← История

История · id 4445

البداية والنهاية - ت التركي

ابن كثير

Полный текст (13 161 стр.). Показаны 9276–9315 · переход к 9281.

стр. 9276

وَمِنْ شِعْرِهِ: وَلَوْ مَضَى الْكُلُّ مِنِّي لَمْ يَكُنْ عَجَبًا … وَإِنَّمَا عَجَبِي فِي الْبَعْضِ كَيْفَ بَقِي أَدْرِكْ بَقِيَّةَ رُوحٍ مَنْكَ قَدْ تَلِفَتْ … قَبْلَ الْفِرَاقِ فَهَذَا آخِرُ الرَّمَقِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَعْرُوفُ بِخَيْرٍ النَّسَّاجِ أَبُو الْحَسَنِ الصُّوفِيُّ مِنْ كِبَارِ الْمَشَايِخِ ذَوِي الْأَحْوَالِ الصَّالِحَةِ وَالْكَرَامَاتِ الْمَشْهُورَةِ، أَدْرَكَ سَرِيًّا السَّقَطِيَّ وَغَيْرَهُ مِنْ مَشَايِخِ الْقَوْمِ، وَعَاشَ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً. وَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ نَظَرَ إِلَى زَاوِيَةِ الْبَيْتِ، فَقَالَ: قِفْ رَحِمَكَ اللَّهُ، فَإِنَّكَ عَبْدٌ مَأْمُورٌ، وَأَنَا عَبْدٌ مَأْمُورٌ، وَمَا أُمِرْتَ بِهِ لَا يَفُوتُ، وَمَا أُمِرْتُ بِهِ يَفُوتُ. ثُمَّ قَامَ، فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى وَتَمَدَّدَ فَمَاتَ، ﵀. وَقَدْ رَآهُ بَعْضُهُمْ فِي الْمَنَامِ فَقَالَ لَهُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ فَقَالَ: اسْتَرَحْنَا مِنْ دُنْيَاكُمُ الْوَضِرَةِ.

стр. 9277

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ فِيهَا أُحْضِرَ ابْنُ شَنَبُوذَ الْمُقْرِئُ، فَأَنْكَرَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْقُرَّاءِ عَلَيْهِ حُرُوفًا انْفَرَدَ بِهَا، فَاعْتَرَفَ بِبَعْضِهَا، وَأَنْكَرَ بَعْضَهَا، فَاسْتُتِيبَ مِنْ ذَلِكَ، وَاسْتُكْتِبَ بِخَطِّهِ بِالرُّجُوعِ عَمَّا نُقِمَ عَلَيْهِ، وَضُرِبَ سَبْعَ دُرَرٍ بِإِشَارَةِ الْوَزِيرِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ مُقْلَةَ، وَنُفِيَ إِلَى الْبَصْرَةِ أَوْ غَيْرِهَا، فَدَعَا عَلَى الْوَزِيرِ أَنْ تُقْطَعَ يَدُهُ وَيُشَتَّتَ شَمْلُهُ، فَكَانَ ذَلِكَ عَمَّا قَرِيبٍ. وَفِيهَا فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ نَادَى بَدْرٌ الْخَرْشَنِيُّ صَاحِبُ الشُّرْطَةِ فِي الْجَانِبَيْنِ مِنْ بَغْدَادَ أَنْ لَا يَجْتَمِعُ اثْنَانِ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْبَرْبَهَارِيِّ الْوَاعِظِ الْحَنْبَلِيِّ، وَحَبَسَ مِنْهُمْ جَمَاعَةً، وَاسْتَتَرَ الْبَرْبَهَارِيُّ، فَلَمْ يَظْهَرْ مُدَّةً. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي «الْمُنْتَظَمِ»: وَفِي شَهْرِ أَيَّارَ تَكَاثَفَتِ الْغُيُومُ، وَاشْتَدَّ الْحَرُّ جِدًّا، فَلَمَّا كَانَ آخِرُ يَوْمٍ مِنْهُ - وَهُوَ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ - هَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ جِدًّا، وَأَظْلَمَتْ وَاسْوَدَّتْ إِلَى بَعْدِ الْعَصْرِ،

стр. 9278

ثُمَّ خَفَّتْ، ثُمَّ عَادَتْ إِلَى بَعْدِ عَشَاءِ الْآخِرَةِ. وَفِيهَا اسْتَبْطَأَ الْأَجْنَادُ أَرْزَاقَهُمْ، فَقَصَدُوا دَارَ الْوَزِيرِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ مُقْلَةَ، فَنَقَبُوهَا وَأَخَذُوا مَا فِيهَا. وَوَقَعَ حَرِيقٌ عَظِيمٌ فِي طَرِيقِ الْبَزَّازِينَ، فَاحْتَرَقَ بِسَبَبِهِ لِلنَّاسِ شَيْءٌ كَثِيرٌ، فَعَوَّضَ عَلَيْهِمُ الرَّاضِي بِاللَّهِ بَعْضَ مَا كَانَ ذَهَبَ لَهُمْ. وَفِي رَمَضَانَ اجْتَمَعَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ عَلَى بَيْعَةِ جَعْفَرِ بْنِ الْمُكْتَفِي وَظَهَرَ الْوَزِيرُ عَلَى أَمْرِهِمْ، فَحَبَسَ جَعْفَرًا، وَنُهِبَتْ دَارُهُ، وَحَبَسَ جَمَاعَةً مِمَّنْ كَانَ بَايَعَهُ، وَانْطَفَأَتْ نَارُهُ. وَخَرَجَ الْحُجَّاجُ فِي خُفَارَةِ الْأَمِيرِ لُؤْلُؤٍ، فَاعْتَرَضَهُمْ أَبُو طَاهِرٍ سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْجَنَّابِيُّ - لَعَنَهُ اللَّهُ - فَقَتَلَ أَكْثَرَهُمْ، وَرَجَعَ مَنِ انْهَزَمَ مِنْهُمْ إِلَى بَغْدَادَ وَبَطَلَ الْحَجُّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنْ طَرِيقِ الْعِرَاقِ، وَكَانَ قَتْلُهُ لَهُمْ فِي لَيْلَةِ الْأَرْبِعَاءِ لِثِنْتَيْ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ بِعَيْنِهَا تَسَاقَطَتْ كَوَاكِبُ كَثِيرَةٌ بِبَغْدَادَ وَالْكُوفَةِ عَلَى صِفَةٍ لَمْ يُرَ مَثْلُهَا وَلَا مَا يُقَارِبُهَا. قَالَ: وَغَلَا السِّعْرُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، حَتَّى بِيعَ الْكُرُّ مِنَ الْحِنْطَةِ بِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ دِينَارًا.

стр. 9279

وَفِيهَا عَلَى الصَّحِيحِ كَانَ مَقْتَلُ مَرْدَاوِيجَ بْنِ زِيَّارَ الدَّيْلَمِيِّ، وَكَانَ قَبَّحَهُ اللَّهُ سَيِّئَ السِّيرَةِ وَالسَّرِيرَةِ، يَزْعُمُ أَنَّ رُوحَ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ حَلَّتْ فِيهِ، وَلَهُ سَرِيرٌ مِنْ ذَهَبٍ يَجْلِسُ عَلَيْهِ وَالْأَتْرَاكُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَيَزْعُمُ أَنَّهُمُ الْجِنُّ الَّذِينَ سُخِّرُوا لِسُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ، وَكَانَ يُسِيءُ الْمُعَامَلَةَ لَهُمْ، وَيَحْتَقِرُهُمْ غَايَةَ الِاحْتِقَارِ، فَمَا زَالَ ذَلِكَ دَأْبُهُ حَتَّى أَمْكَنَهُمُ اللَّهُ مِنْهُ، فَقَتَلُوهُ فِي حَمَّامٍ، وَكَانَ الَّذِي مَالَأَ عَلَى قَتْلِهِ غُلَامُهُ بَجْكَمُ التُّرْكِيُّ - جَزَاهُ اللَّهُ عَنِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ خَيْرًا - وَكَانَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ بْنُ بُوَيْهِ رَهِينَةً عِنْدَهُ، فَلَمَّا قُتِلَ أُطْلِقَ مِنَ السِّجْنِ وَالْقَيْدِ، فَذَهَبَ إِلَى أَخِيهِ عِمَادِ الدَّوْلَةِ، وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْأَتْرَاكِ مَعَهُ إِلَى أَخِيهِ، وَالْتَفَّتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى مَنَ الْأَتْرَاكِ عَلَى بَجْكَمَ، فَسَارَ بِهِمْ إِلَى بَغْدَادَ بِإِذْنِ الْخَلِيفَةِ لَهُ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ صُرِفُوا إِلَى الْبَصْرَةِ فَكَانُوا بِهَا. وَأَمَّا الدَّيْلَمُ فَإِنَّهُمْ بَعَثُوا إِلَى أَخِي مَرْدَاوِيجَ، وَهُوَ وُشْمَكِيرُ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِمْ تَلَقَّوْهُ إِلَى أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ حُفَاةً مُشَاةً، فَمَلَّكُوهُ عَلَيْهِمْ لِئَلَّا يَذْهَبَ مُلْكُهُمْ، فَانْتُدِبَ لِمُحَارَبَتِهِ السَّعِيدُ نَصْرُ بْنُ أَحْمَدَ السَّامَانِيُّ نَائِبُ خُرَاسَانَ وَمَا وَالَاهَا مِنْ تِلْكَ الْبِلَادِ وَالْأَقَالِيمِ، فَانْتَزَعَ مِنْهُ بُلْدَانًا هَائِلَةً. وَفِيهَا بَعَثَ الْقَائِمُ بِأَمْرِ اللَّهِ الْفَاطِمِيُّ جَيْشًا مِنْ إِفْرِيقِيَّةَ فِي الْبَحْرِ إِلَى نَاحِيَةِ الْفِرِنْجِ، فَافْتَتَحُوا مَدِينَةَ جَنَوَةَ وَغَنِمُوا غَنَائِمَ كَثِيرَةً وَثَرْوَةً، وَرَجَعُوا سَالِمِينَ غَانِمِينَ. وَفِيهَا بَعَثَ عِمَادُ الدَّوْلَةِ بْنُ بُوَيْهِ أَخَاهُ رُكْنَ الدَّوْلَةِ إِلَى أَصْبَهَانَ فَاسْتَوْلَى

стр. 9280

عَلَيْهَا وَعَلَى بِلَادِ الْجَبَلِ، وَاتَّسَعَتْ مَمْلَكَةُ عِمَادِ الدَّوْلَةِ، وَقَوِيَتْ شَوْكَتُهُ، وَعَظُمَتْ مَنْزِلَتُهُ. وَفِيهَا كَانَ غَلَاءٌ شَدِيدٌ بِخُرَاسَانَ، وَفِنَاءٌ كَثِيرٌ، بِحَيْثُ كَانَ يَهُمُّهُمْ أَمْرُ دَفْنِ الْمَوْتَى. وَفِيهَا قَتَلَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمْدَانَ نَائِبُ الْمَوْصِلِ عَمَّهُ أَبَا الْعَلَاءِ سَعِيدَ بْنَ حَمْدَانَ; لِأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَنْتَزِعَهَا مِنْهُ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ الْخَلِيفَةُ وَزِيرَهُ أَبَا عَلِيِّ بْنَ مُقْلَةَ فِي جُيُوشٍ، فَهَرَبَ مِنْهُ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ، فَلَمَّا طَالَ مُقَامُ ابْنِ مُقْلَةَ بِالْمَوْصِلِ رَجَعَ إِلَى بَغْدَادَ فَاسْتَقَرَّتْ يَدُ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ عَلَى الْمَوْصِلِ وَبَعَثَ إِلَى الْخَلِيفَةِ يَسْأَلُ أَنْ يَضْمَنَ تِلْكَ النَّاحِيَةَ، فَأُجِيبَ إِلَى ذَلِكَ، وَاسْتَمَرَّ الْحَالُ عَلَى مَا كَانَ. وَخَرَجَ الْحَجِيجُ، فَلَقِيَهُمُ الْقُرْمُطَيْ فِي الْقَادِسِيَّةِ فَقَاتَلُوهُ، فَظَفِرَ بِهِمْ، فَسَأَلُوهُ الْأَمَانَ، فَأَمَّنَهُمْ عَلَى أَنْ يَرْجِعُوا إِلَى بَغْدَادَ فَرَجَعُوا، وَتَعَطَّلَ عَلَيْهِمُ الْحَجُّ عَامَهُمْ ذَلِكَ. وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: نِفْطَوَيْهِ النَّحْوِيُّ، إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَرَفَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ الْأَزْدِيُّ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْعَتَكِيُّ الْمَعْرُوفُ

стр. 9281

بِنِفْطَوَيْهِ النَّحْوِيِّ، لَهُ مُصَنَّفَاتٌ فِيهِ، وَقَدْ سَمِعَ الْحَدِيثَ، وَرَوَى عَنِ الْمَشَايِخِ، وَحَدَّثَ عَنْهُ الثِّقَاتُ مِنَ النَّاسِ، وَكَانَ صَدُوقًا، وَلَهُ أَشْعَارٌ حَسَنَةٌ. وَرَوَى الْخَطِيبُ عَنْ نِفْطَوَيْهِ أَنَّهُ مَرَّ يَوْمًا عَلَى بَقَّالٍ، فَقَالَ لَهُ: أَيُّهَا الشَّيْخُ، كَيْفَ الطَّرِيقُ إِلَى دَرْبِ الرَّءَّاسِينَ - يَعْنِي دَرْبَ الرَّوَّاسِينَ - فَالْتَفَتَ الْبَقَّالُ إِلَى جَارِهِ، فَقَالَ لَهُ: قَبَّحَ اللَّهُ غُلَامِي، أَبْطَأَ عَلَيَّ بِالسِّلْقِ، وَلَوْ كَانَ عِنْدِي لَصَفَعْتُ هَذَا بِجُرْزَةٍ مِنْهُ، فَانْصَرَفَ عَنْهُ نِفْطَوَيْهِ، وَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ. تُوُفِّيَ نِفْطَوَيْهِ فِي صَفَرٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً، وَصَلَّى عَلَيْهِ الْبَرْبَهَارِيُّ رَئِيسُ الْحَنَابِلَةِ، وَدُفِنَ بِمَقَابِرِ بَابِ الْكُوفَةِ. وَمِمَّا أَنْشَدَهُ لَهُ أَبُو عَلِيٍّ الْقَالِي فِي «الْأَمَالِي»: قَلْبِي أَرَقُّ عَلَيْهِ مِنْ خَدَّيْكَا … وَقُوَايَ أَوْهَى مِنْ قُوَى جَفْنَيْكَا لِمَ لَا تَرِقُّ لِمَنْ يُعَذِّبُ نَفْسَهُ … ظُلْمًا وَيَعْطِفُهُ هَوَاهُ عَلَيْكَا قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ: وُفِي نِفْطَوَيْهِ يَقُولُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ الْوَاسِطِيُّ، الْمُتَكَلِّمُ الْمَشْهُورُ، صَاحِبُ «الْإِمَامَةِ» وَ «إِعْجَازِ الْقُرْآنِ» وَغَيْرِ ذَلِكَ:

стр. 9282

مَنْ سَرَّهُ أَنْ لَا يَرَى فَاسِقًا … فَلْيَجْتَهِدْ أَنْ لَا يَرَى نِفْطَوَيْهْ أَحْرَقَهُ اللَّهُ بِنِصْفِ اسْمِهِ … وَصَيَّرَ الْبَاقِي صُرَاخًا عَلَيْهْ قَالَ الثَّعَالِبِيُّ: إِنَّمَا سُمِّيَ نِفْطَوَيْهِ لِدَمَامَتِهِ وَأُدْمَتِهِ. وَقَالَ ابْنُ خَالَوَيْهِ: لَا يُعْرَفُ مَنِ اسْمُهُ إِبْرَاهِيمُ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ سِوَاهُ. عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ الْمُهْتَدِي بِاللَّهِ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْهَاشِمِيُّ الْعَبَّاسِيُّ حَدَّثَ عَنْ سَيَّارِ بْنِ نَصْرٍ الْحَلَبِيِّ وَغَيْرِهِ، وَعَنْهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ، وَكَانَ ثِقَةً فَاضِلًا فَقِيهًا شَافِعِيًّا. عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَدِيٍّ، أَبُو نُعَيْمٍ الْإِسْتِرَابَاذِيُّ الْمُحَدِّثُ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا، تُوُفِّيَ عَنْ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً. عَلِيُّ بْنُ الْفَضْلِ بْنُ طَاهِرِ بْنِ نَصْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَبُو الْحَسَنِ الْبَلْخِيُّ كَانَ مِنَ الْجَوَّالِينَ فِي طَلَبِ الْحَدِيثِ، وَكَانَ ثِقَةً حَافِظًا، سَمِعَ أَبَا حَاتِمٍ الرَّازِيَّ وَغَيْرَهُ، وَعَنْهُ الدَّرَاقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ. مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَسَدٍ، أَبُو بَكْرٍ الْحَافِظُ وَيُعْرَفُ بِابْنِ الْبُسْتُنْبَانِ، سَمِعَ الزُّبَيْرَ بْنَ بِكَارٍ وَغَيْرَهُ، وَعَنْهُ الدَّرَاقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ. جَاوَزَ الثَّمَانِينَ سَنَةً.

стр. 9283

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ فِيهَا جَاءَتِ الْجُنْدُ، فَأَحْدَقُوا بِدَارِ الْخِلَافَةِ، وَقَالُوا: لِيَخْرُجْ إِلَيْنَا الْخَلِيفَةُ الرَّاضِي بِنَفْسِهِ فَيُصَلِّ بِالنَّاسِ. فَخَرَجَ فَصَلَّى بِهِمْ وَخَطَبَهُمْ، وَقَبَضَ الْغِلْمَانُ عَلَى الْوَزِيرِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ مُقْلَةَ، وَسَأَلُوا مِنَ الْخَلِيفَةِ أَنْ يَسْتَوْزِرَ غَيْرَهُ، فَرَدَّ الْخِيَرَةَ إِلَيْهِمْ، فَاخْتَارُوا عَلِيَّ بْنَ عِيسَى، فَلَمْ يَقْبَلْ، وَأَشَارَ بِأَخِيهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عِيسَى فَاسْتَوْزَرَهُ، وَأُحْرِقَتْ دَارُ ابْنِ مُقْلَةَ، وَسُلِّمَ هُوَ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عِيسَى، فَضُرِبَ ضَرْبًا عَنِيفًا، وَأُخِذَ خَطُّهُ بِأَلْفِ أَلْفِ دِينَارٍ، ثُمَّ عَجَزَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عِيسَى، فَعُزِلَ بَعْدَ خَمْسِينَ يَوْمًا، وَقُلِّدَ الْوِزَارَةَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الْكَرْخِيُّ، فَصَادَرَ عَلِيَّ بْنَ عِيسَى بِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَصَادَرَ أَخَاهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عِيسَى بِسَبْعِينَ أَلْفِ دِينَارٍ، ثُمَّ عُزِلَ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ وَنِصْفٍ، وَقُلِّدَ سُلَيْمَانُ بْنُ الْحُسَيْنِ، ثُمَّ عُزِلَ بِأَبِي الْفَتْحِ الْفَضْلِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الْفُرَاتِ، وَلَكِنْ فِي السَّنَةِ الْآتِيَةِ، وَأُحْرِقَتْ دَارُهُ كَمَا أُحْرِقَتْ دَارُ ابْنِ مُقْلَةَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي أُحْرِقَتْ تِلْكَ فِيهِ، بَيْنَهُمَا سَنَةٌ وَاحِدَةٌ. وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ تَخْبِيطِ الْأَتْرَاكِ وَالْغِلْمَانِ. وَلَمَّا أُحْرِقَتْ دَارُ ابْنِ مُقْلَةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَتَبَ بَعْضُ النَّاسِ عَلَى بَعْضِ جُدْرَانِهَا: أَحْسَنْتَ ظَنَّكَ بِالْأَيَّامِ إِذْ حَسُنَتْ … وَلَمْ تَخَفْ سُوءَ مَا يَأْتِي بِهِ الْقَدَرُ

стр. 9284

وَسَالَمَتْكَ اللَّيَالِي فَاغْتَرَرْتَ بِهَا وَعِنْدَ صَفْوِ اللَّيَالِي يَحْدُثُ الْكَدَرُ وَضَعُفَ أَمْرُ الْخِلَافَةِ جِدًّا، وَبَعَثَ الرَّاضِي إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ رَائِقٍ - وَكَانَ بِوَاسِطٍ - يَسْتَدْعِيهِ إِلَيْهِ; لِيُوَلِّيَهُ إِمْرَةَ الْأُمَرَاءِ بِبَغْدَادَ، وَأَمْرَ الْخَرَاجِ وَالْمُعَاوِنِ فِي جَمِيعِ الْبِلَادِ وَالدَّوَاوِينِ، وَأَمَرَ أَنْ يُخْطَبَ لَهُ عَلَى جَمِيعِ الْمَنَابِرِ، وَأَنْفَذَ إِلَيْهِ بِالْخِلَعِ، فَقَدِمَ ابْنُ رَائِقٍ إِلَى بَغْدَادَ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ، وَمَعَهُ الْأَمِيرُ بَجْكَمُ التُّرْكِيُّ غُلَامُ مَرْدَاوِيجَ، وَهُوَ الَّذِي سَاعَدَ عَلَى قَتْلِهِ وَأَرَاحَ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُ، وَاسْتَحْوَذَ ابْنُ رَائِقٍ عَلَى أَمْرِ الْعِرَاقِ بِكَمَالِهِ، وَنَقَلَ أَمْوَالَ بَيْتِ الْمَالِ إِلَى دَارِهِ، وَلَمْ يَبْقَ لِلْوَزِيرِ تَصَرُّفٌ فِي شَيْءٍ بِالْكُلِّيَّةِ، وَوَهَى أَمْرُ الْخِلَافَةِ جِدًّا، وَاسْتَقَلَّ نُوَّابُ الْأَطْرَافِ بِالتَّصَرُّفِ فِيهَا، وَلَمْ يَبْقَ لِلْخَلِيفَةِ حَكْمٌ فِي غَيْرِ بَغْدَادَ وَمُعَامَلَاتِهَا، وَمَعَ هَذَا لَيْسَ لَهُ مَعَ ابْنِ رَائِقٍ نُفُوذٌ فِي شَيْءٍ، وَلَا كَلِمَةٌ تُطَاعُ، وَإِنَّمَا يَحْمِلُ إِلَيْهِ ابْنُ رَائِقٍ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالنَّفَقَاتِ وَغَيْرِهَا، وَهَكَذَا صَارَ أَمْرُ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُ مِنْ أُمَرَاءِ الْأُمَرَاءِ. وَأَمَّا بَقِيَّةُ الْأَطْرَافِ، فَالْبَصْرَةُ مَعَ ابْنِ رَائِقٍ هَذَا، وَأَمْرُ خُوزِسْتَانَ فِي يَدَيْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَرِيدِيِّ، وَقَدْ غَلَبَ يَاقُوتُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَلَى مَا كَانَ بِيَدِهِ مِنْ مَمْلَكَةِ تُسْتَرَ وَغَيْرِهَا، وَاسْتَحْوَذَ عَلَى حَوَاصِلِهِ وَأَمْوَالِهِ، وَأَمْرُ فَارِسَ إِلَى عِمَادِ الدَّوْلَةِ أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ بُوَيْهِ، وَالرَّيُّ وَأَصْبَهَانُ وَالْجَبَلُ بِيَدِ أَخِيهِ رُكْنِ الدَّوْلَةِ ابْنِ بُوَيْهِ، وَمُنَازِعُهُ فِي ذَلِكَ وُشْمَكِيرُ أَخُو مَرْدَاوِيجَ، وَكَرْمَانُ بِيَدِ أَبِي عَلِيٍّ مُحَمَّدِ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ الْيَسَعَ، وَبِلَادُ الْمَوْصِلِ وَالْجَزِيرَةُ وَدِيَارُ بَكْرٍ وَمُضَرُ وَرَبِيعَةُ مَعَ بَنِي حَمْدَانَ، وَمِصْرُ وَالشَّامُ فِي يَدِ مُحَمَّدِ بْنِ طُغْجٍ، وَبِلَادُ إِفْرِيقِيَّةَ وَالْمَغْرِبُ فِي يَدِ

стр. 9285

الْقَائِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ بْنِ الْمَهْدِيِّ الْمُدَّعِي أَنَّهُ فَاطِمِيٌّ، وَقَدْ تَلَقَّبَ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَالْأَنْدَلُسُ فِي يَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ، الْمُلَقَّبِ بِالنَّاصِرِ الْأُمَوِيِّ، وَخُرَاسَانُ وَمَا وَرَاءَ النَّهْرِ فِي يَدِ السَّعِيدِ نَصْرِ بْنِ أَحْمَدَ السَّامَانِيِّ، وَطَبَرِسْتَانُ وَجُرْجَانُ فِي يَدِ الدَّيْلَمِ، وَالْبَحْرَيْنِ وَالْيَمَامَةُ وَهَجَرُ فِي يَدِ أَبِي طَاهِرٍ سُلَيْمَانِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْجَنَّابِيِّ الْقِرْمِطِيِّ، لَعَنَهُ اللَّهُ. وَفِيهَا وَقَعَ بِبَغْدَادَ غَلَاءٌ عَظِيمٌ وَفَنَاءٌ كَثِيرٌ، بِحَيْثُ عُدِمَ الْخُبْزُ مِنْهَا خَمْسَةَ أَيَّامٍ، وَمَاتَ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَأَكْثَرُ ذَلِكَ كَانَ فِي الضُّعَفَاءِ، وَكَانَ الْمَوْتَى يُلْقَوْنَ فِي الطُّرُقَاتِ لَيْسَ لَهُمْ مَنْ يَقُومُ بِأَمْرِهِمْ، وَيُحْمَلُ عَلَى الْجِنَازَةِ الْوَاحِدَةِ الِاثْنَانُ مِنَ الْمَوْتَى، وَرُبَّمَا يُوضَعُ بَيْنَهُمْ صَبِيٌّ، وَرُبَّمَا حُفِرَتِ الْحُفْرَةُ الْوَاحِدَةُ فَتُوَسَّعُ حَتَّى يُوضَعَ فِيهَا جَمَاعَةٌ، وَمَاتَ مِنْ أَصْبَهَانَ نَحْوُ مِائَتَيْ أَلْفِ إِنْسَانٍ. وَوَقَعَ فِيهَا حَرِيقٌ بِعُمَانَ احْتَرَقَ فِيهِ مِنَ السُّودَانِ أَلْفٌ، وَمِنَ الْبِيضَانِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ مَا احْتَرَقَ فِيهِ أَرْبَعُمِائَةِ حِمْلِ كَافُورٍ. وَعَزَلَ الْخَلِيفَةُ أَحْمَدَ بْنَ كَيْغَلَغَ عَنْ نِيَابَةِ الشَّامِ وَأَضَافَ ذَلِكَ إِلَى ابْنِ طُغْجٍ نَائِبِ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ. وَفِيهَا وُلِدَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ أَبُو شُجَاعٍ فَنَّاخُسْرُو بْنُ رُكْنِ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهِ بأَصْبَهَانَ. وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: ابْنُ مُجَاهِدٍ الْمُقْرِئُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُوسَى بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ مُجَاهِدٍ

стр. 9286

الْمُقْرِئُ، أَحَدُ الْأَئِمَّةِ فِي هَذَا الشَّأْنِ. حَدَّثَ عَنْ خَلْقٍ كَثِيرٍ، وَرَوَى عَنْهُ الدَّرَاقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ، وَكَانَ ثِقَةً مَأْمُونًا، سَكَنَ الْجَانِبَ الشَّرْقِيَّ مَنْ بَغْدَادَ وَكَانَ ثَعْلَبٌ يَقُولُ: مَا بَقِيَ فِي عَصْرِنَا أَحَدٌ أَعْلَمُ بِكِتَابِ اللَّهِ مِنْهُ. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ، وَأُخْرِجَ يَوْمَ الْخَمِيسِ لِعَشْرٍ بَقِينَ مِنْ شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. وَقَدْ رَآهُ بَعْضُهُمْ فِي الْمَنَامِ وَهُوَ يَقْرَأُ، فَقَالَ لَهُ: أَمَا مُتَّ؟ فَقَالَ: بَلَى، وَلَكِنْ كُنْتُ أَدْعُو اللَّهَ عَقِبَ كُلِّ خَتْمَةٍ أَنْ أَكُونَ مِمَّنْ يَقْرَأُ فِي قَبْرِهِ، فَأَنَا مِمَّنْ يَقْرَأُ فِي قَبْرِهِ. ﵀. جَحْظَةُ، الشَّاعِرُ الْبَرْمَكِيُّ أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُوسَى بْنِ يَحْيَى بْنِ خَالِدِ بْنِ بَرْمَكَ الْبَرْمَكِيُّ، أَبُو الْحَسَنِ النَّدِيمُ الْمَعْرُوفُ بِجَحْظَةَ، الشَّاعِرُ الْمَاهِرُ الْأَدِيبُ الْأَخْبَارِيُّ، ذُو الْفُنُونِ فِي الْعُلُومِ وَالنَّوَادِرِ الْحَاضِرَةِ، وَكَانَ جَيِّدَ الْغِنَاءِ، وَمِنْ شِعْرِهِ: قَدْ نَادَتِ الدُّنْيَا عَلَى نَفْسِهَا … لَوْ كَانَ فِي الْعَالَمِ مَنْ يَسْمَعُ كَمْ وَاثِقٍ فِي الْعُمْرِ وَارَيْتُهُ … وَجَامِعٍ بَدَّدْتُ مَا يَجْمَعُ وَكَتَبَ لَهُ بَعْضُ الْمُلُوكِ رُقْعَةً عَلَى صَيْرَفِيٍّ بِمَالٍ أَطْلَقَهُ لَهُ، فَلَمْ يَتَحَصَّلْ مِنْهَا عَلَى شَيْءٍ، وَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ قَبَضُهَا، فَكَتَبَ إِلَى الْمَلِكِ يَذْكُرُ لَهُ صُورَةَ الْحَالِ:

стр. 9287

إِذَا كَانَتْ صِلَاتُكُمْ رِقَاعًا … تُخَطَّطُ بِالْأَنَامِلِ وَالْأَكُفِّ وَلَمْ تُجْدِ الرُّقَاعُ عَلَيَّ نَفْعًا … فَهَا خَطِّي خُذُوهُ بِأَلْفِ أَلْفِ وَمِنْ شَعْرِهِ يَهْجُو صَدِيقًا لَهُ، وَيَذُمُّهُ عَلَى شِدَّةِ بُخْلِهِ وَحِرْصِهِ: لَنَا صَاحِبٌ مِنْ أَبْرَعِ النَّاسِ فِي الْبُخْلِ … وَأَفْضَلِهِمْ فِيهِ وَلَيْسَ بِذِي فَضْلِ دَعَانِي كَمَا يَدْعُو الصَّدِيقُ صَدِيقَهُ … فَجِئْتُ كَمَا يَأْتِي إِلَى مِثْلِهِ مِثْلِي فَلَمَّا جَلَسْنَا لِلْغَدَاءِ رَأَيْتُهُ … يَرَى أَنَّمَا مِنْ بَعْضِ أَعْضَائِهِ أَكْلِي وَيَغْتَاظُ أَحْيَانًا وَيَشْتِمُ عَبْدَهُ … وَأَعْلَمُ أَنَّ الْغَيْظَ وَالشَّتْمَ مِنْ أَجْلِي أَمُدُّ يَدِي سِرًّا لِآكُلَ لُقْمَةً … فَيَلْحَظُنِي شَزْرًا فَأَعْبَثُ بِالْبَقْلِ إِلَى أَنْ جَنَتْ كَفِّي لِحِينِي جِنَايَةً … وَذَلِكَ أَنَّ الْجُوعَ أَعْدَمَنِي عَقْلِي فَأَهْوَتْ يَمِينِي نَحْوَ رِجْلِ دَجَاجَةٍ … فَجُرَّتْ كَمَا جَرَّتْ يَدِي رِجْلَهَا رِجْلِي وَمِنْ قَوِيِّ شِعْرِهِ وَجِيدِهِ قَوْلُهُ: رَحَلْتُمْ فَكَمْ مِنْ أَنَّةٍ بَعْدَ حَنَّةٍ … مُبَيِّنَةٍ لِلنَّاسِ حُزْنِي عَلَيْكُمُ وَقَدْ كُنْتُ أَعْتَقْتُ الْجُفُونَ مِنَ الْبُكَا … فَقَدْ رَدَّهَا فِي الرِّقِّ شَوْقِي إِلَيْكُمُ وَمِمَّا أَوْرَدَهُ لَهُ الْقَاضِي ابْنُ خَلِّكَانَ مِنَ الشَّعْرِ الرَّائِقِ قَوْلُهُ: فَقُلْتُ لَهَا بَخِلْتِ عَلَيَّ يَقْظَى … فَجُودِي فِي الْمَنَامِ لِمُسْتَهَامِ

стр. 9288

فَقَالَتْ لِي وَصِرْتَ تَنَامُ أَيْضًا … وَتَطْمَعُ أَنْ أَزُورَكَ فِي الْمَنَامِ قَالَ: وَإِنَّمَا لَقَّبَهُ بِجَحْظَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُعْتَزِّ. وَذَلِكَ لِسُوءِ مَنْظَرِهِ، كَمَا قَالَ فِيهِ بَعْضُ مَنْ هَجَاهُ: نُبِّئْتُ جَحْظَةَ يَسْتَعِيرُ جُحُوظَهُ … مِنْ فِيلِ شِطْرَنْجَ وَمِنْ سَرَطَانِ وَارَحْمَتَا لِمُنَادِمِيهِ تَحَمَّلُوا … أَلَمَ الْعُيُونِ لِلَذَّةِ الْآذَانِ قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ: وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَعِشْرِينَ. وَقِيلَ: سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، بِوَاسِطٍ، وَحُمِلَ إِلَى بَغْدَادَ. قَالَ الْخَطِيبُ: وَكَانَ مَوْلِدُهُ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ. ابْنُ الْمُغَلِّسِ الْفَقِيهُ الظَّاهِرِيُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُغَلِّسِ أَبُو الْحَسَنِ، الْفَقِيهُ الظَّاهِرِيُّ، الْمَشْهُورُ، لَهُ الْمُصَنَّفَاتُ الْمُفِيدَةُ فِي مَذْهَبِهِ، أَخَذَ الْفِقْهَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ دَاوُدَ، وَرَوَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَعَلِيِّ بْنِ دَاوُدَ الْقَنْطَرِيِّ، وَأَبِي قِلَابَةَ الرَّقَاشِيِّ، وَآخَرِينَ. وَكَانَ فَقِيهًا ثِقَةً فَاضِلًا، وَهُوَ الَّذِي نَشَرَ عِلْمَ دَاوُدَ فِي تِلْكَ الْبِلَادِ. تُوفِّيَ بِالسَّكْتَةِ.

стр. 9289

أَبُو بَكْرِ بْنُ زِيَادٍ النَّيْسَابُورِيُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادِ بْنِ وَاصِلِ بْنِ مَيْمُونٍ أَبُو بَكْرٍ، الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ النَّيْسَابُورِيُّ، مَوْلَى أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ، رَحَلَ إِلَى الْعِرَاقِ وَالشَّامِ وَمِصْرَ، وَسَكَنَ بَغْدَادَ وَحَدَّثَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الذُّهْلِيِّ وَعَبَّاسٍ الدُّورِيِّ، وَخَلْقٍ، وَعَنْهُ الدَّرَاقُطْنِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْحُفَّاظِ. قَالَ الدَّرَاقُطْنِيُّ: لَمْ نَرَ فِي مَشَايِخِنَا أَحْفَظَ مِنْهُ لِلْأَسَانِيدِ وَالْمُتُونِ، وَكَانَ أَفْقَهَ الْمَشَايِخِ، جَالَسَ الْمُزَنِيَّ وَالرَّبِيعَ. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَطَّةَ: كُنَّا نَحْضُرُ مَجْلِسَ ابْنِ زِيَادٍ، وَكَانَ يُحْزَرُ مَنْ يَحْضُرُهُ مِنْ أَصْحَابِ الْمَحَابِرِ ثَلَاثِينَ أَلْفًا. وَقَالَ الْخَطِيبُ: أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ الْمَالِينِيُّ، أَنَا يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَسْرُورٍ، سَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ بْنِ زِيَادٍ النَّيْسَابُورِيَّ، يَقُولُ: أَعْرِفُ مَنْ قَامَ اللَّيْلَ أَرْبَعِينَ سَنَةً، لَمْ يَنَمْ إِلَّا جَاثِيًا، وَيَتَقَوَّتْ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ حَبَّاتٍ، وَيُصَلِّي صَلَاةَ الْغَدَاةِ بِطَهَارَةِ الْعِشَاءِ. ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا هُوَ، هَذَا كُلُّهُ قَبْلَ أَنْ أَعْرِفَ أُمَّ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَيْشِ أَقُولُ لِمَنْ زَوَّجَنِي! ثُمَّ قَالَ فِي إِثْرِ هَذَا: مَا أَرَادَ إِلَّا الْخَيْرَ. تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ سِتٍّ وَثَمَانِينَ سَنَةً. عَفَّانُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ أَيُّوبَ أَبُو الْحَسَنِ التَّاجِرُ، أَقَامَ بِمِصْرَ، وَأَوْقَفَ بِهَا

стр. 9290

أَوْقَافًا دَارَّةً عَلَى أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَعَلَى سُلَالَةِ الْعَشَرَةِ، ﵃. وَكَانَ تَاجِرًا مُوَسَّعًا عَلَيْهِ، مَقْبُولَ الشَّهَادَةِ عِنْدَ الْحُكَّامِ، تُوُفِّيَ فِي شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ عَلِيُّ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي بِشْرٍ إِسْحَاقُ بْنُ سَالِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُوسَى بْنِ بِلَالِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ الْأَشْعَرِيِّ، قِدَمَ بَغْدَادَ وَأَخَذَ الْحَدِيثَ عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ يَحْيَى السَّاجِيِّ، وَتَفَقَّهَ بِابْنِ سُرَيْجٍ. وَقَدْ ذَكَرْنَا تَرَجَمَتَهُ فِي «طَبَقَاتِ الشَّافِعِيَّةِ». وَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي ابْنُ خَلِّكَانَ فِي «الْوَفَيَاتِ» أَنَّهُ كَانَ يَجْلِسُ فِي حَلْقَةِ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ، وَقَدْ كَانَ مُعْتَزِلِيًّا قَبْلَ ذَلِكَ، فَتَابَ مِنْهُ بِالْبَصْرَةِ فَوْقَ الْمِنْبَرِ، ثُمَّ أَظْهَرَ فَضَائِحَهُمْ وَقَبَائِحَهُمْ، وَذُكِرَ لَهُ مِنَ التَّصَانِيفِ «الْمُوجَزُ» وَغَيْرُهُ. وَحَكَى عَنِ ابْنِ حَزْمٍ أَنَّهُ صَنَّفَ خَمْسَةً وَخَمْسِينَ تَصْنِيفًا، وَذَكَرَ أَنَّ مُغَلَّهُ فِي كُلِّ سَنَةٍ كَانَ سَبْعَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا، وَأَنَّهُ كَانَ مِنْ أَكْثَرِ النَّاسِ دُعَابَةً، وَأَنَّهُ وُلِدَ سَنَةَ سَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَقِيلَ: سَنَةَ سِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ. وَمَاتَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقِيلَ: فِي سَنَةِ ثَلَاثِينَ. وَقِيلَ: فِي سَنَةِ بِضْعٍ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَبُو ذَرٍّ التَّمِيمِيُّ كَانَ رَئِيسَ جُرْجَانَ

стр. 9291

سَمِعَ الْكَثِيرَ، وَتَفَقَّهَ بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَكَانَتْ دَارُهُ مَجْمَعَ الْعُلَمَاءِ، وَلَهُ إِفْضَالٌ كَثِيرٌ عَلَى طَلَبَةِ الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ زَمَانِهِ. هَارُونُ بْنُ الْمُقْتَدِرِ أَخُو الْخَلِيفَةِ الرَّاضِي، تُوُفِّيَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْهَا، فَحَزِنَ عَلَيْهِ أَخُوهُ الرَّاضِي، وَأَمَرَ بِنَفْيِ بَخْتَيْشُوعَ بْنِ يَحْيَى الْمُتَطَبِّبَ إِلَى الْأَنْبَارِ; لِأَنَّهُ اتُّهِمَ فِي عِلَاجِهِ، ثُمَّ شَفَعَتْ فِيهِ أُمُّ الرَّاضِي، فَرَدَّهُ.

стр. 9292

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ فِي الْمُحَرَّمِ مِنْهَا خَرَجَ الْخَلِيفَةُ الرَّاضِي وَأَمِيرُ الْأُمَرَاءِ مُحَمَّدُ بْنُ رَائِقٍ مِنْ بَغْدَادَ قَاصِدِينَ وَاسِطًا; لِقِتَالِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَرِيدِيِّ نَائِبِ الْأَهْوَازِ، الَّذِي قَدْ تَجَبَّرَ بِهَا، وَمَنَعَ الْخَرَاجَ، فَلَمَّا سَارَ ابْنُ رَائِقٍ إِلَى وَاسِطٍ خَرَجَ عَلَيْهِ الْحُجَرِيَّةُ وَقَاتَلُوهُ، فَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ بَجْكَمَ فَطَحَنَهُمْ، وَرَجَعَ فَلُّهُمْ إِلَى بَغْدَادَ فَتَلَقَّاهُمْ لُؤْلُؤُ أَمِيرُ الشُّرْطَةِ، فَاحْتَاطَ عَلَى أَكْثَرِهِمْ، وَنُهِبَتْ دَوْرُهُمْ، وَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ رَأْسٌ يَرْتَفِعُ، وَقُطِعَتْ أَرْزَاقُهُمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ بِالْكُلِّيَّةِ. وَبَعَثَ الْخَلِيفَةُ وَابْنُ رَائِقٍ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَرِيدِيِّ يَتَهَدَّدَانِهِ، فَأَجَابَ إِلَى حَمْلِ كُلِّ سَنَةٍ ثَلَاثَمِائَةِ أَلْفٍ وَسِتِّينَ أَلْفَ دِينَارٍ، يَقُومُ بِحَمْلِ كُلِّ شَهْرٍ عَلَى حِدَتِهِ، وَإِلَى أَنْ يُجَهِّزَ جَيْشًا إِلَى قِتَالِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهِ، فَلَمَّا رَجَعَ الْخَلِيفَةُ إِلَى بَغْدَادَ لَمْ يَحْمِلْ شَيْئًا، وَلَمْ يَبْعَثْ أَحَدًا، ثُمَّ بَعَثَ ابْنُ رَائِقٍ بَجْكَمَ وَبَدْرًا الْخَرْشَنِيَّ لِقِتَالِ الْبَرِيدِيِّ، فَجَرَتْ بَيْنَهُمْ حُرُوبٌ وَخُطُوبٌ، وَأُمُورٌ يَطُولُ ذِكْرُهَا. ثُمَّ لَجَأَ الْبَرِيدِيُّ إِلَى عِمَادِ الدَّوْلَةِ وَاسْتَجَارَ بِهِ، وَاسْتَحْوَذَ بَجْكَمُ عَلَى بِلَادِ الْأَهْوَازِ، وَجَعَلَ إِلَيْهِ ابْنُ رَائِقٍ خَرَاجَهَا، وَكَانَ بَجْكَمُ هَذَا شُجَاعًا فَاتِكًا.

стр. 9293

وَفِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ خَلَعَ الْخَلِيفَةُ عَلَى بَجْكَمَ، وَعَقَدَ لَهُ الْإِمَارَةَ بِبَغْدَادَ، وَوَلَّاهُ نِيَابَةَ الْمَشْرِقِ إِلَى خُرَاسَانَ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ مِنَ الْأَعْيَانِ: أَبُو حَامِدِ بْنُ الشَّرْقِيِّ، أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، أَبُو حَامِدِ بْنُ الشَّرْقِيِّ مُوَلِدُهُ سَنَةَ أَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَكَانَ حَافِظًا، كَبِيرَ الْقَدْرِ، كَثِيرَ الْحِفْظِ، كَثِيرَ الْحَجِّ، رَحَلَ إِلَى الْأَمْصَارِ، وَجَابَ الْأَقْطَارَ، وَسَمِعَ مِنَ الْكِبَارِ. نَظَرَ إِلَيْهِ ابْنُ خُزَيْمَةَ يَوْمًا فَقَالَ: حَيَاةُ أَبِي حَامِدٍ تَحْجُزُ بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَ الْكَذِبِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ أَبُو الْحَسَنِ الْخَزَّازُ النَّحْوِيُّ حَدَّثَ عَنِ الْمُبَرِّدِ وَثَعْلَبٍ، وَكَانَ ثِقَةً، لَهُ مُصَنَّفَاتٌ فِي عُلُومِ الْقُرْآنِ غَزِيرَةُ الْفَوَائِدِ. مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَحْيَى، أَبُو الطِّيبِ النَّحْوِيُّ ابْنُ الْوَشَّاءِ، لَهُ مُصَنَّفَاتٌ مَلِيحَةٌ فِي الْأَخْبَارِ، وَقَدْ حَدَّثَ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي أُسَامَةَ وَالْمُبَرِّدِ وَثَعْلَبٍ وَغَيْرِهِمْ.

стр. 9294

مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ هَارُونَ أَبُو بَكْرٍ الْعَسْكَرِيُّ الْفَقِيهُ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي ثَوْرٍ، رَوَى عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَرَفَةَ وَعَبَّاسٍ الدُّورِيِّ، وَعَنْهُ الدَّارَقُطْنِيُّ والْآجُرِّيُّ وَغَيْرُهُمَا.

стр. 9295

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ فِيهَا وَرَدَ كِتَابٌ مِنْ مَلِكِ الرُّومِ إِلَى الْخَلِيفَةِ الرَّاضِي مَكْتُوبٌ بِالرُّومِيَّةِ وَالتَّفْسِيرُ بِالْعَرَبِيَّةِ، فَأَمَّا الرُّومِيُّ فَبِالذَّهَبِ وَالْعَرَبِيُّ بِالْفِضَّةِ، وَحَاصِلُهُ طَلَبُ الْهُدْنَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، وَوَجَّهَ مَعَ الْكِتَابِ بِهَدَايَا وَأَلْطَافٍ كَثِيرَةٍ فَاخِرَةٍ، فَأَجَابَهُ الْخَلِيفَةُ إِلَى ذَلِكَ، وَفُودِيَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ سِتَّةُ آلَافِ أَسِيرٍ، مَا بَيْنَ ذِكَرٍ وَأُنْثَى عَلَى نَهْرِ الْبَدَنْدُونِ. وَفِيهَا ارْتَحَلَ الْوَزِيرُ أَبُو الْفَتْحِ بْنُ الْفُرَاتِ مِنْ بَغْدَادَ إِلَى الشَّامِ وَتَرَكَ الْوِزَارَةَ، فَوَلِيَهَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ مُقْلَةَ، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ ضَعِيفَةً جِدًّا، لَيْسَ لَهُ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَعَ ابْنِ رَائِقٍ وَطَلَبَ مِنَ ابْنِ رَائِقٍ أَنْ يَفْرُغَ لَهُ عَنْ أَمْلَاكِهِ، فَجَعَلَ يُمَاطِلُهُ، فَكَتَبَ إِلَى بَجْكَمَ يُطْمِعُهُ فِي بَغْدَادَ وَأَنْ يَكُونَ عِوَضًا عَنِ ابْنِ رَائِقٍ، وَكَتَبَ ابْنُ مُقْلَةَ أَيْضًا إِلَى الْخَلِيفَةِ يَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يُسَلِّمَ إِلَيْهِ ابْنَ رَائِقٍ وَابْنَ مُقَاتِلٍ، وَيَضْمَنَهُمْ بِأَلْفَيْ أَلْفِ دِينَارٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ رَائِقٍ، فَأَخَذَهُ، فَقَطَعَ يَدَهُ، وَقَالَ: هَذَا أَفْسَدَ فِي الْأَرْضِ، ثُمَّ جَعَلَ يُحَسِنُ لِلْخَلِيفَةِ أَنْ يَسْتَوْزِرَهُ، وَأَنَّ قَطْعَ يَدِهِ لَا يَمْنَعُهُ مِنَ الْكِتَابَةِ، وَأَنَّهُ يَشُدُّ الْقَلَمَ عَلَى يَدِهِ الْيُمْنَى الْمَقْطُوعَةِ

стр. 9296

فَيَكْتُبُ بِهَا. ثُمَّ بَلَغَ ابْنَ رَائِقٍ أَنَّهُ قَدْ كَتَبَ إِلَى بَجْكَمَ بِمَا تَقَدَّمَ، وَأَنَّهُ يَدْعُو عَلَيْهِ، فَأَخَذَهُ فَقَطَعَ لِسَانَهُ، وَسَجَنَهُ فِي مَكَانٍ ضَيِّقٍ، وَلَيْسَ عِنْدَهُ مَنْ يَخْدُمُهُ، فَكَانَ يَسْتَقِي الْمَاءَ بِنَفْسِهِ; يَتَنَاوَلُ الْحَبْلَ مِنَ الْبِئْرِ بِيَدِهِ الْيُسْرَى، ثُمَّ يُمْسِكُهُ بِفِيهِ، وَلَقِيَ شِدَّةً وَعَنَاءً، وَمَاتَ فِي مَحْبِسِهِ هَذَا وَحِيدًا، فَدُفِنَ هُنَاكَ، ثُمَّ سَأَلَ أَهْلَهُ نَقْلَهُ فَدُفِنَ فِي دَارِهِ، ثُمَّ نُقِلَ مِنْهَا إِلَى غَيْرِهَا، فَاتَّفَقَ لَهُ أَشْيَاءُ غَرِيبَةٌ; مِنْهَا أَنَّهُ وَزَرَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَعُزِلَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَوَلِيَ لِثَلَاثَةٍ مِنَ الْخُلَفَاءِ، وَدُفِنَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَسَافَرَ فِي عُمْرِهِ ثَلَاثَ سَفْرَاتٍ; مَرَّتَيْنِ مَنْفِيًّا، وَمَرَّةً فِي وِزَارَتِهِ إِلَى الْمَوْصِلِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَفِيهَا دَخَلَ بَجْكَمُ بَغْدَادَ فَقَلَّدَهُ الرَّاضِي إِمْرَةَ الْأُمَرَاءِ مَكَانَ ابْنِ رَائِقٍ، وَقَدْ كَانَ بَجْكَمُ هَذَا مِنْ غِلْمَانِ أَبِي عَلِيٍّ الْعَارِضِ وَزِيرِ مَاكَانَ بْنِ كَالِي الدَّيْلَمِيِّ، فَاسْتَوْهَبَهُ مَا كَانُ مِنَ الْوَزِيرِ، فَوَهَبَهُ لَهُ، ثُمَّ فَارَقَ مَا كَانَ، وَلَحِقَ بِمَرْدَاوِيجَ، وَكَانَ فِي جُمْلَةِ مَنْ قَتَلَهُ فِي الْحَمَّامِ، كَمَا تَقَدَّمَ. وَسَكَنَ بَجْكَمُ بِدَارِ مُؤْنِسٍ الْخَادِمِ وَعَظُمَ أَمَرُهُ جِدًّا، وَانْفَصَلَ ابْنُ رَائِقٍ وَكَانَتْ أَيَّامُهُ سَنَةً وَعَشْرَةَ أَشْهُرٍ وَسِتَّةَ عَشَرَ يَوْمًا. وَفِيهَا بَعَثَ عِمَادُ الدَّوْلَةِ بْنُ بُوَيْهِ أَخَاهُ مُعِزَّ الدَّوْلَةِ، فَأَخَذَ بِلَادَ الْأَهْوَازِ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَرِيدِيِّ، وَانْتَزَعَهَا مِنْ يَدِ بَجْكَمَ، وَأَعَادَهَا إِلَيْهِ. وَفِيهَا اسْتَوْلَى لَشْكَرَى أَحَدُ أُمَرَاءِ وُشْمَكِيرَ الدَّيْلَمَيِّ عَلَى بِلَادِ

стр. 9297

أَذْرَبِيجَانَ وَانْتَزَعَهَا مِنْ رُسْتُمَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْكُرْدِيِّ، أَحَدِ أَصْحَابِ ابْنِ أَبِي السَّاجِ، بَعْدَ قِتَالٍ طَوِيلٍ. وَفِيهَا اضْطَرَبَ أَمْرُ الْقَرَامِطَةِ جِدًّا، وَقَتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَانْكَفُّوا بِسَبَبِ قِلَّتِهِمْ عَنِ التَّعَرُّضِ لِلْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ، وَلَزِمُوا بَلَدَهُمْ هَجَرَ لَا يَرُومُونَ مِنْهُ انْتِقَالًا إِلَى غَيْرِهِ. وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَحْمَدُ بْنُ زِيَادِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْدَلُسِيُّ كَانَ أَبُوهُ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَهَذَا الرَّجُلُ هُوَ أَوَّلُ مَنْ أَدْخَلَ فِقْهَ مَالِكٍ إِلَى الْأَنْدَلُسِ، وَقَدْ عُرِضَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ بِهَا فَلَمْ يَقْبَلْ.

стр. 9298

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ فِي الْمُحَرَّمِ مِنْهَا خَرَجَ الرَّاضِي بِاللَّهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ بَغْدَادَ إِلَى الْمَوْصِلِ لِمُحَارَبَةِ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمْدَانَ نَائِبِهَا، وَبَيْنَ يَدَيْهِ بَجْكَمُ أَمِيرُ الْأُمَرَاءِ، وَقَاضِي الْقُضَاةِ أَبُو الْحُسَيْنِ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ، وَقَدِ اسْتَخْلَفَ عَلَى بَغْدَادَ وَلَدَهُ الْقَاضِي أَبَا نَصْرٍ يُوسُفَ بْنَ عُمَرَ، عَنْ أَمْرِ الْخَلِيفَةِ لَهُ بِذَلِكَ. وَكَانَ عَالِمًا وَفَاضِلًا، وَلَمَّا انْتَهَى بَجْكَمُ إِلَى الْمَوْصِلِ وَالْجَزِيرَةِ وَاقَعَ الْحَسَنَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمْدَانَ، فَهَزَمَ بَجْكَمُ الْحَسَنَ بْنَ حَمْدَانَ، وَقَرَّرَ الْخَلِيفَةُ أَمْرَ الْمَوْصِلِ وَالْجَزِيرَةِ. وَأَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ رَائِقٍ فَإِنَّهُ اغْتَنَمَ غَيْبَةَ الْخَلِيفَةِ عَنْ بَغْدَادَ وَاسْتَجَاشَ بِأَلْفٍ مِنَ الْقَرَامِطَةِ، وَجَاءَ فَدَخَلَ بِهِمْ بَغْدَادَ فَأَكْثَرَ فِيهَا الْفَسَادَ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِدَارِ الْخِلَافَةِ، ثُمَّ بَعَثَ إِلَى الْخَلِيفَةِ يَطْلُبُ مِنْهُ الْمُصَالَحَةَ وَالْعَفْوَ عَمَّا جَنَى، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ قَاضِي الْقُضَاةِ أَبَا الْحُسَيْنِ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ، وَتَرَحَّلَ ابْنُ رَائِقٍ عَنْ بَغْدَادَ وَدَخَلَهَا الْخَلِيفَةُ فِي جُمَادَى الْأُولَى مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، فَفَرِحَ الْمُسْلِمُونَ بِذَلِكَ. وَنَزَلَ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ أَوَّلَ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ آذَارَ - وَذَلِكَ فِي جُمَادَى

стр. 9299

الْأُولَى - مَطَرٌ عَظِيمٌ وَبَرَدٌ كِبَارٌ، كُلُّ وَاحِدَةٍ نَحْوُ الْأُوقِيَّتَيْنِ، وَاسْتَمَرَّ فَسَقَطَ بِسَبَبِهِ دُورٌ كَثِيرَةٌ مِنْ بَغْدَادَ. وَظَهَرَ جَرَادٌ كَثِيرٌ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَكَانَ الْحَجُّ مِنْ جِهَةِ دَرْبِ الْعِرَاقِ قَدْ تَعَطَّلَ مِنْ سَنَةِ سَبْعَ عَشْرَةَ وَثَلَاثِمِائَةٍ إِلَى هَذِهِ السَّنَةِ، فَشَفَعَ الشَّرِيفُ أَبُو عَلِيٍّ عُمَرُ بْنُ يَحْيَى الْعَلَوِيُّ عِنْدَ الْقَرَامِطَةِ، وَكَانُوا يُحِبُّونَهُ لِشَجَاعَتِهِ وَكَرَمِهِ، فِي أَنْ يُمَكِّنُوا الْحَجِيجَ مِنَ الْحَجِّ، وَأَنْ يَكُونَ لَهُمْ عَلَى كُلِّ جَمَلٍ خَمْسَةُ دَنَانِيرَ، وَعَلَى الْمَحْمَلِ سَبْعَةُ دَنَانِيرَ، فَخَرَجَ النَّاسُ لِلْحَجِّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ، فَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ خَرَجَ الشَّيْخُأَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَحَدُ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ، فَلَمَّا اجْتَازَ بِهِمْ طَالَبُوهُ بِالْخُفَارَةِ، فَثَنَى رَأْسَ رَاحِلَتِهِ وَرَجَعَ، وَقَالَ: مَا رَجَعْتُ شُحًّا، وَلَكِنْ سَقَطَ عَنِّي وُجُوبُ الْحَجِّ بِطَلَبِ هَذِهِ الْخُفَارَةِ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وَقَعَتْ فِتْنَةٌ بِالْأَنْدَلُسِ، وَذَلِكَ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ الْأُمَوِيَّ، صَاحِبَ الْأَنْدَلُسِ، الْمُلَقَّبَ بِالنَّاصِرِ لِدِينِ اللَّهِ، قَتَلَ وَزِيرَهُ أَحْمَدَ، فَغَضِبَ لَهُ أَخُوهُ أُمَيَّةُ بْنُ إِسْحَاقَ - وَكَانَ نَائِبًا عَلَى مَدِينَةِ شَنْتَرِينَ - فَارْتَدَّ وَدَخَلَ بِلَادِ النَّصَارَى، وَاجْتَمَعَ بِمَلِكِهِمْ رُدْمِيرَ، وَدَلَّهُ عَلَى عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ فِي الْجَلَالِقَةِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ الْأُمَوِيُّ، فَأَوْقَعَ بِهِمْ بَأْسًا شَدِيدًا، وَقَتَلَ مِنَ الْجَلَالِقَةِ خَلْقًا كَثِيرًا، ثُمَّ كَرَّ الْفِرِنْجُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا قَرِيبًا مِمَّنْ قُتِلُوا مِنْهُمْ، ثُمَّ وَالَى الْمُسْلِمُونَ الْغَارَاتِ عَلَى بِلَادِ الْجَلَالِقَةِ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ أُمَمًا لَا يُحْصَوْنَ كَثْرَةً، ثُمَّ نَدِمَأُمَيَّةُ بْنُ إِسْحَاقَ عَلَى مَا صَنَعَ، وَطَلَبَ الْأَمَانَ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ بِالْأَمَانِ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ قَبَّلَهُ وَاحْتَرَمَهُ.

стр. 9300

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَعْيَانِ: الْحَسَنُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ دُحَيْمٍ، أَبُو عَلِيٍّ الدِّمَشْقِيُّ مِنْ أَبْنَاءِ الْمُحَدِّثِينَ، وَكَانَ أَخْبَارِيًّا، لَهُ فِي ذَلِكَ مُصَنَّفَاتٌ، وَقَدْ حَدَّثَ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ الْوَلِيدِ الْبَيْرُوتِيِّ وَغَيْرِهِ. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِمِصْرَ فِي مُحَرَّمِ هَذِهِ السَّنَةِ، وَقَدْ أَنَافَ عَلَى الثَّمَانِينَ سَنَةً. الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدِ بْنِ بِشْرٍ، أَبُو عَلِيٍّ الْكَوْكَبِيُّ الْكَاتِبُ صَاحِبُ الْأَخْبَارِ وَالْآدَابِ، رَوَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَيْثَمَةَ وَأَبِي الْعَيْنَاءِ وَابْنِ أَبِي الدُّنْيَا، وَرَوَى عَنْهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ. عُثْمَانُ بْنُ الْخَطَّابِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَبُو عَمْرٍو الْبَلَوِيُّ الْمَغْرِبِيُّ الْأَشَجُّ وَيُعْرَفُ بِأَبِي الدُّنْيَا، قَدِمَ هَذَا الرَّجُلُ بَغْدَادَ بَعْدَ الثَّلَاثِمِائَةٍ، وَزَعَمَ أَنَّهُ وُلِدَ أَوَّلَ خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ الصَّدِيقِ، ﵁، بِبِلَادِ الْمَغْرِبِ، وَأَنَّهُ وَفَدَ هُوَ وَأَبَوْهُ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، فَأَصَابَهُمْ فِي الطَّرِيقِ عَطَشٌ شَدِيدٌ فَذَهَبَ

стр. 9301

يَرْتَادُ لِأَبِيهِ مَاءً، فَرَأَى عَيْنًا، فَشَرِبَ مِنْهَا وَاغْتَسَلَ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى أَبِيهِ لِيَسْقِيَهُ، فَمَاتَ أَبُوهُ، وَقَدِمَ هُوَ عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَأَرَادَ أَنْ يُقَبِّلَ رُكْبَتَهُ، فَصَدَمَهُ الرِّكَابُ، فَشَجَّ رَأْسَهُ، فَكَانَ يُعْرَفُ بِالْأَشَجِّ. وَصَدَّقَهُ فِي هَذَا الزَّعْمِ طَائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ، وَرَوَوْا عَنْهُ نُسْخَةً فِيهَا أَحَادِيثُ مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ عَلِيٍّ; مِمَّنْ صَدَّقَهُ فِي ذَلِكَ الْحَافِظُ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْمُفِيدِ، وَرَوَاهَا عَنْهُ، وَلَكِنْ كَانَ الْمُفِيدُ مُتَّهَمًا بِالتَّشَيُّعِ، فَسُمِحَ لَهُ فِي ذَلِكَ لِانْتِسَابِهِ إِلَى عَلِيٍّ، وَأَمَّا جُمْهُورُ الْمُحَدِّثِينَ قَدِيمًا وَحَدِيثًا فَكَذَّبُوهُ فِي ذَلِكَ، وَرَدُّوا عَلَيْهِ كَذِبَهُ، وَنَصُّوا عَلَى أَنَّ النُّسْخَةَ الَّتِي رَوَاهَا مَوْضُوعَةٌ، مِنْهُمُ الْحَافِظُ أَبُو طَاهِرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ السِّلَفِيُّ، وَأَشْيَاخُنَا الَّذِينَ أَدْرَكْنَاهُمْ; شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ، وَالْجَهْبَذُ أَبُو الْحَجَّاجِ الْمِزِّيُّ، وَالْحَافِظُ مُؤَرِّخُ الْإِسْلَامِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الذَّهَبِيُّ، وَقَدْ حَرَّرْتُ ذَلِكَ فِي كِتَابِي «التَّكْمِيلِ». وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. قَالَ الْمُفِيدُ: بَلَغَنِي أَنَّ الْأَشَجَّ هَذَا مَاتَ سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى بَلَدِهِ. مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَهْلٍ، أَبُو بَكْرٍ الْخَرَائِطِيُّ صَاحِبُ الْمُصَنَّفَاتِ، أَصَّلُهُ مِنْ أَهْلِ سُرَّ مَنْ رَأَى، وَسَكَنَ الشَّامَ وَحَدَّثَ بِهَا عَنِ الْحَسَنِ

стр. 9302

بْنِ عَرَفَةَ وَغَيْرِهِ. وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا: الْحَافِظُ الْكَبِيرُ ابْنُ الْحَافِظِ الْكَبِيرِ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الرَّازِيُّ صَاحِبُ كِتَابِ «الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ» وَهُوَ مِنْ أَجَلِّ الْكُتُبِ الْمُصَنَّفَةِ فِي هَذَا الشَّأْنِ، وَلَهُ التَّفْسِيرُ الْحَافِلُ الَّذِي اشْتَمَلَ عَلَى النَّقْلِ الْكَامِلِ، الَّذِي يُرْبِي فِيهِ عَلَى تَفْسِيرِ ابْنِ جَرِيرٍ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ، وَلَهُ كِتَابُ «الْعِلَلِ» الْمُصَنَّفَةِ الْمُرَتَّبَةِ عَلَى أَبْوَابِ الْفِقْهِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْمُصَنَّفَاتِ النَّافِعَةِ، وَكَانَ مِنَ الْعِبَادَةِ وَالزَّهَادَةِ وَالْوَرَعِ وَالْحِفْظِ وَالْكَرَامَاتِ الْكَثِيرَةِ الْمَشْهُورَةِ عَلَى جَانِبٍ كَبِيرٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَكْرَمَ مَثْوَاهُ. وَقَدْ صَلَّى مَرَّةً، فَلَمَّا سَلَّمَ، قَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ بَعْضِ مَنْ صَلَّى مَعَهُ: لَقَدْ أَطَلْتَ عَلَيْنَا، وَقَدْ سَبَّحْتُ فِي سُجُودِي سَبْعِينَ مَرَّةً، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: لَكِنِّي وَاللَّهِ مَا سَبَّحْتُ إِلَّا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. وَتَهَدَّمَ سُورُ بَعْضِ بِلَادِ الثُّغُورِ فَتَكَلَّمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ يَوْمًا عَلَى النَّاسِ وَحَثَّهُمْ عَلَى عِمَارَتِهِ; فَقَالَ: مَنْ يَعْمُرُهُ وَأَضْمَنُ لَهُ عَلَى اللَّهِ الْجَنَّةَ؟ فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ التُّجَّارِ، فَقَالَ: اكْتُبْ لِي بِخَطِّكَ هَذَا الضَّمَانَ، وَهَذِهِ أَلْفُ دِينَارٍ لِعِمَارَتِهِ. فَكَتَبَ لَهُ رُقْعَةً بِذَلِكَ، وَعَمَرَ ذَلِكَ السُّورَ. ثُمَّ اتَّفَقَ مَوْتُ ذَلِكَ الرَّجُلِ عَمَّا قَرِيبٍ، فَلَمَّا حَضَرَ النَّاسُ جِنَازَتَهُ طَارَتْ مِنْ كَفَنِهِ رُقْعَةٌ، وَهِيَ

стр. 9303

الَّتِي كَانَ كَتَبَهَا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَإِذَا فِي ظَهْرِهَا مَكْتُوبٌ: قَدْ أَمْضَيْنَا لَكَ هَذَا الضَّمَانَ، وَلَا تَعُدْ إِلَى ذَلِكَ.

стр. 9304

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي «مُنْتَظَمِهِ»: فِي غُرَّةِ الْمُحَرَّمِ مِنْهَا ظَهَرَتْ فِي الْجَوِّ حُمْرَةٌ شَدِيدَةٌ مِنْ نَاحِيَةِ الشَّمَالِ وَالْمَغْرِبِ، وَفِيهَا أَعْمِدَةٌ بِيضٌ عَظِيمَةٌ كَثِيرَةُ الْعَدَدِ. وَفِيهَا وَصَلَ الْخَبَرُ بِأَنَّ رُكْنَ الدَّوْلَةِ أَبَا عَلِيٍّ الْحَسَنَ بْنَ بُوَيْهِ الدَّيْلَمِيَّ وَصَلَ إِلَى وَاسِطٍ فَرَكِبَ الْخَلِيفَةُ وبَجْكَمُ لِقِتَالِهِ فَانْصَرَفَ رَاجِعًا، وَرَجَعَا إِلَى بَغْدَادَ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ مَلَكَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ بْنُ بُوَيْهِ مَدِينَةَ أَصْبَهَانَ أَخَذَهَا مِنْ وُشْمَكِيرَ أَخِي مَرْدَاوِيجَ; لِقِلَّةِ جَيْشِهِ فِي ذَلِكَ الْحِينِ. وَفِي شَعْبَانَ زَادَتْ دِجْلَةُ زِيَادَةً عَظِيمَةً، وَانْتَشَرَتْ فِي الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ، وَسَقَطَتْ دَوْرٌ كَثِيرَةٌ، وَانْبَثَقَ بَثْقٌ مِنْ نَوَاحِي الْأَنْبَارِ فَغَرَّقَ قُرًى كَثِيرَةً، وَهَلَكَ بِسَبَبِهِ حَيَوَانَاتٌ وَسِبَاعٌ كَثِيرَةٌ فِي الْبَرِّيَّةِ. وَفِيهَا تَزَوَّجَ بَجْكَمُ بِسَارَةَ بِنْتِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَرِيدِيِّ، وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَعْقُوبَ الْوَزِيرُ يَوْمَئِذٍ بِبَغْدَادَ، ثُمَّ صُرِفَ عَنِ الْوِزَارَةِ بِسُلَيْمَانَ بْنِ الْحَسَنِ، وَضَمِنَ الْبَرِيدِيُّ بِلَادَ وَاسِطٍ وَأَعْمَالَهَا بِسِتِّمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ.

стр. 9305

وَفِيهَا تُوُفِّيَ قَاضِي الْقُضَاةِ أَبُو الْحُسَيْنِ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ، وَتَوَلَّى مَكَانَهُ وَلَدُهُ أَبُو نَصْرٍ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ، وَخَلَعَ عَلَيْهِ الرَّاضِي يَوْمَ الْخَمِيسِ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ شَعْبَانَ مِنْهَا. وَلَمَّا خَرَجَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَرِيدِيُّ إِلَى وَاسِطٍ كَتَبَ إِلَى بَجْكَمَ يَحُثُّهُ عَلَى الْخُرُوجِ إِلَى بِلَادِ الْجَبَلِ; لِيَفْتَحَهَا وَيُسَاعِدُهُ هُوَ عَلَى أَخْذِ الْأَهْوَازِ مِنْ يَدِ عِمَادِ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهِ، وَإِنَّمَا كَانَ مَقْصُودُهُ أَنْ يَسْتَغْيِبَهُ عَنْ بَغْدَادَ لِيَأْخُذَهَا، فَلَمَّا انْفَصَلَ بَجْكَمُ بِالْجُنُودِ بَلَغَهُ مَا يُؤَمِّلُهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَرِيدِيُّ مِنَ الْمَكِيدَةِ، فَرَجَعَ سَرِيعًا إِلَى بَغْدَادَ وَرَكِبَ فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ إِلَيْهِ، وَأَخَذَ الطُّرُقَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ; لِئَلَّا يَشْعُرَ بِهِ إِلَّا وَهُوَ عِنْدَهُ عَلَى حَافَّةِ السَّفِينَةِ، فَاتَّفَقَ أَنَّهُ كَانَ رَاكِبًا فِي زَوْرَقٍ، وَعِنْدَهُ كَاتِبٌ لَهُ، إِذْ سَقَطَتْ حَمَامَةٌ عَلَى جَانِبِ السَّفِينَةِ فِي ذَنَبِهَا كِتَابٌ، فَأَخَذَهُ بَجْكَمُ، فَقَرَأَهُ فَإِذَا فِيهِ كِتَابٌ مِنْ هَذَا الْكَاتِبِ إِلَى بَعْضِ أَصْحَابِ الْبَرِيدِيِّ يُعْلِمُهُمْ بِخَبَرِ بَجْكَمَ، فَقَالَ لَهُ: وَيْحَكَ! أَهَذَا خَطُّكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْإِنْكَارِ، فَأَمَرَ بِقَتْلِهِ، فَقُتِلَ، وَأُلْقِيَ فِي دِجْلَةَ، وَحِينَ أَحَسَّ الْبَرِيدِيُّ بِقُدُومِ بَجْكَمَ هَرَبَ إِلَى الْبَصْرَةِ وَلَمْ يُقِمْ بِهَا أَيْضًا، فَاسْتَوْلَى بَجْكَمُ عَلَى بِلَادِ وَاسِطٍ وَتَسَلَّطَ الدَّيْلَمُ عَلَى جَيْشِهِ الَّذِينَ خَلَّفَهُمْ بِالْجَبَلِ، فَفَرُّوا سِرَاعًا إِلَى بَغْدَادَ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ اسْتَوْلَى مُحَمَّدُ بْنُ رَائِقٍ عَلَى بِلَادِ الشَّامِ فَدَخَلَ حِمْصَ أَوَّلًا

стр. 9306

فَأَخَذَهَا، ثُمَّ جَاءَ إِلَى دِمَشْقَ وَعَلَيْهَا بَدْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْإِخْشِيدِيُّ الْمَعْرُوفُ بِبُدَيْرٍ، مِنْ جِهَةِ الْإِخْشِيدِ مُحَمَّدِ بْنِ طُغْجٍ، فَأَخْرَجَهُ ابْنُ رَائِقٍ مِنْهَا قَهْرًا، وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا. ثُمَّ رَكِبَ فِي جَيْشٍ إِلَى الرَّمْلَةِ فَأَخَذَهَا، ثُمَّ قَصَدَ عَرِيشَ مِصْرَ; لِيَدْخُلَهَا، فَلَقِيَهُ مُحَمَّدُ بْنُ طُغْجٍ، فَاقْتَتَلَا هُنَاكَ، فَهَزَمَهُ ابْنُ رَائِقٍ وَاشْتَغَلَ أَصْحَابُهُ بِالنَّهْبِ، وَنَزَلُوا فِي خِيَامِ الْمِصْرِيِّينَ، فَكَرَّ عَلَيْهِمُ الْمِصْرِيُّونَ، فَقَتَلُوهُمْ قَتْلًا عَظِيمًا، وَهَرَبَ مُحَمَّدُ بْنُ رَائِقٍ فِي سَبْعِينَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ، فَدَخَلَ دِمَشْقَ فِي أَسْوَأِ حَالَةٍ وَشَرِّهَا، وَسَيَّرَ إِلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ طُغْجٍ أَخَاهُ نَصْرَ بْنَ طُغْجٍ فِي جَيْشٍ، فَاقْتَتَلُوا عِنْدَ اللَّجُّونِ فِي رَابِعِ ذِي الْحِجَّةِ، فَهُزِمَ الْمِصْرِيُّونَ وَقُتِلَ أَخُو الْإِخْشِيدِ فِيمَنْ قُتِلَ، فَغَسَّلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ رَائِقٍ وَكَفَّنَهُ، وَبَعَثَ بِهِ إِلَى أَخِيهِ بِمِصْرَ، وَأَرْسَلَ مَعَهُ وَلَدَهُ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ يَحْلِفُ لَهُ أَنَّهُ مَا أَرَادَ قَتْلَهُ، وَهَذَا وَلَدِي فَاقْتَدْ مِنْهُ. فَأَكْرَمَ الْإِخْشِيدُ وَلَدَ مُحَمَّدِ بْنِ رَائِقٍ، وَاصْطَلَحَا عَلَى أَنْ تَكُونَ الرَّمْلَةُ وَمَا بَعْدَهَا إِلَى دِيَارِ مِصْرَ لِلْإِخْشِيدِ، وَيَحْمِلَ إِلَيْهِ الْإِخْشِيدُ فِي كُلِّ سَنَةٍ مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ وَأَرْبَعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَمَا بَعْدَ الرَّمْلَةِ يَكُونُ لِمُحَمَّدِ بْنِ رَائِقٍ. وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ: جَعْفَرُ الْمُرْتَعِشُ أَبُو مُحَمَّدٍ أَحَدُ مَشَايِخِ الصُّوفِيَّةِ، كَذَا ذَكَرَهُ الْخَطِيبُ،

стр. 9307

وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ: اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَبُو مُحَمَّدٍ النَّيْسَابُورِيُّ كَانَ مِنْ ذَوِي الْأَمْوَالِ، فَتَخَلَّى عَنْهَا، وَصَحِبَ الْجُنَيْدَ وَأَبَا حَفْصٍ وَأَبَا عُثْمَانَ، وَأَقَامَ بِبَغْدَادَ حَتَّى صَارَ شَيْخَ الصُّوفِيَّةِ، فَكَانَ يُقَالُ: عَجَائِبُ بَغْدَادَ ثَلَاثٌ: إِشَارَاتُ الشِّبْلِيِّ، وَنُكَتُ الْمُرْتَعِشِ، وَحِكَايَاتُ جَعْفَرٍ الْخَوَّاصِ سَمِعْتُ أَبَا الْفَرَجِ الصَّائِغِ يَقُولُ: قَالَ الْمُرْتَعِشُ: مَنْ ظَنَّ أَنَّ أَفْعَالَهُ تُنْجِيهِ مِنَ النَّارِ أَوْ تُبَلِّغُهُ الرِّضْوَانَ، فَقَدْ جَعَلَ لِنَفْسِهِ وَلِفِعْلِهِ خَطَرًا، وَمَنِ اعْتَمَدَ عَلَى فَضْلِ اللَّهِ بَلَّغَهُ اللَّهُ أَقْصَى مَنَازِلِ الرِّضْوَانِ. وَقِيلَ لِلْمُرْتَعِشِ: إِنْ فُلَانًا يَمْشِي عَلَى الْمَاءِ. فَقَالَ: إِنَّ مُخَالَفَةَ الْهَوَى أَعْظَمُ مِنَ الْمَشْيِ عَلَى الْمَاءِ. وَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ وَهُوَ بِمَسْجِدِ الشُّونِيزِيَّةِ، حَسِبُوا مَا عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ، فَإِذَا عَلَيْهِ سَبْعَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا، فَقَالَ: بِيعُوا خُرَيْقَاتِي هَذِهِ وَاقْضُوا بِهَا دَيْنِي، وَأَرْجُو أَنْ يَرْزُقَنِي اللَّهُ كَفَنًا، وَقَدْ سَأَلْتُ اللَّهَ ثَلَاثًا; سَأَلْتُهُ أَنْ يُمِيتَنِي وَأَنَا فَقِيرٌ، وَأَنْ يَجْعَلَ وَفَاتِي فِي هَذَا الْمَسْجِدِ، فَإِنِّي صَحِبْتُ فِيهِ أَقْوَامًا، وَأَنْ يَجْعَلَ عِنْدِي مَنْ آنَسُ بِهِ وَأُحِبُّهُ. ثُمَّ غَمَّضَ عَيْنَيْهِ وَمَاتَ. أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ، الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ عِيسَى بْنِ الْفَضْلِ بْنِ بَشَّارٍ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ، أَحَدُ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ، وَكَانَ زَاهِدًا

стр. 9308

وَرِعًا نَاسِكًا عَابِدًا، وَلِيَ الْقَضَاءَ بِقُمَّ، ثُمَّ حِسْبَةَ بَغْدَادَ فَكَانَ يَدُورُ بِهَا وَيُصَلِّي عَلَى بَغْلَتِهِ وَهُوَ سَائِرٌ بَيْنَ الْأَزِقَّةِ، وَكَانَ مُتَقَلِّلًا جِدًّا. وَقَدْ ذَكَرْنَا تَرْجَمَتَهُ فِي «طَبَقَاتِ الشَّافِعِيَّةِ» بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ، وَلَهُ كِتَابُ «الْقَضَاءِ» لَمْ يُصَنَّفْ مِثْلُهُ فِي بَابِهِ. تُوُفِّيَ وَقَدْ قَارَبَ التِّسْعِينَ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَبُو الْحَسَنِ الْمُزَيِّنُ الصَّغِيرُ أَحَدُ مَشَايِخِ الصُّوفِيَّةِ، أَصْلُهُ مِنْ بَغْدَادَ وَصَحِبَ الْجُنَيْدَ وَسَهْلًا التُّسْتَرِيَّ، وَجَاوَرَ بِمَكَّةَ حَتَّى تُوفِّيَ بِهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقَالَ، وَيَحْكِي عَنْ نَفْسِهِ: وَرَدْتُ بِئْرًا فِي أَرْضِ تَبُوكَ فَلَمَّا دَنَوْتُ مِنْهَا زَلِقْتُ فَسَقَطْتُ فِي الْبِئْرِ، وَلَيْسَ أَحَدٌ يَرَانِي، فَلَمَّا كُنْتُ فِي أَسْفَلِهِ إِذَا فِيهَا مِصْطَبَةٌ فَعَلَوْتُهَا، وَقُلْتُ: إِنْ مُتُّ لَا أُفْسِدُ عَلَى النَّاسِ الْمَاءَ، وَسَكَنَتْ نَفْسِي وَطَابَتْ لِلْمَوْتِ، فَبَيْنَا أَنَا كَذَلِكَ إِذَا أَفْعَى قَدْ تَدَلَّتْ عَلَيَّ فَلَفَّتْ عَلَيَّ ذَنَبَهَا، ثُمَّ رَفَعَتْنِي حَتَّى أَخْرَجَتْنِي إِلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَانْسَابَتْ فَلَمْ أَدْرِ أَيْنَ ذَهَبَتْ، وَلَا مِنْ أَيْنَ جَاءَتْ. وَفِي مَشَايِخِ الصُّوفِيَّةِ آخَرُ يُقَالُ لَهُ: أَبُو جَعْفَرٍ الْمُزَيِّنُ الْكَبِيرُ، جَاوَرَ بِمَكَّةَ، وَمَاتَ بِهَا أَيْضًا، وَكَانَ مِنَ الْعُبَّادِ.

стр. 9309

رَوَى الْخَطِيبُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي عَلِيٍّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الطَّبَرِيَّ، عَنْ جَعْفَرٍ الْخُلْدِيِّ، قَالَ: وَدَّعْتُ فِي بَعْضِ حَجَّاتِي الْمُزَيِّنَ الْكَبِيرَ، فَقُلْتُ لَهُ: زَوِّدْنِي. فَقَالَ لِي: إِذَا فَقَدْتَ شَيْئًا، فَقُلْ: يَا جَامِعَ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ، إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ، اجْمَعْ بَيْنِي وَبَيْنَ كَذَا. فَإِنَّ اللَّهَ يَجْمَعُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ ذَلِكَ الشَّيْءِ، قَالَ: فَجِئْتُ إِلَى الْكَتَّانِيِّ، فَوَدَّعْتُهُ، وَسَأَلْتُهُ أَنْ يُزَوِّدَنِي، فَأَعْطَانِي خَاتَمًا عَلَى فَصِّهِ نَقْشٌ، فَقَالَ: إِذَا اغْتَمَمْتَ فَانْظُرْ إِلَى هَذَا الْفَصِّ يَزُلْ غَمُّكَ، قَالَ: فَكُنْتُ لَا أَدْعُو بِذَلِكَ الدُّعَاءِ إِلَّا اسْتُجِيبَ لِي وَلَا أَنْظُرُ إِلَى ذَلِكَ الْفَصِّ إِلَّا زَالَ عَنِّي مَا أَجِدُهُ، فَبَيْنَا أَنَا ذَاتَ يَوْمٍ فِي سُمَيْرِيَّةٍ إِذْ هَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، فَأَخْرَجْتُ الْخَاتَمَ لِأَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَلَمْ أَدْرِ كَيْفَ ذَهَبَ، فَجَعَلْتُ أَدْعُو بِذَلِكَ الدُّعَاءِ يَوْمِي كُلَّهُ، فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى الْمَنْزِلِ، فَتَّشْتُ الْمَتَاعَ الَّذِي فِي الْمَنْزِلِ، فَإِذَا الْخَاتَمُ فِي بَعْضِ ثِيَابِي الَّتِي كَانَتْ بِالْمَنْزِلِ. صَاحِبُ كِتَابِ «الْعِقْدِ الْفَرِيدِ» أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ حُدَيْرِ بْنِ سَالِمٍ، أَبُو عُمَرُ الْقُرْطُبِيُّ مَوْلَى هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ الْأُمَوِيِّ، كَانَ مِنَ الْفُضَلَاءِ الْمُكْثِرِينَ، وَالْعُلَمَاءِ بِأَخْبَارِ الْأَوَّلِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ، وَكِتَابُهُ «الْعِقْدُ» يَدُلُّ عَلَى فَضَائِلَ جَمَّةٍ،

стр. 9310

وَعُلُومٍ كَثِيرَةٍ مُهِمَّةٍ، وَلَكِنَّهُ يَدُلُّ كَثِيرٌ مِنْ كَلَامِهِ عَلَى تَشَيُّعٍ فِيهِ، وَمَيْلٍ إِلَى الْحَطِّ عَلَى بَنِي أُمَيَّةَ، وَهَذَا عَجِيبٌ مِنْهُ; لِأَنَّهُ أَحَدُ مَوَالِيهِمْ، وَكَانَ الْأَوْلَى بِهِ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يُوَالِيهِمْ لَا مِمَّنْ يُعَادِيهِمْ. قَالَ الْقَاضِي ابْنُ خَلِّكَانَ: وَلَهُ دِيوَانُ شِعْرٍ حَسَنٍ. ثُمَّ أَوْرَدَ مِنْهُ أَشْعَارًا فِي التَّغَزُّلِ فِي الْمُرْدَانِ وَالنِّسْوَانِ أَيْضًا، وَكَانَ مَوْلِدُهُ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَتُوُفِّيَ بِقُرْطُبَةَ يَوْمَ الْأَحَدِ ثَامِنَ عَشَرَ جُمَادَى الْأُولَى مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. عُمَرُ بْنُ أَبِي عُمَرَ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدِ بْنِ دِرْهَمٍ، أَبُو الْحُسَيْنِ الْأَزْدِيُّ الْفَقِيهُ الْمَالِكِيُّ الْقَاضِي ابْنُ الْقَاضِي، نَابَ عَنْ أَبِيهِ وَعُمْرُهُ عِشْرُونَ سَنَةً، وَكَانَ حَافِظًا لِلْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ، وَالْفَرَائِضِ وَالْحِسَابِ وَاللُّغَةِ وَالنَّحْوِ وَالشِّعْرِ. وَصَنَّفَ مُسْنَدًا، وَرُزِقَ قُوَّةَ الْفَهْمِ وَجَوْدَةَ الْقَرِيحَةِ، وَشَرَفَ الْأَخْلَاقِ، وَلَهُ الشِّعْرُ الرَّائِقُ الْحَسَنُ، وَكَانَ مَشْكُورَ السِّيرَةِ فِي الْقَضَاءِ، عَدْلًا ثِقَةً إِمَامًا. قَالَ الْخَطِيبُ: أَخْبَرْنَا أَبُو الطِّيبِ الطَّبَرَيُّ: سَمِعْتُ الْمُعَافَى بْنَ زَكَرِيَّا الْجَرِيرِيَّ يَقُولُ: كُنَّا نَجْلِسُ فِي حَضْرَةِ الْقَاضِي أَبِي الْحُسَيْنِ، فَجِئْنَا يَوْمًا نَنْتَظِرُهُ عَلَى الْعَادَةِ، فَجَلَسْنَا عِنْدَ بَابِهِ، وَإِذَا أَعْرَابِيٌّ جَالِسٌ كَأَنَّ لَهُ حَاجَةً، إِذْ وَقَعَ غُرَابٌ عَلَى نَخْلَةٍ فِي الدَّارِ، فَصَرَخَ ثُمَّ طَارَ. فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: هَذَا الْغُرَابُ يَقُولُ إِنَّ

стр. 9311

صَاحِبَ هَذِهِ الدَّارِ يَمُوتُ بَعْدَ سَبْعَةِ أَيَّامٍ. قَالَ: فَزَبَرْنَاهُ، فَقَامَ وَانْصَرَفَ، ثُمَّ خَرَجَ الْإِذْنُ مِنَ الْقَاضِي إِلَيْنَا أَنْ هَلُمُّوا فَادْخُلُوا، فَدَخَلْنَا، فَإِذَا بِهِ مُتَغَيِّرُ اللَّوْنِ مُغْتَمٌّ، فَقُلْنَا: مَا الْخَبَرُ؟ فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ الْبَارِحَةَ فِي الْمَنَامِ شَخْصًا يَقُولُ: مَنَازِلَ آلِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ … عَلَى أَهْلِيكِ وَالنِّعَمِ السَّلَامُ وَقَدْ ضَاقَ لِذَلِكَ صَدْرِي. قَالَ: فَدَعَوْنَا لَهُ وَانْصَرَفْنَا. فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ السَّابِعُ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ دُفِنَ. وَقَدْ كَانَتْ وَفَاتُهُ لِيَوْمِ الْخَمِيسِ لِسَبْعَ عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْ شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَلَهُ مِنَ الْعُمُرِ تِسْعٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً، وَصَلَّى عَلَيْهِ ابْنُهُ أَبُو نَصْرٍ، وَوَلِيَ بَعْدَهُ الْقَضَاءَ. قَالَ الصُّولِيُّ: بَلَغَ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ مِنَ الْعِلْمِ مَبْلَغًا عَظِيمًا مَعَ حَدَاثَةِ السِّنِّ، وَحِينَ تُوُفِّيَ كَانَ الرَّاضِي يَبْكِي عَلَيْهِ بِحَضْرَتِنَا وَيَقُولُ: كُنْتُ أَضِيقُ بِالشَّيْءِ ذَرْعًا فَيُوَسِّعُهُ عَلَيَّ. ثُمَّ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَا بَقِيتُ بَعْدَهُ. ابْنُ شَنَبُوذَ الْمُقْرِئُ، مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَيُّوبَ بْنِ الصَّلْتِ، أَبُو الْحَسَنِ الْمُقْرِئُ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ شَنَبُوذَ، رَوَى عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ الْكَجِّيِّ، وَبِشْرِ بْنِ مُوسَى وَخَلْقٍ، وَكَانَ يَخْتَارُ حُرُوفًا أَنْكَرَهَا أَهْلُ زَمَانِهِ عَلَيْهِ، وَصَنَّفَ أَبُو بَكْرِ بْنُ

стр. 9312

الْأَنْبَارِيِّ كِتَابًا فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ، كَيْفَ أَنَّهُ عُقِدَ لَهُ مَجْلِسٌ فِي دَارِ الْوَزِيرِ أَبِي عَلِيٍّ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُقْلَةَ، وَأَنَّهُ ضُرِبَ حَتَّى رَجَعَ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْقِرَاءَاتِ الشَّاذَّةِ الَّتِي أَنْكَرَهَا الْقُرَّاءُ مِنْ أَهْلِ عَصْرِهِ عَلَيْهِ. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي صَفَرٍ مِنْهَا، وَقَدْ دَعَا ابْنُ شَنَبُوذَ عَلَى ابْنِ مُقْلَةَ حِينَ أَمَرَ بِضَرْبِهِ، فَلَمْ يُفْلِحِ ابْنُ مُقْلَةَ بَعْدَهَا. ابْنُ مُقْلَةَ الْوَزِيرُ أَحَدُ الْكُتَّابِ الْمَشَاهِيرِ، مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَبُو عَلِيٍّ، الْمَعْرُوفُ بِابْنِ مُقْلَةَ الْوَزِيرِ وَقَدْ كَانَ فِي أَوَّلِ عُمْرِهِ ضَعِيفَ الْحَالِ، ثُمَّ آلَ بِهِ الْحَالُ إِلَى أَنْ وَلِيَ الْوِزَارَةَ لِثَلَاثَةٍ مِنَ الْخُلَفَاءِ، وَهُمُ الْمُقْتَدِرُ، وَالْقَاهِرُ، وَالرَّاضِي، وَعُزِلَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَقُطِعَتْ يَدُهُ وَلِسَانُهُ فِي آخِرِ أَمْرِهِ وَحُبِسَ، فَكَانَ يَسْتَقِي الْمَاءَ بِيَدِهِ الْيُسْرَى وَأَسْنَانِهِ، وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ يَكْتُبُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى بَعْدَ قَطْعِهَا، كَمَا كَانَ يَكْتُبُ وَهِيَ صَحِيحَةٌ، وَقَدْ كَانَ خَطُّهُ مِنْ أَقْوَى الْخُطُوطِ، كَمَا هُوَ مَشْهُورٌ عَنْهُ، وَقَدْ بَنَى لَهُ دَارًا فِي زَمَانِ وِزَارَتِهِ، فَجَمَعَ عِنْدَ بِنَائِهَا خَلْقًا مِنَ الْمُنَجِّمِينَ، فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنْ تُبْنَى فِي الْوَقْتِ الْفُلَانِيِّ، فَأَسَّسَ جُدْرَانَهَا بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ، كَمَا أَشَارُوا، فَمَا لَبِثَ بَعْدَ اسْتِتْمَامِهَا إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى خُرِّبَتْ وَصَارَتْ كَوْمًا، كَمَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ وَذَكَرْنَا مَا كَتَبُوا عَلَى جُدْرَانِهَا، وَقَدْ

стр. 9313

كَانَ لَهُ بُسْتَانٌ كَبِيرٌ جِدًّا، فِيهِ عِدَّةُ أَجْرِبَةٍ - أَيْ فَدَادِينَ - وَعَلَيْهِ جَمِيعِهِ شَبَكَةٌ مِنْ إِبْرَيْسَمٍ، وَفِيهِ مِنَ الطُّيُورِ الْقَمَارِيِّ وَالْهَزَارِ وَالْبَبْغِ وَالْبَلَابِلِ وَالطَّوَاوِيسِ وَالْقَبْجِ شَيْءٌ كَثِيرٌ، وَفِي أَرْضِهِ مِنَ الْغِزْلَانِ، وَبَقَرِ الْوَحْشِ وَحَمِيرِهِ، وَالنَّعَامِ وَالْإِبِلِ شَيْءٌ كَثِيرٌ أَيْضًا. ثُمَّ صَارَ هَذَا كُلُّهُ عَمَّا قَرِيبٍ بَعْدَ النُّضْرَةِ وَالْبَهَاءِ إِلَى الْهَلَاكِ وَالْفَنَاءِ. وَقَدْ أَنْشَدَ فِيهِ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ حِينَ بَنَى دَارَهُ: قُلْ لِابْنِ مُقْلَةَ مَهْلًا لَا تَكُنْ عَجِلًا … وَاصْبِرْ فَإِنَّكَ فِي أَضْغَاثِ أَحْلَامِ تَبْنِي بِأَنْقَاضِ دُورِ النَّاسِ مُجْتَهِدًا … دَارًا سَتُنْقَضُ أَيْضًا بَعْدَ أَيَّامِ مَا زِلْتَ تَخْتَارُ سَعْدَ الْمُشْتَرِيِّ لَهَا … فَلَمْ تُوَقَّ بِهِ مِنْ نَحْسِ بَهْرَامِ إِنَّ الْقُرَانَ وَبَطْلَيْمُوسَ مَا اجْتَمَعَا … فِي حَالِ نَقْضٍ وَلَا فِي حَالِ إِبْرَامِ فَعُزِلَ ابْنُ مُقْلَةَ عَنْ وِزَارَتِهِ، وَخُرِّبَتْ دَارُهُ، وَأُتْلِفَتْ أَشْجَارُهُ، وَقُطِعَتْ يَدُهُ، ثُمَّ قُطِعَ لِسَانُهُ، وَأُغْرِمَ بِأَلْفِ أَلْفِ دِينَارٍ، ثُمَّ سُجِنَ وَحْدَهُ، مَعَ الْكِبَرِ وَالضَّعْفِ وَالضَّرُورَةِ، فَكَانَ يَسْتَقِي الْمَاءَ لِنَفْسِهِ مِنْ بِئْرٍ عَمِيقٍ، فَكَانَ يَمُدُّ الْحَبْلَ بِيَدِهِ الْيُسْرَى، وَيُمْسِكُهُ بِفِيهِ. وَقَاسَى جَهْدًا جَهِيدًا، بَعْدَمَا ذَاقَ عَيْشًا رَغِيدًا، وَمِنْ شِعْرِهِ حِينَ قُطِعَتْ يَدُهُ: مَا سَئمْتُ الْحَيَاةَ لَكَنْ تَوَثَّقْتُ … بِأَيْمَانِهِمْ فَبَانَتْ يَمِينِي بِعْتُ دِينِي لَهُمْ بِدُنْيَايَ حَتَّى … حَرَمُونِي دُنْيَاهُمْ بَعْدَ دِينِي

стр. 9314

وَلَقَدْ حُطْتُ مَا اسْتَطَعْتُ بِجَهْدِي … حِفْظَ أَرْوَاحِهِمْ فَمَا حَفَظُونِي لَيْسَ بَعْدَ الْيَمِينِ لَذَّةُ عَيْشٍ … يَا حَيَاتِي بَانَتْ يَمِينِي فَبِينِي وَكَانَ يَبْكِي عَلَى يَدِهِ كَثِيرًا، وَيَقُولُ: بَعْدَمَا خَدَمْتُ بِهَا ثَلَاثَةً مِنَ الْخُلَفَاءِ، وَكَتَبْتُ بِهَا الْقُرْآنَ مَرَّتَيْنِ، تُقْطَعُ كَمَا تُقْطَعُ أَيْدِيَ اللُّصُوصِ! ثُمَّ يُنْشِدُ: إِذَا مَا مَاتَ بَعْضُكَ فَابْكِ بَعْضًا … فَإِنَّ الْبَعْضَ مِنْ بَعْضٍ قَرِيبُ وَقَدْ مَاتَ ﵀ فِي مَحْبِسِهِ هَذَا، وَدُفِنَ فِي دَارِ السُّلْطَانِ، ثُمَّ سَأَلَ وَلَدَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ أَنْ يُحَوَّلَ فَأُجِيبَ، فَنَبَشُوهُ وَدَفَنَهُ وَلَدُهُ عِنْدَهُ فِي دَارِهِ، ثُمَّ سَأَلَتْ زَوْجَتُهُ الْمَعْرُوفَةُ بِالدِّينَارِيَّةِ أَنْ يُدْفَنَ فِي دَارِهَا، فَنُبِشَ وَدُفِنَ عِنْدَهَا، فَهَذِهِ ثَلَاثُ مَرَّاتٍ أَيْضًا. مَاتَ ﵀ وَلَهُ مِنَ الْعُمُرِ سِتٌّ وَخَمْسُونَ سَنَةً. أَبُو بَكْرِ بْنُ الْأَنْبَارِيِّ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ بَيَانِ بْنِ سَمَاعَةَ بْنِ فَرْوَةَ بْنِ قَطَنِ بْنِ دِعَامَةَ أَبُو بَكْرٍ الْأَنْبَارِيُّ صَاحِبُ كِتَابِ «الْوَقْفِ وَالِابْتِدَاءِ» وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمُصَنَّفَاتِ، وَكَانَ مِنْ بُحُورِ الْعِلْمِ فِي اللُّغَةِ وَالْعَرَبِيَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. سَمِعَ الْكَدِيمِيَّ وَإِسْمَاعِيلَ الْقَاضِي وَثَعْلَبًا وَغَيْرَهُمْ، وَكَانَ ثِقَةً صَدُوقًا أَدِيبًا، دَيِّنًا فَاضِلًا، مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ، مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ بِالنَّحْوِ وَالْأَدَبِ وَأَكْثَرِهِمْ حِفْظًا لَهُ، وَكَانَتْ لَهُ مِنَ الْمَحَافِيظِ مُجَلَّدَاتٌ عَظِيمَةٌ كَثِيرَةٌ

стр. 9315

أَحْمَالُ أَجْمَالٍ، وَكَانَ لَا يَأْكُلُ إِلَّا التَّقَالِيَ، وَلَا يَشْرَبُ مَاءً إِلَى قَرِيبِ الْعَصْرِ; مُرَاعَاةً لِحِفْظِهِ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ يَحْفَظُ مِائَةً وَعِشْرِينَ تَفْسِيرًا. وَحَفِظَ تَعْبِيرَ الرُّؤْيَا فِي لَيْلَةٍ، وَكَانَ يَحْفَظُ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ عَشْرَةَ آلَافِ وَرَقَةٍ. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ لَيْلَةَ عِيدِ النَّحْرِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. أُمُّ عِيسَى بِنْتُ إِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيِّ كَانَتْ عَالِمَةً فَاضِلَةً، تُفْتِي فِي الْفِقْهِ. تُوُفِّيَتْ فِي رَجَبٍ مِنْهَا، وَدُفِنَتْ إِلَى جَانِبِ أَبِيهَا، رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى.
следующие страницы →