← История

История · id 4445

البداية والنهاية - ت التركي

ابن كثير

Полный текст (13 161 стр.). Показаны 9976–10015 · переход к 9981.

стр. 9976

الْمَنَامِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُحْيِيَنِي عَلَى الْإِسْلَامِ. فَقَالَ: وَعَلَى السُّنَّةِ، وَعَلَى السُّنَّةِ، وَعَلَى السُّنَّةِ. سَعْدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُورٍ، أَبُو الْمَحَاسِنِ الْجُرْجَانِيُّ كَانَ رَئِيسًا قَدِيمًا، وُجِّهَ رَسُولًا إِلَى الْمَلِكِ مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ فِي حُدُودِ سَنَةِ عَشْرٍ، وَكَانَ مِنَ الْفُقَهَاءِ الْعُلَمَاءِ، تَخَرَّجَ بِهِ جَمَاعَةٌ، وَرَوَى الْحَدِيثَ عَنْ جَمَاعَةٍ، وَعُقِدَ لَهُ مَجْلِسُ الْمُنَاظَرَةِ بِبُلْدَانٍ كَثِيرَةٍ، وَقُتِلَ ظُلْمًا بِإِسْتَرَابَاذَ فِي رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّانَا بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ.

стр. 9977

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ فِيهَا دَخَلَ السُّلْطَانُ طُغْرُلْبَكُ بَغْدَادَ وَعَزَمَ الْخَلِيفَةُ عَلَى تَلَقِّيهِ، ثُمَّ تَرَكَ ذَلِكَ، وَأَرْسَلَ وَزِيرَهُ أَبَا نَصْرٍ عِوَضًا عَنْهُ، وَكَانَ مِنَ الْجَيْشِ أَذِيَّةٌ لِلنَّاسِ فِي الطَّرِيقِ، وَتَعَرُّضٌ لِلْحُرَمِ حَتَّى إِنَّهُمْ هَجَمُوا عَلَى النِّسَاءِ فِي الْحَمَّامَاتِ، فَخَلَّصَهُنَّ مِنْهُمُ الْعَامَّةُ بَعْدَ جَهْدٍ جَهِيدٍ. دُخُولُ الْمَلِكِ طُغْرُلْبَكَ عَلَى بِنْتِ الْخَلِيفَةِ لَمَّا اسْتَقَرَّ الْمَلِكُ طُغْرُلْبَكُ بِبَغْدَادَ، أَرْسَلَ وَزِيرَهُ عَمِيدَ الْمُلْكِ إِلَى الْخَلِيفَةِ يُطَالِبُهُ بِنَقْلِ السَّيِّدَةِ مِنَ الدَّارِ الْعَزِيزَةِ النَّبَوِيَّةِ إِلَى دَارِ الْمَمْلَكَةِ، فَتَمَنَّعَ الْخَلِيفَةُ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: إِنَّكُمْ إِنَّمَا سَأَلْتُمْ أَنْ يَعْقِدَ الْعَقْدَ فَقَطْ لِحُصُولِ التَّشْرِيفِ، وَالْتَزَمْتُمْ لَنَا بِعَدَمِ الْمُطَالَبَةِ بِهَا، فَتَرَدَّدَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْخَلِيفَةِ وَالْمَلِكِ، وَأَرْسَلَ الْمَلِكُ زِيَادَةً عَلَى النَّقْدِ مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ وَمِائَةً وَخَمْسِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَتُحَفًا أُخَرَ، وَأَشْيَاءَ لَطِيفَةً، فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةُ الِاثْنَيْنِ الْخَامِسَ عَشَرَ مِنْ صَفَرِ هَذِهِ السَّنَةِ زُفَّتِ السَّيِّدَةُ ابْنَةُ الْخَلِيفَةِ إِلَى دَارِ الْمَمْلَكَةِ، فَضُرِبَتْ لَهَا السُّرَادِقَاتُ مِنْ دِجْلَةَ إِلَى دَارِ الْمَمْلَكَةِ، وَضُرِبَتِ الدَّبَادِبُ وَالْبُوقَاتُ عِنْدَ دُخُولِهَا دَارَ الْمَمْلَكَةِ، وَكَانَتْ سَاعَةً عَظِيمَةً، فَأُجْلِسَتْ

стр. 9978

عَلَى سَرِيرٍ مُكَلَّلٍ بِالذَّهَبِ، وَعَلَى وَجْهِهَا بُرْقُعٌ، وَدَخَلَ الْمَلِكُ طُغْرُلْبَكُ فَوَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهَا، فَقَبَّلَ الْأَرْضَ وَلَمْ تَقُمْ لَهُ وَلَمْ تَرَهُ، وَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى انْصَرَفَ إِلَى صَحْنِ الدَّارِ، وَالْحُجَّابُ وَالْأَتْرَاكُ يَرْقُصُونَ هُنَاكَ فَرَحًا وَسُرُورًا، وَبَعَثَ لَهَا مَعَ الْخَاتُونِ أَرْسَلَانَ ابْنَةِ أَخِيهِ زَوْجَةِ الْخَلِيفَةِ عِقْدَيْنِ فَاخِرَيْنِ وَقِطْعَةَ يَاقُوتٍ حَمْرَاءَ كَبِيرَةً هَائِلَةً، وَدَخَلَ مِنَ الْغَدِ فَقَبَّلَ الْأَرْضَ، وَجَلَسَ عَلَى سَرِيرٍ مُكَلَّلٍ بِالْفِضَّةِ بِإِزَائِهَا سَاعَةً، ثُمَّ خَرَجَ وَأَرْسَلَ لَهَا جَوَاهِرَ نَفِيسَةً كَثِيرَةً مُثَمَّنَةً، وَفَرَجِيَّةَ نَسِيجٍ مُكَلَّلَةً بِاللُّؤْلُؤِ، وَمَا زَالَ كَذَلِكَ كُلَّ يَوْمٍ يَدْخُلُ، وَيُقَبِّلُ الْأَرْضَ، وَيَجْلِسُ عَلَى سَرِيرٍ بِإِزَائِهَا، ثُمَّ يَخْرُجُ فَيَبْعَثُ بِالتُّحَفِ وَالْهَدَايَا، وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُ إِلَيْهَا شَيْءٌ مِقْدَارَ سَبْعَةِ أَيَّامٍ، وَيَمُدُّ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ السَّبْعَةِ سِمَاطًا عَظِيمًا، وَخَلَعَ يَوْمَ السَّابِعِ عَلَى جَمِيعِ الْأُمَرَاءِ، ثُمَّ عَرَضَ لَهُ سَفَرٌ وَاعْتَرَاهُ مَرَضٌ، فَاسْتَأْذَنَ الْخَلِيفَةَ بِالِانْصِرَافِ بِالسَّيِّدَةِ مَعَهُ إِلَى تِلْكَ الْبِلَادِ مُدَّةً قَرِيبَةً، ثُمَّ يَعُودُ بِهَا، فَأَذِنَ لَهُ الْخَلِيفَةُ بَعْدَ تَمَنُّعٍ شَدِيدٍ وَحُزْنٍ عَظِيمٍ، فَخَرَجَ بِهَا مَعَهُ، وَلَيْسَ مَعَهَا مِنْ دَارِ الْخِلَافَةِ سِوَى ثَلَاثِ نِسْوَةٍ، بِرَسْمِ خِدْمَتِهَا، وَتَأَلَّمَتْ وَالِدَتُهَا لِفَقْدِهَا أَلَمًا عَظِيمًا جِدًّا لَا يُعَبَّرُ عَنْهُ، وَخَرَجَ السُّلْطَانُ وَهُوَ مَرِيضٌ مُدْنِفٌ مَأْيُوسٌ مِنْهُ مُثْقَلٌ لَا تُرْجَى مِنْهُ الْعَافِيَةُ، فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْأَحَدِ الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ جَاءَ الْخَبَرُ بِأَنَّ الْمَلِكَ طُغْرُلْبَكَ تُوُفِّيَ فِي ثَامِنِ الشَّهْرِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَثَارَتِ الْعَيَّارُونَ بِهَمَذَانَ، فَقَتَلُوا الْعَمِيدَ وَالشِّحْنَةَ وَسَبْعَمِائَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَنَهَبُوا الْأَمْوَالَ، وَجَعَلُوا يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ عَلَى الْقَتْلَى نَهَارًا حَتَّى انْسَلَخَ الشَّهْرُ، لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَقَبَّحَهُمْ، وَأُخِذَتِ الْبَيْعَةُ بَعْدَهُ لِوَلَدِ أَخِيهِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ، وَكَانَ طُغْرُلْبَكُ قَدْ نَصَّ عَلَيْهِ وَأَوْصَى إِلَيْهِ; لِأَنَّهُ كَانَ

стр. 9979

قَدْ تَزَوَّجَ بِأُمِّهِ بَعْدَ أَبِيهِ، وَاتَّفَقَتِ الْكَلِمَةُ عَلَيْهِ وَأُنْفِقَتْ فِي الْأُمَرَاءِ وَالْأَتْرَاكِ الْأَمْوَالُ وَالْخِلَعُ، وَلَمْ يَبْقَ عَلَيْهِمْ خَوْفٌ. إِلَّا مِنْ جِهَةِ أَخِي سُلَيْمَانَ، وَهُوَ الْمَلِكُ عَضُدِ الدَّوْلَةِ أَلْبُ أَرْسَلَانَ مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ، فَإِنَّ الْجَيْشَ كَانُوا يَمِيلُونَ إِلَيْهِ وَيُقْبِلُونَ عَلَيْهِ، وَقَدْ خَطَبَ لَهُ أَهْلُ الْجَبَلِ، وَمَعَهُ نِظَامُ الْمُلْكِ أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ إِسْحَاقَ وَزِيرُهُ، وَلَمَّا رَأَى الْكُنْدُرِيُّ قُوَّةَ أَمْرِهِ خَطَبَ لَهُ بِالرَّيِّ، ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِ لِأَخِيهِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ. وَقَدْ كَانَ الْمَلِكُ طُغْرُلْبَكُ عَاقِلًا حَلِيمًا، كَثِيرَ الِاحْتِمَالِ، شَدِيدَ الْكِتْمَانِ لِلسِّرِّ، مُحَافِظًا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَعَلَى صَوْمِ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ، مُوَاظِبًا عَلَى لُبْسِ الْبَيَاضِ، وَكَانَ عُمُرُهُ يَوْمَ مَاتَ سَبْعِينَ سَنَةً، وَلَمْ يَتْرُكْ وَلَدًا، وَكَانَ مُدَّةُ مُلْكِهِ بِحَضْرَةِ الْقَائِمِ سَبْعَ سِنِينَ وَإِحْدَى عَشَرَ شَهْرًا، وَاثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا، وَلَمَّا مَاتَ اضْطَرَبَتِ الْأَحْوَالُ وَانْتَقَضَتْ بَعْدَهُ جِدًّا، وَعَاثَتِ الْأَعْرَابُ فِي سَوَادِ بَغْدَادَ وَأَرْضِ الْعِرَاقِ يَنْهَبُونَ الْأَمْوَالَ وَيُشَلِّحُونَ الرِّجَالَ. وَتَعَذَّرَتِ الزِّرَاعَةُ إِلَّا عَلَى الْمُخَاطَرَةِ، فَانْزَعَجَ لِذَلِكَ النَّاسُ. وَفِيهَا كَانَتْ زَلْزَلَةٌ عَظِيمَةٌ بِوَاسِطٍ وَأَرْضِ الشَّامِ فَهُدِمَتْ قِطْعَةٌ مِنْ سُورِ طَرَابُلُسَ. وَفِيهَا وَقَعَ مُوتَانٌ بِالْجُدَرِيِّ وَالْفَجْأَةِ، وَوَقَعَ بِمِصْرَ وَبَاءٌ شَدِيدٌ، كَانَ يَخْرُجُ مِنْهَا كُلَّ يَوْمٍ أَلْفُ جِنَازَةٍ. وَفِيهَا مَلَكَ الصُّلَيْحِيُّ صَاحِبُ الْيَمَنِ مَكَّةَ وَجَلَبَ الْأَقْوَاتَ إِلَيْهَا، وَأَحْسَنَ إِلَى أَهْلِهَا.

стр. 9980

وَفِي أَوَائِلِ هَذِهِ طَلَبَتِ السِّتُّ أَرْسَلَانُ خَاتُونَ زَوْجَةُ الْخَلِيفَةِ النُّقْلَةَ مِنْ عِنْدِهِ إِلَى عِنْدِ عَمِّهَا، وَذَلِكَ لَمَّا هَجَرَهَا بِالْكُلِّيَّةِ وَبَارَتْ عِنْدَهُ، فَبَعَثَهَا الْخَلِيفَةُ مَعَ الْوَزِيرِ الْكُنْدُرِيِّ، فَلَمَّا وَصَلَتْ إِلَى عَمِّهَا كَانَ مَرِيضًا مُدْنِفًا مُثْقَلًا، فَأَرْسَلَ إِلَى الْخَلِيفَةِ يَعْتِبُ عَلَيْهِ فِي تَهَاوُنِهِ بِهَا، فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْخَلِيفَةُ يَقُولُ ارْتِجَالًا: ذَهَبَتْ شِرَّتِي وَوَلَّى الْغَرَامُ … وَارْتِجَاعُ الشَّبَابِ مَا لَا يُرَامُ أَذْهَبَتْ مِنِّي اللَّيَالِي جَدِيدًا … وَاللَّيَالِي يُضْعِفْنَ وَالْأَيَّامُ فَعَلَى مَا عَهِدْتُهُ مِنْ شَبَابِي … وَعَلَى الْغَانِيَاتِ مِنِّي السَّلَامُ وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ وَالْمَشَاهِيرِ: زُهَيْرُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ خِدَامٍ، أَبُو نَصْرٍ الْخِدَامِيُّ وَرَدَ بَغْدَادَ وَتَفَقَّهَ عَلَى الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيِّ، وَسَمِعَ بِالْبَصْرَةِ «سُنَنَ أَبِي دَاوُدَ» عَلَى الْقَاضِي أَبِي عُمَرَ، وَحَدَّثَ بِالْكَثِيرِ، وَكَانَ يَرْجِعُ إِلَيْهِ فِي الْفَتَاوَى وَحَلِّ الْمُشْكِلَاتِ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِسَرَخْسَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. سَعِيدُ بْنُ مَرْوَانَ صَاحِبُ آمِدَ وَيُقَالُ: إِنَّهُ سُمَّ، فَانْتَقَمَ صَاحِبُ مَيَّافَارِقِينَ مِمَّنْ سَمَّهُ، فَقَطَّعَهُ قِطَعًا.

стр. 9981

الْمَلِكُ الْكَبِيرُ أَبُو طَالِبٍ مُحَمَّدُ بْنُ مِيكَائِيلَ بْنِ سَلْجُوقَ بْنِ دُقَاقٍ الْمُلَقَّبُ طُغْرُلْبَكَ كَانَ أَوَّلُ مُلُوكِ السَّلَاجِقَةِ، وَكَانَ خَيِّرًا مُصَلِّيًا، مُحَافِظًا عَلَى الصَّلَاةِ فِي أَوْقَاتِهَا، يُدِيمُ صِيَامَ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ، حَلِيمًا عَمَّنْ أَسَاءَ إِلَيْهِ، كَتُومًا لِلْأَسْرَارِ، سَعِيدًا فِي حَرَكَاتِهِ وَتَقَلُّبَاتِهِ، مَلَكَ فِي أَيَّامِ مَسْعُودِ بْنِ مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ عَامَّةَ بِلَادِ خُرَاسَانَ وَاسْتَنَابَ أَخَاهُ دَاوُدَ وَأَخَاهُ لِأُمِّهِ إِبْرَاهِيمَ يَنَّالَ وَأَوْلَادَ إِخْوَتِهِ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْبِلَادِ، ثُمَّ اسْتَدْعَاهُ الْخَلِيفَةُ لِمُلْكِ الْعِرَاقِ حِينَ فَسَدَ الْحَالُ بِبَغْدَادَ مِنَ الْبَسَاسِيرِيِّ وَضَعُفَ الْمَلِكُ الرَّحِيمُ، فَقَدِمَهَا وَجَلَسَ لَهُ الْخَلِيفَةُ وَخَلَعَ عَلَيْهِ سَبْعَ خِلَعٍ، وَلَقَّبَهُ بِمَلِكِ الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ، ثُمَّ اشْتَغَلَ بِقِتَالِ أَخِيهِ إِبْرَاهِيمَ حَتَّى كَانَ مِنْ أَمْرِ الْبَسَاسِيرِيِّ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي سَنَةِ خَمْسِينَ وَالَّتِي تَلِيهَا، ثُمَّ ظَفِرَ بِأَخِيهِ إِبْرَاهِيمَ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ عَادَ إِلَى بَغْدَادَ فَاسْتَعَادَهَا وَأَعَادَ الْخَلِيفَةَ مِنْ حَدِيثَةِ عَانَةَ إِلَى دَارِ خِلَافَتِهِ وَمَقَرِّ سَعَادَتِهِ، ثُمَّ سَعَى فِي التَّزْوِيجِ بِبِنْتِ الْخَلِيفَةِ فَتَزَوَّجَهَا بَعْدَ تَمَنُّعٍ مِنَ الْخَلِيفَةِ، وَدَخَلَ بِهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فَفَرِحَ فَرَحًا شَدِيدًا كَمَا ذَكَرْنَا، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَتَمَتَّعْ بِهَا، فَإِنَّهُ عَرَضَ لَهُ مَرَضٌ مُتْلِفٌ وَاسْتَمَرَّ بِهِ حَتَّى كَانَتْ وَفَاتُهُ فِي ثَامِنِ رَمَضَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَلَهُ مِنَ الْعُمُرِ سَبْعُونَ سَنَةً، وَكَانَ لَهُ فِي الْمُلْكِ مُدَّةَ ثَلَاثِينَ سَنَةً، مِنْهَا فِي مَمْلَكَةِ الْعِرَاقِ ثَمَانُ سِنِينَ إِلَّا ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا.

стр. 9982

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ فِيهَا قَبَضَ السُّلْطَانُ أَلْبُ أَرْسَلَانَ عَلَى وَزِيرِ عَمِّهِ عَمِيدِ الْمُلْكِ الْكُنْدُرِيِّ، وَسَجَنَهُ فِي بَعْضِ الْقِلَاعِ سَنَةً، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِ مَنْ قَتَلَهُ، وَاعْتَمَدَ فِي الْوِزَارَةِ عَلَى نِظَامِ الْمُلْكِ وَكَانَ وَزِيرَ صِدْقٍ، يُكْرِمُ الْعُلَمَاءَ وَالْفُقَرَاءَ، وَلَمَّا عَصَى الْمَلِكُ شِهَابُ الدَّوْلَةِ قُتُلْمِشُ، وَخَرَجَ عَنِ الطَّاعَةِ، وَطَمِعَ فِي أَخْذِ الْمُلْكِ مِنْ أَلْبِ أَرْسَلَانَ، وَكَانَ مِنْ بَنِي عَمِّ طُغْرُلْبَكَ، فَجَمَعَ وَحَشَدَ وَاحْتَفَلَ لَهُ أَلْبُ أَرْسَلَانَ، فَقَالَ لَهُ الْوَزِيرُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، لَا تَخَفْ; فَإِنِّي قَدِ اسْتَخْدَمْتُ لَكَ جُنْدًا لَيْلِيًّا يَدْعُونَ لَكَ وَيَنْصُرُونَكَ بِالتَّوَجُّهِ فِي صَلَوَاتِهِمْ وَخَلَوَاتِهِمْ، وَهُمُ الْعُلَمَاءُ وَالصُّلَحَاءُ. فَطَابَتْ نَفْسُهُ بِذَلِكَ، فَحِينَ الْتَقَى مَعَ قُتُلْمِشَ لَمْ يَنْتَظِرْهُ أَنْ كَسَرَهُ، وَقَتَلَ خَلْقًا مِنْ جُنُودِهِ، وَقُتِلَ قُتُلْمِشُ فِي الْمَعْرَكَةِ، وَاجْتَمَعَتِ الْكَلِمَةُ عَلَى أَلْبِ أَرْسَلَانَ. وَفِيهَا أَرْسَلَ وَلَدَهُ مَلِكْشَاهْ وَوَزِيرَهُ نِظَامَ الْمُلْكِ هَذَا فِي جُنُودٍ عَظِيمَةٍ إِلَى بِلَادِ الْكُرَجِ، فَفَتَحُوا حُصُونًا كَثِيرَةً وَغَنِمُوا أَمْوَالًا جَزِيلَةً جِدًّا، وَفَرِحَ الْمُسْلِمُونَ بِنَصْرِهِمْ، وَكَتَبَ كِتَابَ وَلَدِهِ عَلَى ابْنَةِ الْخَانِ الْأَعْظَمِ صَاحِبِ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ وَزَوَّجَ وَلَدَهُ الْآخَرَ بِابْنَةِ صَاحِبِ غَزْنَةَ وَاجْتَمَعَ شَمْلُ الْبَيْتَيْنِ السَّلْجُوقِيِّ وَالْمَحْمُودِيِّ. وَفِيهَا أَذِنَ أَلْبُ أَرْسَلَانَ لِلسَّيِّدَةِ ابْنَةِ الْخَلِيفَةِ فِي الرُّجُوعِ إِلَى بَغْدَادَ وَأَرْسَلَ

стр. 9983

مَعَهَا بَعْضَ الْقُضَاةِ وَالْأُمَرَاءِ، فَدَخَلَتْ بَغْدَادَ فِي تَجَمُّلٍ عَظِيمٍ، وَخَرَجَ النَّاسُ لِلنَّظَرِ إِلَيْهَا، فَدَخَلَتْ لَيْلًا فِي أُبَّهَةٍ، فَفَرِحَ الْخَلِيفَةُ وَأَهْلُهَا بِذَلِكَ، وَأَمَرَ الْخَلِيفَةُ بِالدُّعَاءِ لِلْمَلِكِ أَلْبَ أَرْسَلَانَ عَلَى الْمَنَابِرِ فِي الْخُطَبِ، فَقِيلَ فِي الدُّعَاءِ: اللَّهُمَّ وَأَصْلِحِ السُّلْطَانَ الْمُعَظَّمَ عَضُدَ الدَّوْلَةِ وَتَاجَ الْمِلَّةِ أَلْبَ أَرْسَلَانَ أَبَا شُجَاعٍ مُحَمَّدَ بْنَ دَاوُدَ. وَجَلَسَ الْخَلِيفَةُ لِلنَّاسِ جُلُوسًا عَامًّا وَبَايَعَهُمْ لِلْمَلِكِ أَلْبَ أَرْسَلَانَ وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ بِالْخِلَعِ وَالتَّقْلِيدِ مَعَ الشَّرِيفِ نَقِيبِ الْعَبَّاسِيِّينَ طِرَادِ بْنِ مُحَمَّدٍ الزَّيْنَبِيِّ، وَأَبِي مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيِّ، وَمُوَفَّقٍ الْخَادِمِ، وَلَقَّبَ الْوَزِيرَ نِظَامَ الْمُلْكِ قَوَامَ الدِّينِ وَالدَّوْلَةِ رَضِيَّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِنَّمَا كَانَ يُقَالُ لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ: خَوَاجَا بَزْرَكَ. وَأَرْسَلَ الْمَلِكُ أَلْبُ أَرْسَلَانَ بِالْهَدَايَا وَالتُّحَفِ النَّفِيسَةِ الْمُفْتَخَرَةِ، وَاسْتَقَرَّ أَمْرُهُ عَلَى بَغْدَادَ وَجَمِيعَ بِلَادِ الْعِرَاقِ. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَفِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ شَاعَ بِبَغْدَادَ أَنَّ قَوْمًا مِنَ الْأَكْرَادِ خَرَجُوا يَتَصَيَّدُونَ، فَرَأَوْا فِي الْبَرِّيَّةِ خِيَامًا سُودًا، سَمِعُوا فِيهَا لَطْمًا شَدِيدًا، وَعَوِيلًا كَثِيرًا، وَقَائِلًا يَقُولُ: قَدْ مَاتَ سَيِّدُوكُ مَلِكُ الْجِنِّ، وَأَيُّ بَلَدٍ لَمْ يُلْطَمْ بِهِ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَقُمْ لَهُ مَأْتَمٌ فِيهِ قُلِعَ أَصْلُهُ وَأُهْلِكَ أَهْلُهُ. قَالَ: فَخَرَجَ النِّسَاءُ الْعَوَاهِرُ مِنْ حَرِيمِ بَغْدَادَ إِلَى الْمَقَابِرِ يَلْطِمْنَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَيَخْرِقْنَ ثِيَابَهُنَّ، وَيَنْشُرْنَ شُعُورَهُنَّ، وَخَرَجَ رِجَالٌ مِنَ السَّفْسَافِ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، وَفُعِلَ هَذَا فِي وَاسِطٍ وَخُوزِسْتَانَ وَغَيْرِهَا مِنَ الْبِلَادِ. قَالَ: وَكَانَ هَذَا فَنًّا مِنَ الْحُمْقِ لَمْ يُنْقَلْ مِثْلُهُ.

стр. 9984

قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَفِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ ثَانِي عَشَرَ شَعْبَانَ هَجَمَ قَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِ عَبْدِ الصَّمَدِ عَلَى أَبِي عَلِيِّ بْنِ الْوَلِيدِ الْمُدَرِّسِ لِلْمُعْتَزِلَةِ فَسَبُّوهُ وَشَتَمُوهُ; لِامْتِنَاعِهِ مِنَ الصَّلَاةِ فِي الْجَامِعِ وَتَدْرِيسِهِ لِهَذَا الْمَذْهَبِ، وَأَهَانُوهُ وَجَرُّوهُ، وَلُعِنَتِ الْمُعْتَزِلَةُ فِي جَامِعِ الْمَنْصُورِ، وَجَلَسَ أَبُو سَعْدِ بْنُ أَبِي عِمَامَةَ، فَلَعَنَ الْمُعْتَزِلَةَ، قَبَّحَهُمُ اللَّهُ. وَفِي شَوَّالٍ وَرَدَ الْخَبَرُ بِأَنَّ السُّلْطَانَ غَزَا بَلَدًا عَظِيمًا، فِيهِ سَبْعُمِائَةِ أَلْفِ دَارٍ، وَأَلْفُ بِيعَةٍ وَدَيْرٍ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَأَسَرَ خَمْسَمِائَةِ أَلْفِ إِنْسَانٍ. وَفِي ذِي الْقَعْدَةِ حَدَثَ بِالنَّاسِ وَبَاءٌ عَظِيمٌ بِبَغْدَادَ وَغَيْرِهَا مِنْ بِلَادِ الْعِرَاقِ، وَغَلَتِ الْأَسْعَارُ الَّتِي يُتَدَاوَى بِهَا، وَعُدِمَ الشِّيرْخُشْكَ وَقَلَّ التَّمْرُهِنْدِيٍّ، وَزَادَ الْحَرُّ فِي تَشَارِينَ، وَفَسَدَ الْهَوَاءُ. وَفِي هَذَا الشَّهْرِ خُلِعَ عَلَى أَبِي الْغَنَائِمِ الْمَعْمَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْعَلَوِيِّ فِي بَيْتِ النُّوبَةِ بِنِقَابَةِ الطَّالِبِيِّينَ، وَالْحَجِّ وَالْمَظَالِمِ، وَلُقِّبَ بِالطَّاهِرِ ذِي الْمَنَاقِبِ، وَقُرِئَ تَقْلِيدُهُ فِي الْمَوْكِبِ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ أَهْلُ الْعِرَاقِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ هُوَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ الْعَلَّامَةُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ حَزْمِ بْنِ غَالِبِ بْنِ صَالِحِ بْنِ خَلَفِ بْنِ مَعْدَانَ بْنِ سُفْيَانَ بْنِ يَزِيدَ مَوْلَى

стр. 9985

يَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ صَخْرِ بْنِ حَرْبٍ الْأُمَوِيُّ، أَصْلُ جَدِّهِ يَزِيدُ هَذَا فَارِسِيٌّ، أَسْلَمَ وَخَلَّفَ الْمَذْكُورَ، أَوَّلُ مَنْ دَخَلَ مِنْهُمْ بِلَادَ الْمَغْرِبِ، وَكَانَتْ بَلَدُهُمْ قُرْطُبَةُ فَوُلِدَ ابْنُ حَزْمٍ هَذَا بِهَا فِي سَلْخِ رَمَضَانَ، مِنْ سَنَةِ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، فَقَرَأَ الْقُرْآنَ، وَاشْتَغَلَ بِالْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ، فَبَرَزَ فِيهَا، وَفَاقَ أَهْلَ زَمَانِهِ، وَصَنَّفَ الْكُتُبَ الْمُفِيدَةَ الْمَشْهُورَةَ، يُقَالُ: إِنَّهُ جَمَعَ أَرْبَعَمِائَةِ مُجَلَّدَةٍ مِنْ تَصْنِيفِهِ فِي قَرِيبٍ مِنْ ثَمَانِينَ أَلْفَ وَرَقَةٍ. وَكَانَ أَدِيبًا طَبِيبًا شَاعِرًا فَصِيحًا، لَهُ فِي الطِّبِّ وَالْمَنْطِقِ الْيَدُ الْعُلْيَا، وَكَانَ مِنْ بَيْتِ وِزَارَةٍ وَرِيَاسَةٍ وَوَجَاهَةٍ وَمَالٍ وَثَرْوَةٍ، وَكَانَ مُصَاحِبًا لِلشَّيْخِ أَبِي عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْبَرِّ النَّمِرِيِّ، وَكَانَ مُنَاوِئًا لِلشَّيْخِ أَبِي الْوَلِيدِ سُلَيْمَانَ بْنِ خَلَفٍ الْبَاجِيِّ، وَقَدْ جَرَتْ بَيْنَهُمَا مُنَاظَرَاتٌ يَطُولُ شَرْحُهَا. وَكَانَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ كَثِيرَ الْوَقِيعَةِ فِي الْعُلَمَاءِ بِلِسَانِهِ وَقَلَمِهِ أَيْضًا، فَأَوْرَثَهُ ذَلِكَ حِقْدًا فِي قُلُوبِ أَهْلِ زَمَانِهِ، وَمَا زَالُوا بِهِ حَتَّى بَغَّضُوهُ إِلَى مُلُوكِهِمْ، فَطَرَدُوهُ عَنْ بِلَادِهِ، حَتَّى كَانَتْ وَفَاتُهُ فِي قَرْيَةٍ لَهُ فِي ثَانِي شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ وَقَدْ جَاوَزَ السَّبْعِينَ. وَالْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ أَنَّهُ كَانَ ظَاهِرِيًّا فِي الْفُرُوعِ، لَا يَقُولُ بِشَيْءٍ مِنَ الْأَقْيِسَةِ، لَا الْجَلِيَّةِ وَلَا غَيْرِهَا، وَهَذَا الَّذِي وَضَعَهُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ، وَأَدْخَلَ عَلَيْهِ خَطَأً كَبِيرًا فِي نَظَرِهِ وَتَصَرُّفِهِ، وَكَانَ مَعَ هَذَا مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ تَأْوِيلًا فِي بَابِ الْأُصُولِ; لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ تَضَلَّعَ أَوَّلًا مِنْ عِلْمِ الْمَنْطِقِ، أَخَذَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْمَذْحِجِيِّ الْكِنَانِيِّ الْقُرْطُبِيِّ، ذَكَرَهُ ابْنُ مَاكُولَا وَابْنُ خَلِّكَانَ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.

стр. 9986

عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ بُرْهَانَ، أَبُو الْقَاسِمِ النَّحْوِيُّ كَانَ شَرِسَ الْأَخْلَاقِ جِدًّا، لَمْ يَلْبَسْ سَرَاوِيلَ قَطُّ، وَلَا غَطَّى رَأْسَهُ، وَلَمْ يَقْبَلْ عَطَاءً لِأَحَدٍ، وَذُكِرَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُقَبِّلُ الْمُرْدَ فِي غَيْرِ رِيبَةٍ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَكَانَ يَخْتَارُ مَذْهَبَ مُرْجِئَةِ الْمُعْتَزِلَةِ وَيَنْفِي خُلُودَ الْكُفَّارِ، وَيَقُولُ: دَوَامُ الْعِقَابِ فِي حَقِّ مَنْ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ التَّشَفِّي لَا وَجْهَ لَهُ مَعَ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ مِنَ الرَّحْمَةِ. وَيَتَأَوَّلُ قَوْلَهُ تَعَالَى: خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [النِّسَاءِ: ١٦٩] أِيْ أَبَدًا مِنَ الْآبَادِ. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَقَدْ كَانَ ابْنُ بُرْهَانَ يَقْدَحُ فِي أَصْحَابِ أَحْمَدَ، وَيُخَالِفُ اعْتِقَادُهُ اعْتِقَادَ الْمُسْلِمِينَ; لِأَنَّهُ قَدْ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ فِي عَدَمِ خُلُودِ الْكُفَّارِ فِي النَّارِ، فَكَيْفَ يُقْبَلُ كَلَامُهُ. تُوُفِّيَ فِي هَذَا الْعَامِ وَقَدْ نَيَّفَ عَلَى الثَّمَانِينَ.

стр. 9987

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ. فِيهَا سَارَ جَمَاعَةٌ لِلْحَجِّ بِخِفَارَةٍ فَلَمْ يُمْكِنْهُمُ الْمَسِيرُ فَعَدَلُوا إِلَى الْكُوفَةِ وَرَجَعُوا، وَفِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْهَا شُرِعَ فِي بِنَاءِ الْمَدْرَسَةِ النِّظَامِيَّةِ بِبَغْدَادَ، وَنُقِضَ لِأَجْلِهَا دَوْرٌ كَثِيرَةٌ مِنْ مَشْرِعَةِ الزَّوَايَا وَبَابِ الْبَصْرَةِ وَفِيهَا كَانَتْ حُرُوبٌ كَثِيرَةٌ بَيْنَ تَمِيمِ بْنِ الْمُعِزِّ بْنِ بَادِيسَ وَأَوْلَادِ حَمَّادٍ وَالْعَرَبِ وَالْمَغَارِبَةِ بِصِنْهَاجَةَ وَزَنَاتَةَ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ مِنْ بَغْدَادَ النَّقِيبُ أَبُو الْغَنَائِمِ. وَفِيهَا كَانَ مَقْتَلُ عَمِيدِ الْمُلْكِ الْكُنْدُرِيِّ وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَبُو نَصْرٍ وَزِيرُ طُغْرُلْبَكَ وَقَدْ كَانَ مَسْجُونًا لَهُ سَنَةً تَامَّةً، وَلَمَّا قُتِلَ حُمِلَ فَدُفِنَ عِنْدَ أَبِيهِ بِقَرْيَةِ كُنْدُرَ مِنْ عَمَلِ طُرَيْثِيثَ وَلَيْسَتْ بِكُنْدُرَ

стр. 9988

الَّتِي بِالْقُرْبِ مِنْ قَزْوِينَ وَاسْتَحْوَذَ السُّلْطَانُ عَلَى أَمْوَالِهِ وَحَوَاصِلِهِ، وَقَدْ كَانَ ذَكِيًّا فَصِيحًا شَاعِرًا لَدَيْهِ فَضَائِلُ جَمَّةٌ حَاضِرَ الْجَوَابِ سَرِيعَهُ. وَلَمَّا أَرْسَلَهُ طُغْرُلْبَكُ إِلَى الْخَلِيفَةِ يَخْطُبُ إِلَيْهِ ابْنَتَهُ وَامْتَنَعَ الْخَلِيفَةُ مِنْ ذَلِكَ أَشَدَّ الِامْتِنَاعِ، أَنْشَدَ مُتَمَثِّلًا بِقَوْلِ الْمُتَنَبِّي: مَا كُلُّ مَا يَتَمَنَّى الْمَرْءُ يُدْرِكُهُ فَتَمَّمَهُ الْوَزِيرُ: تَجْرِي الرِّيَاحُ بِمَا لَا تَشْتَهِي السُّفُنُ فَسَكَتَ الْخَلِيفَةُ وَأَطْرَقَ. وَكَانَ عُمْرُ الْكُنْدُرِيِّ حِينَ قُتِلَ نَيِّفًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً وَمِنْ شِعْرِهِ الْجَيِّدِ قَوْلُهُ: إِنْ كَانَ فِي النَّاسِ ضِيقٌ عَنْ مُنَافَسَتِي … فَالْمَوْتُ قَدْ وَسَّعَ الدُّنْيَا عَلَى النَّاسِ مَضَيْتُ وَالشَّامِتُ الْمَغْبُونُ يَتْبَعُنِي … كُلٌّ لِكَأْسِ الْمَنَايَا شَارِبٌ حَاسِي وَقَدْ كَانَ الْمَلِكُ طُغْرُلْبَكُ بَعَثَهُ مَرَّةً يَخْطُبُ لَهُ امْرَأَةَ خُوَارَزْمَ شَاهْ فَتَزَوَّجَهَا هُوَ فَخَصَاهُ وَأَقَرَّهُ عَلَى عَمَلِهِ، فَدُفِنَ ذَكَرُهُ بِخُوَارَزْمَ وَسُفِحَ دَمُهُ حِينَ قُتِلَ بِمَرْوِ الرُّوذِ، وَدُفِنَ جَسَدُهُ بِكُنْدُرَ، وَحُمِلَ رَأْسُهُ فَدُفِنَ بِنَيْسَابُورَ وَنُقِلَ قَحْفُ رَأْسِهِ إِلَى كَرْمَانَ.

стр. 9989

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ. فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ أَغْلَقَ أَهْلُ الْكَرْخِ دَكَاكِينَهُمْ وَأَحْضَرُوا نِسَاءً فَنُحْنَ عَلَى الْحُسَيْنِ كَمَا جَرَتْ بِهِ سَالِفُ عَادَاتِ بِدَعِهِمُ الْمُتَقَدِّمَةِ، فَحِينَ وَقَعَ ذَلِكَ أَنْكَرَتْهُ الْعَامَّةُ، وَطَلَبَ الْخَلِيفَةُ أَبَا الْغَنَائِمِ نَقِيبَ الطَّالِبِيِّينَ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَاعْتَذَرَ بِأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ، وَأَنَّهُ حِينَ عَلِمَ بِهِ أَزَالَهُ وَتَرَدَّدَ أَهْلُ الْكَرْخِ إِلَى الدِّيوَانِ يَعْتَذِرُونَ مِنْ ذَلِكَ، وَيَتَنَصَّلُونَ مِنْهُ وَخَرَجَ التَّوْقِيعُ بِكُفْرِ مَنْ يَسُبُّ الصَّحَابَةَ وَيُظْهِرُ الْبِدَعَ. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ وُلِدَ بِبَابِ الْأَزْجِ صَبِيَّةٌ لَهَا رَأْسَانِ وَوَجْهَانِ وَرَقَبَتَانِ وَأَرْبَعُ أَيْدِي عَلَى بَدَنٍ كَامِلٍ ثُمَّ مَاتَتْ. قَالَ: وَفِي جُمَادَى الْآخِرَةِ كَانَتْ زَلْزَلَةٌ بِخُرَاسَانَ لَبِثَتْ أَيَّامًا تَصَدَّعَتْ مِنْهَا الْجِبَالُ وَأَهْلَكَتْ جَمَاعَةً وَخَسَفَتْ بِعِدَّةِ قُرًى وَخَرَجَ النَّاسُ إِلَى الصَّحْرَاءِ وَأَقَامُوا هُنَالِكَ، وَوَقَعَ حَرِيقٌ بِنَهْرِ مُعَلَّى مِنْ بَغْدَادَ فَأَحْرَقَ مِائَةَ دُكَّانٍ وَثَلَاثَةَ دُورٍ وَذَهَبَ لِلنَّاسِ شَيْءٌ كَثِيرٌ وَنَهَبَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَفِي شَعْبَانَ وَقَعَ قِتَالٌ بِدِمَشْقَ فَضَرَبُوا دَارًا كَانَتْ مُجَاوِرَةً مِنَ الْجَامِعِ بِالنَّارِ فَاحْتَرَقَ جَامِعُ دِمَشْقَ كَذَا قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ; وَالْمَشْهُورُ أَنَّ حَرِيقَ جَامِعِ دِمَشْقَ إِنَّمَا كَانَ سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ

стр. 9990

وَأَرْبَعِمِائَةٍ بَعْدِ ثَلَاثِ سِنِينَ. وَأَنَّ غِلْمَانَ الْفَاطِمِيِّينَ اقْتَتَلُوا مَعَ غِلْمَانِ الْعَبَّاسِيِّينَ فَأُلْقِيَتْ نَارٌ بِدَارِ الْإِمَارَةِ - وَهِيَ الْخَضْرَاءُ - فَاحْتَرَقَتْ وَتَعَدَّى حَرِيقُهَا إِلَى أَنْ وَصَلَ إِلَى الْجَامِعِ فَسَقَطَتْ سُقُوفُهُ وَزَخْرَفَتُهُ وَرُخَامُهُ وَبَقِيَ كَأَنَّهُ خَرَابَةٌ وَبَادَتِ الْخَضْرَاءُ فَصَارَتْ كَوْمًا مِنْ تُرَابٍ، بَعْدَمَا كَانَتْ فِي غَايَةِ الْإِحْكَامِ وَالْإِتْقَانِ وَطَيِّبِ الْغِنَاءِ وَحُسْنِ الْبِنَاءِ فَهِيَ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا لَا يَسْكُنُهَا - لِرَدَاءَةِ مَكَانِهَا - إِلَّا سِفْلَةُ النَّاسِ وَسُقَّاطُهُمْ بَعْدَمَا كَانَتْ دَارَ الْمُلْكِ وَالْإِمَارَةِ مُنْذُ أَسَّسَهَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ. وَأَمَّا الْجَامِعُ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ بِنَاءٌ أَحْسَنُ مِنْهُ، إِلَى أَنِ احْتَرَقَ فَبَقِيَ خَرَابًا مُدَّةً طَوِيلَةً ثُمَّ شَرَعَ الْمُلُوكُ فِي تَجْدِيدِهِ وَتَرْمِيمِهِ حَتَّى بُلِّطَ فِي زَمَنِ الْعَادِلِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَيُّوبَ، وَلَمْ يَزَلْ فِي تَحْسِينِ مَعَالِمِهِ إِلَى زَمَانِنَا هَذَا فَتَمَاثَلَ حَالُهُ بَعْضَ التَّمَاثُلِ، وَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى حَالِهِ الْأَوَّلِ كَلَا شَيْءٍ، وَلَا زَالَ التَّحْسِينُ فِيهِ إِلَى أَيَّامِ الْأَمِيرِ سَيْفِ الدِّينِ تَنْكِزَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ النَّاصِرِيِّ فِي حُدُودِ سَنَةِ ثَلَاثِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ وَمَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا بِيَسِيرٍ. وَفِيهَا رَخُصَتِ الْأَسْعَارُ بِبَغْدَادَ رُخَصًا بَيِّنًا. وَنَقَصَتْ دِجْلَةُ نَقْصًا ظَاهِرًا. وَفِيهَا أَخَذَ الْمَلِكُ أَلْبُ أَرْسَلَانَ الْعَهْدَ بِالْمُلْكِ مِنْ بَعْدِهِ لِوَلَدِهِ مَلِكْشَاهْ وَمَشَى بَيْنَ يَدَيْهِ بِالْغَاشِيَةِ، وَالْأُمَرَاءُ بَيْنَ يَدَيْهِ يَتَمَاشَوْنَ بِالْخِلَعِ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا. وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ نُورُ الْهُدَى أَبُو طَالِبٍ الْحُسَيْنُ بْنُ نِظَامِ الْحَضْرَتَيْنِ

стр. 9991

الزَّيْنَبِيُّ وَجَاوَرَ بِمَكَّةَ. وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: الْحَافِظُ الْكَبِيرُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى الْبَيْهَقِيُّ، أَحَدُ الْحُفَّاظِ الْكِبَارِ لَهُ التَّصَانِيفُ الَّتِي سَارَتْ بِهَا الرُّكْبَانُ فِي سَائِرِ الْأَمْصَارِ وَالْأَقْطَارِ، وُلِدَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ وَكَانَ وَاحِدَ زَمَانِهِ فِي الْإِتْقَانِ وَالْحِفْظِ وَالْفِقْهِ وَالتَّصْنِيفِ، كَانَ فَقِيهًا مُحَدِّثًا أُصُولِيًّا أَخَذَ الْعِلْمَ عَنِ الْحَاكِمِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيِّ، وَسَمِعَ عَلَى غَيْرِهِ شَيْئًا كَثِيرًا، وَجَمَعَ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً نَافِعَةً جِدًّا لَمْ يُسْبَقْ إِلَى مِثْلِهَا وَلَا يُدْرَكُ فِيهَا; مِنْ ذَلِكَ كِتَابُ «السُّنَنِ الْكَبِيرِ»، «وَنُصُوصِ الشَّافِعِيِّ» كُلٌّ فِي عَشْرِ مُجَلَّدَاتٍ، «وَالسُّنَنِ وَالْآثَارِ»، «وَالْمَدْخَلِ»، «وَالْآدَابِ»، «وَشُعَبِ الْإِيمَانِ»، «وَالْخِلَافِيَّاتِ»، «وَدَلَائِلِ النُّبُوَّةِ»، «وَالْبَعْثِ وَالنُّشُورِ» وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمُصَنَّفَاتِ الْكِبَارِ وَالصِّغَارِ الْمُفِيدَةِ الَّتِي لَا تُسَامَى وَلَا تُدَانَى، وَكَانَ زَاهِدًا مُتَقَلِّلًا مِنَ الدُّنْيَا، كَثِيرَ الْعِبَادَةِ وَالْوَرَعِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِنَيْسَابُورَ وَنُقِلَ تَابُوتُهُ إِلَى بَيْهَقَ فِي جُمَادَى الْأُولَى مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. الْحَسَنُ بْنُ غَالِبِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ صُعْلُوكٍ، أَبُو عَلِيٍّ التَّمِيمِيُّ وَيُعْرَفُ بِابْنِ الْمُبَارَكِ الْمُقْرِئِ صَحِبَ ابْنَ سَمْعُونَ وَأَقْرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى

стр. 9992

حُرُوفٍ أُنْكِرَتْ عَلَيْهِ، وَجُرِّبَ عَلَيْهِ الْكَذِبُ; إِمَّا عَمْدًا وَإِمَّا خَطَأً وَاتُّهِمَ فِي رِوَايَاتٍ كَثِيرَةٍ وَكَانَ أَبُو الْحَسَنِ الْقَزْوِينِيُّ مِمَّنْ يُنْكِرُ عَلَيْهِ. وَكُتِبَ عَلَيْهِ مَحْضَرٌ وَأُلْزِمَ بِعَدَمِ الْإِقْرَاءِ بِالْحُرُوفِ الْمُنْكَرَةِ قَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ السَّمَرْقَنْدِيِّ: كَانَ كَذَّابًا. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَنِ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ سَنَةً وَدُفِنَ عِنْدَ إِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيِّ قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ: أَخَذَ الْفِقْهَ عَنْ أَبِي الْفَتْحِ نَاصِرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْعُمَرِيِّ الْمَرْوَزِيِّ ثُمَّ غَلَبَ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ وَاشْتُهِرَ بِهِ وَرَحَلَ فِي طَلَبِهِ. الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى الْحَنْبَلِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلَفِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْفَرَّاءِ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى شَيْخُ الْحَنَابِلَةِ وَمُمَهِّدُ مَذْهَبِهِمْ فِي الْفُرُوعِ، وُلِدَ فِي مُحَرَّمٍ سَنَةَ ثَمَانِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ وَسَمِعَ الْحَدِيثَ الْكَثِيرَ وَحَدَّثَ عَنِ ابْنِ حُبَابَةَ. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَكَانَ مِنْ سَادَاتِ الثِّقَاتِ وَشَهِدَ عِنْدَ ابْنِ مَاكُولَا وَابْنِ الدَّامَغَانِيِّ فَقَبِلَاهُ، وَتَوَلَّى النَّظَرَ فِي الْحُكْمِ بِحَرِيمِ دَارِ الْخِلَافَةِ، وَكَانَ إِمَامًا فِي الْفِقْهِ لَهُ التَّصَانِيفُ الْحِسَانِ الْكَثِيرَةُ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ، وَدَرَّسَ وَأَفْتَى سِنِينَ، وَانْتَهَى إِلَيْهِ الْمَذْهَبُ وَانْتَشَرَتْ تَصَانِيفُهُ وَأَصْحَابُهُ، وَجَمَعَ الْإِمَامَةَ وَالْفِقْهَ وَالصِّدْقَ وَحُسْنَ الْخُلُقِ وَالتَّعَبُّدَ وَالتَّقَشُّفَ وَالْخُشُوعَ وَحُسْنَ السَّمْتِ، وَالصَّمْتَ عَمَّا لَا يَعْنِي.

стр. 9993

وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي الْعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً وَاجْتَمَعَ فِي جِنَازَتِهِ الْقُضَاةُ وَالْأَعْيَانُ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالشُّهُودِ، وَكَانَ يَوْمًا حَارًّا فَأَفْطَرَ بَعْضُ مَنِ اتَّبَعَ جِنَازَتَهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَتَرَكَ مِنَ الْبَنِينَ عُبَيْدَ اللَّهِ أَبَا الْقَاسِمِ وَأَبَا الْحُسَيْنِ وَأَبَا حَازِمٍ، وَرَآهُ بَعْضُهُمْ فِي الْمَنَامِ فَقَالَ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ فَقَالَ: رَحِمَنِي وَغَفَرَ لِي وَأَكْرَمَنِي وَرَفَعَ مَنْزِلَتِي وَجَعَلَ يَعُدُّ ذَلِكَ بِأِصْبَعِهِ. فَقَالَ: بِالْعِلْمِ؟ فَقَالَ: بَلْ بِالصِّدْقِ. رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. ابْنُ سِيدَهْ اللُّغَوِيُّ أَبُو الْحُسَيْنِ عَلِيُّ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمُرْسِيُّ كَانَ إِمَامًا حَافِظًا لِلُّغَةِ، وَكَانَ ضَرِيرَ الْبَصَرِ، أَخَذَ عِلْمَ الْعَرَبِيَّةِ وَاللُّغَةِ عَنْ أَبِيهِ، وَكَانَ أَبُوهُ ضَرِيرًا أَيْضًا، ثُمَّ اشْتَغَلَ عَلَى أَبِي الْعَلَاءِ صَاعِدٍ الْبَغْدَادِيِّ وَلَهُ «الْمُحْكَمُ» فِي مُجَلَّدَاتٍ عَدِيدَةٍ، وَلَهُ «شَرْحُ الْحَمَاسَةِ» فِي سِتِّ مُجَلَّدَاتٍ، وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَقَرَأَ عَلَى الشَّيْخِ أَبِي عُمَرَ الطَّلَمَنْكِيِّ كِتَابَ الْغَرِيبِ لِأَبِي عُبَيْدٍ سَرْدًا مِنْ حِفْظِهِ، وَالشَّيْخُ يُقَابِلُ نُسْخَتَهُ بِمَا يَقْرَأُ فَسَمِعَ النَّاسُ بِقِرَاءَتِهِ مِنْ حِفْظِهِ وَتَعَجَّبُوا لِذَلِكَ. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَلَهُ سِتُّونَ سَنَةً، وَقِيلَ: إِنَّهُ تُوُفِّيَ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 9994

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ فِيهَا بَنَى أَبُو سَعِيدٍ الْمُسْتَوْفِي الْمُلَقَّبُ بِشَرَفِ الْمُلْكِ، مَشْهَدَ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ النُّعْمَانِ بِبَغْدَادَ، وَعَقَدَ عَلَيْهِ قُبَّةً، وَعَمِلَ بِإِزَائِهِ مَدْرَسَةً، وَأَنْزَلَهَا الْمُدَرِّسَ وَالْفُقَهَاءَ، فَدَخَلَ أَبُو جَعْفَرٍ ابْنُ الْبَيَاضِيِّ زَائِرًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فَأَنْشَدَ ارْتِجَالًا: أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْعِلْمَ كَانَ مُضَيَّعًا … فَجَمَّعَهُ هَذَا الْمُغَيَّبُ فِي اللَّحْدِ كَذَلِكَ كَانَتْ هَذِهِ الْأَرْضُ مَيْتَةً … فَأَنْشَرَهَا جُودُ الْعَمِيْدِ أَبِي السَّعْدِ وَفِي شَعْبَانَ هَبَّتْ رِيحٌ حَارَّةٌ فَمَاتَ بِسَبَبِهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ وَدَوَابٌّ بِبَغْدَادَ، وَأَتْلَفَتْ شَجَرًا كَثِيرًا مِنَ اللَّيْمُونِ وَالْأُتْرُجِّ. وَفِيهَا احْتَرَقَ قَبْرُ مَعْرُوفٍ الْكَرْخِيِّ وَكَانَ سَبَبَهُ أَنَّ الْقِيِّمَ طُبِخَ لَهُ مَاءُ الشَّعِيرِ لِمَرَضِهِ فَتَعَدَّتِ النَّارُ إِلَى الْأَخْشَابِ فَاحْتَرَقَ الْمَشْهَدُ بِكَمَالِهِ. وَفِيهَا وَقَعَ غَلَاءٌ وَفَنَاءٌ بِدِمَشْقَ وَحَلَبَ وَحَرَّانَ وَخُرَاسَانَ بِكَمَالِهَا وَوَقَعَ الْفَنَاءُ فِي الدَّوَابِّ; كَانَتْ تَنْتَفِخُ رُءُوسُهَا وَأَعْيُنُهَا حَتَّى كَانَ النَّاسُ يَأْخُذُونَ حُمُرَ الْوَحْشِ بِالْأَيْدِي وَلَكِنْ يَأْنَفُونَ مِنْ أَكْلِهَا. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمُنْتَظَمِ: وَفِي يَوْمِ السَّبْتِ عَاشِرِ ذِي الْقَعْدَةِ جَمَعَ الْعَمِيدُ أَبُو سَعْدٍ الْقَاضِي النَّاسَ لِيَحْضُرُوا الدَّرْسَ بِالنِّظَامِيَّةِ بِبَغْدَادَ، وَعَيَّنَ

стр. 9995

لِتَدْرِيسِهَا وَمَشْيَخَتِهَا الشَّيْخَ أَبَا إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيَّ، فَلَمَّا تَكَامَلَ اجْتِمَاعُ النَّاسِ، وَجَاءَ أَبُو إِسْحَاقَ لِيُدَرِّسَ، لَقِيَهُ فَقِيهٌ شَابٌّ، فَقَالَ: يَا سَيِّدِي تَذْهَبُ تُدَرِّسُ فِي مَكَانٍ مَغْصُوبٍ؟ فَامْتَنَعَ مِنَ الْحُضُورِ وَرَجَعَ إِلَى بَيْتِهِ فَأُقِيمَ الشَّيْخُ أَبُو نَصْرِ بْنُ الصَّبَّاغِ فَدَرَّسَ، فَلَمَّا بَلَغَ نِظَامَ الْمُلْكِ ذَلِكَ تَغَيَّظَ عَلَى الْعَمِيدِ وَأَرْسَلَ إِلَى الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ فَرَدَّهُ إِلَى التَّدْرِيسِ بِالنِّظَامِيَّةِ فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَكَانَ لَا يُصَلِّي فِيهَا مَكْتُوبَةً، بَلْ يَخْرُجُ إِلَى بَعْضِ الْمَسَاجِدِ فَيُؤَدِّي الْمَكْتُوبَةَ; لِمَا ذُكِرَ مِنْ كَوْنِهَا فِي بَعْضِ أَرْضِهَا غَصْبٌ، وَقَدْ كَانَتْ مُدَّةُ تَدْرِيسِ ابْنِ الصَّبَّاغِ عِشْرِينَ يَوْمًا، ثُمَّ عَادَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ إِلَيْهَا. وَفِي ذِي الْقَعْدَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ الصُّلَيْحِيُّ أَمِيرُ الْيَمَنِ وَصَاحِبُ مَكَّةَ قَتَلَهُ بَعْضُ أُمَرَاءِ الْيَمَنِ وَخُطِبَ لِلْقَائِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ الْعَبَّاسِيِّ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَبُو الْغَنَائِمِ النَّقِيبُ. وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَبُو عَلِيٍّ الطُّوسِيُّ، وَيُقَالُ لَهُ الْعِرَاقِيُّ لِظَرْفِهِ وَطُولِ مُقَامِهِ بِهَا، سَمِعَ الْحَدِيثَ مِنْ أَبِي طَاهِرٍ الْمُخَلِّصِ وَتَفَقَّهَ عَلَى أَبِي مُحَمَّدٍ الْبَافِيِّ ثُمَّ عَلَى الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيِّ وَوَلِيَ قَضَاءَ بَلْدَةِ طُوسَ وَكَانَ مِنَ الْفُقَهَاءِ الْفُضَلَاءِ الْمُبَرَّزِينَ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.

стр. 9996

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتِّينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ مِنَ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: فِي جُمَادَى الْأُولَى كَانَتْ زَلْزَلَةٌ بِأَرْضِ فِلَسْطِينَ أَهْلَكَتْ بَلَدَ الرَّمْلَةِ وَرَمَتْ شُرَّافَتَيْنِ مِنْ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَحِقَتْ وَادِيَ الصَّفْرَاءِ وَخَيْبَرَ وَانْشَقَّتِ الْأَرْضُ عَنْ كُنُوزٍ مِنَ الْمَالِ، وَبَلَغَ حِسُّهَا إِلَى الرَّحْبَةِ وَالْكُوفَةِ وَجَاءَ كِتَابُ بَعْضِ التُّجَّارِ فِي هَذِهِ الزَّلْزَلَةِ يَقُولُ: إِنَّهَا خَسَفَتْ الرَّمْلَةَ جَمِيعًا حَتَّى لَمْ يَسْلَمْ مِنْهَا إِلَّا دَارَانِ فَقَطْ، وَهَلَكَ مِنْهَا خَمْسَ عَشْرَةَ أَلْفَ نَسَمَةٍ وَانْشَقَّتِ الصَّخْرَةُ الَّتِي بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ عَادَتْ فَالْتَأَمَتْ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَغَارَ الْبَحْرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَسَاخَ فِي الْأَرْضِ وَظَهَرَ فِي مَكَانِ الْمَاءِ أَشْيَاءُ مِنْ جَوَاهِرَ وَغَيْرِهَا وَدَخَلَ النَّاسُ فِي أَرْضِهِ يَلْتَقِطُونَ فَرَجَعَ عَلَيْهِمْ فَأَهْلَكَ خَلْقًا كَثِيرًا مِنْهُمْ. وَفِي يَوْمِ السَّبْتِ النِّصْفِ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ قُرِئَ الِاعْتِقَادُ الْقَادِرِيُّ الَّذِي فِيهِ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَالْإِنْكَارُ عَلَى أَهْلِ الْبِدَعِ، وَقَرَأَ أَبُو مُسْلِمٍ اللَّيْثِيُّ الْبُخَارِيُّ الْمُحَدِّثُ كِتَابَ التَّوْحِيدِ لِابْنِ خُزَيْمَةَ عَلَى الْجَمَاعَةِ الْحَاضِرِينَ. وَذُكِرَ

стр. 9997

بِمَحْضَرٍ مِنَ الْوَزِيرِ ابْنِ جَهِيرٍ وَجَمَاعَةِ الْأَعْيَانِ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَأَهْلِ الْكَلَامِ، وَاعْتَرَفُوا بِالْمُوَافَقَةِ ثُمَّ قُرِئَ «الِاعْتِقَادُ الْقَادِرِيُّ» عَلَى الشَّرِيفِ أَبِي جَعْفَرٍ ابْنِ الْمُهْتَدِي بِاللَّهِ بِبَابِ الْبَصْرَةِ وَذَلِكَ لِسَمَاعِهِ لَهُ مِنَ الْخَلِيفَةِ الْقَادِرِ بِاللَّهِ مُصَنِّفُهُ. وَفِيهَا عَزَلَ الْخَلِيفَةُ وَزِيرَهُ أَبَا نَصْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ جَهِيرٍ الْمُلَقَّبَ فَخْرَ الدَّوْلَةِ وَبَعَثَ إِلَيْهِ يُعَاتِبُهُ فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ فَاعْتَذَرَ مِنْهَا، وَأَخَذَ فِي التَّرَفُّقِ وَالتَّذَلُّلِ فَأُجِيبَ بِأَنْ يَرْحَلَ إِلَى أَيِّ جِهَةٍ شَاءَ، فَاخْتَارَ حِلَّةَ ابْنِ مَزْيَدٍ، فَبَاعَ أَصْحَابُهُ أَمْوَالَهُمْ وَأَمْلَاكَهُمْ وَطَلَّقُوا نِسَاءَهُمْ، وَأَخَذَ أَوْلَادَهُ وَأَهْلَهُ، وَجَاءَ لِيَرْكَبَ فِي سُمَيْرِيَّةٍ لِيَنْحَدِرَ مِنْهَا إِلَى الْحِلَّةِ وَالنَّاسُ حَوْلَهُ يَتَبَاكَوْنَ لِبُكَائِهِ، فَلَمَّا اجْتَازَ بِدَارِ الْخِلَافَةِ قَبَّلَ الْأَرْضَ دَفَعَاتٍ وَالْخَلِيفَةُ فِي الشُّبَّاكِ وَالْوَزِيرُ يَقُولُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ارْحَمْ شَيْبَتِي وَغُرْبَتِي وَأَوْلَادِي. فَأُعِيدَ إِلَى الْوَزَارَةِ بِشَفَاعَةِ دُبَيْسِ بْنِ مَزْيَدٍ فِي السَّنَةِ الْآتِيَةِ، وَامْتَدَحَهُ الشُّعَرَاءُ، وَفَرِحَ النَّاسُ بِرُجُوعِهِ إِلَى الْوَزَارَةِ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا. وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ أَبُو مَنْصُورٍ، الْمُلَقَّبُ بِالشَّيْخِ الْأَجَلِّ كَانَ أَوْحَدَ زَمَانِهِ فِي الْقِيَامِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالْمُبَادَرَةِ إِلَى فِعْلِ الْخَيْرَاتِ وَاصْطِنَاعِ الْأَيَادِي عِنْدَ أَهْلِهَا مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ، مَعَ شِدَّةِ الْقِيَامِ عَلَى أَهْلِ الْبِدَعِ وَلَعْنِهِمْ،

стр. 9998

وَافْتِقَادِ الْمَسْتُورِينَ بِالْبِرِّ، وَالصَّدَقَةِ عَلَى الْمَحَاوِيجِ وَإِخْفَاءِ ذَلِكَ جَهْدَهُ وَطَاقَتَهُ، وَمِنْ غَرِيبِ مَا وَقَعَ لَهُ: أَنَّهُ كَانَ يَبَرُّ إِنْسَانًا فِي كُلِّ سَنَةٍ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ، يَكْتُبُ لَهُ بِهَا عَلَى رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ: ابْنُ رِضْوَانَ فَلَمَّا تُوُفِّيَ الشَّيْخُ جَاءَ الرَّجُلُ إِلَى ابْنِ رِضْوَانَ فَقَالَ ادْفَعْ إِلَيَّ مَا كَانَ يَصْرِفُ لِي الشَّيْخُ فَقَالَ لَهُ ابْنُ رِضْوَانَ: إِنَّ الَّذِي كَانَ يَكْتُبُ لَكَ عَلَيَّ قَدْ مَاتَ، وَلَا أَقْدِرُ أَنْ أَصْرِفَ لَكَ شَيْئًا، فَذَهَبَ الرَّجُلُ إِلَى قَبْرِ الشَّيْخِ الْأَجَلِّ فَقَرَأَ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ وَتَرَحَّمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ الْتَفَتَ فَإِذَا هُوَ بِكَاغِدٍ فِيهِ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ، فَأَخَذَهَا وَجَاءَ بِهَا إِلَى ابْنِ رِضْوَانَ فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ رِضْوَانَ: هَذِهِ يَا أَخِي سَقَطَتْ مِنِّي الْيَوْمَ عِنْدَ قَبْرِهِ فَخُذْهَا وَلَكَ عَلَيَّ مِثْلُهَا فِي كُلِّ عَامٍ. كَانَتْ وَفَاتُهُ الْمُنْتَصَفَ مِنْ مُحَرَّمٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ خَمْسٍ وَسِتِّينَ سَنَةً، وَكَانَ يَوْمُ مَوْتِهِ يَوْمًا مَشْهُودًا حَضَرَهُ خَلْقٌ مِنَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُ عَدَدَهُمْ إِلَّا اللَّهُ فَرَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَكْرَمَ مَثْوَاهُ. أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الطُّوسِيُّ فَقِيهُ الشِّيعَةِ وَدُفِنَ فِي مَشْهَدِ عَلِيٍّ وَكَانَ مُجَاوِرًا بِهِ حِينَ احْتَرَقَتْ دَارُهُ - بِالْكَرْخِ - وَكُتُبُهُ، سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ إِلَى مُحَرَّمِ هَذِهِ السَّنَةِ فَتُوُفِّيَ وَدُفِنَ هُنَاكَ.

стр. 9999

خَدِيجَةُ بِنْتُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْوَاعِظَةُ الْمَعْرُوفَةُ بِالشَّاهْجَانِيَّةِ، وُلِدَتْ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ وَكَانَتْ قَدْ صَحِبَتْ ابْنَ سَمْعُونَ، وَرَوَتْ عَنْهُ وَعَنِ ابْنِ شَاهِينَ، وَدُفِنَتْ إِلَى جَانِبِ ابْنِ سَمْعُونَ

стр. 10000

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَسِتِّينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ كَانَ حَرِيقُ جَامِعِ دِمَشْقَ وَكَانَ سَبَبَهُ أَنَّ غِلْمَانَ الْفَاطِمِيِّينَ وَالْعَبَّاسِيِّينَ اخْتَصَمُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ فَأُلْقِيَتْ نَارٌ بِدَارِ الْمُلْكِ - وَهِيَ الْخَضْرَاءُ الْمُتَاخِمَةُ لِلْجَامِعِ مِنْ جِهَةِ الْقِبْلَةِ - فَاحْتَرَقَتْ، وَسَرَى حَرِيقُهَا إِلَى الْجَامِعِ فَسَقَطَتْ سُقُوفُهُ وَتَنَاثَرَتْ فُصُوصُهُ الْمُذَهَّبَةُ الَّتِي عَلَى جُدْرَانِهِ، وَتَقَلَّعَتِ الْفُسَيْفِسَاءُ الَّتِي كَانَتْ فِي أَرْضِهِ وَعَلَى جُدْرَانِهِ، وَتَغَيَّرَتْ مَعَالِمُهُ وَمَحَاسِنُةُ وَتَبَدَّلَتْ بَهْجَتُهُ بِضِدِّهَا، وَقَدْ كَانَتْ سُقُوفُهُ مُذَهَّبَةً مُبَطَّنَةً كُلُّهَا وَالْجَمَلُونَاتُ مِنْ فَوْقِهَا، وَجُدْرَانُهُ بِالْفُصُوصِ الْمُذَهَّبَةِ الْمُلَوَّنَةِ، مُصَوَّرٌ فِيهَا جَمِيعُ بِلَادِ الدُّنْيَا; الْكَعْبَةُ وَمَكَّةُ فِي الْمِحْرَابِ، وَالْبِلَادُ كُلُّهَا شَرْقًا وَغَرْبًا، كُلٌّ فِي مَكَانِهِ اللَّائِقِ بِهِ وَمُصَوَّرٌ فِيهِ كُلُّ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ وَغَيْرِ مُثْمِرَةٍ مُشَكَّلٌ مُصَوَّرٌ فِي بُلْدَانِهِ وَأَوْطَانِهِ، وَالسُّتُورُ مُرْخَاةٌ عَلَى أَبْوَابِهِ النَّافِذَةِ إِلَى الصَّحْنِ وَعَلَى أُصُولِ الْحِيطَانِ إِلَى مِقْدَارِ الثُّلُثِ مِنْهَا وَبَاقِي الْجُدْرَانِ بِالْفُصُوصِ الْمُلَوَّنَةِ، وَأَرْضُهُ كُلُّهَا بِالْفُصُوصِ; الرُّخَامِ وَالْفُسَيْفِسَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِي الدُّنْيَا بِنَاءٌ أَحْسَنُ مِنْهُ، لَا قُصُورُ الْمُلُوكِ وَلَا دُورُ الْخِلَافَةِ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِمْ، ثُمَّ لَمَّا وَقَعَ هَذَا الْحَرِيقُ فِيهِ تَبَدَّلَ الْحَالُ الْكَامِلُ بِضِدِّهِ، وَصَارَتْ أَرْضُهُ طِينًا فِي زَمَنِ الشِّتَاءِ، وَغُبَارًا فِي زَمَنِ الصَّيْفِ، مَحْفُورَةً

стр. 10001

مَهْجُورَةً، وَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى بُلِّطَ أَرْضُهُ فِي زَمَنِ الْعَادِلِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَيُّوبَ، بَعْدَ السِّتِّمِائَةِ سَنَةٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَكَانَ جَمِيعُ مَا سَقَطَ مِنْهُ مِنَ الرُّخَامِ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَخْشَابِ مُودَعًا فِي الْمَشَاهِدِ الْأَرْبَعَةِ، شَرْقِيَّةً وَغَرْبِيَّةً، حَتَّى فَرَّغَهَا مِنْ ذَلِكَ الْقَاضِي كَمَالُ الدِّينِ الشَّهْرُزُورِيُّ، فِي زَمَنِ الْمَلِكِ الْعَادِلِ نُورِ الدِّينِ مَحْمُودِ بْنِ زَنْكِي حِينَ وَلَّاهُ نَظَرَهُ مَعَ الْقَضَاءِ وَنَظَرَ الْأَوْقَافِ كُلِّهَا، وَنَظَرَ دَارِ الضَّرْبِ وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَلَمْ تَزَلِ الْمُلُوكُ تُجَدِّدُ فِي مَحَاسِنِهِ إِلَى زَمَانِنَا هَذَا، فَتَقَارَبَ حَالُهُ فِي زَمَنِ الْأَمِيرِ سَيْفِ الدِّينِ تَنْكِزَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ النَّاصِرِيِّ نَائِبِ الشَّامِ أَثَابَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَدْ أَرَّخَ الشَّيْخُ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمُنْتَظَمِ هَذَا الْحَرِيقَ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ وَتَبِعَهُ ابْنُ السَّاعِي فِي تَارِيخِهِ وَالصَّوَابُ أَنَّهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ السَّاعِي أَيْضًا فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَشَيْخُنَا الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الذَّهَبِيُّ مُؤَرِّخُ الْإِسْلَامِ فِي تَارِيخِهِ وَغَيْرُ وَاحِدٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِيهَا نَقَمَتِ الْحَنَابِلَةُ عَلَى الشَّيْخِ أَبِي الْوَفَا بْنِ عَقِيلٍ وَهُوَ مِنْ كُبَرَائِهِمْ بِتَرَدُّدِهِ إِلَى أَبِي عَلِيِّ بْنِ الْوَلِيدِ الْمُتَكَلِّمِ الْمُعْتَزِلِيِّ وَاتَّهَمُوهُ بِالِاعْتِزَالِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَتَرَدَّدُ إِلَيْهِ إِلَّا لِيُحِيطَ عِلْمًا بِمَذْهَبِهِ، وَلَكِنْ سَرَقَهُ الْهَوَى وَصَارَتْ فِيهِ نَزْعَةٌ مِنْهُ، وَجَرَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ فِتْنَةٌ طَوِيلَةٌ وَتَأَذَّى بِسَبَبِهَا جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ، وَمَا سَكَنَتِ الْفِتْنَةُ إِلَى سَنَةِ خَمْسٍ وَسِتِّينَ ثُمَّ اصْطَلَحُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ بَعْدَ اخْتِصَامٍ كَثِيرٍ. وَفِيهَا زَادَتْ دِجْلَةُ عَلَى إِحْدَى وَعِشْرِينَ ذِرَاعًا حَتَّى دَخَلَتْ مَشْهَدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَشْهَدَ النُّذُورِ. وَفِيهَا وَرَدَ الْخَبَرُ بِأَنَّ الْأَفْشِينَ دَخَلَ بِلَادَ الرُّومِ حَتَّى

стр. 10002

انْتَهَى إِلَى عَمُّورِيَةَ فَقَتَلَ خَلْقًا وَغَنِمَ أَمْوَالًا كَثِيرَةً. وَفِيهَا كَانَ رُخْصٌ عَظِيمٌ فِي الْكُوفَةِ حَتَّى بِيعَ السَّمَكُ كُلُّ أَرْبَعِينَ رِطْلًا بِحَبَّةٍ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ أَبُو الْغَنَائِمِ الْعَلَوِيُّ. وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: الْفُورَانِيُّ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ فُورَانَ الْفُورَانِيُّ الْمَرْوَزِيُّ، أَحَدُ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ مُصَنِّفُ «الْإِبَانَةِ»، الَّتِي فِيهَا مِنَ النُّقُولِ الْغَرِيبَةِ، وَالْأَقْوَالِ وَالْأَوْجُهِ الَّتِي لَا تُوجَدُ إِلَّا فِيهَا، كَانَ بَصِيرًا بِالْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ، أَخَذَ الْفِقْهَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْقَفَّالِ وَحَضَرَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ عِنْدَهُ وَهُوَ صَغِيرٌ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ، فَصَارَ فِي نَفْسِهِ مِنْهُ فَهُوَ يُخَطِّئُهُ كَثِيرًا فِي «النِّهَايَةِ». قَالَ الْقَاضِي ابْنُ خَلِّكَانَ: فَمَتَى قَالَ فِي «النِّهَايَةِ» وَقَالَ بَعْضُ الْمُصَنِّفِينَ: كَذَا وَغَلِطَ فِي ذَلِكَ. وَشَرَعَ فِي الْوُقُوعِ فِيهِ فَمُرَادُهُ أَبُو الْقَاسِمِ الْفُورَانِيُّ. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي رَمَضَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ بِمَرْوٍ، عَنْ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً وَقَدْ كَتَبَ تِلْمِيذُهُ أَبُو سَعْدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَأْمُونِ الْمَعَرِّيُّ - الْمُدَرِّسُ بِالنِّظَامِيَّةِ بَعْدَ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ وَقَبْلَ ابْنِ الصَّبَّاغِ وَبَعْدَهُ أَيْضًا - كِتَابًا عَلَى «الْإِبَانَةِ»، فَسَمَّاهُ «تَتِمَّةَ الْإِبَانَةِ» انْتَهَى فِيهِ إِلَى كِتَابِ الْحُدُودِ، وَمَاتَ قَبْلَ إِتْمَامِهِ فَتَمَّمَهُ أَسْعَدُ الْعِجْلِيُّ وَغَيْرُهُ فَلَمْ يَلْحَقُوا شَأْوَهُ، وَسَمَّوهُ: «تَتِمَّةَ التَّتِمَّةِ» رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى.

стр. 10003

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: فَمِنَ الْحَوَادِثِ فِيهَا: أَنَّهُ كَانَ عَلَى ثَلَاثِ سَاعَاتٍ فِي يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ الْحَادِي عَشَرَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى وَهُوَ الثَّامِنَ عَشَرَ مِنْ آذَارَ كَانَتْ زَلْزَلَةٌ عَظِيمَةٌ بِالرَّمْلَةِ وَأَعْمَالِهَا فَذَهَبَ أَكْثَرُهَا وَانْهَدَمَ سُورُهَا، وَعَمَّ ذَلِكَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَتِنِّيسَ وَانْخَسَفَتْ أَيْلَةُ وَانْجَفَلَ الْبَحْرُ حَتَّى انْكَشَفَتْ أَرْضُهُ وَمَشَى نَاسٌ فِيهِ ثُمَّ عَادَ، وَتَغَيَّرَتْ إِحْدَى زَوَايَا جَامِعِ مِصْرَ، وَتَبِعَتْ هَذِهِ الزَّلْزَلَةَ فِي سَاعَتِهَا زَلْزَلَتَانِ أُخْرَيَانِ. وَفِيهَا تَوَجَّهُ مَلِكُ الرُّومِ مِنْ قُسْطَنْطِينِيَّةَ إِلَى الشَّامِ فِي ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ فَنَزَلَ عَلَى مَنْبِجَ، وَأَحْرَقَ الْقُرَى مَا بَيْنَ مَنْبِجَ إِلَى أَرْضِ الرُّومِ، وَقَتَلَ رِجَالَهُمْ وَسَبَى نِسَاءَهُمْ، وَفَزِعَ الْمُسْلِمُونَ بِحَلَبَ وَغَيْرِهَا مِنْهُ فَزَعًا عَظِيمًا، فَأَقَامَ سِتَّةَ عَشَرَ يَوْمًا ثُمَّ رَدَّهُ اللَّهُ خَاسِئًا، وَذَلِكَ لِقِلَّةِ مَا مَعَهُمْ مِنَ الْمِيرَةِ وَهَلَاكِ أَكْثَرِ جَيْشِهِ بِالْجُوعِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَفِيهَا ضَاقَتْ يَدُ أَمِيرِ مَكَّةَ فَأَخَذَ الذَّهَبَ مِنْ أَسْتَارِ الْكَعْبَةِ وَالْمِيزَابِ وَبَابِ الْكَعْبَةِ، فَضَرَبَ ذَلِكَ دَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ وَكَذَلِكَ فَعَلَ صَاحِبُ الْمَدِينَةِ بِالْقَنَادِيلِ

стр. 10004

الَّتِي فِي الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ عَلَى سَاكِنِهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَ غَلَاءٌ شَدِيدٌ وَقَحْطٌ عَظِيمٌ بِدِيَارِ مِصْرَ، بِحَيْثُ أَنَّهُمْ أَكَلُوا الْجِيَفَ وَالْمَيْتَاتِ وَالْكِلَابِ، فَكَانَ يُبَاعُ الْكَلْبُ بِخَمْسَةِ دَنَانِيرَ، وَمَاتَتِ الْفِيَلَةُ فَأُكِلَتْ، وَأُفْنِيَتِ الدَّوَابُّ فَلَمْ يَبْقَ لِصَاحِبِ مِصْرَ سِوَى ثَلَاثَةِ أَفْرَاسٍ; بَعْدَ الْعَدَدِ الْكَثِيرِ مِنْهَا، وَنَزَلَ الْوَزِيرُ يَوْمًا عَنْ بَغْلَتِهِ فَغَفَلَ الْغُلَامُ عَنْهَا لِضَعْفِهِ مِنَ الْجُوعِ، فَأَخَذَهَا ثَلَاثَةُ نَفَرٍ فَذَبَحُوهَا وَأَكَلُوهَا، فَأُخِذُوا فَصُلِبُوا فَأَصْبَحُوا، فَإِذَا عِظَامُهُمْ بَادِيَةٌ; قَدْ أَكَلَ النَّاسُ لُحُومَهُمْ. وَظُهِرَ عَلَى رَجُلٍ يَقْتُلُ الصِّبْيَانَ وَالنِّسَاءَ وَيَدْفِنُ رُءُوسَهُمْ وَأَطْرَافَهُمْ وَيَبِيعُ لُحُومَهُمْ فَقُتِلَ. وَكَانَتِ الْأَعْرَابُ يَقْدَمُونَ بِالطَّعَامِ يَبِيعُونَهُ فِي ظَاهِرِ الْبَلَدِ، لَا يَتَجَاسَرُونَ يَدْخُلُونَ; لِئَلَّا يُخْطَفَ وَيُنْهَبَ مِنْهُمْ، وَكَانَ لَا يَجْسُرُ أَحَدٌ أَنْ يَدْفِنَ مَيِّتَهُ نَهَارًا، وَإِنَّمَا يَدْفِنُهُ لَيْلًا خُفْيَةً; لِئَلَّا يُنْبَشَ فَيُؤْكَلَ. وَاحْتَاجَ صَاحِبُ مِصْرَ حَتَّى بَاعَ أَشْيَاءَ مِنْ نَفَائِسِ مَا عِنْدَهُ; مِنْ ذَلِكَ أَحَدَ عَشَرَ أَلْفَ دِرْعٍ وَعِشْرُونَ أَلْفَ سَيْفٍ مُحَلًّى، وَثَمَانُونَ أَلْفَ قِطْعَةِ بِلَّوْرَ كِبَارٌ، وَخَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ أَلْفَ قِطْعَةٍ مِنَ الدِّيبَاجِ الْقَدِيمِ، وَبِيعَتْ ثِيَابُ النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ وَسَجْفُ الْمُهُودِ بِأَرْخَصِ الْأَثْمَانِ، وَكَذَلِكَ الْأَمْلَاكُ وَغَيْرُهَا، وَقَدْ كَانَ بَعْضُ هَذِهِ النَّفَائِسِ الْخَلِيفِيَّةِ مِمَّا نُهِبَ مِنْ بَغْدَادَ فِي أَيَّامِ الْبَسَاسِيرِيِّ. وَفِيهَا وَرَدَتِ الْخَدَمُ وَالتُّحَفُ وَالْهَدَايَا مِنَ الْمَلِكِ أَلْبِ أَرْسَلَانَ إِلَى الْخَلِيفَةِ الْقَائِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ. وَفِيهَا ضُرِبَ اسْمُ وَلِيِّ الْعَهْدِ عَلَى الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ وَسُمِّيَ الْأَمِيرِيَّ، وَمُنِعَ التَّعَامُلُ بِغَيْرِهَا. وَفِيهَا وَرَدَ كِتَابُ صَاحِبِ مَكَّةَ إِلَى الْمَلِكِ أَلْبِ أَرْسَلَانَ وَهُوَ بِخُرَاسَانَ يُخْبِرُهُ

стр. 10005

بِإِقَامَةِ الْخُطْبَةِ بِمَكَّةَ لِلْقَائِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ وَلِلسُّلْطَانِ بِمَكَّةَ، وَقَطْعِ الْخُطْبَةِ لِلْمِصْرِيِّينَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ بِثَلَاثِينَ أَلْفَ دِينَارٍ وَخِلْعَةً سَنِيَّةً، وَأَجْرَى لَهُ فِي كُلِّ سَنَةٍ عَشْرَةَ آلَافِ دِينَارٍ. وَفِيهَا تَزَوَّجَ عَمِيدُ الدَّوْلَةِ ابْنُ جَهِيرٍ بِابْنَةِ نِظَامِ الْمُلْكِ بِالرَّيِّ، ثُمَّ عَادَ إِلَى بَغْدَادَ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ أَبُو الْغَنَائِمِ الْعَلَوِيُّ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ مِنَ الْأَعْيَانِ وَالْمَشَاهِيرِ: الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ بَارِّي أَبُو الْجَوَائِزِ الْوَاسِطِيُّ سَكَنَ بَغْدَادَ دَهْرًا طَوِيلًا، وَكَانَ أَدِيبًا شَاعِرًا ظَرِيفًا وُلِدَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ وَمَاتَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ مِائَةٍ وَعَشْرِ سِنِينَ وَمِنْ مُسْتَجَادِ شِعْرِهِ قَوْلُهُ: وَا حَزَنِي مِنْ قَوْلِهَا … خَانَ عُهُودِي وَلَهَا وَحَقِّ مَنْ صَيَّرَنِي … وَقْفًا عَلَيْهَا وَلَهَا مَا خَطَرَتْ بِخَاطِرِي … إِلَّا كَسَتْنِي وَلَهَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سَهْلٍ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ بِشْرَانَ النَّحْوِيُّ الْوَاسِطِيُّ وُلِدَ سَنَةَ ثَمَانِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَكَانَ عَالِمًا بِالْأَدَبِ وَانْتَهَتْ إِلَيْهِ الرِّحْلَةُ فِي اللُّغَةِ وَلَهُ

стр. 10006

شِعْرٌ حَسَنٌ فَمِنْهُ قَوْلُهُ: يَا شَائِدًا لِلْقُصُورِ مَهْلًا … أَقْصِرْ فَقَصْرُ الْفَتَى الْمَمَاتُ لَمْ يَجْتَمِعْ شَمْلُ أَهْلِ قَصْرٍ … إِلَّا وَقُصْرَاهُمُ الشَّتَاتُ وَإِنَّمَا الْعَيْشُ مِثْلُ ظِلٍّ … مُنْتَقِلٍ مَا لَهُ ثَبَاتُ وَقَوْلُهُ: وَدَّعْتُهُمْ وَلِيَ الدُّنْيَا مُوَدِّعَةٌ … وَرُحْتُ مَا لِي سِوَى ذِكْرَاهُمُ وَطَرُ وَقُلْتُ يَا لَذَّتِي بِينِي لِبَيْنِهِمُ … فَإِنَّ صَفْوَ حَيَاتِي بَعْدَهُمْ كَدَرُ لَوْلَا تَعَلُّلُ قَلْبِي بِالرَّجَاءِ لَهُمْ … أَلْفَيْتُهُ إِنْ حَدَوْا بِالْعِيسِ يَنْفَطِرُ يَا لَيْتَ عِيسَهُمُ يَوْمَ النَّوَى نُحِرَتْ … أَوْ لَيْتَهَا لِلضَّوَارِي بِالْفَلَا جَزَرُ يَا سَاعَةَ الْبَيْنِ أَنْتِ السَّاعَةُ اقْتَرَبَتْ … يَا لَوْعَةَ الْبَيْنِ أَنْتِ النَّارُ تَسْتَعِرُ وَقَوْلُهُ: طَلَبْتُ صَدِيقًا فِي الْبَرِيَّةِ كُلِّهَا … فَأَعْيَا طِلَابِي أَنْ أُصِيبَ صَدِيقَا بَلَى مَنْ تَسَمَّى بِالصَّدِيقِ مَجَازَةً … وَلَمْ يَكُ فِي مَعْنَى الْوِدَادِ صَدُوقَا فَطَلَّقْتُ وُدَّ الْعَالَمِينَ صَرِيمَةً … وَأَصْبَحْتُ مِنْ أَسْرِ الْحِفَاظِ طَلِيقَا

стр. 10007

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ وَفِيهَا أَقْبَلُ مَلِكُ الرُّومِ أَرْمَانُوسُ فِي جَحَافِلَ أَمْثَالِ الْجِبَالِ مِنَ الرُّومِ وَالْكُرْجِ وَالْفِرِنْجِ وَعُدَدٍ عَظِيمَةٍ وَتَجَمُّلٍ هَائِلٍ، وَمَعَهُ خَمْسَةٌ وَثَلَاثُونَ أَلْفًا مِنَ الْبَطَارِقَةِ مَعَ كُلِّ بِطْرِيقٍ مَا بَيْنَ أَلْفَيْ فَارِسٍ إِلَى خَمْسِمِائَةِ فَارِسٍ، وَمَعَهُ مِنَ الْفِرِنْجِ خَمْسَةٌ وَثَلَاثُونَ أَلْفًا، وَمِنَ الْغُزِّ الَّذِينَ يَكُونُونَ وَرَاءَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفًا، وَمَعَهُ مِائَةُ أَلْفِ نَقَّابٍ وَحَفَّارٍ، وَأَلْفُ رَوَزْجَارِيٍّ، وَمَعَهُ أَرْبَعُمِائَةِ عَجَلَةٍ تَحْمِلُ النِّعَالَ وَالْمَسَامِيرَ، وَأَلْفَا عَجَلَةٍ تَحْمِلُ السِّلَاحَ وَالسُّرُوجَ وَالْعَرَّادَاتِ وَالْمَجَانِيقَ، مِنْهَا مَنْجَنِيقٌ يُمِدُّهُ أَلْفٌ وَمِائَتَا رَجُلٍ وَمِنْ عَزْمِهِ - قَبَّحَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنْ يَجْتَثَّ الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ، وَقَدْ أَقْطَعَ بَطَارِقَتَهُ الْبِلَادَ حَتَّى بَغْدَادَ وَاسْتَوْصَى نَائِبَهَا بِالْخَلِيفَةِ خَيْرًا فَقَالَ لَهُ: ارْفُقْ بِذَلِكَ الشَّيْخِ فَإِنَّهُ صَاحِبُنَا، ثُمَّ إِذَا اسْتَوْسَقَتْ مَمَالِكُ الْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ لَهُمْ مَالُوا عَلَى الشَّامِ وَأَهْلِهِ مَيْلَةً وَاحِدَةً فَاسْتَعَادُوهُ مِنْ أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ، وَاسْتَنْقَذُوهُ فِيمَا يَزْعُمُونَ، وَالْقَدَرُ

стр. 10008

يَقُولُ: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ فَالْتَقَاهُ السُّلْطَانُ أَلْبُ أَرْسَلَانَ فِي جَيْشِهِ وَهُمْ قَرِيبٌ مِنْ عِشْرِينَ أَلْفًا بِمَكَانٍ يُقَالُ لَهُ الرَّهْوَةُ فِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ، وَخَافَ مِنْ كَثْرَةِ الْمُشْرِكِينَ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ الْفَقِيهُ أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْبُخَارِيُّ بِأَنْ يَكُونَ وَقْتُ الْوَقْعَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الزَّوَالِ، حِينَ يَكُونُ الْخُطَبَاءُ يَدْعُونَ لِلْمُجَاهِدِينَ، فَلَمَّا تَوَاجَهَ الْفِئَتَانِ نَزَلَ السُّلْطَانُ عَنْ فَرَسِهِ، وَسَجَدَ لِلَّهِ وَمَرَّغَ وَجْهَهُ فِي التُّرَابِ وَدَعَا اللَّهَ وَاسْتَنْصَرَهُ، فَأَنْزَلَ نَصْرَهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَمَنَحَهُمْ أَكْتَافَ الْمُشْرِكِينَ فَقَتَلُوا مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا لَا يُحْصَوْنَ كَثْرَةً، وَأُسِرَ مَلِكُهُمْ أَرْمَانُوسُ، أَسَرَهُ غُلَامٌ رُومِيٌّ، فَأَمَّرَهُ السُّلْطَانُ، وَأَعْطَاهُ شَيْئًا كَثِيرًا وَقَدْ كَانَ هَذَا الْغُلَامُ عُرِضَ عَلَى نِظَامِ الْمُلْكِ الْوَزِيرِ فِي جُمْلَةِ تَقْدِمَةٍ، فَلَمْ يَقْبَلْهُ فَقَالَ لَهُ سَيِّدُهُ: إِنَّهُ … وَإِنَّهُ … يُثْنِي عَلَيْهِ فَرَدَّهُ، وَقَالَ كَهَيْئَةِ الْمُسْتَهْزِئِ بِهِ: لَعَلَّهُ يَجِيئُنَا بِمَلِكِ الرُّومِ أَرْمَانُوسَ أَسِيرًا، فَوَقَعَ الْأَمْرُ كَمَا قَالَ، فَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. فَلَمَّا أُوقِفَ أَرْمَانُوسُ بَيْنَ يَدَيِ الْمَلِكِ أَلْبِ أَرْسَلَانَ ضَرَبَهُ بِيَدِهِ ثَلَاثَ مَقَارِعَ، وَقَالَ: لَوْ كُنْتُ أَنَا الْأَسِيرُ بَيْنَ يَدَيْكَ مَاذَا كُنْتَ تَفْعَلُ؟ قَالَ: كُلَّ قَبِيحٍ. قَالَ فَمَا ظَنُّكَ بِي؟ قَالَ: تَقْتُلُنِي أَوْ تُشَهِّرُنِي فِي بِلَادِكَ، فَأَمَّا الْعَفْوُ وَأَخْذُ الْفِدَاءِ فَبَعِيدٌ، فَقَالَ: مَا عَزَمْتُ عَلَى غَيْرِ الْعَفْوِ وَالْفِدَاءِ، فَافْتَدَى نَفْسَهُ مِنْهُ بِأَلْفِ أَلْفِ دِينَارٍ وَخَمْسِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَأَنْ يُطْلِقَ كُلَّ أَسِيرٍ فِي بِلَادِ الرُّومِ، وَعَلَى هُدْنَةٍ خَمْسِينَ سَنَةً، يَحْمِلُ فِيهَا عَنْ كُلِّ يَوْمٍ أَلْفَ دِينَارٍ، وَقَامَ بَيْنَ يَدَيِ الْمَلِكِ فَسَقَاهُ شَرْبَةً مِنْ مَاءٍ، وَقَبَّلَ الْأَرْضَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَإِلَى نَحْوِ جِهَةِ الْخَلِيفَةِ إِجْلَالًا وَإِكْرَامًا،

стр. 10009

فَأَطْلَقَ لَهُ الْمَلِكُ عَشَرَةَ آلَافِ دِينَارٍ لِيَتَجَهَّزَ بِهَا، وَأَطْلَقَ مَعَهُ جَمَاعَةً مِنَ الْبَطَارِقَةِ وَمِنْ أَصْحَابِهِ، وَشَيَّعَهُ فَرْسَخًا، وَأَرْسَلَ مَعَهُ جَيْشًا يَخْدُمُونَهُ وَيُحِيطُونَهُ وَيَحْفَظُونَهُ إِلَى بِلَادِهِ، وَمَعَهُمْ رَايَةٌ مَكْتُوبٌ عَلَيْهَا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ. فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى بِلَادِهِ وَجَدَ الرُّومَ قَدْ مَلَّكُوا عَلَيْهِمْ غَيْرَهُ، فَأَرْسَلَ إِلَى السُّلْطَانِ يَعْتَذِرُ إِلَيْهِ، وَبَعَثَ مِنَ الذَّهَبِ وَالْجَوَاهِرِ مَا يُقَارِبُ ثَلَاثَمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَتَزَهَّدَ وَلَبِسَ الصُّوفَ، ثُمَّ اسْتَضَافَ مَلِكَ الْأَرْمَنِ فَأَخَذَهُ فَكَحَلَهُ، وَأَرْسَلَهُ إِلَى السُّلْطَانِ فَأَعْلَمَهُ بِذَلِكَ يَتَقَرَّبُ إِلَيْهِ بِهِ. وَفِيهَا خَطَبَ صَاحِبُ حَلَبَ مَحْمُودُ بْنُ مِرْدَاسٍ لِلْقَائِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ وَلِلسُّلْطَانِ أَلْبِ أَرْسَلَانَ مَعَهُ فَبَعَثَ إِلَيْهِ الْخَلِيفَةُ بِالْخِلَعِ، وَالْعَهْدِ مَعَ الشَّرِيفِ طِرَادٍ الزَّيْنَبِيِّ. وَفِيهَا حَجَّ بِالنَّاسِ نُورُ الْهُدَى أَبُو طَالِبٍ الزَّيْنَبِيُّ، وَخُطِبَ بِمَكَّةَ لِلْخَلِيفَةِ الْقَائِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَقُطِعَتْ خُطْبَةُ الْمِصْرِيِّينَ مِنْهَا، وَكَانَ يُخْطَبُ لَهُمْ فِيهَا مِائَةَ سَنَةٍ فَانْقَطَعَ ذَلِكَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَمِ مَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مَهْدِيٍّ، أَحَدُ مَشَاهِيرِ الْحُفَّاظِ وَصَاحِبُ «تَارِيخِ بَغْدَادَ» وَغَيْرِهِ مِنَ الْمُصَنَّفَاتِ

стр. 10010

الْعَدِيدَةِ الْمُفِيدَةِ نَحْوٌ مِنْ سِتِّينَ مُصَنَّفًا وَيُقَالُ بَلْ مِائَةُ مُصَنَّفٍ فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وُلِدَ سَنَةَ إِحْدَى وَتِسْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَقِيلَ سَنَةَ ثِنْتَيْنِ وَتِسْعِينَ، وَأَوَّلُ سَمَاعِهِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَنَشَأَ بِبَغْدَادَ وَتَفَقَّهَ عَلَى الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ الطَّبَرِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ الْكَثِيرَ وَرَحَلَ إِلَى الْبَصْرَةِ وَنَيْسَابُورَ وَأَصْبَهَانَ وَهَمَذَانَ وَالشَّامِ وَالْحِجَازِ، وَسُمِّيَ الْخَطِيبُ لِأَنَّهُ كَانَ يَخْطُبُ بِدَرْزِيجَانَ وَسَمِعَ بِمَكَّةَ عَلَى الْقَاضِي أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَامَةَ الْقُضَاعِيِّ، وَقَرَأَ «صَحِيحَ الْبُخَارِيِّ» عَلَى كَرِيمَةَ بِنْتِ أَحْمَدَ فِي خَمْسَةِ أَيَّامٍ. وَرَجَعَ إِلَى بَغْدَادَ فَحَظِيَ عِنْدَ الْوَزِيرِ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ الْمُسْلِمَةِ. وَلَمَّا ادَّعَى الْيَهُودُ الْخَيَابِرَةُ أَنَّ مَعَهُمْ كِتَابًا نَبَوِيًّا فِيهِ إِسْقَاطُ الْجِزْيَةِ عَنْهُمْ أَوْقَفَ ابْنُ الْمُسْلِمَةِ الْخَطِيبَ عَلَى هَذَا الْكِتَابِ فَقَالَ: هَذَا كَذِبٌ. فَقِيلَ لَهُ: وَمَا الدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ؟ فَقَالَ: لِأَنَّ فِيهِ شَهَادَةَ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَلَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ يَوْمَ خَيْبَرَ وَقَدْ كَانَتْ خَيْبَرُ فِي سَنَةِ سَبْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَإِنَّمَا أَسْلَمَ مُعَاوِيَةُ يَوْمَ الْفَتْحِ وَفِيهِ شَهَادَةُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَقَدْ كَانَ تُوُفِّيَ عَامَ الْخَنْدَقِ سَنَةَ خَمْسٍ. فَأَعْجَبَ النَّاسَ ذَلِكَ. وَقَدْ سُبِقَ الْخَطِيبُ إِلَى هَذَا النَّقْدِ كَمَا ذَكَرْتُ ذَلِكَ فِي مُصَنَّفٍ مُفْرَدٍ. وَلَمَّا وَقَعَتْ فِتْنَةُ الْبَسَاسِيرِيِّ بِبَغْدَادَ سَنَةَ خَمْسِينَ، خَرَجَ مِنْهَا إِلَى الشَّامِ فَأَقَامَ

стр. 10011

بِدِمَشْقَ بِالْمِئْذَنَةِ الشَّرْقِيَّةِ مِنْ جَامِعِهَا وَكَانَ يَقْرَأُ عَلَى النَّاسِ الْحَدِيثَ النَّبَوِيَّ، وَكَانَ جَهْوَرِيَّ الصَّوْتِ، يُسْمَعُ صَوْتُهُ مِنْ أَرْجَاءِ الْجَامِعِ كُلِّهَا، فَاتَّفَقَ أَنَّهُ قَرَأَ يَوْمًا عَلَى النَّاسِ فَضَائِلَ الْعَبَّاسِ، فَثَارَ عَلَيْهِ الرَّوَافِضُ وَأَتْبَاعُ الْفَاطِمِيِّينَ، وَأَرَادُوا قَتْلَهُ فَتَشَفَّعَ بِالشَّرِيفِ الزَّيْنَبِيِّ، فَأَجَارَهُ، وَكَانَ مَسْكَنُهُ بِدَارِ الْعَقِيقِيِّ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ دِمَشْقَ فَأَقَامَ بِمَدِينَةِ صُورَ، فَكَتَبَ شَيْئًا كَثِيرًا مِنْ مُصَنَّفَاتِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الصُّورِيِّ بِخَطِّهِ، كَانَ يَسْتَعِيرُهَا مِنْ زَوْجَتِهِ، فَلَمْ يَزَلْ مُقِيمًا بِالشَّامِ إِلَى سَنَةِ ثِنْتَيْنِ وَسِتِّينَ، ثُمَّ عَادَ إِلَى بَغْدَادَ فَحَدَّثَ بِأَشْيَاءَ مِنْ مَسْمُوعَاتِهِ وَقَدْ كَانَ سَأَلَ اللَّهَ بِمَكَّةَ، أَنْ يَمْلِكَ أَلْفَ دِينَارٍ وَأَنْ يُحَدِّثَ بِ «التَّارِيخِ» بِجَامِعِ الْمَنْصُورِ، وَأَنْ يَمُوتَ بِبَغْدَادَ فَيُدْفَنَ إِلَى جَانِبِ بِشْرٍ الْحَافِي، فَيُقَالُ إِنَّهُ حَدَّثَ بِ «التَّارِيخِ» بِجَامِعِ الْمَنْصُورِ، وَإِنَّهُ مَلَكَ ذَهَبًا يُقَارِبُ أَلْفَ دِينَارٍ. وَحِينَ احْتُضِرَ كَانَ عِنْدَهُ قَرِيبٌ مِنْ مِائَتَيْ دِينَارٍ، فَأَوْصَى بِهَا لِأَهْلِ الْحَدِيثِ، وَسَأَلَ السُّلْطَانَ أَنْ يُمْضِيَ لَهُ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ وَارِثًا، فَأُجِيبَ إِلَى ذَلِكَ. وَلَهُ مُصَنَّفَاتٌ كَثِيرَةٌ مُفِيدَةٌ، مِنْهَا كِتَابُ «التَّارِيخِ»، وَكِتَابُ «الْكِفَايَةِ» وَ «الْجَامِعِ»، وَ «شَرَفِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ»، وَ «الْمُتَّفِقِ وَالْمُفْتَرِقِ»، وَ «السَّابِقِ وَاللَّاحِقِ»، وَ «تَلْخِيصِ الْمُتَشَابِهِ فِي الرَّسْمِ»، «وَ» فَضْلِ الْوَصْلِ «، وَ» رِوَايَةِ الْآبَاءِ عَنِ الْأَبْنَاءِ «،» وَ «رِوَايَةِ الصَّحَابَةِ عَنِ التَّابِعِينَ»، وَ «اقْتِضَاءِ الْعِلْمِ الْعَمَلَ» وَغَيْرُ ذَلِكَ. وَقَدْ سَرَدَهَا الشَّيْخُ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ فِي «الْمُنْتَظَمِ» قَالَ: وَيُقَالُ إِنَّ هَذِهِ الْمُصَنَّفَاتِ أَكْثَرُهَا ابْتَدَأَهَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الصُّورِيُّ فَتَمَّمَهَا الْخَطِيبُ.

стр. 10012

وَقَدْ كَانَ حَسَنَ الْقِرَاءَةِ فَصِيحَ اللَّفْظِ، عَارِفًا بِالْأَدَبِ يَقُولُ الشِّعْرَ، وَكَانَ أَوَّلًا عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، فَانْتَقَلَ إِلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، ثُمَّ صَارَ يَتَكَلَّمُ فِي أَصْحَابِ أَحْمَدَ وَيَقْدَحُ فِيهِمْ مَا أَمْكَنَهُ، وَلَهُ دَسَائِسُ عَجِيبَةٌ فِي ذَمِّهِمْ، ثُمَّ شَرَعَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ يَنْتَصِرُ لِأَصْحَابِهِ بِمَا يَطُولُ ذِكْرُهُ. وَقَدْ أَوْرَدَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ مِنْ شِعْرِ الْخَطِيبِ قَصِيدَةً - مِنْ خَطِّهِ - جَيِّدَةَ الْمَطْلِعِ حَسَنَةَ الْمَنْزَعِ أَوَّلُهَا: لَعَمْرُكَ مَا شَجَانِي رَسْمُ دَارٍ … وَقَفْتُ بِهِ وَلَا ذِكْرُ الْمَغَانِي وَلَا أَثَرُ الْخِيَامِ أَرَاقَ دَمْعِي … لِأَجْلِ تَذَكُّرِي عَهْدَ الْغَوَانِي وَلَا مَلَكَ الْهَوَى يَوْمًا قِيَادِي … وَلَا عَاصَيْتُهُ فَثَنَى عِنَانِي عَرَفْتُ فِعَالَهُ بِذَوِي التَّصَابِي … وَمَا يَلْقَوْنَ مِنْ ذُلِّ الْهَوَانِ فَلَمْ أُطْمِعْهُ فِيَّ وَكَمْ قَتِيلٍ … لَهُ فِي النَّاسِ مَا يُحْصَى وَعَانِ طَلَبْتُ أَخًا صَحِيحَ الْوُدِّ مَحْضًا … سَلِيمَ الْغَيْبِ مَحْفُوظَ اللِّسَانِ فَلَمْ أَعْرِفْ مِنَ الْإِخْوَانِ إِلَّا … نِفَاقًا فِي التَّبَاعُدِ وَالتَّدَانِي وَعَالَمُ دَهْرِنَا لَا خَيْرَ فِيْهِمْ … تَرَى صُوَرًا تَرُوقُ بِلَا مَعَانِي وَوَصْفُ جَمِيعِهِمْ هَذَا فَمَا أَنْ … أَقُولُ سِوَى فُلَانٍ أَوْ فُلَانِ وَلَمَّا لَمْ أَجِدْ حُرًّا يُوَاتِي … عَلَى مَا نَابَ مِنْ صَرْفِ الزَّمَانِ صَبَرْتُ تَكَرُّمًا لِقِرَاعِ دَهْرِي … وَلَمْ أَجْزَعْ لِمَا مِنْهُ دَهَانِي وَلَمْ أَكُ فِي الشَّدَائِدِ مُسْتَكِينًا … أَقُولُ لَهَا أَلَا كُفِّي كَفَانِي وَلَكِنِّي صَلِيبُ الْعُودِ عَوْدٌ … رَبِيطُ الْجَأْشِ مُجْتَمِعُ الْجَنَانِ

стр. 10013

أَبِيُّ النَّفْسِ لَا أَخْتَارُ رِزْقًا … يَجِيءُ بِغَيْرِ سَيْفِي أَوْ سِنَانِي فَعِزٌّ فِي لَظَى بَاغِيهِ يُشْوَى … أَلَذُّ مِنَ الْمَذَلَّةِ فِي الْجِنَانِ وَقَدْ تَرْجَمَهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي «تَارِيخِهِ» تَرْجَمَةً حَسَنَةً كَعَادَتِهِ، وَأَوْرَدَ لَهُ مِنْ شِعْرِهِ قَوْلَهُ: لَا تَغْبِطَنَّ أَخَا الدُّنْيَا لِزُخْرُفِهَا … وَلَا لِلَذَّةِ وَقْتٍ عَجَّلَتْ فَرَحًا فَالدَّهْرُ أَسْرَعُ شَيْءٍ فِي تَقَلُّبِهِ … وَفِعْلُهُ بَيِّنٌ لِلْخَلْقِ قَدْ وَضَحَا كَمْ شَارِبٍ عَسَلًا فِيهِ مَنِيَّتُهُ … وَكَمْ تَقَلَّدَ سَيْفًا مَنْ بِهِ ذُبِحَا وَقَدْ كَانَتْ وَفَاتُهُ يَوْمَ الْاثْنَيْنِ ضُحَى السَّابِعِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَلَهُ ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ سَنَةً فِي حُجْرَةٍ كَانَ يَسْكُنُهَا بِدَرْبِ السِّلْسِلَةِ جِوَارَ الْمَدْرَسَةِ النِّظَامِيَّةِ وَاحْتَفَلَ النَّاسُ بِجِنَازَتِهِ، وَحَمَلَهَا فِيمَنْ حَمَلَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ، وَدُفِنَ إِلَى جَانِبِ قَبْرِ بِشْرٍ الْحَافِي فِي قَبْرِ رَجُلٍ كَانَ قَدْ أَعَدَّهُ لِنَفْسِهِ فَسُئِلَ أَنْ يَتْرُكَهُ لِلْخَطِيبِ فَشَحَّتْ بِهِ نَفْسُهُ، حَتَّى قَالَ لَهُ بَعْضُ النَّاسِ: بِاللَّهِ عَلَيْكَ لَوْ قَدِمْتَ أَنْتَ وَالْخَطِيبُ إِلَى بِشْرٍ أَيُّكُمَا كَانَ يُجْلِسُهُ إِلَى جَانِبِهِ؟ فَقَالَ: الْخَطِيبَ. فَقِيلَ: فَاسْمَحْ لَهُ بِهِ، فَوَهَبَهُ لَهُ فَدُفِنَ فِيهِ ﵀ وَأَكْرَمَ مَثْوَاهُ، وَهُوَ مِمَّنْ يُنْشَدُ لَهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: مَا زِلْتَ تَدْأَبُ فِي التَّارِيخِ مُجْتَهِدًا … حَتَّى رَأَيْتُكَ فِي التَّارِيخِ مَكْتُوبَا وَحَكَى ابْنُ خَلِّكَانَ عَنِ السَّمْعَانِيِّ أَنَّهُ تُوُفِّيَ فِي شَوَّالٍ وَأَنَّهُ تَصَدَّقَ

стр. 10014

بِجَمِيعِ مَالِهِ وَوَقَفَ كُتُبَهُ. حَسَّانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ حَسَّانَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَنِيعِ بْنِ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ الْمَخْزُومِيُّ الْمَنِيعِيُّ، كَانَ فِي شَبَابِهِ يَجْمَعُ بَيْنَ الزُّهْدِ وَالتِّجَارَةِ حَتَّى سَادَ أَهْلَ زَمَانِهِ ثُمَّ تَرَكَ ذَلِكَ وَأَقْبَلَ عَلَى الْعِبَادَةِ وَالزُّهْدِ وَالْبِرِّ وَالصِّلَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْإِحْسَانِ إِلَى الْخَلْقِ، وَبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ وَالرِّبَاطَاتِ وَكَانَ السُّلْطَانُ يَأْتِي إِلَيْهِ وَيَتَبَرَّكُ بِهِ وَلَمَّا وَقَعَ الْغَلَاءُ كَانَ يَعْمَلُ فِي كُلِّ يَوْمٍ شَيْئًا كَثِيرًا مِنَ الْخُبْزِ وَالطَّعَامِ فَيَتَصَدَّقُ بِهِ، وَيَكْسُو فِي كُلِّ سَنَةٍ قَرِيبًا مِنْ أَلْفِ نَفْسٍ ثِيَابًا وَجِبَابًا وَافِرَةً، وَكَذَلِكَ النِّسَاءَ، وَيُجَهِّزُ بَنَاتِ الْفُقَرَاءِ الْأَيْتَامِ وَأَسْقَطَ شَيْئًا كَثِيرًا مِنَ الْمُكُوسِ وَالْوَظَائِفِ السُّلْطَانِيَّةِ عَنْ بِلَادِ نَيْسَابُورَ وَقُرَاهَا، وَهُوَ فِي غَايَةِ التَّبَذُّلِ وَالثِّيَابِ الْأَطْمَارِ وَتَرْكِ الشَّهَوَاتِ، وَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى كَانَتْ وَفَاتُهُ بِبَلَدِهِ مَرْوِالرُّوذِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ. آمِينَ. مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ حَمْزَةَ أَبُو يَعْلَى الْجَعْفَرِيُّ فَقِيهُ الشِّيعَةِ فِي زَمَانِهِ. مُحَمَّدُ بْنُ وِشَاحِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَبُو عَلِيٍّ مَوْلَى أَبِي تَمَّامٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ الزَّيْنَبِيِّ، سَمِعَ الْحَدِيثَ وَكَانَ أَدِيبًا شَاعِرًا وَكَتَبَ لِنَقِيبِ النُّقَبَاءِ

стр. 10015

الْكَامِلِ، وَكَانَ يُنْسَبُ إِلَى الِاعْتِزَالِ وَالرَّفْضِ. وَمِنْ شِعْرِهِ قَوْلُهُ: حَمَلْتُ الْعَصَا لَا الضَّعْفُ أَوْجَبَ حَمْلَهَا … عَلَيَّ وَلَا أَنِّي تَحَنَّيْتُ مِنْ كِبَرْ وَلَكِنَّنِي أَلْزَمْتُ نَفْسِي بِحَمْلِهَا … لِأُعْلِمَهَا أَنَّ الْمُقِيمَ عَلَى سَفَرْ الشَّيْخُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ النَّمَرِيُّ. الْحَافِظُ صَاحِبُ التَّصَانِيفِ، مِنْهَا «التَّمْهِيدُ» و «الِاسْتِذْكَارُ» و «الِاسْتِيعَابُ»، وَغَيْرُهَا. ابْنُ زَيْدُونَ الشَّاعِرُ، أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ غَالِبِ بْنِ زَيْدُونَ أَبُو الْوَلِيدِ الشَّاعِرُ الْمَاهِرُ الْأَنْدَلُسِيُّ الْقُرْطُبِيُّ اتَّصَلَ بِالْأَمِيرِ الْمُعْتَضِدِ عَبَّادٍ صَاحِبِ إِشْبِيلِيَّةَ، فَحَظِيَ عِنْدَهُ وَصَارَ عِنْدَهُ مُشَاوَرًا فِي مَنْزِلَةِ الْوَزِيرِ، وَوَزَرَ لَهُ وَلَدُهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الْوَلِيدِ وَهُوَ صَاحِبُ الْقَصِيدَةِ الْفِرَاقِيَّةِ الْمَشْهُورَةِ الَّتِي يَقُولُ فِيهَا: بِنْتُمْ وَبِنَّا فَمَا ابْتَلَّتْ جَوَانِحُنَا … شَوْقًا إِلَيْكُمْ وَلَا جَفَّتْ مَآقِينَا نَكَادُ حِينَ تُنَاجِيكُمْ ضَمَائِرُنَا … يَقْضِي عَلَيْنَا الْأَسَى لَوْلَا تَأَسِّينَا حَالَتْ لِبُعْدِكُمُ أَيَّامُنَا فَغَدَتْ … سُودًا وَكَانَتْ بِكُمْ بِيضًا لَيَالِينَا
следующие страницы →