← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 5531–5570 · переход к 5536.

стр. 5531

السؤال الثاني: إذا كان الدين كله عبادة فلماذا قسم الفقهاء الأحكام إلى عبادات ومعاملات؟ ولهذا السؤال جوابان: الجواب الأول: أن تقسيم الفقهاء اصطلاح منهم قصد به تسهيل الأبواب الفقهية لطالب العلم، ولم يقصدوا بها أن الأحكام الأخرى التي تسمى المعاملات ليست عبادة بدليل أن تلك المعاملات يدخلها الثواب والعقاب، لأن فيها الواجب والمندوب وفيها الحرام والمكروه والمباح. الجواب الثاني: أنهم قصدوا من هذا التقسيم بيان أحكام الشرع على كل نوع: النوع الأول يضم الصور والكيفيات المحددة التي ليس للعبد فيها إلا التلقي من الله ثم التنفيذ، وهذه هي الشعائر التعبدية كالصلاة والصيام والزكاة والذكر، فالله هو الذي ينشئ هذا النوع وليس لغيره أن يخترع شيئاً من عنده ويدعو الناس إلى التعبد به. النوع الثاني: يشمل الأحكام التي تنظم علاقات الناس بعضهم ببعض في حياتهم، وهذه العلاقات موجودة قبل أن يأتي الشرع، فالشرع لم ينشئها وإنما أقر الصالح منها ونهى عن الفاسد، وبناء على ذلك قررت القاعدة المعروفة: الأصل في العبادات الحظر، والأصل في المعاملات الإباحة. راجع في تعريف العبادة وشمولها رسالة شيخ الإسلام ابن تيمية: العبودية، وكتاب العبادة في الإسلام للشيخ يوسف القرضاوي. تأثير عقيدة التوحيد في حياة الإنسان الموحد ليس كالمشرك، فللتوحيد آثاره في حياة الموحد، وللشرك آثاره في حياة المشرك، كما أن للعلم آثاره في حياة العالم وللجهل آثاره في حياة الجاهل. وقد ذكر الأستاذ المودودي في كتابه القيم: مبادئ الإسلام آثار عقيدة التوحيد ص ٩٢-٩٩ وإليك تلخيصا لذلك: ١_ بعد نظر الموحد لإيمانه بالذي خلق السموات والأرض وما فيهما وما بينهما، ولذلك لا يستغرب شيئا في هذا الكون لأنه يعرف أنه مخلوق لحكيم عليم، وعبد لرب قوي قادر.

стр. 5532

٢_ عزة نفسه لعلمه أن المالك الحقيقي هو الله تعالى القادر على كل شيء ليس لغيره قدرة على ضر أو نفع، ولذلك ينزع من قلبه خوف أي أحد غير الله. ٣_ تواضعه لعلمه أن الذي وهبه كل ما عنده من صحة أو قوة أو ولد أو مال أو جاه هو الله، وليس من عند نفسه وأن الذي وهبه ذلك قادر على سلبه في أي لحظة. ٤_ الجد في الأعمال الصالحة لعلمه أن فلاحه يكمن في تزكية نفسه وعمله الصالح الذي يتقرب به إلى ربه. ٥_ قوة الأمل وطمأنينة القلب، لأنه يؤمن بمن عنده خزائن السموات والأرض، وبيده النفع والضر والعطاء والمنع، وهو لا يغفل عن عبده المؤمن به، بل يرعاه ويؤيده، فلا يعتريه يأس ولا قنوط. ٦_ قوة العزم والصبر والثبات لعلمه أن الله معه وأنه مؤيده وناصره، ذاكرا قول الله تعالى: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ التي قالها إبراهيم عندما أريد إلقاءه في النار، ومحمد ﷺ عندما خوف بصناديد المشركين، وقول هود ﵇ لقومه: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّه﴾ . ٧_ الشجاعة والإقدام، لأن سبب الجبن أمران: الأول حب الإنسان حياته وولده وماله ونحو ذلك. الثاني: خوفه من انتزاع أحد ذلك منه، والموحد على يقين بأن الذي أعطاه كل ما يحب هو الله تعالى، وهو القادر على أخذ ذلك إذا أراد، وأن غير الله تعالى ليس بيده شيء، ولا يقدر على سلبه ذرة واحدة إلا إذا أقدره الله على ذلك. ٨_ الترفع والقناعة لعلمه بأن الرازق المعطي المانع الخافض هو الله، فعليه أن يسعى في حصول ما يريد من خير، والله يعطيه ما يشاء ويمنعه ما يشاء، فلا حاجة إلى سلوك الطرق الدنيئة والأخذ بالوسائل السافلة، لأن النجاح عنده ينحصر في فضل الله، فلا يكون عبداً لغيره من أجل أن ينجح في أي أمر من أموره: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ .

стр. 5533

٩_ التقيد بقانون الله والمحافظة عليه في أي وقت وفي أي مكان أو زمان أو حال، لعلمه أن الله مطلع على كل ما يأتي ويذر، لا يغيب عنه شيء، ولإيمانه بأنه سيجازيه على عمله ولا يفلت من قبضته، ولإيمانه بأن ذلك هو الخير لصدوره عن حكيم عليم غني، وهو في ذلك يتذكر درجة الإحسان: "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك".

стр. 5534

العدد ٣٣ فهرس المحتويات ١- افتتاحية العدد: لفضيلة نائب رئيس الجامعة الشيخ عبد المحسن العباد ٢- التمسك بالإسلام سبب النصر في الدنيا والنجاة في الآخرة: سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ٣- أضواء من التفسير: لفضيلة الشيخ عبد القادر شيبة الحمد ٤- رسائل لم يحملها البريد: لفضيلة الشيخ عبد الرؤوف اللبدي ٥- نظرات في التاريخ: لفضيلة الشيخ أحمد محمود الأحمد ٦- رسالة الجامعة السعودية نحو اللغة العربية والثقافية والإسلامية: لفضيلة الشيخ محمد مصطفى المجذوب ٧- رسالة بدماء القلب إلى صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبد العزيز: لفضيلة الشيخ إبراهيم محمد سرسيق ٨- موازنة بين النثر والشعر في التهنئة بفتح القدس: لفضيلة الدكتور محمد نغش ٩- أبو سليمان الخطابي: لفضيلة الشيخ الدكتور أحمد جمال العمري ١٠- تحية وعهد ودعاء لحضرة صاحب السمو الملكي الأمير فهد بن عبد العزيز: لفضيلة الشيخ: عبد الحميد ربيع ١١- البيان البلاغي عند العرب موضوعه / مكانه من البلاغة: بقلم الدكتور عبد الحميد العبيسي ١٢- مع الرعيل الأول: لفضيلة الشيخ: محمود أمين النواوي ١٣- إتحاف الأحباب بما ثبت في مسألة الحجاب: بقلم الشيخ عبد القادر بن حبيب الله السندي ١٤- نداء من مسلمي الحبشة إلى حكومات العالم الإسلامي ١٥- من الصحف والمجلات: إعداد العلاقات العامة ١٦- ندوة الطلبة: قصيدة للطالب: عبد الرحمن شميله الأهدل ١٧- أخبار الجامعة ١٨- وفود الجامعة في العطلة الصيفية للدعوة إلى الله: ١٩- محاضرات الموسم الثقافي عمادة البحث العلمي - جميع الحقوق محفوظة ١٤٢٣ هـ / ٢٠٠٢ م

стр. 5535

افتتاحية العدد لفضيلة نائب رئيس الجامعة الشيخ عبد المحسن العباد الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد: فبحمد الله وعلى بركة الله تدخل المجلة عامها التاسع من عمرها المديد مواصلة مسيرتها الخيرة في نشر الثقافة والدعوة إلى الخير والحث على الفضائل والتحذير من الرذائل مساهمة في ذلك في تحقيق الأهداف النبيلة التي أسست الجامعة من أجلها والتي من أهمها تبليغ رسالة الإسلام الخالدة إلى العالم عن طريق الدعوة والتعليم الجامعي والدراسات العليا.. ذلك أن الجامعة ليست جامعة تعليم فحسب بل هي جامعة تعليم ودعوة، ولذا فهي تعنى بالدعوة بوسائل مختلفة كطبع الرسائل المفيدة وتوزيعها على نطاق واسع في داخل المملكة وخارجها وإرسال الوفود للقيام بالدعوة والتوجيه إلى الخير وبالمحاضرات التي يعدها ويلقيها بعض أساتذتها في مواسمها الثقافية والتي يستمع لها طلبة الجامعة وغيرهم، ثم تطبعها الجامعة لتعميم النفع بها وبهذه المجلة التي تحتوي على بحوث قيمة ومقالات مفيدة والتي تقوم الجامعة بتوزيعها، والله المسؤول أن ينفع بها وأن تظل دائما منارة إشعاع ومصدر هداية.

стр. 5536

تحية وعهد ودعاء لحضرة صاحب السمو الملكي الأمير فهد بن عبد العزيز ولي العهد ونائب رئيس مجلس الوزراء، والرئيس الأعلى للجامعة للإسلامية. لفضيلة الشيخ: عبد الحميد ربيع النور يشرق في لقياك مزدانا أزاهرا بالسّنا تهدي نحايانا مثل الحروف مشت في حبِّها طربا حتى تكون لحفل النور عنوانا هي القلوب تلاقت في محبتها حتى تضيء بنور الحب لقيانا إذا التقينا وحب الله يجمعنا فقد أتم لنا الرحمن إيمانا في هالة من رجال الفكر قد سطعوا مثل النجوم تضيء الآن نجوانا هم الهداة بأفق الشرق تشهدهم قلوبنا فيفيض البشر تحنانا قلوب جامعة الإسلام قد نزلوا صدورنا فسمت بقدومهم شانا أعضاء مجلسها.. أهلا بهم وفدوا على الرئيس أعز الله ضيفانا ومن غدا الفكر والإيمان يجمعهم سما الوجود بهم مجدا وعرفانا وإننا بضياء الحب في مهَج نقدِّم اليوم عهد الله برهانا هنا بجامعة الإسلام نرسله يحرر الكون أوطانا وإنسانا فقد مضينا سنا التوحيد يقدُمُنا إلى الجهاد بساح العلم فرسانا فدعوة الحق تسرى في ضمائرنا لكي نضيء بنور الحق أذهانا إذا دعونا وصوت الحق رائدنا أصغى لنا الكون وجدانا وآذانا وقد تدفق منهاج الهدى ألقا بالفكر يقطر نورا في حنايانا وشرعة الله نادت في عبادتنا لنلتقي بعباد الله إخوانا ومنطق النور يهمى من حناجرنا إلى الوجود بخير الهدى تبيانا يفيض من لغة الله باركها لكي تكون لفيض الوحي ميدانا ومن هنا نشهد القرآن في ألق يضم كل رحاب العلم إيقانا تسير آياته تتلى منورة حتى مشى النور في الطلاب قرآنا

стр. 5537

إذا دعا النور بالآيات مؤتلقا هزّ الخلائق: أرواحا وأبدانا إنا بهذا السّنا نهدي تحيّتنا لـ ((فهد)) إذ جاء بالإيمان يرعانا نهدي له عهدنا لله في ثقة أن يحفظ الله عهدا بين تقوانا وذلك العهد يهديه الوفاء بنا لـ ((فيصل)) ماشدا بالحب أوفانا فإن جامعة الإسلام ما بقيت ترعى له العهد طلابا وبنيانا إذا وفى الناس في عهد وفي وطن عزوا مدى الدهر إيمانا وأوطانا ومن هنا من ضياء الحق نرسلها تحية من رحيق الحبّ ألوانا لـ ((خالد)) ودعاء بين مهجتنا بطول عمر ونصر في قضايانا والله خير مجيب من دعا ووفى ومن يجيب سوى الرحمن مولانا؟ عبد الحميد ربيع موجه اللغة العربية بالجامعة الإسلامية

стр. 5538

البيان البلاغي عند العرب موضوعه / مكانه من البلاغة بقلم الدكتور عبد الحميد العبيسي الأستاذ المساعد في كلية الدعوة وأصول الدين أحمد الله تعالى على نعمائه، وأصلي وأسلم على محمد خاتم رسله، وصفوة أنبيائه. وبعد فوفاء بوعد، واستجابة لرغبة، وإتماما لفائدة أقدم بين يدي القارئ الكريم هذه الدراسة الموصولة بإذنه تعالى في موضوع: البيان البلاغي عند العرب - موضوعه - مكانه من البلاغة. فأما موضوع البيان فلقد حدده ابن الأثير المتوفى ٦٣٧هـ في كتابه المثل السائر - بأنه الفصاحة والبلاغة، وصاحبه يسأل عن أحوالهما: اللفظية والمعنوية. وهو والنحوي يشتركان في أن النحوي ينظر في دلالة الألفاظ على المعاني من جهة الوضع اللغوي، وتلك دلالة عامة. وصاحب علم البيان ينظر في فضيلة تلك الدلالة، وهي دلالة خاصة والمراد بها: أن يكون على هيئة مخصوصة من الحسن، وذلك أمر وراء النحو والإعراب، ألا ترى أن النحويّ يفهم معنى الكلام المنظوم والمنثور، ويعلم مواقع إعرابه، ومع ذلك فإنه لا يفهم ما فيه من الفصاحة والبلاغة؛ ومن هنا غلط مفسرو الأشعار في اقتصارهم على شرح المعاني، وما فيها من الكلمات اللغوية، وتبيين مواضع الإعراب منها دون شرح ما تضمنته من أسرار الفصاحة ووجوه البلاغة [١] .

стр. 5539

وعليه فموضوع فنّ البيان هو تلك الدلالات الخاصّة التي تنتظم أسرار الصياغة في جوّ الأساليب التي ينشئها الأدباء، تعبيرا عن أفكارهم، وتصويرا لعواطفهم، وهذه الأساليب تتفاوت وضوحا وخفاء، قوة وضعفا، وهي على تفاوتها وتنوّعها فقد حاول البيانيون المتأخرون حصرها في هذا الثلاثي: (التشبيه - المجاز - الكناية) وتلمّسوا لهذا الحصر ضوابط يبدو فيها التكلف، ويظهر عليها الافتعال؛ وآية ذلك اعتراف السكاكي المتوفى ٦٢٦هـ رائد الاتجاه التقريري الفلسفي في البلاغة بأن المطلوب بهذا التكلف هو الضبط [٢] ، ذلك أن البيان في نظره بمعنى: إيراد المعنى الواحد على صور مختلفة لا يتأتى إلا في الدلالات العقلية، وهي من معنى إلى معنى؛ بسبب علاقة بينهما؛ كلزوم أحدهما الآخر بوجه من الوجوه؛ فمرجع علم البيان: اعتبار هذه الملازمات بين تلك المعاني، واعتبار هاتين الجهتين: جهة الانتقال من ملزوم إلى لازم، وجهة الانتقال من لازم إلى ملزوم، وإذا ظهر لك أن مرجع علم البيان هاتان الجهتان علمت انصباب علم البيان إلى التعرّض للمجاز والكناية؛ ففي المجاز يكون الانتقال من الملزوم إلى اللازم، وفي الكناية يكون الانتقال من اللازم إلى الملزوم، وترى ذلك في الأمثلة المسوقة لهما، فلا علينا أن نتخذ المجاز والكناية: أصلين. ثم إن المجاز أعني: الاستعارة من حيث إنها من فروع التشبيه لا تتحقق بمجرد حصول الانتقال من الملزوم إلى اللازم، بل لابدّ فيها من تقدمة تشبيه شيء بذلك الملزوم في لازم له تستدعي تقديم التعرّض للتشبيه، فلابدّ من أن نأخذه أصلا ثالثا ونقدِّمه، فهو الذي إذا مهرت فيه ملكت زمام التدرب في فنون السحر البياني [٣] .!!!!

стр. 5540

والمتأمل في كلام السكاكي هذا يلمح التمحل الذي ارتكبه في سبيل ضابط تنحصر فيه مسائل البيان وأصوله؛ وكأنه في غيبة هذا الضابط لن يتحقق حصرها، ولا تعجب فإنه نهج السكاكي الذي أسرف في اصطناع الضوابط الكثيرة!! فضلا عن أننا لا نسلم له هذه التفرقة بين المجاز والكناية؛ ذلك أن اللازم في الكناية لازم مساوٍ؛ فيصحّ أن يسمى اللازم حينئذ ملزوما، والملزوم لازما، على أن التفرقة المعتبرة بينهما إنما تكمن في القرينة؛ فقرينة المجاز مانعة دائما من إرادة المعنى الوضعي، بخلاف قرينة الكناية فإنها مجوزة لإرادة المعنى الوضعي ما لم يقم مانع خارج عن طبيعة الكناية ... [٤] . ولا نسلم له كذلك أن التشبيه مقصد غير أساسي في البيان، وأنه وسيلة أو مقدمة لبعض أنواع المجاز، أو أنه أصل ادّعائي!!! وحسبنا ما أبرزه السكاكي نفسه عن قيمة التشبيه البلاغية، وتأثيره النفسي من أنه الأصل الذي إذا أمهرت فيه ملكت زمام التدرب في فنون السّحر البياني!!! [٥] وإذا كان السكاكي قد ارتضى هذا الطريق البعيد فإن الطيبي أحد البلاغيين المتأخرين يسلك سبيلا أقرب في الضبط بقوله: ((اعتبار المبالغة في إثبات أصل المعنى للشيء، إما على طريق الإلحاق أو الإطلاق، والثاني إما إطلاق الملزوم على اللازم، أو عكسه، وما يبحث فيه عن الأول التشبيه، وعن الثاني المجاز، وعن الثالث الكناية، فانحصر الكلام في الثلاثة [٦] . ويذهب كمال الدين البحراني إلى القول: بأن اللفظ إما أن يستعمل في المعنى الموضوع له فهو الحقيقة، أو فيما له علاقة به بحيث ينتقل الذهن من الموضوع له في الجملة - وهو المسمى عندهم باللازم - وهو إما أن تكون علاقته المشابهة أو غيرها، فعلى الأول إن كانت معه قرينة تنافي إرادة المعنى الموضوع له كان استعارة، وإن لم يكن كان تشبيها. وعلى الثاني أيضا إن كانت معه تلك القرينة المانعة كان مجازا مرسلا، وإن لم تكن كان كناية.

стр. 5541

فأصول البيان أربعة، فإذا ضمت الاستعارة إلى المجاز المرسل للاشتراك في المجاز صارت ثلاثة. ويظهر من هذا أن التشبيه أصل حقيقي من أصول هذا الفن؛ ألا ترى أن له مراتب متفاوتة في الوضوح، وأن فيه من النكت واللطائف البيانية ما لا يحصى. وما يقال من أن المقصود الأصلي في التشبيهات هو المعاني الوضعية فقط ليس بشيء؛ فإن قولك: "وجه كالبدر"مثلا لا تريد به ما هو مفهومه وضعا، بل تريد أن ذلك الوجه في غاية الحسن ونهاية اللطافة، لكن إرادة هذا لا تنافي إرادة المفهوم الوضعي [٧] . ومهما دار الأمر فإن التشبيه أصل من أصول البيان، ودعامة من دعائمه، ومقصد أصيل من مقاصده، وذلك لأمور أهمها: أولها: أسبقيته في الوجود على الصور البيانية، فهو أقدم صور البيان؛ إذ هو مبني على ما تلمحه النفس من اشتراك بعض الأشياء في وصف خاص يربط بينها [٨] ؛ فتعمد إليه النفس بالفطرة حين يسوقها الداعي إليه، والباعث عليه؛ ومن ثمّ كان سرّ شيوعه وذيوعه في سائر الأنواع البشرية واللغات الإنسانية، فهو من الصور البيانية التي لا تختص بجنس ولا لغة؛ كيف لا وهو من الهبات الإنسانية والخصائص الفطرية. ولقد عرفه العرب الأقدمون منذ لهجت ألسنتهم بفنون القول؛ فكان لأسلوب التشبيه الصدارة من الأساليب التي يستخدمها الفصحاء منهم في كلامهم في كل مكان وزمان، وفي هذا يقول أبو العباس المبرد المتوفى ٢٨٥هـ في كتابه الكامل: "والتشبيه جارٍ كثير في كلام العرب؛ حتى لو قال قائل: هو أكثر كلامهم لم يبعد..". ويقول: "والتشبيه من أكثر كلام الناس""والتشبيه كثير، وهو باب كأنه لا آخر له" [٩] . كما يقول ابن وهب في كتابه نقد النثر: "وأما التشبيه فهو من أشرف كلام العرب، وفيه تكون الفطنة والبراعة عندهم، وكلما كان المشبه (بالكسر) منهم في تشبيه ألطف كان بالشعر أعرف، وكلما كان بالمعنى أسبق كان بالحذق أليق.." [١٠] .

стр. 5542

ثانيها: تنوع مراتبه في الوضوح والخفاء [١١] ، فهو أسلوب يظهر فيه التفاوت على نحو ملموس، فليست درجة الوضوح فيه واحدة، وهذا التفاوت مناط البلاغة وعماد البراعة!!. ثالثها: القول بمجازيته - في رأي ابن الأثير -؛ فيكون دخوله في البيان بطريق الأصالة، لا بطريق التبعية للاستعارة والتطفل عليها. وحتى على القول المشهور بحقيقيته فإن القيمة الذاتية للتشبيه كصورة بيانية قد تأكدت وتقررت منذ أمد بعيد؛ مما جعل العلوي المتوفى ٧٤٩هـ في كتابه الطراز يقرر صراحة: "كونه معدودا في علوم البلاغة؛ لما فيه من الدقة واللطافة، ولما يكتسب به اللفظ من الرونق والرشاقة، ولاشتماله على إخراج الخفيّ إلى الجليّ، وإدنائه البعيد من القريب، فأما كونه معدودا في المجاز أو غير معدود فالأمر فيه قريب بعد كونه من أبلغ قواعد البلاغة، وليس يتعلق به كبير فائدة [١٢] .."، ذلك أنه باب عظيم من أبواب البلاغة الساحرة، ومسلك رائع للأدباء، منه يلجون في سائر البقاع والأزمنة، وأساس متين للاستعارة التي هي عماد الجمال والكمال في الأساليب!!. وأسلوب توفرت له هذه اللطائف وتلك المقومات لجدير بأن يكون مقصدا أساسيا من مقاصد البيان، وأصلا عظيما من أصوله!!. ومما تقدم تدرك أن أصول فنّ البيان عند جمهرة البيانيين أربعة: منها أصلان ذاتيان: وهما المجاز والكناية، وأصل واحد وسيلة وهو التشبيه، وواحد وهو جزء من أصل وهو الاستعارة. وبعض البيانيين يعتبر مباحث البيان أربعة: "التشبيه، وليس من أقسام اللفظ، والحقيقة والمجاز اللفظيان، والكناية، والثلاثة من أقسام اللفظ" [١٣] .

стр. 5543

وإنما جعلت الحقيقة ضمن مباحثه مع أنها ليست من مقاصده؛ لاتضاح مقابلها وهو: المجاز شدة الاتضاح؛ لأن الشيء تكمل معرفته بمعرفة مقابله [١٤] ، أو أنها لما كانت كالأصل للمجاز؛ إذ الاستعمال في غير ما وضع له فرع الاستعمال فيما وضع له غالبا جرت العادة بالبحث عنها في هذا الفن. وأيا ما كان الأمر فإنه لا مناص من البحث في التشبيه والحقيقة، والمجاز والكناية؛ وصولا إلى الكشف عن مسائل البيان وصوره.. (ب) وأما مكان البيان من البلاغة فتكمن في وجود المطابقة التي هي: عماد البلاغة؛ إذ إن هذه الألوان البيانية تستدعيها المقامات، وتتطلبها الأحوال؛ فالإفصاح في موضع الإفصاح، والكناية في موضع الكناية [١٥] ، والاستعارة في موضع الاستعارة، والمجاز في موضع المجاز؛ فهذه الألوان تمثل وجوها تتحقق بها المطابقة؛ فيبدو الكلام بليغا بوجود تلك المطابقة. وإذا كان السكاكي قد فصل علم المعاني عن البيان لملاحظة أدركها في ثمرة كل من العلمين؛ فإن الغرض من علم المعاني: هو الاحتراز عن الخطأ في تطبيق الكلام على ما يقتضي الحال ذكره، كما أن موضوعه: البحث في اللفظ العربي من هذه الجهة التي توصل إلى تلك الغاية. فعلم المعاني عنده: هو معرفة خواص تراكيب الكلام، أما علم البيان فهو معرفة صياغات المعاني؛ ليتوصل بها إلى توفية مقامات الكلام حقها؛ وذلك احترازا عن التعقيد المعنوي، فإن علم البيان عند السكاكي يتوقف على علم المعاني؛ ذلك أن علم البيان: هو معرفة إيراد الكلام بطرق مختلفة في الوضوح بعد مراعاة المطابقة لمقتضى الحال، ومعنى ذلك أن الأديب شاعرا أو ناثرا إذا أراد أن يصوغ معنى، فيعمد إلى تشبيه أو مجاز أو كناية، فهو حينئذ يكون قد أخذ بجزء من علم البيان، فإذا راعى أن هذا الأداء يطابق مقتضى الحال كان آخذا بالعلم كله؛ وعلى ذلك فالنظر في هذه الصور البيانية: (التشبيه، المجاز، الكناية) من زاويتين:

стр. 5544

أولاهما: أنها صور يعبر بها عن المعاني. ثانيهما: أنها تطابق أو لا تطابق. والنظرة الثانية هي: موضوع علم المعاني، والنظرتان معا هما: موضوع علم البيان. ومن هنا قالوا: "إن علم المعاني من البيان بمنزلة المفرد من المركب [١٦] ، لأن رعاية المطابقة لمقتضى الحال التي هي مرجع علم المعاني معتبرة في علم البيان مع زيادة شيء آخر وهو: إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة، ولما كان المفرد مقدما طبعا على المركب كان المركب متأخرا وضعا عن المفرد، ولهذا وضع علم البيان بعد علم المعاني" [١٧] ، والسكاكي يقرر كذلك: "أنه لما كان علم البيان شعبة من علم المعاني لا تنفصل عنه إلا بزيادة اعتبار جرى منه مجرى المركب من المفرد لا جرم آثرنا تأخيره" [١٨] . وتعبير السكاكي بأن: علم البيان شعبة من علم المعاني يوضح مدى الصلة القوية بين العلمين. وهذا المعنى نراه جليا واضحا عند الإمام عبد القاهر الجرجاني؛ فيقول في معرض كلامه عن الغرض الذي ابتدأه وهو: التوصل إلى بيان أمر المعاني كيف تتفق وتختلف؟. "وأول ذلك وأولاه وأحقه بأن يستوفيه النظر ويتقصاه القول على التشبيه، والتمثيل، والاستعارة؛ فإن هذه أصول كثيرة كان جل محاسن الكلام - إن لم نقل كلها - متفرعة عنها، وراجعة إليها، وكأنها أقطاب تدور عليها المعاني في متصرفاتها، وأقطار تحيط بها من جهاتها.." [١٩] . كما ترى الإمام في كلامه عن النظم، وإعجاز القرآن الكريم يقول: "إن الأمر يقتضي دخول الاستعارة ونظائرها فيما هو به معجز؛ وذلك لأن هذه المعاني التي هي: الاستعارة، والكناية، والتمثيل وسائر ضروب المجاز من بعدها من مقتضيات النظم، وعنها يحدث، وبها يكون.." [٢٠] .

стр. 5545

ولعل كلام الإمام هذا هو الذي أوحى إلى السكاكي بأن يقول: "إن علم البيان شعبة من علم المعاني ...الخ، على أن السكاكي لم يسلم من اعتراضات بهاء الدين السبكي المتوفى ٧٧٣هـ فيقول: "ثم لا نسلم أن علم البيان يتوقف على معرفة علم المعاني؛ لجواز أن يعلم الإنسان حقيقة التشبيه، والكناية، والاستعارة وغير ذلك من علم البيان ولا يعلم تطبيق الكلام على مقتضى الحال، فليس علم المعاني جزءا من البيان ولا لازما له، وأن تطبيق الكلام على مقتضى الحال كالمادة، وهذه الطرق كالصورة، والمادة ليست جزءا للصورة.." [٢١] . وكلام البهاء هذا يصور مدى الفصل بين العلمين عند المتأخرين، وهذا مسلك جرّ على البلاغة انفصالا بين مسائلها المتشابكة، وقضاياها المترابطة؛ فلا مندوحة لقبوله! إذ المطابقة واجبة في كل ألوان البلاغة وفنونها. ومن المشهور عند أصحاب الاتجاه السكاكي في البلاغة أنك إذا نظرت إلى أسلوب من جهة وجود المطابقة أو عدمها فأنت تسلك طريق علم المعاني، ولو نظرت هذه النظرة إلى الألوان البيانية كنت صادرا في بحثك عن هذا العلم، وكذلك لو نظرت إلى المحسنات البديعية؛ فإن مردّ الحسن الثابت للبديع إلى ارتباط هذا الحسن باقتضاء المعنى له، واستدعاء المقام له؛ فحيث يقتضي المعنى يكون اللون الذي يناسبه [٢٢] ؛ ومن ثم شاع بين علماء البلاغة أن المحسن البديعي إذا اقتضاه المقام صار من علم المعاني؛ لمراعاة المطابقة. وإذن فالمطابقة تتحقق في الألوان البيانية، والأصباغ البديعية إذا اعتبرها الباحث في نظرته، ولا أعتقد أن باحثا ما لا يملك أن يتجاهل المطابقة؛ فإنه بدونها لن يصل إلى التعرف على بلاغة الأساليب.

стр. 5546

وحسنا ذهب بعض النقاد المعاصرين إلى نقد من يقصر المطابقة على علم المعاني فقال: "وهنا يتبين الخطأ في قصر تطبيق الكلام على ما يقتضي الحال ذكره على مسائل علم المعاني؛ فإن الحق أن ذلك شامل لفنون البلاغة جميعا.." [٢٣] ، ويقول: "والواقع أن دائرة المطابقة لمقتضى الحال أوسع من هذه الدائرة بكثير، ولا تقف عند تلك المباحث الثمانية المشهورة التي ذكروها في علم المعاني؛ فإن مجالات هذه المطابقة كثيرة.." [٢٤] . ولا شك أن هذا الاتجاه لتعميم المطابقة الشاملة في فنون البلاغة الثلاثة هو المنهج الأقوم الذي أرساه من قبل الأقدمون من علماء النقد والبلاغة، وما أحوج الدرس البلاغي المعاصر إليه؟!! وبعد فإن مكان البيان من البلاغة يتوقف على مدى وفاء اللون البياني بالمقام الذي سيق له، وما يكتنف الصور البيانية من قيمة ذاتية تخلع على الكلام حسنا وجمالا، وتكسبه روعة وجلالا، وتشيع الضياء والرونق في كل نظم تحتويه، وتمنحه الصحة والقوة بكل ما تمثله من قيمة ذاتية، وتضمن له الحيوية المتجددة فلا يسقط على مر العصور.. وعلى الله قصد السبيل. -------------------------------------------------------------------------------- [١] راجع إن شئت المثل السائر: ج ١ ص ٣٩، والطراز للعلوي ج ١ ص ٣٧٠. [٢] مفتاح العلوم للسكاكي ص ١٧٧ بتصرف. [٣] مفتاح العلوم للسكاكي ص ١٧٧ بتصرف. [٤] انظر كتابنا: ((روائع البيان العربي)) ص ٢٦٦، ص ٢٧٣ ط دار إحياء الكتب العربية بمصر. [٥] انظر: روائع البيان العربي للكاتب: ص ٢١-٢٣. [٦] شرح السيوطي لمنظومته عقود الجمان ٢-٥. [٧] هامش شرح الفوائد الغيائية ١٩٥. [٨] دراسات في علم النفس الأدبي للأستاذ حامد عبد القادر ص ٤١. [٩] رغبة الآمل شرح الكامل للمرصفي ج ٦ ص ٢٣٨، ج ٧ ص ٣٧ ص ٦٣.

стр. 5547

[١٠] نقد النثر ص ٥٨. [١١] الرسالة البيانية ص ٣٣، وروائع البيان العربي ص ٢١. [١٢] الطراز ج ١ ص ٢٦٦. [١٣] الرسالة البيانية ص ٣٣، ٣٤، ٣٥، ٣٦. [١٤] المرجع السابق. [١٥] الحيوان للجاحظ ج ١٢. [١٦] المطول للسعد: ص ٣٣. [١٧] مفتاح العلوم للسكاكي: ص ٨٦. [١٨] المرجع السابق. [١٩] أسرار البلاغة: ص ١٨. [٢٠] دلائل الإعجاز: ص ٢٥٥ ط المنار. [٢١] عروس الأفراح: ج ٣ ص ٢٦١ ط الأميرية ١٣١٨هـ. [٢٢] ابن سنان الخفاجي وأثره في النقد والبلاغة للكاتب ص ٣٢٠، ٥٠٦. [٢٣] البيان العربي أ. د بدوي طبانة: ص ٣٤٢. [٢٤] المرجع السابق: ص ٤٢٤.

стр. 5548

مع الرعيل الأول لفضيلة الشيخ: محمود أمين النواوي كان الناس يقولون في عهد التابعين ومن بعدهم: إن فقهاء المدينة سبعة يصدر الناس عن آرائهم، وينتهون إلى قولهم وإفتائهم، ويقول عبد الله بن المبارك في شأنهم، إنهم كانوا إذا جاءتهم المسألة دخلوا فيها جميعا فنظروا فيها ولا يقضي القاضي حتى ترفع إليهم فينظروا فيها، وهؤلاء السبعة هم: سعيد بن المسيب المتوفى سنة ٩٥ للهجرة، وخارجة بن زيد ابن ثابت المتوفى سنة ١٠٠، والقاسم بن محمد بن أبي بكر المتوفى سنة ١٠٦، وعروة بن الزبير المتوفى سنة ٩٩، وسليمان بن يسار الهلالي المتوفى سنة ١٠٩، وأبو سلمة بن عبد الرحمن ابن عوف المتوفى سنة ٩٤ وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود المتوفى سنة ٩٩. وجعل ابن المبارك مكان أبي سلمة بن عبد الرحمن سالم بن عبد الله بن عمر المتوفى سنة ١٠٦، ونقل العراقي في التبصرة عن يحي بن سعيد أنه بلغ بهم اثني عشر، وعدّ فيهم سعيد بن المسيب الذي لا خلاف في شأنه، كما أنه قلّ من يخالف في أنه سيدهم ومقدمهم، بل هو كما صرح أكثر الأئمة أنه أفضل التابعين على الإطلاق إذا استثنينا أويسا القرني كما تراه في هذه الدراسة. نقل عثمان الحارثي عن أحمد بن حنبل قال: سمعته يقول: أفضل التابعين سعيد ابن المسيب، قيل له: فعلقمة والأسود؟ فقال: سعيد وعلقمة والأسود، وفي رواية أخرى عنه قال: أفضل التابعين قيس بن أبي حازم وأبو عثمان الفهدي [١] . ويقول علي بن المديني شيخ البخاري: سعيد عندي أجل التابعين. ويقول أبو حاتم الرازي: ليس في التابعين أنبل من سعيد. ويقول ابن حيان: سعيد بن المسيب أنبل التابعين.

стр. 5549

ويقول جعفر بن ربيعة: قلت لعراك بن مالك الغفاري: من أفقه أهل المدينة؟ قال: أما أعلمهم بقضايا رسول الله ﷺ وقضايا أبي بكر وعمر وعثمان، وأفقههم وأعلمهم علما بما مضى من أمر الناس فسعيد بن المسيب. ويقول الزهري: العلماء أربعة: سعيد بن المسيب بالمدينة، والشعبي بالكوفة، والحسن البصري بالبصرة، ومكحول بالشام، ويقول أيضا: أربعة من قريش وجدتهم بجورا وذكر ابن المسيب أولهم، وقال الزناد بن الأعرج مثل ذلك. وما أكثر تزكيات العلماء والأئمة ممن شاهدوه وأخذوا عنه، أو من أخذوا عنهم، أو من يليهم غير أنهم ينقلون في هذا المقام ما يفيد ببعض الاختلاف بما لا يخلو عن تقدير إقليمي، قال الإمام أبو عبد الله بن خفيف الشيرازي [٢] : اختلف الناس في أفضل التابعين، فأهل المدينة يقولون سعيد بن المسيب، وأهل البصرة يقولون الحسن البصري، وأهل الكوفة يقولون أويس القرني [٣] ، فأنت ترى كل إقليم يفضل بحسب ما لمس وانتفع، ولكن رأي أهل الكوفة يستحسنه ابن الصلاح ويصححه العراقي، لما روى مسلم في صحيحه من حديث عمر ابن الخطاب قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن خير التابعين رجل يقال له أويس..." الحديث. قال العراقي: إن هذا الحديث قاطع للنزاع، وأما تفضيل أحمد لابن المسيب وغيره فلعله لم يبلغه الحديث أو لم يصح عنده، أو أراد الأفضلية في العلم لا الخيرية، ولا تلازم بين الأمرين. وهو دفاع مشكور عن أحمد غير أن قوله إن الحديث لعله لم يبلغه أو لم يصح عنده غير سليم، فإنه أخرجه في مسنده من الطريق التي أخرجه مسلم منها، وله فيه رواية أخرى تنص على أن من خير التابعين أويس [٤] ، فلم يبق إلا أن يكون تفضيل من فضل سعيدا بحسب العلم ونشر السنة مع مراعاة الرواية الثانية "من خير التابعين".

стр. 5550

مهما يكن فإن حسبنا في هذه المحاولة أن نعرض في تاريخ هذا العبقري وأمثاله ما هو جدير أن يحقق الأسوة، ويثير الرغبة، ويكبت الرعونة في نفوس طالما ألحت عليها الشهوات، وكبت بها المطامع والنزوات والله المستعان. ولد هذا الإمام الكريم لسنتين من خلافة عمر بن الخطاب، من أب وجد صحابيين أدركا رسول الله ﷺ وروى سعيد عن أبيه المباشر منهما وهو المسيب ابن حزن، وكان عهد عمر بن الخطاب عهدا يتسم بالدين في أبهى حلله وفي أبرز صوره يتفاضل الناس فيه بالعلم النافع والعمل الصالح، ويدركون مآربهم من طريق الدين، ولهذا كان الناس على دين ملوكهم يدركون ما عندهم بما يحبون، وقد عرف عن عمر أنه يقدم الناس بالعلم إلى حد عجيب، فهو يقدم مثل عبد الله بن عباس على كبار الصحابة لذكائه وغزارة علمه، وهو يحتضن عبد الله بن مسعود ويرجع إليه في مشاكله، وهو يأخذ عن علي ويرجع إلى علمه ومعرفته، كان ذلك كالغريزة فيه، والطبع الذي لا تكلف فيه، وهذا لأنه بلغ في العلم مبلغا قلّ من يدانيه حتى قال مسروق بن الأجدع: انتهى العلم إلى ستة من الصحابة: عمر وعلي وعبد الله وأبي بن كعب وأبي الدرداء وزيد بن ثابت. وكانت المدينة تموج في خلافته بالعلماء من إخوانه الذين كان يدفعهم إلى نفع المسلمين بما عندهم، ولا يأخذهم بهوادة في ذلك ولا لين.

стр. 5551

وقد رأيت أن سعيدا أدرك أكثر العشرة المبشرين بالجنة وإن كان لم يثبت أنه روى عن أحد منهم سوى سعد بن أبي وقاص أو عمر بن الخطاب إذ سمعه وهو في صباه كما سنعرض عليك حديث الرجم في نقل الحافظ ابن حجر، وقد ادعى الحاكم في علوم الحديث أنه أدرك العشرة وسمع منهم، وهذا غير صحيح يبطله أن سعيدا ولد في خلافة عمر بلا خلاف، فكيف يسمع من أبي بكر، وقال العراقي: إنه لم يسمع من عمر على الصحيح، ثم استدرك بأن أحمد بن حنبل أثبت سماعه منه، وسترى ما يؤيد ذلك في كلام شيخ الإسلام في تهذيب التهذيب وهو يترجم له بعد أن تعلم ما نقله أيضا من أنه روى عن أبي بكر مرسلا وبقية الأربعة كذلك، وحكيم بن حزام وابن عباس وابن عمر وابن عمرو، وروى عن أبيه المسيب وأبي ذر في آخرين من الصحابة والصحابيات، وأن ابن الجوزي ادعى أنه أسند عن عمر وعثمان وعلي وسعد بن أبي وقاص وكثير غيرهم أوردهم ابن الجوزي في صفوة الصفوة، وقوله إنه أسند عن هؤلاء مما يختلف مع ما جزم به آخرون من أنه لم يسند من العشرة إلا عن سعد بن أبي وقاص لتأخر وفاته، ففي النقل اختلاف غير جوهري ولا مغير للهدف المنشود، أما شيخ الإسلام ابن حجر فإنه يقول فيما يتعلق بروايته عن عمر بطريق المباشرة، يقول وهو مغتبط بما يقول: وقد وقع لي حديث صحيح الإسناد لا مطعن فيه، وهو صريح في سماع سعيد بن المسيب من عمر، ثم روى بسنده إلى سعيد أنه قال: سمعت عمر بن الخطاب على هذا المنبر يقول: "عسى أن يكون بعدي أقوام يكذبون بالرجم يقولون لا نجد الرجم في كتاب الله فلولا أن أزيد في كتاب الله ما ليس منه لكتبت أنه حق، قد رجم رسول الله ﷺ ورجم أبو بكر ورجمت)) ويبدو من ذلك أنه سمع عمر وتحمل عنه وهو صبي، والمحدثون لا يمنعون التحمل في مثل سنه كما هو مقرر في موضعه.

стр. 5552

أما تلمذته لأستاذه أبي هريرة فإنها مما لا يختلف العلماء والمحدثون فيه فقد اتصل بأبي هريرة ولزمه للأخذ عنه، وتزوج ابنته وكان أبو هريرة أحفظ الصحابة للسنة لأنه كان لا يشغله عن صحبة رسول الله من عمل ولا تجارة كغيره من المهاجرين والأنصار، وله في ذلك أخبار مشهورة نجتزئ بالإشارة إليها، وقاتل الله الملحدين وأجراء المستشرقين الذين حاولوا صرف المسلمين عن دينهم بالطعن في هذا الصحابي العظيم، فإنه متى أصيب فقد أصيبت السنة التي هي ركن الإسلام، وهيهات فالله متم نوره ولو كره الكافرون. وفي تاريخ سعيد أنه اتصل بأسماء بنت أبي بكر فعرف منها تأويل الأحلام، وكانت تعرفها من أبيها الصديق الذي زكاه النبي ﷺ في هذا العلم الذي يدل على صفاء الذهن، وإشراق القلب، وكذلك كان أبو بكر وسترى ما يؤيد معرفة ابن المسيب بالتعبير بعد قليل.

стр. 5553

ولكنه اشتهر رضوان الله عليه بالحديث والفقه في الدين والفتوى في نوازل المسلمين، فلم تجد معرفته بالتأويل مكانا للشهرة بين تلك المعارف الجليلة، لقد جد سعيد في مواصلة العلم وطلب السنة والفقه حتى صار أعلم الناس بأقضية رسول الله ﷺ وكبار الصحابة، ويقول في ذلك تحدثا بنعمة ربه ومن حق العالم ذلك حتى يكون موضع الثقة بين المتعلمين وأهلا للأخذ عنه بينهم "ما بقي أحد أعلم بكل قضاء قضاه رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان مني"وكأنه لم يذكر عليا مع أنه كانت له أقضية جليلة وفتاوى كريمة يحفظها ابن عباس وغيره، لأن معارف الإمام علي ﵁ لم تنتشر بالمدينة كما نشر غيرها من معارف الخلفاء الذين أقاموا بالمدينة المنورة حتى ختموا حياتهم المباركة فأخذ الناس عنهم فيها يريدون، ولعل ما يؤكد هذا الخبر ويؤكد هذه الدعوى أن كبار الصحابة وعلى رأسهم الحبر الإسلامي الجليل عبد الله بن عمر كانوا أحيانا يرجعون إليه ويحيلون عليه، نقل ابن حجر في تهذيب التهذيب عن مالك قال: بلغني أن عبد الله بن عمر كان يرسل إلى ابن المسيب يسأله عن بعض شأن عمر وأمره، قال مالك: لم يدرك عمر ولكن لما كبر أكب على المسألة عن شأنه وأمره، أهـ. فإذا كان عبد الله بن عمر يسأله عن شأن أبيه فما بالك بغيره، ألست ترى معي أن ذلك الرجل كان أعجوبة، ولكن هذا في الحق غير عجيب من شأن رجل كأنه لم يعرف في حياته غير المسجد النبوي للعلم والطاعة سوى ما يباشر به أمر معاشه، على أنه لا يذكر في تاريخ حياته شيء تفصيلي من ذلك أكثر من كلمة عامة إنه كان يتجر في الزيت، ولكن كيف وفي أي وقت وكيف كانت معاملته غير أنهم وصفوه بالتسامح إلى حد كبير كما سيمر بك.

стр. 5554

إننا مازلنا منذ نشأنا نسمع القائلين ونقرأ للكاتبين أن سعيد بن المسيب كان حمامة المسجد النبوي لأن قلبه تعلق به عملا لا قولا، وانطبق عليه التوجيه النبوي الكريم ورجل قلبه معلق بالمسجد فكيف إذا كان خير مسجد بعد المسجد الحرام، لقد عرف فلزم فكان يواصل الخطا إلى المسجد وينتظر الصلاة تلو الصلاة، ويرى في العلم حق الصلاة وفي الصلاة حق العلم كلاهما مع الطهارة بكامل معناها مؤد إلى الآخر، ومتفاعل معه ورافع لشأن من لزمه، وقالوا إنه لم ينظر في الصلاة إلى قفا أحد لأنه لم يكن أمامه أحد، وقالوا إنه لزم الصف الأول أربعين سنة كان يتابع فيها الصوم ويسرده، وإنه مع فقهه العجيب لم يترخص في قبول هدية أو منحة، ولا قبِلَ عطاء من بيت المال مما كانوا يتقربون به إليه أو إلى أمثاله من الأئمة والعلماء، حتى يكون حرا لا سلطان لغير الله عليه ﵁، ولعله كان فيه الأسوة الكريمة للعلماء أرباب المواقف من أمثال ابن حنبل الذي أصيب بمحنة خلق القرآن، وأبي حنيفة ومالك وقد أريد كل منهما على القضاء فأبى كل الإباء. قال ابن حجر في تاريخه: لما بايع عبد الملك للوليد وسليمان أبى سعيد ذلك فضربه إسماعيل بن هشام المخزومي ثلاثين سوطا وألبسه ثيابا من شعر وأمر به فطيف به في الأسواق ثم سجن. فقاتل الله الظالمين، وجزى الله الثابتين على الحق والدين خير الجزاء آمين. إنه يخيل إلي أن سعيد بن المسيب مع هؤلاء الظلمة كان أشبه بالمعشوق المعرض والمطلوب المدل، ولكنهم إنما كانوا يعشقون إقباله ليصرفوا قلوب الناس إليهم ويعتزوا بإقبالهم، ولكن له خطة في قلبه رسمها علم الدين، وانتهاج سنة الصالحين. وبعد فإنني خشيت أن يتشتت بنا القول مع هذا البحر الخضم فلنجمع أهم ما يتصل به في طورين اثنين.

стр. 5555

أولهما: عهد الطلب والتعلم الذي تمثل في تردده على حلقات العلم، وأخذه عن الصحابة ما تسنى له مما أخذوه عن النبي ﷺ ليروي عنهم بالسند المتصل غالبا وما كان أكثرهم بالمدينة وإن كان بعضهم تنقل في البلاد منذ عهد الخليفة الثالث ﵁، ولكنه بقي في المدينة منهم الكثير وفيهم كثير من البدريين رضوان الله عليهم، وقد رأيت في صدر هذا المقال أسماء لبعض من نقل عنهم سعيد، ولهذا لم ير سعيد ابن المسيب أن يرحل في طلب العلم، وهو في أول مركز للعلم وأهم موطن له ولقد كان يزكي انتفاعه بهؤلاء ويظهر ثمرة الإفادة منهم ذلك الاستعداد الخصيب مع ذلك الإقبال العجيب، فتجلى نضجه المبكر وظهر فضله غير متأخر حتى كان يفتي والصحابة شهود، وكانت تعجبهم فتاواه ويقرونها بل يباركونها. وثاني العهدين لسعيد شأنه منذ ظهر فضله، ولمس في نفسه أنه مطلوب لا طالب، وأن نقله للعلم أول واجب، لا فكاك له منه ولا مندوحة عنه لا يسأل على ذلك أجرا، فأسند ما سمعه من الصحابة إلى من نقلوه عنه وهو رسول الله ﷺ ، وكان يرسل أحيانا بعض الأحاديث [٥] ، وكانت مراسيله في الجملة مقبولة لأنه كان لا يرسل إلا عن الثقات، ولأنها وجدت مسندة في بعض الروايات عنه وليس تفصيل ذلك من همنا اليوم [٦] .

стр. 5556

وفي هذا الطور ظهرت شخصيته الخلقية في هذه الشخصية العلمية، فأقام على عبادة الله وعرف عن الدنيا ومظاهرها إلا ما يقيم به أوده، ويصون به وجهه، وقد أثمر ذلك فيه الثبات على الحق والمضي فيما يعتقد أنه الحق ولو كان السيف مصلتا عليه، ومهما أصيب في دنياه إيثارا لسلامة الدين، وقد تجلى ذلك في خلافة عبد الملك بن مروان حين رفض البيعة لابنيه الوليد وهشام، لأن النبي ﷺ نهى عن بيعتين في بيعة كما تقدمت الإشارة، كما تجلى في رفضه لتزويج بنته لولي العهد الوليد بن عبد الملك مع أنهم عذبوه كذلك وطافوا به في أسواق المدينة، وهل كان مثل سعيد وهو من هو في ذلك الدين والورع يقبل أن يصاهر هؤلاء، وهو يعاديهم وينكر عليهم، إذن لتسرب إليه التحليل من قيود التقوى والورع، وهو عليها أحرص ما يكون، ولعل لنا بعد ذلك أن نجمل القول فيما تجلى فيه من صفات تجمع أمره كله وهي صفات ثلاث.. العلم الفياض، والحرص البالغ على الطاعة مع الإعراض عن المظاهر الكاذبة، والصبر على الحق مع الصبر على ما يصيبه في سبيله!

стр. 5557

أما العلم فقد رأيت صورا منه فيه طالبا ومطلوبا، ولمست مكانته في شهادة السلف الصالح والأئمة وفيهم بعض الصحابة وكثير من التابعين وتابعيهم بإحسان.. وقال مكحول: ما حدثتكم به فعن سعيد بن المسيب والشعبي، وقال ميمون: دخلت المدينة فسألت عن أفقهها فدفعت إلى سعيد بن المسيب، ولابد هنا من الإشارة إلى مبلغ بصره بتأويل الرؤيا كم وعدنا بذلك، فإن المتتبع لشأنه ولاسيما فيما ينقل عنه من ذلك في كتب التراجم والتواريخ ليرى العجب ويتجلى له أنه أوتي ما هو كالوحي مما لا يخطر على بال.. وما يتحقق على غرابته كما قال، روى ابن سعد في طبقاته ما خلاصته: أن رجلا جاء إلى ابن المسيب فزعم له أنه رأى في منامه كأنه أخذ عبد الملك بن مروان فأضجعه إلى الأرض ثم بطحه فدق في ظهره أربعة أوتاد! فقال له: أنت رأيتها؟ قال نعم، قال سعيد: لا، ولا أخبرك أو تخبرني، قال: ابن الزبير رآها وهو بعثني إليك، فقال سعيد إن صدقت قتل عبد الملك ابن الزبير، وخرج من صلبه أربعة كلهم يكون خليفة، فذهب الرجل إلى عبد الملك وأخبره فسر سرورا عظيما، وسأل الرجل عن حال سعيد ثم أجاز الرجل وأغدق عليه، وقال له رجل: رأيت عبد الملك يبول في قبلة النبي ﷺ أربع مرات، فقال إن صدقت رؤياك قام من صلبه أربعة خلفاء، وجاءه رجل فقال له: رأيت حمامة وقعت على منارة المسجد، فقال: يتزوج الحجاج ابنة عبد الله بن جعفر، وهذه عجائب حقا. ويرتبط بهذه الناحية ما كان ينضح على لسانه من الحكم العجيبة، ومنها ما نقل عن ابن عيينة قال: سمعت سعيدا يقول: إن الدنيا نذلة وهي إلى كل نذل أقبل وأنذل منها من أخذها بغير حقها، وطلبها من غير حلها، ووضعها في غير سبيلها، وروى أبو نعيم في الحلية أن سعيدا لما جرد عن ثيابه ليضرب قالت امرأة حين رأته: هذا مقام الخزي، فقال سعيد: من الخزي فررنا.

стр. 5558

نعم لقد فر باستمساكه بالحق من الخزي يوم الفزع الأكبر، وانظر إلى استحضاره العجيب في ذلك الموقف الكئيب، ومن قوله ﵁: يد الله فوق عباده فمن رفع نفسه وضعه الله، الناس تحت كنف الله يعملون بأعمالهم، فإذا أراد الله بعبد فضيحة أخرجه من تحت كنفه فبدت للناس عورته. وأما النسك والزهادة ففي ذلك التاريخ الملموس، وتلك المواقف العديدة المشهورة، وفيها آيات بينات على أن طاعة الله وعبادته كانت دعامة حياته، وهي التي غرست في نفسه احتقار الدنيا ومظاهرها حتى ليبدو أن قليلا من كان يستطيع أن ينافسه على ذلك من أمثال، الحسن البصري، وزين العابدين بن الحسين بن علي، وابن سيرين، وكانوا مضرب الأمثال في ذلك المعنى الإسلامي الجليل، فأما سعيد فلم يسمع بمثله دأبا على الصلاة في مسجد الرسول ﷺ لا تفوته تكبيرة الإحرام في أربعين سنة متوالية، ولا يقبل أن يتخلف عن واحدة منها لأية داعية إلا إذا كان في سجن الظالمين، أو في درس من دروس الصابرين، ثم يندفع سريعا إلى وطنه ويطير إلى وكره، ويقولون في هذا المقام إن عينه اشتكت في بعض الأيام فقيل له لو خرجت إلى العقيق فنظرت إلى الخضرة هناك، فقال: وكيف أصنع بشهود العتمة والعشاء، فهو مع العتمة والعشاء في صنعته الروحية التي يتخذ بها العهد مع الله، ومن أوفى بعهده منه سبحانه، لقد أذاقهم تلك اللذة فما فتئوا يترقبونها، وقالوا إن بعض خلصائه نصح له وقد تأزم الأمر بينه وبين الحكام أن يمتنع عن صلاة الجماعة بضعة أيام، وكان الحاكم يكتفي بأن يرسل إليه فلا يجده تعظيما لشأنه، فقال سعيد: وأنا أسمع الأذان حي على الصلاة حي على الفلاح، لا يكون ذلك أبدا.

стр. 5559

ثم إنه كان لا يفتر عن تلاوة القرآن في غدوه ورواحه، وفي سفره ومقامه، وهو الكتاب الذي ارتفع بمستوى البشرية، وعرفه الصفوة منهم فكان خير الزاد لهم، وكان يسرد الصوم سردا ثم يكون إفطاره في المسجد على شراب يصنع له في بيته، وحج أربعين سنة لا يشق عليه الحج لنشاطه الروحي العجيب، ولعلك في خلال هذا العرض رأيت كيف كان حظه من الصبر على عبادة الرب، ولقد أثمر ذلك ثمرة الصبر على كلمة الحق وعدم ادهان مع أي أحد، فشأنه الثبات والهدوء مهما عصفت رياح الجور، ولذا كان يتنازل عن عطائه في بيت المال مهما بلغ، ذكروا في هذا المقام أنه كان له من العطاء ما نيف على ثمانين ألفا مما يسيل لعشر معشاره لعاب أهل الدنيا وطلابها، فلما طُلب لأخذه لم يستفره، ولا حرك من رغبته ذرة، ولكنه يقول: لا حاجة لي فيها ولا في بني مروان حتى ألقى الله تعالى فيحكم بيني وبينهم. كلام البرم بهؤلاء البريء من كل ما يجيء من عندهم، ورحم الله ذلك الإمام العظيم، وكان يعد لذلك الاستغناء عدته بالتجارة التي أسلفت الإشارة إليها، ولا يضيع نصيبه من الطلب فيما يسر الله له، حتى قالوا إنه مات عن ثلاثة آلاف دينار، ولما دنت منيته قال معتذرا إلى ربه وهو أعلم به: اللهم إنك تعلم أني لم أجمع هذا المال إلا لأحفظ به نفسي وأصون به عرضي، وأعود به على جيراني وأهلي.

стр. 5560

على أنه كان يتسم بسماحة ويسر هي التي أنطقته بهذه الحكمة "لو نازعني أحد ردائي لنزعته له"، وقد آن أن أختم هذا الحديث بقصة طريفة هادئة تحدث عن مقدار ما أثمره فيه العلم والزهد والحصافة وقوة الحق، وهي قصة أوردها المحدثون والحفاظ في تاريخه الحافل، وفيما ينبغي أن يحتذى من المثل في صفات العلماء وأخلاقهم، وهي في شأن ابنته الجميلة الكريمة التي ضن بها على ولي عهد الخليفة وثبت على رفضه مصاهرته مهما لقي من تنكيل، وشأن الطالب الفقير أبي وداعة الذي عرضها عليه وأصر على هبتها له، ولم يملك من حطامها شيئا يذكر، حدّث هذا الطالب بما خلاصته أنه كان يجالس ابن المسيب ففقده أياما، فلما حضر قال له: أين كنت؟ فحدثه بوفاة زوجه، فقال له: ألا أخبرتنا فشهدناها، فلما أراد الانصراف قال الشيخ له: هل استحدثت امرأة؟ قال: رحمك الله ومن يزوجني وما أملك إلا درهمين، فقال له: أنا أزوجك، ثم حمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه ﷺ وزوجه على درهمين، قال: فقمت وما أدري ما أصنع من شدة الفرح، ثم عدت إلى بيتي لأتناول إفطاري وكنت صائما وكان طعامي الخبز والزيت، فإذا طارق يقرع الباب، فقلت من؟ قال: سعيد، فأفكرت في كل مسمى بذلك إلا سعيد بن المسيب فإنه لم ير منذ أربعين سنة إلا بين بيته والمسجد وإذا هو سعيد بن المسيب! فقلت: يا أبا محمد ألا أرسلت إلي فآتيك، قال: لأنت أحق أن آتيك، قلت فما تأمر؟ قال: إنك كنت عزبا فتزوجت فكرهت أن تبيت الليلة وحدك، وهذه امرأتك ثم دفع ابنته وذهب. قال أبو وداعة فسقطت من الحياء، ثم تقدمت إلى القصعة فأخفيتها، ثم صعدت إلى السطح فرميت الجيران فجاءوا.. ثم تطول القصة ولكن من أبرز ما فيها قول أبي وداعة، إنني حين دخلت وجدت أجمل الناس وأحفظهم لكتاب الله وأعرفهم بحق الزوج، فمكثت شهرا لا يأتيني ولا آتيه، ثم عدت إليه فوجه إليّ بعشرين ألف درهم!

стр. 5561

وهكذا يكون العلماء الأمراء، وهذا ما يصنع العلم النافع في النفوس الخصبة والقلوب الكريمة، فانظر ماذا ترى! اللهم وفقنا للانتفاع وجنبنا الجهل والانحراف، يالله يا عظيم يا كريم. أهم المراجع: طبقات ابن سعد. تهذيب التهذيب لابن حجر. إحياء العلوم للغزالي. صفوة الصفوة لابن الجوزي. التبصرة والتذكرة للعراقي. التدريب للسيوطي. حلية الأولياء لأبي نعيم. فتحث المغيث للسخاوي. تراجم إسلامية لمحمود النواوي. -------------------------------------------------------------------------------- [١] كلا هذين أدرك الجاهلية والإسلام، فأسلما على عهد النبي ﷺ ولكنهما لم يلقاه. [٢] كان إماما جليلا لقب بأنه شيخ إقليم فارس، قال السلمي إنه صنف من الكتب ما لم يصنفه أحد، توفي سنة ٣٧١. [٣] أويس بن عامر القرني بفتحهما، قال شيخ الإسلام في تهذيب التهذيب: إنه سيد التابعين، روى له مسلم ومات مقتولا بصفين. [٤] انظر شرح الحافظ السخاوي للألفية ١٤٥/٢. [٥] الحديث المرسل عند جمهور المحدثين هو ما يرويه التابعي عن رسول الله ﷺ ، ومنهم من يخصه بالتابعي الكبير من أمثال سعيد والحسن البصري وابن سيرين. [٦] انظر المطولات في حجية المرسل منها علوم الحديث للحاكم، ومقدمة ابن الصلاح وشروحها، وألفية العراقي وشروحها.

стр. 5562

إتحاف الأحباب بما ثبت في مسألة الحجاب بقلم الشيخ عبد القادر بن حبيب الله السندي المدرس بمعهد الحرم المكي الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد: فقد اطلعت على سؤال وجه إلى بعض أهل العلم يتعلق بحجاب المرأة المسلمة في الكتاب والسنة، وقد طلب إليّ تحضير الإجابة الشافية في ضوء الكتاب والسنة، وإجماع الأمة، فحررت هذه الإجابة السريعة مستعينا بالله جل وعلا الذي تتمّ به الصالحات وبكتاب الله تعالى الذي نزل به الخير والبركات، وبسنة المصطفى ﷺ التي تتنور بها الكائنات، وبإجماع السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين الذين هم قدوتنا في العمل الصالح والحسنات، فما جاء فيها من الصواب فمن فضل الله تعالى، وتوفيقه، وإن كان غير ذلك فهو مني، ومن الشيطان، فأستغفر الله تعالى، وأتوب إليه جل وعلا سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 5563

نعم إن المرأة لها دور كبير في إفساد العالم إن خرجت عن مكانتها التي أعطاها الله تعالى، وإن فتنتها أكبر، وأشد، وأعظم من أي فتنة وقعت في الإنسانية بعد فتنة الشرك، وإنها محور أساسي للخير إن صلحت، والشر إن فسدت، وإن صلاح المجتمع الإنساني متوقف على صلاحها من النواحي الاجتماعية، وأن الأمراض الاجتماعية الفتاكة التي يعاني منها الغرب والشرق ومن لف لفهم كانت بسبب خروج المرأة عن دائرتها الأساسية ونشأتها المثالية، ولقد يحدثنا التاريخ الإنساني عن الحوادث الخطيرة التي تعرضت لها المرأة قبل الإسلام، فضاعت فيها معالمها الفكرية، والثقافية، وحريتها الكريمة، وحقوقها المشروعة، فكانت تعامل كالبهيمة العجماء لا رأي لها، ولا نظر، وإلى هذه القضية يشير الحديث النبوي الشريف وهو من حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها، قالت: "جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها، أفنكحلها؟ فقال رسول الله ﷺ : "لا"مرتين أو ثلاثا، كل ذلك يقول: "لا". ثم قال ﷺ : "إنما هي أربعة أشهر، وعشر، وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول"، فقالت زينب: كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها دخلت حفشا، ولبست شر ثيابها، ولم تمس طيبا، ولا شيئا، حتى تمر عليها سنة، ثم تؤتى بدابة حمار أو طير، أو شاة، فتفتض به " [١] ، فقلما تفتض بشيء إلا مات، ثم تخرج فتعطى بعرة فترمي بها، ثم تراجع بعد ما شاءت من طيب أو غيره [٢] .

стр. 5564

فهذا الحديث الشريف يصور لنا واقع المرأة المرير في الجاهلية، ومدى الإهانة التي كانت تعيش فيها، ثم أكرمها الله تعالى، وأعزها بنعمة الإسلام الخالدة، وأعطاها حقوقها المشروعة كاملة دون شطط، ولا نقص، رحمة بها، وشفقة عليها، ولأول مرة في التاريخ الإنساني الطويل نالت المرأة ما نالت من عز مفقود، واحترام متزايد، ومنزلة سامية كريمة، وكانت حال المرأة الغربية في الجاهلية أدهى وأمر من حال المرأة العربية وغيرها، ولقد سعى الأعداء جاهدين إلى إخفاء مزايا الإسلام منذ أول يوم جاء فيه يخرج الإنسانية الضائعة من ظلام دامس إلى نور الحرية الحقيقية، وإلى مبادئ عادلة، وعالية رفيعة مثالية لم تشهدها الإنسانية في جميع العصور، فوضع هؤلاء الأعداء بمكرهم الخبيث وحيلهم الماكرة، وطرقهم الملتوية تلك المناهج البالية الخبيثة في التربية والثقافة التي لم تتفق أبدا بحال من الأحوال مع فطرة الإنسان الحر الكريم، نعم تلك المناهج التي تكلم عنها مفكرو المسلمين حديثا وقديما، وعلى رأسهم الدكتور محمد إقبال المفكر الإسلامي الكبير فكشف عن خباياها، وزواياها، تكلم عنها بتفكير عميق، وإطناب مفيد، في كتبه، ورسائله، ومقالاته، ونبه الأمة الإسلامية إلى ما خططه الغرب المادي من تخطيط خطير، من السيطرة التامة على العالم الإسلامي من جميع النواحي الحساسة، نعم كانت تلك المناهج التعليمية والتربوية التي وضعها الغرب لإفساد المسلمين، وتحطيم قواهم الفكرية الإسلامية سببا أساسيا لفساد المرأة والشباب، وانحطاطهم خلقيا، واجتماعيا، وثقافيا وفكريا حملت تلك المناهج في طياتها نارا تحرق الأجسام والضمائر والقلوب في شكل خطير لا يحس به أحد إلا من عصمه الله تعالى، مما يجري في الجامعات والكليات في بلاد المسلمين وغيرها تلك الجامعات التي تسير على نظام الاختلاط بين الجنسين حيث جردت المرأة من لباسها وحيائها، وأنوثتها في ضوء هذا النظام المادي اللعين فصب عليها من

стр. 5565

الفساد العريض الكبير الذي لا تستحيي فيه المرأة ولا تتحشم بل تتلذذ بما غضب الله به على الأقوام السابقة أنها رزية ألا تستشعر الأمة الإسلامية بهذه النكبة السوداء التي حلت بها، وأنها سبب أساسي لفقدان قيادتها، وإمامتها على العالم كله، فو الله العظيم من هنا كان فساد المرأة كبيرا، وشرها مستطيرا وإليه أشار الحديث الصحيح كما أخرجه الإمام البخاري، ومسلم في صحيحهما والترمذي وابن ماجة في سننيهما والإمام أحمد في مسنده بإسناد صحيح من حديث أسامة بن زيد قال: قال رسول الله ﷺ : "ما تركت بعدي فتنة أضر على أمتي من النساء على الرجال" [٣] ، والحديث الثاني أخرجه مسلم أيضا والإمام أحمد في مسنده بإسناد صحيح من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، قال ﷺ : "إن الدنيا خضرة حلوة، وإن الله مستخلفكم فيها لينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء" [٤] ، ومن هنا كان اهتمام الإسلام اهتماما بالغا بالمرأة من جميع النواحي الحساسة، إذ نظم لها حياة كريمة تضمن لها الشرف الرفيع، ومنزلتها السامية، وحريتها الفكرية، ونشاطها الأصيل لا انحراف فيه، ولا ظلم، ولا عدوان، تمارس أعمالها في حقلها الخاص بعيدة عن التهم، والشكوك، ولا انحراف فيه والزيغ تقف وقفة رائعة مثالية في ميدان التوجيه والتربية الإسلامية، وتنشأ أطفالها في بيتها المبارك على الحق، والصدق، والإخلاص، والجهاد وعلى تلك المعاني السامية التي فقدها الغرب والشرق على حد سواء، وإن تلك المدارس الغربية والشرقية التي بعدت عن حقائق الدين الإسلامي العظيم لم تكن إلا خطة مدروسة مبنية على الظلم، والخيانة، والفاحشة، وكيف تنظم الغرائز الجنسية وغيرها إن لم يكن صاحبها يحمل إيمانا صادقا، وعقيدة قوية راسخة في الله وفي رسوله ﷺ ، ولم تنظم الغرائز بحال من الأحوال في ضوء تلك الدراسة التربوية التي وضع مناهجها

стр. 5566

أفراخ اليهود والنصارى من الشيوعيين المارقين، وإن آراءهم وأفكارهم في التربية الحديثة حسب زعمهم لم تجد شيئا، ولم تحسن موقفا مترديا وقع فيه الغرب والشرق وغيرهما ممن لاحظ لهم في الرسالة السماوية الأخيرة التي أكرم الله تعالى بها الإنسانية كلها، وهي رسالة الإسلام الخالدة. ولقد درست بعض النظريات الغربية في التربية والتي لا تستحق أن تكون موضع اهتمام وإعجاب في نظر الباحثين المسلمين ولقد درست في نفس الوقت أحوال المرأة الغربية وغيرها التي أخذت بهذه المناهج ممن تعيش بعيدة عن ضوء رسالة الإسلام فوجدت أنها فقدت كل مقومات الحياة الحرة الكريمة، فأصبحت الآن سلعة رخيصة في أيدي الظلمة الغاشمين من دعاة الزنا، والسفور، والانحلال ومن هنا يوجه السائل الكريم هذا السؤال فيقول: وما معنى قوله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ [٥] وما معنى قوله تعالى: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلا أَبْنَائِهِنّ﴾ [٦] فقال: فيرى الأستاذ الشيخ أبو الأعلى المودودي أمد الله في عمره: أن المراد بالزينة هي الوجه والكفان فقط فلا يجوز أن تبدي المرأة أكثر من ذلك لمحارمها، على حين أن الشهيد سيد قطب رحمه الله تعالى يرى أنه لا بأس على المرأة أن يبدو منها ما عدا (ما بين السرة إلى الركبة للمحارم) فما هو الراجح الذي تؤيده الأدلة القوية، ويشهد له الواقع، والذي يجب على المسلم أن يعتمده، أرجو الإجابة الوافية ما وسعكم التفصيل، والاستدلال؟

стр. 5567

قلت: لم يحسن السائل الكريم في توجيه سؤاله، بل لم يفهم ما قاله الأستاذ المودودي، وكان عليه أن يوجه السؤال هكذا: ما المراد بالزينة الواردة في قوله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ وما المراد من لفظة ﴿إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ فقد ذهب الأستاذ المودودي إلى أن المراد من هذه اللفظة الوجه والكفين فجاز للمرأة أن تكشفهما أمام الأجانب، وقال السيد قطب رحمه الله تعالى: لا بأس بإظهار المرأة أمام المحارم كل شيء ما عدا ما بين السرة إلى الركبة، أجيبوني بالتفصيل والاستدلال؟ وبينوا لي ما حكم الله تعالى ورسوله ﷺ في هذه المسألة؟

стр. 5568

ج- نعم قال ذلك الأستاذ المودودي في كتابه تفسير سورة النور، إذ قال: فعورتها (أي المرأة) للرجال جميع بدنها إلا الوجه والكفين، واستدل على ذلك بقوله: فعن عائشة رضي الله تعالى عنها "أن أختها أسماء بنت أبي بكر دخلت على رسول الله ﷺ ، وعليها ثياب رقاق، فأعرض عنها رسول الله ﷺ ، وقال: "يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم تصلح أن يُرى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى وجهه وكفيه"، رواه أبو داود مرسلا، وقد نقل ابن جرير في تفسيره رواية في هذا المعنى عن عائشة رضي الله تعالى عنها، تقول فيها: دخلت علي ابنة أخي لأمي عبد الله بن الطفيل مزينة فدخل عليها النبي ﷺ ، فأعرض عنها ثم ذكر الحديث كما جاء في حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما [٧] . قلت: وقد رجع الأستاذ المودودي في كتابه ((الحجاب)) عن هذا الرأي إلا أن دليل رجوعه لم يكن قويا، لأنه لم يكن عن طريق النصوص بل كان عن طريق الفهم والاستنباط وواقع الناس، فلم يكن - كما قلت - قويا في نظر من يشتغل بالحديث النبوي الشريف ولذلك رد عليه العلامة المحدث شيخنا الشيخ محمد ناصر الدين الألباني في كتابه ((حجاب المرأة المسلمة في الكتاب والسنة)) ، ولا طائل بنقل رده عليه وإنما بيان هذه المسألة في ضوء الكتاب والسنة دون أن أكون وسطا بين الراد والمردود عليه، ولكل واحد منهما جهود مباركة ومساع حميدة في الدعوة إلى الله تعالى فجزاهما الله تعالى عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.

стр. 5569

نعم رواية أبي داوود هذه المشار إليها أخرجها الإمام أبو داوود في سننه تحت باب (فيما تبدي المرأة من زينتها) ثم ساق الإسناد بقوله حدثنا يعقوب بن كعب الأنطاكي، ومؤمل بن الفضل الحراني، قالا: أخبرنا الوليد، عن سعيد بن بشير، عن قتادة، عن خالد قال يعقوب بن الفضل الحراني، قالا: أخبرنا الوليد، عن سعيد بن بشير، عن قتادة، عن خالد، قال يعقوب بن دريك عن عائشة، ثم ذكر الحديث بطوله الذي نقله الشيخ أبو الأعلى المودودي في كتابه، وقال الإمام أبو داوود في نهاية الحديث هذا مرسل، خالد بن دريك لم يدرك عائشة [٨] .

стр. 5570

وقال صاحب العون: والحديث فيه دلالة على أنه ليس الوجه والكفان من العورة فيجوز للأجنبي أن ينظر إلى وجه المرأة الأجنبية، وكفيها عند أمن الفتنة مما تدعو الشهوة إليه من جماع أو ما دونه، أما عند خوف الفتنة فظاهر إطلاق الآية والحديث عدم اشتراط الحاجة، ويدل على تقييده بالحاجة اتفاق المسلمين على منع النساء أن يخرجن سافرات الوجوه لا سيما عند كثرة الفساق قاله ابن رسلان، ويدل على أن الوجه والكفين ليستا من العورة قوله تعالى: في سورة النور ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ ، قال في تفسير الجلالين وهو يعني ما ظهر منها الوجه والكفان، فيجوز نظره لأجنبي، إن لم يخف فتنة في أحد الوجهين والثاني يحرم لأنه مظنة الفتنة، ورجح حسما للباب انتهى- وقد جاء تفسير قوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ بالوجه والكفين عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أخرجه ابن أبي حاتم، والبيهقي، وأخرجه إسماعيل القاضي عن ابن عباس مرفوعا بسند جيد، قال المنذري: في إسناده سعيد بن بشير أبو عبد الرحمن النصري، نزيل دمشق مولى بني نصر، وقد تكلم فيه غير واحد، وذكر الحافظ أبو بكر أحمد الجرجاني هذا الحديث وقال: لا أعلم رواه عن قتادة غير سعيد بن بشير، وقال مرة فيه عن خالد بن دريك عن أم سلمة بدل عائشة. انتهى كلام صاحب العون بلفظه. قال العبد الفقير: أخرج هذا الحديث الإمام البيهقي في السنن الكبرى من هذا الوجه في موضعين [٩] ونقل الإمام البيهقي إرساله عن الإمام أبي داوود، وأورده الإمام ابن كثير في تفسيره [١٠] وقال في نهاية الحديث قال أبو داوود، وأبو حاتم الرازي هو مرسل خالد ابن دريك لم يسمع من عائشة رضي الله تعالى عنها. والله أعلم أهـ.
следующие страницы →