، وَجَعَلَ يُنْشِدُ وَيَتَمَايَلُ: نَدِيمِي غَيْرُ مَنْسُوبٍ … إِلَى شَيْءٍ مِنَ الْحَيْفِ سَقَانِي مِثْلَ مَا يَشْرَ … بُ فِعْلَ الضَّيْفِ بِالضَّيْفِ فَلَمَّا دَارَتِ الْكَأْسُ … دَعَا بِالنِّطْعِ وَالسَّيْفِ كَذَا مَنْ يَشْرَبُ الرَّاحَ … مَعَ التِّنِّينِ فِي الصَّيْفِ ثُمَّ قَالَ: يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ [الشُّورَى: ١٨] ثُمَّ لَمْ يَنْطِقْ بَعْدَ ذَلِكَ حَتَّى فُعِلَ بِهِ مَا فُعِلَ، قَالُوا: ثُمَّ قُدِّمَ فَضُرِبَ أَلْفَ سَوْطٍ ثُمَّ قُطِعَتْ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ وَهُوَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ سَاكِتٌ مَا نَطَقَ بِكَلِمَةٍ، وَلَمْ يَتَغَيَّرْ لَوْنُهُ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ جَعَلَ يَقُولُ مَعَ كُلِّ سَوْطٍ أَحَدٌ أَحَدٌ.

стр. 9184

قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَلِيٍّ يَقُولُ: سَمِعْتُ عِيسَى الْقَصَّارَ يَقُولُ: آخِرُ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا الْحَلَّاجُ حِينَ قُتِلَ أَنْ قَالَ: حَسْبُ الْوَاحِدِ إِفْرَادُ الْوَاحِدِ لَهُ. فَمَا سَمِعَ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ أَحَدٌ مِنَ الْمَشَايِخِ إِلَّا رَقَّ لَهُ وَاسْتَحْسَنَ هَذَا الْكَلَامَ مِنْهُ. وَقَالَ السُّلَمِيُّ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ الْبَجَلِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الْفَاتِكِ الْبَغْدَادِيَّ وَكَانَ صَاحِبَ الْحَلَّاجِ قَالَ: رَأَيْتُ فِي النَّوْمِ بَعْدَ ثَلَاثٍ مِنْ قَتْلِ الْحَلَّاجِ كَأَنِّي وَاقِفٌ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّي وَأَنَا أَقُولُ: يَا رَبِّ مَا فَعَلَ الْحُسَيْنُ بْنُ مَنْصُورٍ؟ فَقَالَ: كَاشَفْتُهُ بِمَعْنًى فَدَعَا الْخَلْقَ إِلَى نَفْسِهِ، فَأَنْزَلْتُ بِهِ مَا رَأَيْتَ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بَلْ جَزِعَ عِنْدَ ذَلِكَ جَزَعًا شَدِيدًا وَبَكَى بُكَاءً كَثِيرًا، فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ الْخَطِيبُ: ثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ الصَّيْرَفِيُّ قَالَ: قَالَ لَنَا أَبُو عُمَرَ بْنُ حَيَّوَيْهِ: لَمَّا أُخْرِجَ الْحُسَيْنُ الْحَلَّاجُ لِيُقْتَلَ مَضَيْتُ فِي جُمْلَةِ النَّاسِ وَلَمْ أَزَلْ أُزَاحِمُ حَتَّى رَأَيْتُهُ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: لَا يَهُولَنَّكُمْ هَذَا الْأَمْرُ فَإِنِّي عَائِدٌ إِلَيْكُمْ بَعْدَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، ثُمَّ قُتِلَ. وَذَكَرَ الْخَطِيبُ أَنَّهُ قَالَ وَهُوَ يُضْرَبُ لِمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ وَالِي الشُّرْطَةِ: ادْعُ بِي إِلَيْكَ فَإِنَّ عِنْدِي نَصِيحَةً تَعْدِلُ فَتْحَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ. فَقَالَ لَهُ: قَدْ قِيلَ لِي

стр. 9185

إِنَّكَ سَتَقُولُ مِثْلَ هَذَا وَلَيْسَ إِلَى رَفْعِ الضَّرْبِ عَنْكَ سَبِيلٌ، ثُمَّ قُطِعَتْ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ، وَحُزَّ رَأْسُهُ، وَأُحْرِقَتْ جُثَّتُهُ، وَأُلْقِيَ بِرَمَادِهَا فِي دِجْلَةَ وَنُصِبَ الرَّأْسُ يَوْمَيْنِ بِبَغْدَادَ عَلَى الْجِسْرِ ثُمَّ حُمِلَ إِلَى خُرَاسَانَ وَطِيفَ بِهِ فِي تِلْكَ النَّوَاحِي، وَجَعَلَ أَصْحَابُهُ يَعِدُونَ أَنْفُسَهُمْ بِرُجُوعِهِ إِلَيْهِمْ بَعْدَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا. وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ رَأَى الْحَلَّاجَ مِنْ آخِرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَهُوَ رَاكِبٌ عَلَى حِمَارٍ فِي طَرِيقِ النَّهْرَوَانِ فَقَالَ: لَعَلَّكَ مِنْ هَؤُلَاءِ الْبَقَرِ الَّذِينَ ظَنُّوا أَنِّي أَنَا هُوَ الْمَضْرُوبُ الْمَقْتُولُ إِنِّي لَسْتُ بِهِ وَإِنَّمَا أُلْقِيَ شَبَهِي عَلَى رَجُلٍ فَفُعِلَ بِهِ مَا رَأَيْتُمْ. وَكَانُوا بِجَهْلِهِمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا قُتِلَ عَدُوٌّ مِنْ أَعْدَاءِ الْحَلَّاجِ وَقَالَ بَعْضُ عُلَمَاءِ ذَلِكَ الزَّمَانِ: إِنْ كَانَ هَذَا الرَّأْيُ صَادِقًا فَلَعَلَّ دَابَّةً - يَعْنِي مِنَ الشَّيَاطِينِ - تَبَدَّى عَلَى صُورَتِهِ لِيُضِلَّ بِهِ النَّاسَ كَمَا ضَلَّتْ فِرْقَةُ النَّصَارَى بِالْمَصْلُوبِ. قَالَ الْخَطِيبُ: وَاتَّفَقَ أَنَّ دِجْلَةَ زَادَتْ فِي هَذَا الْعَامِ زِيَادَةً كَثِيرَةً، فَقَالُوا: إِنَّمَا زَادَتْ لِأَنَّ رَمَادَ الْحَلَّاجِ خَالَطَهَا، وَنُودِيَ بِبَغْدَادَ أَنْ لَا يَشْتَرِيَ أَحَدٌ مِنْ كُتُبِ الْحَلَّاجِ شَيْئًا وَلَا يَبِيعُهُ. وَكَانَ قَتْلُ الْحَلَّاجِ فِي يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ لِسِتٍّ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ مِنْ سَنَةِ تِسْعٍ وَثَلَاثِمِائَةٍ بِبَغْدَادَ، وَذَكَرَهُ الْقَاضِي ابْنُ خَلِّكَانَ فِي «الْوَفَيَاتِ» وَحَكَى اخْتِلَافَ النَّاسِ فِيهِ، وَنَقَلَ عَنِ الْغَزَالِيِّ فِي «مِشْكَاةِ الْأَنْوَارِ» أَنَّهُ كَانَ يَتَأَوَّلُ كَلَامَهُ وَيَحْمِلُهُ عَلَى مَا يَلِيقُ، ثُمَّ نَقَلَ عَنْ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ أَنَّهُ

стр. 9186

كَانَ يَذُمُّهُ وَيَقُولُ إِنَّهُ اتَّفَقَ هُوَ وَالْجَنَّابِيُّ وَابْنُ الْمُقَفَّعِ عَلَى إِفْسَادِ عَقَائِدِ النَّاسِ وَتَفَرَّقُوا فِي الْبِلَادِ، فَكَانَ الْجَنَّابِيُّ فِي هَجَرَ وَالْبَحْرَيْنِ وَابْنُ الْمُقَفَّعِ بِبِلَادِ التُّرْكِ وَدَخَلَ الْحَلَّاجُ الْعِرَاقَ فَحَكَمَ صَاحِبَاهُ عَلَيْهِ بِالْهَلَكَةِ لِعَدَمِ انْخِدَاعِ أَهْلِ الْعِرَاقِ بِالْبَاطِلِ. قَالَ الْقَاضِي ابْنُ خَلِّكَانَ وَهَذَا لَا يَنْتَظِمُ فَإِنَّ ابْنَ الْمُقَفَّعِ كَانَ قَبْلَ الْحَلَّاجِ بِدَهْرٍ، فَإِنَّهُ كَانَ فِي أَيَّامِ السَّفَّاحِ وَالْمَنْصُورِ وَمَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ أَوْ قَبْلَهَا وَلَعَلَّ إِمَامَ الْحَرَمَيْنِ أَرَادَ ابْنَ الْمُقَفَّعِ الْخُرَاسَانِيَّ الَّذِي ادَّعَى الرُّبُوبِيَّةَ، وَأَدْنَى الْقَمَرَ وَاسْمُهُ عَطَاءٌ، وَقَدْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِالسُّمِّ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ، وَلَا يُمْكِنُ اجْتِمَاعُهُ مَعَ الْحَلَّاجِ وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُصَحِّحَ كَلَامَ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَنَذْكُرَ ثَلَاثَةً قَدِ اجْتَمَعُوا فِي وَقْتٍ عَلَى مَا ذَكَرَ، فَيَكُونُ أَرَادَ بِذَلِكَ الْحَلَّاجَ، وَابْنَ الشَّلْمَغَانِيِّ - يَعْنِي أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ - وَالْقِرْمِطِيَّ الْجَنَّابِيَّ، وَهُوَ أَبُو طَاهِرٍ سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْحَسَنِ بْنِ بَهْرَامَ، الَّذِي قَتَلَ الْحُجَّاجَ وَأَخَذَ الْحَجَرَ، وَرَدَمَ زَمْزَمَ بِالْقَتْلَى وَنَهَبَ أَسْتَارَ الْكَعْبَةِ، كَمَا سَيَأْتِي ذَلِكَ مَبْسُوطًا، ذَكَرَهُ الْقَاضِي مُلَخَّصًا هَاهُنَا.

стр. 9187

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَعْيَانِ: أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ عَطَاءٍ أَحَدُ أَئِمَّةِ الصُّوفِيَّةِ. وَهُوَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَطَاءٍ الْأَدَمِيُّ حَدَّثَ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مُوسَى الْقَطَّانِ وَالْفَضْلِ بْنِ زِيَادٍ وَغَيْرِهِمَا. وَكَانَ يَقْرَأُ فِي كُلِّ يَوْمٍ خَتْمَةً، وَفِي شَهْرِ رَمَضَانَ يَقْرَأُ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ثَلَاثَ خَتَمَاتٍ، وَكَانَ لَهُ خَتْمَةٌ يَتَدَبَّرُ فِيهَا مَعَانِيَ الْقُرْآنِ، يَتْلُوهَا مِنْ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً وَمَاتَ وَلَمْ يَخْتِمْهَا، وَهَذَا الرَّجُلُ كَانَ قَدِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ أَمْرُ الْحَلَّاجِ وَأَظْهَرَ مُوَافَقَتَهُ، فَعَاقَبَهُ الْوَزِيرُ حَامِدُ بْنُ الْعَبَّاسِ بِالضَّرْبِ عَلَى شِدْقَيْهِ وَأَمَرَ بِنَزْعِ خُفَّيْهِ وَضَرْبِهِ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ حَتَّى سَالَ الدَّمُ مِنْ مَنْخِرَيْهِ، وَمَاتَ بَعْدَ سَبْعَةِ أَيَّامٍ مِنْ ذَلِكَ، وَكَانَ قَدْ دَعَا عَلَى الْوَزِيرِ أَنْ تُقْطَعَ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ وَيُقْتَلَ شَرَّ قِتْلَةٍ، فَمَا مَاتَ الْوَزِيرُ إِلَّا كَذَلِكَ. وَأَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ هَارُونَ الطَّبِيبُ الْحَرَّانِيُّ. وَأَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَمْدُونَ النَّدِيمُ.

стр. 9188

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ عَشْرٍ وَثَلَاثِمِائَةٍ فِيهَا أُطْلِقَ يُوسُفُ بْنُ أَبِي السَّاجِ مِنَ الضِّيقِ وَكَانَ مُعْتَقَلًا وَرُدَّتْ إِلَيْهِ أَمْوَالُهُ وَأُعِيدَ إِلَى عَمَلِهِ وَأُضِيفَ إِلَيْهِ بُلْدَانٌ أُخْرَى وَوُظِّفَ عَلَيْهِ فِي كُلِّ سَنَةٍ خَمْسُمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ يَحْمِلُهَا إِلَى الْحَضْرَةِ فَبَعَثَ حِينَئِذٍ إِلَى مُؤْنِسٍ الْخَادِمِ يَطْلُبُ مِنْهُ أَبَا بَكْرِ بْنَ الْأَدَمِيِّ الْقَارِئَ وَكَانَ قَدْ قَرَأَ بَيْنَ يَدَيْهِ حِينَ اعْتُقِلَ وَأُشْهِرَ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هُودٍ: ١٠٢] فَخَافَ الْقَارِئُ سَطْوَتَهُ وَاسْتَعْفَى مِنْ مُؤْنِسٍ الْخَادِمِ فَقَالَ لَهُ مُؤْنِسٌ: اذْهَبْ وَأَنَا شَرِيكُكَ فِي الْجَائِزَةِ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَرَأَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي [يُوسُفَ: ٥٤] فَقَالَ: بَلْ أُحِبُّ أَنْ تَقْرَأَ ذَلِكَ الْعُشْرَ الَّذِي قَرَأَتْهُ عِنْدَ إِشْهَارِي وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَإِنَّ ذَلِكَ كَانَ سَبَبَ تَوْبَتِي إِلَى اللَّهِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى يَدَيْكَ، ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِمَالٍ جَزِيلٍ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ. وَفِيهَا مَرِضَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى الْوَزِيرُ فَجَاءَهُ هَارُونُ ابْنُ الْمُقْتَدِرِ لِيَعُودَهُ، فَبَسَطَ لَهُ الطَّرِيقَ فَلَمَّا اقْتَرَبَ مِنْ دَارِهِ تَحَامَلَ وَخَرَجَ إِلَيْهِ فَبَلَّغَهُ سَلَامَ الْخَلِيفَةِ، وَجَاءَ مُؤْنِسٌ الْخَادِمُ مَعَهُ ثُمَّ جَاءَ الْخَبَرُ بِأَنَّ الْخَلِيفَةَ قَدْ عَزَمَ عَلَى عِيَادَتِهِ فَاسْتَعْفَى مِنْ

стр. 9189

مُؤْنِسٍ الْخَادِمِ، وَرَكِبَ عَلَى جُهْدٍ عَظِيمٍ حَتَّى سَلَّمَ عَلَى الْخَلِيفَةِ حَتَّى لَا يُكَلِّفَهُ الرُّكُوبَ إِلَيْهِ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قُبِضَ عَلَى الْقَهْرَمَانَةِ أُمِّ مُوسَى وَمَنْ يَنْتَسِبُ إِلَيْهَا، فَكَانَ حَاصِلُ مَا حُمِلَ إِلَى بَيْتِ الْمَالِ مِنْ جِهَتِهَا أَلْفَ أَلْفِ دِينَارٍ. وَفِي يَوْمِ الْخَمِيسِ لِعَشْرٍ بَقِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْآخَرِ وَلَّى الْمُقْتَدِرُ مَنْصِبَ الْقَضَاءِ أَبَا الْحُسَيْنِ عُمَرَ بْنَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ الشَّيْبَانِيَّ الْمَعْرُوفَ بِابْنِ الْأُشْنَانِيِّ وَكَانَ مِنْ حُفَّاظِ الْحَدِيثِ وَفُقَهَاءِ النَّاسِ، وَلَكِنَّهُ عُزِلَ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْتَسِبًا بِبَغْدَادَ. وَفِيهَا عُزِلَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ عنْ شُرْطَةِ بَغْدَادَ وَوَلِيَهَا نَازُوكُ وَخُلِعَ عَلَيْهِ. وَفِي جُمَادَى الْآخِرَةِ ظَهَرَ كَوْكَبٌ لَهُ ذَنَبٌ طُولُهُ ذِرَاعَانِ، وَذَلِكَ فِي بُرْجِ السُّنْبُلَةِ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي شَعْبَانَ مِنْهَا وَصَلَتْ هَدَايَا نَائِبِ مِصْرَ وَهُوَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْمَاذَرَائِيِّ، وَفِيهَا بَغْلَةٌ مَعَهَا فُلُوُّهَا وَغُلَامٌ يَصِلُ لِسَانُهُ إِلَى طَرَفِ أَنْفِهِ، وَفِي هَذِا الشَّهْرِ قُرِئَتِ الْكُتُبُ عَلَى الْمَنَابِرِ بِمَا كَانَ مِنَ الْفُتُوحِ بِبِلَادِ الرُّومِ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وَرَدَ الْخَبَرُ بِأَنَّهُ انْشَقَّ بِأَرْضِ وَاسِطَ فُلُوعٌ مِنَ الْأَرْضِ سَبْعَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا أَكْبَرُهَا طُولُهُ أَلْفُ ذِرَاعٍ وَأَقَلُّهَا مِائَتَا ذِرَاعٍ وَأَنَّهُ غَرِقَ مِنْ أُمَّهَاتِ الْقُرَى أَلْفٌ وَثَلَاثُمِائَةِ قَرْيَةٍ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْهَاشِمِيُّ. وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: أَبُو بِشْرٍ الدُّولَابِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمَّادِ بْنِ سَعِيدٍ أَبُو بِشْرٍ الدُّولَابِيُّ مَوْلَى الْأَنْصَارِ، وَيُعْرَفُ بِالْوَرَّاقِ، أَحَدُ أَئِمَّةِ حُفَّاظِ الْحَدِيثِ، وَلَهُ

стр. 9190

تَصَانِيفُ حَسَنَةٌ فِي التَّارِيخِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَرَوَى عَنْ جَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ. قَالَ ابْنُ يُونُسَ: وَكَانَ يُضَعَّفُ، وَتُوُفِّيَ وَهُوَ قَاصِدٌ إِلَى الْحَجِّ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ بِالْعَرْجِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ. أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ ﵀ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ كَثِيرِ بْنِ غَالِبٍ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ، مَوْلِدُهُ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ وَكَانَ أَسْمَرَ أَعْيَنَ مَلِيحَ الْجِسْمِ مَدِيدَ الْقَامَةِ فَصِيحَ اللِّسَانِ، رَوَى الْكَثِيرَ عَنِ الْجَمِّ الْغَفِيرِ وَرَحَلَ إِلَى الْآفَاقِ فِي طَلَبِ الْحَدِيثِ، وَلَهُ «التَّارِيخُ» الْحَافِلُ، وَ «التَّفْسِيرُ» الْكَامِلُ، وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْمُصَنَّفَاتِ النَّافِعَةِ فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ، وَمِنْ ذَلِكَ «تَهْذِيبُ الْآثَارِ» لَكِنْ لَمْ يُتِمَّهُ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ مَكَثَ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَكْتُبُ فِي كُلِّ يَوْمٍ أَرْبَعِينَ وَرَقَةً. قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ: اسْتَوْطَنَ ابْنُ جَرِيرٍ بَغْدَادَ وَأَقَامَ بِهَا إِلَى حِينِ وَفَاتِهِ وَكَانَ أَحَدَ أَئِمَّةِ الْعُلَمَاءِ، يُحْكَمُ بِقَوْلِهِ وَيُرْجَعُ إِلَيْهِ لِمَعْرِفَتِهِ وَفَضْلِهِ وَكَانَ قَدْ جَمَعَ مِنَ الْعُلُومِ مَا لَمْ يُشَارِكْهُ فِيهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ عَصْرِهِ وَكَانَ حَافِظًا لِكِتَابِ اللَّهِ عَارِفًا بِالْقِرَاءَاتِ، بَصِيرًا بِالْمَعَانِي، فَقِيهًا فِي الْأَحْكَامِ عَالِمًا بِالسُّنَنِ وَطُرُقِهَا وَصَحِيحِهَا وَسَقِيمِهَا وَنَاسِخِهَا وَمَنْسُوخِهَا عَارِفًا بِأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ

стр. 9191

وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، عَارِفًا بِأَيَّامِ النَّاسِ وَأَخْبَارِهِمْ، وَلَهُ الْكِتَابُ الْمَشْهُورُ فِي تَارِيخِ الْأُمَمِ وَالْمُلُوكِ، وَكِتَابٌ فِي التَّفْسِيرِ لَمْ يُصَنِّفْ أَحَدٌ مِثْلَهُ وَكِتَابٌ سَمَّاهُ «تَهْذِيبَ الْآثَارِ» لَمْ أَرَ سِوَاهُ فِي مَعْنَاهُ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُتِمَّهُ، وَلَهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَفُرُوعِهِ كُتُبٌ كَثِيرَةٌ وَاخْتِيَارَاتٌ، وَتَفَرَّدَ بِمَسَائِلَ حُفِظَتْ عَنْهُ. قَالَ الْخَطِيبُ: وَبَلَغَنِي عَنِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي طَاهِرٍ الْفَقِيهِ الْإِسْفَرَايِينِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ سَافَرَ رَجُلٌ إِلَى الصِّينِ حَتَّى يَحْصُلَ لَهُ كِتَابُ تَفْسِيرِ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ كَثِيرًا أَوْ كَلَامًا هَذَا مَعْنَاهُ. وَرَوَى الْخَطِيبُ عَنْ إِمَامِ الْأَئِمَّةِ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ أَنَّهُ طَالَعَ «التَّفْسِيرَ» لِابْنِ جَرِيرٍ فِي سِنِينَ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ ثُمَّ قَالَ: مَا أَعْلَمُ عَلَى أَدِيمِ الْأَرْضِ أَعْلَمَ مِنِ ابْنِ جَرِيرٍ وَلَقَدْ ظَلَمَتْهُ الْحَنَابِلَةُ. وَقَالَ لِرَجُلٍ رَحَلَ إِلَى بَغْدَادَ يَكْتُبُ الْحَدِيثَ عَنِ الْمَشَايِخِ، وَلَمْ يَتَّفِقْ لَهُ سَمَاعٌ مِنِ ابْنِ جَرِيرٍ لِأَنَّ الْحَنَابِلَةَ كَانُوا يَمْنَعُونَ أَنْ يَجْتَمِعَ بِهِ أَحَدٌ فَقَالَ: لَوْ كَتَبْتَ عَنْهُ لَكَانَ خَيْرًا لَكَ مِنْ كُلِّ مَنْ كَتَبْتَ عَنْهُ. قُلْتُ: وَكَانَ مِنَ الْعِبَادَةِ وَالزَّهَادَةِ وَالْوَرَعِ وَالْقِيَامِ فِي الْحَقِّ لَا تَأْخُذُهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ، وَحُسْنِ الْقِرَاءَةِ عَلَى أَحْسَنِ الصِّفَاتِ، وَكَانَ مِنْ كِبَارِ الصَّالِحِينَ، وَهُوَ أَحَدُ الْمُحَدِّثِينَ الَّذِينَ اجْتَمَعُوا بِمِصْرَ فِي أَيَّامِ الْأَمِيرِ طُولُونَ، وَهُمْ: مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ، ومُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ الرُّويَانِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ هَذَا. وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي تَرْجَمَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ

стр. 9192

الْمَرْوَزِيِّ وَكَانَ الَّذِي قَامَ يُصَلِّي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ، وَقِيلَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ، فَرَزَقَهُمُ اللَّهُ بِبَرَكَةِ صَلَاتِهِ. وَقَدْ أَرَادَ الْخَلِيفَةُ الْمُقْتَدِرُ بِاللَّهِ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ أَنْ يَكْتُبَ كِتَابَ وَقْفٍ تَكُونُ شُرُوطُهُ مُتَّفَقًا عَلَيْهَا بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، فَقِيلَ لَهُ: لَا يَقْدِرُ عَلَى اسْتِحْضَارِ ذَلِكَ إِلَّا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ. وَطَلَبَ مِنْهُ ذَلِكَ فَكَتَبَهَا، فَاسْتَدْعَاهُ الْخَلِيفَةُ إِلَيْهِ، وَقَالَ لَهُ: سَلْ حَاجَتَكَ، فَقَالَ: لَا حَاجَةَ لِي، فَقَالَ: لَا بُدَّ أَنْ تَسْأَلَنِي شَيْئًا، فَقَالَ: أَسْأَلُ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَمْرُهُ إِلَى الشُّرْطَةِ حَتَّى يَمْنَعُوا السُّؤَّالَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَنْ يَدْخُلُوا إِلَى مَقْصُورَةِ الْجَامِعِ، فَأَمَرَ الْخَلِيفَةُ بِذَلِكَ، وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى نَفْسِهِ مَنْ مَغَلِّ قَرْيَةٍ تَرَكَهَا لَهُ أَبُوهُ بِطَبَرِسْتَانَ، وَمِنْ شِعْرِهِ: إِذَا أَعْسَرْتُ لَمْ يَعْلَمْ رَفِيقِي … وَأَسْتَغْنِي فَيَسْتَغِنِي صَدِيقِي حَيَائِي حَافِظٌ لِي مَاءَ وَجْهِي … وَرِفْقِي فِي مُطَالَبَتِي رَفِيقِي وَلَوْ أَنِّي سَمَحْتُ بِبَذْلِ وَجْهِي … لَكُنْتُ إِلَى الْغِنَى سَهْل َ الطَّرِيقِ وَمِنْ شِعْرِهِ أَيْضًا: خُلُقَانِ لَا أَرْضَى طَرِيقَهُمَا … بَطَرُ الْغِنَى وَمَذَلَّةُ الْفَقْرِ فَإِذَا غَنِيتَ فَلَا تَكُنْ بَطِرًا … وَإِذَا افْتَقَرْتَ فَتِهْ عَلَى الدَّهْرِ وَقَدْ كَانَتْ وَفَاتُهُ وَقْتَ الْمَغْرِبِ مِنْ عَشِيَّةِ يَوْمِ الْأَحَدِ لِيَوْمَيْنِ بَقِيَا مِنْ شَوَّالٍ مِنْ سَنَةِ عَشْرٍ وَثَلَاثِمِائَةٍ. وَقَدْ جَاوَزَ الثَّمَانِينَ بِخَمْسٍ أَوْ سِتِّ سِنِينَ وَفِي

стр. 9193

شَعْرِ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ سَوَادٌ كَثِيرٌ، وَدُفِنَ فِي دَارِهِ؛ لِأَنَّ بَعْضَ الرَّعَاعِ مِنْ عَوَامِّ الْحَنَابِلَةِ مَنَعُوا مِنْ دَفَنِهِ نَهَارًا وَنَسَبُوهُ إِلَى الرَّفْضِ، وَمِنَ الْجَهَلَةِ مَنْ رَمَاهُ بِالْإِلْحَادِ، وَحَاشَاهُ مِنْ هَذَا وَمِنْ ذَاكَ أَيْضًا. بَلْ كَانَ أَحَدَ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ فِي الْعِلْمِ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، وَإِنَّمَا تَقَلَّدُوا ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ دَاوُدَ حَيْثُ كَانَ يَتَكَلَّمُ فِيهِ وَيَرْمِيهِ بِالْعَظَائِمِ وَيَرْمِيهِ بِالرَّفْضِ. وَلَمَّا تُوُفِّيَ اجْتَمَعَ النَّاسُ مِنْ سَائِرِ الْبَلَدِ وَصَلَّوْا عَلَيْهِ بِدَارِهِ وَدُفِنَ بِهَا، وَمَكَثَ النَّاسُ يَتَرَدَّدُونَ إِلَى قَبْرِهِ شُهُورًا يُصَلُّونَ عَلَيْهِ، ﵀. قُلْتُ: وَقَدْ رَأَيْتُ لَهُ كِتَابًا جَمَعَ فِيهِ أَحَادِيثَ غَدِيرِ خُمٍّ فِي مُجَلَّدَيْنِ ضَخْمَيْنِ، وَكِتَابًا جَمَعَ فِيهِ طُرُقَ حَدِيثِ الطَّيْرِ، وَنُسِبَ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَقُولُ بِجَوَازِ مَسْحِ الْقَدَمَيْنِ فِي الْوُضُوءِ وَأَنَّهُ لَا يُوجِبُ الْغَسْلَ، وَقَدِ اشْتُهِرَ عَنْهُ هَذَا، فَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّ ابْنَ جَرِيرٍ اثْنَانِ، أَحَدُهُمَا شِيعِيٌّ وَإِلَيْهِ يُنْسَبُ ذَلِكَ، وَيُنَزِّهُونَ أَبَا جَعْفَرٍ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ، وَالَّذِي عُوِّلَ عَلَيْهِ كَلَامُهُ فِي التَّفْسِيرِ أَنَّهُ يُوجِبُ غَسْلَ الْقَدَمَيْنِ وَيُوجِبُ مَعَ الْغَسْلِ دَلْكَهُمَا، وَلَكِنَّهُ عَبَّرَ عَنِ الدَّلْكِ بِالْمَسْحِ فَلَمْ يَفْهَمْ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ مُرَادَهُ جَيِّدًا، فَنَقَلُوا عَنْهُ أَنَّهُ يُوجِبُ الْجَمْعَ بَيْنَ الْغَسْلِ وَالْمَسْحِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ رَثَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمُ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ حَيْثُ يَقُولُ: حَدَثٌ مُفْظِعٌ وَخَطْبٌ جَلِيلٌ … دَقَّ عَنِ مِثْلِهِ اصْطِبَارُ الصَّبُورِ قَامَ نَاعِي الْعُلُومِ أَجْمَعِ لَمَّا … قَامَ نَاعِي مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرِ فَهَوَتْ أَنْجُمٌ لَهَا زَاهِرَاتٌ … مُؤْذِنَاتٌ رُسُومُهَا بِالدُّثُورِ وَتَغَشَّى ضَيَاءَهَا النَّيِّرَ الْإِشْ … رَاقِ ثَوْبُ الدُّجُنَّةِ الدَّيْجُورِ

стр. 9194

وَغَدَا رَوْضُهَا الْأَنِيقُ هَشِيمًا … ثُمَّ عَادَتْ سُهُولُهَا كَالْوُعُورِ يَا أَبَا جَعْفَرٍ مَضَيْتَ حَمِيدًا … غَيْرَ وَانٍ فِي الْجِدِّ وَالتَّشْمِيرِ بَيْنَ أَجْرٍ عَلَى اجْتِهَادِكَ مَوْفُو … رٍ وَسَعْيٍ إِلَى التُّقَى مَشْكُورِ مُسْتَحِقًّا بِهِ الْخُلُودَ لَدَى جَنَّ … ةِ عَدْنٍ فِي غِبْطَةٍ وَسُرُورِ وَلِأَبِي بَكْرِ بْنِ دُرَيْدٍ ﵀ فِيهِ مَرْثَاةٌ طَوِيلَةٌ طَنَّانَةٌ، أَوْرَدَهَا الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ بِتَمَامِهَا، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.

стр. 9195

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى عَشْرَةَ وَثَلَاثِمِائَةٍ فِيهَا دَخَلَ أَبُو طَاهِرٍ سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْجَنَّابِيُّ أَمِيرُ الْقَرَامِطَةِ فِي أَلْفٍ وَسَبْعِمِائَةِ فَارِسٍ إِلَى الْبَصْرَةِ لَيْلًا، نَصَبَ السَّلَالِمَ الشَّعْرَ فِي سُورِهَا، فَدَخَلَهَا قَوْمُهُ وَفَتَحُوا أَبْوَابَهَا، وَقَتَلُوا مَنْ لَقُوهُ مِنْ أَهْلِهَا، وَهَرَبَ أَكْثَرُ النَّاسِ، فَأَلْقَوْا أَنْفُسَهُمْ فِي الْمَاءِ، فَغَرِقَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَمَكَثَ بِهَا سَبْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا يَقْتُلُ وَيَأْسِرُ مَنْ شَاءَ مِنْ نِسَائِهَا وَذَرَارِيِّهَا، وَيَغْنَمُ مَا يَخْتَارُهُ مِنْ أَمْوَالِ أَهْلِهَا، ثُمَّ عَادَ إِلَى بَلَدِهِ هَجَرَ وَذَلِكَ لَمَّا بَعَثَ إِلَيْهِ الْخَلِيفَةُ جُنْدًا مِنْ قِبَلِهِ فَرَّ وَتَرَكَ الْبَلَدَ يَبَابًا، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ عَزَلَ الْمُقْتَدِرُ عَنِ الْوِزَارَةِ حَامِدَ بْنَ الْعَبَّاسِ وَعَلِيَّ بْنَ عِيسَى، وَرَدَّ إِلَى الْوِزَارَةِ أَبَا الْحَسَنِ بْنَ الْفُرَاتِ الْوِلَايَةَ الثَّالِثَةَ، وَسَلَّمَ إِلَيْهِ حَامِدَ بْنَ الْعَبَّاسِ، وَعَلِيَّ بْنَ عِيسَى، فَأَمَّا حَامِدٌ فَإِنَّ الْمُحَسِّنَ بْنَ الْوَزِيرِ ضَمِنَهُ مِنَ الْمُقْتَدِرِ بِخَمْسِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَتَسَلَّمَهُ فَعَاقَبَهُ بِأَنْوَاعِ الْعُقُوبَاتِ، وَأَخَذَ مِنْهُ أَمْوَالًا جَزِيلَةً لَا تُحْصَى

стр. 9196

كَثْرَةً، ثُمَّ أَرْسَلَ بِهِ مَعَ مُوَكَّلِينَ عَلَيْهِ إِلَى وَاسِطٍ لِيَحْتَاطُوا عَلَى أَمْوَالِهِ هُنَاكَ وَحَوَاصِلِهِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْقُوهُ سُمًّا فِي الطَّرِيقِ، فَسَقَوْهُ ذَلِكَ فِي بَيْضٍ مَشْوِيٍّ، كَانَ قَدْ طَلَبَهُ مِنْهُمْ، فَمَاتَ فِي رَمَضَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. وَأَمَّا عَلِيُّ بْنُ عِيسَى فَإِنَّهُ صُودِرَ بِثَلَاثِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَصُودِرَ قَوْمٌ آخَرُونَ مِنْ كُتَّابِهِ، فَكَانَ جُمْلَةُ مَا أُخِذَ مِنْ هَؤُلَاءِ مَعَ مَا كَانَ صُودِرَتْ بِهِ الْقَهْرَمَانَةُ مِنَ الذَّهَبِ شَيْئًا كَثِيرًا جِدًّا، آلَافَ أَلْفٍ مِنَ الدَّنَانِيرِ، وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَأَشَارَ الْوَزِيرُ ابْنُ الْفُرَاتِ عَلَى الْخَلِيفَةِ الْمُقْتَدِرِ بِاللَّهِ أَنْ يُبْعِدَ عَنْهُ مُؤْنِسًا الْخَادِمَ وَيَأْمُرَهُ بِالذَّهَابِ إِلَى الشَّامِ - وَكَانَ قَدْ قَدِمَ مِنْ بِلَادِ الرُّومِ، وَقَدْ فَتَحَ شَيْئًا كَثِيرًا مِنْ بُلْدَانِهِمْ، وَغَنِمَ مَغَانِمَ كَثِيرَةً جِدًّا - فَسَأَلَ أَنْ يُنْظَرَ إِلَى سَلْخِ رَمَضَانَ، وَكَانَ قَدْ أَعْلَمَ الْخَلِيفَةَ بِمَا كَانَ يَعْتَمِدُهُ ابْنُ الْوَزِيرِ مِنْ تَعْذِيبِ النَّاسِ وَمُصَادَرَتِهِمُ الْأَمْوَالَ، فَأَجَابَ الْخَلِيفَةُ الْوَزِيرَ إِلَى إِبْعَادِ مُؤْنِسٍ فَأَخْرَجَهُ إِلَى الشَّامِ. وَفِيهَا كَثُرَ الْجَرَادُ، وَأَفْسَدَ كَثِيرًا مِنَ الْغَلَّاتِ. وَفِي رَمَضَانَ مِنْهَا أُمِرَ بِرَدِّ بَقِيَّةِ الْمَوَارِيثِ إِلَى ذَوِي الْأَرْحَامِ. وَفِيهَا فِي النِّصْفِ مِنْ رَمَضَانَ أُحْرِقَ عَلَى بَابِ الْعَامَّةِ صُورَةُ مَانِي وَأَرْبَعَةُ أَعْدَالٍ مِنْ كُتُبِ الزَّنَادِقَةِ، فَسَقَطَ مِنْهَا ذَهَبٌ كَثِيرٌ كَانَتْ مُحَلَّاةً بِهِ.

стр. 9197

وَفِيهَا اتَّخَذَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْفُرَاتِ الْوَزِيرُ مَارَسْتَانًا فِي دَرْبِ الْفَضْلِ، يُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ فِي كُلِّ شَهْرٍ مِائَتَيْ دِينَارٍ. وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: الْخَلَّالُ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ، أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ صَاحِبُ كِتَابِ «الْجَامِعِ لِعُلُومِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ» وَلَمْ يُصَنَّفْ فِي مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ مَثْلُ هَذَا الْكِتَابِ، وَقَدْ سَمِعَ الْحَدِيثَ مِنَ الْحَسَنِ بْنِ عَرَفَةَ وَسَعْدَانَ بْنِ نَصْرٍ وَغَيْرِهِمَا. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ لِيَوْمَيْنِ مَضَيَا مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْهَا. أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَرِيرِيُّ، أَحَدُ أَئِمَّةِ الصُّوفِيَّةِ، أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَرِيرِيُّ أَحَدُ كِبَارِ الصُّوفِيَّةِ، صَحِبَ سَرِيًّا السَّقَطِيَّ، وَكَانَ الْجُنَيْدُ يُكْرِمُهُ وَيَحْتَرِمُهُ، وَلَمَّا حَضَرَتِ الْجُنَيْدَ الْوَفَاةُ أَوْصَى أَنْ يُجَالَسَ الْجَرِيرِيُّ، وَقَدِ اشْتَبَهَ عَلَى الْجَرِيرِيِّ هَذَا شَأْنُ الْحَلَّاجِ، فَكَانَ مِمَّنْ أَجْمَلَ الْقَوْلَ فِيهِ، عَلَى أَنَّ الْجَرِيرِيَّ هَذَا مَذْكُورٌ بِالصَّلَاحِ وَالدِّيَانَةِ وَحُسْنِ الْأَدَبِ مَعَ اللَّهِ . الزَّجَّاجُ صَاحِبُ «مَعَانِي الْقُرْآنِ» إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ بْنِ سَهْلٍ، أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ كَانَ فَاضِلًا دَيِّنًا حَسَنَ الِاعْتِقَادِ، وَلَهُ الْمُصَنَّفَاتُ الْحَسَنَةُ،

стр. 9198

مِنْهَا كِتَابُ «مَعَانِي الْقُرْآنِ» وَغَيْرُهُ مِنَ الْمُصَنَّفَاتِ الْعَدِيدَةِ الْمُفِيدَةِ، وَقَدْ كَانَ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ يَخْرُطُ الزُّجَاجَ، فَأَحَبَّ عِلْمَ النَّحْوِ، فَذَهَبَ إِلَى الْمُبَرِّدِ، فَكَانَ يُعْطِي الْمُبَرِّدَ كُلَّ يَوْمٍ دِرْهَمًا، ثُمَّ اسْتَغْنَى الزَّجَّاجُ وَكَثُرَ مَالُهُ، وَلَمْ يَقْطَعْ عَنِ الْمُبَرِّدِ ذَلِكَ الدِّرْهَمَ حَتَّى مَاتَ الْمُبَرِّدُ وَقَدْ كَانَ الزَّجَّاجُ مُؤَدِّبًا لِلْقَاسِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، فَلَمَّا وَلِيَ الْوِزَارَةَ كَانَ النَّاسُ يَأْتُونَهُ بِالرِّقَاعِ لِيُقَدِّمَهَا إِلَى الْوَزِيرِ، فَحَصَلَ لَهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ مَا يَزِيدُ عَلَى أَرْبَعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي جُمَادَى الْأُولَى مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. وَعَنْهُ أَخَذَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ النَّحْوِيُّ وَأَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ الزَّجَّاجِيُّ، نُسِبَ إِلَيْهِ; لِأَخْذِهِ عَنْهُ، وَهُوَ صَاحِبُ كِتَابِ «الْجُمَلِ» فِي النَّحْوِ. بَدْرٌ مَوْلَى الْمُعْتَضِدِ وَهُوَ بَدْرٌ الْحَمَامِيُّ، وَيُقَالُ لَهُ: بَدْرٌ الْكَبِيرُ. كَانَ فِي آخِرِ وَقْتٍ عَلَى نِيَابَةِ فَارِسَ وَوَلِيَ مِنْ بَعْدِهِ وَلَدُهُ مُحَمَّدٌ. حَامِدُ بْنُ الْعَبَّاسِ اسْتَوْزَرَهُ الْمُقْتَدِرُ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَكَانَ كَثِيرَ الْمَالِ وَالْغِلْمَانِ، كَثِيرَ النَّفَقَاتِ، كَرِيمًا سَخِيًّا، كَثِيرَ الْمُرُوءَةِ، وَلَهُ حِكَايَاتٌ تَدُلُّ عَلَى بَذْلِهِ وَإِعْطَائِهِ الْأَمْوَالَ الْجَزِيلَةَ، وَمَعَ هَذَا كَانَ يَجْمَعُ شَيْئًا كَثِيرًا، وُجِدَ لَهُ فِي مَطْمُورَةٍ أُلُوفٌ مِنَ الذَّهَبِ، كَانَ فِي كُلِّ يَوْمٍ إِذَا دَخَلَ إِلَيْهَا أَلْقَى فِيهَا أَلْفَ

стр. 9199

دِينَارٍ، فَلَمَّا امْتَلَأَتْ، طَمَّهَا، فَلَمَّا صُودِرَ، دَلَّ عَلَيْهَا، فَاسْتُخْرِجَ مِنْهَا مَالٌ جَزِيلٌ جِدًّا، وَمَنْ أَكْبَرِ مَنَاقِبِهِ أَنَّهُ كَانَ مِنْ أَكْبَرِ السُّعَاةِ فِي الْحُسَيْنِ بْنِ مَنْصُورٍ الْحَلَّاجِ حَتَّى قُتِلَ، كَمَا ذَكَرْنَا قَبْلَ هَذَا، ثُمَّ كَانَتْ وَفَاةُ الْوَزِيرِ حَامِدِ بْنِ الْعَبَّاسِ فِي رَمَضَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ مَسْمُومًا. وَفِيهَا تُوُفِّيَ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بُجَيْرٍ الْبُجَيْرِيُّ صَاحِبُ «الصَّحِيحِ». ابْنُ خُزَيْمَةَ، مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ صَالِحِ بْنِ بَكْرٍ السُّلَمِيُّ، مَوْلَى مُجَشِّرِ بْنِ مُزَاحِمٍ، الْإِمَامُ أَبُو بَكْرِ بْنُ خُزَيْمَةَ، الْمُلَقَّبُ بِإِمَامِ الْأَئِمَّةِ، كَانَ مِنْ أَوْعِيَةِ الْعِلْمِ وَبُحُورِهِ، وَمِمَّنْ طَافَ الْبُلْدَانَ، وَرَحَلَ إِلَى الْآفَاقِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ وَسَمَاعِ الْحَدِيثِ، وَكَتَبَ الْكَثِيرَ وَصَنَّفَ وَجَمَعَ، وَلَهُ كِتَابُ «الصَّحِيحِ» مِنْ أَنْفَعِ الْكُتُبِ وَأَجَلِّهَا، وَهُوَ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ، وَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ فِي «طَبَقَاتِ الشَّافِعِيَّةِ» عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: مَا قَلَّدْتُ أَحَدًا مُنْذُ بَلَغْتُ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً. وَقَدْ ذَكَرْنَا تَرْجَمَتَهُ مُطَوَّلَةً فِي كِتَابِنَا «طَبَقَاتِ الشَّافِعِيَّةِ» بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ، وَهُوَ الَّذِي قَامَ يُصَلِّي حِينَ وَقَعَتِ الْقُرْعَةُ عَلَيْهِ لِيَسْتَرْزِقَ اللَّهَ فِي صَلَاتِهِ حِينَ أَرْمَلَ هُوَ وَمُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ، وَمُحَمَّدُ

стр. 9200

بْنُ جَرِيرٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ الرُّويَانِيُّ، وَقَدْ أَوْرَدَهَا ابْنُ الْجَوْزِيِّ مِنْ طَرِيقَيْنِ فِي تَرْجَمَتِهِ، وَذَلِكَ بِبَلَدِ مِصْرَ فِي دَوْلَةِ أَحْمَدَ بْنِ طُولُونَ، فَرَزَقَهُمُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا نَحْوَ ذَلِكَ فِي تَرْجَمَةِ الْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ: مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا الطَّبِيبُ صَاحِبُ الْمُصَنَّفِ الْكَبِيرِ فِي الطِّبِّ.

стр. 9201

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ وَثَلَاثِمِائَةٍ فِي الْمُحَرَّمِ مِنْهَا اعْتَرَضَ الْقِرْمِطِيُّ أَبُو طَاهِرٍ سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْجَنَّابِيُّ - لَعَنَهُ اللَّهُ، وَلَعَنَ مَعَهُ أَبَاهُ - لِلْحَجِيجِ وَهُمْ رَاجِعُونَ مِنْ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ قَدْ أَدَّوْا فَرْضَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، فَقَطَعَ عَلَيْهِمُ الطَّرِيقَ، فَقَاتَلُوهُ دَفْعًا عَنْ أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَحَرِيمِهِمْ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ، ، وَأَسَرَ مِنْ نِسَائِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ مَا اخْتَارَهُ، وَاصْطَفَى مِنْ أَمْوَالِهِمْ مَا أَرَادَ، فَكَانَ مَبْلَغُ مَا أَخَذَ مِنَ الْأَمْوَالِ مَا يُقَاوِمُ أَلْفَ أَلْفِ دِينَارٍ، وَمِنَ الْأَمْتِعَةِ وَالْمَتَاجِرِ نَحْوَ ذَلِكَ، وَتَرَكَ بَقِيَّةَ النَّاسِ - بَعْدَمَا أَخَذَ جِمَالَهُمْ وَزَادَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ عَلَى بُعْدِ الدِّيَارِ فِي الْبَرِّيَّةِ - بِلَا زَادٍ وَلَا مَاءٍ وَلَا مَحْمَلٍ. وَقَدْ حَاجَفَ عَنِ النَّاسِ نَائِبُ الْكُوفَةِ أَبُو الْهَيْجَاءِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَمْدَانَ، فَقَهَرَهُ وَأَسَرَهُ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. وَكَانَ عِدَّةُ مَنْ مَعَ الْقِرْمِطِيِّ ثَمَانِمِائَةِ مُقَاتِلٍ، وَعُمْرُهُ إِذْ ذَاكَ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، قَصَمَهُ اللَّهُ. وَلَمَّا انْتَهَى خَبَرُهُمْ إِلَى بَغْدَادَ قَامَ نِسَاؤُهُمْ وَأَهَالِيهِمْ فِي النِّيَاحَةِ، وَنَشَرْنَ شُعُورَهُنَّ وَلَطَمْنَ وُجُوهَهُنَّ، وَانْضَافَ إِلَيْهِنَّ نِسَاءُ الَّذِينَ نُكِبُوا عَلَى يَدَيِ

стр. 9202

الْوَزِيرِ ابْنِ الْفُرَاتِ، فَكَانَ بِبَغْدَادَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ بِسَبَبِ ذَلِكَ فِي غَايَةِ الْفَظَاعَةِ وَالشَّنَاعَةِ، وَلَمَّا سَأَلَ الْخَلِيفَةُ عَنِ الْخَبَرِ، ذُكِرَ لَهُ أَنَّ هَذِهِ نِسْوَةُ الْحَجِيجِ، وَمَعَهُنَّ نِسَاءُ الَّذِينَ صَادَرَهُمُ ابْنُ الْفُرَاتِ، وَجَاءَتْ عَلَى يَدِ الْحَاجِبِ نَصْرٍ الْقُشُورِيِّ الْمَشُورَةُ عَلَى الْوَزِيرِ، وَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّمَا اسْتَوْلَى هَذَا الْقِرْمِطِيُّ بِسَبَبِ إِبْعَادِكَ الْمُظَفَّرَ مُؤْنِسًا الْخَادِمَ، فَطَمِعَ هَؤُلَاءِ فِي الْأَطْرَافِ، وَمَا أَشَارَ عَلَيْكَ بِإِبْعَادِهِ إِلَّا ابْنُ الْفُرَاتِ. وَبَعَثَ الْخَلِيفَةُ الْمُقْتَدِرُ إِلَى الْوَزِيرِ ابْنِ الْفُرَاتِ، يَقُولُ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ يَتَكَلَّمُونَ فِيكَ لِنُصْحِكَ إِيَّايَ. وَأَرْسَلَ يُطَيِّبُ قَلْبَهُ، فَرَكِبَ هُوَ وَوَلَدُهُ إِلَى الْخَلِيفَةِ فَدَخَلَا عَلَيْهِ، فَأَكْرَمَهُمَا وَطَيَّبَ قُلُوبَهُمَا، وَخَرَجَا مِنْ عِنْدِهِ، فَنَالَهُ أَذًى كَثِيرٌ مِنْ نَصْرٍ الْحَاجِبِ وَغَيْرِهِ مِنْ كِبَارِ الْأُمَرَاءِ، وَجَلَسَ الْوَزِيرُ فِي دَسْتِهِ، فَحَكَمَ بَيْنَ النَّاسِ عَلَى عَادَتِهِ، وَبَاتَ لَيْلَتَهُ تِلْكَ مُفَكِّرًا فِي أَمْرِهِ، وَأَصْبَحَ كَذَلِكَ وَهُوَ يَنْشُدُ: فَأَصْبَحَ لَا يَدْرِي وَإِنْ كَانَ حَازِمًا … أَقُدَّامَهُ خَيْرٌ لَهُ أَمْ وَرَاءَهُ ثُمَّ جَاءَهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أَمِيرَانِ مِنْ جِهَةِ الْخَلِيفَةِ الْمُقْتَدِرِ فَدَخَلَا عَلَيْهِ دَارَهُ إِلَى بَيْنِ حَرَمِهِ، وَأَخْرَجُوهُ مَكْشُوفًا رَأْسُهُ، وَهُوَ فِي غَايَةِ الْمَذَلَّةِ وَالْإِهَانَةِ، فَأَرْكَبُوهُ فِي حَرَّاقَةٍ إِلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ. وَفَهِمَ النَّاسُ ذَلِكَ، فَرَجَمُوا ابْنَ الْفُرَاتِ

стр. 9203

بِالْآجُرِّ، وَتَعَطَّلَتِ الْجَوَامِعُ، وَسَخَّمَتِ الْعَامَّةُ الْمَحَارِيبَ، وَلَمْ يُصَلِّ النَّاسُ الْجُمُعَةَ فِيهَا، وَأُخِذَ خَطُّهُ بِأَلْفَيْ أَلْفِ دِينَارٍ، وَأُخِذَ خَطُّ ابْنِهِ بِثَلَاثَةِ آلَافِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَسُلِّمَا إِلَى نَازُوكَ أَمِيرِ الشُّرْطَةِ، فَاعْتُقِلَا حِينًا، وَخَلَّصَ مِنْهُمَا الْأَمْوَالَ، فَلَمَّا قَدِمَ مُؤْنِسٌ الْخَادِمُ سُلِّمَ إِلَيْهِ الْوَزِيرُ ابْنُ الْفُرَاتِ، فَأَهَانَهُ غَايَةَ الْإِهَانَةِ بِالضَّرْبِ وَالتَّقْرِيعِ لَهُ وَلِوَلَدِهِ الْمُحَسِّنِ الْمُجْرِمِ الَّذِي لَيْسَ بِمُحَسِّنٍ، ثُمَّ قُتِلَا بَعْدَ ذَلِكَ. فَكَانَتْ وِزَارَتُهُ هَذِهِ الثَّالِثَةُ; عَشَرَةَ أَشْهُرٍ وَأَيَّامًا. وَاسْتُوزِرَ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَاقَانَ، وَذَلِكَ فِي تَاسِعِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. وَكَانَ الْخَلِيفَةُ قَدْ أَرْسَلَ إِلَى مُؤْنِسٍ الْخَادِمِ لِيَحْضُرَ، فَدَخَلَ بَغْدَادَ فِي تَجَمُّلٍ عَظِيمٍ، وَسُلِّمَ إِلَيْهِ ابْنُ الْفُرَاتِ كَمَا ذَكَرْنَا، فَعَاقَبَهُ، وَشَفَعَ إِلَى الْخَاقَانِيِّ فِي أَنْ يُرْسِلَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ عِيسَى - وَكَانَ قَدْ صَارَ إِلَى صَنْعَاءَ مِنَ الْيَمَنِ مَطْرُودًا - فَعَادَ إِلَى مَكَّةَ وَبَعَثَ إِلَيْهِ الْوَزِيرُ أَنْ يَنْظُرَ فِي أَمْرِ الشَّامِ وَمِصْرَ، وَأَمَرَ الْخَلِيفَةُ مُؤْنِسًا الْخَادِمَ بِالْمَسِيرِ إِلَى نَاحِيَةِ الْكُوفَةِ لِأَجْلِ الْقَرَامِطَةِ، وَأَنْفَقَ عَلَى خُرُوجِهِ إِلَى هُنَالِكَ أَلْفَ أَلْفِ دِينَارٍ، وَأَطْلَقَ الْقِرْمِطِيُّ مَنْ كَانَ أَسَرَهُ مِنَ الْحَجِيجِ وَكَانُوا أَلْفَيْ رَجُلٍ وَخَمْسَمِائَةِ امْرَأَةٍ، وَأَطْلَقَ أَبَا الْهَيْجَاءِ نَائِبَ الْكُوفَةِ مَعَهُمْ أَيْضًا، وَكَتَبَ إِلَى الْخَلِيفَةِ يَسْأَلُ مِنْهُ الْبَصْرَةَ وَالْأَهْوَازَ، فَلَمْ يُجَبْ إِلَى ذَلِكَ، وَرَكِبَ الْمُظَفَّرُ مُؤْنِسٌ

стр. 9204

الْخَادِمُ فِي جَحَافِلَ إِلَى بِلَادِ الْكُوفَةِ فَسَكَنَ أَمْرُهَا، ثُمَّ انْحَدَرَ مِنْهَا إِلَى وَاسِطٍ; خَوْفًا عَلَيْهَا مِنَ الْقَرَامِطَةِ، وَاسْتَنَابَ عَلَى الْكُوفَةِ يَاقُوتَ الْخَادِمَ، فَتَمَهَّدَتِ الْأُمُورُ وَانْصَلَحَتْ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ ظَهَرَ رَجُلٌ بَيْنَ الْكُوفَةِ وَبَغْدَادَ، فَادَّعَى أَنَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَصَدَّقَهُ عَلَى ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنَ الْأَعْرَابِ وَالطَّغَامِ، وَالْتَفُّوا عَلَيْهِ، وَقَوِيَتْ شَوْكَتُهُ فِي شَوَّالٍ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْوَزِيرُ جَيْشًا فَقَاتَلُوهُ فَهَزَمُوهُ، وَقَتَلُوا خَلْقًا مِنْ أَصْحَابِهِ، وَتَفَرَّقَ بَقِيَّتُهُمْ. وَهَذَا الْمُدَّعِي الْمَذْكُورُ هُوَ رَئِيسُ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ وَأَوَّلُهُمْ. وَظَفِرَ نَازُوكُ نَائِبُ الشُّرْطَةِ بِثَلَاثَةٍ مِنْ أَصْحَابِ الْحَلَّاجِ وَهُمْ حَيْدَرَةُ، وَالشَّعْرَانِيُّ، وَابْنُ مَنْصُورٍ، فَطَالَبَهُمْ بِالرُّجُوعِ، فَلَمْ يَرْجِعُوا، فَضَرَبَ أَعْنَاقَهُمْ، وَصَلَبَهُمْ فِي الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ. وَلَمْ يَحُجَّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ; لِكَثْرَةِ خَوْفِ النَّاسِ مِنَ الْقَرَامِطَةِ، لَعَنَهُمُ اللَّهُ. وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَعْيَانِ: إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْشٍ، أَبُو إِسْحَاقَ الْوَاعِظُ الزَّاهِدُ النَّيْسَابُورِيُّ، كَانَ يَعِظُ النَّاسَ، فَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ كَلَامِهِ الْحَسَنِ قَوْلُهُ: يَضْحَكُ الْقَضَاءُ مِنَ الْحَذَرِ، وَيَضْحَكُ الْأَجَلُ مِنَ الْأَمَلِ، وَيَضْحَكُ التَّقْدِيرُ مِنَ التَّدْبِيرِ، وَتَضْحَكُ الْقِسْمَةُ مِنَ الْجَهْدِ وَالْعَنَاءِ.

стр. 9205

عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْفُرَاتِ، أَبُو الْحَسَنِ الْوَزِيرُ وَلَّاهُ الْمُقْتَدِرُ الْوِزَارَةَ، ثُمَّ عَزَلَهُ، ثُمَّ وَلَّاهُ، ثُمَّ عَزَلَهُ، ثُمَّ وَلَّاهُ، ثُمَّ عَزَلَهُ هَذِهِ السَّنَةَ وَقَتَلَهُ، وَكَانَ ذَا مَالٍ جَزِيلٍ جِدًّا، مَلَكَ عَشَرَةَ آلَافِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَكَانَ يَدْخُلُهُ مِنْ ضِيَاعِهِ فِي كُلِّ سَنَةٍ أَلْفَا أَلْفِ دِينَارٍ، وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى خَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالْعُبَّادِ وَيُجْرِي عَلَيْهِمُ الْأَرْزَاقَ فِي كُلِّ شَهْرٍ، أَثَابَهُ اللَّهُ، وَكَانَ فِيهِ كِفَايَةٌ وَنَهْضَةٌ وَمَعْرِفَةٌ بِالْوِزَارَةِ وَالْحِسَابِ، يُقَالُ: إِنَّهُ نَظَرَ يَوْمًا فِي أَلْفِ كِتَابٍ، وَوَقَّعَ عَلَى أَلْفِ رُقْعَةٍ، فَتَعَجَّبَ مَنْ حَضَرَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَكَانَتْ فِيهِ مُرُوءَةٌ وَكَرَمٌ وَحُسْنُ سِيرَةٍ فِي وِلَايَاتِهِ، غَيْرَ الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ; فَإِنَّهُ ظَلَمَ وَغَشَمَ وَصَادَرَ النَّاسَ عَنْ أَمْوَالِهِمْ، فَأَخَذَهُ اللَّهُ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ. وَقَدْ كَانَ فِيهِ كَرَمٌ وَسَعَةٌ فِي النَّفَقَةِ، ذُكِرَ عِنْدَهُ ذَاتَ لَيْلَةٍ أَهْلُ الْحَدِيثِ وَالصُّوفِيَّةُ وَأَهْلُ الْأَدَبِ وَالشُّعَرَاءُ وَالْفُقَهَاءُ، فَأَطْلَقَ مِنْ مَالِهِ لِكُلِّ طَائِفَةٍ عِشْرِينَ أَلْفًا. وَكَتَبَ رَجُلٌ عَلَى لِسَانِهِ إِلَى نَائِبِ مِصْرَ كِتَابًا فِيهِ الْوَصِيَّةُ بِهِ إِلَيْهِ، فَلَمَّا وَقَفَ عَلَى الْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ اسْتَرَابَ بِهِ، وَقَالَ: مَا هَذَا خَطُّهُ، وَأَرْسَلَ بِهِ إِلَى الْوَزِيرِ، فَلَمَّا وَقَفَ عَلَيْهِ الْوَزِيرُ عَرَفَ أَنَّهُ كَذِبٌ وَزُورٌ، وَاسْتَشَارَ الْحَاضِرِينَ عِنْدَهُ فِي الَّذِي زَوَّرَ عَلَيْهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَنْبَغِي أَنْ تُقْطَعَ يَدُهُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: يُقْطَعُ إِبْهَامُهُ، وَقَالَ الْآخَرُ: يُضْرَبُ ضَرْبًا عَنِيفًا. فَقَالَ الْوَزِيرُ: أَوْ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ؟ فَأَخَذَ الْكِتَابَ،

стр. 9206

وَكَتَبَ عَلَيْهِ: نَعَمْ هَذَا خَطِّي، وَهُوَ مِنْ أَخَصِّ أَصْحَابِي، فَلَا تَتْرُكْ شَيْئًا مِمَّا تَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ الْإِحْسَانِ إِلَّا وَصَلْتَهُ بِهِ. فَلَمَّا عَادَ الْكِتَابُ أَحْسَنَ نَائِبُ مِصْرَ إِلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ، وَوَصَلَهُ بِنَحْوٍ مِنْ عِشْرِينَ أَلْفِ دِينَارٍ. وَاسْتَدْعَى ابْنُ الْفُرَاتِ يَوْمًا بِبَعْضِ الْكُتَّابِ، فَقَالَ لَهُ: وَيْحَكَ! إِنَّ نِيَّتِي فِيكَ سَيِّئَةٌ، وَإِنِّي فِي كُلِّ وَقْتٍ أُرِيدُ أَنْ أَقْبِضَ عَلَيْكَ وَأُصَادِرَكَ مَالَكَ، فَرَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ مِنْ لَيَالٍ أَنِّي قَدْ أَمَرْتُ بِالْقَبْضِ عَلَيْكَ، فَجَعَلْتَ تَمْتَنِعُ مِنِّي، فَأَمَرْتُ جُنْدِي أَنْ تُقَاتِلَ، فَجَعَلُوا كُلَّمَا ضَرَبُوكَ بِشَيْءٍ مِنْ سِهَامٍ أَوْ غَيْرِهَا مِنَ السِّلَاحِ تَتَّقِي الضَّرْبَ بِرَغِيفٍ فِي يَدِكَ، فَلَا يَصِلُ إِلَيْكَ بِسَبَبِهِ شَيْءٌ، فَأَعْلِمْنِي مَا قِصَّةُ هَذَا الرَّغِيفِ؟ فَقَالَ: أَيُّهَا الْوَزِيرُ، إِنَّ أُمِّي مُنْذُ كُنْتُ صَغِيرًا كَانَتْ تَضَعُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ تَحْتَ وِسَادَتِي رَغِيفًا، ثُمَّ تُصْبِحُ فَتَتَصَدَّقُ بِهِ عَنِّي، وَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبَهَا حَتَّى مَاتَتْ. فَفَعَلْتُهُ بَعْدَهَا، فَأَنَا فِي كُلِّ لَيْلَةٍ أُبَيِّتُ تَحْتَ وِسَادَتِي رَغِيفًا، ثُمَّ أُصْبِحُ فَأَتَصَدَّقُ بِهِ، فَعَجِبَ الْوَزِيرُ مِنْ ذَلِكَ وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا يَنَالُكَ مِنِّي سُوءٌ أَبَدًا، وَلَقَدْ حَسُنَتْ نِيَّتِي فِيكَ وَأَحْبَبْتُكَ. وَقَدْ أَطَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ تَرْجَمَتَهُ وَذَكَرَ بَعْضَ مَا أَوْرَدْنَاهُ. مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو بَكْرٍ الْأَزْدِيُّ الْوَاسِطِيُّ، الْمَعْرُوفُ بَالْبَاغَنْدِيِّ، سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَابْنَ أَبِي شَيْبَةَ، وَشَيْبَانَ بْنِ فَرُّوخَ، وَعَلِيَّ بْنَ الْمَدِينِيِّ، وَخَلْقًا مِنْ أَهْلِ الشَّامِ وَمِصْرَ وَالْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ وَبَغْدَادَ، وَرَحَلَ إِلَى الْأَمْصَارِ الْبَعِيدَةِ، وَعُنِيَ

стр. 9207

بِهَذَا الشَّأْنِ، وَاشْتَغَلَ فِيهِ فَأَفْرَطَ، حَتَّى قِيلَ: إِنَّهُ كَانَ رُبَّمَا سَرَدَ بَعْضَ الْأَحَادِيثِ بِأَسَانِيدِهَا فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ، فَيُسَبِّحُ بِهِ حَتَّى يَتَذَكَّرَ أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ. وَكَانَ يَقُولُ: أَنَا أُجِيبُ فِي ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفِ مَسْأَلَةٍ مِنَ الْحَدِيثِ. وَقَدْ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَنَامِ، فَقَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّمَا أَثْبَتُ فِي الْحَدِيثِ مَنْصُورٌ أَوِ الْأَعْمَشُ؟ فَقَالَ لَهُ: مَنْصُورٌ، مَنْصُورٌ. وَقَدْ كَانَ يُعَابُ بِالتَّدْلِيسِ، حَتَّى قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: هُوَ كَثِيرُ التَّدْلِيسِ، يُحَدِّثُ بِمَا لَمْ يَسْمَعْ، وَرُبَّمَا سَرَقَ بَعْضَ الْأَحَادِيثِ.

стр. 9208

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَثَلَاثِمِائَةٍ قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: لِلَيْلَةٍ بَقِيَتْ مِنَ الْمُحَرَّمِ انْقَضَّ كَوْكَبٌ مِنْ نَاحِيَةِ الْجَنُوبِ إِلَى الشَّمَالِ قَبْلَ مَغِيبِ الشَّمْسِ، فَأَضَاءَتِ الدُّنْيَا مِنْهُ، وَسُمِعَ لَهُ صَوْتٌ كَصَوْتِ الرَّعْدِ الشَّدِيدِ. وَفِي صَفَرٍ بَلَغَ الْخَلِيفَةَ الْمُقْتَدِرَ بِاللَّهِ أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الرَّافِضَةِ يَجْتَمِعُونَ فِي مَسْجِدِ بَرَاثَا، فَيَنَالُونَ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَا يُصَلُّونَ الْجُمُعَةَ، وَيُكَاتِبُونَ الْقَرَامِطَةَ، وَيَدْعُونَ إِلَى وِلَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الَّذِي ظَهَرَ بَيْنَ الْكُوفَةِ وَبَغْدَادَ، وَيَدَّعُونَ أَنَّهُ الْمَهْدِيُّ، وَيَتَبَرَّءُونَ مِنَ الْمُقْتَدِرِ وَمِمَّنْ يَتَّبِعُهُ، فَأَمَرَ بِالِاحْتِيَاطِ عَلَيْهِمْ، وَاسْتَفْتَى الْعُلَمَاءَ فِي الْمَسْجِدِ الْمَذْكُورِ، فَأَفْتَوْا بِأَنَّهُ مَسْجِدٌ ضِرَارٌ يُهْدَمُ كَمَا هُدِمَ مَسْجِدُ الضِّرَارِ، فَضَرَبَ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْهُمُ الضَّرْبَ الْمُبَرِّحَ، وَنُودِيَ عَلَيْهِمْ، وَأَمَرَ الْخَلِيفَةُ بِهَدْمِ الْمَسْجِدِ الْمَذْكُورِ، فَهَدَمَهُ نَازُوكُ وَأَمَرَ الْوَزِيرَ الْخَاقَانِيَّ، فَجَعَلَ مَكَانَهُ مَقْبَرَةً، فَدُفِنَ فِيهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمَوْتَى. وَخَرَجَ النَّاسُ لِلْحَجِّ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، فَاعْتَرَضَهُمْ أَبُو طَاهِرٍ سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ

стр. 9209

الْجَنَّابِيُّ الْقِرْمِطِيُّ - لَعَنَهُمَا اللَّهُ - فَرَجَعَ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَى بُلْدَانِهِمْ، وَلَمْ يُمْكِنْهُمُ الْحَجُّ عَامَهُمْ هَذَا، وَيُقَالُ: إِنَّ بَعْضَهُمْ سَأَلَ مِنْهُ الْأَمَانَ لِيَذْهَبُوا فَأَمَّنَهُمْ. وَقَدْ قَاتَلَهُ جُنْدُ الْخَلِيفَةِ، فَلَمْ يُفِدْ ذَلِكَ فِيهِ شَيْئًا; لِتَمَرُّدِهِ وَشِدَّةِ بَأْسِ مَنْ مَعَهُ، وَانْزَعَجَ أَهْلُ بَغْدَادَ مِنْ ذَلِكَ وَتَرَحَّلَ أَهْلُ الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِلَى الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ خَوْفًا مِنَ الْقَرَامِطَةِ، وَدَخَلَ الْقِرْمِطِيُّ إِلَى الْكُوفَةَ فَأَقَامَ بِهَا سِتَّةَ أَيَّامٍ يَأْخُذُ مِنْ أَمْوَالِهَا مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَكَثُرَ الرُّطَبُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ بِبَغْدَادَ، حَتَّى بِيعَ كُلُّ ثَمَانِيَةِ أَرْطَالٍ بِحَبَّةٍ، وَعُمِلَ مِنْهُ تَمْرٌ وَحُمِلَ إِلَى الْبَصْرَةِ. وَعَزَلَ الْمُقْتَدِرُ وَزِيرَهُ الْخَاقَانِيَّ عَنِ الْوِزَارَةِ بَعْدَ سَنَةٍ وَسِتَّةِ أَشْهُرٍ وَيَوْمَيْنِ، وَوَلِيَ مَكَانَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْخَصِيبِ الْخَصِيبِيُّ; لِأَجْلِ مَالٍ بَذَلَهُ مِنْ جِهَةِ زَوْجَةِ الْمُحَسِّنِ بْنِ الْفُرَاتِ، وَكَانَ ذَلِكَ الْمَالُ سَبْعَمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، فَأَقَرَّ الْخَصِيبِيُّ عَلِيَّ بْنَ عِيسَى عَلَى الْإِشْرَافِ عَلَى دِيَارِ مِصْرَ وَبِلَادِ الشَّامِ وَهُوَ مُقِيمٌ بِمَكَّةَ يَسِيرُ إِلَيْهَا فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ، فَيَعْمَلُ مَا يَنْبَغِي عَمَلُهُ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى مَكَّةَ، شَرَّفَهَا اللَّهُ . ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ أَبُو الْحَسَنِ الْغَضَائِرِيُّ،

стр. 9210

سَمِعَ الْقَوَارِيرِيَّ وَعَبَّاسًا الْعَنْبَرِيَّ، وَكَانَ مِنَ الْعُبَّادِ الثِّقَاتِ. قَالَ: جِئْتُ يَوْمًا إِلَى السَّرِيِّ السَّقَطِيِّ، فَدَقَقْتُ عَلَيْهِ بَابَهُ، فَخَرَجَ إِلَيَّ، وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى عِضَادَتَيِ الْبَابِ، وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اشْغَلْ مَنْ شَغَلَنِي عَنْكَ بِكَ. قَالَ: فَنَالَتْنِي بَرَكَةُ هَذِهِ الدَّعْوَةِ، فَحَجَجْتُ عَلَى قَدَمِي مِنْ حَلَبَ إِلَى مَكَّةَ أَرْبَعِينَ حَجَّةً ذَاهِبًا وَآيِبًا. أَبُو الْعَبَّاسِ السَّرَّاجُ الْحَافِظُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مِهْرَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيُّ مَوْلَاهُمْ، أَبُو الْعَبَّاسِ السَّرَّاجُ، أَحَدُ الْأَئِمَّةِ الثِّقَاتِ الْحُفَّاظِ، مَوْلِدُهُ سَنَةَ ثَمَانِي عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ، سَمِعَ قُتَيْبَةَ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ وَخَلْقًا كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ وَبَغْدَادَ وَالْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ وَالْحِجَازِ، وَقَدْ حَدَّثَ عَنْهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، وَهُمَا أَكْبَرُ مِنْهُ وَأَقْدَمُ مِيلَادًا وَوَفَاةً، وَلَهُ مُصَنَّفَاتٌ كَثِيرَةٌ نَافِعَةٌ جِدًّا، وَكَانَ يُعَدُّ مِنْ مُجَابِي الدَّعْوَةِ. وَقَدْ رَأَى فِي مَنَامِهِ كَأَنَّهُ يَرْقَى فِي سُلَّمٍ، فَصَعِدَ فِيهِ تِسْعًا وَتِسْعِينَ دَرَجَةً، فَمَا أَوَّلَهَا عَلَى أَحَدٍ إِلَّا قَالَ لَهُ: تَعِيشُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ سَنَةً. فَكَانَ كَذَلِكَ. وَقَدْ وُلِدَ لَهُ ابْنُهُ أَبُو عَمْرٍو، وَعُمْرُهُ ثَلَاثٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً. قَالَ الْحَاكِمُ: فَسَمِعْتُ أَبَا عَمْرٍو يَقُولُ: فَكُنْتُ إِذَا دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ عَلَى أَبِي وَالنَّاسُ عِنْدَهُ يَقُولُ لَهُمْ: هَذَا عَمِلْتُهُ فِي لَيْلَةٍ، وَلِي مِنَ الْعُمُرِ ثَلَاثٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً.
следующие страницы →