الرسالة الأولى
رسالة في فرضية اتباع السنة
والكلام على تقسيم الأخبار وحجية أخبار الآحاد
стр. 2
[ص ٢١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
فرض اتِّباع السُّنَّة
اعلم أنه لم يكن بين المسلمين اختلاف في فرض اتباع ما ثبت عن النبي ﵌، بل ذلك من الأمور المعلومة بالضرورة من دين الإسلام.
ولكن جاء في أخبار الفتن أنه سيكون قوم يقولون: "إن كان أولنا ضُلَّالًا، ما بالُ خمس صلوات في اليوم والليلة؟ إنما هما صلاتان: الفجر (١) والعصر". "المستدرك" (٤/ ٤١٩) (٢). كأنهم يريدون قول الله : ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩].
وجاء عن المقدام بن معد يكربَ عن النبي ﵌ أنه قال: "يوشِكُ أن يقعد الرجل منكم على أريكته، يُحدَّث بحديثي فيقول: بيني وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه حلالًا استحللناه، وما وجدنا فيه حرامًا حرَّمناه. وإنَّ ما حرَّم رسول الله كما حرَّم الله". أخرجه الحاكم في "المستدرك" (١/ ١٠٩) وغيره (٣).
стр. 3
وجاء نحوه من حديث أبي رافع، وجابر، والعرباض بن سارية، وابن عباس، ذكرها الخطيب في "الكفاية" (١).
ونشأ في الهند أخيرًا فرقة ينحُون هذا المنحى، يسمُّون أنفسهم "أهل القرآن" (٢).
والقرآن نفسه ينادي بإيجاب طاعة النبي ﵌، واتباعه، والتسليم لحكمه، ويقول: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران: ٣١]، ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ (٣) [النساء: ١٠٥]، ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢].
стр. 4
وبأنه سبحانه آتى محمدًا ﵌ الكتاب والحكمة، وأنه أنزل عليه الكتاب ليبينه للناس.
وقال سبحانه: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٧ - ١٩].
ويقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب: ٢١].
وقال الله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ١٥٠ - ١٥١].
والتفريق بين الكتاب والسنة تفريق بين الله ورسله، ومن ردَّ السنة التي جاء بها الرسول يوشك أن يردَّ الكتاب؛ لأنه إنما جاء به الرسول أيضًا. ولكن شياطين الجن والإنس من سنتهم أن يستدرجوا ضعفاء العقول شيئًا فشيئًا.
بل لن يردَّها أحدٌ إلا وقد ردَّ الآيات الموجبة لطاعة الرسول واتباعه، وردُّ بعض القرآن كردِّه كله.
هذا، والقول بردِّ السنة البتة كفر صريح منافٍ لشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.
وليس موضوع هذه الرسالة الرد على من كان هذا حالَه، ولكني أنبه على أمور تصلح أن يتشبَّث بها من يميل إلى تلك الضلالة، أو يشكِّك بها العامة. وأسأل الله تعالى التوفيق.
стр. 5
[ص ٢٢] الشبهة الأولى: قال الله : ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩].
وقال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [خاتمة يوسف].
وقال تعالى: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٤].
وقال في شأن موسى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥].
وقد قال سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨].
وإذا كانت التوراة فيها تفصيل كل شيء، مع أنها إنما أُنزِلت لدعوة أمة صغيرة، وإلى أجل محدود؛ فكيف لا يكون القرآن كذلك، وهو مهيمن على التوراة، ومنزَّل لدعوة الأمم كلها، ومُعَدٌّ لهدايتها إلى يوم القيامة؟
[ص ٢٣] الشبهة الثانية: أنه قد يستبعد أن يقصَّ الله في كتابه من أخبار الأمم السالفة، ويكرر القصة الواحدة منها في عدة سور، وينصّ على فروع من الأحكام التي يبدو للناظر أنها ليست بعظيمة الأهمية، كالأمر بكتابة الدين، ومع ذلك لا يذكر فيه الأمور العظيمة، كعدة ركعات الصلاة وأركانها، وصفة الحج، وغير ذلك.
стр. 6
والجواب: أن الحجة قائمة على فرضية اتباع السنة، وأن فيها ما ليس في القرآن، وإذا ثبت وقوع ما يستبعد الإنسان وقوعه لم يبق موضع للاستبعاد، وإنما هو بعد ذلك أحد رجلين:
إما مرتابٌ يعدّ جهلَه بالحكمة دليلًا على عدمها، ثم يطعن في الدين من أصله.
وإما مؤمن يعلم أنه لا نسبة لعقله وفهمه وعلمه ومعرفته إلى علم رب العالمين وحكمة أحكم الحاكمين، فإما أن لا يُتعِب نفسه في البحث عن الحكمة؛ لعلمه بأنه لا بدّ من حكمة بالغة، ولا يضره جهلها، والأولى به أن يصرف أوقاته فيما كلِّف به من الطاعات. وإما أن يتضرع إلى الله أن يُفهِّمه، ويتدبر ويتفكر لعله يعرفها، فإن عرفها حمِدَ الله على ذلك، وإلا لم يَرتَبْ ولم يتزلزل يقينه بأنه لا بد من حكمة بالغة.
فأما المؤمن أو من يدعي الإيمان فهذا يكفيه، ولستُ بصدد التفحص عن الحكم، وأما المرتاب فحقه أن تقام عليه الحجج على أصل الإسلام، ولا يُتشاغل معه بالنظر في الجزئيات؛ لوجوه:
الأول: أنها كثيرة، فإذا أثبتَّ له الحكمة في شيء أورد عليك غيره، وهكذا.
الثاني: أن أحدنا لا يحيط بحِكَم الله ، فلا بد أن يقف عند بعضها.
الثالث: أن من قبِلَ حجج الإسلام واطمأن بها حصل له الجواب عن تلك الأمور كما قدمنا، ومن لم يقبلها ولم يطمئن بها فلا يرجى أن ينتفع بما
стр. 7
دونها من إثبات الحكمة في بعض الجزئيات. ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الرعد: ٣٣].
واعلم أن هذا الاشتباه ناشئ عن الجهل بحكمة الله في الخلق والتكليف، وقد بحثتُ عنها في موضع آخر، وأكتفي هنا بالإشارة إليه، فأقول مستعينًا بالله : إن كمال جوده سبحانه اقتضى أن يجود بالكمال إلى الحد الممكن، فخلق الجن والإنس صالحين لاكتساب الكمال. وأقرب كمالٍ يُعدُّ كمالًا للمخلوق هو ما كان باكتسابه باختياره، مع عناء ومشقة. فجعل الله سبحانه خلقه وأمره على الحال الموافقة لذلك.
ثم أمرهم سبحانه بكل ما هو كمال لهم، ونهاهم عن كل ما ينافي الكمال. وامتثال أمره ونهيه هو طاعته، وطاعته هي عبادته، فعبادته هي الكمال الذي خلقوا له. قال الله ﵎: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦].
ولم يجعل الله سبحانه حجج الحق بغاية الظهور؛ لأنها لو كانت كذلك لكانت معرفتها سهلة، ولكان الخلق كالمجبورين على قبولها، ألا ترى أن ألدَّ الخصوم إذا اتفق أن تقام عليه حجة بغاية الظهور لم يسعه إلا التسليم. ومثل هذا التسليم لا يُعدُّ فضيلة. وكذلك معرفة ما لا صعوبة في معرفته البتة. والمطلوب من الخلق أن يعرفوا الحق معرفةً تكون كمالًا لهم.
فمن الحجج ما هو في نفسه على الحال الموصوفة من عدم سهولة معرفته، وعدم كونه بغاية الظهور.
ومنها ما ليس في نفسه كذلك، ولكن الله ﵎ قدر معه شبهات
стр. 8
يصير معها على تلك الحال، [ص ٢٤] فإن الشبهة تُرِيب في ما هو في نفسه بغاية الظهور القطعي.
واعتبرْ ذلك بأن تأخذ تفاحة وتنظر إليها وتمسَّها وتشمَّها وتذوقَها، ثم تفكّر هل عندك أدنى أدنى شبهة في كونها تفاحة على الحقيقة، ثم فكِّرْ هل هذا العلم القاطع خاص بك أم بكل من يعرف التفاح ويختبر التفاحة كاختبارك أو دونه؟
ثم ادعُ بدويًّا وناوِلْه التفاحة، وقل له: تأملْ فيها، ثم تقول: مسَّها، ثم تقول: شمَّها، ثم تقول: ذُقْها، ثم سله: هل يرتاب في أنها تفاحة؟ فيوشك أن تراه قد عرض له بعض الارتياب. فدَعْه مدة ثم قل له: إن في محل كذا رجلًا ساحرًا ربما أخذ الحصاة، ثم يناولها الحاضرين فيرون أنها خاتم من ذهب، وربما أخذ البعرة أو ما هو أخبث منها، ثم يناولها الحاضرين فيرونها قطعة سكَّر أو شيئًا من الفاكهة.
ثم اذهبْ بذلك البدوي إلى رجل تُوهِمه أنه ذلك الساحر، وقد تواطأتَ معه أن يناولكم تفاحًا! فماذا ترى حال البدوي إذا ناوله ذلك الرجل تفاحة؟ ألا تراه يُحجِم عن تناولها، وإن تناولها وجدته متقذرًا لها، فإذا أُمر بشمِّها لم يكد يدنيها من أنفه، وإن أُمر بذوقها أنكر ذلك ولم يطقه!
ولهذا كان علماء السلف يتباعدون عن سماع الشبهات، وينهون الناس عن مجالسة أهلها، أو سماع كلامهم. وإنما ذلك لأنهم عرفوا أنهم وعامة المسلمين قد حصل لهم اليقين الكامل بصحة الدين وأصوله، ولا يرجى من سماع الشبهات فائدة ما، بل يُخشى منها أن تُزلزِل ذلك اليقين.
стр. 9
والمقصود أن الله ﵎ جعل الشبهات لِتَعرِض لمن شاء من عباده، فمنهم من تَعرِض له فيُعرِض عنها ثقةً بما عنده من الحجة، فيكون هذا كمالًا له.
ومنهم من تعرض له قبل معرفة الحجة، فيبذل وسعه في النظر حتى يرزقه الله معرفة الحجة، ويكون ذلك كمالًا له.
ومنهم من تعرض له وقد عرف الحجة، ويحس من نفسه قوة على حل الشبهة، فيسعى في ذلك نصيحة لخلق الله ، فيكون ذلك كمالًا له.
ومنهم من يكون له هوى في خلاف الحجة، فإذا بغتَتْه الحجة كرهها، فعرضت له الشبهة فاستراح إليها، فبقي على الحال التي تليق به، إذ لولا الشبهة لربما قهرته الحجة فيقبلها مكرهًا، وليس ذلك بكمال.
ومنهم من لا يكون له رغبة في الكمال، ولكنه يأنف من الاعتراف بالجهل، فحاول النظر فعرضت له شبهة، فقنعَ بها، ولم يُتعِب نفسه في طلب الحق.
ومنهم من يكون قد عرف الحق ولكنه لا يريد الخضوع له، ويأنف من أن يقال: إنه يردُّ الحق مع علمه به، فتعرِض له الشبهة فيتمسك بها ويدعي أنها الحق.
إلى غير ذلك من حِكَم الله ، وقد يجمعها أو غالبها اسم "الابتلاء".
وقال الله ﵎: ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾
стр. 10
[الملك: ١]. وقال : ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً﴾ [الحج: ٥٣]، وقال سبحانه: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥].
وراجع آيات الفتنة والابتلاء في القرآن، فإنها كثيرة.
وقال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦].
فهذا حال هذه الشبهة ونظائرها.
[ص ٢٥] الشبهة الثالثة: أن يقال: إذا كانت السنة مفروضًا اتباعُها كالقرآن فلماذا لم يأمر النبي ﵌ بكتابتها؟ بل نقل عنه النهي عن ذلك. ولماذا لم يعتنِ الخلفاء بجمعها؟ بل جاء عنهم ما يخالف ذلك.
أقول: أما نهيه ﵌ عن الكتابة فإنما ورد بذلك حديث واحد أخرجه مسلم (١)، وأعله البخاري وغيره فقالوا: الصحيح أنه من قول أبي سعيد الخدري (٢).
وقد جاءت في الإذن أحاديث، وأكثر الصحابة لم يكونوا يرون بها بأسًا.
стр. 11
فأما ما روي عن عمر (١): فاستشار الصحابة فأشاروا عليه بكتابة السنن، فطفق يستخير الله تعالى شهرًا، ثم عزم أن لا يفعل، وقال: "إني ذكرت قومًا كانوا قبلكم كتبوا كتبًا فأكبُّوا عليها، وتركوا كتاب الله، وإني والله لا أَلبِس كتابَ الله بشيء أبدًا".
ففي هذا الأمر اتفاقهم على أنها حجة، ثم اتفقوا على الكتابة، إلا أن عمر خشي مفسدة أن تؤدي كتابتها إلى إعراض الناس عن القرآن. وليس في هذا ما يخدش في معرفته بأنها حجة، ولاسيما مع ما تواتر عنه من التدين بها والحكم بها.
والذي أرى أن الله إنما خار له عدم الكتابة، لأنه إن كتب كان الغالب أن لا يستوعب؛ لكثرة السنة، ولغيبة كثير ممن سمع كثيرًا منها، ولنسيان كثير منهم لبعض ما سمعه أو شاهده، فلعل أحدهم إنما كان يذكر عند حدوث واقعة تشبه الواقعة في عهده ﵌، ونحو ذلك. ولعله أن يظهر لهم من بعض الأقوال أو الأفعال أنه لا حكم فيه، فلا يكتبونه، وقد أعدَّه الله لمن يفهمه ممن بعدهم إذا دعت الحاجة إليه، كما يشير إليه حديث: "فربَّ مبلَّغٍ أوعى من سامع" (٢).
فالحاصل أن عمر لو كتب لم يستوعب، ولكان ذلك ذريعة إلى رد كثير
стр. 12
من السنن، بأن يقول من يأتي بعدُ: لا أقبل من السنة إلا ما في كتاب عمر، ولو كانت هذه السنة صحيحة لما ترك عمر كتابتها، وأشباه ذلك.
فأما عدم أمر النبي ﵌ بكتابتها فلأمور:
منها: خشية التباسها بالقرآن.
ومنها: أنه لا يتيسر الاستيعاب، لأن جميع حركاته ﵌ وسكناته من السنة. ولو كُتِب مع [عدم] الاستيعاب كان ذلك ذريعة إلى ردِّ ما لم يكتب، كما مرّ.
ومنها: كراهية أن يتقاعد الناس عن طلب السنة وتلقِّيها من أهلها، فيكتفي كل واحد بكتاب ينسخ له فيضعه في بيته، وهو جاهل لأكثر ما فيه.
وفي ترك الكتابة مصلحة عظيمة، بأن يحتاج المسلم إلى الطلب والسماع والحفظ، وبذلك لا ينال العلم إلا مَن هو مِن أهله. ولهذا لما أطبق الناس على الكتابة اشترط العلماء للرواية أن يكون الرجل قد سمع، واشترط بعضهم الحفظ، ومن لم يشترطه فقد نوَّه بفضل الحفظ وعلو درجته.
ووراء هذا كله ما تقدم من حكمة الخلق والتكليف، فتدبر. وحِكَم أخرى يطول بيانها، وقد شرحتُ بعضها في موضع آخر.
الشبهة الرابعة: ما جاء عن ابن عباس: "لما اشتدَّ بالنبي ﵌ وجعه قال: ائتوني بكتابٍ أكتبْ لكم كتابًا لا تضلّوا بعده. قال عمر: إن النبي ﵌ غلبه الوجع، وعندنا كتاب الله حسْبُنا، فاختلفوا وكثر اللغطُ، قال: قوموا عني ... " (١).
стр. 13
يقال: فهذا عمر يقول: "عندنا كتاب الله حسبنا"، ثم يقرُّه النبي ﵌؛ إذ لم ينقل أنه ﵌ أنكر عليه هذه الكلمة.
أقول: يقع لي أن عمر كان يستحضر حينئذٍ قول الله : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، فرأى أن الدين قد كمل، فلم يبق موضع للزيادة فيه.
غاية الأمر أن يريد النبي ﵌ أن يذكِّرهم ببعض ما قد علموه، أو يؤكِّد عليهم أمره، أو نحو ذلك.
فكأنه يقول: إن كان بقي شيء من أمر الدين لم يعلِّمناه رسول الله ﵌ فلا بد أن يكون في القرآن؛ بدليل أن الدين قد كمل، فلماذا نَشُقُّ على النبي ﵌ في شدة وجعه؟ وهذا رأي رآه، وقد كان مأذونًا لهم إذا أمرهم النبي ﵌ بأمر أن يراجعوا، فإذا أعاد عليهم الأمر كان لهم أن يراجعوه الثانية، فإذا أمرهم الثالثةَ تعين الامتثال، كما صرح به جابر في حديثه. "مسند أحمد" ( ... ) (١).
والمراجعة ثابتة في أحاديث كثيرة:
منها مما وقع لعمر نفسه: مراجعته النبي ﵌ في الصلاة على عبد الله بن أُبي (٢).
стр. 14
ومراجعته له لما أمر أبا هريرة أن يبشر الناس (١). [ص ٢٦] وغير ذلك.
ومع هذا فقد كان عمر يعتقد أن النبي ﵌ لا يموت من وجعِه ذلك، كما صرح بذلك بعد موته ﵌.
وبالجملة، فقد تواتر عن عمر امتثالُه سنةَ النبي ﵌ وتديُّنه بها في حياة النبي ﵌ وبعدها، فلا بد من حمل كلمته تلك على ما لا يخالف ذلك.
يُعيِّن ذلك أن فرض اتباع السنة متواتر عن النبي ﵌ وأصحابه، فلو فهموا من كلمة عمر ما يخالف ذلك لاشتد نكيرهم عليه، ولو كان لهذا الحديث أهمية عظيمة كما يتوهمه كثير من الناس لكثر ناقلوه من الصحابة الذين حضروا القصة، ولم ينفرد بنقله أصغرهم سنًّا يومئذ، وهو ابن عباس.
وليس مقصودي من هذا توهين رواية ابن عباس كما مال إليه بعض المتأخرين، وإنما مقصودي أن غيره من أكابر الصحابة لم يروا لذلك أهمية فسكتوا عنه. وقد كان ابن عباس يُجِلُّ عمر ويُبجِّلُه في حياته وبعد مماته، وشهادته له بعد أن أصيب مشهورة (٢)، وكذلك قوله بعد موت عمر بمدة: "حدثني أناس مرضيُّون وأرضاهم عندي عمر" (٣) إلى غير ذلك.
وقوله ﵌: "لا تَضِلُّوا بعده"، أراد ــ والله أعلم ــ إذا عملتم بما فيه؛ إذ
стр. 15
قد علم ﵌ وأخبر بأن أناسًا وفرقًا من أمته سيضلون. والأخبار بذلك كثيرة متواترة في المعنى. وإذ كان الأمر كذلك فهذا المعنى ــ أعني عدم الضلال بشرط العمل بما فيه ــ ثابت للقرآن بلا ريب.
وبقيتْ أشياء تتعلق بالحديث ليس هذا موضعها.
وقد قدَّر الله أن تكون تلك القضية من جملة الشبه التي يُضِلّ بها سبحانه من يشاء من عباده، كما تقدم.
ومما يذكر هنا ما جاء عن عمر أنه بعث قومًا إلى الكوفة فأوصاهم، قال (١):
[إنكم تأتون الكوفة، فتأتون قومًا لهم أزيزٌ بالقرآن، فيقولون: قدم أصحاب محمد، قدم أصحاب محمد، فيأتونكم فيسألونكم عن الحديث، فأقِلُّوا الروايةَ عن رسول الله ﷺ وأنا شريككم فيه].
وليس في هذا إلا الإقلال من الرواية عندما يخاف أن يُعرض الناس عن القرآن، ويشتغلوا بها. وهذا حق؛ لأن تعلُّم كتاب الله تعالى أهم وأقدم، وليس في ذلك منعٌ من ذكرِ الحديث عندما يحتاج إليه، أو تحديثِ من قد حفظ كتاب الله وتعلَّمه.
فأما ما جاء عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أن عمر قال لابن مسعود، ولأبي الدرداء، ولأبي ذر: "ما هذا الحديث عن رسول الله ﵌؟ ، وأحسبه حبسهم بالمدينة حتى أصيب" ("المستدرك" ١/ ١١٠) = فإنما أنكر عليهم الإكثار، فإن الإكثار مظنة الزلل، ومظنة أن يَشْغَل عن تعلم القرآن، كما مرّ.
стр. 16
وقوله: "وأحسبه حبسهم بالمدينة" حُسبانٌ فقط، قد يصح وقد لا يصح، ثم المراد بالحبس بالمدينة إبقاؤهم فيها ومنعهم من الخروج منها، لا السجن كما قد يُتوهَّم. مع أن في منعهم من الخروج من المدينة نظرًا، فقد بعث عمر ابن مسعود إلى الكوفة، وأقام بها مدة. وليراجع التاريخ وتراجم هؤلاء.
وقد كان عمر نفسه يحدِّث عن النبي ﵌، وحديثه في كتب الحديث كثير.
* * * *
стр. 17
[ص ٢٧] تقسيم الأخبار
قسم بعض الأصوليين (١) الأخبار إلى مقطوع بكذبه، ومقطوع بصدقه، وغيرهما.
فذكروا من المقطوع بكذبه ما قام البرهان القاطع على خلافه.
أقول: الشأن كل الشأن في البرهان القاطع، فإذا صح فالحديث المخالف له لا يخلو عن وجهين:
الأول: أن يكون في إسناده خلل.
الثاني: أن يكون وقع تغيير في متنه بزيادة أو نقص، أو تقديم أو تأخير، أو تبديل لفظ بآخر، أو نحو ذلك مما يغير المعنى.
ولن تجد إن شاء الله تعالى برهانًا قاطعًا يقينيًّا (٢) مخالفًا لحديث إلا وجدت ــ إن كنت من أهل الحديث والفهم ــ ما يدلك على أحد الوجهين المذكورين.
قال بعضهم: ومن المقطوع بكذبه ما نُقِّب عنه فلم يوجد عند أهله. وردَّه بعضهم.
وأقول: له وجه إذا كان يتضمن حكمًا شرعيًّا لم يثبت بغيره، فإن الله ﵎ متكفل بحفظ الشريعة؛ لأن محمدًا ﵌ خاتم الأنبياء،
стр. 18
وشريعته خاتمة الشرائع، فلا يجوز أن يذهب حكم من أحكامها بحيث لا يبقى في ما حفظ منها حجة عليه.
والحق أنه إذا وجد خبر منسوب إلى النبي ﵌ فلا يخلو عن واحد من أربعة أوجه:
الأول: أن يكون هو ــ أو حجةٌ توافق معناه ــ موجودًا في المحفوظ من الشريعة بنقلٍ تقوم به الحجة.
الثاني: أن يكون كان شيء فنُسِخ.
الثالث: أن يكون وقع في متنه تغيير، كما تقدم.
الرابع: أن يكون كذبًا، عمدًا أو خطأً.
فإذا قامت الحجة على نفي الثلاثة الأولى تعين الكذب. والله أعلم.
قالوا: ومنه المنقول آحادًا، والعادة قاضية بأنه لو صح لنُقِل بالتواتر، لتوفر الدواعي على نقله.
وأقول: ينبغي التثبت في هذا، فقد تقع القضية ولا يحضرها إلا الواحد أو الاثنان، وقد يحضر جماعة ولا ينتبه لها منهم إلا الواحد أو الاثنان، وقد يشاهدونها ولا يرون لها أهمية فلا ينقلونها. ومثال هذا: اليوم الذي توفي فيه النبي ﵌، فالخلاف فيه بين المتأخرين كثير، ولا يكاد يصح فيه شيء.
وقد يشاهدونها ويرون لها أهمية، ولكن لا يرون لنقلها أهمية، إما لاعتقادهم [أنها] قد نُقِلت نقلًا كافيًا في بيانها، وليس هناك من ينكرها، كما في انشقاق القمر؛ لأنهم يرونه ــ مع الشهرة بينهم ــ مذكورًا في القرآن، ولم يبق من العرب من يرتاب في القرآن.
وإما لاعتقادهم أنها أمر معلوم
стр. 19
مكشوف لا يحتاج إلى أن يُذكر، ومن هذا ــ والله أعلم ــ معنى "الإله" و"العبادة"، فقد كان واضحًا عند المشركين فضلًا عن المسلمين، ثم صار بعد القرون الأولى مشتبهًا، كما أوضحته في رسالة "العبادة".
وقد يخلو عن هذه كلها، ولكن يتواطؤون على الكتمان.
نعم، هذه الأمور كلها لا تحتمل فيما مثَّلوا به، وهي دعوى بعض الشيعة أن النبي ﵌ جمع أصحابه وبيَّن لهم بيانًا قاطعًا أن عليًّا ﵁ ولي عهده، وولي أمرهم من بعده. ولكن قد يحتمل بعضها في غير هذا المثال.
وقد أشار الحازمي في "الاعتبار" (١) إلى ذلك في بحث الجهر بالبسملة، وإن كان فيه نظر.
وقد ثبت أن الأئمة في عهد عثمان تجوَّزوا في الجهر بتكبيرات الصلاة، ومضى على ذلك زمان حتى جهله كثير من الناس، فصلى عكرمة خلف أبي هريرة، فجهر أبو هريرة بالتكبيرات، فذهب عكرمة إلى مولاه ابن عباس فقال: صليت خلف شيخ أحمق، فكبر ... ، فقال ابن عباس: ثكلتك أمك، تلك سنة أبي القاسم ﵌ (٢).
وصلى علي ﵁ بالكوفة، فجهر بالتكبيرات، فقال عمران بن حصين: قد ذكَّرني هذا صلاةَ محمد ﵌ (٣).
стр. 20
وقال أبو موسى: ذكَّرنا عليٌّ صلاةً كنا نصليها مع رسول الله ﵌، إما نسيناها وإما تركناها عمدًا (١).
وجاء عن عمران ما حاصلُه أن عثمان ﵁ لما كبر وضعف صوته لم يكونوا يسمعون تكبيره، فاتخذ أمراؤه أو بعضُهم ذلك سنة بجهلهم (٢).
والمقصود هنا أنه ينبغي التثبت في رد الأحاديث بما ذُكِر، فلا يُقدَم على ذلك مع قيام الاحتمال. والله الموفق.
[ص ٢٨] وأما المقطوع بصدقه فذكروا منه أمورًا:
الأول: خبر الرب ، وخبر النبي ﵌.
وذلك واضح، ولكن خبر النبي ﵌ قد يكون عن ظنِّه نصًّا، كقوله: أظن كذا، ولعل كذا. أو بدلالة القرائن. وقد وقع هذا في الأمور الدنيوية. فأما الدينية، فمن قال من أهل العلم: إن النبي ﵌ كان قد يقول في الدين باجتهاده، فإنه يقول بوقوع هذا.
أقول: وسواء كان خبره عن أنه يظن في أمر ديني أو دنيوي، فهو مقطوع بصدقه فيما أخبر عنه، وهو الظن. أعني أنه أخبر أنه يظن، فالمقطوع به هو كونه يظن، فأما الأمر الذي ظنه فقد لا يكون واقعًا، وليس ذلك من الكذب، وإنما فيه خطأ الظن.
стр. 21
وقد أخبر الله عن آدم أنه ظنّ صِدقَ إبليس لما قاسمه بالله، وكذلك ظن يعقوب صدق بنيه في قولهم: ﴿وَنَحْفَظُ أَخَانَا﴾ [يوسف: ٦٥]، وكذَّبهم في خبرهم عما جرى لهم من أخذِ أخيهم بتهمة السرقة، فقال: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ [يوسف: ٨٣]، وظن موسى أن أخاه قصَّر، فأخذ برأسه يجرُّه إليه، في نظائر لذلك.
وكان النبي ﵌ ربما سها في الصلاة وهو يظن أنه لم يَسْهُ، فصلى مرة خمسًا (١)، ومعنى ذلك أنه عند قيامه للخامسة كان يظن أنها الرابعة.
وسلَّم مرة من ركعتين في رباعية الحضر، ومعنى ذلك أنه ظن أن قد أتمَّ أربعًا، فأما قوله لما سُئل أقُصِرَت الصلاة أم سهوتَ يا رسول الله؟ : "كل ذلك لم يكن" (٢)؛ فهو يتضمن خبرين:
أحدهما عن أمر ديني، وهو صدقٌ قطعًا، وهو كون الصلاة لم تُقصَر.
والثاني عن أمر دنيوي، وهو كونه لم ينْسَ. ومراده بالنظر إلى هذا أنه يظن أنه لم ينس، بمعونة القرينة، وهي أن هناك جمعًا كثيرًا يغلب عليهم التيقظ لأعمال الصلاة، فإن كان قد نسي فإنهم يعلمون أنه إنما نفى النسيان بالنظر إلى ظنه، فيرجع ذلك إلى الخبر بأنه يظن أنه لم ينس.
ومن ذلك: خبر تأبير النخل، وهو في "صحيح مسلم" من حديث طلحة (٣)،
стр. 22
ومن حديث رافع بن خديج (١)، ومن رواية حماد بن سلمة بوجهين (٢): حماد عن هشام عن أبيه عن عائشة، وحماد عن ثابت عن أنس.
ورواية طلحة صريحة في أنه شهد القصة، وأن النبي ﵌ لم يجزم، وإنما قال: "ما أظنُّ يُغنِي ذلك شيئًا"، ثم قال لهم بعدُ: "إنما ظننتُ ظنًّا، فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدَّثتكم عن الله شيئًا فخذوا به، فإني لن أكذب على الله".
وفي رواية رافع: قال: "لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرًا"، ثم قال أخيرًا: "إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر". قال الراوي: أو نحو هذا.
فما وقع في رواية حماد من الوجهين الأخيرين: "لو لم تفعلوا لصلح" من التقصير في الرواية بالمعنى؛ ولهذا قدَّم مسلم ﵀ رواية طلحة، لأنه شهد القصة وتحرّى في بيانها، ثم عقَّبها برواية رافع لأنها قريبة منها، ثم ذكر رواية حماد من الوجهين على أنها شاهد لأصل القصة.
فثبت أنه ﵌ إنما أخبرهم عن ظنه أن التلقيح لا فائدة له، وإنما وقع له ﵌ هذا الظن لأنه لم يكن قد عرف حال النخل، وقد عرف بمكة والطائف وغيرهما أن عامة الشجر تثمر ويصلح ثمرها بلا تلقيح، فظن أن النخل كذلك، حملًا للفرد المجهول الحال على ما عرف من حال الغالب.
ومن هذا: ما رُوي من قوله ﵌: "لقد هممتُ أن أنهى عن الغِيْلة، ثم
стр. 23
نظرتُ في فارس والروم فإذا هم يُغِيلون أولادهم، فلا يضر ذلك أولادَهم شيئًا" (١).
فقد كان مشهورًا بين العرب أن الغَيْل يضر بالطفل، فوقع في ظنه ﵌ صحة ذلك وأنه مبني على تجربة صحيحة، فأراد أن ينهى عنه لما فيه من الإضرار، ثم سأل عن حال فارس والروم فأُخبِر أنهم لا يتوقَّون كما يتوقَّى العرب، ثم رأى أنه لا يظهر بأولادهم ضرر، فظن ﵌ أن الغيل لا يضر، فقال ما تقدم.
[ص ٢٩] وجاء عنه ﵌ حديث آخر: "لا تقتلوا أولادكم [سرًّا]، فإن الغَيْل يدرك الفارسَ فيُدَعْثِره عن فرسه" (٢).
فإذا صح هذا فلا بد أن يكون متأخرًا؛ لوجوه:
الأول: أن هذا نهي صريح، وقوله في الأول: "لقد هممتُ أن أنهى عن الغيلة" ظاهر في أنه لم يقع منه قبل ذلك نهيٌ، فعُلِم بذلك أن الخبر الصريح بالنهي لم يكن قبل ذلك.
الثاني: أن الخبر الأول مبني على الظن في الجانبين، كما تقدم، والخبر الثاني بتٌّ وقطع، فهو مبني على علم.
الثالث: أن قوله: "يُدرك الفارسَ فيُدعْثِره" شيء لا يُعرف بالقرائن
стр. 24
الظاهرة المتيسرة، فالظاهر ــ إن لم نقل: المتيقن ــ أنه علمه ﵌ بالوحي.
الرابع: أن في هذا كالإشارة إلى ردِّ ما في الأول من حال فارس والروم، فكأنه يقول: إن ضرر الغيل خفي، فلا يدفعه أن الظاهر من حال فارس والروم أنه لا يضر.
هذا، وقد عكس الطحاوي (١) ﵀ ما تقدم، فذكر أنه ينبغي أن يكون حديث "لا تقتلوا أولادكم ... " كان أولًا، بناه النبي ﵌ على ما تعتقده العرب، ثم تبين له بطلان ذلك الاعتقاد فقال: "لقد كنتُ هممتُ ... ".
وهذا كما ترى إن كنت ترى!
واعلم أن الأدلة على أن ظن الأنبياء في الأمور الدنيوية غير معصوم كثيرة، وفيما ذُكِر كفاية. ولو كان ظنهم معصومًا لما بقي لهم ظنٌّ، بل يكون علمًا.
فأما في الأمور الدينية، فإن كان خبرًا عن حكم شرعي، فهم معصومون قطعًا. فإذا جوّزنا أنهم قد يجتهدون فيها، ويخبرون عن اجتهادهم، فإنه إن جاز الخطأ في هذا فإن الله لا يُقِرُّه، بل ينبِّههم فورًا على الخطأ، فإذا اجتهدوا وأخبروا ثم لم يقع تنبيه من الله ثبت قطعًا صحة اجتهادهم وصدق ما قالوه يقينًا، والله الموفق.
الثاني: قال بعضهم: ومن المقطوع بصدقه أن يخبر إنسان بمرأى ومسمعٍ من النبي ﵌ فلا ينكره عليه.
стр. 25
أقول: أما أن يخبر رجل بحضرته ﵌ بأمر ديني، بحيث يظهر أن النبي ﵌ إنما سكت تصديقًا له؛ فهذا حق. وذلك كما روي أن جماعة اختلفوا في القراءة، فذهبوا إلى النبي ﵌، فأخبروه، وكان عنده علي ﵁، فقال لهم علي: يقول لكم رسول الله ﵌ (١) ....
وأما غير ذلك، ففيه نظر. ولاسيَّما إذا احتمل كونه ﵌ لا يعلم الواقعة، أو يظنها كما ذكر المخبر.
وقد كان النبي ﵌ يشك في ابن صياد أنه الدجال؛ لعلامات كانت فيه، فقوي ظنُّ عمر بذلك، فحلف بين يدي النبي ﵌ أن ابن صياد هو الدجال، ولم ينكر عليه النبي ﵌ (٢)، ثم جاءت أحاديث تدلُّ أنه تبيَّن للنبيِّ ﵌ بعد ذلك أن الدجال غير ابن صياد (٣).
الثالث: وذكروا من المقطوع بصدقه: المتواتر.
قالوا: وهو خبر جماعة يستحيل في العادة تواطؤهم على الكذب عن أمر محسوس.
وذلك حق لا ريب فيه، ولكن أشار بعضهم إلى أن هذا ــ أعني المتواتر ــ والخبر الذي يفيد العلم بمعونة القرائن شيء واحد.
стр. 26
وشبهتُه إلى أن كثرة العدد لو كانت هي المؤثرة لتعين العدد المؤثر، والأمر بخلاف ذلك، فإنه قد يحصل العلم بخبر الواحد أو الاثنين أو الثلاثة، ولا يحصل بخبر مئة ألف أو أزيد. كما لو أخبر مليون جندي من الألمان بعد هزيمتهم بأن زعيمهم هتلر مات.
[ص ٣٠] فالمدار إذًا إنما هو على ما يحتفُّ بالخبر من القرائن.
وأقول: الخبر تكون معه قرائن تساعده، وقرائن تخالفه، فعدد التواتر هو الذي يحصل بخبرهم العلم مع فَقْدِ القرائن الموافقة والمخالفة أو تكافُئِها، وإنما يعسُر تعيينه لأنه لا يخلو الخبر عن قرائن من الجانبين، ويعسر العلم بتكافئها.
هذا، والمدار على حصول العلم، فسِيَّانِ: كان حصوله بكثرة العدد مع عدم القرائن المخالفة أو مع تكافُؤِ القرائن [من] الجانبين، أو كان حصوله بمعونة القرائن. ولا حرج في تسمية ما حصل به العلم متواترًا، وإن شككنا في حصوله بالوجه الأول أو الثاني.
وقد شكَّك بعضهم في حصول العلم بالمتواتر، قال: لأن كثرة العدد قد لا تفيد إذا اقترن بالخبر قرائن تخالفه، فيمكن أن يكون مع الخبر قرائن تخالفه ولكنها خفية، فعلى هذا يتوهم سامعه حصول العلم به.
ويتحقق ذلك بأن تفرض أن ألف رجل تواطؤوا سرًّا على خبر، ثم بالغوا في إخفاء ما يُوقِع التهمة بتواطُئِهم، وتفرقوا. فإنه إذا فُرِض أن أحدهم أخبر، ثم جاء الثاني وكأنه لا يعرف الأول ولا يعلم بخبره فأخبره بمثله، وهكذا، فقد يتوهم بعض السامعين حصول العلم، وقد تلوحُ لبعضهم قرينة على احتمال التواطؤ، فلا يكاد يحصل له الظن فضلًا عن العلم.
стр. 27
والجواب: أن النفس إذا خُلِّيتْ وفطرتها لا يخفى عليها موضع احتمال التواطؤ، ولو على بعدٍ، فلا تجزم حتى يجتمع لها من القرائن ما يبين أن احتمال التواطؤ مستحيل.
بلى، لا ننكر أن من الناس من يدعي التواتر في خبر وليس كذلك، وإنما يكذب على نفسه في دعوى حصول العلم، أو يغالطها في ذلك، والله المستعان.
واعلم أن تواتر الخبر قد يكون مع اتفاق العدد على جميع العوارض، كأن يخبر كل منهم أن النبي ﵌ خطب الناس يوم النحر سنة عشر بمنى في وقت كذا، فقال كيت وكيت. وقد يذكر بعضهم سماع الحديث في زمان ومكان، ويذكر غيره سماعه في زمان أو مكان آخر.
وهذا كله تواتر؛ إذ المدار على أن النبي ﵌ قال ذلك. اللهم إلا أن يكون للزمان أو للمكان اختصاص، كأن يقول بعضهم: "وقف بمكان كذا من عرفة فقال: هذا الموقف"، ويقول غيره: "وقف بمكان كذا ــ ويذكر مكانًا آخر ــ وقال: هذا الموقف"، أو نحو ذلك.
واعلم أن اختلاف الألفاظ والمعنى واحد لا يقدح في التواتر، وكأنهم قالوا: ذكر كلامًا هذا معناه.
وهناك ما يسمى "التواتر المعنوي"، وذلك كأن يروي أحدهم أن النبي ﵌ قال: "من زنى بعد ما أحصن فعليه الرجم" (١)، ويروي آخر أن ماعزًا
стр. 28
زنى بعد ما أحصن فرجمه النبي ﵌ (١)، وروى ثالث أن امرأة غامدية زنت بعدما أحصنت فرجمها النبي ﵌ (٢)، وآخر أن امرأة رجلٍ من أسلم اتُّهِمت بالزنا بعدما أحصنت فقال النبي ﵌: "اغْدُ يا أُنيسُ إلى امرأة هذا، فإن اعترفَتْ فارجُمْها" (٣). وهكذا بحيث يحصل بمجموع هذه الأخبار القطع بما اجتمعت عليه، وهو أن النبي ﵌ كان يقضي برجم من زنى بعد إحصان.
هذا، ولا يخفى أن العلم بصدق خبر العدد فيما كان عن محسوس يُعلَم منه أنهم إذا أخبروا أن فلانًا أخبر؛ إنما يتحصل العلم بأن فلانًا أخبر، فأما صدق خبر فلان ــ إذا لم يكن معصومًا ــ فلا يحصل العلم بصدقه. لكن [إذا] أخبر عدد التواتر أن عددًا آخر مستجمعًا للشروط أخبروا حصل العلمُ بخبر الفريقين.
وهكذا، فإذا تعددت الطبقات كأن يخبر عدد عن عدد عن عدد عن النبي ﵌، فلا بد أن تتحقَّق الشرائط في كل الطبقات الثلاث، ولا يشترط أن يخبر كل واحد من العدد عن كل واحد من العدد الذي قبله.
بل يحصل العلم بأن يخبر كل واحد عن واحد، وآخر عن آخر، وثالث عن ثالث، وهكذا. [ص ٣١] بل هذا أقوى؛ فإن اجتماع عدد على الإخبار في وقت واحد
стр. 29
مما يوهم المواطأة. فتدبر.
الرابع: قالوا: قد يفيد الآحاد العلم بمعونة القرائن. ومثَّلوه بما فيه نظر. ولكن القول صحيح؛ فإن من القرائن ما يفيد العلم مجردًا عن الخبر، فكيف لا يكون منها ما يفيده مع الخبر؟
كما إذا وضعتَ شيئًا ثقيلًا في صندوق، ثم غبت، ثم رجعت فرفعت الصندوق فإذا هو خفيف، بحيث تعلم قطعًا أنه لا يمكن أن يكون ذلك الشيء فيه.
وهكذا إذا وضعتَ حمامة في قفص محكم مقفل، ووضعته بحيث تعلم أنه لم تصل إليه يد إنسان، ثم تفقدته فإذا فيه بيضة! وقس على ذلك.
ويدخل في القرائن عدالة المخبر، وكونه معروفًا بالصدق، وكونه ليس له هوى في ذلك الخبر، وكونه مشهودًا له بالإتقان، وذكره للخبر قصة، وكون القصة تتعلق به، إلى غير ذلك مما بسطه أهل العلم في وجوه الترجيح.
والعدالة تتفاوت، فأعلاها عدالة من عدَّله الله تعالى، ثم رسوله ﵌، وشهد له بالجنة.
وكذلك الصدق، فأعلاه صدق من أخبر الله ﵎ بأنه صدوق.
وكذلك عدم الهوى، فمن أعلاه أن يكون للمخبر هوى في نقيض ذلك الخبر، كأن يكون في الخبر غضاضةٌ عليه.
وكذلك الإتقان، فأعلاه في الثقة أن يصفه جهابذة الحفاظ بأنه لم
стр. 30
يخطئ في حديث قطُّ، أو لم يخطئ إلا في حديث واحد، كما قالوه في إسماعيل بن إبراهيم المشهور بابن عُلَية.
وبالجملة، فمن أمعن النظر في كلام المحدثين في دقائق الرواية وأحوال الرجال عرف أنه قد يحصل للجِهْبِذ المتبحّر منهم العلمُ في بعض الأحاديث التي تُروى من طرق صحيحة عن صحابيين أو ثلاثة.
ومما يتأيد به الحديث أن يكون له شواهد توافقه، ولو في جنس المعنى، وأن يكون موافقًا لظاهر القرآن، أو مخالفًا له وظهر الحديث في زمن الصحابة وعمل به بعضهم؛ فإنه لو لم يكن ثابتًا عندهم ما تركوا له ظاهر القرآن، ولكانوا أنكروه.
ومما يتأيد به أيضًا أن تطمئنَّ إلى لفظه نفسُ الممارس للحديث؛ فإنه لطول ممارسته للكلام النبوي صار عنده تمييزٌ ما بين ما هو منه وما ليس منه. ونحو ذلك أن تطمئن إليه نفس المتبحّر في معرفة الشمائل النبوية والحِكَم الشرعية.
وهذا، وقد ضعفت في الأزمنة الأخيرة العنايةُ بالرواية، ولكن بقي بأيدينا حكم الجهابذة المتبحّرين، إذا وجدنا أحدهم صحَّح حديثًا أو احتج به، ويتأكد ذلك بموافقة آخر منهم عليه.
فإذا وجدنا في حديث أن مالكًا والثوري وأحمد والشافعي احتجوا به، وأن البخاري ومسلمًا صححاه؛ كان متمكنًا في القوة، فإذا ثبت أن بعض الصحابة عمل به، وعمل به جماعة من التابعين ازداد قوة.
стр. 31
وقد ذهب جماعة من المتأخرين إلى أن أحاديث الصحيحين تفيد العلم. ووجهوا ذلك بأنها تُلقِّيت بالقبول، والتلقي بالقبول عندهم يفيد العلم، وسيأتي ما فيه. لكن رأيت عن العلامة محمد أنور الديوبندي أنه وافقهم في إفادة العلم، ووجَّهه بمعنى ما تقدم (١).
ويتأكد ذلك بأن كثيرًا من الأئمة المعاصرين [ص ٣٢] للشيخين والمتأخرين عنهم، اطلعوا على الصحيحين، وشهدوا لما فيهما بالصحة، وسيأتي إن شاء الله تعالى البحث في ذلك.
الخامس: قالوا: ومما يفيد العلم ما أُجمِع على صحته، أو تُلقِّي بالقبول، بأن كان أهل العلم بين محتجٍّ به ومتأولٍ له، أو أُجمِع على الحكم الذي يدل عليه.
وردَّ بعضهم ذلك بأنه مبني على الإجماع، والكلام في الإجماع معروف، فإن من سلَّم حجية الإجماع يقول: إن العلم به قطعًا محال؛ لأنه يتوقف على النقل المفيد للعلم عن كل فرد من أهل عصر الإجماع، بحيث يُعلم قطعًا أنه لم يبق أحد منهم إلا ونقل عنه كذلك.
وأما الإجماع السكوتي فمختلف فيه، وممن ردَّه الإمامان الشافعي وأحمد، كما أنكرا العلم بالإجماع في غير أركان الدين، كفرضية الصلاة والصيام والحج ونحو ذلك مما إن خالف فيه مخالف كفر، فالعلم بالإجماع فيها إنما هو لهذا، أعني: لأن من خالف كفر، فخرج عن الاعتداد بقوله.
стр. 32
ومع هذا، فتأويل العالم لحديثٍ لا يستلزم قوله بصحته؛ فإن كثيرًا من أهل العلم يتأولون الحديث وهم متوقفون في صحته، كأن أحدهم يقول: إن صحَّ فهذا تأويله، وربما يضعِّف أحدهم الخبر ثم يتأوله.
وهكذا الإجماع على حكم لا يستلزم صحة ما يُروى فيه. ألا ترى أنه لا يمتنع أن يَعمِد كذّاب إلى حكم مجمع عليه فيضع على وفقه حديثًا؟
أقول: قد سلَّم الإمامان الشافعي وأحمد أن العارف بأقوالِ مَن سلف من أهل العلم إذا عرف قول جماعة منهم ولم يعلم لهم مخالفًا بعد البحث= يكون هذا حجة في الجملة. فأقلُّ أحوال هذا أن يكون من أعظم ما يساعد على قطعية الخبر.
وتأويل العالم للخبر مع عدم تصريحه بضعفه يدل على أنه لم يعرف فيه مطعنًا، وذلك مما يقوِّيه.
وأما قولكم: إن الإجماع على حكم لا يستلزم صحة ما يُروى فيه، فهذا فيما إذا ظهر للإجماع مستندٌ غير ذلك الخبر، فأما إذا لم يظهر غيره ــ وهو في نفسه منقول نقلًا صحيحًا ــ فالظاهر أنه هو مستندهم، وبذلك يكون الظاهر أنهم اتفقوا على صحته.
وقد أيَّد هذا بعض الأجلّة بأن تجويز بطلان ذلك الخبر لاحتمال أن يكون المستند غيره= اتهامٌ للأمة بأنها أهملت الحجة الصحيحة فلم تُنبِّه عليها، أو لم تُعْنَ بها، أو لم تنقلْها، واعتنت بنقلِ ما ليس بصحيح في ذلك المعنى بعينه. وهذا بغاية البعد.
فإن قيل: استغنتْ عن نقل الحجة الصحيحة بالإجماع.
стр. 33
قيل: فما بالها نقلت غير الصحيحة في ذاك المعنى نفسه؟
وأنا أقول: أما الحكم بالضعف على الخبر المنقول نقلًا تقوم به الحجة، فلا وجه له. غاية الأمر أن يجوز أن يكون مستند الإجماع غيره، وهذا لا يضر ذلك الخبر بل يفيده قوة؛ لأنه على أحد الاحتمالين مجمع على صحته، وعلى الاحتمال الآخر صحيح في نفسه، وله شاهد مجمع عليه.
وبعد، فإذا سلِّم الإجماع على الحكم لم تبق فائدةٌ لإنكار كون الخبر مجمعًا على صحته؛ لأن الحكم هو المقصود.
[ص ٣٣] وههنا مسائل:
الأولى: إذا صح من جهة الرواية خبر، ونُقل تصحيحه عن جماعة، ولم يُعلم لهم مخالف، ونُقل القول بالحكم الذي دل عليه عن جماعة، ولم يُعلم لهم مخالف ممن مضى، فهل يكفر منكره؟
أقول: فيه نظر، وله موضع آخر.
الثانية: هل يُعامَل معاملة القطعي في النسخ؟
أقول: أكثر أهل المذاهب يرون نقل الحكم عن جماعة ممن مضى، ولا يُعلم لهم مخالف= إجماعًا يدل على ناسخ، فيجزمون بالنسخ، حتى لو كان الحكم الآخر منصوصًا في كتاب الله ، ففي هذه الصورة أولى.
الثالثة: هل يثبت به الفرض وغير ذلك، عند من يفرق بين القطعي والظني في الأحكام؟
أقول: المفرِّقون يعدّون هذا الإجماع قطعيًّا، وعلى ذلك فيثبت به الفرض وغيره عندهم، ففي هذه الصورة أولى.
стр. 34
الرابعة: إذا وجد دليل يناقض ذلك الخبر وذلك الإجماع، هل يجوز لأحد أن يذهب إلى ذلك الدليل؟
أقول: أما إذا كان الدليل المناقض محتملًا أن يكون منسوخًا بذلك الخبر، فلا يجوز. بل المتعين القول بذلك، إذ القول بعكسه في غاية البعد؛ إذ يلزم منه اتفاق الأمة على التمسك بالمنسوخ وإهمال الناسخ.
فإن قيل: اتفاق الأمة لم يسلم؛ لأن الفرض أن الحكم إنما نقل عن جماعة.
قلت: الظاهر أنه لو كان هناك مخالف لأظهر قوله وإنكاره لهذا المنكر، وهو التمسك بالمنسوخ واطّراح الناسخ، وإلا كانت الأمة مجمعة على الضلال، بعضها بالتمسك بالمنسوخ واطراح الناسخ، وباقيها بالسكوت على هذا المنكر، والساكت على المنكر مع علمه به وإمكان أن ينكر شريك فيه، فكأنها أجمعت على ضلالة واحدة.
فإن قيل: لعل بعض من لم ينقل قوله لم يطلع على تمسك الجماعة بالمنسوخ، ولعل بعضهم اطلع ومنعه مانع من الإنكار، ولعل بعضهم اطلع وأنكر ولم يُنقل إنكاره، ولعل بعضهم اطلع وأنكر ونُقِل إنكاره ولكن لم يبلغنا، بأن يكون في بعض الكتب التي لم نقف عليها.
قلت: هذا كله بعيد إذا بحث واسعُ الاطلاع منا فلم يجد، ويتأكد ذلك إذا كان قد نص إمام مطلع ممن قبلنا على الإجماع.
وبعد، فهَبْ أن ما ذكرناه لا يكفي للدلالة على كون الخبر الموافق للإجماع ناسخًا للدليل الآخر، فهل هناك إلا مخرج واحد وهو الأخذ
стр. 35
بالراجح؟ فالخبر الموافق للإجماع أرجح، فوجب الأخذ به على كل حال.
الخامسة: إذا وجد دليل يناقض الخبر والإجماع ولم يحتمل أن يكون منسوخًا به، كما إذا كان الخبر الموافق للإجماع مؤرخًا بزمان، والدليل المناقض مؤرخ بما بعد ذلك الزمان. فهل يجوز الذهاب إلى ذلك الدليل؟
أقول مستعينًا بالله : إن ثبت أنه قد ذهب إلى وفق الدليل المناقض مجتهد من أهل القرون الثلاثة الأولى فذهاب من بعدها إليه موكول إلى اجتهاده، وذلك أن ذهاب ذلك المجتهد من أهل القرون الأولى إلى ذلك خادش في الإجماع، أما في إجماع أهل عصره فواضح، لأنه منهم وهو مخالف، فكيف يقال: أجمعوا؟ وأما من قبله فالظاهر أنه لم يذهب إلى ما ذهب إليه إلا وقد عرف أنه لم يتقدمه إجماع تمتنع مخالفته، وأما من بعده فالذي تبين لي رجحانه أنه لا يُعتدُّ بالإجماع بعد سبق الخلاف المستقر.
وإن لم يثبت، فلا يجوز لمن بعدها الذهاب إليه؛ لأن ظاهر اتفاق الثلاثة القرون على خلاف ذلك الدليل يُوهنه جدًّا، ويتأكد ذلك بأمور:
[ص ٣٤] منها: أن الهمم قصرت، والمعرفة ضعفت، والدعاوى كثرت، والأهواء انتشرت، والتقوى خفَّت. فأصبح كثير من الناس يدَّعون العلم وهم قاصرون، فإن وجد راسخ لم يكد يَسلَم من هوى أو ضعف ورعٍ.
فإن وُجد مخلصٌ ورعٌ فهو نفسه يتردد فيما عسى أن يظهر له من دليل يدل على قولٍ المنقولُ عن أهل القرون الأولى خلافه، ولم يظفر بنقل عن واحد منهم يستند إليه، وذلك أن هذا المعنى يشككه في دليله، فيقول: لعلي غلطت في ظن صحة هذا الخبر وفي ظن أن هذه العبارة تدل على كذا؛ فإنه
стр. 36
ليس له من معرفة الحديث ورواته ما كان لأئمة السلف، وليس له من الذوق العربي ما كان لهم.
فإن فرضنا أنه قَوِيَ في نفسه ما ظهر له، فإن غيره من أهل العلم لا يوافقونه على ذلك، ويرون في فتح هذا الباب مفسدةً عظمى؛ فإن المنتحلين للعلم بلا رسوخ ولا ورعٍ كثيرٌ، فيأخذ كل منهم يتخوض في الدين، ولا يتمكن أهل العلم من إفحامهم بالمناظرة؛ لأن المناظرة إنما تفيد مع الإنصاف، ولا يرجى ذلك من المتخوضين.
نعم، قد كان في عهد السلف جماعة من علماء السوء، ولكن كانوا مقهورين، وكان العامة يعرفون علماء الحق؛ لقرب العهد بالسراج المنير ﵌ وأصحابه، فكان إذا قام رجل يدعي العلم والمعرفة فزع العامة إلى من عرفوه من علماء الحق فيكفيه أن يقول للعامة: ذاك رجل مبتدع، أو لا يوثق بعلمه، أو نحو ذلك.
وأما في الأزمنة المتأخرة فإن الحال تغيَّر، بل انعكس، فصار الملوك والأمراء والعامة يرون العالم هو من يوسِّع عليهم، ويوافق أهواءهم.
فلهذا عظَّم العلماء شأن الإجماع، حتى [إذا] نبغ نابغ من أولئك المتخوضين كفى أن يقال له وللناس: هذا خرق للإجماع.
ولهذا ــ والله أعلم ــ قال جماعة: إن باب الاجتهاد قد انسدَّ، وقال ابن الصلاح (١): إن التصحيح والتحسين للأحاديث قد انتهى.
стр. 37
أما أنا فلا أوافق على سدِّ باب الاجتهاد وتصحيح الأحاديث، ولكن أرى أنه لا ينبغي مخالفة حكم قد قال به أهل القرون الثلاثة، ولم يُعلَم منهم مخالف، ويبقى مجال الاجتهاد في أمرين:
الأول: الأحكام التي اختلف فيها علماء السلف، فيجتهد العالم في الترجيح بينها.
الثاني: في الأشياء التي لم يُنقل عن أهل القرون الثلاثة فيها شيء واضح.
أما الأول فإن العالم نفسه يطمئن إلى ما ظهر له؛ لأن له سلفًا، فيقول: هَبْني لم أبلغ درجة الاجتهاد فهذا قول مجتهد معروف، فكأنني قلدته، وقد جوَّز الناس تقليد المجتهد وإن لم يظهر للمقلد رجحان دليله، فأما أنا فقد ظهر لي رجحان دليله.
وكذلك يطمئن غير هذا العالم إلى قوله، إذا علموا أنه قول مجتهد معروف.
ولا يخشى من هذا ما يخشى من إطلاق الاجتهاد من التلاعب بالدين، اللهم إلا أن يدَّعي هذه المرتبة من ليس من أهلها، أو يكون ضعيف الدين، [ص ٣٥] لكن مثل هذا لا يصعب على أهل العلم والدين كشفُ حاله إن شاء الله تعالى.
وعلى كل حال، فالشر هنا أخف، والمفسدة التي في سدّ الباب مطلقًا أشدّ، مع أن أكثر أهل العلم من المتأخرين قد فتحوا هذا الباب بجواز التقليد، وهذا خير منه؛ إذ ليس فيه ــ إذا أُعطِي حقَّه ــ تتبعٌ للرخص، وإنما فيه تتبعٌ للراجح من الأدلة، فإذا اتفق في مسألة أن يكون رخصة كان في أخرى شدة.
стр. 38
وفيه مصلحة من أعظم المصالح، وهو إحياء علوم الكتاب والسنة، وإشعار الناس بأنهم إنما يتبعون الكتاب والسنة.
وأي فرق أعظم من الفرق بين من يقوم يصلي فيعمل بقول فلان وقول فلان، ومن يقوم يصلي فيعمل بتلك الآية وذلك الحديث؟ فهذا الثاني شاعرٌ تمامَ الشعور بأنه يعبد الله بامتثال أمره في كل حركة وسكون، والأول بعيد عن ذلك.
وأما الاجتهاد فيما لم يُنقل فيه شيء صريح عن علماء القرون الثلاثة، فلا يمكن سدُّه إلا بأن يوكل إلى المقلدين يجتهدون فيه بالقياس على أقوال شيوخهم وشيوخ شيوخهم، ولعله يكون قياسًا على قياس على قياس! أفليس الأولى من ذلك استنباط حكمه من نصوص الشريعة نفسها؟
هذا، وقد أغفل كثير من فقهاء الشافعية وغيرهم درجة "المرجِّح"، أعني الذي يبلغ من العلم مبلغًا يتمكن به من النظر في أدلة المختلفين، وتعرُّف الراجح منها.
وقد رأيت عن الشافعي رحمه الله تعالى ما يثبت هذه الدرجة. ففي ترجمة إسحاق بن الفرات من "تهذيب التهذيب" (١/ ٢٤٧): "وقال ابن قديد: حدثني ابن عبد الحكم (١) قال: قال لي الشافعي: أشرت على بعض الولاة أن يولي إسحاق بن الفرات القضاء، وقلت: إنه يتخير، وهو عالم باختلاف من مضى".
стр. 39
فقوله: "يتخير" يعني أنه يرجح بين أقوال المختلفين، ويختار ما رجح دليله.
فصل
قد بسط أهل العلم حجج الإجماع (١)، وينبغي لطالب الحق أن يتدبرها، ثم ينظر إليها مجتمعة، فكم من قضية استُدِلّ عليها بأدلة قد يكون كل واحد منها إنما يفيد ظنًّا ضعيفًا، فإذا عمد العالم إلى دليل منها فخدشَ فيه وطرحه، ثم في الثاني فكذلك، وهكذا؛ أمكنه ذلك فيها كلها. لكن لو نظر إليها مجتمعة لرأى قوة لم يحسبها.
ونظير ذلك: المتواتر إذا كان عن خبر كفار أو فساق مثلًا، فعمدتَ إلى كل فرد منهم فطعنتَ فيه؛ أمكنك ذلك، مع أن المجموع يفيد العلم القطعي.
وينبغي له أن ينظر إلى أمور أخرى:
الأول: قضاء العادة. فإن المجتهدين كانوا كثيرًا، وطلب العلم ونشره كان محروصًا عليه، وفي المثل المشهور "خالِفْ تُذكر"؛ فالناس حريصون على نقل الأقوال الغريبة، ولاسيَّما إذا كانت مستندة إلى حجة قوية.
الثاني: أن هذه الكتب المتداولة بين الناس في هذا العصر هي بالنظر إلى الأدلة جامعة لغالبها.
الثالث: أن الله ﵎ متكفل بحفظ دينه وشريعته، كما يأتي تقريره إن شاء الله تعالى، ولا يتم حفظ الحجة منها إلا بحفظها حفظًا تقوم به الحجة.
стр. 40
فإذا نُقل عن جماعة من أهل القرون الأولى قول ولم يُنقل خلافه عن أحد منهم، ثم وجدت أنت دليلًا يدل على خلافه، فهذا الدليل لن يكون إلا ظنيًّا في نفسه، والدليل الظني في نفسه تُوهنه الأمارات والقرائن الدالة على خلافه.
فإذا وجد طالب الحق دليلًا من تلك الدلائل، ثم نظر في أدلة الإجماع، ما أراه إلا سيرتاب في صحة ذلك الدليل. فإذا كان الأمر كذلك دل هذا على بطلان ذلك الدليل في نفسه؛ لأنه لو كان من الحق [ص ٣٦] لحفظه الله ﵎ حفظًا تقوم به الحجة، وتطمئن إليه النفس.
وعلى كل حال، فليس مقصودي هنا البتّ في هذه القضية، وإنما نبهت على ما قد يخفى. وعلى العالم أن ينظر لنفسه، ويحتاط لدينه، متضرعًا إلى مقلب القلوب سبحانه أن يثبِّت قلبه على دينه، ويهديه لما اختُلِف فيه من الحق بإذنه، والله المستعان، لا رب غيره.
السادس مما ذكروا أنه يفيد العلم من الأخبار: أن يخبر إنسان بخبر بحضرة قومٍ لو صدَّقوه حصل العلم بصحة الخبر، ولكنهم سكتوا، ولا حاملَ لهم على السكوت عن تكذبيه لو كان كاذبًا.
أقول: الشأن في قولهم "ولا حاملَ لهم"؛ فإذا فُرِض انتفاء كل حامل من الحوامل الممكنة قطعًا فذاك، ولكن هذا مما لا يكاد يتفق؛ فإن الحوامل كثيرة، منها: أن لا يكونوا علموا ــ أو جماعة منهم ــ صدقه ولا كذبه.
ومنها: أن يكون لهم ــ أو لمن عرف كذبه منهم ــ هوًى في إيهام صدقه.
ومنها: أن يخافوا ــ أو العارفون بكذبه منهم ــ من شره.
ومنها: أن يتهاونوا به؛ لأنهم يرون أن كذبه واضح.