← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 11341–11380 · переход к 11346.

стр. 11341

٤- إذا ضبط الجاني وجيء به إلى القاضي هل يقام عليه الحد فوراً.. لا.. إنه يدرأ ما كان هناك مخرج منه لقوله ﷺ : "ادرؤا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن كان له مخرج فخلوا سبيله. فإن الإمام إن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ فيالعقوبة " [٢١] . . فحين توجد أي شبهة، فمبدأ الإسلام هنا هو قول النبي ﷺ : "ادرؤوا الحدود بالشبهات" [٢٢] . ولذلك يقول عمر بن الخطاب: "لأن أعطل الحدود بالشبهات أحب إلى أن أقيمها بالشبهات" [٢٣] ، ولهذا لم يقطع عام الرمادة عندما انتشرت المجاعة [٢٤] ، ولم يقطع كذلك عندما سرق غلمان حاطب بن أبي بلتعة ناقة رجل من مزينة بعد أن تبين أن سيدهم يجيعهم، وغرم السيد ضعف ثمن الناقة تأديبا له [٢٥] . ولعل القصد من وراء الأخذ بمبدأ الشبهة التي تدرأ الحد هو التقليل من العقوبات ما أمكن. إذ القليل منها كاف في الزجر والتخويف [٢٦] . ومن أمثلة ذلك ما ذكره الفقهاء من أنه لا قطع إذا كان السارق والدا أو زوجا [٢٧] . أو كان في ظروف مجاعة. وبالنسبة للقذف قالوا لا حد بالتعريض [٢٨] ، وبالنسبة للزنا قالوا لا حد إذا لم يصرح الشهود أو المقر بالعبارات الدالة عليه من غير احتمال فإن الحد يقام [٢٩] كما جاء في كتاب المغني لابن قدامة أنه إذا ادعى أحد الجهل بفساد نكاح باطل قبل قوله؛ لأن عمر ﵁ قبل قول المدعي الجهل بتحريم النكاح في العدة، ولأن مثل هذا يجهل كثيرا ويخفى على غير أهل العلم [٣٠] فالتضييق في الحدود أمر محبب في الإسلام حتى يكون العقاب قليلا مانعا بدل أن يكون عاما جامعا. على أن الفقهاء وإن كانوا اتفقوا على أن الشبهات تدرأ الحدود، إلا أنهم لم يتفقوا على كل الشبهات، فما يراه البعض شبهة صالحة للدرء قد لا يراه الآخرون كذلك، وتلك أمور كلها من مصلحة المتهم، ومن أمثلة ذلك أن كل نكاح أجمع على بطلانه كنكاح الخامسة أو المتزوجة أو المعتدة أو المطلقة ثلاثا يدرأ

стр. 11342

فيه أبو حنيفة الحد ولو كان الجاني عالما بالتحريم لأن العقد في رأي أبي حنيفة شبهة والشبهة تدرأ الحد [٣١] ، ولا يرى مالك والشافعي وأحمد درء الحد في هذه الحالات؛ لأنهم لا يعتبرون العقد شبهة [٣٢] . ويجعل أبو حنيفة التفاهة شبهة في المال تدرأ الحد عن سارقه، ويرتب على ذلك ألا قطع في التراب والطين والتبن والحصى وأشباهها إلا إذا أخرجته الصنعة عن تفاهته كان القطع واجبا، ويخالف مالك والشافعي وأحمد مذهب أبي حنيفة، ولا يهون شبهة في تفاهة المال ما دام يبلغ النصاب [٣٣] . ولا يرى أبو حنيفة الحد في سرقة ما يتسارع إليه الفساد كالطعام والرطب والبقول واللحم ولا في سرقة باب المسجد لشبهة عدم تحريزه [٣٤] ، ويرى مالك والشافعي وأحمد القطع في كل هذا [٣٥] .

стр. 11343

٥- يوفر الإسلام الضمانات الكاملة والكافية لكل متهم، حتى لا يؤخذ بغير دليل ثابت ولذلك كان من المبادئ المقررة في الشريعة أنه لا يصح الحكم بالعقوبة إلا بعد التثبت من أن الجاني ارتكب جريمته، فإن كان هناك شك في ارتكاب الجاني لجريمته، ولم تتقرر بالنسبة له أدلة الإثبات وجب العفو عنه، وأصل ذلك المبدأ قول النبي ﷺ : "إن الإمام إن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة" [٣٦] . ومن جهة أخرى نجد أن أدلة الإثبات التي قررتها الشريعة في الحدود دقيقة قلما ثبتت إلا على محترفي الإجرام.. فهي في الزنا مثلا الإقرار أو أربعة شهود رجالا يقرون برؤية الفعل، فإذا لم يتكامل العدد أربعة وأصر واحد أو اثنان أو ثلاثة على قولهم اعتبر من أصر قاذفا ويحد حد القذف [٣٧] وذلك لقوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (سورة النور آية ٤) . وفى القذف بشهادة اثنين أو بالإقرار بعد الدعوى [٣٨] ، وفي السرقة الاعتداء على مال الغير المتقوم المحرز خفية...ِ الخ تلك الشروط. ولابد معها من الإقرار وشهادة اثنين [٣٩] . وفي الشرب مثل السرقة بالإقرار أو بشهادة اثنين [٤٠] . ومثل هذه الشروط لا تنطبق إلا على المصر المجاهر بمعصيته الذي تكررت منه حتى أمكن أن تقع منه علنا. ويضبط متلبسا بها، ومن حق المجتمع أن يحمي نفسه ممن لا يأبه بحرمة الله دون استثناء لأي اعتبار كان. ولذلك كان ﷺ يقيم حدود الله دون مجاملة، وقد رفض الشفاعة فيها من أعز أحبابه أسامه بن زيد وقال له: "أتشفع في حد من حدود الله، إنما هلك بنو إسرائيل أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، والذي نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها"

стр. 11344

[٤١] ، وعنه ﷺ قال: "من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره" [٤٢] . ٦- ذهب بعض العلماء إلى أن توبة الجاني تسقط الحد عنه وتكون سببا للتجاوز عنه وإخلاء سبيله. واستدل هؤلاء بقوله تعالى بعد آية المحاربة ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (سورة المائدة ٣٤) .. وحجتهم في ذلك أن القرآن نص على سقوط عقوبة المحارب بالتوبة، وجريمة الحرابة هي أشد الجرائم. فإذا دفعت التوبة عن المحارب عقوبته، كان من الأولى أن تدفع التوبة عقوبة ما دون الحرابة من الجرائم، وأنَّ القرآن لما جاء بعقوبة الزنا الأولى رتب على التوبة منع العقوبة، وذلك قوله تعالى ﴿وَالَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ (سورة النساء١٦) .. وذكر القرآن حدّ السارق وأتبعه بذكر التوبة في قوله تعالى ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ (سورة الأنفال ٣٨) .

стр. 11345

وقد أيد ابن القيم هذا الرأي ودافع عنه بقوله: "وأما اعتبار توبة المحارب قبل القدرة عليه دون غيره، فيقال أين في نصوص الشارع هذا التفريق، بل نصه على اعتبار توبة المحارب قبل القدرة عليه. إما من باب التنبيه على اعتبار توبة غيره بطريق الأولى. فإنه إذا دفعت توبته عنه حد حرابة مع شدة ضررها وتعديه. فلأن تدفع التوبة ما دون حد الحراب بطريق الأولى والأخرى. وقد قال الله تعالى ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (سورة الأنفال ٣٨) . وقال النبي ﷺ : "التائب من الذنب كمن لا ذنب له" [٤٣] والله تعالى جعل الحدود عقوبة لأرباب الجرائم ورفع العقوبة عن التائب شرعا وقدرا، فليس في شرع الله وقدره عقوبة تائب البتة، وفي الصحيحين من حديث أنس قال: كنت مع النبي ﷺ فجاء رجل وقال يا رسول الله: "إنما أصبت حدا فأقمه علي قال: ولم يسأله عنه فحضرت الصلاة فصلى مع النبي ﷺ ، فلما قضى النبي ﷺ الصلاة، قام إليه الرجل فقال: يا رسول الله إني أصبت حدا فأقم فيَّ كتاب الله قال: ليس قد صليت معنا، قال نعم، قال فإن الله تعالى قد غفر لك ذنبك". قال ابن القيم: "فهذا لما جاء تائبا بنفسه - من غير أن يطلب - غفر الله له، ولم يقم عليه الحد الذي اعترف به، وهو أحد القولين في المسألة، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وهو الصواب.. فإن قيل فماعز جاء تائبا، والغامدية جاءت تائبة وأقام عليهما الحد قيل لا ريب في ذلك، وبهما احتج أصحاب القول الآخر، وسألت شيخا عن ذلك فأجاب بما مضمونه أن الحد مطهر وأن التوبة مطهرة، وهما اختاروا التطهير بالحد على التطهير بمجرد التوبة وأبيا إلا أن يطهرا بالحد، فأجابهما النبي ﷺ إلى ذلك وأرشد إلى اختيار التطهير بالتوبة على التطهير بالحد، فقال في حق ماعز: "هلا تركتموه يتوب فيتوب الله

стр. 11346

عليه".. ولو تعين الحد بعد التوبة لما جاز تركه، بل الإمام مخير بين أن يتركه كما قال -لصاحب الحد الذي اعترف به-: "اذهب فقد غفر الله لك"، وبين أن يقيمه كما أقامه على ماعز والغامدية لما اختارا إقامة الحدّ وأبيا إلا التطهير به، ولذلك ردهما النبي ﷺ مرارا وهما يأبيان إلا إقامته عليهما ثم يقول: "وهذا المسلك وسط بين مسلك من يقول لا تجوز إقامته بعد التوبة البتة، وبين مسلك من يقول تجوز إقامته بعد التوبة. ومن مسلك من يقول لا أثر للتوبة في إسقاطه البتة، وإذا تأملت السنة رأيتها لا تدل إلا على هذا القول الوسط [٤٤] ، لكنه إذا أخذ بهذا الرأي الذي يسقط الحد بالتوبة. فإنه ينبغي أن يراعى ما يأتي: أ- أن يكون ذلك فيما يتعلق بحق الله تعالى كشرب الخمر مثلا ولا يكون مما يمس حق الأفراد، كالقتل أو الضرب، فلا بد في ذلك من عفو أصحابهما. ب- أن تكون تلك التوبة عن الجريمة الأولى، فإذا عاد إلى انحرافه مرة أخرى وضبط وادعى التوبة، فينبغي أن يعاد النظر في قبول توبته حتى لا يتعطل القضاء، أو يستهين بحدود الله تعالى، فقد يكون كاذبا قد خدع القضاء بها أولا فلا يخدعه ثانياً؛ لأن فعله هذا يثبت أن التوبة الأولى لم تكن صحيحة. لأن شرط التوبة الصحيحة، التي تقبل الغفران ألا يقع الشخص في الفعل الذي تاب منه مرة أخرى، ولا شك أن الثانية من نوع الأولى ولا فرق بينهما، ثم إن النفس إذا تمرست بالمعصية أحاطت بها واستولت عليها، ولذلك قال الله تعالى ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ . (سورة البقرة ٨١) [٤٥] .

стр. 11347

٧- كثير من هذه العقوبات منصوص عليها في التوراة. وصدق عليها الإنجيل لأن ما لا نص عليه في الإنجيل بالمنع أو الإباحة تتبع به نصوص التوراة، لأن عيسى ﵇ قال: "ما جئت لألغي الناموس بل جئت لأحيي الناموس". ويقول الله في هذا الشأن ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ، وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ (سورة المائدة ٤٦٠٤٥) .. ويقول ﵊: "إنما أهلك من كان قبلكم أنه كان إذا سرق منهم الشريف تركوه وإذا سرق منهم الضعيف أقاموا عليه الحد" [٤٦] . وفي سفري الخروج [٤٧] والتثنية [٤٨] أمثلة على عقوبات القتل والغدر والضرب وسائر أنواع القصاص [٤٩] ، فالذي يهاجم الإسلام من الأوربيين في تشريع العقوبات فهو يهاجم الأديان السابقة كذلك. على أنه إذا كان اليهود والمسيحيون قد تركوا تلك الأحكام واستغنوا عنها فنحن المسلمين ليس عندنا استعداد لترك ديننا، والتخلي عن شريعتنا، لأننا لا نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض.

стр. 11348

٨- إذا تعلل بعض الرقعاء بأن الحدود لا تناسب أذواق العصر ومداركه؛ لأنها وضعت لنفوس قاسية غير مدركة، أما الآن فقد أرهفت الأحاسيس، وعلت المدارك فلا سبيل إلى مثل هذه العقوبات، قلنا لهم: مصداق هذا الادعاء ألا توجد أسبابه، فلا توجد السرقة التي أوجبت عقوبتها، ولا يوجد الزنا الذي أوجب عقوبته..وهكذا.. ولكن الجرائم مازالت قائمة، وقد تعددت أسبابها، وتفتحت أبوابها، وتفننت العقول في طرائقها، وتصفح أي جريدة في أي بلد في العالم تجدها لا تخلو من جرائم السرقة والقتل والنصب والاختلاس. حتى صار الشخص لا يأمن على نفسه وماله في كثير من بلدان العالم. ولقد نشرت جريدة الأخبار القاهرية منذ سبع سنوات ما يلي: -نقلا عن وكالات الأنباء- قتل المجرمون في الولايات المتحدة أكثر من عشرين ألف شخص خلال عام ١٩٧٣م، وسرق اللصوص ممتلكات وأشياء تزيد قيمتها على ألفين وستمائة مليون دولار، وذلك بعد أن زادت موجة الجريمة خلال سنة ١٩٧٤ بنسبة ١٨% عن العام الأسبق. وذكر تقرير مكتب التحقيقات الفيدرالية في عام ١٩٧٤ أن عشرة ملايين ومائة ألف جريمة خطيرة وقعت في الولايات المتحدة، وذلك بزيادة مليون ونصف مليون جريمة عن عام ١٩٧٣، وكان ثلث الذين اعتقلوا لارتكاب الجرائم الخطيرة من الشباب المراهق تحت العشرين [٥٠] .. ومثل ذلك كثير في البلدان التي لا تقيم حدود الله، فكثرة أسباب العقوبة دليل على شدة الحاجة إلى الحدود والعقوبات ودليل على أنَّ النفوس لم تسم عن نفوس السابقين، وإن ارتفعت في مجال العقل والفكر، لأن العقل وحده لا يكفى، بل لا بد له من خلق كريم يسيره، وهداية إلهية تهديه سواء السبيل. وإذا بدا للبعض أن العقوبات شديدة موجعة، فذلك شأن العقوبة دائما، فاسمها مشتق من العقاب، ولا يكون العقاب عقابا إذا كان موسوما بالرخاوة والضعف، بل يكون لعبا وعبثا. أو شيئا قريبا من هذا [٥١] .

стр. 11349

أما العقوبات فشأنها أن تكون رادعة بحيث تكف عن الجريمة قبل وقوعها، فإذا وقعت كانت كفيلة بتأديب الجاني وزجر غيره، وإلا ما حققت المقصود منها؛ يقول أحد الفقهاء عن العقوبات: "إنها موانع قبل الفعل زواجر بعده" [٥٢] أي العلم بشرعيتها يمنع الأقدام على الفعل، وإيقاعها بعده يمنع العود إليه، ثم أن عدم الردع في العقوبات الحاضرة دليل على الحاجة إلى العقوبات السماوية، وإذا كان السجن الآن هو أبرز العقوبات على مخالفات العصر، أو هو العقوبة الأساسية التي يعاقب بها في كل الجرائم بسيطة كانت أوْ خطيرة فهل ترى ذلك أغنى شيئا؟. إن الجرائم لم تقلّ، بل هي في ازدياد مستمر.. كما تدل على ذلك سجلات المحاكم وملفات المحامينِ، وفوق أن السجن لم يقض على الجريمة، ولم يوقف نشاطها فإن العلاج به فيه كثير من العيوب نشير إلى بعضها: ١- تكليف الدولة كثير من النفقات والأموال الباهظة التي لا بد من رصدها للإنفاق على نزلاء السجون، وموظفيها وعمالها، زيادة على تكاليف بنائها وإنشائها، وكم يرصد من أجل ذلك من أموال. إن ميزانية السجون بين الميزانيات الضخمة التي يدفعها المجتمع وهو في حاجة إليها دون فائدة أو جدوى، ذلك أنك تسأل هل استطاعت السجون المسماة بدُور الإصلاح والتقويم أن تقوم بهذا الغرض فعلا من حيث علاج المجرم والقضاء على الجريمة. إن الواقع يؤكد عكس هذا، فإن الحبس لا يمنع المجرم من مزاولة هوايته إلا مدة لحبس فقط، ثم يعود بعده سيرته الأولى كأعتى ما يكون، لأنه يعيش بين قوم ألفوا الإجرام واعتادوه، فيخرج من سجنه وقد أصبح أستاذا في الجريمة بعد أن أخذ قواعدها من مدرسة الجريمة، ولذلك فانه قد يكون في الحبس بعض من لم يتمرس على الجريمة لأنه ليس مجرما حقيقيا. ولكنه باختلاطه مع زملائه، وتبادل المعلومات والخبرات معهم يخرج وقد أصبح خبيرا متخصصا.

стр. 11350

٢- يحول السجن بين اللصوص وبين العمل خلال فترة السجن، وغالبا ما يكونون أصحاب قدرة ونشاط، وفي ذلك تعطيل للمواهب والقدرات، وكان من الممكن- لو أنهم عوقبوا بعقوبة أخرى غير الحبس تكفي لتأديبهم، كان من الممكن أن يستغلوا جهدهم المعطل في العمل فيستفيدوا ويفيدوا مجتمعهم. ٣- كثيرا ما يعود السجن على السجين بالضرر البالغ في صحته وجسده نظرا للازدحام الموجود فيه، وعدم الرعاية الصحية والنظافة الكاملة، ولذلك فالسجن غالبا ما يكون وسيلة لنقل الأمراض ونشرها بين المسجونين، وسببا لإفساد أخلاقهم. ٤- السجن فيه إهدار لانسانية الإنسان، لأن السجين ينادى عليه هناك برقمه لا باسمه وفي ذلك إلغاء لشخصية الإنسان وذاته، وإشعاره بالإهانة وعدم الكرامة، ومن شعر بفقد كرامته وانحطاط إنسانيته هانت عليه كثيرا من الجرائم. ٥- في مدة حبس السارق تكون النتيجة اضطراب أسرته، وعدم استقرارها وفي ذلك من تيسير الانحراف وطرق الإجرام ما فيه. ٦- بعد أن يخرج السارق من السجن نجده محكوما عليه بالموت الأدبي إن لم يكن المادي أيضا- وذلك لأن الجمهور ينبذه ولا يفتح له صدره أو ييسر له طريقا لاستئناف حياة نظيفة. وقد يضطره ذلك إلى أن يزاول الإجرام من جديد، وبصورة فيها تصميم على الانتقام، فيمرن عليه ويتشبع بدمه ويصبح عنده حرفة وعادة. وكثيرا ما قرأنا في الصحف عن أشخاص خرجوا من السجن، ولما نووا الاستقامة، أخذوا يبحثون عن عمل شريف فأوصد المجتمع في وجوههم أبوابه، ووصمهم بعار الانحراف والخيانة، ولذلك كانوا يناشدون المجتمع في حياة أنقى، وسيرة أطهر. وبعد.. فلقد أخفقت عقوبة الحبس في تأديب المجرمين، كما أخفقت سائر القوانين الوضعية في تنظيف المجتمع من الانحرافات والسوءات، فهل لنا أن نعود إلى طريق الكمال

стр. 11351

والطهر والعفاف.. إلى شرع الله.. ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (سورة الأحقاف ٣١، ٣٣) . جريمة قتل كل ٢٢ دقيقة في أمريكا ... كشفت وزارة العدل للولايات المتحدة الأمريكية في تقرير صدر أخيراً أن سير الجرائم في الولايات المتحدة قد ازداد بنسبة تسعة في المائة بالنسبة للعام السابق. وبنسبة خمسة وخمسين في المائة خلال اثنتي عشرة سنة أخيرة. وطبقاً للتقرير تقع كل جريمة وعمل عنيف كل ٣٤ دقيقة. وجريمة قتل كل ٢٣ دقيقة، وانتهاك حرمة كل ٦ دقائق وكشفت الإحصائيات الرسمية أن عدد القتلى بلغ إلى ٣٣ ألف و ٥٤٤ وأكثرهم تتراوح أعمارهم بين عشرين وتسعة وعشرين عاماً. الرائد الهندية -------------------------------------------------------------------------------- [١] التشريع الجنائي الإسلامي. عبد القادر عودة جـ١/٧٩. [٢] ذهب البعض إلى أن الحدّ يطلق على عقوبة مقدرة بتقدير الشارع سواء كان جريمة الاعتداء فيها على حقوق الله. أم كان الاعتداء فيها على حقوق العباد. انظر فتح القدير جـ٥ /٤ط دار إحياء التراث العربي بيروت. وكتاب العقوبة للشيخ محمد أبو زهرة ص٧٠ ط١٩٧٤ [٣] التشريع الجنائي الإسلامي. عبد القادر عودة جـ١/٢٤٥ ط دار الكتاب العربي- لبنان. [٤] مواهب الجليل جـ٢/٢٦٨ عن المرجع السابق. [٥] انظر كتاب الإسلام والطب الحديث د/عبد العزيز إسماعيل. [٦] مقاصد الشريعة الإسلامية ط الرباط سنة ١٩٦٣ ص ٢٤٩

стр. 11352

[٧] التشريع الجنائي جـ١/٦٨٨ نقلا عن طريق الحكيمة لابن القيم /١٠٦ الحسبة لابن تيمية/٥٨ حاشية ابن عابدين ٤/٦٤٧.على أن الشافعية ومعظم المالكية لا يبيحون القتل تعزيرا ويفضلون أن يحبس الجاني الذي يستضر بجريمة إلى غير أمد لكف شره عن الجماعة ويؤيدهم في هذا الاتجاه بعض الحنابلة (انظر المرجع السابق) . [٨] إعلام الموقعين جـ٢/٨٣.٨٢. [٩] ابن ماجة-باب إقامة الحدود. [١٠] رواه الخمسة واللفظ للترميذي انظر التاج ٣/٢٥ [١١] رواه الخمسة، انظر التاج جـ٣/٢٧. [١٢] ابن ماجة، باب الحد كفارة. [١٣] العقوبة في الفقه الإسلامي جـ٢/٢٦٥ [١٤] ابن ماجة، باب الحد كفارة. [١٥] إعلام الموقعين ٢/٨٣. [١٦] الحاكم والبيهقي: تنظر جمع الجوامع ٤٧٢ [١٧] رواه البيهقي ٨/٣٣٠ والحاكم ٤/٢٤٤. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة جـ/٢٧٢. [١٨] ابن ماجة باب الحدود. [١٩] أبو داود باب الحدود. [٢٠] العقوبة في فقه الإسلامي، محمد أبو زهرة ٢١٩. [٢١] الترميذي، باب الحدود. [٢٢] البيهقي والدارقطني. انظر فيض القدير جـ١/٢٢٨. [٢٣] التشريع الحنائي جـ١/٢٠٨. [٢٤] العقوبة في فقه الإسلامي ص٢٥٩ دار الفكر. [٢٥] حقائق الإسلام وأباطيل خصومه ص ٢٦٥ ط دار الهلال. [٢٦] لا ينكر قاعدة درء الحدود بالشبهات إلا أهل الظاهر الذين لا يسلون بصحة ما ورد عن الرسول والصحابة في هذا المجال (انظر فتح القدير ٤/١٣٩.) [٢٧] العقوبة في فقه الإسلامي ٢٢٦. [٢٨] العقوبة في فقه الإسلامي ٢٥٩. [٢٩] العقوبة في فقه الإسلامي ٢٤٢. [٣٠] التشريع الجنائي جـ١/٢١٠ عن فتح القدير ٤/١٤٨.١٤٣. [٣١] المرجع السابق ٢٣٢. [٣٢] المرجع السابق عن شرح الزرقاني جـ٨/٧٧.٧٦ وأسني المطلب جـ٤/١٢٧.

стр. 11353

[٣٣] المرجع السابق نقلا عن فتح القدير ٤/١٤٨،وبدائع الصنائع جـ٧/٦٨.٦٧. [٣٤] المرجع السابق عن فتح القدير ٤/٢٣٠. [٣٥] المرجع السابق عن شرح الزرقاني ٨/٩٩ وأسني المطالب ٤/١٤٠. [٣٦] الترمذي، باب الحدود. [٣٧] المغني جـ١٠/٧٢ ط أولى سنة ١٣٨٩. والجريمة في الفقه الإسلامي ٧٨ وذكر المغني عن الشافعي في المسألة قولين أحدهما لأحد عليهم. [٣٨] الجريمة في الفقه الإسلامي ٨٣. [٣٩] المرجع السابق ٨١. [٤٠] المرجع السابق. [٤١] رواه الخمسة، انظر أبواب الحدود. [٤٢] مجمع الزوائد جـ٦/٢٥٩ط ثالثة. [٤٣] ابن ماجة في الزهد. والبيهقي في شعب الإيمان. [٤٤] إعلام الموقعين جـ٢/٦٤ ط دار الكتب الحديثة سنة١٣٨٩. [٤٥] انظر العقوبة في الفقه الإسلامي ٢٧٦. [٤٦] رواه الخمسة، انظر أبواب الحدود. [٤٧] الإصحاح ٣٥.٢١. [٤٨] الإصحاح ٩. [٤٩] لا نذكر هذه الشواهد على أنها صحيحة لأن فيها أمورا تخالف النقل والعقل مثل من شتم أباه أو أمه يقتل. كما لا نذكرها على أنها التوراة الحقيقة، وإنما لنلطم به وجه الذين يطعنون في عقوبات الإسلام وثبت لهم وللأروبيين أن القصاص وكثيراً من عقوبات موجود في الكتب السابقة. [٥٠] جريدة الأخبار ١٨/١١/١٩٧٥-ص٢. [٥١] التشريع الجنائي جـ١/٥٦٤ فقرة ٤٦٢. [٥٢] المرجع السابق نقلا عن شرح فتح القدير ٤/١١٢.

стр. 11354

العدد ٥٢ فهرس المحتويات ١- نعمة يحب أن تشكر..: للدكتور أحمد عطية الغامدي ٢- لا خيرة للمؤمن إذا قضى الله ورسوله: الشيخ أبو بكر الجزائري ٣- كشفُ السُتور في نهي النساء عن زيارة القبور: للشيخ حماد الأنصاري ٤- مفهوم الأسماء والصفات: لفضيلة الشيخ سعد ندا ٥- فضل صيام رمضان وقيامه مع بيان أحكام مهمة قد تخفى على بعض الناس: لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٦- رخصة الفطر في سفر رمضان وَما يترتب عليها من الآثار: للدكتور أحمد طه ريان ٧- فريضة الحج وجواز النيابة فيها: للدكتور محمد عبد المقصود جاب الله ٨- الرق في الجاهلية والإسلام: للشيخ إبراهيم محمد حسن الجمل ٩- دراسات في أصول الفقه تدرج علم الأصول عبر الأجيال والعصور: للدكتور علي أحمد محمد باكر ١٠- إنما المؤمنون إخوة: لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ١١- أساليب الدعوة إلى الله تعالى في القرآن الكريم: الدكتور أبو المجد سيد نوفل ١٢- التربية الإسلامية ومراحل النّمو: للدكتور عباس محجوب ١٣- حقوق الإنسان في الإسلام (٣) : الشيخ عبد الفتاح عشماوي ١٤- نماذج أخرى من الدعاة الصالحين علي بن أبي طالب ﵁: للشيخ أبو بكر الجزائري ١٥- قوة العقيدة سبيل النصر في غزوة بدر الكبرى (٣) : د. محمد عبد المقصود جاب الله ١٦- جيش العسرة يحمي المدينة... ويؤَمِّن حدود الجزيرة: للدكتور عبد العظيم حامد خطاب ١٧- من أعلام الدعوة الإسلامية في الهند: الشيخ زين العابدين بن علي المعبري المليباري ١٨- لماذا أسلم هؤلاء..؟ عرفت الإسلام بالمراسلة ثم هربت إلى بلد إسلامي لتعلن إسلامها ١٩- رسائل لم يحملها البريد: الشيخ عبد الرءوف اللبدي ٢٠- حول الشعر التعليمي (١) : للدكتور صالح آدم بيلو ٢١- الرّاغب الأصفهاني وجهوده في اللّغة: للدكتور عمر عبد الرحمن السّاريسي ٢٢- صفحة لغة - قل..ولا تقل: للشيخ ضياء الدين الصابوني ٢٣- برهان الحق في الخلق (٢) : د. عز الدين علي السيد شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن (٢) : للشيخ يوسف الهمذاني الشافعي ٢٥- أنا الكنز والمجد: لشاعر العربية في إندونيسيا الشيخ عبد الله نوح ٢٦- ذكريات من المدينة: للشيخ عبد الحميد عباس ٢٧- في المشارق والمغارب جنوب شرقي آسيا (١) : الشيخ عبد الله بن أحمد قادري ٢٨- إلى الذين يبثون الألغام في طريق الإسلام: للشيخ محمد المجذوب ٢٩- كتاب في رؤية الله ﵎ (٢) : تأليف: أبي عبد الرحمن بن عمر بن محمد، تحقيق وتخريج الشيخ محفوظ الرحمن بن زين الله السلفي ٣٠- فتاوى شرعية: لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ٣١- نظرة إسلامية إلى البحث والكشف والابتكار (١) : للدكتور أبو الوفاء عبد الآخر ٣٢- الكتاب: دور الدول الاشتراكية في تكوين إسرائيل: الدكتور إبراهيم الشرقي ٣٣- مراكز تقدمية: من كتاب (مشكلات الجيل في ضوء الإسلام) ٣٤- في ندوة الإسلام في كوريا: سمو الأمير نايف ينجح في التوسط لدى الحكومة الكورية بإنشاء جامعة إسلامية ٣٥- الأمي الذي أصبح دكتوراً - ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ ٣٦- تعليقات وتحليلات: للشيخ محمود محمد سالم ٣٧- أخبار الجامعة عمادة البحث العلمي - جميع الحقوق محفوظة ١٤٢٣ هـ / ٢٠٠٢ م

стр. 11355

نعمة يحب أن تشكر.. للدكتور أحمد عطية الغامدي عميد كلية الدعوة وأصول الدين الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على رسوله الأمين نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحابته أجمعين؛ أما بعد: فإن نعم الله علينا كثيرة لا تحصى، إلا أن أجلها نعمة الإسلام الذي ختم الله ﵎ به الأديان، ولذلك كان رسوله ﷺ مبعوثاً إلى الناس كافة، وكان غيره من الرسل يبعث إلى قومه خاصة. وإذا كان الإسلام للبشرية كلها إذ لا دين يقبل من أهله بعده سواه، فإن عمومه يقتضي صلاحه لجميع البشر في جميع الأماكن والأزمان، وقد أودع الله فيه من الخصائص العظيمة التي انفرد بها عما سواه من الأديان الأخرى ما جعل الفطر السليمة ترتاح إليه فتعتنقه عن قناعة تامة لأنه هو الدين الحق الذي تجد فيه النفوس ما تنشده من الهدى، إذ كتابه ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ وقد وعد الله بحفظه فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ .وإذا كان الله تعالى قد رضي الإسلام لنا دينا، فإنه- سبحانه- قد أوضح أركانه التي لا يقوم بغيرها، وأصبحت معرفة هذه الأركان من الأمور البديهية التي لا تخفى على أي مسلم مهما كان.

стр. 11356

إلا أن الأمر الذي قد يخفى على كثير من المسلمين هو ما يجب تصوره عن حقيقة تلك الأركان، فهي ليست مجرد أفعال تقوم الجوارح بأدائها، بل إن الشهادة ليست قولاً أجوف ينطق به اللسان فحسب، والصلاة ليست مجرد أفعال وحركات يمارسها المصلي في اليوم خمس مرات، والزكاة ليست مجرد اقتطاع جزء من المال لأدائه إلى فئة معينة، والصوم ليس تحسساً لمضايقات الجوع والعطش، والحج ليس مجرد تحمل لمشاق السفر من أجل طواف بالبيت أو التنقل بين المشاعر المقدسة. ليست هذه الأركان أفعالاً جوفاء خالية من المعاني السامية والحكم العظيمة التي ينبغي للمسلم أن يستشعرها حالة أدائه لها، ولا يهمنا هنا الحديث عن هذه المعاني لتلك الأركان جميعها بل من المناسب- وهذا العدد يصدر في فترة الحج- أن نذكر بأن هذا الركن الذي هو الخامس من أركان الإسلام قد فرضه الله ﵎ على كل من استطاع إليه سبيلا من أبناء هذه الأمة لحكم عظيمة أرادها، علمنا منها ما علمنا وخفي علينا الكثير. فالمسلمون حينما يتجهون إلى قبلتهم تلبية لنداء الله تعالى لأبينا إبراهيم الخليل ﵇ إذ أمره بقوله سبحانه: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ , واستجابة لأمر الله القائل ﴿عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ فإنهم بذلك يحصدون من المكاسب العظيمة ما ينفعهم في الحياة الدنيا، ومن الثواب الكبير ما تقر به أعينهم في الآخرة. وإذا كانت المكاسب الدنيوية المباحة ثمرة من ثمار الحج، فإن الحج المبرور الذي وعد صاحبه بالجنة في قوله ﵊: " الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" أعظم ثمرة يجنيها الإنسان ليتزود بها من دار الممر إلى دار المقر, حيث لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، إلا أن لتحقق هذه الثمرة المرجوة من الحج شروطا حتمية

стр. 11357

ذكر الله ﵎ أبرزها حين قال سبحانه ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجّ﴾ وإن المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها الذين أكرمهم الله بأن وفقهم لأداء هذه الفريضة ليشعرون بالغبطة والسرور حينما يجدون أنفسهم في حشد بشري هائل، تتوفرله كل سبل الراحة والأمن والاطمئنان، ولذلك وجب عليهم شكر الله ﵎ على هذه النعمة التي لا تعدلها نعمة، فإن الأمن في عصرنا الحاضر يكاد يكون مفقوداً في أرقى دول العالم التي استطاعت أن تبتكر من الوسائل التي تحاول بها التخلص من الجريمة وتثبيت الأمن ما لم يتوفر لمجتمع على مر التاريخ البشري، ومع ذلك عجزت عن تحقيق مفهوم الأمن فيه مجتمعاتها، فقد استشرت الجريمة وانتشر الفساد ودخل الرعب إلى كل قلب، ناهيك عن الدول التي تفتقر لمثل هذه الوسائل فلم تحصل منها إلا على ما مكنتها منه مواردها وطاقاتها المحدودة، فإنها لم تستطع ولن تستطيع أن توفر لمجتمعاتها ما تبحث عنه من أمن وراحة بال، وما ذلك إلا لأن هذه وتلك إنما تعتمد على ما شرعته لها قوانينها البشرية القاصرة. أما المجتمع الإسلامي الذي تعتبر المملكة العربية السعودية أسمىمثل له في عصرنا الحاضر، فإنه- بفضل الله- قد تحقق له من الأمن ما عجز الآخرون عن تحقيقه رغم وفرة الوسائل العلمية الحديثة وكثرة التشريعات. وسبب هذا الأمن الوارف المكين ما اعتمدته حكومة هذه البلاد منذ أول أيامها على يد جلالة الملك عبد العزيز- ﵀ مؤسس الدولة السعودية الحديثة من إلزام نفسها بتطبيق شريعة الله، والسير على هداها، والذود عن حياضها، فكان ثمرة ذلك العز والنصر والتمكين، فلا أمن يعدل أَمنها الذي ينعم به شعبها في هذا العصر الهائج المائج المضطرب، كما أن كل وافد إلى هذه البلاد ينعم بهذا الأمن ويجد فيه ضالته التي طالما نشدها.

стр. 11358

وإن من أبرز مظاهر الأمن الذي أنعم الله به على هذه البلاد ما نشهده كل عام من أداء ملايين الحجاج لفريضتهم بيسر واطمئنان بعد أن كانوا في أَحقاب تاريخية سالفة يغادرون أهليهم مودعين وداع اليائس من الرجوع، وذلك لأن النهب والسلب والقتل كان شبحاً يهدد حياة كل حاج وهو في طريقه إلى بيت الله الحرام وحين عودته إلى أهله أما اليوم فليهنأوا وليطمئنوا، فإن الله تعالى قد هيأ لهذه البلاد المقدسة حكومة مسلمة تحكم شرع الله وتربط مصالح المسلمين في إطار هذه الشريعة الغراء، وقد قامت بواجبها إزاء حجاج بيت الله الحرام خير قيام، فكان الأمن وكان اليسر وكان الرخاء. إلا أن مما يجب الإشارة إليه أن أعداء الإسلام حريصون كل الحرص على النيل من هذه البلاد وهي حصن الإسلام الحصين، إلا أن كيدهم يعود دائماً إلى نحورهم ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ . وليس بعيداً عنا ما حدث خلال موسم حج هذا العام من محاولة يائسة لتعكير صفو الأمن السائد بين الحجيج، والتي تتمثل فيما قامت به زمرة ضالة مسخرة من قبل مطايا الصهيونية المعاصرة، أحفاد السبئية الحاقدة، التي لا تخفى مواقفها من الإسلام والمسلمين على مر التاريخ. إلا أن الله ﵎ خيب مقاصدهم لأن الحق دائما مؤيد بتأييد الله، وستبقى حكومة هذه البلاد إن شاء الله غصة في نحور أعداء الإسلام، وحامياً أميناً لمقدسات المسلمين، ومحكماً عادلاً لشريعة الله وبذلك سيظل الأمن مسيطراً، والرخاء سائداً، وراية الإسلام مرفوعة بإذن الله, أما أعداء الإسلام فسيجرون أذيال الخيبة والخذلان. والله نسأل أن يحفظ علينا ديننا الذي هو عصمة أمرنا, وأن يديم علينا ما نحن فيه من أمن ورخاء، وأن يعيننا على شكر نعمه، إنه نعم المولى ونعم النصير.

стр. 11359

إنما المؤمنون إخوة لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رئيس إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد فيما يلي نصيحة عامة لرؤساء الدول الإسلامية وعامة المسلمين: الحمد لله رب العالمية والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد: فقد اقتضت حكمة الله أن يبتلي عباده بالخير والشر والصحة والمرض والفقر والغنى والقوة والضعف لينظر كيف يعملون وهل يكونون مطيعين له في حال الرخاء والشدة قائمين بحقوقه سبحانه في كل الأوقات والأحوال قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ وقال : ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ. وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ إذا علم هذا فإن الله سبحانه يختبر العباد ويمتحن شكرهم وصبرهم لينالوا الجزاء منه كل حسب حاله وما صدر منه فالواجب على المسلم إذا أنعم الله عليه بنعمة المال أن يتذكر أخاه الفقير فيواسيه من ماله ويعينه على تحمل أعباء الحياة ويؤدي حق الله الواجب في المال وأن يتذكر دائما قوله : ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ وإذا كان المسلم معافى في بدنه قويا في جسمه فينبغي له أن يتذكر إخوانه وجيرانه المرضى والضعفاء العاجزين فيعينهم على قضاء حوائجهم ويبذل ما يستطيع لتخفيف وطأة المرض عليهم. ومثل ذلك إذا كان قويا في علمه فعليه أن ينفع عباد الله المسلمين الذين حرموا نعمة العلم فيرشدهم إلى ما ينفعهم

стр. 11360

في أمور دينهم ودنياهم ويعلمهم ما أوجب الله عليهم، كما أن على المسلم الفقير أو المريض العاجز أن يصبر على ما أصابه ويرجو الفضل من عند الله سبحانه ويجتهد في فعل الأسباب المباحة التي يكشف الله بها ما أصابه وليتذكر الجميع قول الرب سبحانه ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ وما يقال بالنسبة للأفراد يقال بالنسبة للأمم المسلمة إذ يجب على الأمة القوية في مالها أو رجالها أو سلاحها أو علومها أن تمد الأمد المستضعفة وأن تعينها على الحفاظ على نفسها ودينها وتمنع عنها الذئاب من حولها المتسلطة عليها وأن تؤتيها من مال الله الذي أتاها فهذا هو مقتضى الأخوة الإسلامية التي عقدها الرب سبحانه بين المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها إذ يقول جل شأنه ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ .

стр. 11361

فيا أيها الزعماء والقادة ويا أيها المسلمون في كل مكان أدعوكم إلى تطبيق مقتضى الآية الكريمة والعمل على إقامة الأخوة الحقيقية بين كل المسلمين على اختلاف أجناسهم وألوانهم وألسنتهم وأن يكون المسلمون يدا على من سواهم واعلموا وفقكم الله أن وسائل الابتلاء في هذا العصر أكثر منها في العصور الخالية ذلك أن الله سبحانه أفاض أنواعا من النعم على طوائف من المسلمين وابتلى طوائف أخرى بالفقر والجهل وتسلط الأعداء من اليهود والنصارى والشيوعيين وغيرهم، وابتلى الناس بمخترعات جديدة وآلات حديثة يسرت اطلاع بعضهم على أحوال بعض واتصالهم فيما بينهم وجعلتهم أعظم مسؤولية وأكثر قدرة على النصر ومد يد العون إذا هم أرادوا ذلك. فالمسلمون اليوم يسمعون أو يرون ما يحل بإخوانهم في الفلبين وأفغانستان وأريتيريا والحبشة وفلسطين وبلدان أخرى كثيرة، بل إن هناك أقليات مسلمة في دول شيوعية كافرة والمسلمون قد فرطوا في حقها ولم يقوموا بما يجب من نصرتها وتأييدها وإعانتها والرسول ﷺ يقول: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا أشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر" ويقول ﷺ : "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا وشبك بين أصابعه" وقال ﷺ : "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة", وقال أيضا ﵊: "من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه" وهذه الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن رسول الله ﷺ توضح ما يجب أن يكون عليه

стр. 11362

المسلمون من التعاون والشعور بحاجة بعضهم إلى بعض. ولقد قرر العلماء ﵏ أنه لو أصيبت امرأة مسلمة في المغرب بضيم لوجب على أهل المشرق من المسلمين نصرتها فكيف والقتل والتشريد والظلم والعدوان والإعتقالات بغير حق كل ذلك يقع بالمئات من المسلمين فلا يتحرك لهم إخوانهم ولا ينصرونهم إلا ما شاء الله من ذلك فالواجب على الدول الإسلامية والأفراد من ذوي الغنى والثروة أن ينظروا نظرة عطوف ورحمة إلى إخوانهم المستضعفين ويعينونهم بواسطة سفراء الدول الإسلامية الموثوق بهم أو بواسطة الوفود التي يجب أن ترسل بين حين وآخر باسم الدول الإسلامية لتفقد أحوال المسلمين في تلك الدول الإسلامية أو الأقليات المسلمة في الدول الأخرى، وإذا كانت الأمم النصرانية واليهودية والشيوعية وغيرها من الأمم الكافرة قد تحفظ حقوق أي فرد ينتسب إليها ولو كان يقيم في دولة أخرى بعيدة عنها وتصدر الاحتجاجات وترسل الوعيد والتهديد أحيانا إذا لحق بواحد منهم ضرر ولو كان مفسدا في الدولة التي يقيم في أراضيها فكيف يسكت المسلمون اليوم على ما يحل بإخوانهم كحروب الإبادة وضروب العذاب والنكال في أماكن كثيرة من هذا العالم؟ ولتعلم كل طائفة وأمة لا تخف لنصرة أختها بأنه يوشك أن تصاب هي بمثل ذلك البلاء الذي تسمع به أو تراه يقطع أوصال أولئك المسلمين فلا تجد من ينصرها أو يعمل على رفع الظلم والعذاب عنها فالله سبحانه المستعان وهو المسؤول بأن يوقظ قلوب العباد لطاعته وأن يهدي ولاة أمور المسلمين وعامتهم إلى أن يكونوا يدا واحدة وصرحا متراصا للقيام بأوامر الله والعمل بكتابه وسنة رسوله ونصرة المسلمين ومحاربة الظالمين المعتدين عملا بقول الله سبحانه ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ. الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ

стр. 11363

الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وأتباعه بإحسان. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. التبشير في إندونيسية..!! عدد الكنائس البروتستانتية في إندونيسية يبلغ أكثر من ٩٣١٩ أما القسيسين فعددهم ٢٣٩٧٠ بينما يبلغ عدد المبشرين المتفرغين ٤ ٥٠ ٦. وللمبشرين سفن وطائرات تنتقل بين ٣٠٠٠ جزيرة تمثل جمهورية إندونيسية. في منطقة كلمنتان الغربية ١٧ مطارا للمبشرين. (النور المغربية)

стр. 11364

أساليب الدعوة إلى الله تعالى في القرآن الكريم الدكتور أبو المجد سيد نوفل أستاذ بجامعة الأزهر ٨- العقيدة في أساليب المحاورة والمحاججة: والمحاورة: مصدر حاور. وأصله: حار، أي رجع، ويحاوره يرا جعه. وهى أسلوب يقتضى وجود طرفين أو أكثر يدور كلام بينهم في صورة حوار يقصد من ورائه الحكم على أمر ما إيجابا أو سلباً وهى طريقة من طرق توضيح المعنى وتثبيته، وهى تتميز بجذب انتباه السامع أو القاريء نحو الموضوع الذي تتحدد معانيه، وتنكشف أبعاده بطريقة تقوم على السؤال والجواب , والأخذ والرد، والاعتراض والمراجعة ولا يخفى مافي ذلك من عناصر الجذب والمتابعة والتشويق التى تساعد على إدراك الحقيقة العلمية إدراكا واضحا لا خفاء فيه. والمحاججة: نوع من المحاورة، وهى تتميز بوجود عنصر الإلزام والافحام، واضحا بارزاً بينما يكثر في المحاورة أسلوب العرض والوصفِ.. وقال العلماء: إت المحاجة أسلوب قدم الله فيه مخاطباته مع مخلوقاته في أجلى صور ليفهم العامة من جليها ما يقنعهم وتلزمهم الحجة، ويفهم الخواص من أثنائها ما يرمي على ما أدركه فهم الخطباء وقد اتخذ الأنبياء والمرسلون، والأئمة الهداة.. هذه الأساليب كثيرا في دعوتهم الناس إلى العقيدة والإ يمان بالله سبحانه تعالى. ولقد عرض القرآن الكريم الكثير من هذين اللونين لاشتمالهما على ما ينشط الذهن ويهيء الفكر للوقوف على الحقيقة والإيمان بالحق.

стр. 11365

ومن المحاورة ما ورد في القرآن الكريم بين الله تعالى وبين ملائكته وبين آدم ... وفيه بين الله هذه الحقائق العقائدية، فهو سبحانه الرب المالك لكل شيء وهو الذي خلق الملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وهو سبحانه القادر عل كل شيء، والعالم بكل شيء والذي يعلم مخلوقاته من علمه سبحانه، ويمنح منهم من يشاء من فضله وكرمه، فيجعل خلافته في الأرض في آدم لا في الملائكة، وأنه الفاعل المختار، لا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه. ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ. وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ. قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ. قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ البقرة/٣٠-٣٣. ومن مواقف نوح، وهود، وصالح، وموسى، وعيسى، ومحمد، وجميع الأنبياء والمرسلين صلوات الله عليهم أجمعين الكثير من أساليب الحوار مع أقوالهم لبيان الحق وعرض العقيدة وطلب الإيمان بالله تعالى.

стр. 11366

ومن المحاججة ما ورد في القرآن الكريم بين إبراهيم الخليل صلوات الله عليه وسلامه وبين عدو الله الذي حاج إبراهيم في ربه. فلقد قال إبراهيم له وهو يدعوه إلى الإيمان: أن الرب هو الذي يحيى ويميت، وأنت مخلوق من مخلوقاته يميتك ويحييك. فيقول النمرود: أنا رب مثل ربك لأني أحيى وأميت، آمر بقتل الناس فيموتون فأنا أميت, وأعفو عنهم فلا يموتون ويحيون, فأنا أحيى. لكن إبراهيم ﵇ الذي آتاه الله رشده وعلمه من علمه يأتي للعدو بحجة أخرى لا يقوى على دفعها ولو ظاهرا. فيقول له إبراهيم: إن الله يأتي بالشمس من المشرق، فإن كنت صادقا في ادعائك الألوهية فأت بها من المغرب, وهنا لا مجال إلا الهزيمة لعدو الله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ البقرة/٢٥٨. ٩- العقيدة في أسلوب القصة والقصة جمعها قصص بكسر القاف، وهي من قصص، والفعل قص، والمصدر قصص بفتح القاف قال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ ...﴾ يوسف/٣, والقصص بفتح القاف إما مصدر بمعنى الاقتصاص أي نحن نقص عليك أحسن الاقتصاص هذا القرآن بإيحائنا إليك والمراد بأحسن الاقتصاص أنه اقتص على أبدع طريقة وأعجب أسلوب، ألا ترى أن هذا الحديث مقتص من كتب الأولين وفي التواريخ، ولا ترى اقتصاصه في كتاب منها مقاربا لاقتصاصه في القرآن.

стр. 11367

أو بمعنى المقصوص أي نحن نقص عليك أحسن ما يقص من الأحاديث، وإنما كان أحسن لما يتضمنه من العبر والحكم والعجائب ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الأَلْبَاب..﴾ يوسف/١١١ ويشتق القصص من قص أثره إذا أتبعه لأن الذي يقص الحديث يتبع ما حفظ منه شيئا فشيئا كما يقال تلا القرآن إذا قرأ، لأنه يتلو أي يتبع ما حفظ منه آية بعد آية. والقصة: هي أحد أنواع النثر الفني، ونمط من أنماط الأساليب الجمالية، تقوم على عوامل كثيرة، من التشويق، والحوار، والحبكة، والوحدة الموضوعية، وحل المشكلات عن طريق تسلسل الأحداث وربط المشاهد بعضها ببعض. والقصة عامة كلون من ألوان الأدب قديما وحديثا تقدم الحقائق المختلفة، كما تقدم إلى جانب ذلك الخيالات والمبالغات، والأساطير، وما إليها. وقد يكون هدفها التعبير، والنصح، والتوجيه،.. كما يكون هدفها مجرد المتعة الذهنية والعاطفية ... وقد تتخذ وسيلة للحق أو للباطل، وللخير أو للشر.... لكن القصة في القرآن الكريم تتميز عن سائر أنواع القصص بأنها منزهة عن أي نقص في شكلها وفي مضمونها، ومنزهة عن الخيالات والأوهام، والأساطير، والأباطيل ... وهي عفيفة الأسلوب، طاهرة اللفظ والمعنى، حيية السياق والعرض، بارعة التركيب، سامية القصد، حسنة الهدف ... وهي تضم إلى جانب الإيضاح، والتعليم، والنصح ... جوانب الإقناع الذهني والنفسي والعلمي والأدبي، وتضم إلى جانب عرض الحقائق الدينية الحقائق التاريخية والاجتماعية والثقافية ... ومن هنا جاءت القصة في القرآن الكريم تحمل لواء الدعوة إلى الإسلام وتعرض مبادئه، وكانت أسلوبا من أساليب الدعوة إلى الله ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ يوسف/١١١.

стр. 11368

والقصص في القرآن الكريم كثيرة، منها قصة إبراهيم ﵇ مع الأوثان والنمرود.... وقصص نوح وهود وصالح مع أقومهم.. وقصة موسى مع فرعون وبني إسرائيل، وقصة مريم وزكريا وعيسى مع اليهود والرومان ... وكلها تعرض دعوة الحق والتوحيد، وتقيم الأدلة على صحتها وسلامتها، وتبين آثارها ونتائج الأخذ بها واعتناقها.. كما تعرض العقائد الفاسدة من عبادة الأوثان، والأصنام، واتخاذ الآلهة مع الله ... وتقيم البراهين على فساد هذه العقائد، وما حل بالكافرين والمشركين، والعصاة من عذاب وعقاب ومن هذه القصص القصة التي جمعت سليمان ﵇، والهدهد وملكة بلقيس. وستظهر لنا من خلال تتبعنا لمشاهد هذه القصد عظمة القصص القرآني، وروعة صياغته وعظيم نفعه، وتصدره قمة القصص الرفيع الذي حوى كل أصول الأدب العالي، من جودة العرض وجمال الصورة، وإيضاح الفكرة، وقوة الحركة، وتناسب المشاهد، وحسن العرض. إن هذه القصة إثبات للخالق ووحدانيته، ودعوة إلى عقيدة التوحيد ونبذ غيرها من سائر العقائد الفاسدة.. وهي ذات مشاهد وأحداث، وأبطال، وصراعات، ومفاجآت ... وأعاجيب تفوق الأساطير، بيد أنها حقائق واقعة بقدرة من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء ولا تشاهد في هذه القصة آدميين فحسب، وإنما تشاهد فيها الجن، ومن هو فوق الجن قوة وعلما.. كما تشاهد فيها الطيور تتكلم، والحشرات تنطق، كل بلغته، وكل يؤدي دوره في صدق، وقوة وإخلاص بين يدي سيده سليمان الذي علمه الله منطق الطير وآتاه من كل شيء فضلا منه عليه. في القصة تنطق النملة بنصح قومها وإشفاقها عليهم.. ويدعو الهدهد إلى الإيمان بالذي يخرج الخبء في السموات والأرض ويعلم ما خفي وما علن.. ويعمل الجن بين يدي الملك، ومن يزغ منهم عن أمره يذقه من عذاب أليم.

стр. 11369

والذي عنده علم من الكتاب يأتي بما هو أقوى من الخيال، لكنه حقيقة أجراها رب العالمين على يديه، حيث استطاع هذا العالم أن ينقل عرش الملكة من اليمن إلى الشام وهي مسافة لا تقل عن خمسة آلاف كيلو مترا في أقل من لمحة، أو قبل أن يرتد إلى سليمان طرفه. في القصة قوة الأنبياء وحكمتهم، وعظمة الملوك وحنكتهم، ومشورة أهل الرأي وإخلاصهم وسهر الحاكم على رعيته الكبير منها والصغير حتى الحيوان والطير.. وجرأة المحكوم وحريته في القول والتعبير والعمل مادام يؤدي دوره بصدق ويقوم بواجبه.. وفيها رجوع أهل الفضل إلى الحق بعد ما تبين لهم.... وكل هذه العناصر من القصة هدفت في الأصل إلى أمرين: أولهما: بيان العقيدة الصحيحة التي يمثلها سليمان وجنوده، وهي عقيدة التوحيد وبيان عقيدة الشرك التي تمثلها بلقيس وقومها قبل إسلامهم. وثانيهما: تسخير كل مقومات الأمة، وتوجيه طاقاتهاِ إلى الدعوة إلى وجود الله ووحدانيته وصبغ أبناء الأمة بالصبغة الدينية..ِ فهذا الهدهد ينفق جهده وقته في البحث عما يخدم العقيدة ويعلي أمرها، ويعزز شأنها ... وتحتوي القصة على مشاهد كثيرة، كل منها يؤكد ما ذهبنا إليه ويقرره. وأول هذه المشاهد يبين قوة الملك، واتساع ملكه، وعظمة سلطانه، وكثرة أتباعهِ ... فسليمان ملك سخرت له الرياح التي تجري بأمره رخاء حيث أصاب، والشياطين كل بناء وغواص وجمع له الإنس والجن والطير والحيوانات والحشرات، وهو عالم بلغات هؤلاء وهؤلاء ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ, وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ النمل/١٦-١٧.

стр. 11370

وثانيها: يبين قوة هذا الملك العلمية والروحية، فهو قادر على سماع كل ما يدور في مملكته وقادر على سماع حديث النملة، ومعرفة لغتها، وهو يبتسم ضاحكا من قولها لبني قومها تنصحهم بدخول مساكنهم حتى لا يحطمهم سليطان وجيشه.. ثم هو يرجع الفضل في هذه النعمة وغيرها إلى صاحب الفضل اعترافا منه بعظيم منّه وكرمه عليه، وهو يرجوه توفيقه لينال رضاه ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ. فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ النمل/١٨-١٩.

стр. 11371

وثالثها: يبين مدى حب هذا الملك لرعيته، وحرصه على سعادتها، وتوفير الحرية والأمن لها.. فهو دائب التفقد لشئونها، وهو الساهر على سلامتها، وهو السائل عن غائبها والمعين لحاضرها، وهو الشديد في الحق، لا تأخذه فيه لومة لائم، وهو الغاضب لمحارم الله إذا انتهكت، والمقيم للعدل بين سائر أفراد رعيته، الإنس والجن والحيوان والطير إنه لا يرى الهدهد بين الجمع الذي جمع له فيسأل عنه، ويعلن ذلك على الملأ.... وفيه ما فيه من إحاطته بجميع أجزاء مملكته وكافة أفراد رعيته ... كما يعلن غضبه من تخلف الهدهد إلا أن يكون عنده عذر أو حجة مقبولة: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ, لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ النمل/٢٠-٢١ وكانت المفاجأة عندما يتقدم هذا الغائب من الملك العظيم غير خائف ولا مرتاع وقي قوة واعتداد واعتزاز.. ليقول: ما غبت إلا لأمر هام عرفته أنا ولم تعرفه أنت أيها الملك وأحطت به ولم تحط به أنت. لقد رأيت أثناء طيراني ملكة لا تعبد الذي يخرج الخبء في السموات وفي الأرض ... وإنما تعبد الشمس هي وقومها من دون الله الذي لا إله إلا هو رب العرش العظيم.

стр. 11372

﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ. وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ. أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ. اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ النمل/٢٢-٢٦. ورابعها: يبين موقف سليمان من الهدهد، فهو يأمره بإقامة البينة على دعواه، ويكلفه بعمل ما يثبت قوله، ويأمره بنقل خطاب إلى هذه الملكة يدعوها فيه سليمان إلى الإيمان بالله تعالى وتوحيده، ونبذ عبادة الأوثان والأصنام هي وقومها. ويطير الهدهد بالكتاب من الشام إلى اليمن ويلقيه بين يدي الملكة، فتطلب من ذويها الرأي والمشورة فيرجعوا إليها الأمر لأنها العارفة بأمور السياسة والمطلعة على سير الملوك وأحوالهم أما هم فأهل الحرب والقوة..

стр. 11373

ثم تقدم الملكة على عمل تجربة تتبين من ورائها مدى قوة هذا الملك وقصده، فهل هو كسائر الملوك الذين يسعون إلى جمع المال وقوة السلطة. وهو يسعى إلى هدف نبيل وغاية سامية كما جاء في كتابه فإن كان من الأولين فهو قابل لما ترسله إليه من هدايا مبق على عقيدتها.. فتنقض عليه بعد أن عرفت خباياه.. وإن كان من الآخرين فهو على حق ولا قبل لها به وعليها أن تستسلم إليه: ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ. اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ. قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ. إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ. قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ. قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ. وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ النمل٢٧- ٣٥.

стр. 11374

وخامسها: يعود بالقصة من اليمن إلى الشام ليقدم رسل بلقيس الهدايا إلى سليمان، فيغضب النبي ﵇ ويقول لهم ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ. ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ. قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ. قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ. قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ. قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ. فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ. قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (النمل ٣٦-٤٤) .

стр. 11375

وهكذا عرضت هذه القصة العقيدة الصحيحة والعقيدة الفاسدة، وأقامت الدليل على صدق الأولى ﴿أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ وعلى فساد الثانية ﴿.. وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ﴾ . وما انتهت إليه هذه المشاهد من غلبة الحق وأهله، وهزيمة الباطل وجنده، واستسلام الملكة وإذ عانها أَخيرا للحق بعد ما تبين لها ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ . بقي بيان عقيدة البعث والإيمان بالآخرة وبالقدر. وبيان العقيدة في أساليب المثل والأساليب النفسية، وأساليب الترغيب والترهيب، والأساليب البرهانية والوصفية والموضوعية، وغيرها.. وهى في مقال تال إن شاء الله. والله الموفق.

стр. 11376

التربية الإسلامية ومراحل النّمو للدكتور عباس محجوب أستاذ مساعد بكلية الدعوة بالجامعة قسم علماء التربية التربية إلى مستويات تختلف باختلاف مراحل نمو الإنسان باعتبار التربية عملية ملازمة للإنسان في نموه الطبيعي ونمو استعداداته وميوله وقدراته، ومع الاختلاف البسيط في هذه التقسيمات إلا أننا يمكن أن نأخذ بالتقسيم التالي: ا- مرحلة ما قبل الولادة. ٢- مرحلة الطفولة. ٢- مرحلة المراهقة. ٤- مرحلة الشباب. أولا: مرحلة ما قبيل الولادة:

стр. 11377

حض الإسلام على الزواج باعتباره حاجة فطرية للإنسان فطره الله عليها وهيأه لها ووجهه إليها ليقوم بواجبه في الحياة من المحافظة على النوع الإنساني وتكاثر هذا النوع وزيادته, وفى ذلك يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً﴾ (النساء: آية ١) . وقد وضع الإسلام ضوابط لاختيار الزوج حتى يختار كل منهما الشريك الأصلح لأداء هذه المهمة في الحياة، فالرجل مطالب باختيار المرأة ذات الدين التي تفهم واجباتها الشرعية في البيت والحياة والتي يقوم سلوكها على أساس السلوك الإسلامي والآداب الإسلامية، وإذا لم يكن الدين بمعناه الواسع هو أساس الاختيار لم يكن البناء قائما على أسس سليمة وفي ذلك يقول الرسول ﷺ : "من تزوج امرأة لعزها لم يزده الله إلا ذلا، ومن تزوجها لمالها لم يزده الله إلا فقرا، ومن تزوجها لحسبها لم يزده الله إلا دناءة ومن تزوج امرأة لم يرد بها إلا أن يغض بصره ويحصن فرجه أو يصل رحمه، بارك الله له فيها وبارك لها فيه" [١] .. كما يقول: "ولا تزوجوا النساء لحسنهن فعسى حسنهن أن يرديهن ولا تزوجوهن لأموالهن فعسى أموالهن أن تطغيهن، ولكن تزوجوهن على الدين، ولأمة خرماء سوداء ذات دين أفضل" [٢] .. فذات الدين هي التي تقوم بحق الله وحق الزوج وحق الأمة في تربية الجيل المؤمن بالله السائر على هديه.

стр. 11378

كما أن على الزوج أن تختار زوجها ممن يتوفر فيه الشروط المناسبة لها وأهمها الدين والخلق حتى يمكنه أن يقوم بواجبه، واجب الرعاية والقوامة والتربية "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلاّ تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض" [٣] واشتراط الدين والأخلاق أمر مهم حتى تعيش الأسر في أجواء شريفة مؤمنة وفي كنف رجال صالحين يتقون الله في نسائهم وأولادهم وحتى تتحقق السعادة في ظل البيت المؤمن وتنشأ الأجيال مؤمنة بالله متحملة المسؤوليات ناقلة للصفات الطيبة من الأبوين الطيبين، ولذلك حذر الرسول ﷺ من التهاون في الاختيار وترك الصفات الإسلامية المطلوبة من أصالة وصلاح وشرف فقال: "إياكم وخضراء الدمن، قالوا وما خضراء الدمن يا رسول الله؟ قال: المرأة الحسناء في المنبت السوء" [٤] .. وقد أثبت العلماء أن الصفات الخِلْقِيةَ والخُلُقِيةَ تنتقل عن طريق الوراثة كما تنتقل الصفات المادية وإلى هذا أشار القرآن الكريم في استنكار المستنكرين لمريم حيث قالوا: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً﴾ (سورة مريم ٢٨) وقد رأى بعض علماء النفس والتربية أن الإصابة بمرض الزهري أو وجود أي نوع من العيوب الوراثية العقلية بعين الزوجين يؤدي إلى إنجاب أطفال يحملون المرض نفسه كما أن الأطفال الذين يولدون لأبوين يدمنان السكر والمخدرات بأنواعها خاصة في ساعات التلقيح كثيرا ما يصابون بأمراض عقلية وعصبية قل أن يشفوا منها لأن الأبوين لا يورثان الصفات الجسمية فقط بل الصفات النفسية ولذلك يرى بعض العلماء أن الرجال المتفائلين ينجبون أولادا متحررين من العادات القبيحة والخوف والأوهام, أما الحمقى والموهومون والسكارى فينجبون أولادا عصبي المزاج مصابين بمركب نقص، يعانون من العقد والإحساس بالضعف وعن ذلك يقول كريس مورسون: "إن الجينات جزء من خلايا الوراثة, غير أن خلايا الوراثة لا

стр. 11379

تشترك فى التكوين العام للجسم، ولكنها منعزلة ولا تسهم في أي وجه من وجوه النشاط الأقل أهمية التي تقوم بها الكائنات الحية، إن هذه الخلايا تحفظ الشبه الكامل للنوع، ويبدو أنها لا تتأثر بمسلك الوالدين إلا أن سوء الخلق، أو المرض، أو الحوادث، قد تمدها بمواد جد فقيرة لتشتغل بها. إن الوالدين القويين قد ينسلان أطفالا أقوياء، ولكن ذلك لأنه كان هناك أسلاف أقوياء، وان الوالدين قد يمنحان طفلهما مبدأ طبيعيا ليعيش فيه، أوقد يهبانه مباءة لا تصلح مكانا لنفس خالدة". إن الأبوة والأمومة هما أعظم تبعة تقع على عاتق الإنسان والله يقول ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ (النور: آية ٣٢) ، والرسول ﷺ يطلب اختيار وانتقاء الزوج من النساء فيقول: "تخيروا لنطفكم وانكحوا الأكفاء" [٥] وقد سئل سيدنا عمر ﵁ عن حق الولد على أبيه فأجاب "أن ينتقي أمه، ويحسن اسمه, ويعلمه القرآن". إن نشأة الأجيال على الطهارة والعفة والاستقامة تعتمد على الصفات التي يتوارثها الأبناء عن الآباء خلقية أو جسمية أو عقلية، وقد حثت الأحاديث النبوية على تحسين النسل بتفضيل المرأة البعيدة أو التي لا صلة قربى تربطها بالرجل حرصا على انتفاء العيوب الوراثية التي يحملها الزوجان عن الأبناء وقد أثبتت التجارب العلمية في اختبارات الذكاء صحة هذه النظرية التي تنادي بالتغرب في الزواج حتى لا يأتي نسل ذوي القرابة ضعفاء الجسم والخلق وغيرها من العيوب الوراثية.

стр. 11380

ولأن تربية الأبناء تبدأ قبل الولادة كما قلنا فإن الأمر لا ينتهي باختبار كل من الزوجين الصحيحين لبعضهما بل لابد من تعهد الجنين فترة الحمل بتعهد الأم نفسها وإبعادها عما يسبب لها الضعف والقلق النفسي وإحسان معاشرتها ومعاملاتها لأن الحالة الصحية والنفسية للحامل تؤثر كثيرا على الجنين ولذلك يرى الدكتور (الكسيسى كاريل) : "أن للحمل قواعد يجب أن تتعلمها النساء في مدارس خاصة لذلك من حيث السلوك الذي يجب اتباعه أثناء الحمل والنواحي الغذائية التي تهتم بها والمخاطر التي يمكن أن يتعرض لها المولود أثناء الحمل والرضاعة من جراء إسراف النساء في التدخين وشرب القهوة والمسكرات والمخدرات" [٦] . فالتربية قبل الولادة هي التي يطلبها الإسلام في زوجة صالحة وامرأة منجبة خالية من الأمراض والعيوب وزوج يتميز بالاستقامة وحسن الرعاية والإنفاق وحسن المعاملة وحسن التربية لأنه مسؤول عنها أمام الله بنص حديث الرسول ﷺ "إن الله سائل كل راع عما استرعاه حفظ أو ضيع، حتى يسأل الرجل عن أهل بيته" [٧] .
следующие страницы →