Полный текст (23 804 стр.). Показаны 14316–14355 · переход к 14321.
стр. 14316
فإن العالم الغربي اليوم في متاهة الحيرة وظلمة الضلالة ولو وجد ضياء من تعاليم الإسلام لبادر إليه.
وليس بعيدا عنا إسلام (الدكتور المسيحي) في المؤتمر الطبي. لما رأى ما في الإسلام من تعاليم وما في القرآن من إعجاز الأمر الذي جعله يعلن عن إسلامه في قاعة المؤتمر عن قناعة وإدراك ومعرفة.
وها هي الأعداد الكثيرة التي يعلن عن إسلامها في كثير من دول العالم. وفي هذه البلاد وفي المدينة بالذات لما يشاهدون من إخاء وتعاطف وتعاون وتراحم فالله الله في الدعوة إلى الله وإلى التضامن الذي هو التطبيق العملي لدعوة الإسلام: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُون﴾ .
كما إنا لنهيب بالجهات المختصّة أن تمد يد العون وتبذل كل الجهد لمساعدة الدعاة إلى الله في دول العالم بما يستطيعون به القيام بواجبهم وأداء عملهم على الوجه الذي يرونه وتتطلبه دعوتهم في مراكز عملهم.
كما نأمل دوام انعقاد هذا المؤتمر وعلى فترات متقاربة لمدارسة أحوال الدعاة على ضوء واقع حياتهم وما يستجد أمامهم: وتقديم المساعدة إليهم قولا وعملا وبالله التوفيق.. وصلى الله وسلم وبارك على إمام المرسلين وخاتم النبيين وعلى آله وصحبه وسلم ...
стр. 14317
كَيفَ أقامَ النبيُّ ﷺ أوَّل دَوْلة إسلاميَّة
عَلى التضَامُنِ وَالوَحْدَة؟
الدكتور محمد السيد طنطاوي
رئيس شعبة التفسير بالدراسات العليا بالجامعة
كلمتا التضامن والوحدة، من الكلمات المحببة إلى النفوس، لأنهما تدلان على التكافل، والترابط، والتراحم، بين الأفراد والجماعات.
وقد سما الإسلام بهاتين الكلمتين، فجعلهما رمزاً للتعاون على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان، بعد أن كانتا في الجاهلية، تخضعان للروابط العنصرية، وللنزعات القبلية، ولإرضاء ما جبلت عليه النفوس - التي استحوذ عليها الشيطان- من حب للسيطرة، ومن التعالي على الغير، وإخضاعه لسلطانه ... فمثلا، قبل الإسلام، تضامنت واتحدت قبيلة الأوس فيما بينها، وقبيلة الخزرج فيما بينها، على أن تنتقم كل قبيلة من الأخرى، وأن تخضعها لسلطانها ...
أما بعد أن وفق الله- تعالى- هاتين القبيلتين للدخول في الإسلام فقد صار هذا التضامن، يقوم على الحب والإخاء والتعاطف بين الجميع، بدون تفرقة بين قبيلة وأخرى.
ولقد أقام النبي ﷺ أول دولة إسلامية على التضامن والوحدة، عن طريق التوجيهات القرآنية، والإرشادات النبوية.
وذلك لأن القرآن الكريم، هو الكتاب الذي أنزله الله- تعالى- على نبيه ﷺ لكي يخرج الناس به من الظلمات إلى النور، وليكون هداية لهم إلى ما هو أقوم، وليرشدهم إلى ما يسعدهم ويصلحهم، وليجنبهم الوقوع في الأخطاء التي لا تحمد عقباها.
أما السنة النبوية فمن أهم وظائفها: تفصيل ما جاء في هذا القرآن من إجمال، وتأكيد ما أمر به أو نهى عنه ...
стр. 14318
روى الإمام أبو داود في سننه عن المقداد بن معد يكرب، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السباع" [١] .
وهذه التوجيهات القرآنية، وتلك الإرشادات النبوية، قد سلكت في إقامة أول دولة إسلامية على التضامن والوحدة، مسالك متنوعة، أن أهمها ما يأتي:
أولاً: أن القرآن الكريم، قد بين للناس جميعا، أن الله- تعالى- قد خلقهم بقدرته من نفس واحدة، فعليهم أن يعيشوا في هذه الحياة متآخين متحابين.. قال - تعالى- ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً﴾ ] النساء: [١.
والمعنى: يا أيها الناس اتقوا ربكم بأن تطيعوه فلا تعصوه، وبأن تشكروه فلا تكفروه، فهو وحده الذي أوجدكم من نفس واحدة، هي نفس أبيكم آدم، وهو وحده الذي أوجد من هذه النفس الواحدة زوجها حواء، وهو وحده الذي "بث "أي: نشر وفرق، من تلك النفس الواحدة وزوجها، على وجه التوالد والتناسل، رجالا كثيرا، ونساء كثيرة.
فأنت ترى أن هذا النداء لجميع المكلفين، قد نبههم إلى أمرين:
أولهما: وحدة الاعتقاد بأن ربهم واحد لا شريك له، فعليهم أن يخلصوا له العبادة، لأنه هو الذي خلقهم وهو الذي رزقنهم، وهو الذي يميتهم وهو الذي يحييهم، وهو الذي أوجدهم جميعاً - بقدرته النافذة- من نفس واحدة.
وثانيهما: وحدة النوع والتكوين، إذ الناس جميعاً على اختلاف ألسنتهم وأشكالهم وأجناسهم، قد انحدروا عن أصل واحد..
стр. 14319
ومادام الأمر كذلك فيجب أن يشعر الجميع بفضل الله عليهم، وأن يبنوا علاقاتهم فيما بينهم على التضامن والتكافل والإخاء وأن يوقنوا بأنه لا فضل لجنس عَلى جنس، ولا للون على لون، إلا بمقدار حسن صلتهم بربهم، وطاعتهم لخالقهم- .
وقد أكد النبي ﷺ هذا المعنى في كثير من أحاديثه، ومن ذلك ما جاء في خطبته الجامعة في حجة الوداع فقد جاء فيها:
"أيها الناس ألا إن ربكم واحد, لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأسود على أحمر، ولا لأحمر على أسود, إلا بالتقوى. ألا هل بلغت؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال ﷺ : فليبلغ الشاهد الغائب".
ثانياً: لقد صرح القرآن الكريم، بالحكمة التي من أجلها خلق الله- تعالى- الناس من ذكر وأنثى، وجعلهم شعوباً وقبائل، فقال- تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ ] الحجرات: ١٣ [.
وقوله "شعوباً" جمع شعب، وهو الجمع العظيم من الناس يجمعهم أصل واحد.
وقوله "قبائل"جمع قبيلة. والقبيلة: الجماعة من الناس يضمهم أب واحد.
والمعنى: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وهما آدم وحواء ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ .
أي: وجعلناكم كذلك ليعرف بعضكم بعضاً، فتصلوا الأرحام، وتتبينوا الأنساب، وتتعاونوا على ما ينفعكم، ويصلح شأنكم.
فالتعارف - لا التناكر- هو أساس العلائق بين البشرِ، وهو الحكمة التي من أجلها خلق الله- تعالى- الناس من ذكر وأنثى، وجعلهم شعوباً وقبائل. ويجب أن يعود الناس إلى هذا التعارف والتآلف، وأن يزيلوا ما نشب بينهم من خلاف، وما دب فيهم من خصام، حتى تتحقق الحكمة المنشودة من وجودهم في هذه الحياة.
стр. 14320
ثالثاً: لقد بين القرآن الكريم في كثير من آياته، أن الأمة الإسلامية، أمة واحدة في عقيدتها وفي شريعتها، مهما تناءت ديارها، وتباعدت أوطانها، واختلفت لغاتها، ومن هذه الآيات قوله- تعالى-: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ ] الأنبياء: ٩٢ [.
وقوله- تعالى-: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ ] المؤمنون:٥٢ [.
أي: إن هذه الأمة الإسلامية، التي هي أمتكم- أيها المسلمون- "أمة واحدة"لأن إلهها واحد، ودينها واحد، وشريعتها واحدة، وقبلتها واحدة، وأهدافها واحدة ...
﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ﴾ لا شريك لي في الربوبية ﴿فَاعْبُدُونِ﴾ أي: فأخلصوا لي العبادة والطاعة، ولا تشركوا معي أحداً من خلقي في ذلك.
وهذه الوحدة للأمة الإسلامية، قد أكدها الرسول ﷺ تأكيداً قوياً، عن طريق إرشاداته المتنوعة، وتوجيهاته السامية.
وفي هذا المعنى يقول بعض العلماء: لقد بين النبي ﷺ بأقواله وأفعاله، الوحدة الإسلامية الجامعة لأمته، فقد تضافرت عنه الروايات الدالة على الأخوة الإسلامية التي لا تفرق بين عربي وأعجمي، ولا بين شريف وضعيف، ولا بين إقليم وإقليم، وقال في عبارة جامعة: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً ... "
وغير هذا مشهور مستفيض، حتى إن ذلك ليتواتر في المعنى، فهو من المعاني التي تفهم من تعاليم الإسلام بالضرورة، ولا يعد من المسلمين من ينكرها، أو يخالفها جحودا بها.
وأما أفعاله ﷺ المبينة لهذه الوحدة الجامعة، فهي تلك المؤاخاة التي ربط بها بين القرشي، والخزرجي، والأوسي، ومن كان من أصل غير عربي ...
المسلمون إذن أمة واحدة، وتلك حقيقة يعد من نافلة القول بيانها، فضلاً عن إقامة الدليل عليها، لأنها مجمع عليها [٢] .
стр. 14321
رابعاً: أن القرآن الكريم، قد بين للناس، أن الرسالات السماوية جميعها، قد اتفقت على إقامة الدين على إخلاص العبادة لله- تعالى- وعلى نبذ التفرق والاختلاف في أحكامه..
قال- تعالى-: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ وَمَا تَفَرَّقُوا إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ ] الشورى: ٣ ا-١٤ [.
والمعنى: إن الله - تعالى- سن لكم- يا معشر المسلمين- من الدين، ما سنه لنوح والذين من بعده من الأنبياء إلى زمن نبيكم محمد ﷺ .
ثم بين- سبحانه- ما أمرهم به جميعاً فقال: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ .
أي: أن أقيموا الدين على ما أمركم به الله- تعالى-، من توحيده وطاعته، ولا تختلفوا في أحكامه التي أجمعت على صحتها شرائع الأنبياء السابقين، فإن هذا الاختلاف يؤدى إلى فشلكم وذهاب ريحكم ...
ثم بين- سبحانه- موقف المشركين من دين التوحيد فقال: ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ .
أي: شق وعظم على المشركين ما تدعوهم إليه من إخلاص العبادة لله- تعالى-، ومن ترك الاختلاف في أحكامه الدين الحق.
ثم ختم- سبحانه- الآية الكريمة ببيان من هم أهل لرضاه وهدايته فقال: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ .
أي: الله- تعالى- يصطفي من يشاء من عباده، فيقربهم إلى محل كرامته، ويوفق للعمل بطاعته من ينيب إليه، ويسلم له وجهه.
стр. 14322
ثم يبين- سبحانه- الأسباب التي أدت بالناس إلى التفرق في أحكام الدين الحق، فقال - تعالى-: ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُم ... ﴾ .
أي: وما تفرق هؤلاء السابقون بعد موت أنبيائهم ﴿إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْم﴾ الدال على صدق هؤلاء الأنبياء، وكان الدافع لهم على هذا التفرق والاختلاف، هو البغي والحسد وتجاوز الحدود التي شرعها الله- تعالى.
وقوله: ﴿إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ وهو زيادة في تقبيح أفعالهم، فإن الاختلاف بعد مجيء العلم أشد في القبح والعناد.
فهم قد اختلفوا في الحق مع علمهم بأنه حق، لأن العلم كالمطر، فكما أن المطر لا تستفيد منه إلا الأرض الطيبة النقية، فكذلك العلم لا ينتفع به إلا أصحاب النفوس الصافية، والقلوب الواعية، والأفئدة المستقيمة.
وبذلك نرى أن هاتين الآيتين الكريمتين، قد بينتا للناس، أن جميع الأنبياء قد دعوا أقوامهم إلى عبادة الله – تعالى- وحده، وإلى اجتناب التفرق والاختلاف في أحكام الدين، التي أجمعت عليها الشرائع الإلهية، والتي لا يترتب على الاختلاف فيها سوى الفساد والخسران.
خامساً: لقد ذكَّر القرآن الكريم المؤمنين في كثير من آياته، بسوء عاقبة الاختلاف والتنازع، وحذرهم من طاعة أعدائهم، وحرضهم على الاعتصام بحبل الله - تعالى-، وعلى التآلف والتضامن فيما بينهم، وهذه بعض الأمثلة لذلك:
أ- في أعقاب غزوة بدر، تطلع بعض الناس إلى الغنائم، واختلفوا في شأن تقسيمها، فنزل قوله- تعالى-: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ] الأنفال: ا [.
стр. 14323
وقد ذكر الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية، عدداً من الروايات التي وردت في سبب نزولها، ومن هذه الروايات، ما أخرجه أبو داود، والنسائي، وابن جرير، وابن مردويه - واللفظ له-، عن ابن عباس- ﵄ قال:
لما كان يوم بدر قال رسول الله ﷺ من صنع كذا فله كذا، فتسارع في ذلك شبان القوم، وبقي الشيوخ تحت الرايات، فلما كانت الغنائم، جاءوا يطلبون الذي جعل لهم. فقال الشيوخ: لا تستأثروا علينا، فإنا كنا رِدْءاً لكم، لو انكشفتم لثُبْتمُ إلينا، فتنازعوا، فأنزل الله- تعالى- ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الأَنْفَال......﴾ الآية.
وروى الإمام أحمد- بسنده- عن أبى أمامة قال: سألت عبادة بن الصامت، عن هذه الآية فقال: فينا معشر أصحاب بدر نزلت، حين اختلفنا في النفل، وساءت فيه أخلاقنا، فنزعه الله من أيدينا، وجعله إلى الرسول ﷺ فقسَّمه بين المسلمين عن بواء - أي على السواء- " [٣] .
والمعنى: يسألك بعض أصحابك يا محمد عن غنائم بدر كيف تُقسَّم؟ ومَن المستحق لها؟ قل لهم: الأنفال لله يحكم فيها بحكمه - سبحانه-، ولرسوله ﷺ فهو الذي يقسمها على حسب حكم الله وأمره فيها.
فاتقوا الله- تعالى- أيها المؤمنون، وأصلحوا ما بينكم من أحوال وروابط، بأن يكون ما بينكم من صلات، يقوم على الألفة والمحبة والمودة وترك الخلاف ...
وفي هذه الإجابة على سؤالهم، تربية حكيمة لهم- بعد أول لقاء بينهم وبين أعدائهم-، حتى يجعلوا جهادهم بعد ذلك خالصاً لوجه الله- تعالى-، وحتى لا تكون أعراض الدنيا، سببا في اختلافهم ...
стр. 14324
ب- وفي السورة نفسها، وفي أعقاب غزوة بدر- أيضاً-، ناداهم بصفة الإيمان، ودعاهم إلى الثبات عند لقاء الأعداء، وإلى الإكثار من ذكر الله- تعالى-، وإلى التزام طاعته وطاعة رسوله ﷺ ، ونهاهم عن التنازع، وبين لهم سوء عاقبته فقال ـ تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ] الأنفال: ٤٥-٤٦ [.
فقوله- سبحانه-: ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ نهي لهم عن الاختلاف المؤدي إلى الفشل وضياع القوة، بعد أمرهم بالثبات والمداومة على ذكر الله- تعالى- وطاعته.
والمتأمل في هاتين الآيتين الكريمتين، يراهما قد رسمتا للمؤمنين في كل زمان ومكان، الطريق التي توصلهم إلى الفلاح والظفر.
إنهما تأمران بالثبات عند لقاء الأعداء، والثبات من أعظم وسائل النجاح، وأقرب الفريقين إلى النصر، أكثرهما ثباتاً ...
وتأمران بمداومة ذكر الله، لأن ذكر الله هو الصلة التي تربط الإنسان بخالقه الذي بيده كل شيء، ولا يعجزه شيء ...
وتأمران بطاعة الله ورسوله، لأن طاعتهما دليل على قوة الإيمان، وصفاء النفوس، وطهارة القلوب ...
وتنهيان عن التنازع، لأنه يؤدى إلى الضعف، والتخاذل، وهوان الأمر، وذهاب القوة ...
ثم تختمان بالأمر بالصبر، الذي هو توطين النفس على ما يرضى الله، وعلى احتمال المكاره والمشاق في جَلَد. وهذه الصفة لابد منها لكل من يريد الوصول إلى آماله وغاياته.
ورحم الله الإمام ابن كثير فقد قال عند تفسيره لهاتين الآيتين الكريمتين: "هذا تعليم من الله- تعالى- لعباده المؤمنين، آداب اللقاء، وطريق الشجاعة، عند مواجهة الأعداء" [٤] .
стр. 14325
سادساً: أن القرآن الكريم قد أمر المؤمنين، بأن يصلحوا بين إخوانهم في العقيدة، إذا ما دب نزل فيهم، وأن يجبروا الفئة الباغية، على الخضوع للحق والعدل، حتى ولو أدى ذلك إلى قتالها ...
قال- تعالى-: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ] الحجرات: ٩ , ١٠ [.
ذكر المفسرون في سبب نزول هاتين الآيتين روايات منها، ما أخرجه الإمام أحمد - بسنده- عن أنس بن مالك قال: قلت: يا نبي الله، لو أتيت عبد الله بن أبي؟ قال: فانطلق إليه النبي ﷺ فركب حمارا، وانطلق المسلمون يمشون ...
فلما أتاه النبي ﷺ قال: إليك عني، فو الله لقد آذاني نَتْن حمارك.
فقال رجل من الأنصار: والله لحمار رسول الله ﷺ أطيب ريحا منك.
فغضب لعبد الله رجل من قومه، وغضب لكل واحد منهما أصحابه، فكان بينهم حرب بالجريد والأيدي.. فبلغنا أنه نزل فيهم قوله- تعالى-: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ... ﴾ الآية" [٥] .
ومن المعروف بين العلماء، أن هاتين الآيتين وإن كانتا قد نزلتا في حادثة معينة، إلا أن ما اشتملتا عليه من أحكام وآداب يعم الأمة الإسلامية كلها، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كما يقوله أهل العلم.
والمعنى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ أي: تقاتلوا أو دبّ بينهما ما يوجب حجزهما وردهما إلى المحبة والسلام.
стр. 14326
﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ عن طريق النصح، وإزالة الشبهة وأسباب الخصام، والدعاء إلى حكم الله- تعالى- والرضا به.
والأمر هنا للوجوب، والخطاب لأولي الأمر، ولكل من في إمكانه الإصلاح بين المسلمين.
وقوله- سبحانه-: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى﴾ أي: تعدت إحداهما على الأخرى بغير حق، وأبت الصلح، والاستجابة لحكم الله- تعالى-.
﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ أي: قاتلوا الباغية حتى ترجع إلى حكم الله - تعالى-، وتقبل قضاءه عن سمع وطاعة.
قال الإمام القرطبي عند تفسيره لهذه الآية: قال العلماء: لا تخلو الفئتان من المسلمين في اقتتالهما، إما أن يقتتلا على سبيل البغي منهما جميعاً أولا.
فإن كان الأول فالواجب في ذلك أن يُمشَى بينهما بما يصلح ذات البين، ويثمر المكافَّة والموادعة.
فإن لم يتحاجزا ولم يصلحا وأقامتا على البغي، صِيرَ إلى مقاتلتهما.
وأما إن كان الثاني وهو أن تكون إحداهما باغية على الأخرى، فالواجب أن تقاتل فئة البغي إلى أن تكف وتتوب، فإن فعلا أصلح بينها وبين المبغي عليها بالقسط والعدل" [٦] .
وقوله- سبحانه-: ﴿فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ بيان لما يجب اتباعه مع الفئة الباغية، إذا ما ثابت إلى رشدها، وقبلت حكم الله - تعالى-.
أي: فإن رجعت الفئة الباغية إلى حكم الله، فأصلحوا بين الفئتين بالعدل الذي أمر الله- تعالى- به، وأقسطوا في كل الأمور، لأن الله- تعالى- يحب العادلين في أحكامهم. وجمع- سبحانه- في هذه الجملة بين الأمر بالعدل وبالقسط، لتأكيد هذا الأمر؛ لأن عدم العدل في الأحكام، كثيراً ما يؤدي إلى ازدياد التنازع والخصام.
стр. 14327
ثم بين- سبحانه- الأسباب الداعية إلى وجوب المسارعة إلى الإصلاح بين المؤمنين فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ .
أي: إنما المؤمنون إخوة في العقيدة والدين، فهو يجمعهم أصل واحد وهو الإيمان، كما يجمع الإخوة أصل واحد وهو النسب.
بل إن أخوّة الدين أثبت من أخوة النسب، لن أخوة النسب تنقع بمخالفة الدين، أما أخوة الدين فلا تنقطع بمخالفة النسب.
قال الجمل في حاشيته على تفسير الجلالين: "وخص الاثنين بالذكر في قوله ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ لأنهما أقل من يقع بينهما الشقاق، فإذا لزمت المصالحة بين الأقل، كانت بين الأكثر ألزم، لأن الفساد في شقاق الجماعة، أكثر من في شقاق الاثنين" [٧] .
ولقد أكد رسول الله ﷺ بقوله وعمله ما دعا إليه القرآن من وجوب الإصلاح بين المسلمين إذا ما نشب بينهم نزاع.
أما قوله ﷺ في ذلك فمنه ما رواه الشيخان عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "كل سُلامى [٨] من الناس عليه صدقة، وكل يوم تطلع فيه الشمس، تعدل بين الاثنين صدقة".
وأما عمله فقد كان ﷺ يسعى في الإصلاح بين الناس، حتى ولو أدى ذلك إلى تأخير الصلاة..
أخرج الشيخان عن سهل بن سعد الساعدي ﵁ أن رسول الله ﷺ بلغه أن بني عمرو بن عوف كان بينهم شر، فخرج رسول الله ﷺ يصلح بينهم في أناس معه، فحبس ﷺ وحانت الصلاة، فجاء بلال إلى أبي بكر فقال: يا أبا بكر، إن رسول الله ﷺ قد حبس، وحانت الصلاة، فهل لك أن تؤم الناس؟ قال:
نعم إن شئت.....الحديث" [٩] .
стр. 14328
سابعاً: أستطيع أن أقول ـ على سبيل الإجمال ـ: إن تعاليم الإسلام، قد أمرت باعتناق كل فضيلة، تؤدي إلى وحدة المسلمين، وتضامنهم، وترابطهم، وتكافلهم ...
وحاربت كل رذيلة من شأنها التفريق بينهم، وتشتيت كلمتهم، وتمزيق وحدتهم، وإشاعة البغضاء فيهم ...
ولقد سقنا قبل ذلك من توجيهات القرآن الكريم، ما فيه العبر والعظات، لقوم يعقلون.
وبقي أن نسوق المزيد من سنة النبي ﷺ التي من أهم وظائفها، تفصيل ما أجمله القرآن الكريم، وتأكيد ما أمر به أو نهى عنه ...
أ- لقد حض النبي ﷺ أتباعه على التضامن والاتحاد، في عشرات الأحاديث، ومن ذلك ما رواه الشيخان عن أبي موسى الأشعري - رضى الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً" وشبك بين أصابعه [١٠] .
ب- وحض على التمسك بكل فضيلة توصل إلى غرس روح المحبة والمودة بين المسلمين، ومن ذلك أنه ﷺ : أمر بالتزاور والتواصل والتحاب في الله، وإعلام الرجل من يحبه أنه يحبه.
روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ "أن رجلا زار أخا له في قرية أخرى، فأرصد الله - تعالى- على مَدْرَجته ـ أي ـ طريقه- ملكا، فلما أتى عليه قال له: أين تريد؟ قال أريد أخا لي في هذه القرية.
قال: هل لك من نعمة تَرُبُّها عليه؟ [١١] قال: لا غير أنى أحببته في الله- تعالى-.
قال: فإني رسول الله إليك، بأن الله قد أحبك كما أحببته" [١٢] .
جـ - وأمر بالتهادي، وبالطيب من الكلام، وبطلاقة الوجه عند اللقاء. روى الإمام الترمذي، أن رسول الله ﷺ قال: "تهادوا فإن الهدية تذهب وقر الصدر" أي تذهب غله وغشه وبغضه.
وعن عائشة- ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يقبل الهدية ويثيب عليها".
стр. 14329
وروى الشيخان عن عدي بن حاتم- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة".
وروى مسلم في صحيحه عن أبي ذر- ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : "لا تحقرن من المعروف شيئا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق" [١٣] .
د- هذه بعض الفضائل التي أمر النبي ﷺ أتباعه بالتخلق بها، لأنها مدعاة إلى غرس روح الإخاء والمحبة فيهم..
وقد نهى ﷺ وفي مقابل ذلك عن كل ما من شأنه أن يزعزع وحدة المسلمين، أو يضعف تضامنهم وتعاونهم على البر والتقوى.
وحسبنا أن نسوق في ذلك هذا الحديث الجامع، الذي رواه الشيخان، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث. ولا تجسسوا [١٤] ، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا تناجشوا [١٥] ، وكونوا عباد الله إخوانا كما أمركم.
المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى ههنا، التقوى ههنا، ـ ويشير إلى صدره- ﷺ .
بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم. كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه، إن الله لا ينظر إلى أجسادكم وصوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" [١٦] .
هـ- هذه بعض أقواله ﷺ قالها الداعية إلى وحدة المسلمين وتضامنهم، والناهية عن تفرقهم وتناكرهم وتباغضهم.
فإذا ما اتجهنا إلى أفعاله ﷺ وجدناها تقوم على تأكيد هذا المعنى وتحقيقه عمليا، ومن أبرز الأدلة على ذلك ما يأتي:
стр. 14330
و حرصه ﷺ على المؤاخاة بين المسلمين، منذ السنوات الأولى للدعوة الإسلامية، فقد ذكر أصحاب السير، أنه ﷺ وهو بمكة، آخى بين أبي بكر وعمر، وبين الحمزة وزيد بن حارثة، وبين الزبير وابن مسعود، وبين عبيدة بن الحارث وبلال، وبين أبي عبيدة وسالم - مولى أبي حذيفة-، وبين سعيد بن زيد وطلحة بن عبيد الله، وبين عثمان وعبد الرحمن بن عوف ... وهذه المؤاخاة في الدين والعقيدة، تعتبر أول تنظيم للجماعة الإسلامية الأولى، يقوم على الترابط، والتكافل، والتكاتف ...
ز- فلما هاجر ﷺ إلى المدينة، وسَّع دائرة هذا التضامن والإخاء، فجعله بين المهاجرين والأنصار.
قال ابن إسحاق- ﵀: وآخى رسول الله ﷺ بين أصحابه من المهاجرين والأنصار، فقال- فيما بلغنا عنه ونعوذ بالله أن نقول عليه ما لم يقل-: "تآخَوا في الله أخوين أخوين"، ثم أخذ بيد عليّ بن أبى طالب فقال: "هذا أخي"، وكان جعفر بن أبي طالب ومعاذ ببن جبل أخوين، وأبو بكر الصديق وخارجة بن زهير أخوين، وعمر بن الخطاب وعِتْبان بن مالك أخوين، وأبو عبيدة وسعد بن معاذ أخوين، وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع أخوين، وعثمان بن عفان وأوس ابن ثابت أخوين، وطلحة بن عبيد الله، وكعب بن مالك أخوين، ومصعب بن عمير وأبو أيوب خالد بن زيد أخوين، وعمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان أخوين ...
وبلال بن رباح وأبو رُوَيْحة عبد الله بن عبد الرحمن الخثعمي أخوين ...
فلما دون عمر بن الخطاب الدواوين بالشام، وكان بلال قد خرج إلى الشام، فأقام بها مجاهدا، فقال عمر لبلال: "إلى من تجعل ديوانك يا بلال؟ قال: مع أبي رويحة، لا أفارقه أبدا، للأخوة التي كان رسول الله ﷺ عقدها بينه وبيني، فَضُمّ إليه" [١٧] .
حـ - وقد استمر ﷺ يؤكد هذا الإخاء بين المسلمين- بقوله وعمله- إلى أن لقي ربه.
стр. 14331
ولقد بلغ من حرصه على ذلك، أنه عندما كان في سفر مع أصحابه، ورأى أن القافلة حين تستريح يتفرق أهلها، لم يعجبه هذا التفرق، بل دعاهم إلى التجمع والتقارب ...
روى أبو داود عن أبى ثعلبة الخُشَني قال: كان الناس إذا نزلوا منزلا تفرقوا في الشعاب والأودية، فقال النبي ﷺ : "إن تفرقكم هذا من الشيطان" فلم ينزلوا بعد منزلا، إلا انضم بعضهم إلى بعض، حتى قال: لو بُسِط عليهم ثوب لعمهم" [١٨] .
هذه بعض الأحاديث من أقوال النبي ﷺ وأعماله، ومنها نرى، كيف كان ﷺ يحرص كل الحرص على وحدة المسلمين، وعلى تضامنهم، وعلى إخائهم وترابطهم، ويسوق الإرشادات المتنوعة، التي من شأنها أن تجعل المسلمين- متى اتبعوها- كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، ويحذر من الفرقة والتباغض وشق عصا المسلمين تحذيرا شديدا، وأختتم هذه الأحاديث بما رواه الإمام مسلم في صحيحه عن جابر- ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم" [١٩] .
أي: ولكنه لم ييأس من الإفساد بينهم، وتغيير قلوبهم، والعمل على تقاطعهم..
стр. 14332
وبما رواه- أيضا- الإمام مسلم عن عبد الله بن عمرو- ﵄ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فنزلنا منزلا، فمنا من يصلح خباءه - أي خيمته -، ومنا من ينتضل،- أي يسابق بالرمي- ومنا من هو في جَشَره - أي في رعاية دوابه -، إذ نادى منادي رسول الله ﷺ : الصلاة جامعة، فاجتمعنا إلى رسول الله ﷺ فقال: "إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلم لهم. وإن أمتكم هذه جُعِلت عافيتها في أولها [٢٠] ، وسيصيب آخرَها بلاء وأمور تنكرونها، وتجيء فتن يرقِّقُ بعضُها بعضا [٢١] ، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مُهلِكَتِي، ثم تنكشف، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه هذه. فمن أحب أن يُزَحزح عن النار، ويدخل الجنة، فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يُؤتَى إليه. ومن بايع إماما فأعطاه صفقة يده، وثمرة قلبه، فليطعه، وإن جاء آخرُ ينازعه، فاضربوا عنق الآخر. ومن مات وهو مفارق للجماعة، فإنه يموت ميتة جاهلية " [٢٢] .
أما بعد: فإن التضامن والتراحم والاتحاد، يزيد الأقوياء قوة على قوتهم، ويرفع عن الضعفاء ضعفهم ...
أما الشقاق والتفرق والتدابر ... فيضعف الأمم القوية، ويمحق الأمم الضعيفة ...
وقد فطن إلى هذا المعنى رجل حكيم، فقد جمع أولاده عندما أحس بدنو أجله، ـ ليلقنهم درسا في فوائد الاتحاد-، ثم أحضر حزمة من العصي قد اجتمعت عيدانها، وطلب منهم أن يكسروها فعجزوا، فلما فرق عيدانها سهل عليهم كسرها، فقال لهم:
كونوا جميعا يا بني إذا اعترى خطب، ولا تتفرقوا آحاد
تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسرا
فإذا انفردن تكسرت أفرادا
وإذا كان أهل الباطل يتجمعون من أجل نصرة باطلهم ...
فأولى ثم أولى بأهل الحق أن يتضامنوا ويتحدوا، لإحقاق الحق، وإزهاق الباطل.
стр. 14333
إن العقلاء من الناس يختلفون في وجهات نظرهم، ولكنهم لا يتباغضون ولا يتنابذون ... بل يعيدون التشاور فيما بينهم، حتى يصلوا إلى الحق الذي ينشدونه.
إننا نتطلع إلى تضامن بين المسلمين، يقوم على تعاليم الإسلام، وتحرسه تشريعاته الحكيمة، وتحميه من الانحراف آدابه القويمة، وتوجهه إلى البر والتقوى آدابه الكريمة ...
وهذا إنما يتأتى، متى صلحت النيات، وصدقت العزائم، وطهرت النفوس من الغل والحسد والأنانية والميل مع الهوى ...
وصدق الله إذ يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾
﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾
--------------------------------------------------------------------------------
[١] تفسير القرطبي جـ١ص٣٧.
[٢] من مقال لفضيلة الأستاذ لشيخ محمد أبي زهرة ﵀ نشره بمجلة (المسلمون) سنة ١٣٧١هـ ص٣٦٤.
[٣] تفسير ابن كثير جـ ٢ص٢٨٣ طبعة عيسى الحلبي.
[٤] تفسير ابن كثير جـ٢ص٣١٦.
[٥] تفسير ابن كثير جـ٤ص٢١١.
[٦] تفسير القرطبي جـ١٦ص٣١٧.
[٧] حاشية الجمل على الجلالين جـ٤ص١٧٩.
[٨] السلامى ـ بضم السين وتخفيف اللام ـ: أصله عظام الأصابع وسائر الكف، ثم استعمل في سائر عظام البدن.
[٩] رياض الصالحين: باب الإصلاح بين الناس ص١٢٨-١٢٩.
[١٠] من كتاب رياض الصالحين ص١٢٠ للإمام النووي، باب تعظيم حرمات المسلمين.
[١١] تربها عليه: تقوم بها وتسعى في صلاحها.
[١٢] رياض الصالحين: ص١٧٦، باب زيارة أهل الخير.
[١٣] رياض الصالحين: ص٣١٢، باب استحباب طيب الكلام.
[١٤] التجسس: تتبع عورات الناس وعيوبهم.
стр. 14334
[١٥] النجش: الزيادة في السلعة للخديعة لغيره.
[١٦] رياض الصالحين: ص٦٠٢، باب النهي عن التجسس، للإمام النووي.
[١٧] السيرة النبوية لابن هشام جـ١ص٥٠٤، طبعة مصطفى الحلبي ـ بتصرف وتلخيص ـ.
[١٨] مختصر سنن أبي داود جـ٣ص٤٣٠، تحقيق الأستاذ أحمد محمد شاكر ﵀.
[١٩] رياض الصالحين: ص٦١٠، باب تحريم الهجران بين المسلمين.
[٢٠] أي: جعلت سلامتها من الفتن في أولها.
[٢١] أي أن كل فتنة تكون ما بعدها أشد منها.
[٢٢] رياض الصالحين: ص٣١٠، باب وجوب طاعة ولاة الأمور في غير معصية الله.
стр. 14335
الفتح العُمَرِي لِلقدسِ نموذج للدّعوَة بالعمل وَالقدوَةِ
د. شفيق جاسر أحمد محمود
رئيس قسم التاريخ بالجامعة
تمهيد:
وضع الإسلام معايير خاصة لسلوك المسلمين، تجعل له طابعاً متميزاً، وهذه المعايير مستوحاة من القرآن الكريم، والسنة النبوية الشريفة، ومن التطبيق العملي لهذه الأخلاق وهذا السلوك، كما قام بها ومارسها رسول الله ﷺ وخلفاؤه الراشدون وأصحابه والسلف الصالح جميعاً.
فلا إيمان بالقلب إلا إذا صدقه العمل وظهر على الجوارح بالعبادات والأخلاق والمعاملات. وقد كان التزام سلفنا الصالح بهذا الخلق سبباً لنيلهم خيري الدنيا والآخرة، ومثاراً لإعجاب أعدائهم بهم، وبعقيدتهم ودينهم الجديد. فدانت لهم الأمم، وأعجبه بهم الشعوب، ودخلت في دينهم زرافات ووحدانا طائعة مسرورة. وحتى الشعوب التي بقيت على دينها، فإنها رأت في الخضوع لسلطان المسلمين خلاصاً من ظلم مستعبديهم ولو كانوا من بني جلدتهم، ورأت في الوجود الإسلامي أمناً واطمئناناً على النفس والعرض والمال والولد والمعتقد والمقدسات.
لهذا فقد كان سلوك المسلمين أهم وسائل إظهار محاسن دينهم وكان لذلك أثره على الفرد والمجتمع، كما كان تطبيقهم العملي لتعاليم ذلك الدين، أهم وسائل الدعوة لهذا الدين، فالمساواة، والعدل، والتواضع، والإعراض عن الإغراق في متع الدنيا، والرحمة ورعاية أهل ذمة الله ورسوله، كل تلك الصفات المثالية طبقها المسلمون وخصوصاً في عصر النبوة والخلفاء الراشدين كما طبقها من جاء بعدهم من الخلفاء المتقين أمثال عمر بن عبد العزيز وغيره.
стр. 14336
وكنموذج لهذه الأخلاق الإسلامية، وتطبيق لأهمية القدوة والعمل بالأخلاق الإسلامية في الدعوة الإسلامية، أورد فيما يلي من خلال هذا البحث المتعلق بفتح القدس، وصفاً لسلوك عمر بن الخطاب ﵁ والمسلمون عامة، مما كان له أطيب الأثر في نفوس النصارى. ودفعهم إلى المطالبة بأن يكون الخليفة نفسه المتولي لاستلام مدينتهم. وزاد في ثقتهم في عدله وعدل المسلمين، ما رأوه وجربوه من أخلاقه وأخلاق أصحابه، فأعجبوا بهذا الدين الجديد الذي استطاع تحويل هؤلاء العرب إلى الدين بعد القسوة، والقناعة بعد الطمع، والوحدة بعد الفرقة، وحفظ العهد ورعاية الذمة بعد الغزو والنهب. فدفع ذلك معظم أهل الشام ومنهم أهل القدس إلى الإقبال على الدخول في الإسلام خلال سنوات ليست بالطويلة.
أهمية القدس لدى المسلمين:
للقدس مكانة خاصة لدى المسلمين، لا تقل عن مكانتها لدى أصحاب الديانات السماوية الأخرى، فهي أولى القبلتين، وثالث المسجدين الشريفين اللذين تشد إليهما الرحال، وإليها أسرى بالرسول الكريم ﷺ ، ومنها عرج به إلى السماء، وفيها صلى بالملائكة.
وقد نص القرآن الكريم على أنها مباركة، باركها رب العالمين هي وما حولها وذلك في الآية الأولى من سورة الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ . هذا بالإضافة إلى ما ذكره المفسرون في تفسير بعض آيات القرآن الكريم وما حوته من إشارات إلى مكانة القدس في الإسلام.
стр. 14337
كما أشار إليها الرسول الكريم ﷺ ، حينما حض على زيارتها في الحديث الصحيح "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى" [١] بالإضافة إلى العديد من الأحاديث التي أوردتها كتب الحديث، وكتب الفضائل المتعلقة بأهمية القدس وفضلها وفضل الصلاة في مسجدها، والإهلال منها بحجة أو عمرة، والوفاة فيها.
كما أنه ليس من المستغرب أن نعلم بأن معظم سكانها قبل الفتح كانوا من أصل عربي، شأنهم شأن سكان فلسطين، حيث كان جل سكانها من لخم وجذام الذين تنصروا [٢] . ولو رجعنا إلى التاريخ أكثر قليلاً لوجدنا أصل سكانها من اليبوسيين الكنعانيين الذين هاجروا لبلاد الشام من السواحل الشرقية للجزيرة العربية.
الروايات المختلفة في كيفية وتاريخ فتحها:
لهذا كله أهتم المؤرخون المسلمون بأخبار فتحها، والسنة التي تم فيها الفتح، كما أفاضت كتب التاريخ في ذكر أخبار محاضرة المسلمين لها، وحضور الخليفة العادل عمر بن الخطاب ﵁ لتسلمها ومصالحة أهلها وإعطائهم عهد الأمان الذي عرف بالعهدة العمرية، بالإضافة إلى بناء مسجده بساحة المسجد الأقصى.
ومن دراسة الروايات المختلفة يتبين لنا أن الروايات الشامية تؤكد أن هدف قدوم الخليفة عمر بن الخطاب من المدينة إلى الشام، كان تسلم مدينة القدس بناء على طلب أبي عبيدة، القائد العام للجيوش الإسلامية المحاصرة لها، وتلبية لرغبة بطريركها. مما يؤكد أهمية القدس لدى المسلمين، وهذا لا يمنع أن يكون الاجتماع بالمسلمين وتنظيم إدارة بلاد الشام أحد أهداف الخليفة عمر أيضاً من مسيره إلى الشام. فسار بعد تسلم القدس إلى الجابية حيث كانت غنائم اليرموك وغيرها موجودة هناك، وقد أيد الشاميين في وجهة النظر هذه بعض الرواة الحجازيين. وإنني أميل إلى ترجيحها، فأهل الشام قد يكونون أدرى بفتوح بلادهم.
стр. 14338
أما الروايات التي ذكرت بأن حضور الخليفة إنما كان بقصد الاجتماع بالقادة المسلمين في الجابية، ثم اتفق أن طلبت القدس الاستسلام في ذلك الوقت فذهب إليها الخليفة وتسلمها، فهي على الأغلب روايات كوفية، بعيدة عن مجريات الأحداث، إن لم نقل إن الغرض منها قد يكون إظهار أن القدس ليس لها فضل كبير على المدن الأخرى، وذلك نكاية بالأمويين الذين كانوا يظهرون اهتماماً خاصاً بالقدس، وهذا ينطبق على الروايات التي أفادت بأن خالد بن ثابت الفهري، أو عمرو بن العاص هما اللذان حاصرا القدس واضطرا أهلها لطلب الصلح، وكذلك الرواية التي ذكرت بأن العوام هم الذين صالحوا عمر بن الخطاب وليس البطريرك صفرونيوس.
أما عن السَنَةِ التي فتحت فيها القدس، فقد ذكر الطبري عن سيف أنها كانت سنة ١٥هـ[٣] . كما ذكر ابن سعد، وخليفة بن خياط، واليعقوبي، وابن عساكر، والواقدي، والبلاذري، والطبري في رواية أخرى عن سيف أن الفتح كان سنة ١٦هـ[٤] . كما ذكر ياقوت الحموي، والبلاذري وابن اسحق، والطبري في رواية سيف عن هشام بن عروة بأن الفتح كان سنة ١٧ [٥] . والأغلب أن عام ١٧، هو الأصح.
أحداث الفتح والقدوة في سلوك الخليفة وأصحابه:
стр. 14339
لقد تخللت أحداث الفتح مجموعة من المواقف، ونماذج من السلوك صدرت عن الخليفة عمر بن الخطاب ﵁ وعن أصحابه، كانت كما سبق أن ذكرت أكبر برهان على أثر الإسلام على معتنقيه من حيث إحداث التغيير الأساسي في الخلق والسلوك وتوجيههما نحو المثالية والكمال الذي طمحت وتطمح إلى بلوغه أو بلوغ شيء منه جميع الأمم والمصلحين. فكان أن أقبلت الشعوب على الدخول في ذلك الدين، أو انضوت تحت حكم المسلمين واثقة من عدالتهم ووفائهم بعهودهم، ورأى قادة الروم والفرس أن أمة تعتنق مثل هذا الدين لا يمكن أن تغلب أو تقاوم، فانهارت مقاومتهم وعمهم الرعب وأزيلت أكبر أمبراطوريتين في ذلك العهد، رغم فارق العدد والعدة والغنى والخبرة بين المسلمين وبين أعدائهم.
ونلمس في أحداث فتح مدينة القدس معالم من هذا السلوك الإسلامي والمواقف الإنسانية منها:
ثقة القادة المسلمين بقيادتهم العامة وطلبهم الدائم لتوجيهاتها، فنرى أبا عبيدة بعد انتصاره في معركة اليرموك وفتح مدينة دمشق، يرسل رسوله، عرفجة بن ناصع النخعي، يطلب التوجيه من الخليفة عمر بن الخطاب في المدينة، فيأمر الخليفة قائده المظفر وصديقه الحميم بأن يتوجه بالمسلمين نحو القدس. وعند ذلك يوجه القائد أبو عبيدة جيوشه نحو القدس، على هيئة كتائب يقود كل منها أحد القادة، أمثال خالد بن الوليد، وشرحبيل بن حسنة، ويزيد بن أبي سفيان، وتضم كل منها خمسة آلاف جندي ويفصل بينها وبين الكتيبة الأخرى مسيرة يوم واحد. بالإضافة لجيش عمرو بن العاص الذي كان قد سبقهم إليها، وإلى ضعفة الناس والنساء الذين سار بهم أبو عبيدة [٦] على مهل رفقاً بهم.
стр. 14340
وكدأب المسلمين في فتوحاتهم، وجه أبو عبيدة رسالة لأهل القدس خيرهم فيها بين الدخول في الإسلام، أو دفع [٧] الجزية، أو القتال. فكان أن رفض بطريركها صفرونيوس ـ الذي تولى قيادتها بعد فرار بطريكها إلى مصر على إثر معركة أجنادين - رفض طلب أبي عبيدة، وتحصن بالمدينة آملا في وصول إمدادات ونجدات رومية إليه، خصوصاً وهو يعلم أهمية القدس لدى الروم النصارى، وظناً منه أن المسلمين لن يستطيعوا تحمل برد القدس الشديد، مما سيضطرهم لفك الحصار عندما يشتد البرد.
وهنا تبدو مرة أخرى مقدرة المسلمين على تخطي الشدائد، فتحملوا بتجهيزاتهم البسيطة، برد القدس الشديد وأمطارها الغزيرة، ولاقوا من ذلك عنتاً كبيراً ولكن لم يفت في عزيمتهم ولم يفكروا في فك الحصار.
وعند حلول فصل الربيع، رأي صفرونيوس أن ما توقعه لم يحدث، فلا الروم أنجدوه، ولا البرد أجبر المسلمين على فك الحصار. فلم يجد بداً من عرض التسليم على أبي عبيدة، ولكنه اشترط أن يحضر الخليفة بنفسه من المدينة المنورة [٨] ليتسلم القدس ويعطي أهلها عهداً، وذلك لما كان يسمعه عن الخليفة عمر بن الخطاب من عدالة، ورفق، ووفاء بالعهد.
ورغم أن بعض قادة أبي عبيدة قد أشاروا عليه بمناجزة أهل القدس حتى يجبروهم على الاستسلام، إلا أن ما رآه أبو عبيدة من شدة ما قاساه المسلمون من البرد، وما قاساه أهل القدس من الحصار الذي طال أمده، دفعه لأن يكتب للخليفة، يخبره بأحوال المسلمين والنصارى، وبما عرضوه عليه من تسليم المدينة [٩] للخليفة شخصياً، وأشار عليه بالحضور لأن في ذلك حقناً لدماء المسلمين.
стр. 14341
أرسل أبو عبيدة رسالته مع رسول من المسلمين يرافقه وفد من أهل القدس أرسلهم صفرونيوس. وذكر أن أشد ما أثار دهشة وفد النصارى أن رسول أبي عبيدة أخذ يسأل عن مكان الخليفة حتى وجده مستلقيا من الحر، فقدم إليه وفد أهل القدس رسالة أبي عبيدة، وجلس الرسول بجانبه ببساطة العربي وأخوة الإسلام يصف له أحوال المسلمين ويبلغه سلامهم، في حين وقف وفد أهل القدس وهو لا يَكاد يصدق، أن حاكم المسلمين الذين دَوَّخوا دولتي الفرس والروم، ليس له مقر معروف، ولا حرس ولا حجاب، وإنه في مثل هذا الحال من البساطة في المظهر والمعاملة.
وهنا يلجأ عمر بن الخطاب لاستشارة الصحابة كدأبه في مثل هذه الأحوال، فيشير عليه بعضهم بالخروج ويشير بعض آخر بعدم الخروج. ولكنه يفضل الخروج رغم مشاق السفر، ويستخلف على المدينة عثمان بن عفان ﵁، ويصطحب خادمه وبعض أصحابه منهم عبادة بن الصامت، والزبير بن العوام، والعباس بن عبد المطلب [١٠] .
وتبدو البساطة واضحة في تجهيزاته للخروج، فيركب بعيره الأحمر، ويضع عليه غرارتين في أحدهما سويق، وفي الآخر تمر، ويضع بين يديه قربة ماء ويخلفه جفنة زاد. كل ذلك أمام وفد أهل القدس ودهشتهم.
ومن تواضعه أنه عندما وصل إلى مشارف بلاد الشام، استقبله المسلمون بالرايات والسيوف والخيول وعلى رأسهم أبو عبيدة. وأقبل أبو عبيدة على الخليفة عندما رآه مسلما عليه ومحاولاً أن يقبل يده تعظيماً له، ثم تعانقا، وقيل إن المسلمين قدّموا لعمر برذوناً وثياباً بيضاء ليكون مظهره مهيباً، في قلوب الروم، ولكنه رفض الثياب وركب البرذون، فهملج به البرذون، فنزل عنه مسرعاً وركب بعيره وقال: "لقد غيّرني هذا حتى كدت أتغير وأنس نفسي " [١١] .
стр. 14342
وروي أن عمر بن الخطاب وهو في طريقه من المدينة إلى القدس، عرضت له مخاضة، فنزل عن بعيره، ونزع جرموقيه وأمسكها بيديه وخاض الماء ومعه بعيره، فقال له أبو عبيدة: "لقد صنعت اليوم صنعا عظيماً عند أهل الأرض "فما كان من عمر إلا أن صك أبا عبيدة في صدره قائلاً: "لو غيرك يقولها يا أبا عبيدة، إنكم كنتم أذل الناس وأحقر الناس وأقل الناس، فأعزكم الله بالإسلام" [١٢] .
وزاد من دهشة النصارى أن عمر بن الخطاب عندما اقترب من القدس كان يركب ركوبة غلامه، وكان غلامه يركب جمله الأحر [١٣] ، فعندما رآه أهل القدس يركب حماراً صغيراً، وقيل كان ماشياً والخادم يركب جملاً أحمر، أكبروه وسجدوا له، فقال: "لا تسجدوا للبشر واسجدوا لله ". فتعجب القسيسون والرهبان من ذلك وقالوا: "ما رأينا أحداً قط أشبه في وصف الحواريين من هذا الرجل " [١٤] . وقال صفرونيوس باكياً "إن دولتكم باقية على الدهر، فدولة الظلم ساعة ودولة العدل إلى قيام الساعة" [١٥] .
كما تجلى حرصه على أموال النصارى في تصرفه- لدى وصوله القدس- عندما علم بأن المسلمين قد استولوا على كرم من العنب يقع قرب المدينة، وكان تحت يد الروم وقد غلبهم المسلمون عليه، وكان الكرم لرجل من النصارى، فأخذ المسلمون يأكلون من عنب ذلك الكرم، فأسرع النصراني إلى عمر بن الخطاب شاكياً، فدعا عمر ببرذون له فركبه عرياناً من العجلة، ثم خرج يركض به ليردّ المسلمين عن الكرم، فلقي في طريقه أبا هريرة يحمل فوق رأسه عنباً، فقال له الخليفة عمر: "وأنت أيضا يا أبا هريرة؟ ". فقال أبو هريرة: "يا أمير المؤمنين، أصابتنا مخمصة شديدة، فكان أحق من أكلنا من ماله من قاتلنا". وعند ذلك استدعى عمر ﵁ صاحب الكرم، وطلب منه أن يقدر ثمن محصوله، لأن الناس كانوا قد أكلوه، فقدره الذمي، ودفع له عمر ثمنه، فما كان من الذمي إلا أن أسلم [١٦] .
стр. 14343
وصف المصادر النصرانية لدخول الخليفة عمر بن الخطاب ﵁ القدس:
وأذكر هنا ما أورده مؤلفا كتاب (تاريخ القدس ودليلها) وهما نصرانيان، نقلاه بدورهما عن كتاب للآباء الفرنسيسكان وهم من أكثر الفئات تعصباً للنصارى، فقد ذكرا بأن عمر بن الخطاب عندما قدم إلى القدس "استطلع أبا عبيدة على ما كان من أمر القتال، فقص عليه أبو عبيدة تفصيلاً لما جرى، وما أصاب المسلمين وأهل القدس من الضيق والشدة، فبكى عمر، وأمر فوراً بأن يبلغوا البطريرك قدومه، ففعل أبو عبيده ما أمره به الخليفة. وعند ذلك خرج صفرونيوس ومعه الرهبان والصلبان ووجوه النصارى، فلما انتهوا إليه، خف للقائهم، وقد حياهم بالسلام، واقتبلهم بمزيد من الاحتفاء والإكرام. وبعد أن تجاذب والبطريق أطراف الحديث، في شأن المعاهدة والتسليم، أخذ قرطاساً وكتب لهم وثيقة أمانهم كما طلبوا. وقد رفض عمر عند دخوله المدينة أن يصلي في كنيسة القيامة وصلى على مقربة منها. وعندما فرغ من صلاته قال للبطريرك: أيها الشيخ لو أنني أقمت الصلاة في كنيسة القيامة، لوضع المسلمون عليها أيديهم في حجة إقامة الصلاة فيها، وأني لآبى أن أمهد السبيل لحرمانكم منها، وأنتم بها أحق وأولى " [١٧] .
وصف المصادر الإسلامية لدخول المسلمين مدينة القدس:
стр. 14344
أما المصادر الإسلامية فتذكر أن الخليفة كتب للبطريرك صفرونيوس عندما حضر لاستقباله على جبل الزيتون كتاباً، أمنهم فيه على دمائهم وأموالهم وكنائسهم، إلا أن يحدثوا حدثاً عاماً، شريطة أن يدفعوا الجزية [١٨] . وقد ذكرت المراجع الإسلامية والنصرانية، نصوصاً مختلفة لهذا العهد الذي عرف بالعهدة العمرية لا مجال للتفصيل فيها. ثم دخل الخليفة يرافقه قادة المسلمين وأربعة آلاف جندي منهم، لا يحملون إلا السيوف في أغمادها خوفاً من الغدر، فزار كنيسة القيامة وصلى على مقربة منها، ثم طلب من صفرونيوس أن يدله على مسجد داود ﵇، الذي أسرى بالرسول ﷺ إليه حيث صلى فيه وعرج به منه إلى السماء. فطاف به صفرونيوس على عدة أماكن، وعمر ينظر إليها ثم ينكرها، لمخالفتها للوصف الذي وصفه الرسول ﷺ يوم سرى به، فلما وصل به صفرونيوس إلى ساحة المسجد الأقصى، وكانت مليئة بالزبل، نظر عمر يميناً وشمالاً ثم كبرّ قائلا: "هذا والله مسجد داود ﵇ الذي وصفه لنا رسول الله"فأزال المسلمون الزبل عن المكان، فصلى فيه وقيل طلب من المسلمين ألا يصلوا فيه حتى تصيبه ثلاث مطرات [١٩] .
المسجد الذي بناه الخليفة عمر بن الخطاب في ساحة المسجد الأقصى:
стр. 14345
قال عمر بن الخطاب لكعب الأحبار: "يا أبا إسحق، أتعرف موضِع الصخرة؟ ". فقال كعب: "اذرع من الحائط الذي يلي وادي جهنم، كذا وكذا ذراعاً، ثم احفر فإنك تجدها ". وعندما حفر عمر ومن معه ظهرت الصخرة، وقيل إن عمر ﵁ عاد فسأل كعباً: "أين ترى أن نجعل المسجد؟ - أو قال القبلة-"قال كعب: "اجعله خلف الصخرة، فتجتمع القبلتان، قبلة موسى ﵇، وقبلة محمد ﷺ ". فقال له عمر - بعد أن صكه بيده في صدره -: "لقد ضاهيت اليهودية يا أبا إسحق! خير المساجد مقدمها. فنجعل قبلته صدره كما جعل رسول الله ﷺ قبلة مساجدنا صدورها. اذهب، إليك عني، فإنا لم نؤمر بالصخرة، وإنما أمرنا بالكعبة. وما الصخرة إلا قبلة منسوخة" [٢٠] .
مكان المسجد:
قال الواقدي: لقد خط عمر مسجده إلى الجنوب الغربي من الصخرة المشرفة [٢١] . وذكر البكري وابن حبيش والمقريزي في الخطط وجمال الدين في مثير الغرام ونقل عنه السيوطي أن عمر بنى مسجده أمام الصخرة المشرفة [٢٢] . وذكر مجير الدين أن بداخل المسجد الأقصى في صدر صدره من جهة الشرق مجمع معقود بالحجر وأشيد به محراب، ويقال لهذا المجمع جامع عمر، لأنه من بقية بناء عمر عند الفتح [٢٣] . وذكر كروزويل بأن المسجد الذي بناه عمر بن الخطاب كان مكان المسجد الأقصى اليوم، ونقل ذلك عن كلير منت غانو [٢٤] .
وصف المسجد الذي بناه الخليفة عمر بن الخطاب:
لم يشر البلاذري (ت ٨٦٨ م) ، والطبري (ت ٩١٥ م) ، واليعقوبي (ت ٨٧٤ م) ، وابن الفقيه (ت ٠٣ ٩ م) . إلى المسجد الذي بناه الخليفة عمر بن الخطاب عندما تعرضا لفتح القدس، ووصفا الحرم القدسي في أيامه الأولى، وهذا أمر يدعو إلى الاستغراب.
стр. 14346
وقد وصفه الواقدي فقال: " وخط عمر بن الخطاب مسجده إلى الجنوب الغربي من الصخرة وصلى وأصحابه به صلاة الجمعة. وكان البناء من الخشب، ويتسع لحوالي ثلاثة آلاف مصلي، وغادر القدس بعد أن أقام بها عشرة أيام [٢٥] .
وأقدم وصف لهذا المسجد أورده أحد السائحين الفرنجة إلى الشرق وهو الأسقف اركولف، اسقف غاليا (فرنسا اليوم) ، حيث زار القدس بقصد الحج عام ٦٧٠ م أي بعد الفتح الإسلامي بحوالي اثنين وعشرين عاماً فقط. فقال إن عمر بن الخطاب بنى بساحة الهيكل مسجداً مربع الشكل، يتسع لحوالي ثلاثة آلاف مصلي، ويقع إلى جوار الحائط من الشرق، وهو مبنى من بقايا أعمدة وجذوع أشجار، وغير مسقوف. كما ذكر لي سترانج بأن المؤرخ الرومي ثيوفانوس (٧٥١-٨١٨ م) قد وصف المسجد الذي بناه عمر فقال: "إن الخليفة عمر بن الخطاب بدأ يبني مسجده في منطقة الهيكل سنة ٦٤٣م (٢٢هـ) [٢٦] ، لهذا ظل الغربيون والنصارى عامة يطلقون اسم (مسجد عمر) على المسجد الأقصى، مع أن (مسجد عمر) عند المسلمين هو المسجد الصغير المقام أمام كنيسة القيامة على المكان الذي صلى فيه عمر بن الخطاب عندما فتح القدس.
خاتمة:
وبعد فهذه عجالة سريعة، وصورة خاطفة ومشهد قصير في مدته ضيق في مساحته، ولكنه كملايين المشاهد الخالدة مليء بالمفاخر التي حققها سلفنا الصالح، صحابة النبي ﷺ . فكان أن فتحت عليهم المشارق والمغارب، ودانت أمم الجبابرة، وعم على أيديهم نور الإسلام أنحاء المعمورة. فكانوا قدوة للعالمين في تمسكهم بعقيدتهم، والتزامهِم بتعاليم دينهم، وفي وحدتهم وتناصحهم وجهادهم، بعد أن كانوا في جاهليتهم مضرباً للمثل في الفرقة، والفردية الأنانية، والذل، وما ذلك إلا بإرادة الله وفضل الإسلام. والله الموفق.
المصادر والمراجع
١- ابن البطريق، أوثيشيوس الاسكندري (المتوفى سنة ٣٢٨هـ) : التاريخ المجموع على التحقيق والتصديق. بيروت ١٩٠٤م.
стр. 14347
٢- ابن حنبل، الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن محمد ... بن هلال (١٦٤-٢٤١هـ) : المسند، تعليق أحمد محمد شاكر. القاهرة ١٩٤٦م.
٣- ابن سعد، محمد بن سعد بن منيع الهاشمي البصري، أبو عبد الله: الطبقات الكبرى. بيروت ١٩٥٧م
٤- ابن عساكر، علي بن الحسن بن هبة الله ... الدمشقي الشافعي، أبو القاسم (٤٩٩ـ ٥٧١هـ) : تاريخ دمشق وأخبارها (التاريخ الكبير) . دمشق ١٣٢٩هـ.
٥- الأزدي، محمد بن عبد الله ... البصري، أبو إسماعيل البصري: فتوح الشام. كلكتا ١٨٥٤م.
٦- البلاذري، أحمد بن يحيى بن جابر بن داود البغدادي (القرن الثالث الهجري) : فتوح البلدان. نشر صلاح المنجد، القاهرة ١٩٥٦، أنساب الأشراف، القاهرة.
٧-. GRESWELL (K.A.C) : EARLY MUSLEM ARCHITECTURE YMMAYYADS ٦٢٢-٧٥٠
LSTED.OXFOD ١٩٤٠
٨- خليفة بن خياط، أبو عمر بن خياط بن أبي هبيرة ... الليثي، العصفري، الملقب بشهاب (القرن الثالث الهجري) تاريخ خليفة بن خياط. تحقيق أكرم ضياء العمري. بغداد ١٩٦٧م.
٩- خليل طوطح، وبولس شماده: تاريخ القدس ودليلها. القدس، بدون تاريخ.
١٠- STRANGE (GUY LE) : PALESTINE UNDER THE MUSLIMS: LONDON ١٩٨٠.
١١- الطبري، أبو جعفر، محمد بن جرير (٢٢٤- ٣١٠هـ) : تاريخ الرسل والملوك. تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، القاهرة ١٩٦٠-١٩٦٩م.
١٢- مجير الدين العليمي، عبد الرحمن بن محمد ... العليمي المقدسي (٨١٠-٩٢٧هـ) : الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل. عمان ١٩٧٧م.
١٣- مسلم، الإمام المسلم أبو الحسن بن الحجاج بن مسلم القشيري (٢٠٦-٢٦١هـ) : الجامع الصحيح. تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي. القاهرة ١٩٥٥م-
١٤ـ الواقدي، أبو محمد عبد الله بن عمر ١٣٠-٢٠٧هـ: فتوح الشام، عمان ١٩٧٥م.
١٥- ياقوت، بن عبد الله الرومي الحموي (٥٧٥-٦٢٦هـ) : معجم البلدان. بيروت ١٩٥٥م.
стр. 14348
١٦- اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب، إسحق بن جعفر بن وهب بن واضح، العباسي المعروف بابن واضح، وابن اليعقوبي (المتوفى ٢٨٤هـ) : تاريخ ابن واضح. النجف ١٣٥٨هـ.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] ابن حنبل: المسند، ٢:٢٣٤ ,٢٣٨، مسلم: الصحيح ٢:٤١٥ ,٥١٣.
[٢] البلاذري: ٢٥٩، الواقدي: ١:١٧٠.
[٣] الطبري: جـ١:٢٤٠٥-٢٤٠٦.
[٤] ابن سعد: ٣:٢٠٣، اليعقوبي: ٢:١٦٧، ابن عساكر: ١:٥٥٣، الطبري: ١:٢٤٠٨، البلاذري: أنساب
الأشراف ق٢ص٤٩٥ عن الواقدي.
[٥] ياقوت: ٥:٥٩٨-٥٩٩، البلاذري: فتوح: ١٣٨-١٣٩، الطبري ١:٢٣٦٠.
[٦] الواقدي: ١:٢٢٩.
[٧] مجير الدين: ١:٢٤٧.
[٨] مجير الدين: ١:٢٤٩.
[٩] مجير الدين: ١:٢٥٠.
[١٠] الواقدي: ١:٢٣١، روى الطبري عن سيف أن عمر استخلف علي بن أبي طالب على المدينة، انظر ابن كثير: البداية والنهاية: ٧/٦١.
[١١] مجير الدين: ١:٢٥٠-٢٥٢، انظر ابن كثير: البداية والنهاية ٧/٦١، والطبري: ١:٢٤٠٨.
[١٢] مجير الدين: ١:٢٥٣.
[١٣] ابن عساكر: ٧:٢٢٦.
[١٤] ابن عساكر: ٧:٢٢٦.
[١٥] ابن عساكر: ٧:٢٢٦.
[١٦] مجير الدين: ١:٢٥٣.
[١٧] خليل طوطح ورفيقه: ٩-٢٣، انظر الأباء الفرنسيسكان: السير السليم من يافا إلى أورشليم القدس ١٨٩٠م.
[١٨] اليعقوبي: ٢:٤٦.
[١٩] مجير الدين: ١:٢٥٥.
[٢٠] الواقدي: ١:٢٤٢، الطبري: ١:٢٤٠٩، عن رجا بن حيوة عمن شهد الفتح.
[٢١] الواقدي: ١:٢٤٢.
[٢٢] ابن البطريق: نظم الجواهر ٢:١٧٠.
[٢٣] مجير الدين: ١:٣٦٧.
[٢٤]
GREWELL.L.P.١١
[٢٥] الواقدي: ١:٢٤٢.
[٢٦]
LE STRANGE P.٩١
стр. 14349
الإسْلاَمُ والمسلِمُونَ في إنجلتِرَا
مَاضيهمْ وَحَاضرهم وَمسْتقبلهمْ (٢)
للدكتور محمد إبراهيم الجيوشي
أستاذ بالدراسَات العليَا
مشاكل المسلمين: بعد أن عرفنا حال المسلمين في إنجلترا يبلغون زهاء المليون ونصف، وأنهم اتخذوها وطنا لهم، فإننا نتساءل:
كيف يباشرون عباداتهم اليومية في تلك البلاد وكيف يحصلون على طعام حلال لا شبهة فيه؟ وكيف تتعرف الأجيال الناشئة في وسط هذا المجتمع الغريب عن الإسلام على مبادئ الدين وسلوكه وأخلاقه ومنهج حياته؟
في الحقيقة إن كل سؤال من هذه الأسئلة يمثل مشكلة تواجه كل مسلم يستقر في هذه البلاد، ويحاول أن يجد لها حلا، وبعض هذه المشاكل قد وجدت لها حلول كاملة، وبعضها الآخر اهتدت إلى حلول جزئية تحتاج إلى متابعة.
ا- فبالنسبة لمشكلة الطعام الحلال: لقد حلت هذه المشكلة، بواسطة المحلات والمطاعم الإسلامية المنتشرة في كل مدينة وحي وقرية يسكنها المسلمون، وقد يدرك ذلك إخواننا الذين يترددون على لندن من وقت لآخر.
стр. 14350
٢- وأما بالنسبة لأماكن العبادة: فقد واجهها المسلمون باتخاذ أماكن للعبادة مؤقتة أو دائمة، وسبيلهم إلى ذلك يبدأ بتجمع السكان المسلمين في كل حي، ثم يؤلفون جمعية من أنفسهم تتخذ لها مقرا مؤقتا في الحي، وغالبا ما تبدأ باستئجار أحد المنازل تجتمع فيه لتدارس أمورها، ثم تخصص جانبا منه للصلاة وجانبا للاجتماعات، وجانبا لتعليم الأطفال إن أمكن، وينمو هذا الاتجاه بسرعة أو ببطء حسب نشاط القائمين على الجمعية، وغالبا ما ينتهي بشراء مكان خاص يتخذ مسجدا، وتقوم من حوله أوجه النشاط الأخرى، وعن هذه الطريقة أصبحت لا تجد حيّا في مدينه لندن أو سواها من المدن التي يقطنها المسلمون إلا وبه مسجد يصلي فيه المسلمون، ويباشرون أنشطتهم الدينية الأخرى، وترتب على ذلك أن أقيمت مساجد جديدة على الطراز الإسلامي كما هو الحال في المركز الإسلامي ومسجد لندن المركزي، وهو أكبر المؤسسات الإسلامية هناك، وسنعود للحديث عنه، ومسجد ويمبلدن، مسجد شرق لندن، ومسجد نور الإسلام بكارديف، ومسجد ساوث شيلد، ومساجد برينجهام ومنشستر، وليفربول وشيفيلد وسواها كثير.
وأحيانا يشتري المسلمون كنيسة أو معبدا يهوديا ثم يحولونه إلى مسجد كما هو الحال بالنسبة لبرسيتول ونيوكاسل، وأماكن متعددة في لندن، ومن ألطف ما يذكر في هذه المناسبة أن عددا من التجار السوريين يقيمون في مدينة منشستر كانوا أول من اشترى كنيسة وحولوها إلى مسجد وأطلقوا عليه اسم الجامع الأزهر تيمنا بالأزهر ودوره في نشر الثقافة الإسلامية.
стр. 14351
وأحيانا يشتري المسلمون بناية ويحولونها إلى مسجد وهذا هو الغالب في الأماكن التي تتخذ مساجد في إنجلترا الآن لأن تكاليفه أقل من إقامة مبنى جديد، وحسبك أن تعلم أنه يوجد في لندن وحدها الآن قرابة مائتي مكان للصلاة منتشرة هنا وهناك، وبهذه الوسائل حلت هذه المشكلة. وقد أصبح من المألوف الآن أن ترى في مدن إنجلترا المختلفة مآذن المساجد مرتفعة هنا وهناك، وليس غريبا أن أصبح مسجد لندن المركزي أحد المعالم الرئيسية للمدينة، وقد تكلف بناؤه الجديد أكثر من خمسة ملايين جنيه استرليني، ويتألف البناء من المسجد الذي يتسع من داخله لأكثر من ألفي مصلّ. يرتفع العدد إلى سبعة آلاف حينما يستعمل الطابق السفلي والرحبات المحيطة بالمسجد من الغرب والشمال والشرق، ويلمس الزائر للندن في الصيف هذه الأعداد الضخمة فعلا، تحضر صلاة الجمعة في المسجد الذي يقدم صورة صادقة للأخوة الإسلامية الخالصة تلتقي في رحاب بيت من بيوت الله.
ويضم المبنى أيضا مكتبة إسلامية ضخمة صمّمت لتسع خمسمائة وسبعين ألف كتاب عن الإسلام باللغات المختلفة، وكان الأمل معقودا أن تتخذ هذه المكتبة مركز انطلاق للدراسَات الإسلامية في قلب أوربا يقوم على توجيهها علماء مسلمون، ولعل ذلك يتحقق قريبا إن شاء الله تعالى.
ويضم المبنى أيضا إدارة المركز الإسلامي وصالات الاجتماعات التي تعقد فيها الندوات والمؤتمرات، ويستقبل فيها وفود الزوار من الراغبين في التعرف على الإسلام، وعادة ما يكون هؤلاء من طلاب المدارس العليا والجامعات حيث يستمعون إلى محاضرة عن الإسلام يعقبها نقاش حول بعض القضايا وموقف الإسلام منها، وأحيانا يسبق ذلك أو يلحقه عرض أحد الأفلام الذي يقدم صورة إسلامية حضَارية أو تاريخية أو عبادية.
стр. 14352
ومن معرفة الفضل لأهله أن نذكر هنا أن المغفور له جلالة الملك فيصل قد أسهم بالنصيب الأكبر في تكاليف إقامة هذا البناء، وأن المغفور له جلالة الملك خالد قد وقف على المسجد والمركز مبلغ مليون ومائتي ألف جنيه إسترليني يستغل في بعض المشاريع النافعة وينفق من ريعه على احتياجات المسجد ونشاطات المركز التي تزيد سنويا عن مائتي ألف جنيه إسترليني.
ومن طريف ما يذكر هنا أن أقدم مسجد أقيم في لندن كان في حديقة أحد القصور المطلة على نهر التيمس، أقامته سيدة إنجليزية تدعى ليدلى استانلى هوب STANLY HOP LADY منذ حوالي ثمانين عاما، كانت معنية بالبحث في تاريخ طائفة الدروز، ورحلت إلى دمشق، وأقامت في ضيافة إحدى الأسر السنية هناك ثم استضافت فيما بعد رب االأسرة في لندن، وأقامت له مسجدا في حديقة القصر حتى يؤدي صلواته فيه أثناء إقامته بلندن، وقد حافظ أحفاد هذه السيدة على المسجد وظلوا يفتحونه لصلاة العيدين في كل عام، ومنذ اثني عشر عاما عرض القصر للبيع، وجاء مالكوه إلى المركز الإسلامي يعلنون عن رغبتهم في أن يشتريه أحد المسلمين حتى يحافظ على المسجد، إلا أننا للأسف لم نوفق في ذلك الوقت إلى من يرغب في شرائه من المسلمين. ولست أدرى ماذا آل إليه أمره الآن.
стр. 14353
جـ - أما كيف تربى الأجيال المسلمة الناشئة: فهذه هي المشكلة التي يتوقف على النجاح في علاجها مستقبل الإسلام في هذه البلاد وقد تجسم الإحساس بهذه المشكلة بعد أن نشأت أجيال ولدت في إنجلترَا وشعر الآباء بالحاجة الملحة في تنشئة أبنائهم حسب تعاليم دينهم، ولم يشعر الجيل الأول القادم إلى تلك البلاد بهذه المشكلة، لأنه قدم إليها بعد ما استوى عوده، ونشأ في بلاده على الأخلاق الإسلامية، والسلوك الإسلامي ومرن على القيام بواجباته الدينية، فلم يكن من السهل أن تجرفه التيارات والاتجاهَات المخالفة لما ألفه في بلاده وتربى عليه، بل إن عددا منهم كان يبنى مسجدا صغيرا في حديقة منزله مماثلا للمساجد في بلده التي عاش فيها ونشأ وكان إذا اضطر لبيع المنزل يشترط على المشترى أن يحافظ على المسجد ويبقيه مفتوحا للمسلمين في الصلوات الخمس، رأيت هذا المثل في مدينتين ساحليتين من ضواحي كارديف تسمي إحداهما نيوبورت يعني الميناء الجديد، وتسمي الثانية بارى أيلند يعني جزيرة بارى، لذلك لم يكن هناك خوف على هؤلاء الذين قدموا ولهم من الحصانة الدينية ما يحميهم من المغريات.
стр. 14354
فلما نشأت أجيال جديدة ليست وثيقة الصلة ببلادهم الأولى، ولا يستطيعون أن يتحدثوا لغة الآباء إلا بصعوبة بالغة بدت في الأفق دلائل الخطر التي تهدد الأجيال الناشئة بالضياع، فتحرك الآباء والمهتمون بأمر الدعوة الإسلامية هناك، وأخذوا في البحث عن علاج لهذه المشكلة، قبل أن يستفحل خطرها، وتستعصي على الحل. وسارت الحلول في اتجاهات متعددة، تمثلت في افتتاح فصول في آخر الأسبوع في أماكن تجمعات المسلمين يتعلم فيها أبناؤهم الضروري من أمور دينهم وتسمي هذه الفصول مدارس آخر الأسبوع week and schools واستطعنا أن نرتفع بعدد تلاميذ هذه الفصول في لندن وحدها في فترة ما إلى ألفي تلميذ، وحاولت بعض الجمعيات الإسلامية أن تهيئ فترة يومية لأبناء المسلمين في المساجد والجمعيات الإسلامية بعد انتهَاء اليوم الدراسي، وقام آخرون بالاتصال بمديري المدارس الحكوميَة التي يوجد بها تلاميذ مسلمون، وخصصت لهم أوقات محددة حوالي عشرين دقيقة في الصباح قبل بداية اليوم الدراسي مرتين أو أكثر أسبوعيا يسمح فيها لأحد المدرسين المسلمين بالتحدث إلى التلاميذ المسلمين بالمدرسة عن الإسلام، وهو جهد قليل الجدوى على الرغم من الإخلاص البادي في القائمين عليه ومماَ لاشك فيه أن هذه المحاولات تعكس اهتمام الآباء بمصير الأبناء إلا أنها ليست كافية لمواجهة المشكلة والتغلب عليها، وذلك لأن الأوقات المخصصة للدراسة ليست مناسبة لأنها إما أن تكون بعد أن يقضى التلميذ يوما مرهقا في المدرسة يحتاج بعده إلى الراحة والاستجمام. أو أنها في يوم الراحة الأسبوعية وهو ضروري من الناحية التربوية لاستمرار نشاط التلميذ في الإقبال على دروسه بدون ملل أو سأم، أو أنها في أوقات مبكرة قبل بداية اليوم الدراسي مما يجعلها ثقيلة على الأطفال غير محببة إليهم وآثارها النفسية في هذه الحالات معروفة للجميع هذا بالنسبة للوقت أما بالنسبة للأمكنة فإن كثيرا من القائمين على هذه الفصول
стр. 14355
لم تساعدهم إمكاناتهم المادية والتربوية على تهيئة الاستعداد الكافي الذي يناسب مستويات هذه البلاد وطبيعتها وتبدو الآثار الضارة لهذا التفاوت في الاستعدادات حينما يقارن الطفل بين ما يجده في مدرسته التي يشارك فيها الآخرين من أبناء الشعب الإنجليزي، وبين هذه الفصول التي يتلقى فيها تعليمات باسم الإسلام مما يجعله يحس بالفرق بين ما ينتسب للإسلام وما ينتسب إلى سواه، وهذا يسبب خَطرا نفسيا يتعرض له أطفال المسلمين في تلك البلاد.
وبالنسبة للمدرس والكتاب فلم يكن هناك مدرس متخصص أو منهج متكامل، وقد دعانا ذلك إلى الاستعانة بعدد من طلاب الدراسات العليا بين المسلمين ليقوموا بعملية التعليم، وأما موضوع الكتاب فقد أمكن التغلب على النقص في المنهج بإعداد سلسلة من الكتب المدرسية باللغة الإنجليزية تقدم المعلومات الضرورية للناشئة المسلمين من سن الخامسة حتى الخامسة عشرة.
وعلى الرغم من كل ذلك فإن المشكلة لا تزال قائمة تحتاج إلى حلّ عاجل، ومن استعراض هذه النماذج التي أشرنا إليها نرى أن مدارس آخر الأسبوع أكثرها فائدة، وقد أشرف المركز الإسلامي في لندن على إدارة أعداد منها في لندن وضواحيها وقدم المساعدات المالية والثقافية للقائمين عليها في الأماكن المختلفة، ولكن ذلك كله لا يقدم حلا جذريا لهذه المشكلة.
следующие страницы →