Полный текст (23 804 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.
стр. 3116
والعاقل من اتعظ بغيره، وحاد عن طريق هلك فيها السالكون من قبل، فإياك والغرور، وإياك أن تعمى عن شيخوخة باردة ستدركك يوما ما، فلا تجد فيها عاطفا ولا نصيرا، خير لك أن تمد إلينا يدك اليوم، لنمد إليك أيدينا في المستقبل.
نعم, إنه لأمر جديد هذا الذي ندعوك إليه، وهو على خلاف عادتك وإلفك، وربما عظم على نفسك وأصابك من ارتكابه حسرة وألم، ولكنك بعد طول معاودة ومعاناة ستطيب نفسا، وتهدأ قلبا، وتستمرئ هذه الحياة السهلة, وهذا الرزق الذي يأتيك رغدا دون أن تبذل في سبيله جهدا أو تجد من ورائه نصبا.
انظر إلى هذه الخادم التي تشاركنا الحياة في هذا البيت, يعطيها أهله الأجر، ويشركونها في طعام وشراب ثم هي لا تتذمم أن تسرق السكر والشاي والخبز والجبن والأرز كلما آنست من أهله طمأنينة، أو كانوا عنها في شغل، على حين أنها من أمة جاءها المرسلون، وبعث فيها النبيون، وتوالت فيها النذر، وضربت لها الأمثال.
كم وقف على أبواب هذه الدار التي دافعتنا أمك عن خيراتها وذادتنا عن حماها، ثم هاأنت ذا من بعدها تذود وتدافع، كم وقف على أبوابها أناس أكلهم الجوع وشربهم الظمأ، فما نالوا منها بلالة حلق، ولا بلالة معدة، ولقد سمعت أنت ورأيت كما كنت أنا أسمع وأرى، كيف كان الرد خشنا، وكيف كان الجواب غليظا، وفي الدار رزقها المغدق، وفيها ماؤها المتدفق.
ولعلك لا تزال تذكر ما حدث منذ أسبوعين حين كرمت هذه الدار بعض ذوي الحول والطول من رجالات هذا البلد، أرأيت كيف ضاقت الدار على رحبها بأصحاب اليسار والموظفين الكبار.. أرأيت كيف كان الطعام غنيا، شهيا، سخيا، ملأ العيون وأوفى على البطون، وجاوز الظنون، على حين أن أصحاب الطعام لا يكنون لمن دعوهم ودا، ولا يحفظون لهم عهدا، وإنما يرجون من وراء ذلك جلب مصلحة أو دفع أذى.
стр. 3117
الأمانة، والإخلاص، والوفاء، والاستقامة، والمروءة، والامتيازات الفردية والجماعية، والعقائد الموروثة, والأمجاد الأثيلة، والأنساب العريقة, كل هذا وأمثاله - مما كان يؤمن به الآباء والأجداد ويحافظون عليه كل الحفاظ - قد ذهب فلا رجعة، وأمسى في هذا العالم كهذه الأزهار الصناعية التي تراها في غرفة الاستقبال من هذه الدار، ليس فيها حياة ترقص بها في الجو، وتميس بها فوق الأرض، وتنطق بجماله صنع الله، ليس فيها رائحة تفغم الأنوف، وتنعش الأنفس، وتثير الحياة، إنها مظهر جذاب، ومنظر خلاب، يخادع به الناس بعضهم بعضا وهم يعلمون.
وأنا لم أقل لك ما قلت، ولا ضربت لك تلك الأمثال، إلا لأبين لك كيف يعيش الأحياء من الناس على الأرض في هذه الأيام، لا تكاد تربطهم رابطة من دين، أو خلق، أو جنس وإنما هي المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة، لماذا لا نأخذ بهذا المبدأ ونسير على هذا الطريق ونحيا حياة مسالمة ودعة ينعم فيها الطرفان، ويتفيأ ظلالها القطط والفيران..
وهل هناك حياة أمتع وأروع من حياة السلم والسكينة، والأمن والطمأنينة، مع راحة وهناء، وطعام دون عناء.
علام هذا الخصام بين مخلوقات الله في لقمة خبز، وجرعة ماء.. لو تراضى الخلق بالمساواة وأخذ كل مخلوق ما كفاه، لعاشوا جميعا عيشة هادئة وادعة، لا قلق فيها ولا اضطراب، ولا دماء ولا حراب.
لا تفكر في الماضي، فالماضي مليء بالأحقاد والترات، زاخر بالعداوات والذكريات، فكر فيما نحن فيه، وما أنت عليه، ودع عنك ماضيا سحيقا سحقته السنين والقرون.
стр. 3118
أرجو ألا تستصغر شأني، أو تهمل ما أدعوك إليه، حين ترى رسالتي هذه قد جاءتك حقائق عارية من حلل الفصاحة والبلاغة، خالية من زخرف القول ومكذوب الوداد، فنحن - معاشر الفيران- قد ابتلينا بشتى المصائب، ولعل أعظمها أن الله لم يهب لنا فصاحة نملك بها الأسماع، ونختلب العواطف، ونستهوي الأنفس، ونلبس الحق بالباطل، ألا ترى إلى الفأر منا يسرق قطعة الجبن، أو لقمة الخبز يدفع بها عادية الجوع، فإذا هي سرقة ملء السمع والبصر، نذوق بها الموت وعذاب الحريق، ويسرق ابن آدم _ وهو المتخم _ سرقاته الكبر فيسميها أسماء شتى، ولكن ليس بين هذه الأسماء وبين السرقة نسب، ثم لا يلحق به عاب، ولا يأخذه عقاب أو عذاب.
ولي بعد هذا أصدق العذر ألاّ أبعد في هذه الرسالة وأطيل، وفيما قلته غناء وكفاية، وفيما أتوقعه من سداد رأيك في الأمور، وحسن تبصرك في العواقب ما يرأب الصدع، وينزع غلا في القلوب طال عليه الأمد.
وفي نهاية هذه الرسالة أود أن أقول: إن هذه المسالمة التي ندعوك إليها ليست عن قلة ولا ذلة ولا ضعف، فنحن - معاشر الفيران- أشد منكم خطرا، وأوسع نفوذا في الأرض، وأقدر على أن نكثر فيها الفساد، لا أقول هذا تهديدا ووعيدا، معاذ الله فنحن ننتظر منك مكرمة تطوق أعناقنا بالجميل، وتلهج ألسنتنا بالشكر الجزيل، وتغرس في قلوب صغارنا والكبار كل احترام لك وتجله.
جارك المخلص الفأر
стр. 3119
أضواء من التفسير
للشيخ عبد القادر شيبة الحمد
المدرس بكلية الشريعة
والقرآن العظيم كالدر النظيم كل آية منه لها صلة ومناسبة لما قبلها ولما بعدها، فلا يعقل أن يكون المقام مقام تشجيع وتسلية للنبي ﷺ من توعد الكفار له ثم يقول له: أذكر قصة العاشق المحب داود، برأه الله مما قالوا, إذ كان عند الله وجيها.
ومصدر هذه الأباطيل أن اليهود لعنهم الله لما عجزوا عن محاربة الإسلام بالأسنة والرماح، أظهروا اعتناق الإسلام وأبطنوا الكفر والعزم على محاربة دعوة الله تعالى بسلاح ممقوت رذيل هو سلاح الدس على الله تعالى في كتبه المنزلة والطعن في رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
ولا يهولنك أن القصة على هذا مذكورة في التوراة، وأن فيها "وقبح داود في عين الرب"فالله تعالى بيّن لنا أنهم غيّروا وبدلوا تبديلا.
ومن جميل ما يروى أنه كان عمر بن عبد العزيز جالسا, وعنده رجل من أهل الحق, وبالقرب منهما رجل قاص يقص على الناس هذه القصة وينسبها إلى داود ﵇، فقال الرجل للقاص: يا هذا إن كان الأمر كما تقول وستر الله عبده داود وكنى وقال: "نعجة", فما يحل لك أن تفضح نبي الله داود ﵇, وإن كان الأمر غير ذلك فقد افتريت على نبي الله داود، فقال عمر بن عبد العزيز: هذا الكلام أحب إلي مما طلعت عليه الشمس.
ما ترشد إليه الآيات:
١- فزع داود عند دخول الخصمين.
٢- الأسلوب البدوي الجاف.
٣- كثرة بغي الشركاء غير المسلمين.
٤- قلة المؤمنين.
٥- سرعة خاطر داود ﵇.
٦- مسارعة الصالحين بالإنابة إلى الله.
٧- أن الهوي إلى الأرض لله عند الإنابة من عمل الصالحين.
٨- أن الله تجاوز لداود عما فتن به.
٩- منزلة داود عند الله.
١٠- حسن مرجعه في الآخرة.
١١- الاعتبار والتأسي.
стр. 3120
قال تعالى: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ. وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ. كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ .
المناسبة:
بعد أن ساق الله تعالى قصة داود نبّه إلى مكانته عنده واصطفائه له، وأن منزلته بعد الفتنة والتوبة منها كمنزلة قبلها, وأن فتنته لم تسلب خلافته.
القراءة:
قرأ الجمهور (يضلون) بفتح الياء وقرئ بضمها، وقرأ الجمهور (مبارك) بالرفع وقرئ (مباركا) على النصب، وقرأ الجمهور (ليدبروا) بالياء وتشديد الدال، وقرئ (ليتدبروا) ، وقرئ (لتدبروا) بالتاء وتخفيف الدال.
المفردات:
خليفة: أي مستخلفا على الملك والحكم بين الناس بمعنى نصّبناك حاكما لتنفيذ أوامرنا أو صيرناك نائبا عنا.
بالحق: بالعدل.
الهوى: ميل النفس إلى شهوتها ولو عارض الشرع، وقد يراد به الشيء المهوي، كما في قول جعفر بن علبة:
هواي مع الركب اليمانين مصعد جنيب وجثماني بمكة موثق
يضلك: يصرفك ويبعدك.
سبيل الله: طريقه المستقيم.
شديد: شاق.
نسوا: تركوا بمعنى أنهم لم يذكروه ولم يعملوا.
يوم الحساب: يوم القيامة والنقاش والجزاء.
خلقنا: أنشأنا وأوجدنا.
باطلا: لعبا وعبثا وبلا حكمة.
стр. 3121
ذلك: إشارة إلى خلقها للعب والعبث وعدم الحكمة.
ظن الذين كفروا: أي مظنونهم الخاطر ببالهم والقائم بنفوسهم.
فويل: فهلاك ودمار أو هو واد في جهنم.
مبارك: أي كثير المنافع.
ليدّبروا: ليتأملوا وينظروا.
وليتذكر: وليتعظ.
أولوا الألباب: أصحاب العقول.
التراكيب:
قوله تعالى: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ﴾ يجوز أن يكون مستأنفا لبيان زلفاه، ويجوز أن يكون مقولا لقول مقدر معطوف على (غفرنا) أو حال من فاعل (غفرنا) أي غفرنا وقلنا أو قائلين يا داود، والكاف مفعول أول لـ (جعلنا) ، و (خليفة) المفعول الثاني.
وقوله ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ الفاء تفريعية، وقد فرع الأمر بالحكم على ما سبقه، لأن جعله خليفة يقتضي الحكم بالعدل.
والمراد بالأمر مداومة داود للحكم بالحق وتنبيه لغيره ممن ولي أمور الناس أن يحكم بينهم بالحق، وهو ﵇ لا يحكم إلا بالحق، وكذلك قوله: ﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾ نهي له يقصد منه المداومة على ترك اتباع الهوى وتنبيه لغيره ممن ولي أمور الناس ألاّ يتبع في حكمه الهوى.
وقوله: ﴿فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بنصب المضارع بأن مضمرة بعد فاء السببية لكونه في جواب النهي، ويجوز أن تكون الفاء للعطف على النهي، وإنما فتحت اللام لأجل التقاء الساكنين، والفاعل في (فيضلك) ضمير الهوى أو ضمير المصدر المفهوم من قوله: ﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾ أي فيضلك الهوى أو اتباع الهوى.
وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّه﴾ تعليل لما قبله ببيان غائلته، وكان مقتضى الظاهر أن يقول إن الذين يضلون عنه، ولكنه أظهر في موضع الإضمار فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لزيادة التقرير، والإيذان بكمال شناعة الضلال عنه.
стр. 3122
وقوله ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ لهم: خبر مقدم، وعذاب: مبتدأ مؤخر، وشديد: صفته، والجملة في محل رفع خبر إن، والباء في قوله ﴿بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ سببية، وما مصدرية، ويوم الحساب: مفعول لنسوا، والمعنى: لهم عذاب شديد لعدم ذكرهم يوم الحساب، ويكون قوله: ﴿بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ تعليلا تصريحا لثبوت العذاب الشديد لهم بنسيانهم يوم الحساب، وقيل: إن يوم الحساب ظرف لقوله (لهم) ففي الكلام تقديم وتأخير والأصل: لهم يوم الحساب عذاب شديد بما نسوا، وعليه فمفعول نسوا محذوف مفهوم من السياق تقديره: بما نسوا سبيل الله، والأول أولى، ومن قرأ (يضلون) بضم الياء فهي على حذف المفعول.
وقوله ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً﴾ كلام مستأنف لتقرير مضمون ما قبله من أمر الحساب، ويجوز أن تكون الجملة في موضع الحال من فاعل نسوا، وقد جيء بها لتفظيع أمر النسيان كأنه قيل: بما نسوا يوم الحساب حالة وجود دلائله ووضوح حقيقته، و (باطلا) منصوب على أنه صفة لمصدر محذوف أي خلقا باطلا، ويجوز أن يكون حالا أي مبطلين أي ذوي باطل، كما يجوز أن يكون مفعولا لأجله أي لأجل الباطل، والإشارة بقوله: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ﴾ راجعة إلى كون خلقها باطلا، والكفار وإن أقروا أن الله خالق السموات والأرض, ظانون أن خلق ذلك ليس لحكمة, وأنها خلقت عبثا ولعبا، ولذلك قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ .
стр. 3123
وقوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ مبتدأ وخبر، والفاء لإفادة ترتيب ثبوت الويل لهم على ظنهم الباطل، وكان مقتضى الظاهر أن يقول (فويل لهم) وإنما وضع الاسم الموصول موضع الضمير لإشعار جملة الصلة بسبب استحقاقهم الويل، ومن في قوله: ﴿مِنَ النَّارِ﴾ بمعنى في، وقيل تعليلية كما في قوله: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي فويل لهم بسبب النار المترتبة على ظنهم وكفرهم، و (أم) في قوله: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ﴾ منقطعة بمعنى بل وهمزة الإنكار، والإضراب للانتقال من تقرير أمر البعث والحساب بنفيه خلق العالم لغير حكمة إلى تقريره وتحقيقه بما في الهمزة من إنكار التسوية بين الفريقين ونفيها على أبلغ وجه وآكده.
وقوله تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّار ِ﴾ يجوز أن يراد بهذين الفريقين عين الأولين ويكون التكرار باعتبار وصفين آخرين هما أدخل في إنكار التسوية من الوصفين الأولين، ويجوز أن يكون انتقالا من إثبات الحساب بلزوم استحالة التسوية بين الفريقين المذكورين على الإطلاق إلى إثباته بلزوم ما هو أظهر منه استحالة وهو التسوية بين أتقياء المؤمنين وفجرة الكافرين.
стр. 3124
وقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ﴾ مستأنف لبيان ما ترسم به الطريق التي يكون سالكوها من أهل السعادة يوم الحساب، وفي ذكر الكتاب هنا بهذا الوصف تنبيه إلى أن القصة السابقة فيها كفاية لأصحاب العقول ولقريش لو كانوا يعقلون، ومع ذلك يذكر بعدها بعض القصص إمعانا في النصح ومبالغة في الإعذار، وفيه إشارة إلى إعجازهم بالقرآن وتحديهم به، و (كتاب) خبر مبتدأ محذوف أي هذا كتاب، و (أنزلناه) صفته، وقوله: (مبارك) على قراءة الرفع يصح أن يكون خبرا لمبتدأ محذوف أيضا، أو هو خبر ثان، ولا يجوز أن يكون نعتا ثانيا عند الجمهور؛ لأنهم لا يجيزون أن يتأخر الوصف الصريح على غير الصريح، أما الذين لا يمنعون ذلك فيجوزون أن يعرب وصفا ثانيا، وقرئ (مباركا) بالنصب على أنه حال من مفعول (أنزلنا) وهي حال لازمة؛ لأن البركة لا تفارقه، وقوله: ﴿لِيَدَّبَّرُوا﴾ متعلق بأنزلنا، وضمير الفاعل في (ليدبروا) لأولي الألباب على سبيل التنازع مع إعمال الثاني، أو للمؤمنين والمفسدين، ومن قرأ (لتدبروا) فالخطاب للنبي ﷺ وعلماء المسلمين.
المعنى الإجمالي:
يا داود إنا نصبناك حاكما لتنفيذ أوامرنا فافصل في قضايا الناس بالعدل، واتبع نظام الشرع، ولا تخضع لميول نفسك وما تهوى، فإن الهوى يحيد بك عن صراط الله المستقيم، ومنهجه القويم، إنّ الذين يحيدون عن صراط الله المستقيم، وينسون يوم النقاش العظيم قد هُيئ لهم عقاب قاس, لا يخطر على البال, ولا يدور في الخيال بسبب تركهم العمل ليوم مناقشة الخلائق على ما قدموا، إنّ يوم الحساب كائن لا محالة؛ لأنه لو لم يكن حساب ولا بعث لكان خلق السموات والأرض وسائر العوالم عبثا ولعبا لأنها تكون حينئذ إنما خلقت للفناء، ولا يخطر هذا إلا ببال الجاحدين الأشقياء.
стр. 3125
فهلاك ودمار أو واد في جهنم لهؤلاء الجاحدين، إنه لو لم يكن بعث ولا حساب لاستوى الصالح والمفسد، والتقي والفاجر، ولا يمكن لعاقل أن يسوي بينهما، فشتان بين من يغض طرفه إن بادت له جارته وبين من ينهب النساء للخنا والفجور، وشتان بين من يمد يد المساعدة والإنفاق للفقراء والمساكين وبين من يمد يده لنهب أموال اليتامى والمستضعفين.
هذا كتاب أوحينا به إليك كثير الخيرات، عظيم المنافع، لا تفارقه البركة أبدا، أنزلناه ليتفكروا في آياته، وينظروا في عجائبه وبدائعه، وليتعظ أصحاب العقول.
ما ترشد إليه الآيات:
١- أنّ داود من خلفاء الله في الأرض.
٢- وجوب الحكم بالعدل.
٣- عدم جواز الحكم بغير كتاب الله.
٤- الحكم بغير كتاب الله يسبب شقاء العاجلة والآجلة.
٥- الحاكم بغير كتاب الله لا يؤمن بيوم الحساب.
٦- البعث حق ولابد منه.
٧- منكر البعث يرى أن خلق العالم لعب.
٨- لا ينكر البعث إلا كافر.
٩- إنكار البعث تسوية بين الصالحين والمفسدين.
١٠- القرآن كثير الخيرات جليل المنافع لا ينأى عنه إلا محروم.
١١- يجب تدبر القرآن.
١٢- لا يتعظ به إلا أصحاب العقول.
١٣- في القصة السابقة كفاية لو كانوا يعقلون.
стр. 3126
من أعلام المحدثين
أبو حاتم الرازي ١٩٥-٢٧٧هـ
بقلم: الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد
المدرس بكلية الشريعة بالجامعة
نسبه:
هو محمد بن إدريس بن المنذر بن داود بن مهران.
كنيته:
يكنى أبا حاتم وقد اشتهر بهذه الكنية.
نسبته:
يقال له الرازي نسبة إلى وطنه الري بزيادة زاي، وأصله من أصبهان, ومن أجل ذلك ترجم له أبونعيم في كتابه أخبار أصبهان، ويقال له الغطفاني، ويقال الحنظلي، وحنظلة بطن من غطفان، ونسبته إليهم نسبة ولاء كما في الخلاصة للخزرجي، وقال ابنه عبد الرحمن كما في اللباب: "نحن من موالي تميم بن حنظلة الغطفاني من غطفان"، وقال ابن الأثير: "وأما أبو حاتم محمد بن إدريس الحنظلي فمنسوب إلى درب بالري يقال له: درب حنظلة".
رحلته في طلب الحديث:
بدأ كتابة الحديث سنة تسع ومائتين أي وعمره أربع عشرة سنة، ورحل في طلبه وهو صغير، فرحل إلى الكوفة والبصرة وبغداد ودمشق وحمص، ورحل إلى مصر وبقي في الرحلة زمانا, وحصل له في ذلك أمور عجيبة قال ابنه: سمعت أبي يقول: "أول سنة خرجت في طلب الحديث أقمت سبع سنين أحصيت ما مشيت على قدمي زيادة على ألف فرسخ ثم تركت العدد بعد ذلك، وخرجت من البحرين إلى مصر ماشيا، ثم إلى الرملة ماشيا، ثم إلى دمشق ثم إلى أنطاكية ثم إلى طرسوس ثم رجعت إلى حمص ثم منها إلى الرقة ثم ركبت إلى العراق كل ذلك وأنا ابن عشرين سنة، وقال: بقيت بالبصرة سنة أربع عشرة أي ومائتين فبعت ثيابي حتى نفدت، وجعت يومين فأعلمت رفيقي فقال: معي دينار فأعطاني نصفه، وطلعنا مرة من البحر وقد فرغ زادنا فمشينا ثلاثة أيام لا نأكل شيئا ..."إلى آخر القصة، وهي مذكورة في طبقات الشافعية وتذكرة الحفاظ وغيرهما.
ممن روى عنهم:
стр. 3127
روى عن محمد بن عبد الله الأنصاري وعثمان بن الهيثم وعفان بن مسلم وأبي نعيم عبيد الله بن موسى وآدم بن أبي إياس وأبي اليمان وسعيد بن أبي مريم وأبي مسهر وغيرهم.
ممن رووا عنه:
روى عنه أبو داود والنسائي وابن ماجة وابنه عبد الرحمن، وروى عنه عبدة بن سليمان المروزي والربيع بن سليمان المرادي ويونس بن عبد الأعلى ومحمد بن عوف الطائي وهم من شيوخه، ورفيقه وابن خالته أبو زرعة الرازي ومحمد بن هارون الروياني وأبو عوانة الإسفرائيني وابن أبي الدنيا وأبو زرعة الدمشقي وأبو عمرو بن حكيم وغيرهم.
من خرج حديثه:
خرج حديثه أبو داود والنسائي وابن ماجة، وقد رمز لإخراجهم حديثه في سننهم الحافظ في تهذيب التهذيب وتقريبه والخزرجي في الخلاصة، وذكر الحافظ في تهذيب التهذيب أن ابن ماجة روى عنه في التفسير، وقد روى البخاري في الصحيح في باب المحصر عن محمد غير منسوب عن يحي بن صالح, وفي آخر تفسير سورة البقرة عن محمد غير منسوب عن النفيلي ويحتمل أن يكون هو أبا حاتم الرازي كما في فتح الباري ٤/٧ و ٨/٢٠٦ وقال ابن السبكي في طبقات الشافعية: "وقيل إن البخاري وابن ماجة رويا عنه ولم يثبت ذلك".
من ثناء العلماء عليه:
стр. 3128
قال أبو بكر الخلال: "أبو حاتم إمام في الحديث"، وقال ابن خراش: "كان من أهل الأمانة والمعرفة"، وقال النسائي: "ثقة"، وقال أبو نعيم: "إمام في الحفظ والفهم"، وقال اللالكائي: "كان إماما عالما بالحديث حافظا متقنا ثبتا"، وقال ابن أبي حاتم: "سمعت موسى بن إسحاق القاضي يقول: ما رأيت أحفظ من والدك، قلت له فرأيت أبا زرعة؟ قال لا، قال: وسمعت يونس بن عبد الأعلى يقول: أبو زرعة وأبو حاتم إماما خراسان ودعا لهما وقال: بقاؤهما صلاح للمسلمين"، وقال الخطيب: "كان أحد الأئمة الحفاظ الأثبات مشهورا بالعلم مذكورا بالفضل"، وقال ابن أبي حاتم: "سمعت أبي يقول: قلت على باب أبي الوليد الطيالسي: من أغرب عليّ حديثا غريبا مسندا صحيحالم أسمع به فله عليّ درهم يتصدق به وهناك حلق من الخلق أبو زرعة فمن دونه وإنما كان مرادي أن أستخرج منها ما ليس عندي، فما تهيأ لأحد منهم أن يغرب عليّ حديثا"، وقال أحمد بن سلمة النيسابوري: "ما رأيت بعد إسحاق ومحمد بن يحي أحفظ للحديث ولا أعلم بمعانيه من أبي حاتم"، وقال عثمان بن خرزاذ: "أحفظ من رأيت أربعة: إبراهيم بن عرعرة ومحمد بن المنهال الضرير وأبو زرعة وأبو حاتم".
стр. 3129
وقال أبو حاتم: "قدم محمد بن يحي النيسابوري الري فألقيت عليه ثلاثة عشر حديثا من حديث الزهري فلم يعرف منها إلا ثلاثة"، قال الحافظ ابن حجر: "وهذا يدل على حفظ عظيم فإن الذهلي شهد له مشايخه وأهل عصره بالتبحر في معرفة حديث الزهري ومع ذلك فأغرب عليه أبو حاتم"، وقال في تقريب التهذيب: "أحد الحفاظ"، وقال ابن كثير في البداية والنهاية: "أحد الأئمة الحفاظ الأثبات العارفين بعلل الحديث والجرح والتعديل"، وقال الذهبي في العبر: "حافظ المشرق", وقال: "وكان بارع الحفظ واسع الرحلة من أوعية العلم", وقال: "كان جاريا في مضمار البخاري وأبي زرعة الرازي"، وقال في تذكرة الحفاظ: "الإمام الحافظ الكبير أحد الأعلام"، وقال ابن ناصر الدين -كما في شذرات الذهب لابن العماد-: "كان في مضمار البخاري وأبي زرعة جاريا, وبمعاني الحديث عالما, وفي الحفظ غالبا, وأثنى عليه خلق من المحدثين"، وقال الحافظ في تهذيب التهذيب: "وقال مسلمة في الصلة: كان ثقة وكان شيعيا مفرطا وحديثه مستقيم"، قال الحافظ: "ولم أر من نسبه إلى التشيع سوى هذا الرجل، نعم ذكر السليماني ابنه عبد الرحمن من الشيعة الذين كانوا يُقدّمون عليا على عثمان كالأعمش وعبد الرزاق, فلعله تلقف ذلك من أبيه, وكان ابن خزيمة يرى ذلك أيضا مع جلالته.
آثاره:
يوجد في المكتبة الظاهرية بدمشق (من كتاب الزهد عنه) مخطوطا في المجموعة رقم ٢٨، وفي معهد المخطوطات بالقاهرة: الضعفاء والكذابون والمتركون من أصحاب الحديث عن أبي زرعة وأبي حاتم الرازيين مما سألهم عنه وجمعه وألفه أبو عثمان سعيد بن عمرو بن عمار البرذعي المتوفى سنة ٢٩٢هـ رقم ٧١٩ فهرس قسم التاريخ، وفي معجم المؤلفين ٩/٣٥ من آثاره: تفسير القرآن، الجامع في الفقه، الزينة، وطبقات التابعين.
وفاته:
стр. 3130
توفي أبو حاتم الرازي ﵀ سنة سبع وسبعين ومائتين، قال الحافظ في تهذيب التهذيب "قال ابن المنادى وغير واحد: مات في شعبان سنة سبع وسبعين ومائتين، وقال ابن يونس في تاريخه مات سنة تسع وسبعين ومائتين، قال الحافظ: والأول أصح"، ثم قال: "وكان مولده سنة خمس وتسعين ومائة"، وقال الذهبي في التذكرة: "توفي أبو حاتم سنة سبع وسبعين أي ومائتين وله اثنتان وثمانون سنة" انتهى، وروى الخطيب بإسناده إلى أحمد بن محمود ابن صبيح أنه قال: "سنة سبع وسبعين ومائتين فيها مات أبو حاتم الرازي بالري".
ممن ترجم له:
١- ابن القيسراني في الجمع بين رجال الصحيحين ٤٦٧.
٢- والذهبي في العبر ٢/٥٨. وفي تذكرة الحفاظ ٢/١٤٦.
٣- وابن حجر في تهذيب التهذيب ٩/٣١. وفي التقريب ٢/١٤٣.
٤- والخزرجي في خلاصة تذهيب الكمال ٢٧٨.
٥- وابن كثير في البداية والنهاية ١١/٥٩.
٦- والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ٢/٧٣.
٧- والعليمي في المنهج الأحمد ١/١٨٣.
٨- وابن العماد في شذرات الذهب ٢/١٧١.
٩- وابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة ١/٢٨٤.
١٠- وابن السبكي في طبقات الشافعية ١/٢٩٩.
١١- وابنه عبد الرحمن في مقدمة الجرح والتعديل ٣٤٩.
١٢- وأبو نعيم في أخبار أصبهان ٢/٢٠١.
١٣- وعمر رضا كحالة في معجم المؤلفين ٩/٣٥.
стр. 3131
العدوان على بنت عدنان
لفضيلة الشيخ يوسف عبد الرحمن الضبع
المدرس في كلية الشريعة بالجامعة
يسرف بعض الناطقين بالضاد في استعمال كلمات تجافي القواعد والأصول التي أرسى أساسها السلف وأودعوها أمات المراجع وأمهات المعاجم، وما أجدر الخلف أن يترسم خطاهم في التزام ما دوّنوا حفاظا على هذا التراث الخالد المتدفق من ينابيع القرآن تسيل بها أودية بنت عدنان في العالمين والتي باها أفصح من نطق بالضاد، ولنا فيه أسوة حسنة في تقويم الألسنة، وقديما قيل: "لو استقمتم لاستقامت ألسنتكم"، حكمة بالغة فما تغني النذر.
من ذلك التعدي في ثوب مهلهل من التحدي ما تطالعنا به الصحف السيارة من أخطاء لغوية يضل فيها الساري سواء السبيل في اللغة العربية، وخليق بالصحافة وهي من وسائل الإعلام الباقية ألا يعول لها ميزان في تنقية الأساليب مما يرنق صفوها وينأى بها عن الجادة.
وإني أسوق للقراء الكرام قلاّ من كثر على سبيل الأمثلة لا على سنن الحصر والاستقراء مبينا وجه الصواب فيها رجاء الحرص على التزامه لأنه الحق والحق أحق أن يتبع.
من ذلك جمع الكلمات (مكتوب، مشروع، موضوع، مفهوم) وما أشبهها مما هو في المفرد على وزن مفعول جمعا يأباه الكتاب وتنفر منه السنة حيث نرى جمعها خطأ على (مكاتيب، مشاريع، مواضيع، مفاهيم) على وزن مفاعيل، وهذا الجمع وبالتالي هذا الوزن ليس لها ولا لأشباهها لأنه لم يسمع عن العرب الألى نحن من جلدتهم ونتكلم بألسنتهم، وإني إذ أنقل ما نصّ عليه فحول العلماء وهم قدوتنا بعد الأنبياء آمل أن نسير على دربهم ليتصل حبلنا بحبلهم.
قال العلامة الصبان في حاشيته على شرح الأشموني لألفية الإمام ابن مالك في أعقاب باب جمع التكسير عند قول الناظم [١] :
وبفعالل وشبهه انطقا
في جمع ما فوق الثلاثة ارتقى
стр. 3132
فائدة: "لا يجمع جمع تكسير نحو مضروب (يعني ما كان على وزن مفعول) وشذ ملاعين جمع ملعون، ذكره ابن هشام في شرح بانت سعاد".
وهاؤم اقرأوا ما كتبه مسك ختام المجتهدين من اللغويين والنحاة ابن هشام الأنصاري طيب الله ثراه في تحليته لبانت سعاد عند تحليله لقول كعب بن زهير سر أبيه حكيم العرب وصاحب الحوليات زهير بن أبي سلمى:
أمست سعاد بأرض ما يبلغها
إلا العتاق النجبيات المراسيل [٢]
"وإنما تمنع الصفة المبدوءة بالميم من التكسير في مسألتين:
- إحداهما: أن تكون على وزن مفعول كمضروب وشذ نحو ملاعين ومشائيم.
- والثاني: أن تكون الميم مضمومة".
ولعله يشير إلى مثل قول الشاعر المجهول في الأولى:
إن هو مستوليا على أحد
إلاّ على أضعف المجانين
وقد تفرّقت روايات عجز هذا البيت مما جعله أكثر هلهلة من نسج العنكبوت إذ جعل بعض المنشدين العجز (إلاّ على حزبه الملاعين) ، على حين جعله بعض آخر (إلاّ على حزبه المناحيس) وأيا ما كان عجزه فما أغنانا عن الروايات الملفقة التي ندت عن المألوف ونبت عما اصطلح عليه فضلاء العلماء وما يعقلها إلا العالمون.
وقد أشار المحقق الصبّان إلى جموع الكلمات (مكتوب، مشروع، موضوع، مفهوم، ملعون) وأمثالها بأنها تجمع جمع تصحيح لا جمع تكسير، بدليل قوله: فيقال: مختارون ومنقادون في جمع مختار ومنقاد، يعني بذلك حالة الرفع، أمّا في حالتي النصب والجر فيقال: مختارين ومنقادين.
ومثل ذلك يقال في جمع مثل مضروب والكلمات مكتوب وما بعدها فتجمع هكذا مضربون رفعا ومضروبين نصبا وجرا.
стр. 3133
وفي القرآن الحجة البالغة والدليل والبرهان، ألم تر إلى ربك كيف قال: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاس ِ﴾ ، ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [٣] جمع مسجون، ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ [٤] جمع مرجوم، ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ جمع معزول، ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [٥] جمع مقبوح، ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ﴾ [٦] إلى قوله تعالى: ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً﴾ [٧] جمع ملعون، ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ [٨] جمع منصور، ﴿أَئِنَّا لَمَبعُوثُون﴾ ٤٧ ﴿لَمَجمُوعُون﴾ ٥٠ ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ ٦٠ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ ٦٧ [٩] .
تلك عشرة كاملة من آيات الله المحكمات تضاف إليها آية النازعات العاشرة ﴿أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَة ِ﴾ كلّها ناطقة بجمع موازن مفعول جمع تصحيح لمذكر، ولنا قياسا متبعا وليس مبتدعا جمع مكتوب ومشروع وموضوع ومفهوم على مكتوبات ومشروعات وموضوعات ومفهومات جمع تصحيح لمؤنث، أعني به ما دل عليه قول الناظم:
وما بتا وألف قد جمعا
يكسر في الجر وفي النصب معا
والله المسئول أن يهدينا سواء السبيل.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] ص ١٢٦ ج ٤ حاشية الصبان.
[٢] ص ٤٦ من شرح بانت سعاد للإمام ابن هشام.
[٣] سورة الشعراء آية ٢٩.
[٤] نفس السورة الشعراء آية ١١٦.
[٥] سورة الشعراء آية ٢١٢.
[٦] القصص آية ٤٢.
[٧] الأحزاب آية ٦٠.
стр. 3134
[٨] الصافات آية ١٧٢.
[٩] الأربعة كلها في سورة الواقعة.
стр. 3135
المسلمون اليوم
للدكتور طه محمد الزيني
المدرس في كلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة
لاجئون في فلسطين، ومقّتّلون في الفلبين، وأسارى وقتلى في باكستان والهند، ومعذّبون في كثير من أنحاء الأرض لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم، ومحاصرون اقتصاديا لا يستطيعون الفكاك من حصارهم، هؤلاء المسلمون الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ لم ينصروا الله فلم ينصرهم، لم ينفِّذوا أحكامه فيما ولاهم إياه ولا في أنفسهم، لا يستطيعون نصرة الضعفاء منهم ولا الدفاع عنهم، ولا تفريج كروبهم، فلا يستطيعون القتال لأنهم أحبوا الحياة وركنوا إليها، وهجروا سنّة الجهاد وفرضه فتأخروا في الفنون العسكرية عن الكفار، ولا يستطيعون الإمداد بالمال لبُخلهم وشحهم، وطمعهم وتعلّقهم بالدنيا، حتى الدفاع باللسان لا تجده إلا من فئة قليلة من المسلمين، وباقيهم بعضهم يدافع بقلبه وهذا أضعف الإيمان، وبعضهم لا ينكر بقلبه بل هو متآمر مع الكفار يرى في ضعف المسلمين قوة لنفسه وكثرة لماله وسعة في رزقه وزيادة في متعته ولذّته، ورفعة في جاهه وسلطانه.
стр. 3136
وليس الإسلام قولا باللسان فقط, إنما الإسلام قول باللسان يسبقه تصديق بالقلب ويتبعه عمل بالجوارح, يطابق ما يعتقده القلب وما ينطق به اللسان، فالمسلم يعتقد أن الله واحد لا شريك له وأنّ محمدا ﷺ عبده ورسوله, فيقول: "لا إله إلا الله محمد رسول الله"، وقد أرسل الله رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وقد ظهر الإسلام على الأديان ودانت له الشعوب وخضعت له الرقاب على يد المسلمين الأوّلين الذين أقاموا صرحه على حبهم لله ولرسوله ولدينه، وبذلوا أرواحهم رخيصة في سبيله، وأموالهم كثيرة في إحيائه ورفع كلمته، وآثروا الآخرة على الدنيا، وفضّلوا الموت في سبيل نصرة الحق على الحياة، وحكموا اليهود والنصارى والمجوس والمشركين فعدلوا فيهم، وجعلوهم يفضّلون حكمهم وهم البعداء عنهم على أهليهم وبني أوطانهم الأدنين منهم، وكان لعدلهم وقوتهم وسامي أخلاقهم دوي في الدنيا كلها فاق دوي جميع من كان له دوي من الحكام وما كان له دوي من القوانين والشرائع، ونفذوا أحكام الإسلام كاملة فيما ولاّهم الله عليه ونصروا ربهم وأعزّوا دينه ورفعوا كلمته، فنصرهم ربهم وأعزّهم وأعلى شأنهم، وجعلهم خلفاءه في الأرض طبقاً لوعده في قوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ .
стр. 3137
ولكن ويا حسرة على المسلمين خلف من بعدهم أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات وعكفوا على الدنيا، فاتخذ بعضهم حكم الرعية مغنما يستولون به على الأموال، ويهتكون به الأعراض، ويذلّون المسلمين الأعزاء، ويضعفون الأقوياء، ويسهمون في معاونة أعداء الإسلام على إذلال إخوانهم المؤمنين وسلب أموالهم وأراضيهم، ومحاربة أعمالهم الصالحة، وأقوالهم الناصحة، ويطمسون معالم الإسلام بإنشاء قوانين ليست منه في شيء وليست من صلاح المؤمنين في شيء، والمسلم الذي يعتقد أنّ محمدا رسول الله يجب عليه أن يعمل بقوله "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يسلمه ولا يقتله"وعدم خذلان المسلم نصرته على أعدائه وليس التعاون معهم، وعدم إسلامه هو الدفاع عنه وعدم تركه لأعدائه يفعلون به ما يشاءون.
ويقول الرسول ﷺ : "ترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى".
ولابد للمسلمين إذا أرادوا العزة ورغبوا في القوة وطمعوا في حياة فاضلة أن يعودوا إلى دينهم ويمتثلوا أوامر ربهم ويجتنبوا نواهيه، ويصفّوا أنفسهم من كدر الحقد والحسد والكبر والشح والحبّ المفرط للدنيا، ويصرفوا حبهم إلى خير المسلمين في جميع أنحاء الأرض، ويجاهدوا أنفسهم وينازعوها لذتها ومتعتها ويبعدوها عن كل مطلب حرام، ويرغموها على إتيان الحلال وحده حتى يرضى عنهم الله وينظر إليهم.
إنّ جهاد النفس هو الجهاد الأكبر فقد قال رسول الله ﷺ : "المجاهد من جاهد نفسه والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه".
وقال لأصحابه - بعد رجوعهم من إحدى الغزوات – "قدمتم خير مقدم قدمتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر مجاهدة العبد هواه"، وقال أيضا: "أفضل الجهاد أن تجاهد نفسك وهواك في ذات الله ".
أسأل الله لي وللمسلمين التوفيق إلى اتباع أمره واجتناب نهيه إنه سميع الدعاء.
стр. 3138
يا ربة البنطلون
للشيخ محمد المجذوب
المدرس في كلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة
يا ربة البنطلون
لو تعلمين شجوني
ماذا دهاك فألوى
بقلبك المفتون
ومن أضلك حتى
سلكت درب المجون
فبت دمية طفل
يسومها كل هون
وعدت من بعد ذاك
الجلال حفنة طين
كشفت كل خبيء
وهجت كل دفين
وكنت حلما شهيا
فصرت داء العيون
تخبطين انسياقا
وراء كل ظنين
وتهجرين اختيارا
نهج الرسول الأمين
أين الأنوثة؟! أودى
بها خسيس الفنون
وأين سحر تلالا
من قبل فوق الجبين
قد زال كل رواء
عن وجهك المسكين
ولم يعد ثمّ إلاّ
طيف الضياع المهين
وطالما فاض بالطهر
والجمال الرصين
حتى هويت فغاضا
خلف الضلال المبين
يا عزة الأمس هانت
فما لها من معين
وسلعة السوق بارت
فما لها من زبون
وكتلة اللحم فاحت
منها رياح المنون
لم تبق منك التفاها
ت غير شكل مشين
مجموعة من مخار
وحزمة من جنون
زانت رؤوس ذويها
بمخزيات القرون
فليهنهم ماجنوه
بغرسك الميمون
ويا لفرحة إبليس
بالقرين اللعين
لولا نظائرك العمي
لم يجد من خدين
والقلب محض هواء
إن لم يحصن بدين
ولن يرى الخير ملق
زمامه لخئون
стр. 3139
النظام الإسلامي سيد الأنظمة
بقلم الشيخ السعيد الشرباصي
المدرس في كلية الدعوة وأصول الدين في الجامعة
إذا كان الحماس للنظام الإسلامي شيئا واجبا فإن التفكير الهادئ الهادف في أسرار هذا النظام وما يحويه من جلال وجمال ومن حقائق وحكم شيء أوجب.
لقد ساد العالم في الأيام الأخيرة بعض التعابير الخاصة التي يتشدّق بها من يظنون أنّهم على جانب من الثقافة المعاصرة، وأنهم أوتوا حظّا من التفكير المادي المجرد.. والواقع أنّهم حفظوا شيئا وغابت عنهم أشيئا، وقصروا تفكيرهم في اتجاه ضيق ولم يحاولوا أن ينظروا إلى الوجود كله نظرة شاملة واعية؛ لأن الإنسان ليس مادة فقط وإنما هو جسم وروح ومادة وحياة.
والتعابير التي يرددونها ما هي إلا نظريات جوفاء، وأوهام مجسمة إن كان لها ظلال في عالم الفكر والخيال، فإنها لا تقوم في عالم الحقيقة والتجربة والوجود، وقد يكون في بعض هذه المصطلحات أفكار منمّقة ولكنّها في التطبيق تتحوّل إلى رذائل مجسّمة تخدع ولا تقنع، وتبلبل ولا ترضي، وتصنع جبلا عظيما من الوهم والكذب والنفاق.
وفي بدء حديثي طالبت بالتفكير الهادئ الهادف، ولهذا أذكّر شبابنا وطلابنا ألاّ يأخذوا كلامنا - نحن المجربين - قضية مسلّمة، كما لا أريد منهم ألاّ يكونوا ببغاوات تقلّد ما تسمع، وتلتقط ما يتساقط في آذانها من تعبيرات دون فحص أو تمحيص.
أريد منهم أن يفكّروا معنا بشخصية ثابتة قوية تسمع وتعي وتبصر وتفكر، لا تخدع بالبريق ولا بالغريب، وإنما تبحث عن الأصيل والعميق، وتجري وراء اللبّ والحقيقة، وأكثر الأشياء البرّاقة تكون سرابا، وأعظم الأشياء اللاّمعة تكون تافهة.
стр. 3140
ونحن الشيوخ نعصر أفكارنا وعقولنا وقلوبنا لنعطيكم تجاربنا صافية طيبة خالصة نقية، وما نقدّمه لكم قد يكون حصيلة لتجارب طويلة، ولألام اكتوينا بها، ثم ها نحن اليوم نريد لأبنائنا أن يبتعدوا عن الخطأ، وأن يمضوا في الطريق بلا التفات لليمين أو لليسار، وإنما على الطريق المستقيم طريق الذين أنعم الله عليهم والذين هداهم الله.
وأنا أنظر الآن إلى حفنة من أدباء مصر في مطلع القرن العشرين وقد انتفخت أوداجهم وظنوا أنفسهم على شيء، وتجمّعوا ليصفقوا لموكب ما سموه بالحضارة الجديدة والعلم الحديث، منبهرين بكل وافد، معجبين بكل جديد، بدون فحص أو تمييز، وبدون روية أو تفكير، وأنظر إليهم الآن.. وقد عصرهم الزمن، وأقنعنهم التجارب، وعادوا من حيث بدأوا مع التفكير الهادئ.. ثم تابوا واستغفروا، وتراجعوا وفكروا.. وأستطيع أن أعدهم واحدا، وما منهم إلا نقض ما قال أو ناقضه بما كتب في تمجيد الإسلام وتقديس الفكرة الإسلامية والدعوة المحمدية، وبعضهم كتب أروع ما كتب في حياته عن (الشخصيات الإسلامية) بإيمان واقتناع وتكريم وتمجيد، وبعضهم نشر بحوثا متتابعة تشرح الاتجاهات الإسلامية وتدفع ما عداها، وأحدهم ما زال على قيد الحياة ويجتمع حوله علية القوم في بيته، ويجري الحوار والنقاش فيه حول الأدب والعلم والحياة، ثم يقول أحد المتحدثين رأيا له في قضية معروضة، ولكن آخر يستشهد في القضية بآية قرآنية فيحاول المتحدث أن يناقش الآية، ولكن صاحب البيت الأديب الكبير يقول في إيمان وعمق: "إذا قال القرآن فلا رأي لأحد".
ومن هنا ندرك أن الإسلام حقيقة أصيلة ذات طبيعة نفسية تزداد بالتفكير قوة وبهاء، وتعظم بالبحث وتتجلى أسرارها، والذين يغلقون عيونهم عن الحقيقة ساعة فإنهم يعودون إليها إلى الأبد، والذين يتخبطون في متاهات الشك والحيرة يطلع عليهم بعد حين فجر الإسلام فيهديهم.
стр. 3141
والفرق بين هؤلاء التائهين وبين المستمسكين بحبل الله المتين كالفرق بين الابن العاقّ والابن المطيع.. الأول يتحمل المتاعب والمشاق ولكنه يعود إلى رشده مقرّا بخطئه.. أما الثاني فإنه يبادر بالطاعة مع التفكير المتزن فيسلم من كل هذه المتاعب.
أيها الأبناء الأحباب، يا شبابنا القوي انظروا إلى النظام الإسلامي نظرة شاملة في كل صوره وكل اتجاهاته، انظروا إليه في أفكاره العلمية ومبادئه الأخلاقية، ونظرياته التشريعية واتجاهاته السياسية، وأحكامه التعبدية وفكرته العقائدية، انظروا وتأملوا تجدوا الكمال في الحقيقة وفي الصورة وفي التطبيق وفي التنفيذ.
أمّا ما تسمعون عنه من مصطلحات فاسألوني عنها، لقد شاهدت نماذج مطبقة منها فإذا بها لا تخرج عن التهريج والتلبيس، والطبل والزمر والأكاذيب العريضة والادعاءات الجوفاء التي ليس لها من الحقيقة نصيب، ولا تمت إلى الواقع بأدنى سبب، وأصحاب هذه الدعاوي يخدعون الناس ويخادعون الله، سبحانه وتعالى عما يظنون علوّا كبيرا، وما يخدعون إلا أنفسهم، وفي كثير من الأحايين يعترف السارق بأنه سرق فيطيب خاطر المسروق بعض الشيء من إقراره، أمّا هؤلاء فإنهم يسرقونك ويحاولون إيهامك بأنهم يعطونك، ولا أخص بلدا دون بلد، ففي أعرق بلاد العالم حضارة ومدنية وتقدّما وعمرانا تصبح العملة المتداولة في سوق السياسة أو الاقتصاد هي الخداع والغش والتضليل، وحسبك أن تذكر ما تقوم به الأموال اليهودية من صنع نظم الحكم في أعرق البلاد لحسابها.. فهي التي تموّل المعركة، وهي التي تحدّد الأهداف، وهي التي ترسم الطريق.
وقبل بداية المعركة تكون النتيجة معروفة، ويكون العملاء الذين دفعوا مقدّما قد كسبوا العهود والمواثيق والاتفاقات السرية التي تعطيهم السماح بالعدوان وتمنحهم أسلحة للتدمير وللتخريب بلا ثمن ومن غير شروط.
стр. 3142
والشرق والغرب في هذا البلاء سواء، كنت أتحدث مع صديق من أحد البلاد الإسلامية في هذا المعنى فإذا بالصديق يعطيني صورة عمّا يتمّ في بلاده، ولا تختلف عن الصورة البشعة التي تتم في غيرها، تهريج وتطبيل وزمر وخداع وأصوات تشترى، وأصوات تباع، ولا طائل وراء هذا الهرج سوى الإضلال والبهتان، والطريق على الشرفاء والإمناء مسدود بحائط من الاستبداد أو الاستغلال أو الخداع فلا حرية، ولا رأي وإنما هي تمثيلية ليست محبوكة الأطراف وإنما مفضوحة الأوصاف.
وعدت بفكري إلى النظام الإسلامي البسيط الهادف، بلا تهريج ولا تلبيس، وهو نظام الشورى المركزة في أهل الحل والعقد، وفيه يتمّ إسناد الأمر إلى أهله الذين يستطيعون أن يقدروا المسئولية، ويستطيعوا أن يعطوا الكلمة وأن يحافظوا عليها، وإذا تركنا هذا المجال إلى مجال آخر كالمجال الاقتصادي فإننا نرى الإسلام يعطي لكل ذي حق حقه بلا إفراط ولا تفريط، ولا ميل لليمين أو للشمال، الغني له حريته في الكسب والعمل والتفكير والبحث عن منابع الرزق ليستفيد العالم منه كخلية حية نابضة بالحياة والجد والابتكار، وليتمتع الناس بقوة إنتاجه وبراعة فكره وجهده الذاتي، ولولا هذا الكدح الفردي ما كانت هناك مخترعات ولا حضارات.
وفي الوقت نفسه لاحظ الإسلام وجود نفر يتخلف عن المسيرة لعجز أو لضعف أو لسوء حظ – أحيانا - أو لغير ذلك، فلم يهمله ولم يترك الأغنياء وشأنهم، وإنما دعا الكل إلى التعاون، دعا المتقدمين إلى أن يأخذوا بأيدي المتمهلين في مودة وإخاء وتعاون وحب، فالفقير يطلب بإحسان والغني يعطي في إحسان، والكل يعلم أن الخلاق هو الذي يعطي وهو الذي أوجب الإحسان.
стр. 3143
وإذا كان هذا هو نظام الإسلام في النواحي الاجتماعية التي تربط الأفراد والجماعة، فإنه في نظامه الفردي يعتبر نموذجا عاليا فريدا في كل نواحيه حيث يأخذ الفرد بالعادات الطيبة منذ نشأته فيحتّم عليه النظافة في البدن والملبس والمسكن والمكان، وفي الطعام والشراب، ثم يأتي دور الصلاة في تعويده على الطاعة والنظام والارتباط بمواعيد محددة وأوقات معينة، وهكذا في سائر العبادات التي تكوّن في الفرد الضمير الحي، وتنميه على تحمل المسئولية وتقدير الواجب.
أمّا نظام الإسلام التشريعي فحسبك ما نرى في البلاد التي تطبّقه من أمن واستقرار ومن تلاشي الجريمة حتى لا تكاد توجد إذا قسنا ذلك بالنسبة للبلاد التي لا تنفذه.. فالإنسان خلال التشريع الإسلامي العادل آمن على نفسه وآمن على ماله وآمن على متجره ومنزله وآمن على أسرته.. وإنّ أدب الإسلام في الحفاظ على الجار تجعل المسلم يشعر بالطمأنينة إن سافر أو أقام.
ولا يوجد في العالم نظام يداني الإسلام في كماله وروعته وتناسقه حيث يراعي الإسلام حقوق الفرد وواجباته، وحقوق الأسرة وواجباتها، وحقوق المجتمع وواجباته بلا عدوان من سلطة على سلطة، وبدون إهمال لناحية أو تقديم لناحية، بل الحقوق متوازنة مع الواجبات، والالتزامات متناسبة مع الاحتياجات.
ويقول الرسول الكريم ﷺ : "والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتى يحب لجاره أو قال: لأخيه ما يحب لنفسه.." وممّا يرويه أبو هريرة أيضا قال: قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أوَلاَ أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم".
стр. 3144
وهكذا يمضي النظام الإسلامي إلى غايته ويصل إلى قمّته حيث يضع الركيزة الأساسية لمجتمع متعاون يتحوّل الكل فيه إلى أسرة كبيرة يحسّ كلّ فرد بمشاعر أخيه، يشاركه في السرّاء والضرّاء، وفي الفقر والغنى، وفي الحقوق والواجبات، هذه الركيزة هي الحب، حيث يضع كل إنسان نفسه في موضع الآخر، فيجب لهذا الآخر ما يحبه لنفسه، ويتمنىّ له ما يتمنّاه لشخصه، والحديث الأخير: يقرّر أن حبّ الجماعة والإخلاص لها والإيمان بأهدافها فريضة، وأنه شرط في الإيمان، فلا يؤمن المرء إلا إذا تحاب مع إخوانه، وإذا تحاب آمن، وإذا آمن دخل الجنة.
ألا ما أروع نظاما بدايته حق ونهايته واجب ورابطته حب وإخاء وإيمان.
стр. 3145
العدد ٢٠
فهرس المحتويات
١- حكم الاحتفال بالمولد النبوي وغيره: رئيس الجامعة الإسلامية عبد العزيز بن عبد الله بن باز
٢- الأسماء والصفات نقلاً وعقلاً: محاضرة لفضيلة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي
٣- أضواء من التفسير: للشيخ: عبد القادر شيبة الحمد
٤- من أعلام المحدثين - أبو زرعة الرازي (٢٠٠-٢٦٤ هـ) : بقلم الشيخ: عبد المحسن العباد
٥- من أدب الإسلام: بقلم الدكتور: طه محمد الزيني
٦- رَسَائِل لمْ يَحمِلهَا البَريْد: بقلم الشيخ: عبد الرؤوف اللبدي
٧- ربِّ عفوًا: للشاعر السوري: مصطفى عكرمة
٨- بالإسلام تَسْعَد الأمَّة وتنهَض الدَّوْلة: بقلم: الشيخ محمود عبد الوهاب فايد
٩-أمضوا حيث شئتم: للشيخ: محمد المجذوب
١٠- حماية المرأة المسلمة من موجات التحلل الخلقي: للشيخ: محمد المهدي محمود
١١- المسئولية في الإسلام: بقلم الشيخ: عبد الله قادري
١٢- من تاريخنا - علماء وأمراء: إعداد العلاقات العامة
١٣- أعراض بسيطة قد تخفي وراءها أمراضاً خطيرة: بقلم: الدكتور مصطفى إبراهيم
١٤- المعاهدات في الإسلام: بقلم: الأستاذ توفيق علي وهبة
١٥- موقع اللغة العربية بين اللغات الأخرى: بقلم: الأستاذ عيد عبد الله السيد
١٦- تقرير عن الجامعة السلفية في لائلفور في الباكستان: بقلم الشيخ: علي مشرف العمري
١٧- رأي الفيلسوف تولستوي في المرأة الغربية: من كتاب حكم النبي محمد ترجمة سليم قبعين
١٨- من الصحف والمجلات: من حديث الدكتور: محمد ناصر رئيس وزراء إندونيسية الأسبق
١٩- ندوة الطلبة - إلى أخي الذي لم أره: بقلم: الطالب محمد محمود جاد الله
٢٠- تتمة دفع إيهام الاضطراب: لفضيلة الشيخ: محمد الأمين الشنقيطي
٢١- الفتاوى: للشيخ عبد العزيز بن باز
٢٢- أخبار الجامعة
عمادة البحث العلمي - جميع الحقوق محفوظة ١٤٢٣ هـ / ٢٠٠٢ م
стр. 3146
حكم الاحتفال بالمولد النبوي وغيره
رئيس الجامعة الإسلامية عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.
أما بعد: فقد تكرر السؤال من كثير عن حكم الاحتفال بمولد النبي ﷺ والقيام به في أثناء ذلك وإلقاء السلام عليه وغير ذلك مما يفعل في الموالد.
والجواب أن يقال لا يجوز الاحتفال بمولد الرسول ﷺ ولا غيره لأن ذلك من البدع المحدثة في الدين لأن الرسول ﷺ لم يفعله ولا خلفاؤه الراشدون ولا غيرهم من الصحابة رضوان الله على الجميع ولا التابعون اله بإحسان في القرون المفضلة وهم أعلم الناس بالسنة وأكمل حباً لرسول ﷺ ومتابعة لشرعه ممن بعدهم. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" أي مردود عليه وقال في حديث آخر "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم محدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة".
ففي هذين الحديثين تحذير شديد من إحداث البدع والعمل بها وقد قال الله سبحانه في كتابه المبين ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ .
стр. 3147
وقال سبحانه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ . وقال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ . وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ . وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً﴾ والآيات في هذا المعنى كثير، وإحداث مثل هذه الموالد يفهم منه أن الله سبحانه لم يكمل الدين لهذه الأمة وأن الرسول ﵊ لم يبلغ ما ينبغي للأمة أن تعمل به حتى جاء هؤلاء المتأخرون فأحدثوا في شرع الله ما لم يأذن به الله زاعمين أن ذلك مما يقربهم إلى الله وهذا بلا شك فيه خطر عظيم واعتراض على الله سبحانه وعلى رسوله ﷺ ، والله سبحانه قد أكمل لعباده الدين وأتم عليهم النعمة.
والرسول ﷺ قد بلغ البلاغ المبين ولم يترك طريقاً يوصل إلى الجنة ويباعد عن النار إلا بينه للأمة كما ثبت في الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما بعث الله من نبي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينذرهم شر ما يعلمه لهم" رواه مسلم في صحيحه.
стр. 3148
ومعلوم أن نبينا ﷺ هو أفضل الأنبياء وخاتمهم وأكملهم بلاغاً ونصحاً فلو كان الاحتفال بالموالد من الدين الذي يرضاه الله سبحانه لبينه الرسول ﷺ للأمة أو فعله في حياته أو فعله أصحابه ﵃ فلما لم يقع شيء من ذلك علم أنه ليس من الإسلام في شيء بل هو من المحدثات التي حذر الرسول ﷺ منها أمته كما تقدم ذكر ذلك في الحديثين السابقين وقد جاء في معناهما أحاديث أخر مثل قوله ﷺ في خطبة الجمعة "أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة" رواه الإمام مسلم في صحيحه. والآيات والأحاديث في هذا الباب كثيرة.
وقد صرح جماعة من العلماء بإنكار الموالد والتحذير منها عملاً بالأدلة المذكورة وغيرها وخالف بعض المتأخرين فأجازها إذا لم تشمل على شيء من المنكرات كالغلو في رسول الله ﷺ وكاختلاط النساء بالرجال واستعمال آلات الملاهي وغير ذلك مما ينكره الشرع المطهر وظنوا أنها من البدع الحسنة والقاعدة الشرعية رد ما تنازع فيه الناس إلى كتاب الله سبحانه وسنة رسوله محمد ﷺ كما قال الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾
стр. 3149
وقد رددنا هذه المسألة وهي الاحتفال بالموالد إلى كتاب الله سبحانه فوجدناه يأمرنا باتباع الرسول ﷺ فيما جاء به ويحذرنا عما نهى عنه ويخبرنا بأن الله سبحانه قد أكمل لهذه الأمة دينها وليس هذا الاحتفال مما جاء به الرسول ﷺ فيكون ليس من الدين الذي أكمله الله لنا وأمرنا باتباع الرسول فيه.
وقد رددنا ذلك أيضاً إلى سنة الرسول ﷺ فلم نجد فيها أنه فعله ولا أمر به ولا فعله أصحابه ﵃ فعلمنا بذلك أنه ليس من الدين بل هو من البدع المحدثة، فاتضح بذلك لكل من له أدنى بصيرة ورغبة في الحق وإنصاف في طلبه.
стр. 3150
إن الاحتفال بالموالد ليس من الإسلام بل هو من البدع المحدثات التي أمر الله سبحانه ورسوله ﷺ بتركها والحذر منها ولا ينبغي للعامل أن يغتر بكثرة من يفعله من الناس في سائر الأقطار فإن الحق لا يعرف بكثرة الفاعلين وإنما يعرف بالأدلة الشرعية كما قال تعالى عن اليهود والنصارى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية. ثم إن غالب هذه الاحتفالات بالموالد مع كونها بدعة لا تخلوا من اشتمالها على منكرات أخرى كاختلاط النساء بالرجال واستعمال الأغاني والمعازف وشرب المسكرات والمخدرات وغير ذلك من الشرور وقد يقع فيها ما هو أعظم من ذلك وهو الشرك الأكبر وذلك بالغلو في رسول الله ﷺ أو غيره من الأولياء ودعائه والاستغاثة به وطلب المدد واعتقاد أنه يعلم الغيب ونحو ذلك من الأمور الكفرية التي يتعاطاها الكثير من الناس حين احتفالهم بمولد النبي ﷺ وغيره ممن يسمونهم بالأولياء وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين" وقال ﵊: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد الله فقولوا عبد الله ورسوله"متفق على صحته من حديث عمر ﵁.
стр. 3151
ومن العجائب والغرائب أن الكثير من الناس ينشط ويجتهد في حضور هذه الاحتفالات المبتدعة ويدافع عنها ويتخلف عما أوجب الله عليه من حضور الجمع والجماعات ولا يرفع بذلك رأساً ولا يرى أنه أتى منكراً عظيماً ولا شك أن ذلك من ضعف الإيمان وقلة البصيرة وكثرة ما ران على القلوب من صنوف الذنوب والمعاصي، نسأل الله العافية لنا ولكم ولسائر المسلمين ومن ذلك أن بعضهم يظن أن رسول الله ﷺ يحضر المولد ولهذا يقومون له محيين ومرحبين وهذا من أعظم الباطل وأقبح الجهل فإن الرسول ﷺ لا يخرج من قبره قبل يوم القيامة ولا يتصل بأحد من الناس ولا يحضر اجتماعاتهم بل هو مقيم في قبره إلى يوم القيامة وروحه بأعلى عليين عند ربه في دار الكرامة كما قال الله تعالى في سورة المؤمنين: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُون,. ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ .
وقال النبي ﷺ : "أنا أول من ينشق عنه القبر يوم القيامة وأنا أول شافع وأول مشفّع" عليه من ربه أفضل الصلاة والسلام، فهذه الآية الكريمة والحديث الشريف وما جاء في معناهما من الآيات والأحاديث كلها تدل على أن النبي ﷺ وغيره من الأموات إنما يخرجون من قبورهم يوم القيامة، وهذا أمر مجمع عليه بين علماء المسلمين ليس فيه نزاع بينهم فينبغي لكل مسلم التنبيه لهذه الأمور والحذر مما أحدثه الجهال وأشباههم من البدع والخرافات التي ما أنزل الله بها من سلطان والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلاّ به.
стр. 3152
أمّا الصلاة والسلام على رسول الله ﷺ فهي من أفضل القربات ومن الأعمال الصالحات كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ وقال النبي ﷺ : "من صلى عليّ واحدة صلى الله عليه بها عشراً " وهي مشروعة في جميع الأوقات ومتأكدة في آخر كل صلاة بل واجبة عند جمع من أهل العلم في التشهد الأخير من كل صلاة وسنة مؤكدة في مواضع كثيرة منها ما بعد الآذان وعند ذكره ﵊ وفي يوم الجمعة وليلتها كما دلت على ذلك أحاديث كثيرة، والله المسؤول أن يوفقنا وسائر المسلمين للفقه في دينه والثبات عليه وأنّ على الجميع بلزوم السنة والحذر من البدع إنّه جواد كريم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
стр. 3153
حماية المرأة المسلمة من موجات التحلل الخلقي
للشيخ: محمد المهدي محمود
المدرس بدار الحديث التابعة للجامعة
جاء الإسلام يرسم الطريق الواضح لسعادة الإنسانية في الدنيا والآخرة، وبين القرآن الكريم الطريق إلى ذلك خير بيان، وسعدت الإنسانية ببعثه هادي البشرية، ومنقذها من الشرك والضلال والظلام، وهاديها إلى النور والسعادة سيدنا محمد ﷺ .
قال تعالى: ﴿وما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمين﴾ فكانت رسالة السراج المنير ﷺ رحمة عامة شاملة مباركة، رحمة في الدنيا والآخرة، رحمة في العقيدة والتشريع والأخلاق، والنظام العام في الأسرة والمجتمع والشعوب، رحمة للفرد والجماعة. إنها رسالة الأخلاق السامية العالية التي تسعد الدنيا بأجمعها، روى مالك في الموطأ بلاغاً أن رسول الله ﷺ قال: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"رواه أحمد عن أبي هريرة بسند حسن.
فسعدت البشرية التائهة في بيداء الظلم والضلال، واهتدت بنور خالق الأرض والسماء بنور التنزيل السماوي، وهدي البشير النذير ﷺ ، وكان من تلك الهداية الربانية هداية القرآن في آداب المرأة وسلوكها، ورسالتها في الحياة السعيدة الهانئة.
إن الله تباركت أسماؤه وجلت آلاؤه وعظمت نعمته اختار أن تكون المرأة سكناً للرجل، ومكملة لسعادته ومساعدة له على أداء عمله والقيام بواجبه في الحياة، وآداب الإسلام بصفة عامة يظهر منها بوضوح وجلاء أن للمرأة رسالة هامة في ثلاث ميادين من أخطر العوامل في حياة المجتمع واستقراره، وسعادته وتتجلى هذه الميادين الهامة في النواحي الآتية:
أولاً: رسالة المرأة بالنسبة لزوجها.
ثانياً: رسالة المرأة بالنسبة لبيتها.
ثالثاً: رسالة المرأة بالنسبة لطفلها.
стр. 3154
فأما رسالة المرأة بالنسبة لزوجها فإن كتاب الله الذي هو نور الله لأهل الدنيا -عبر عن ذلك أجمل تعبير وأكمله راسماً الحياة السعيدة الهانئة فقال ﵎: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ سورة الروم.
فالله جل شأنه جعل المرأة سكناً وأمناً وطمأنينة للرجل، وإن موقف السيدة خديجة من رسول الله ﷺ أعلى مثل للمحبة الزوجية المثمرة. أعلى مثل للمودة والرحمة التي هي من صنع الله الحكيم على أن سيرة أمهات المؤمنين وكرائم المؤمنات في صدر الإسلام صورة مثالية لما ينبغي أن تكون عليه الزوجة المؤمنة النقية من بر بزوجها وطاعة له وعطف عليه ومحبة له، وإزاء ذلك أوصى الإسلام بالمرأة كثيراً في الآداب الإسلامية عامة، فالرسول ﷺ يقول: "خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي".
وأما رسالة المرأة في البيت فالمنزل هو عش السعادة والمرأة هي التي ترعاه بعطفها وحنانها تصيّره جنة وارفة الظلال طيبة الثمار دانية القطاف، تجعله جنّة من جنات الدنيا إن المنزل مهد راحة زوجها وعش أطفالها فيه قوام الحياة من مأكل وملبس ومأوى، وأن اليد الحانية التي تمتد إلى كل تلك النواحي في رفق ومحبة، وطهر وإخلاص، وصفاء وعطف. فتعد من المأكل ما لذ وطاب، ومن الملبس ما حسن وكمل، تجعله مهد راحة وأنس لزوجها وبذلك ترفرف السعادة على الأسرة وتصبح الأسرة نواة لمجتمع سعيد يؤدي كل فرد فيه واجبه على أتم ما يكون.
стр. 3155
أما رسالة المرأة مع أطفالها: فأطفال اليوم هم شباب المستقبل، هم رجال الغد، وأن السيدة الفاضلة الحكيمة العاقلة المهذبة الرشيدة. هي التي ترعى أولادها تنشئهم على الفضيلة ومكارم الأخلاق، وتربيهم على الصفات الحسنة الطيبة الجميلة تغرس فيهم معاني البطولة بما تقصه عليهم من قصص الأنبياء والرسل، وأهل الحكمة الإسلامية، وعظماء التاريخ وأبطال الإسلام.
إن السيدة التي جعلت من المنزل داراً للحكمة ومدرسة للتفقه في كتاب الله وهدي الصادق الأمين ﷺ وسير السلف الصالح المبارك. إنما تجعل من منزلها مركز إشعاع يوجه الخير للمجتمع بما تخرجه من أفراد ممتازين علماً وخلقاً، ويصبح المنزل متعاوناً مع المدرسة، فتعاليم المدرسة متممة لبناء المنزل وتربية المنزل مكملة لرسالة المدرسة.
لقد نشأت النساء في صدر الإسلام على حب العلم والتفقه في الدين فأورثهنّ ذلك أمهات الفضائل فأصبحن خير الزوجات وخير الأمهات بل إنهن منارات في البيوت الإسلامية حليتهم مكارم الأخلاق من الحياء والعفاف والجود والكرم والحلم والعلم يصونهن الحجاب الذي بني على تقوى الله، ورسمه القرآن الكريم في آيات بينات معجزات أظهرت الأيام عظمة أسرارها في سعادة الفرد والأسرة والمجتمع.
قال الحكيم العليم: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً، وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً﴾ الآيات من سورة الأحزاب ٣٢- ٣٣، وهكذا يختار الله هذا المسلك الطاهر لأمهات المؤمنين وهي قدوة لبقية المؤمنات.
следующие страницы →