← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 12356–12395 · переход к 12361.

стр. 12356

وذهب آخرون ومنهم ابن تيمية وابن حجر الهيثمي وابن حزم إلى أن العقوبة في المخدرات هي حد السكر وقياسها على المسكرات لوجود تغطية العقل في كل منهما قال ابن تيمية:"وأما قليل الحشيشة المسكرة فحرام عند جماهير العلماء كسائر القليل من المسكرات، وقول النبي ﷺ كل مسكر خمر وكل خمر حرام يتناول ما يسكر ولا فرق بين أن يكون المسكر مأكولاً أو مشروباً أو جامداً أو مائعاً فلو اصطبغ كالخمر كان حراماً، ولو أماع الحشيشة وشربها كان حراماً ونبينا ﷺ بعث بجوامع الكلم فإذا قال كلمة جامعة كانت عامة في كل ما يدخل في لفظها ومعناها سواء كانت الأعيان موجودة في زمانه أو مكانه أو لم تكن [٨١] . وقال: وكل ما يغيب العقل فإنه حرام وإن لم تحصل به نشوة ولا طرب، فإن تغييب العقل حرام بإجماع المسلمين، وأما تعاطي البنج الذي لم يسكر ولم يغيب العقل ففيه التعزير.. ثم قال: ومن الناس من يقول: إنها أي الحشيشة تغير العقل فلا تسكر كالبنج وليس كذلك، بل تورث نشوة ولذة وطرباً كالخمر، وهذا هو الداعي إلى تناولها، وقليلها يدعو إلى كثيرها كالشراب المسكر والمعتاد لها يصعب عليه فطامه عنها أكثر من الخمر، فضررها من بعض الوجوه أعظم من الخمر، ولهذا قال الفقهاء إنه يجب فيها الحد كما يجب في الخمر [٨٢] . وقد سبق أن رأيت أن ابن حجر الهيثمي يؤكد حرمتها وينقل ذلك عن الذهبي وغيره [٨٣] . وبعد: فهذه خلاصة عن عقوبة متعاطي المسكرات والمخدرات، والعقوبات في الإسلام مع أنها جوابر وكفارات لأهلها من آثامهم هي زواجر أيضا، تزجر الآخرين، وتمنعهم من التردي في حمأة الرذيلة، أو العبث بحدود الله ومحارمه، ولذلك كانت بركتها على المجتمع الذي يقيمها كثيرة وفيرة، وفي الحديث"حد يعمل به في الأرض خير لأهل الأرض من أن يمطروا أربعين صباحاً [٨٤] .. وفي رواية أربعين ليلة.. والله الهادي إلى سواء السبيل

стр. 12357

من خصال الإيمان ترك الخمر أوصى عمر بن الخطاب ﵁ وهو على فراش الموت ابنه عبد الله فقال له: عليك بخصال الإيمان. قال: وما هن يا أبت؟ قال: الصوم في شدة أيام الصيف، وقتال الأعداء بالسيف، والصبر على المصيبة، وإسباغ الوضوء في اليوم الشاتي، وتعجيل الصلاة في يوم الغيم، وترك ردغة الخبال، قال عبد الله وما ردغة الخبال؟ قال: شرب الخمر.. -------------------------------------------------------------------------------- [١] مختصرا من ترتيب القاموس المحيط ٢/٥٨٥. [٢] الصحاح للجوهري ج ٢/٦٨٧. [٣] البخاري ومسلم. [٤] البخاري ومسلم. [٥] أبو داود والترمذي وابن ماجة. [٦] انظر: فتح الباري ١٠/٤٧. [٧] جامع العلوم والحكم /٣٩٤. [٨] المحلى ٤/٥٩١ مطبعة الإمام _ القاهرة. [٩] جامع العلوم والحكم / ٣٩٧. [١٠] المرجع السابق. [١١] نفس المرجع. [١٢] النهاية في غريب الحديث ١/١١١. [١٣] أبو داود والترمذي وابن ماجة. [١٤] مسلم. [١٥] انظر: تفسير القرطبي ٦/٢٩٤. [١٦] جامع بيان العلم وفضله /٣٩٥. [١٧] المحلى لابن حزم ٧/ ٥٦٢ المغني لابن قدامة ٩ /١٥٨ _ نيل الأوطار للشوكاني ٧/ ٣١٥ ط دار الجيل. فلسفة العقوبة لأبي زهرة القسم الأول ١٧٩. [١٨] الفتاوى ج١٩/ ٢٨٩. [١٩] أحمد وأبو داود والترمذي. [٢٠] أحمد وأبو داود والترمذي. [٢١] جامع العلوم والحكم لابن رجب /٣٩٧. [٢٢] ترتيب القاموس المحيط _ حرف الفاء. [٢٣] انظر: في ذلك المعاجم اللغوية مثل القاموس المحيط ولسان العرب. [٢٤] الزواجر لابن حجر الهيتمي ج١/٢١٤ ط الحلبي.

стр. 12358

[٢٥] انظر: المخدرات _ أنواعها، أضرارها أحمد محمود حافظ ص٧ وما بعدها ومحاضر جلسات المؤتمر الإقليمي السادس للمخدرات الذي انعقد في المملكة العربية السعودية في شوال سنة ١٣٩٤هـ والندوة الدولية العربية حول ظاهرة تعاطي المخدرات _ القاهرة سنة ١٩٧١. [٢٦] التشريع الجنائي _ للأستاذ عبد القادر عودة ج١ /٥٨٢، وانظر الفتاوى لابن تيمية ج٣٤/٢٠٤. [٢٧] جامع العلوم والحكم ٣٩٧. [٢٨] المرجع السابق. [٢٩] تهذيب الفروق والقواعد السنية للشيخ محمد علي حسين مطبوع على هامش الفروق ج١/ ٢١٦. [٣٠] جامع العلوم والحكم ٣٩٧. [٣١] الفتاوى ج١٩/٢٨٢. [٣٢] المرجع السابق ٣٤ /٢١١. [٣٣] الفتاوى ٣٤ /٢٢٣، ٢٢٤. [٣٤] الزواجر عن اقتراف الكبائر ج١ /٢١٥. [٣٥] دائرة معارف القرن العشرين ٣ /٤٤٧. [٣٦] الندوة الدولية العربية حول ظاهرة تعاطي المخدرات ١١٧ /١١٨. [٣٧] المرجع السابق. [٣٨] المكيفات _ للدكتور عبد العزيز أحمد شرف /١٤٢، ١٤٣ ط دار المعارف. [٣٩] انظر: الدر المختار وحاشية ابن عابدين ج٦ /٤٥٨ ط ١٣٨٦. [٤٠] سبل السلام ج٤ /٥٠ ط الاستقامة / مصر سنة ١٣٥٧. [٤١] الفتاوى ٣٤ /٢١٠، ٢١١. [٤٢] مواهب الجليل ج٢ /٢٣٢ ط ليبيا. [٤٣] مواهب الجليل ج١ /٩٠ ط ليبيا. [٤٤] الزواجر ج١ /٢١٦ ط الحلبي. [٤٥] المرجع السابق. [٤٦] المرجع السابق. [٤٧] الشرح الصغير بهامش بلغة السالك ج١ /٩. [٤٨] حاشية الدسوقي ج١ /٥٠. [٤٩] المبسوط ج٢٤ /٩. [٥٠] حاشية ابن عابدين ج٥/٤٠٢. [٥١] المجموع ٩/٣٥. [٥٢] الفتاوى ج ٢٤/٢٧١. [٥٣] المرجع السابق. [٥٤] المرجع السابق ٣٤ /٢٠٥، ٢٠٦. [٥٥] المرجع السابق ج٢٤ /٢٧٥. [٥٦] دائرة معارف القرن العشرين ٣ / ٧٩١. [٥٧] الحاكم. [٥٨] ابن ماجة والبيهقي عن شهر بن حوشب.

стр. 12359

[٥٩] الطبراني الأوسط _ انظر: الجامع الصغير. [٦٠] بتصرف يسير من روضة المحبين / ١٧ ط حلب. [٦١] انظر: تفسير الدر المنثور للسيوطي ٢/٣١٨. [٦٢] تفسير الدر المنثور للسيوطي ٢/٣١٨. [٦٣] أبو داود واللفظ له، وابن ماجة وزاد وأكل ثمنها. [٦٤] المرط.. بالكسر كساء من صوف أو خز. [٦٥] الاعتجار: لف العمامة.. ولبسة للمرأة. [٦٦] متلفحات: مستترات. [٦٧] تفسير ابن كثير ج٣ /٢٨٥. [٦٨] أبو داود في الطب. [٦٩] أبو داود والترمذي. [٧٠] البخاري في الطب. [٧١] انظر: الجامع الصغير للسيوطي ونسبه إلى أبي نعيم في الطب. [٧٢] مسلم في الأشربة. [٧٣] أحمد وابن ماجة. [٧٤] أبو داود والترمذي. [٧٥] زاد المعاد ج٤ /١٥٨ ط سنة ١٣٩٩هـ. [٧٦] من بحث للكاتب بعنوان "الحدود في الإسلام ". [٧٧] المغني ١٠ /٣٢٦. [٧٨] الفتاوى ٣٢ / ٢٥٤، ٣٠ / ٢١٣. [٧٩] الفتاوى ج٣٤ / ٢١٦، ٢١٧. [٨٠] هكذا يرى متقدموا الحنفية حاشية ابن عابدين ٣/٢٢٨ ط بولاق ١٣٢٦ وإن كان المتأخرون أفتوا بوجوب الحد لفشو هذا الفعل وانتشاره بين الناس، انظر تنوير الأبصار مع حاشية ابن عابدين ج ٦ / ٤٥٨ ط سنة ١٩٦٦ ثانية. والشافعية لا يرون الحد أيضا إلا إذا أذيبت بحيث تقذف بالزبد وصارت تطرب كالخمر ففيها الحد انظر: نهاية المحتاج ٨ /١٢ ط الحلبي ومغني المحتاج ٤ /١٨٧. كما يرى المالكية أن الحد مختص بالمائعات المغيبة للعقل، انظر: "بلغة السالك "١٩٨، ٣٢٣. وحكى القرافي الخلاف بين فقهاء عصره في حكم تعاطي الحشيشة هل هي الحد أو التعزير، انظر الفروق ١ / ٢١٦ أما القرافي فقال لا أوجب فيها الحد بل التعزير الزاجر عن ملابستها ١ /٢١٨. [٨١] انظر: في ذلك الفتاوى ج ٣٤، ٢٠٤، ٢٠٥. [٨٢] المرجع السابق. [٨٣] الزواجر ج١ /٢١٦. [٨٤] ابن ماجة _ باب الحدود.

стр. 12360

المُسْكرات مِنَ النَّاحيَةِ النفسيَّة للدكتور ملك غلام مرتضى رئيس قسم الترجمة بالجامعة حقيقة السكر قال الله سبحانه: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ قال الفخر الرازي في تفسيره: (التفسير الكبير ٦ / ٤٦) الإثم الكبير فيه أمور: أحدها: أن عقل الإنسان أشرف صفاته، والخمر عدو العقل، وكل ما كان عدو الشرف فهو أخس، فيلزم أن يكون شرب الخمر أخسَّ الأمور. وتقريره: أن العقل إنما سمي عقلاً لأنه يجري مجرى عقال الناقة، فإن الإنسان إذا دعاه طبعه إلى فعل قبيح، كان عقله مانعاً له من الإقدام عليه، فإذا شرب الخمر بقى الطبع الداعي إلى فعل القبائح خالياً من العقل المانع لها، والتقريب بعد ذلك معلوم. ذكر ابن أبي الدنيا: أنه مر على سكران وهو يبول في كفيه ويمسح به وجهه كهيئة المتوضئ، ويقول: الحمد لله الذي جعل الإسلام نوراً والماء طهوراً. ثانيها: ما ذكره الله تعالى من إيقاع العداوة والبغضاء والصد عن ذكر الله وعن الصلاة. ثالثها: إن هذه المعصية من خواصها: أن الإنسان كلما كان اشتغاله بها أكثر ومواظبته عليها أتم: كان الميل إليها أكثر، وقوة النفس عليها أقوى بخلاف سائر المعاصي، مثل الزاني إذا فعل مرة واحدة فترت رغبته في ذلك العمل، وكلما كان فعله لذلك العمل أكثر كان فتوره أكثر ونفوره أتم، بخلاف الشرب، فإنه كلما كان إقدامه عليه أكثر كان نشاطه أكثر ورغبته فيه أتم، فإذا واظب الإنسان عليه صار غرقاً في اللذات البدنية.. حتى يصير من الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم. وبالجملة: فالخمر يزيل العقل، وإذا ذهب العقل، انتشرت المفاسد وسادت الرذائل _ قال ﵊: "الخمر أم الخبائث ".

стр. 12361

وهذا يعني أن جريمة السكر تغري بجميع الجرائم التي تعرض للسكران، وتجرئ عليها ولاسيما الزنا والقتل _ ولهذا اعتبرها النبي ﷺ أنها "مفتاح لكل شر ". وقد قيل أن امرأة فاسقة راودت رجلا صالحا عن نفسه، فاستعصم، فسقتهُ الخمر فزنى بها، وأمرته بالقتل فقتل. قال ﵊: "الخمر أم الفواحش، وأكبر الكبائر، ومن شرب الخمر ترك الصلاة، ووقع على أمه وخالته وعمته ". هذا لأنه توجد في جبلة الإنسان خاصيتان وهما: ١ _ المَلَكية يعني صفات الملائكة _ وهي امتثال أوامر الله ومقتضيات العقل _. ٢ _ البهيمية يعني صفات البهائم _ وهي امتثال أوامر النفس الأمارة بالسوء ولو كانت مخالفة للعقل. فتأثير الخمر على شخصية الإنسان أن تخامر العقل، وتضعف ملكيته، وتثير بهيميته وتقويها، فالنتيجة أن الإنسان يمسي تابعاً مطلقاً للبهيمية ويسقط من درجة الإنسان إلى درجة البهيمية ويعتبر خاضعاً لسلطان الهوى والشيطان. كما قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلّ﴾ . السكر ضد الفطرة السليمة: العقل السليم يشهد بتحريم الخمر والمسكرات، ويدل على ما قلناه: أن بعض عقلاء الجاهلية حرموها على أنفسهم لما لمسُوا من أضرارها، وأعظمها وهن عقل الشارب، منهم عبد الله بن جدعان من قريش، والعباس بن مرداس السلمي، حيث قيل له وهو إذ ذاك في غياهب الجاهلية، لم لا تشرب الخمر؟ فقال: ما كنت لأخذ جهلي بيدي، وأدخله في جوفي ما كنت لأصبح رئيس قوم، وأمسي سفيههم ". ومنهم جعفر بن أبي طالب، وعدي بن حاتم الطائي، قيل له مالك لا تشرب الخمر؟ قال: "لا أشرب ما يشرب عقلي ". ومنهم قيس بن عاصم المنقري وأبو بكر الصديق وعثمان بن عفان ﵃ جميعا، حرموها على أنفسهم قبل تحريمها من الله سبحانه.

стр. 12362

وقال عثمان ﵁: "إني رأيتها تذهب العقل جملة، وما رأيت شيئاً يذهب جملة ويعود جملة ". والواقع أن شارب الخمر وما شاكله من المسكرات يتنازل عن منزلته وشرفه من حيث هو إنسان كرمه الله وجعله أشرف المخلوقات، ويمسي حيواناً لا عقل له ولا فهم. لهذا كان بعض أصحاب النبي ﷺ يتوقعون تحريم الخمر ويدعون الله لتحريمها ومنهم أمير المؤمنين عمر ومعاذ بن جبل ﵄ ونفر من الصحابة الذين قالوا يا رسول الله: " أفتنا في الخمر، فإنها مذهبة للعقل، مسلبة للمال ". ما هو الإدمان الكحولي؟ " الإدمان هو اعتماد الجسم والتعود المتزايد لأنسجته على الكحول، وظهور أعراض انقطاعه المفاجئ عن أنسجة الجسم، والاشتهاء المرضي لتعاطيه ". أما المدة اللازمة لحدوث هذا التعود فتتفاوت من أيام إلى شهر، ويتوقف ذلك جزئياً على الاختلافات الفردية، وعلى كميات الكحول المستهلكة. وهناك أربع مراحل في تطور هذا التعود وهي. ١ _ مرحلة أعراض ما قبل الإدمان، يشرب الناس مجاملة ويشعرون في البدء براحة ونشوة. ٢ _ مرحلة الإرهاصات: يصبح السكير أكثر انتظاماً في تعاطي الكحول ويستهلكه كالماء ويشعر بالخجل والذنب وبسبب هذه المشاعر يزداد شرباً ليمحو هذه الأحاسيس المزعجة له ويصبح الأمر حلقة مفرغة، فترتفع نسبة الكحول في دمه لدرجة التسمم. ٣ _ المرحلة الحادة: لا يستطيع المدمن استعادة إرادته المفقودة مهما حاول جاهداً. ٤ _ مرحلة الإدمان: يعيش المدمن في عالم خاص لا علاقة له بواقعه، ويفقد كثيراً من ملكاته العقلية، ويتدهور أخلاقياً فيسرق، أو يعتدي ويغتصب النساء، ويهاجم القاصرين والقاصرات مع أنه ينهار سريعاً مع عواطفه وفكره وصحته بسبب الإشباع الكامل لأنسجته بمادة الكحول.

стр. 12363

وهناك مثل: "في البدء يأخذ الإنسان كأساً من الخمر.. ثم يأخذ بعد الكأس الأولى كأساً ثانية.. ثم تأخذ كأس الخمر الإنسان ". الأضرار: ١ _ سلب الإيمان: عن أبي هريرة ﵁ _ قال: قال رسول الله ﷺ : "من زنى أو شرب الخمر، نزع الله منه الإيمان كما يخلع الإنسان القميص من رأسه " رواه الحاكم. وكما ذكرنا أنفاً فإن ضعف الإيمان هو السبب الأساسي لشرب الخمر. وشرب الخمر بدوره يسلب الإيمان كلما ازداد المرء شرباُ للخمر، كلما ضعف إيمانه. ٢ _ سلب العقل: الأمر المسلم عند الناس أن السكر يضعف القوة العاقلة وكثيراً ما ينتهي بالجنون. وتنتج عنه أضرار كثيرة لا حصر لها ومنها (أ) الجرائم كلها بسبب غلبة بهيمية الإنسان على ملكيته وعقله. (ب) الحوادث بسبب فقد الوعي. (ج) إفشاء السر. (د) العداوة والبغضاء بين الناس. (هـ) سوء الخلق والقتال. (و) الخسة والمهانة في أعين الناس. (ز) ﴿وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ﴾ . (ح) التخنث والدياثة وغير ذلك ٣ _ ضعف القوى الجسدية والأمراض: السكر يحطم القوى البشرية إلى أقصى حد فيضعف مقاومة الجسد للأمراض المعدية ويسبب شتى الأمراض فمنها: ١ _ يضعف أعضاء رئيسية لاسيما القلب والكبد. ٢ _ يغير اللون بالصفرة ويذهب بماء الوجه. ٣ _ يجلب البلغم والسعال والقيء. ٤ _ يضعف من قوة الباه. ٥ _ يورث السل الرئوي والسرطان الرئوي. ٦ _ تخريب كريات الدم والتأثير على القلب والإخلال بانتظام ضرباته والموت بالسكتة القلبية. ٤ _ التأثير النفسي: الإدمان على المخدرات له تأثير نفسي على المدمن يؤدي في الغالب إلى اضطراب الإدراك الحسي واضطراب الشعور واضطراب التفكير، واضطراب الوجدان، والإحساس بالتعب، والجنون.

стр. 12364

ومن الخواص العامة الموجودة في شخصية المدمن كما يلي: أ _ عدم القدرة على احتمال أية مشكلة تعترضه. ب _ نفاذ الصبر والوقوع في اليأس والقنوط والقلق والصراع النفسي. ج _ الشعور بالعزلة وفقدان احترام الذات. د _ فتور العاطفة، وعدم القدرة على قبول أو تقديم الحنان والحب. هـ _ الإتكالية والاعتماد على الآخرين وعدم القدرة على الاستقلال في حياته. و_ الأنانية إلى أقصى حد. أسباب الإدمان: ١ _ المشاركة: يشرب بعضهم لأول مرة مجاملة للزمالة والمرافقة والصحبة مع رفاقهم في حفل اجتماعي. ٢ _ يبدأ بعضهم في تناول الكحول للإحساس بالدفء والتمدد والاسترخاء بعد يوم من العمل المرهق. ٣ _ ويشرب آخرون الكحول لينسوا _ مؤقتا _ همومهم. ٤ _ ويشرب بعضهم ليتهرب من مواجهة واقع الحياة وهمومها بمحاولة تخفيف ضغوطه النفسية وتخفيف مدة الرقابة الصارمة من ضميره وعقله ودماغه عليه. ٥ _ ويشرب بعضهم ليسكر.. أي ليتخدر وليتمتع بالنشوة الوقتية. ٦ _ والسبب الأساسي في كل هذا هو ضعف الإيمان بالله والآخرة أو انعدامه أساساً. ٧ _ إن عدم الشعور بالمسئولية أمام الله سبحانه يترك الإنسان كالحيوان لا يتحرج من اقتراف أبشع الجرائم وأنكرها _ لا يوجد لديه شيء من حصانة الإيمان والعلم الديني، يقيه من التردي في حمأة الرذيلة. ٨ _ غزو الأفكار المنحرفة التي يصدرها الغرب إلى الشرق، وفيها توهين الدين الحنيف والتشكيك فيه، ونشر الإباحية والتحلل الخلقي. ٩ _ اختلاط المسلمين بأهل الغرب في هذا العصر وتأثرهم بالثقافة الغربية. ١٠ _ قلة القائمين من علماء الإسلام بنشر الدين الصحيح بين المسلمين وأمام العالم وفقدان التربية الصحيحة التي من شأنها قيام جيل صالح على أساس من الإيمان والعلم النافع.

стр. 12365

١١ _ عدم الشعور بالواجب عند أكثر حكومات الدول الإسلامية في هذا الصدد إلا ما شاء الله. ١٢ _ وقد رأيت بعض المدمنين يدّعون الإيمان بالله والآخرة بيد أنهم مصابون بسوء الفهم بالنسبة لبعض صفات الله فسمعت أكثرهم يقولون إن الله غفور رحيم فإنه سيغفر لهم كل ذنوبهم. ولا شك أن هذه أغلوطة كبيرة فهي تجعل الإنسان يتجاسر على اقتراف الرذائل دون وجل أو خوف من الله تعالى وبلا أدنى شعور بالمسئولية. إزالة هذه المغالطة: يجترئ بعض الناس على المعاصي قائلين: "إن الله غفور رحيم ". هذا سوء فهم في شأن صفات الله سبحانه. فهم يطبقون صفات الله دون وعي أو فهم ويحلونها محلا غير لائق بها. إن الله خلق القوانين الطبيعية والقوانين الخلقية وأودع في هذه القوانين تأثيرات قوية والذي يلتزم بهذه القوانين ينال الجزاء الأوفى والذي يخالف هذه القوانين ينزل به العذاب الشديد إن عاجلاً أو آجلاً. على سبيل المثال هناك قانون الجاذبية الأرضية، فعلينا أن نحترم هذا القانون، الذي يقتضي ويتطلب منا أن لا نسقط أنفسنا من مكان مرتفع وإلا كانت النتيجة الحتمية الموت والهلاك لأن في هذا مخالفة لقانون الجاذبية الذي هو من الله . كذلك فهناك قانون طبيعي آخر وهو أن السم يقتل _ لذا فعلينا أن نحترم هذا القانون ولا نشرب السم، وفي حالة مخالفة هذا القانون فلا بد أن تكون النتيجة الطبيعية الفناء. هذا فيما يختص بالقوانين الطبيعية وكذلك الحال بالنسبة للقوانين الأخلاقية. فمثلا من هذه القوانين أن لا نشرك بالله: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ هذا في الواقع أشد وأبشع من أن يسقط من فوق السقف.

стр. 12366

وثمة قانون أخلاقي آخر يحرم علينا شرب الخمر لأنه رجس من عمل الشيطان. الخمر سم فاقد لحياتنا الروحية. بل أبشع وأخطر من السم المادي لأنه أم الخبائث. علينا أن نحترم القوانين الخلقية كما علينا أن نحترم القوانين الطبيعية، إن الله سبحانه خلق كل شيء وأبدع كل القوانين وليس من سنة الله أن يعاقب على مخالفة بعض قوانينه وأوامره ويتركنا بدون مؤاخذة على مخالفة البعض الآخر. ومن الممكن أن يعجل بالعذاب على مخالفة بعض القوانين ويؤخر عذابه بالنسبة لمخالفة البعض الآخر في صورة إملاء كما قال تعالى: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ . فمن المستحيل إذن أن يكون الله سبحانه قاهراً فوق عباده بالنسبة لمخالفة بعض القوانين ويكون غفورا رحيما بالنسبة للبعض الآخر. فالآن أوجه خطابي إلى الذين يتعاطون الخمر ويقولون إن الله غفور رحيم. فأقول لهم تفضلوا واصعدوا فوق الجبل يا إخواني وألقوا بأنفسكم مع يقينكم بأن الله غفور رحيم وهو يغفر مخالفة قوانينه. إذن توكلوا على الله لتروا ماذا تكون النتيجة. فهل تعتقدون أن الله سيغفر لكم مخالفة قانون الجاذبية الأرضية فلا يعاقبكم على هذه المخالفة ولن يحكم عليكم بالإعدام.. الجواب قطعاً بالنفي. وهلم يا صاحبي هلم لتتجرع شيئا من السم وأنت يقين من نفسك بأن الله غفور رحيم. جرب مغفرته ورحمته على مخالفة هذا القانون الطبيعي. إن كان الله غفوراً رحيماً بمفهومك أنت فسيغفر لك هذه المخالفة ولن يعاقبك ولن يضرك السم بشيء. وطبعاً هذا ضد طبيعة الأشياء ومنطقها أي ضد قوانين الله. إنك لا تجترئ على اقتراف هذه المخالفات، إنك لا تلقي بنفسك من فوق الجبل ولا تشرب السم _ لماذا؟ ألست على يقين من نفسك أن الله سيعاقبك على هذه المخالفة وستنال عقابه في صورة الألم أو الموت. إذن فعلى أي أساس بنيت تصورك بأنه لن يعاقبك عندما تخالف قوانينه الخلقية؟

стр. 12367

على أي أساس تعتقد أن الله قاهر فوق عباده بالنسبة لمخالفة القوانين الطبيعية بينما هو يكون غفوراً رحيماً في حالة مخالفة القوانين الخلقية؟ أية قاعدة، أية حكمة تدل على ذلك وتجرك إلى هذه الجرأة على مخالفة أوامر الله سبحانه وقوانينه. إذن لتفهم أيها المجترئ، أيها المخمور! ما معنى "غفور رحيم "على وجهها الصحيح وما هو محل تطبيق هذه الصفات. فقد قال سبحانه: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى﴾ . ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماًً﴾ . ﴿إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً﴾ . حقاً وصدقاً إن الله غفور رحيم ولكن لمن؟ هل للذين يتمادون في اقتراف المعاصي ويصرون على تعاطي الخمر ولا يندمون ولا يتوبون توبة نصوحا؟ كلا! كلا ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً﴾ . العلاج: أنا لا أنكر أهمية طرق العلاج الرائجة والمتداولة بصفة عامة ومنها إنشاء المستشفيات المتخصصة والقرى العلاجية للرعاية اللاحقة والعلاج الإجباري مقابل العلاج الاختياري ومما لاشك فيه أن الطبيب يلعب دوراً هاماً جداً في مساعدة المدمن على التخلص من إدمانه إذا كان المدمن راغباً في الإقلاع عن عادته، ولكنني أريد أن ألفت الأنظار إلى شيء أهم من هذه الطرق كلها وهو إزالة السبب الأساسي لهذا المرض، ألا وهو ضعف الإيمان بالله والآخرة أو انعدامه من قلوب المسلمين. إن السكر علامة من علامات انهيار المجتمع الإسلامي بأسره ولا يمكن علاجه بدون معالجة المجتمع بأسره على أساس بعث قوة الإيمان والتربية الإسلامية وإزكاء الشعور الديني.

стр. 12368

إن أي عمل في هذا الصدد دون الارتكاز على خلفية دينية لن يعود بأية فائدة علينا ويتبين هذا من تجربة عظيمة أجريت في أرقى وأقوى دولة في العالم _ أمريكا في عام ١٩٢٠م وفيما يلي ألخص ما كتبه الشيخ المودودي بصدد هذه التجربة التاريخية العظيمة. حرمت الحكومة الأمريكية الخمر في عام ١٩٢٠م _ كانت هذه أكبر تجربة جربها الإنسان لإصلاح الأخلاق والسلوك الاجتماعي بقوة وسلطة الحكم لا يوجد لها نظير في التاريخ. فأقيمت في البلاد، قبل إعلان تحريم الخمر، دعاية واسعة النطاق ضد الخمر وبقيت الرابطة المحاربة لوجود حانات بيع الخمر تسعى وتجتهد في ترغيب الأمريكيين عن الخمر وتثبيت مضارها في أذهانهم، بإلقاء الخطب وتأليف الرسائل والكتب وعرض المسرحيات وأفلام السينما. وأفنت في سبيل هذا التبليغ عشرات وبذلت الأموال الطائلة، حتى قدر أن النشرات المطبوعة والمسموعة بلغت تكاليفها مبلغ خمسة وستين مليون دولار، وأنه بلغ عدد الصفحات التي سود بياضها لبيان مساوئ الخمر والزجر عنها تسعة آلاف مليون صفحة. ذلك قبل بدء التجربة. وأما ما تحملته الأمة الأمريكية في الأربعة عشر عاماً من ١٩٢٠م إلى ١٩٣٣م، عام إلغاء قانون التحريم، من النفقات الباهظة لأجل تنفيذ قانون التحريم فقدر مجموعها بأربعة ملايين ونصف مليون جنيه. وتدل الإحصاءات التي أذاعها ديوان القضاء الأمريكي لهذه الفترة، أنه قتل في سبيل تنفيذ هذا القانون مائتا نسمة وسجن نصف مليون وغرم الجناة ما يربو على مليون ونصف مليون جنيه، وصودر من الأملاك ما يساوي أربعمائة مليون جنيه. كل هذا النقص الهائل في الأنفس والأموال كابدته أمريكا لغرض واحد، هو تلقين الأمة الأمريكية "المتحضرة "مفاسد الخمر الجمة وتنبيهها إلى مضارها الروحية والصحية والأخلاقية والاقتصادية ولكن عاد القوم من هذا الجهاد الإصلاحي العظيم بصفقة خاسرة.

стр. 12369

فلم تكد تغلق الحانات القانونية العلنية في البلاد بجانب حتى انفتحت فيها بجانب آخر آلاف مؤلفة من الحانات السرية، ثم كثر تردد الصغار من أبناء الأمة وبناتها إلى هذه الحانات وغلت أثمان الخمر غلاء فاحشا _ والذي قدر على أقل التقدير أنه بلغ عدد شاربي الخمر بعد التحريم عشرة أضعاف ما بلغه قبله _ وصارت الخمر المستعملة سراً في كيفيتها أردأ نوعاً وأشد فتكاً بالصحة مما جعل الأطباء يقولون فيها: "إن هذا المشروب أحرى بأن يدعى السم من أن يسمى خمرا "من أمثلة ذلك ما تدل عليه الإحصاءات لمدينة نيويورك من أنه كان عدد المرضى فيها من استعمال الكحول في سنة ١٩١٨ قبل التحريم: ٣٧٤١ وعدد الهالكين من استعماله: ٢٥٢ نفساً _ ثم بلغ عدد المرضى فيها لسنة ١٩٢٧ بعد التحريم أحد عشر ألفا وعدد الهالكين سبعة آلاف ونصف الألف. وحاصل القول أن النتائج التي هرت في أمريكا عقب تحريم الخمر تتلخص في أنه: _ زالت عن القلوب حرمة القانون ونشأت نزعة للبغي والتمرد عليه في كل طبقه من طبقات المجتمع. _ لم تتحقق الغاية المقصودة من تحريم الخمر، بل زاد استعمالها بعد التحريم على ما كان عليه قبله. _ تجشمت الحكومة خسائر لا تحصى في تنفيذ قانون التحريم، ومثلها أيضا أصاب الشعب الأمريكي لشرائه الخمر خفية، فتأثرت بذلك اقتصاديات البلاد. _ كثرت الأمراض واختلت الصحة وازدادت نسبة الوفيات، وفسدت الأخلاق وشاعت الرذائل وتفشت الجرائم في جميع طبقات المجتمع وعلى الأخص في الجيل الناشئ. وكانت هذه كلها من ثمرات هذا القانون في ناحية التمدن والأخلاق إلى أن ألغي قانون تحريم الخمر في عام ١٩٣٣م. ظهرت هذه النتائج كلها في دولة تعد من أرقى دول الأرض حضارة. إن أبناءها أوفر حظاً من التهذب والحضارة، فهم أحرى أن يعرفوا ما يضرهم وما ينفعهم.

стр. 12370

والآن هيا بنا نرسل الطرف في قطر كان يعد أجهل أقطار الأرض في أظلم عصور التاريخ قبل أربعة عشرة قرناً، أهاليه أميون، والعلم والحكمة فيه شيء معدوم، والتمدن والحضارة أمر لا يعرفه أحد، وعدد المتعلمين فيه ربما لا يزيد على واحد في عشرة آلاف. وأما أهاليه فعشاق للخمر متهالكون عليها متفانون فيها، في لغتهم نحو مائتين ونصف مائة علم (اسم) لهذا الشراب وحده مما لا نظير له في أية لغة أخرى. يبدو كأنهم رضعوها مع لبان أمهاتهم وكانوا يعتبرونها لازمة لزوم الماء لحياتهم. فإذا كانت الحالة السائدة في شبه الجزيرة العربية قبيل ظهور الإسلام. وما إن يبزغ نور الرسالة حتى تبدأ الشريعة الإسلامية بتحريم الخمر تدريجيا. حتى حرمت الخمر البتة في مدة قليلة فقال الصحابة "انتهينا يا رب! "وقال أنس ﵁: حرمت، ولم يكن للعرب يومئذ عيش أعجب منها، وما حرم عليهم شيء أشد من الخمر. قال: فأخرجنا الحباب إلى الطريق فصببنا ما فيها. فمنا من كسر حبه ومنا من غسله بالماء والطين. ولقد غودرت أزقة المدينة بعد ذلك حيناً، كلما أمطرت استبان فيها لون الخمر وفاحت ريحها. والذي تدل عليه هذه المقارنة بين تحريم الخمر في أمريكا وتحريمها عند العرب، هو أن نجاح أي مشروع إصلاحي إنما يتوقف على مدى قوة الإيمان، فالإيمان بالله والآخرة ينبت منه العمل الصالح والتقوى والإحسان والتواصي بالحق والتواصي بالصبر. ولا يمكن للإنسان أن يتخلص من العادات السيئة إلا بالتربية الإسلامية والأخذ بمنهاج السنة على صاحبها الصلاة والسلام. أما الطرق الحديثة لمعالجة شرب الخمر فهي أمور إضافية كما رأيناها آنفاً. خطة العلاج: وعلاجاً لهذه العادة الخبيثة المدمرة، ومقاومة لتعاطي المسكرات والمخدرات، أقترح لأربع خطوات، اثنتين منها لحكومات الدول الإسلامية واثنتين للأفراد المدمنين: _

стр. 12371

١ _ فواجب على حكومات الدول الإسلامية أن تضع حداً لنظام التعليم غير الإسلامي الرائج في أكثر الدول. فحكوماتنا مسئولة أمام الله والناس عن تنشئة جيل جديد في ضوء القرآن والسنة وتوجيهه وتربيته تربية إسلامية، مع الوقوف على أفكاره بين الحين والآخر تيقنا من النهج القويم. ٢ _ وواجب على حكومات الدول الإسلامية أن تمنع بتاتاً استيراد المسكرات أو إنتاجها وأن تحرم عصرها في داخل البلاد أيضا. وليس هذا غير ممكن. ٣ _ التوبة المتكررة. ٤ _ ذكر الله. والآن أوضح ما أعني بالتوبة المتكررة وذكر الله. التوبة المتكررة: وأعني بالتوبة المتكررة ما يقوم به من يريد التوبة في ضوء السنة على صاحبها الصلاة والسلام. فالذين تعودوا على تعطي المسكرات، عليهم أن يصلوا ركعتين تائبين إلى الله من هذا الذنب العظيم، فالتوبة ندم وعزم واستغفار _ فلا قدر الله حتى وإن سيطر على المدمن إدمانه وهو يشرب الخمر لما بعد توبته فلا موجب ليأسه وعليه أن يتوب مرة أخرى ويندم ويستغفر ويعزم على التخلص من هذا البلاء وأن لا يقنط من رحمة الله. وعليه أن يستمر في تكرار التوبة مباشرة بعد ارتكابه الذنب ولو كان هذا لعدة مرات في اليوم الواحد. هذا لأنه بعد هذا العمل المستمر للتوبة المتكررة سيصبح المدمن من التوابين لا من المصرين على الذنب وقد ورد الحديث: "عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ما أصر من استغفر ولو عاد سبعين مرة في يوم واحد ". [مشكاة المصابيح] وعلي أن أخبركم بتجربتي في هذا الصدد _ جاءني شيخ مدمن وكان يريد التخلص من شرب الخمر _ فنصحت له عمل التوبة المتكررة. فتاب إلى الله ثم رجع إلى ذنبه، ثم تاب ثم شرب الخمر وعمل هكذا عدة مرات حتى جاءني بعد بضعة أيام فقال لي: قد سئمت من هذه اللعبة يا أخي، التي لا طائل من ورائها.

стр. 12372

فقلت: منذ متى وأنت تشرب الخمر؟ فقال: منذ عشرين عاماً. فقلت: عليك أن تجرب هذه اللعبة لعشرين أسبوعاً على الأقل وإن لم تستشعر أية فائدة من هذه التجربة فاتركها. فقال: لن أطمئن حتى تخبرني عن فائدة عمل "توبة فاشلة ". فقلت: يا أخي! تصلي ركعتين وتستغفر وتندم وتتوب إلى الله بكامل إخلاصك فإن من سنة الله أن يغفر لعبده جميع ما كان قد ارتكب من ذنوب لاسيما تلك التي هي من قبيل غضب حقوق الله كما ورد في الحديث قوله ﵊: "التائب من الذنب كمن لا ذنب له ". فكل مرة عندما تشرب الخمر ثم تصلي ركعتين تائبا إلى الله فإن الله سبحانه يغفر لك ذلك الذنب _ فصلاة ركعتين للتوبة هي ربح لك. فإذا أنت استمررت على عمل التوبة فإن الشيطان لن يرضى لك هذا الربح بسهولة بل سيحاول إغراءك مرة تلو المرة بترك صلاة التوبة وإن لم يمكنه ذلك بسبب استمرارك في عمل التوبة في صورة صلاة الركعتين فليس أمامه إلا أن يكون عوناً لك على ترك الخمر. إنه على الأقل سيخلي طريقك ولن يطاردك بوساوسه في هذا الصدد. وأحمد الله سبحانه على أن هذه التجربة قد نجحت نجاحا تاماً وتمكن الشيخ من الإقلاع عن الخمر بهذه الطريقة. ويذكرنا هذا بقصة سيدنا معاوية ﵁ المشهورة مع الشيطان إذ يحكى أن سيدنا معاوية لم يستيقظ في إحدى الليالي للتهجد كعادته، فأسف أسفاً شديدا وبكى أمام الله سبحانه بكاء شديداً. فرأى في الليلة التالية أن الشيطان يوقظه للتهجد فسأله قائلاً: لماذا توقظني للتهجد وأنت عدوي. فقال الشيطان: هذا لأنك اكتسبت البارحة ببكائك أكثر مما تكسب بالتهجد فأبيت عليك ذلك، وجدير بي أن أوقظك للتهجد كي لا تبكي على فواته منك فتكسب أكثر مما تكسب بالتهجد.

стр. 12373

فالحقيقة إذا ما جاء المدمن ونوى أن يتوب بالإقلاع عن شرب الخمر فصلى ركعتين بنية التوبة فإن الشيطان الذي يأبى عليه ذلك يعود فيغريه مرة أخرى، فيشرب ثم يتوب مرة أخرى ويصلي ركعتين وهكذا، وفي كل مرة يمحو الله ذنبه بمجرد توبته وإقلاعه عن شرب الخمر، بل وتكتب له حسنة عن أداء ركعتي الصلاة وتوبته في كل مرة. وعندما يرى الشيطان هذا الفضل، يعز عليه أن يكون سبباً في زيادة الخير لهذا الشارب. فلا يسع الشيطان في النهاية إلا أن يقرر أن يترك شارب الخمر لحاله، فلا يعود يغريه بشربها مرة أخرى حتى لا يكون سبباً في كسب المزيد من الحسنات رغم أنفه. ذكر الله: وقد ورد في عدد من الأحاديث النبوية أن ذكر الله سبب نزول رحمة الله على العبد ورحمة الله تمنع الإنسان من ارتكاب المعاصي كما أن لعنة الله سبب لكثرة المعاصي. فمن اللازم للمدمن أن يكثر من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير والاستغفار وتلاوة القرآن والصلاة على النبي ﷺ وعلى رأس كل الصلاة المكتوبة. ولكل هذه الأذكار أثر بالغ أنها تمنع الإنسان عن ارتكاب المعاصي كما ورد في القرآن: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ . وقد ورد نص صريح في الصلاة على النبي فقال ﵊:"من صلى علي مرة واحدة صلى الله عليه عشر مرات ". وعلينا أن نفهم جيدا ما هو تأثير صلاة الله على العبد فقال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ . وهذا يعني أن الصلاة على النبي تستلزم إخراجه من الظلمات إلى النور.

стр. 12374

فهذه النصوص تدل دلالة قاطعة على أن كثرة ذكر الله لاسيما الصلاة على النبي ﵊ ذات ثمرة حلوة ألا وهي صلاة الله ورحمته على العبد وهكذا فهي تخرجه من الظلمات إلى النور ومن ثم فهو يستطيع أن يتخلص من العادات السيئة ومنها شرب الخمر. سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين. المراجع: ١ _ أحمد محمود حافظ، النقيب، المخدرات، وزارة الداخلية المملكة العربية السعودية _ الرياض ١٩٧٦. ٢ _ بيجيرو، نل، الدكتور _ الإدمان مترجماً باللغة العربية _ دار الثقافة للجميع، دمشق ١٩٧٨. ٣ _ المودودي، أبو علي، الإمام، تنقيحات. إسلامك ببليكشنز لاهور ١٩٨٠. ٤ _ نبيل صبحي الطويل، الدكتور، الخمر، مؤسسة الرسالة بيروت ١٩٨٠. ٥ _ مشكاة المصابيح. بتخريج الألباني. عطها

стр. 12375

العدد ٥٥-٥٦ فهرس المحتويات ١- كلمة التحرير: للشيخ سعد ندا ٢- افتتاحية العدد: لفضيلة الدكتور عبد الله بن عبد الله الزايد ٣- ملف خاص عن وفاة الملك خالد وتوليه جلالة الملك فهد ٤- ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾ : للشيخ أبي بكر الجزائري ٥- والذين لايشهدون الزور: للدكتور جمعة علي الخولي ٦- النهي عن التطوع بعد الإقامة: للدكتور محمد ضياء الرحمن الأعظمي ٧- دراسة حول قول أبي زرعة الرازي ت ٢٦٤هـ في سنن ابن ماجه: للدكتور سعدي الهاشمي ٨- مسلك القرآن الكريم في الاستدلال على وجود الله: للدكتور علي بن محمد بن ناصر الفقيهي ٩- مفهوم الأسماء والصفات: سعد ندا ١٠- التحذير من المعاملات الربوية: لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ١١- دراسات في أصول الفقه إرساء أصل للاجتهاد في عهد النبوة (٤) : للدكتور علي أحمد محمد بابكر ١٢- خصائص العمران في المدن الإسلامية: للدكتور عبد المنعم حسنين ١٣- مُقوِّمات الأمة: للشيخ محمد الراوي ١٤- معجزات القرآن العلمية: للشيخ حامد حسين قدير ١٥- الرسائل الحربية في عصر الدولة الأيوبية (١) : للدكتور محمد نغش ١٦- نصيحة: للشيخ إبراهيم الراشد الحديثي ١٧- فتح الإسكندرية: للدكتور محمد السيد الوكيل ١٨- الحملات الحربية في عهد سليمان القانوني: للدكتور محمد حرب ١٩- رسائل لم يحملها البريد: للشيخ عبد الرؤوف اللبدي ٢٠- صفحة لغة قل.. ولا تقل: للشيخ ضياء الدين الصابوني ٢١- رثاء أهل البصرة في نكبة الزنج عام ٢٥٧ هـ (وما أشبه الليلة بالبارحة) : ٢٢- الحكم على الشيء فرع عن تصوره: للشيخ محمد أمان بن علي الجامي ٢٣- حقيقة العبادة بين شريعة الله وشطط التصوف: للدكتور عبد الفتاح إبراهيم سلامة ٢٤- حُقوُقُ الإنسان بين مزاعم الحكام وشريعة القرآن: للشيخ محمد المجذوب ٢٥- الوصية المنسوبة للشيخ أحمد خادم الحرم النبوي الشريف: لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ٢٦-رابطة العلم الإسلامي تدعو إلى الوقوف في وجه الحملات التنصيرية عن طريق المراسلة: جريدة المدينة ٢٧- ١٧٠ ألف طالب يحفظون القرآن الكريم بالخلاوي السودانية ٢٨- أحداث الأرض المحتلة ... ٢٩- أخبار الجامعة: إعداد الشيخ محمود محمد سالم عمادة البحث العلمي - جميع الحقوق محفوظة ١٤٢٣ هـ / ٢٠٠٢ م

стр. 12376

كلمة التحرير للشيخ سعد ندا هكذا شأن الأمة المؤمنة: إن رزئت تذرعت بالصبر وضرعت إلى ربها ليربط به على قلبها، وإن أعطيت سارعت إلى الشكر ولجأت إلى ربها تسأله به من فضله أن يزيدها. وهذا ما وصف الرسول ﷺ به المؤمن، فعن أبي يحيى صهيب بن سنان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "عجباً لأمْرِ المؤمن، إن أمَرهً كلّه له خير، وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن: إن أصابتة سرَّاء شكَرَ فكان خيراً له، وإنْ أصَابَته ضَرَّاءً صبَرَ فكانَ خيراً له" رواه مسلم. وحين فجعت أمتنا المؤمنة بوفاة إمامها (خالد بن عبد العزيز) ، لم تسخط، ولم تقنط، رغم أنها حزنت وجزعت، بل استمسكت بالصبر وتشبثت به، وسألت ربها أن يربط على قلبها في فجيعتها، وابتهلت إليه أن يفسح لفقيدها في نعيم الجنات، وأن يرفعه فيها عالي الدرجات، لقاء ما قدم من جهود وتضحيات سخية بها نفسه، في ربوع الدنيا إلى الإسلام والمسلمين. فقد كانت حياته سجلا حافلا بالخير لأمته العربية خاصة وللأمة الإسلامية عامة بما لو سطر لحوى مجلدات. فجزاه الله عما بذل خير ما يجزي به المخلصين الصادقين. وحين استجاب الله لهذه الأمة فأعطاها عوض الخير بجلالة الملك (فهد ابن عبد العزيز) ليكون- إن شاء الله- خير خلف لخير سلف. بادرت بحمد الله وشكره على ما أولاها وأعطاها، وضرعت إلى ربها أن يبارك لها فيمن قيضه لقيادتها، وأن يلهمه أمر الرشد الذي يعز في ظله أهل الطاعة، ويذل فيه أهل المعصية، وأن يسدد له - وولي عهده الأمين ومعاونيهم الصادقين- خير الخطى على هدى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .

стр. 12377

وكم أسعدنا كثيرا أن نسمع ونقرأ في كل ما جرى في بيعة الملك فهد - أعزه الله بعزة الإسلام- أن تكون من المبايعين على الكتاب والسنة، إقتداء ببيعات الصدر الأول من الإسلام خير القرون. نسأل الله أن يجعل عهد الفهد عهد خير وبركة ومجد للإسلام والمسلمين في ربوع العالمين، وأن يكون ممن قال الله ﵎ فيهم: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلله عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله الكريم محمد وعلى آله وصحبه.

стр. 12378

التحذير من المعاملات الربوية لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ومن سار على نهجهم واهتدى بهداهم إلى يوم الدين- وبعد: فقد كثرت الدعايات للمساهمة في البنوك الربوية في الصحف والمجلات المحلية والأجنبية وإغراء الناس بإيداع أموالهم فيها مقابل فوائد ربوية صريحة معلنة كل بحسب الفترة الزمنية التي يبقى فيها ما له مودعاً في ذلك البنك، ومن المعلوم من الدين بالضرورة أن الفوائد التي يأخذها أرباب الأموال مقابل مساهمتهم أو إيداعهم في تلك البنوك حرام سحت وهي عين الربا الذي حرمه الله ورسوله ومن كبائر الذنوب، ومما يمحق البركة ويفسد المال على صاحبه إذا خالطه ويسبب عدم قبول عمله، وقد صح عن رسول الله أنه قال: "إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً﴾ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَ اكُمْ﴾ ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب له"رواه مسلم. وليعلم كل مسلم أنه مسئول أمام ربه عن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه. ففي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: "لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن شبابه فيما أبلاه، وعن عمره فيما أفناه، وعن ماله من أين جمعه وفيم أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به".

стр. 12379

واعلم أيها المسلم وفقك الله أن الربا كبيرة عظيمة من كبائر الذنوب التي جاء تحريمها في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ بجميع أشكاله وأنواعه ومسمياته قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ الله﴾ وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ الله الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى الله وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ يَمْحَقُ الله الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَالله لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ الله وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ .

стр. 12380

وقال النبي ﷺ : "اجتنبوا السبع الموبقات قالوا يا رسول الله وما هن قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات"ومعنى الموبقات المهلكات. وقد عد الربا منهن. وقال ﷺ : "الربا ثلاثة وسبعون حوبا أيسرها مثل أن يأتي الرجل أمه"وصح أن رسول الله ﷺ : "لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال: "هم سواء" وقال ﷺ : "الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والتمر بالتمر والشعير بالشعير والملح بالملح مثلاً بمثل يداً بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربى الآخذ والمعطي فيه سواء" رواه مسلم. فهذه بعض الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ تبين تحريم الربا وخطره على الفرد والأمة وإن من تعامل به وتعاطاه فقد أصبح محارباً لله ورسوله. فنصيحتي لكل مسلم أن يكتفي بما أباح الله ورسوله وأن يكف عما حرمه الله ورسوله، ففيما أباح الله كفاية وغنى عما حرم وألاّ يغتر بكثرة بنوك الربا وانتشار معاملاتها في كل مكان فإن كثيراً من الناس أصبح لا يهتم بأحكام الإسلام وإنما يهتم بما يدر عليه المال من أي طريق كان وما ذلك إلا لضعف الإيمان وقلة الخوف من الله وغلبة حب الدنيا على القلوب نسأل الله السلامة.

стр. 12381

وهذا الواقع المؤلم من الكثير من المسلمين يوجب على المؤسسات الخاصة والجهات الرسمية وخواص التجار بأن يتعاونوا جميعاً على تعزيز المصارف الإسلامية التي بدأت تظهر في بلاد المسلمين وثبت نجاحها ولله الحمد وأن يعمل الجميع على تحويل البنوك القائمة اليوم إلى بنوك إسلامية تكون معاملاتها متمشية مع الشريعة الإسلامية وخالية من الربا بجميع أشكاله وصوره كما أني أَوجه نصيحتي إلى المسئولين في الصحف المحلية خاصة وفي صحف البلاد الإسلامية عامة أن يطهروا صحافتهم من نشر كل ما يخالف شرع الله في أي مجال من مجالات الحياة، كما آمل من الجهات المسئولة التأكيد على رؤساء الصحف بأن لا ينشروا شيئاً فيه مخالفة لدين الله وشرعه. والله المسئول أن يوفق المسلمين عامة وولاة أمورهم خاصة للتمسك بشرعه وتحكيم شريعته وأن يأخذ بنواصيهم إلى ما فيه صلاح دينهم ودنياهم وأن يجنبنا جميعاً طريق المغضوب عليهم والضالين إنه ولي ذلك والقادر عليه وصلى الله وسلم على خير خلقه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. والسبب في ذلك في حين أن عدد المسلمين في بدء الفتوحات الإسلامية لم يتجاوز عدد سكان بلد صغير من بلداننا الحاضرة، نرى المسلمين اليوم يقاربون المليار. وأن أرضهم تحتل سرة العالم إذ تمتد من الصين إلى الأطلسي وتتمتع بمناخ معتدل صالح لجميع الفلاحات وتتحكم في جميع خطوط المواصلات العالمية براً وبحراً وجواً وتشتمل على معظم الأجناس البشرية وتحتوي على أنواع المعادن والمحروقات الضرورية لكل تصنيع. ولكن هذه الكتلة الهائلة من الطاقات المدخرة ينقصها النضج والتبصير وتمزقها الأطماع الداخلية والخارجية والنزعات العرقية والنعرات القبلية والتكالب على السلطان، فإذا بها قوة متآكلة وبركان يغلي في مرجله وطاقات تحترق في الهواء وتذهب بخاراً ودخاناً.

стр. 12382

والسبب الأساسي في ذلك التشتت الرهيب هو انحراف العقيدة وحب الدنيا والبعد كل البعد عن روح الإسلام والتعصب الأعمى للمذاهب واندساس المخربين العاملين ليل نهار على تحريف المعاني الصحيحة وتهديم الأركان الثابتة وزرع الشك والبلبلة في الأفكار. (جوهرة الإسلام)

стр. 12383

دراسات في أصول الفقه إرساء أصل للاجتهاد في عهد النبوة (٤) للدكتور علي أحمد محمد بابكر أستاذ مساعد بكلية الشريعة في حياة الرسول صلى الله عديه وسلم أقر مبدأ الاجتهاد الذي تندرج تحته الأصول الاجتهادية المتعددة، هذا المبدأ أقره القرآن وأقرته السنة ثم تبعهما بعد ذلك إجماع الصحابة رضوان الله عنهم في إقراره. فأمر الاجتهاد لم يكن أمراً مستحدثاً ابتدعته عقول الفقهاء، وإن كانوا قد بينوه وفصّلوا قواعده ومهدوا طريقه ودونوه في الكتب كعلم له معالمه وحدوده. فالرسالة السماوية التي اشتمل عليها القرآن والسنة، والتي هي لصلاح الناس كافَّة كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (سبأ:٢٨) هذه الرسالة لابد وأن تشتمل على المبادئ والأسس التي عليها صلاح الناس في كل الأزمنة وكل الأمكنة. وبما أن أحداث الحياة كثيرة ومتنوعة ومتجددة فلا بد من وضع مبادئ تستوعبها. فالنص على جزئيات حياة الإنسان في كل الأزمنة والأمكنة، في كتاب الله وسنة رسوله - وإن كان ممكناً من جهة الشارع- فإنه يصعب بل يستحيل استيعابه على الناس إن نص الشارع عليه، فالأجيال الحاضرة لا تستطيع استيعاب ما يستجد في مقبل الأيام مما لا يعنيها في حياتها لأنه لم يظهر في زمانها، كما وأن الأجيال التي مضت ربما يصعب عليها استيعاب كثير مما استجد في الأزمان التي تلتها. ولا يخفى أن الفائدة تقل إن لم تنعدم في اشتغال الناس بأمور وتفصيلات لا تعنيهم ولا تفيدهم، وكذلك لا تخفى صعوبة تكليف الناس بإدراك تفصيلات حالات أفراد البشر وأسمائهم وما يتعلق بتصرفاتهم كلها من أحكام على سبيل التفصيل لا على سبيل الإجمال، إذا شاء الله أن ينص عليها جميعها.

стр. 12384

من أجل ذلك وضع الشارع عن طريق الوحي السماوي أسس ومبادئ وحدود الاجتهاد العقلي المستند على النصوص وروح الشريعة ليستنبط علماء الأمة أحكاماً شرعية للأحوال المستجدة في الأزمان المختلفة، تلك الأحوال التي لم ينص عليها رحمة بالناس ولطفاً. وبتقريرنا أن القرآن والسنة قد وضعا أسس الاجتهاد العقلي وحدوده فإنه يصبح لا مجال لاستحداث أصول جديدة للفقه كما يتوهم البعض- فأصول الفقه كلها قد وضعت منذ عهد الرسول ﷺ وعن طريق الوحي- أما الاختلاف الذي وقع بين الأصوليين حول بعض وجوه الاجتهاد العقلي فقد وقع حول مدى احترام هذا الاجتهاد بعد تطبيقه على أفراد الحوادث، ومدى الإلتزام به بالنظر للجهة التي طبقت هذا المبدأ. وأيضا وقع ذلك الخلاف بين الأصوليين حول تسميات بعض وجوه الاجتهاد وما تشمله تلك التسميات كذلك وقع بعض الاختلاف عندما أَراد بعض الحائدين عن الجادة أن يتجاوزوا بالاجتهاد حدوده الشرعية، فوقع مع هؤلاء حوار ونقاش. فلا يستطيع قائل أن يقول: بأن التفكير العقلي المجرد من اعتبار القرآن والسنة يمكن أن يكون أصلاً من أصول الشريعة. ولا يستطيع أخر أن يقول: إن رأي الشعب- أي عامة الناس ممن يجهلون الشريعة- يمكن أن يعتبر أصلاً من أصول الشريعة. اللهم إلا إذا كانت شريعة أرضية وضعية وليست شريعة سماوية، فلا ينبغي أن يؤخذ بقول الذين يدركون أطرافاً من الشريعة ثم يجهرون بأقوال دون الشريعة وأصولها هي في واقع الأمر أقوال تخرج عن دوافع المسلم الحادب على نقاء شريعة الإسلام من غير خلط لها بأخلاط القصور عن فهمها وفهم أسسها وقواعدها، أو خلط لها بأخلاط التقُّرب من الملل الأخرى التي تهدف لتذويب الإسلام وشريعته بين تضارب القوانين الوضعية. دليل إرساء أسس الاجتهاد العقلي منذ عهد الرسول ﷺ :

стр. 12385

فيما- يلي نورد بعضاً من الأدلة على أن الاجتهاد العقلي في الشريعة قد أقر مبدؤه وأرسيت قواعده وتبيَّنت حدوده واتضحت صورته في حياة رسول الله ﷺ وعن طريق الوحي وحده. وأنه لا زيادة على ما ثبت في عهد النبوة في أمر الاجتهاد. والأدلة التي سنوردها ستكون من القرآن الكريم ومن السنة النبوية. ثم نردف ذلك ببيان موافقة دليل العقل لذلك، ثم موافقة إجماع الصحابة بعد عهد النبوة على العمل بأصل الاجتهاد الذي ثبتت مشروعيته في عهد رسول الله ﷺ . دليل القران الكريم: يقول : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ (سورة النساء ٥٩) . ويقول تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلا قَلِيلاً﴾ (النساء:٨٣) هاتان الآيتان من سورة النساء هما من أوضح الأدلة من القرآن الكريم في هذا المقام، وإن كان العلماء قد أوردوا آيات أخر للاستدلال على مشروعية الاجتهاد العقلي في شريعة الإسلام، لكن نكتفي بهاتين الآيتين لما أشرنا من وضوحهما في الدلالة ولتطابق بقية الآيات معهما فيما قصد الاستدلال بهما عليه. ونورد فيما يلي نقاطا مستخلصة من هاتين الآيتين نخلص منها إلى بيان وجه الاستدلال:

стр. 12386

أولا: يؤخذ من هاتين الآيتين أن المؤمنين مأمورون- في كشف تصرفاتهم- بطاعة الله تعالى بأن يتبعوا الأحكام المنزلة في كتابه الكريم، ومأمورون بطاعة رسوله ﷺ بأن يتبعوا ما جاء في سنته المطهرة، ثم إنهم مأمورون أيضا باتباع أولي الأمر من المؤمنين مادام أولو الأمر يستمدون آرائهم وتوجيهاتهم وتصرفاتهم من الكتاب والسنة. ثانيا: أن معنى أولي الأمر من المؤمنين يشمل أهل العلم والفقه في الدين وولاة المسلمين ما أطاعوا الله في الناس واتبعوا شريعته عن علم وورع. وممن قال بأن المراد أهل العلم والفقه في الدين: جابر بن عبد الله ومجاهد وعطاء ومالك والضحاك وابن كيسان وغيرهم. وممن قال بأن المراد بأولي الأمر الولاة أبو هريرة وعلماء آخرون [١] . ثالثا: أن الأمر برد الأمور المتنازع فيها إلى الله تعالى وإلى رسوله ﷺ هو أمر للمسلمين جميعا على مر العصور وليس أمرا خاصا بالمسلمين في حياة الرسول ﷺ فحسب، وهذا يعني مشروعية الاجتهاد العقلي لرد الأمور المختلف فيها والتي لا نص فيها إلى القرآن والسنة بمعنى أن يحكم فيها بما يتفق مع الأهداف التي قررها المصدران. وليس المقصود بالرد استخدام الأحكام المنصوصة، لأن الأحَكام المنصوصة قد سبق الأمر بتطبيقها في قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُول﴾ وبعد تطبيق النصوص إذا واجه الناس أمر غير منصوص على حكمه وتنازعوا عليه فعليهم رده على النصوص بقياسه عليها والحكم عليه بما يتفق مع مبادئ وأهداف الشريعة وإذا فسرنا المأمور به بأن يتبع الناس الأحكام المنصوص عليها لكان هنالك تكرار في الآية الأولى، حيث أن الأمر بطاعة الله وَرسوله- كما أشرنا- هو أمر باتباع نصوص القرآن والسنة فلو كان الرد أيضا باتباع نصوص القرآن والسنة لا القياس عليها لكان الأمر مكررا بصورة لا تستقيم مع بيان القرآن الكريم [٢] .

стр. 12387

ويؤيد هذا المعنى ما جاء في الآية الثانية: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ والاستنباط هو استخراج الحكم وبيانه بعد أن لم يكن موجوداً، والنصوص عليه موجود أصلا ولا يحتاج إلى استنباط أما غير المنصوص فهو الذي يحتاج إلى الاستنباط والقياس على ما نص عليه. رابعا: أن الاجتهاد العقلي في الأحكام الشرعية مقصور على العلماء (الذين يستنبطونه) فيجب أن لا يمارسه الذين يجهلون الشريعة، وقد شنع بنفسه من قال: إن رأي الشعب يكون أصلا، من أصول الشرع ولعلنا نعقد فصلا خاصا بهذه المسألة. خامسا: أن هنالك صفات وشروطا خاصة يجب أن تتوفر في العلماء الذين يقومون باستنباط الأحكام. لذلك لم يقل القرآن الكريم (لعلمه العلماء) ولكن قال: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ وهذا يعني الذين يجوز لهم الاستنباط هم أصحاب علم دقيق بالشريعة، ولقد لخص علماء الأصول هذه الصفات والشروط الخاصة، وسنذكرها في مكانها إن شاء الله مبينين مواطن الإتفاق والاختلاف فيها. فليس أمر الاجتهاد سهلا يخوضه من شاء من غير تسلح بأدواته ولا استعداد ببلوغ درجته. وإن كان الأمر في قوله تعالى (فردوه) شامل لكل المكَلفين إلا أن الرد لابد من أن يكون عن طريق العلماء الذين تتوفر فيهم المعرفة الكافية بالشرع وتفصيلاته ومبادئه وأهدافه. وقد بينت هذا المعنى بعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، كما بين ذلك تطبيق الصحابة ﵃ بعد وفاة رسول الله ﷺ .

стр. 12388

والخلاصة أن هاتين الآيتين وأمثالهما من الآيات تدل على وجوب رد الأمور المتنازع فيها مما لم يرد في فيه نص إلى نصوص القرآن والسنة. وذلك الرد يكون عن طريق الاجتهاد العقلي بقياس ما لا نص فيه على ما ورد فيه نص، إما على حالات معينة مخصوصة أو على روح الشريعة التي بينتها النصوص. وبذلك تتعدد وجوه الاجتهاد وتتعدد تسميات هذه الوجوه من قياس ومصالحِ.. الخ، وهذا العمل الاجتهادي لا يقوم به إلا العلماء من ذوي المستويات العلمية الخاصة. ثم على عامة المسلمين أن يرجعوا في أمورهم إلى علمائهم الثقات. ولقد كان لبعض علماء الأصول رأي آخر في الاستدلال بهذه النصوص القرآنية الكريمة على جواز الاجتهاد العقلي في الشرع، ويتلخص هذا الرأي في أن هذه النصوص القرآنية التي أوردناها وأمثالها مما أورده بعض علماء الأصول للاستدلال في هذا المقام لا تدل دلالة صريحة قاطعة على هذا المعنى. وكذلك رأوا أن الأحاديث النبوية المروية في هذا المقام - والتي سنورد بعضا منها في الفقرات التالية- هي أحاديث آحاد وأنها معارضة بأحاديث أخرى تمنع الاجتهاد العقلي وعليه فدلالتها على جواز الاجتهاد في الشريعة ليست قاطعة، لذلك لجأوا إلى اعتماد إجماع الصحابة وحده ليدل على جواز الاجتهاد العقلي في الشريعة، ذلك أن الصحابة ﵃ اعتمدوا على مستندات كثيرة، منها ما اندرس ولم ينقل إلينا اكتفاء بما علموه ضرورة، ومنها ما نقل ولكنه كان نقل آحاد، ومنها ما نقل تواتراً لكن ألفاظه تحتمل التأويل، ومنها قرائن أحوال يصعب وصفها ونقلها فلم تنقل إلينا، فكان تطبيقهم الاجماعي للاجتهاد دليلا قاطعا في جوازه [٣] . دليل السنة على إرساء أصول الاجتهاد في عهد رسول الله ﷺ :

стр. 12389

لقد رويت أحاديث عديدة أوردها علماء الأصول لإثبات أن رسول الله ﷺ وجه الصحابة رضوان الله عنهم أن يجتهدوا رأيهم متى لم يجدوا نصا من قرآن أو سنة يوضح حكم الحادثة. وأنه ﷺ ذكر تعليلات لأحكام شرعية عديدة مشيرا بذلك إلى أن أحكام الشريعة تشتمل على علل وحكم (جمع حكمة) هي بواعث التشريع وأهدافه. فما انكشف للعقل من تلك البواعث يمكن أن تقاس عليه الحالات التي لم ترد فيها نصوص. وفيما يلي نورد بعضا من تلك الشواهد السنية، ثم نبين وجوه دلالاتها، ونبدي الملاحظات المتعلقة بها. أولاً: روي عن النبي ﷺ أنه قال لمعاذ بن جبل حين بعثه قاضيا على اليمن: "بم تحكم؟ " قال: بكتاب الله. قال "فإن لم تجد؟ " قال: فبسنة رسول الله قال: "فإن لم تجد؟ " قال: أجتهد رأيي ولا آلو. فقال رسول الله ﷺ : "الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي الله ورسوله". ثانيا: روي أن رسول الله ﷺ قال لابن مسعود: "اقض بالكتاب والسنة إذا وجدتهما فإن لم تجد الحكم فيهما أجتهد رأيك". ثالثاً: روي عن رسول الله ﷺ تعليله لأحكام عديدة. وهذا التعليل يشير إلى أن بعض الأحكام معقول المعنى من أجل فهم مقاصد الشرع والاسترشاد بذلك لإيجاد أحكام للحالات التي لم ترد فيها نصوص. ومما ورد فيه تعليل رسول الله ﷺ للحكم إباحته ﷺ ادخار لحوم الأضاحي بعد أن كان قد نهى عن ذلك فقال: "كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي لأجل الدافة فادخروها". وهناك نصوص كثيرة وردت من السنة تدل على إباحة استعمال العقل أو الرأي في الشريعة لاستنباط الأحكام عندما لا يوجد نص يحدد حكم الحالة المعنية.

стр. 12390

ولا يقدح في دلالة هذه النصوص السنيَّة أن نصوصا سنيَّة أخرى عارضتها في ظاهرها حيث جاءت تمنع استعمال الرأي في الشرع، فالتوفيق بين النصوص المبيحة لاستعمال الرأي والمانعة لاستعماله ممكن بحيث تقبل جميع هذه النصوص المبيحة والمانعة، هذا إذا لم نتعرض لتضعيف بعضها. وجملة الملاحظات التي يمكن أن نبديها حول هذه النصوص السنيّة المجيزة لاستعمال العقل في الشرع تنحصر فيما يلي: أولاً: أن ما أوردناه من شواهد من السنة النبوية وإن كانت من أخبار الآحاد إلا أنها تضافرت كثير من الشواهد الأخرى من السنة فأكدت تجويز السنة استعمال الرأي في الشريعة عند الضرورة، أي عند عدم وجود النص في الحادثة وقد تلقى أكثر العلماء هذه الأحاديث بالقبول واستشهدوا بها في هذا المقام. ثانياً: الأحاديث التي أوردها المعارضون لاستعمال الرأي في الشريعة- على افتراض صحتها- لا تنهض دليلا على منع استعمال الرأي في الشريعة، وذلك أن هذه الأحاديث وردت في ذم استعمال الرأي القائم على الهوى أو المعارض للنصوص أو القائم على الجهل. وهذا النوع من الرأي مرفوض عند الجميع، فالذين جوزوا استعمال الرأي في الشرع لم يجوزوه على إطلاقه بل جوزوه بقيود حيث لا نص ولا تعارض مع النص ولا هوى ولا جهل هذا بجانب وجود الضرورة الداعية لإيجاد الحكم. ثالثاً: هذه الأحاديث النبوية التي أوردناها وما ورد في معناها تجيز استعمال الرأي بوجوهه المختلفة المشروعة التي تعرض لبيانها علماء الأصول في كتبهم من قياس ومصالح وغيرها. ونحن لا نرى ما يرى بعض العلماء من أن الأولى عدم الاستدلال بهذه الأحاديث على جواز الرأي طالما أنها معارضة بأحاديث أخرى تنهي عن استعمال الرأي في الشرع، بحجة أن جميعها أخبار آحاد ولا يمكن ترجيح طرف على الآخر. فكما أوضحنا في السطور السابقة فإن التوفيق بين النوعين من الأحاديث ممكن، فلا معنى لاطراحها وترك الاستدلال بها.

стр. 12391

لا يتعارض الاجتهاد مع تمام الدين وشمول الكتاب: بحث المعارضون للاجتهاد في الشريعة عن كل دليل نصيّ أو عقلي للبرهنة على صحة قولهم، ولقد أشرنا إلى ما أوردوه من نصوص السنة المعارضة وأوضحنا كيفية التوفيق بينها وبين النصوص المجيزة. ونود هنا أن نتحدث عن بعض الآيات التي أوردها المعارضون للاجتهاد لدعم رأيهم، فمن هذه الآيات التي أوردوها [٤] والتي تعتبر من أقوى استدلالاتهم القرآنية قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً﴾ (المائدة:٣) وقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل: من الآية٨٩) أما الآية الأولى، وهي آية المائدة، ففي تاريخ نزولها قولان: القول الأول: أنها آخر آية نزلت من القرآن الكريم. وعلى هذا القول فكمال الدين يعني ورود تمام مبادئه في الكتاب والسنة- والكتاب والسنة قد اشتملا على جواز الاجتهاد العقلي. فلا تناقض بين هذا المعنى وجواز الاجتهاد في الشرع. القول الثاني: في تاريخ نزول الآية هو: أنها لم تكن آخر آية نزلت من القرآن، بل نزلت بعدها آيات وشرعت أحكام مثل آيات الكلالة والربا [٥] . وعلى هذا القول فإن كمال الدين قطعاً لا يعني ورود كل تفاصيل الدين في القرآن والسنة بدليل ورود أحكام بعد نزول تلك الآية. وعليه فتفسير الآية هو أن كمال الدين يعني نزول معظم الأحكام الشرعية التفصيلية ونزول أصول الأحكام ومبادئها- حتى إذا نزلت أحكام بعد ذلك تكون مبنيّة على تلك الأصول. فعلى كلا الرأيين في تاريخ نزول الآية فإن المقصود من كمال الدين هو تضمن القرآن والسنة لأصول الشرع ومبادئه ودلالتهما على جواز الاجتهاد العقلي في ميدان الشرع، وتوجيههما لوسائل الاجتهاد وشروطه.

стр. 12392

أما الآية الثانية وهي آية النحل وهي قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ فإن هذه الآية والآيات الأخرى التي تحمل نفس المعنى مثل قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْء﴾ (الأنعام:٣٨) ، فإنها تدل على أن ما جاء في الكتاب الكريم هو بيان شامل للأحكام ولطريق الشرع، لكن هذا البيان قد حدث بأكثر من أسلوب. وهذه الأساليب تتلخص فيما يلي: أولاً: في دلالة ألفاظ القرآن دلالة مباشرة على الأحكام، مثل قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (المزمل:٢٠) . وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (المائدة:٩٠) . ففي هاتين الآيتين دلالة مباشرة على وجوب الصلاة والزكاة وتحريم الخمر والميسر والأنصاب والأزلام. ثانياً: دلالة ألفاظ القرآن الكريم دلالة غير مباشرة على الأحكام وذلك بواسطة الاستنباط والاجتهاد العقلي القائم على مبادئ الشرع والمندرج تحت أهدافه. وهذا الاجتهاد العقلي قد دل على شرعيته القرآن الكريم نفسه. وكانت دلالة القرآن الكريم على مشروعية الاجتهاد بطريقين: الطريق الأول: دلالة القرآن الكريم على مشروعية الاجتهاد والاستنباط بألفاظ تعطي هذا المعنى مباشرة، مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُول﴾ (النساء: ٥٩) . وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُم﴾ (النساء: ٨٣) .

стр. 12393

فقد فهم العلماء من هاتين الآيتين ومثيلاتهما أن القرآن يوجه إلى رد مسائل التنازع التي لا نص على حكمها -ردها- إلى القرآن والسنة عن طريق استنباط علل الأحكام التي نص عليها في المصدرين ثم القياس بواسطة هذه العلل المستخرجة على الأحكام المنصوصة. الطريق الثاني: لدلالة القرآن على مشروعية الاجتهاد العقلي هو أمره باتباع السنة النبوية واتباع إجماع المسلمين، والسنة النبوية وإجماع الصحابة رضوان الله عنهم قد دلا على جواز الاجتهاد في الشرع، فآية سورة النساء المذكورة في السطور السابقة والتي ورد فيها: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ . وقوله تعالى في آية أخرى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ (النساء:١١٥) .

стр. 12394

فهاتان الآيتان وما شابههما من آيات في القرآن الكريم تدل على وجوب اتباع الرسول ﷺ ولا يكون ذلك إِلا باتباع ما جاء به من سنة، وتدل هذه الآيات أيضا على وجوب اتباع سبيل المؤمنين والذي فسّره كثير من العلماء بأنه طريق إجماع المسلمين. وإذا لم يسلم بعض العلماء هذا التفسير فإن السنة التي دل على وجوب اتباعها القرآن الكريم دلت على وجوب اتباع الإجماع فالرسول ﵇ يقول: "أمتي لا تجتمع على الخطأ" ويقول ﷺ : "أمتي لا تجتمع على الضلالة"، ويقول: "من سره بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة". وقد وردت أحاديث أخرى كثيرة موافقة لهذه الأحاديث في معناها توضح تعظيم الرسول ﷺ لرأي جماعة المسلمين وتوجيهه للمسلمين بأن يلتزموا رأي إجماعهم وإجماع المسلمين هو إجماع علمائهم الذين يعرفون نصوص الشريعة ويفهمون مراميها. وهم الذين أشار إليهم القرآن الكريم في الآية المذكورة في الأسطر السابقة ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ . وهذه الأحاديث الكثيرة ذات المعاني المتطابقة رواها جماعة من كبار الصحابة مثل: عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وأبي سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وعبد الله ابن عمر، وحذيفة بن اليمان. وهي وإن كانت أخبار آحاد لكنها كانت مشهورة بين الصحابة رضوان الله عنهم معمولاً بها، لم ينكرها أحد. فحدث بها علم ضروري بأن أمة المسلمين لا تجتمع على ضلال. ثم إن الصحابة ﵃ قد أجمعوا على اتباع الإجماع متى ما وجد وتحقق، حيث إن كبارهم أمثال أبي بكر وعمر كانوا لا يحيدون عما اجتمع عليه علماؤهم، أما قبل اجتماع علمائهم وانعقاد إجماعهم على حكم فلكل منهم أن يبدي رأيه وأن يتمسك به كما تمسك أبو بكر بقتال أهل الردة.

стр. 12395

فالسنة النبوية وإجماع المسلمين الذين دل على وجوب اتباعهما القرآن الكريم، قد دلا بدورهما على جواز الاجتهاد العقلي في الشرع فيما لم يرد فيه نص فالرسول ﷺ عندما أرسل معاذاً إلى اليمن قاضياً أقره على أن يجتهد رأيه إذا لم يجد نصاً. وكذلك وجه ﷺ ابن مسعود بأن يجتهد رأيه إذا لم يجد الحكم في الكتاب والسنة كما أوضحنا ذلك في الصفحات السابقة [٦] . أما الصحابة رضوان الله عنهم فقد نقل عنهم الإجماع على العمل بمبدأ الاجتهاد العقلي. ونقلت عن كثير من أفرادهم أحكام شرعية متعددة اعتمدوا فيها على الاجتهاد. فقد نقل عنْهم عدم إنكارهم على من اجتهد منهم برأيه فيما لم يرد فيه نص. أما الاجتهاد الذي أنكروه فهو الاجتهاد المتعارض مع النصوص الثابتة أو الاجتهاد الصادر عن الجهل من الذين لا يفرقون بين ما ورد في حكمه نص وما لم يرد فيه نص. ومن أمثلة عمل الصحابة ﵃ بالاجتهاد العقلي المبني على مبادئ الشريعة وأهدافها، اجتهادهم في تحديد مدلول قول من قال لزوجته: (أنت عليّ حرام) فقد قال أبو بكر وعمر ﵄ : إن مدلول هذا القول يمين تجب فيه كفارة اليمين. وقال علي وزيد ﵄ : هو طلاق ثلاث. وقال ابن مسعود ﵁ هو طلقة واحدة. وقال ابن عباس وبعض من الصحابة: هو ظهار، وقالوا تجب فيه كفارة الظهار وتلزم فيه أحكامه. وقد أجمع الصحابة ﵃ على عدم إنكار النظر في هذه المسألة بالاجتهاد لعدم ورود نص فيها.
следующие страницы →