(فلسطين قائمة ما أقامت فلسطين
والفقراء فلسطين
والأنبياء فلسطين) (١).
ولصف عبد الرحمن منيف على لسان إحدى شخصيات رواية مدن الملح أسباب بكاء الأطفال من غير جوع ولا ألم فيقول: (ربّما يريدون أن يصبحوا ملوكًا أو أنبياء بسرعة) (٢).
أمَّا محمد شكري فيصف والده الذي أطنب في وصف بغضه له، فيقول: (أبي أقرب منا إلى الإله وأقرب إلى الأنبياء والقديسين) (٣).
أمّا محترفة السفور وعداء أحكام الدين -نوال السعداوي- فتقول عن البنت الشخصية الرئيسية في روايتها سقوط الإمام: (. . . الا تكون ابنتي هي بنت اللَّه يسمونها المسيحة، وتصبح واحدة من الأنبياء) (٤).
وليس المقصود جمع كل أقوالهم في هذا اللون من الانحراف وإنّما الدلالة ببعض الشواهد وفي الباقي الذي لم أنقله الكثير من الشواهد، وفي كل دليل يقيني على بشاعة الانحراف الذي تردى فيه أصحاب الأدب العربي المعاصر.
وبهذا الوجه من الانحراف نختم الكلام عن الانحرافات المتعلقة بالرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام، وفيما ذُكر من أقوال ونقل من نصوص ما يؤكد أن القوم لا تنطوي عقولهم وقلوبهم على العقيدة الصحيحة في هذا الركن العظيم، بل تنطوي على مفاهيم وعقائد وأفكار مناقضة تمام المناقضة للإسلام وعقيدته، بل هم يسعون في تدمير وتخريب العقيدة الحقة، وترسيخ العقائد الضالة الباطلة، واللَّه غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
• • •
стр. 1367
الباب الثالث الانحرافات المتعلقة باليوم الآخر والقدر
ويشمل الآتي:
توطئة:
الفصل الأول: الانحرافات المتعلقة باليوم الآخر.
الفصل الثاني: الانحرافات المتعلقة بالقدر.
الفصل الثالث: الانحرافات المتعلقة بالغيبيات الأخرى.
стр. 1368
توطئة
سبق شرح أصول الفكر الحداثي، وأنه يقوم على مبدأ مادي، ويندرج ضمن الإطار الإلحادي الذي وضعه الغرب وحشروا إليه أتباعهم، تحت ضغوط ومغريات عديدة، ابتدأت بإبعاد أبناء المسلمين عن دينهم، وتجهيلهم به، ثم تشكيكهم فيه، ثم سَوْقهم في أسواق الدهشة والانبهار، ثم تلقينهم المحالات العقلية على أنها يقينيات، وإضاعاتهم في المحارات الفكرية على أساس أنها حقائق، وجرهم في أودية التيه، وإغراقهم في أخلاط المذاهب والأفكار والعقائد والألفاظ والمصطلحات، فإذا بنا نرى من أبناء جلدتنا وممن يتكلمون بألسنتنا دعاة على أبواب جهنم، بما نقلوه من عقائد الباطل وما تلقوه من أفكار الضلال، حتى لقد أضحى انسلاخهم عن الأمة هوية وتاريخًا ولغة وحضارة من أبرز سماتهم، بل ومن أظهر مفاخرهم التي يفاخرون بها.
لقد جاء الاستعمار الغربي في حين ضعف من المسلمين، وكانت أعظم نقاط ضعفهم وأشد نكباتهم "نكبة الغفلة" التي كانت سببًا في جهل عظيم بالدين، وكانت نتيجة -أيضًا- للتجاهل والبعد عن الدين.
أجيال مضت قبل سيطرة الاستعمار كانت تغط في سبات عميق، فالمتعلمون أكثرهم مقلد للمذهب بعصبية تسول له أن مذهبه هو الدين وما عداه فانحراف وفساد، انشغلوا بذلك ويرد بعضهم على بعض،
стр. 1369
وابتعدوا عن حياة الناس، ووقفوا من السلطان موقف المؤيد المنتفع المحابي أو المنعزل المتواري، فتعاظم الفساد والجهل وانطمست معالم العلم إلّا بقية في زوايا الأرض هنا وهناك.
والمتعبدون -إلّا من رحم اللَّه- في بدع وخرافات ورهبانية ابتدعوها، وطرق وأوراد أحدثوها، وانعزلوا عن الحياة تحت شعار "دع الخلق للخالق".
والحاكمون جهلة بالدين، لا هتم لهم سوى توسيع الممالك وجمع السبائك، ومحاربة الجار المسلم، ومحالفة العدو الكافر.
لقد كان بعض هذا كافيًا لاستعمار تلك الجماهير التي عاشت هذه الحياة الضعيفة الممزقة الجاهلة.
ولما جاء الاستعمار بقواه الجرارة، وبفكره المنظم المنطر، وبمكتشفاته واختراعاته، وجد قومًا أقرب إلى البلاهة والبلادة منهم إلى النضج والعقل، فلا دينهم الذي به عزتهم وقوتهم المعنوية أقاموه، ولا دنياهم التي بها عماد معاشهم وقوتهم الحسية حفظوها.
فالدين تحول عند الكثيرين إلى تقليد وبدع ومحدثات وتصوف وانعزال، والحكم تحول إلى سلطة واستبداد وأثرة، والأمة ضاعت بين فتاوى المقلدين الجامدين المتعصبين لمذاهبهم، وبدع المتعبدين، وظلم وقهر الحاكمين.
ولولا بقية من الذين حفظ اللَّه بهم الدين من تأويل الجاهلين وانتحال المبطلين، وغلو الغالين، وتفريط المفرطين، لكان الحال أبأس مما نحن عليه اليوم.
وعندما قدم الاستعمار والأمة على ما سبق وصفه، نسج لأبناء المسلمين تحت ظلام دامس وفي مكر شديد وخديعة كبيرة ثيابًا من العقائد والأفكار وألبسهم إياها، ثم أورثهم ما كان بيده من قوة وسلطان وإدارة وإعلام ومطابع وصحف، وانسل بجيوشه تحت بهارج من فرحة الاستقلال المزعوم، فإذا الورثة يقومون بحق الإرث عن أسيادهم أشد القيام وأعتاه وأخبثه، وكان المستعمر قد أوهم المسلمين أنه انصاع لنضال بعض أولئك المصنوعين على
стр. 1370
عينه، وأن ما تم نسجه هو من صميم حياتنا ومن سر أنفسنا، وبهذا الوهم تمكن أن يقود وهو بعيد ونحن نحسب أننا نقود أنفسنا، وأننا نتصرف في أمور الحياة تصرف الحر الذي لا سلطان لأحد عليه، وما تبجح به الناس من حرية واستقلال وكرامة ويقظة وجلاء، لم يكن سوى شعارات كاذبة تخفي تحتها الأعداء الألداء، والعداوات الشديدة للدين والأمة والهوية والكيان والوحدة والحرية والكرامة؛ لأن الذين استلموا بعد جلاء الاستعمار مقاليد الأمر والفكر والرأي والإدارة لم يكن أكثرهم سوى بذور بذرها الاستعمار في أرض المسلمين واستنبتها حتى إذا قامت على سوقها، تعجب الزراع ليغيظوا بهم المسلمين، وسلموها المقاليد وأصبح الأمر في يد من يملكه دون من يبصره ويعرف حقيقته على نور النبوة والوحي.
لقد كان نجاحهم هائلأ في إضفاء "اللون المحلي" على دعاة الضلال ورواده والمدافعين عنه، فوجد المسلمون فجاءة من يخرج من بينهم وهو يطالب بنقض الدين، بل وبمحوه وإزالة آثاره من الحكم والثقافة والمجتمع والتعليم.
ومن يدعو إلى حبس الدين في أضيق نطاق، ومن يتحالف مع اليهود والنصارى لقمع المنادين بعودة المسلمين إلى دينهم في كل شأن.
ومازالت يد الاستعمار الغربي والاستكبار الجاهلي المادي تواصل سيرها في عملية الإجهاز على التدين والتمسك بالدين، بكل طاقاتها الإعلامية والثقافية والتربوية والتعليمية، ولكن من خلال الدمى المعدة سلفًا للقيام بهذا الدور، واللَّه غالب على أمره، وهو ناصر دينه وأوليائه ولو كره المنافقون والكافرون.
وإذا أردنا تطبيقًا حقيقيًا لهذا الذي ذكرناه فإننا لن نجد أصرح ولا أوضح من هذه الفئة الدخيلة المريضة من المستغربين، أرباب الأدب والفكر الحداثي، الذين فرضوا على أنفسهم انقيادًا أعمى لفلاسفة المادية الغربية، من غير سلطان ولا برهان ولا دليل إلّا مجرد الانبهار والشك
стр. 1371
والتبعية، وهذه وصمات عار وليست براهين إثبات، ودعاوى محضة وتخرصات غامضة.
وقد مرَّ معنا في هذا الكتاب قضايا عديدة، اصطبغت عند هؤلاء بصباغ المذهب المادي بفروعه وأشكاله المتعددة، وأول ذلك وأعظمه وأشنعه جحدهم لوجود اللَّه تعالى ولألوهيته وربوبيته، وإيمانهم - حسب ما لقنهم معلموهم بالوثنيات والجاهليات القديمة.
ثم جحدهم لوجود الملائكة، وللوحي الكريم، وللرسل عليهم الصلاة والسلام.
وهنا في هذا الفصل سوف نرى تتابع هذه السلسلة المادية، المؤلهة للوثن والخرافة، والمكذبة للحق واليقين، تتابعها في هذا المضمار المادي الحسي الإلحادي، المتمثل في إنكار الغيبيات وجحد اليوم الآخر والتكذيب بالقدر.
وهي نتائج حتمية لتلك الأصول المادية التي قرروها، والقواعد الحسية البهيمية التي أصّلُوها، وهي كذلك صورة من صور الصراع بين الإسلام والكفر، والتوحيد والوثنية من عهد نوح إلى أن يرث اللَّه الأرض ومن عليها.
• • •
стр. 1372
الفصل الأول الانحرافات المتعلقة باليوم الآخر
اليوم الآخر هو يوم القيامة الذي يبعث فيه الخلق لفصل القضاء بينهم.
وسمي باليوم الآخر لأنه لا يوم بعده، حيث يستقر أهل الجنة فيها وأهل النار فيها.
والآخرة هي النشأة الثانية التي لا موت بعدها.
ويشمل اليوم الآخر عند الإطلاق: الموت وما وراءه.
ويكون معنى الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بكل ما أخبر به اللَّه في كتابه، وأخبر به رسوله ﷺ ، مما يكون بعد الموت من فتنة القبر وعذابه ونعيمه، والبعث والحشر والصحف والحساب والميزان والحوض والصراط والشفاعة والجنة والنار وما أعد اللَّه لأهلهما.
والإيمان باليوم الآخر هو الركن الخامس من أركان الإيمان، فمن جحده أو شيئًا مما يشتمل عليه مسمى اليوم الآخر مما هو منصوص عليه مقطوع به فهو كافر.
стр. 1373
وقد جاءت نصوص الوحي الكريم بإيجاب الإيمان به، وبالإخبار عنه وعن أحوال الناس فيه، وفي القرآن العظيم آيات كثيرة اهتمت بتقريره، والتنبه إليه، وتأكيد وقوعه بأساليب عديدة وبراهين كثيرة.
وقد ربط اللَّه تعالى الإيمان به بالإيمان باليوم الآخر فقال جلّ ذكره: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ. . .﴾ (١).
وقال سبحانه في وصف المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤)﴾ (٢).
وقال سبحانه: ﴿. . . وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧) رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨) رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٩)﴾ (٣).
وقال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٥)﴾ (٤).
وقال تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ (٥).
كما أخبر اللَّه تعالى أن من أوصاف الكفار عدم إيمانهم باليوم
стр. 1374
الآخر، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (٤)﴾ (١).
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨) وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا (٣٩)﴾ (٢) الآيات.
وقال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٨) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٢٩) فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (٣٠)﴾ (٣).
وقد اختص اللَّه تعالى بعلم وقت قيام الساعة وموت كل أحد من الخلق، فإن ذلك من مفاتح الغيب التي لا يعلمها إلّا اللَّه ، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾ (٤).
وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٧)﴾ (٥).
والآيات والسور التي تحدثت عن البعث واليوم الآخر وما بعده كثيرة
стр. 1375
جدًا بحيث لا تكاد تمر على صحيفة من صحائف القرآن العظيم إلّا وتجد فيها كلامًا عن اليوم الآخر، وقد جاء ذكر وتفصيل أحوال هذا اليوم أكثر من أي أمر آخر من أمور الغيب.
ومن مظاهر ذلك كثرة الأسماء الوصفية لهذا اليوم العظيم، فمن أسمائه: يوم الدين، ويوم الحساب، والساعة، والقيامة، ويوم الفتح، ويوم الحشر، ويوم التلاق، ويوم الخلود، ويوم الجمع، ويوم التغابن، ويوم الخروج، ويوم التناد، والطامة، والصاخة، والحاقة، والغاشية، والواقعة، والآزفة، والقارعة، وغير ذلك من الأسماء.
ويتضمن الإيمان باليوم الآخر تفصيلًا عدة أمور، أظهرها:
الموت، ويسمى القيامة الصغرى، وحياة البرزخ، فكل من مات قامت قيامته، والموت حتم لازم، وله أجل محدد، ووقت معلوم لا يعلمه إلّا اللَّه وحده، وعند الموت تحضر الملائكة لقبض الروح، وللموت سكرات، يتمنى عندها المحتضر العودة للدنيا فإن كان كافرًا فلعله يسلم، وإن كان عاصيًا فلعله يتوب، ويفرح المؤمن بلقاء اللَّه ويشتاق للقائه بعكس الكافر والفاجر، وإذا نزعت الروح رفعت إلى السماء، ولها أحوال بحسب إيمانها وطاعتها وكفرها، ثم تعاد الروح إلى الميت في قبره، وهو أول منازل الآخرة، وفيه ظلمة وله ضمة لا ينجو منها أحد، وفيه فتنة وسؤال، وفيه عذاب ونعيم، يحصل على البدن والروح معًا.
والروح مخلوقة ليست أزلية، مبدعة من العدم، وهي التي تفارق الجسد حال الموت وتعاد إليه في القبر، وتبعث مع الجسد يوم القيامة وتنعم أو تتعذب معه في الجنة أو النار، وأرواح العباد في البرزخ متفاوتة في منازلها، فأرواح الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تكون في خير المنازل وفي أعلى عليين ثم أرواح الشهداء، وهم عند ربهم يرزقون،
стр. 1376
وهي في أجواف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، ثم أرواح المؤمنين الصالحين تكون طيورًا تعلق شجر الجنة، وأرواح العصاة تعذب مثل صاحب الكذبة التي تبلغ الآفاق والزناة والزواني والنائم عن الصلاة والمرابي، وكذلك أرواح الكفار تعذب وتخرج منهم كأنتن ريح.
ولا تعارض بحن كون هذه الأرواح في الجنة أو النار وإعادتها إلى البدن في حياة البرزخ، فالأرواح تكون في البدن في الدنيا ويعرج بها إلى السماء وترحل في الزمان والمكان كما في حال النائم.
وعلى ذلك فحالات الروح مع البدن ست حالات:
١ - الحياة الدنيوية منذ الشهر الرابع في بطن أمه.
٢ - تقبضها الملائكة في حالة الوفاة.
٣ - ترفعها الملائكة إلى السماء.
٤ - تعاد إلى الجسد للسؤال.
٥ - تنعم وتعذب في الجنة أو النار، ولها تعلق بالجسد أشبه بحال النائم.
٦ - تعاد في الجسد عودة كاملة يوم البعث.
ففي القبر يقع العذاب والنعيم على النفس والبدن جميعًا، فتنعم النفس وتعذب منفردة عن البدن وتعذب متصلة بالبدن.
ومن الإيمان باليوم الآخر القطع والجزم بأن الساعة آتية وأنها
стр. 1377
قريبة، وأنه لا يعلم أحد وقتها المعين، ولها أشراط وعلامات، وهي صغرى وكبرى، والصغرى بعضها وقع مثل بعثة الرسول ﷺ ووفاته وانشقاق القمر ونار الحجاز التي تضيء وترى من بصرى الشام، وخروج الدجالين المدعين للنبوة، وإسناد الأمر إلى غير أهله، وتطاول الحفاة العراة رعاء الشاة في البنيان، وتداعي الأمم على أمة الإسلام.
ومن الصغرى خروج المهدي من آل بيت الرسول ﷺ من سلالة فاطمة ﵂ واسمه محمد بن عبد اللَّه، علويٌّ حسني هاشمي، رحمة من اللَّه بالأمة في آخر الزمان، يخرج فيقيم العدل والحق، ويمنع الظلم والجور.
والعلامات الكبرى هي التي تكون الساعة على أثرها وهي متتابعة في وقوعها لا يكاد يفصل بينها فاصل زمني، وتشبه في تتابعها حبات العقد إذا انقطع نظامه، فتكون الملحمة مع الروم ثم فتح القسطنطينية وهي من الصغرى المصاحبة للكبرى، ثم يخرج الأعور الدجال، ثم ينزل عيسى ﵊ ويقتل الدجال، ثم يخرج يأجوج ومأجوج في زمن حكم عيسى بالإسلام، ويهلكهم اللَّه في زمنه، ثم تكون الآيات الأخرى وترتيبها غير معلوم من النصوص وهي: خروج الشمس من مغربها والدابة، والدخان، وخسف بالمشرق وآخر بالمغرب وثالث في جزيرة العرب، وآخر الآيات نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم.
ثم يكون إفناء جميع الأحياء بنفخة الصور الأولى ينفخ فيه إسرافيل ﵇ يوم الجمعة فيصعق من في السماوات والأرض إلّا من شاء اللَّه، وتسمى نفخة الصور الأولى وتسمى الراجفة والصيحة ويمكثون ما شاء اللَّه من الزمان، ثم يكون بعد ذلك النفخة الثانية ويحصل بها البعث وتسمى الرادفة، فتعود الأرواح إلى الأجساد، ويقوم الناس لرب العالمين، يخرجون من الأجداث سراعًا، إلى ربهم ينسلون،
стр. 1378
ويعيدهم اللَّه إلى حياة جديدة أبدية لا موت فيها.
وأولى من يبعث وتنشق عنه الأرض هو نبينا محمد ﷺ ، ويبعث اللَّه جميع الخلق أولهم وآخرهم ويحشرهم إليه جميعًا الإنس والجن والملائكة والبهائم، ويحشر الناس حفاة عراة غرلًا إلى أرض المحشر وهي بيضاء عفراء ليس فيها معلم لأحد.
وفي يوم القيامة من الأهوال والعظائم الشيء الكثير، فالأرض تزلزل وتدك، والجبال تنسف والبحار تفجر وتسجر، والسماء تنشق وتمور، والشمس تكور ويذهب نورها، والقمر يخسف والنجوم تنكدر ويذهب ضوؤها وينفرط عقدها، ويقبض اللَّه تعالى الأرض بيده ويطوى السموات بيمينه.
ويكون الكفار في ذلك اليوم في ذلة وهوان ويأس وحسرة، ووجوههم مسودة عليها غبرة ترهقها قترة، ينادون بالويل والثبور، ويتساءلون في فزع وخوف عمن أقامهم من رقدتهم.
وتدنو الشمس من رؤوس الخلائق ذلك اليوم حتى لا يكون بينها وبينهم إلّا مقدار ميل، وقد أخذهم العرق بحسب أعمالهم.
ويعذب اللَّه بعض من شاء من عصاة المؤمنين كالذي لا يؤدي الزكاة، والمتكبر، وأناس لا يكلمهم اللَّه ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم، وغير ذلك من أنواع العذاب.
وأناس من المؤمنين يظلهم اللَّه في ظله، ولا يفزعون حين يفزع الناس ولا يحزنون، وغير ذلك من أنواع النعيم.
وتأتي أمة محمد ﷺ لها سيماء خاص من بين الأمم، يأتون غرًا
стр. 1379
محجلين من أثر السجود، ويردون على الحوض الخاص بالنبي ﷺ ويشرب منه كل مسلم متبع لهدي الرسول ﷺ ويذاد عنه أقوام من هذه الأمة غيروا وبدلوا.
وعندما يجتمع الخلق في الموقف العظيم يشتد عليهم البلاء يأتون إلى الأنبياء ليشفعوا لهم عند ربهم ليأتي سبحانه لفصل الحساب وتخليص الناس من كربات الموقف وأهواله، فكل من أتوه يعتذر، حتى يأتوا الرسول الخاتم ﷺ فيقوم المقام المحمود، فيستأذن على ربه فيؤذن له، فيقوم بين يديه ويحمده بمحامد عظيمة يلهمه اللَّه إياها، ثم يخر لربه ساجدًا، فيأذن اللَّه له، ويسأله ويدعوه فيستجيب اللَّه له، فيشفع أولًا كي يأتي الحق تعالى للقضاء بين الناس، وهو المقام المحمود الذي يحمده أهل الجمع كلهم، ثم يشفع مرة أخرى في أمته.
وفي ذلك اليوم يكون الحساب والجزاء حيث يجيء اللَّه تعالى معه الملائكة لفصل القضاء بين الخلق، ويؤتى كل عبد كتابه، فالمؤمن يأخذه باليمين ويحاسب حسابًا يسيرًا، والكافر يأخذ كتاله بشماله أو من وراء ظهره ويدعو ثبورًا، ويقتص في ذلك اليوم لجميع المظالم بين الخلق الإنس والجن والحيوان.
وفي ذلك اليوم ينصب الميزان لوزن أعمال العباد، وهو ميزان حقيقي لا يقدر قدره إلّا اللَّه تعالى، وهو دقيق لا حيف فيه ولا تطفيف، وتوزن فيه أعمال الناس وذواتهم وصحائف أعمالهم.
ويكرم اللَّه عبده ورسوله ﷺ في ذلك الموقف العظيم بإعطائه حوضًا واسع الأرجاء، ماؤه أبيض من اللبن وأحلى من العسل ورائحته أعبق من رائحة المسك، وكيزانه كنجوم السماء، ويأتيه الماء من نهر الكوثر الذي أعطاه اللَّه نبيه محمد ﷺ ، وترد عليه أمته، ومن شرب منه لا يظمأ أبدًا.
ويرد عن الحوض أناس من هذه الأمة بسبب ما أحدثوه بعد النبي ﷺ من ردة عن دين اللَّه أو بدع محدثة، أو إسراف في الفسوق والجور والظلم.
стр. 1380
وفي ختام ذلك اليوم يحشر العباد إمّا إلى الجنة أو إلى النار، ويطلب من كل أمة أن تتبع الإله الذي كانت تعبد، فالذي كان يعبد الشمس يتبع الشمس، والذي كان يعبد القمر يتبع القمر، والذي كان يعبد الأصنام، أو فرعون وغيرها من الآلهة الباطلة تصور لهم آلهتم ثم تسير أمامهم ويتبعونها إلى أن تتساقط في النار ويتساقط من عبدها وراءها في السعير، ولا يبقى بعد ذلك إلّا المؤمنون والمنافقون الذين كانوا يعيشون مع المؤمنين في الدنيا، فيأتيهم اللَّه جل شأنه، فيقول لهم: ما تنتظرون، فيقولون ننتظر ربنا، فيقول: هل بينكم وبينه آية تعرفونه بها؟ فيقولون: نعم، فيكشف عن ساق فيخرون له سجدًا إلّا المنافقون فلا يستطيعون، ثم يتبع المؤمنون ربهم، وينصب الصراط على متن جهنم ويعطى المؤمنون أنوارهم على قدر أعمالهم، ويسيرون على الصراط على قدر هذه الأعمال، ويطفأ نور المنافقين، ويقال لهم ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورًا، ثم يضرب بينهم بسور له باب باطنه في الرحمة وظاهره من قبله العذاب.
والصراط هو: الجسر الذي ينصب على جهنم قنطرة إلى الجنة، وهو دحض مزلة فيه خطاطيف وكلاليب وحسك، ينتهي إليه المؤمنون بعد مفارقتهم الموقف إلى الظلمة التي دون الجسر، ويمرون منه على قدر أعمالهم كالبرق وكالريح وكالطير، ومنهم من يجري ومنهم من يمشي ومنهم من يزحف، والكلاليب تأخذ من أمرت به فمخدوش ناج، ومكدوس في النار.
ويحشر الكفار وآلهتهم التي كانوا يعبدونها إلى النار، يحشرون كقطعان الماشية وينهرون نهرًا غليظًا، ويحشرون إلى النار على وجوههم وهم مغلوبون مقهورون أذلاء خائفون وجلون نادمون، وهؤلاء يلقون في النار ولا يمرون على الصراط.
وعندما يذهب بالكفرة والملحدين والمشركين إلى جهنم، يبقى في عرصات القيامة أتباع الرسل المؤمنون الموحدون، وفيهم أهل الذنوب والمعاصي وفيهم أهل النفاق، وتلقى عليهم الظلمة قبل الجسر، وفي هذا
стр. 1381
الموضع يفترق المنافقون عن المؤمنين، ويضرب بينهم بالسور ذي الباب، ولا يمر على الصراط إلّا المؤمنين دون غيرهم من الكفرة والمشركين والملحدين.
والورود على النار حق لا بد من وقوعه وهو على قسمين:
ورود الكفار إلى النار وهو الدخول.
وورود الموحدين أي مرورهم على الصراط على ما جاء وصفه سابقًا، وينتهي الكفار والمشركون والملحدون والمنافقون إلى النار التي خلقها اللَّه مأوىً أبديًا لهؤلاء، حيث يبقون فيها أبد الآبدين، وهي مخلوقة تبقى ولا تبيد، ويقوم بأمر العذاب فيها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون اللَّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وعدتهم تسعة عشر ملكًا، ولا يوجد نص صريح صحيح في تعيين مكان النار هل هي في الأرض أو في السماء.
والنار واسعة الأرجاء بعيدة القعر، ويدخلها أناس كثيرون ويضخم جسد الواحد منهم حتى يكون ضرسه في النار مثل جبل أحد، ومع ذلك يبقى فيها متسع وتقول: هل من مزيد، وهي -عياذًا باللَّه منها- دركات، متفاوتة في شدة حرها وعذابها والمنافقون في الدرك الأسفل منها، ولها سبعة أبواب، وعندما يرد الكفار تفتح أبوابها ثم تغلق عليهم فلا يخرجون منها أبدًا.
ووقودها الناس والحجارة والأصنام والآلهة الباطلة التي كانت تعبد من دون اللَّه تعالى، وأهل النار خالدون فيها ولا يخرج منها إلّا من شاء اللَّه إدخاله فيها من عصاة الموحدين، أمَّا الكفرة والمشركون فهم فيهما خالدون، وحكم كفرة الجن كالإنس.
ودلت النصوص على كثرة من يدخل النار وقلة من يدخل الجنة، وذلك لكثرة الذين كفروا وتمردوا على أمر اللَّه، وأكثر من يدخل النار من عصاة الموحدين النساء.
وفي النار طعام وشراب ولباس لأهلها، وهو الزقوم والحميم والغساق والقطران.
стр. 1382
والجنة هي: الدار التي خلقها اللَّه لأوليائه وأهل طاعته، وهي نعيم كامل دائم، يدخلها المؤمنون زمرًا زمرًا معززين مكرمين تستقبلهم الملائكة بالبشرى، ويشفع نبينا محمد ﷺ عند ربه في فتح باب الجنة فيشفعه اللَّه تعالى.
وبعد أن يجتاز المؤمنون الصراط يوقفون على قنطرة بين الجنة والنار ويهذبون وينقون، ويقتص لبعضهم من بعض إذا كانت بينهم مظالم في الدنيا حتى يدخلون الجنة أطهارًا ليس لأحد عند الآخر مظلمة.
وأول من يدخل الجنة هو رسولنا محمد ﷺ ، وأول الأمم أمته، وأول من من يدخل من أمته أبو بكر الصديق ﵁، وأول زمرة تدخل الجنة من هذه الأمة على صورة القمر ليلة البدر، وعددهم سبعون ألفًا أو سبعمائة ألف لا يدخل أولهم حتى يدخل آخرهم، يدخلون الجنة بغير حساب، وقد أعطى اللَّه رسوله لكل واحدٍ من السبعين ألفًا سبعين ألفًا يدخلون معهم، والفقراء يسبقون الأغنياء في الدخول إلى الجنة بأربعين خريفًا.
ويخرج اللَّه عصاة الموحدين ممن شاء اللَّه تعذيبهم في النار، ويدخلهم الجنة بعد أن يأذن بالشفاعة فيهم، ويسمون عند أهل الجنة بالجهنميين.
وأول من دخل الجنة من الناس قبل يوم القيامة هو أبو البشر آدم ﵊ ودخلها الشهداء وغيرهم مما ثبتت به النصوص.
والجنة خالدة وأهلها خالدون فيها، والجنة لا مثيل لها ولا لنعيمها نظير فيما يعلمه أهل الدنيا، ولها ثمانية أبواب ودرجات بعضها أرفع من بعض وأعلى درجة في الجنة هي الوسيلة فيها مقام نبينا محمد ﷺ .
وفي الجنة أنهار وعيون وقصور وخيام ورائحة تشم من مسيرة سبعين عامًا، وليس فيها ليل ولا نهار ولا شمس ولا قمر، بل نور يأتيهم من قبل العرش، وفيها أشجار وثمار كثيرة متنوعة، وفيها دواب وطيور وطعام وشراب وخمر وحُلَل وثياب فاخرة وفرش وخدم وأزواج وحور عين، والتسبيح والتكبير من نعيم أهل الجنة يلهمونه إلهامًا،
стр. 1383
وأفضل ما يعطونه من نعيم هو النظر إلى وجه اللَّه تعالى.
ولا يدخل الجنة إلّا المؤمنون، ويرثون نصيب أهل النار في الجنة، والضعفاء أكثر أهل الجنة، والنساء في الجنة أكثر من الرجال.
وصح أن سيدا كهول أهل الجنة الصديق وعمر ﵄ وسيدا شبابها الحسن والحسين ﵄، وسيدات نساء أهل الجنة خديجة وفاطمة ومريم وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون.
وثبت دخول الجنة للعشرة المبشرين ولغيرهم من الصحابة، فهؤلاء يشهد لهم بأعيانهم ولكل من شهد له النص، أمَّا غيرهم ممن لم يشهد له النص من المؤمنين، فيشهد لهم على وجه العموم من غير تخصيص (١).
стр. 1384
اللهم إني أسالك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل واعتقاد، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل واعتقاد.
هذا ما ثبتت به النصوص عن هذا الركن العظيم، فمن أنكر ذلك أو شك فيه فقد انحرف عن جادة الحق وتقحم في الجهل والضلال، وارتكس في الباطل.
هذه العقيدة القطعية الثابتة الصحيحة التي يعتقدها أهل الإسلام، نجد أن أتباع الحداثة قد كذبوها وخالفوها وأنكروها إمَّا بالكلية كما هو حال أكثرهم، وإمَّا في بعضها، والتكذيب ببعض كالتكذيب بالكل، وإمَّا بالشك والارتياب في حصولها، والشك تكذيب ومناقضة لليقين الواجب.
ونجد في منثور أقوالهم، وأصول عقائدهم "الحداثة" الجحد الصريح ونفي البعث، والسخرية بالنصوص الشرعية والعقائد اليقينية المتضمنة لإثبات اليوم الآخر وما وراءه.
وهم في هذا كله ينطلقون من أصولهم المادية الإلحادية، التي بنوا عليها أسس فكرتهم ومنطلق توجههم، ووجهة إبداعهم، فلم يتجاوزوا حدود أقوال الدهرية القدماء بل قالوا بقولهم في أبدية الدنيا والدهر، وكرروا مضامين عقائدهم، وبعضهم قال بتناسخ الأرواح، فهم -إذن- لم يتجاوزوا الأسس الإبليسية التي أضل بها من قبلهم، وإن توغلوا في ذلك ونوعوا العبارات، واستخدموا أساليب الأدب واللغة، ولغة الفن والصحافة والإعلام، وخادعوا بالادعاءات العلمية والمزاعم العقلية، وغير ذلك من الأساليب الحداثية المشهورة.
وإذا نظرنا إلى أقوال هؤلاء الجاحدين للبعث أو المشككين فيه فإننا نجدهم عدة أضرب:
الأول: الجاحدون الملحدون، فهؤلاء أنكروا وجود الخالق تعالى، وتبعوا أقوال الفلاسفة الدهريين الطبائعيين الماديين، ومن هؤلاء الشيوعيون والوجوديون.
стр. 1385
فهم ينكرون أصلًا صدور الخلق عن خالق، منكرون للنشأة الأولى والثانية ومنكرون في البداية وجود الخالق .
ولا يحسن مناقشة هؤلاء في أمر اليوم الآخر وما وراء البعث والمعاد والغيبيات، بل يناقشون في وجود الخالق -سبحانه- ووحدانيته أولًا، ثم ياتي إثبات المعاد بعد ذلك؛ لأن الإيمان باليوم الآخر والغيبيات فرع عن الإيمان باللَّه تعالى.
الثاني: الذين يعترفون بوجود الخالق، ولكنهم يكذبون بالبعث والمعاد والنشور والآخرة.
وسلفهم في ذلك كفار الجاهلية الأولى الذين كانوا يعترفون بأن اللَّه خلق السموات والأرض ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ. . . .﴾ (١)، وهم مع ذلك يقولون كما حكى اللَّه تعالى عنهم: ﴿. . . أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ (٦٧) لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٦٨)﴾ (٢).
والمنطق الجاهلي نفسه يردده المنحرفون المحدثون، حيث يدعون أنهم يؤمنون باللَّه، ولكنهم يزعمون أن اللَّه تعالى عاجز عن إحيائهم بعد إماتتهم وبعثهم بعد فناء أجسادهم.
وهذا القسم هو الذي ضرب اللَّه لهم الأمثال، وساق لهم الحجج والبراهين لبيان قدرته على البعث والنشور، وأنه سبحانه لا يعجزه شيء، وفي مضمون ذلك رد على سائر المكذبين والجاحدين والمنحرفين.
الثالث: الذين يؤمنون بالمعاد على غير الصفة التي جاء بها الشرائع وتحدث بها الوحي، فهم يحرفون الكلم عن مواضعه، ويؤلون الحق بتأويلات باطلة فاسدة خاطئة، ويزعمون أنهم مهتدون.
стр. 1386
وهذا الصنف هو أخبث الأصناف وأشدها ضررًا؛ لأنهم يتلبسون بالدين، ويستخدمون آلته في محاولة هدمه وتخريبه، تحت مسميات التحرر الفكري، والمسايرة للعصر، والنظرة التنويرية للنصوص، والتجديد للفهم وتجاوز العقليات الجامدة والتفسيرات السلفية الثابتة، وتقويب الإسلام من روح العصر، وعقلنة الدين وعلمنة الشريعة، إلى آخر دعاوى الأدعياء الذين يصدق عليهم قول اللَّه تعالى: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (١).
وللمتأمل في أصحاب الضلالات المعاصرين وما هم فيه من تخبط وتيه، أوسع المدى في تفسير ظواهر هذا التخبط، وتحليل أسبابه، وكشف دواعية، من خلال التأمل في نصوص الوحي العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
ومن ذلك -على سبيل المثال لا الحصر- ما نحن في صدده في هذا الفصل: أن التصور والاعتقاد المبني على إنكار الآخرة والبعث يغطي على العقول، ويغلف الألباب بغلاف المادية الدنيوية القاحلة، ويجعل معتقده يمر على العظات والعبر والدلائل الكونية والتاريخية والاجتماعية مرور الأبلة المعتوه، والغافل المشدوه، وهذه الحقيقة هي المذكورة في قول اللَّه العظم: ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا (٤٠)﴾ (٢).
لقد كان كفار مكة وغيرهم يمرون على (قرية قوم لوط وهي سدوم التي أهلكها اللَّه بقلبها وبإمطارها بحجارة من سجيل، كما قال تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٣)﴾ (٣)، وقال: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨)﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ
стр. 1387
مُقِيمٍ (٧٦)﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾) (٢)(٣) وقد كانوا يرونها، وكيف لا يرى الإنسالن بلدًا كاملًا وقد دمره اللَّه، وهو يمر عليه ذهابًا وإيابًا غدوة وعشية؟ ولكنهم لم يستنتجوا من رؤيتهم لها العبرة التي ينبغي أدن تستخلص؛ لأدن تصورهم وعقيدتهم المبنية على جحد الآخرة والبعث تمنعهم من الاستنتاج الصحيح وتصدهم عن العبرة الواجبة، وتقف بهم عقولهم الضعيفة الكليلة عند حدود الظاهر والرؤية الحسية البهيمية، كما أخبر اللَّه عنهم: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)﴾ (٤).
والمثقفون في الغرب كله بشقيه -إلّا قلة قليلة منهم- مأخوذون بهذه النظرة ومنجذبودن إليهما ودائرودن في فلكها، وكذلك الذين ساروا على نهجهم من تلامذتهم المستغربين من أبناء المسلمين، وإن كانوا على درجات متفاوتة في اعتناقهم لهذه الفلسفة المادية الإلحادية، ولكنهم في الجملة لا يخرجون عن هذا الإطار.
ومن أكبر الأمثلة على ذلك ما نجده في أدبياتهم التي يطلق عليها اسم "الحداثة" والتي تعتبر عندهم -وهي كذلك في الواقع- تعبيرًا أدبيًا عن العلمانية، وواجهة ثقافية لها.
وتظهر معالم هذا الانحراف في جحدهم لليوم الآخر وما وراءه، واعتبار الموت فناءً مطلقًا لا حياة بعده ولا بعث ولا نشور، والقول بأبدية الدنيا إمّا على طريقة الدهريين، وإمّا باعتقاد تناسخ الأرواح، وفي تضاعيف ذلك سخرية باليوم الآخر وما يحصل فيه، وهنا أورد بعض الشواهد على هذه الأمور من كلامهم:
стр. 1388
أولًا: في جحدهم لليوم الآخر وما وراءه، ونفي البعث، واعتبار موت الإنسان فناءً لا شيء بعده .
ويتضمن جحدهم لليوم الآخر، جحد كل الحقائق الثابتة التي تكون في الاحتضار والموت وما بعده حتى البعث والحشر والوزن والصراط والجنة والنار، وكل ما يكون مع ذلك من أمور مما ثبت صحتها، وهم بذلك لا يعدون عقائدهم المبنية على الضلال والفساد الإلحادي الكفري الذي هو أساس كل انحرافاتهم وقاعدة كل خرافاتهم.
فها هو زعيم الحداثة العربية النصيري علي أحمد سعيد المعروف بالاسم الوثني "أدونيس" يقرر من خلال شرحه لأقوال جبران خليل جبران أن اللَّه تعالى والأنبياء والفضيلة ليست سوى ألفاظ رتبتها الأجيال الغابرة، وهي قائمة بقوة الاستمرار لا بقوة الحقيقية (١)، وهو بهذا الزعم يؤسس اختلاقه لينفي المعاد والبعث.
وهكذا يصادر الملاحدة الحقائق واليقينيات المؤيدة بالدليل بمجرد الدعاوى العرية من أي برهان إلّا محض التحكم والادعاء والاستمساك بآراء أسلافهم من الكفار والمشككين، إن التمسك بالماضي الكفري الإلحادي، والتعبد له عبودية عمياء أحد سمات هذا المنهج الذي يدعي التقدم والتطور والتحديث ومقاومة التقليد، لقد اعتبروا التمسك بالتقاليد موتًا والتحرر منها مقدمة ضرورية للتحرر (٢).
ولكنهم لم يتحرروا من تقليد أقدم الكفار من قوم نوح ﵇ حتى كفار مكة، بل رددوا أقوالهم، وكرروا دعاواهم، ولكن بلباس عصري وبطريقة جديدة، أمَّا المضمون والمحتوى فواحد لم يتغير، ومن أراد أن يستوضح هذه الحقيقة فعليه أن يقرأ أوصاف الكافرين والمشركين والمنافقين وأقوالهم التي جاءت في القرآن العظيم، ثم يقارن بينها وبين أقوال الكافرين المعاصرين، سوف يجد أنهم من حيث الفكرة والعقيدة والمحتوى في إطار
стр. 1389
واحد وإن تغيرت العبارات وتنوعت الأشكال وتعددت الأساليب، وهذا مصداق المقولة المشهورة "الكفر ملة واحدة".
وفي مجال تقرير أدونيس لعقائده الحداثية الكفرية يطرح أوهامه الإلحادية على أساس أنها مقررات ثابتة قطعية، ومن ذلك أنه في معرض حديثه عن ما يسميه التخلف العربي، وعيوب المجتمع العربي، جعل من علامات وأسباب التخلف عندهم: إيمانهم بالآخرة، وذلك في قوله: (ويبدو كأن المجتمع العربي لا يتغير، بل يتراكم، كأنه مجتمع الثبات لا التغير: يؤمن بالأبدية لا بالزمان، وبالآخرة لا بالدنيا) (١).
ومع كون القضية على عكس ما يدعيه هذا الباطني الحداثي فإن العرب لم يكن لهم أي شأن بين الأمم إلّا بعد أن جاء الإسلام، ولم يتحقق لهم ما تحقق من حضارة ونصر وفتح وسيادة على الدنيا إلّا لما آمنوا باللَّه تعالى وباليوم الآخر، ولم ينحدروا ويهبطوا وتتلاشى قوتهم وتذهب هيبتهم إلّا عندما قل إيمانهم باللَّه وضعف يقينهم باليوم الآخر، واستسلموا للدنيا يرتعون ويتنافسون فيها كما تنافس فيها الذين أهلكهم اللَّه من قبل فوقع بهم ما وقع.
وفي ربط بين هذه الدعاوى الإلحادية والشعر الحديث يأبى أدونيس -كعادته- إلّا أن يجعل الزائف حقيقة والحقيقة زيفًا، والحسن قبيحًا والقبيح حسنًا، ويتلاعب بعقول أتباعه، وذلك في سياق تبريره ودفاعه عن غموض الشعر الحديث، والذي هو في الحقيقة لون من ألوان الغموض الباطني كما سبق بيانه وتأكيده بالشواهد من أقوال أدونيس وغيره.
يقول أدونيس: (كان الشاعر العربي القديم يعيش في عالم واضح منظم: كل شيء فيه مفسر، محدد، بدءًا من كيفية غسل اليدين والقدمين وانتهاءًا بما سيحدث للإنسان في الآخرة، وكان هذا العالم يقوم على حقائق مطلقة نهائية وعلى إيمان راسخ بها، كانت بنيته عقلية -ذهنية، لا نفسية- انفعالية، بل كان العالم النفسي الحميم، مكبوتًا مقموعًا، لهذا كان الشاعر
стр. 1390
يصدر عن أفكار ومعان جاهزة، كان بتعبير آخر: ينقل معاني موجودة قبله: يفسرها وينوع عليها. . .) (١).
وهكذا يقرر أدونيس باطنيته المضادة للوضوح والعقل والنظام بأسلوب ماكر ملتوٍ، في خليط من الحداثة الدهرية والباطنية الإلحادية.
وما يعيبه أدونيس من وضوح ويقين وتحديد هو ما يكرره الحداثيون الصغار من الأتباع المحاكين لأدونيس وأساتذته، ومرادهم بكل ذلك نقد الإسلام القائم على هذه الحقائق الجلية والمعاني اليقينية الثابتة، وهو ما صرح به أدونيس في هذا النص وفي غيره، وهو ما يحوم حوله الحداثيون الذين لا يستطيعون التصريح بمثلما صرح به أدونيس، فيغمغمون ويلوحون!!.
أمَّا نقد أدونيس للوضوح والحقائق المطلقة والأفكار الجاهزة، والتي يعنى بها الإسلام وقضاياه التي ضرب لها مثالًا بغسل اليدين والقدمين إشارة إلى الوضوء وبالإيمان بما سيحدث في الآخرة، هذا النقد الهادم الذي يصبه وسواسًا في قلوب أذياله المنبهرين ليس تهمة أو إدانة يجب دفعها عن الإسلام، إذ الإسلام حقائق ثابتة ويقينيات قاطعة وثوابت صحيحة.
أمَّا الحداثة والإلحاد والعلمنة التي يسعى أدونيس وأضرابه في سبيلها المظلم فليست سوى أفكار جاهزة آتية من صقيع الوثنية الغربية، التقطتها العقول الاسفنجية، فنضحت منها روائح العفن المادي الذي تشربته.
وقوله بأن الشاعر القديم: (يصدر عن أفكار ومعان جاهزة،. . . ينقل معاني موجودة قبله يفسرها، وينوع عليها) (٢). هذا القول ينطبق على الحداثيين بصورة واضحة جلية، فإن الناظر في كتبهم ونتاجهم ومذاهبهم وأفكارهم، يجد أنهم -في أحسن أحوالهم- ليسوا أكثر من نقلة ومترجمين عن الأفكار والمذاهب الغربية، بل وهم لا ينكرون هذه الحقيقة بل يفتخرون بها.
стр. 1391
وهنا يصدق على أدونيس والحداثيين قول العرب: (رمتني بدائها وانسلت) (١).
والمقصود أن الرؤية الحداثية تقوم على جحد الدين والفضيلة والدفاع عن الإلحاد والرذيلة، وتتبنى جهالاتها، ومن العجيب أنهم يجعلون ذلك نظرة عقلية ونزعة إنسانية طبيعية ومقولة علمية، تقوم على تقليد الإلحاد الغربي، كما وصف محمد جمال باروت في قوله: (تصبح الحداثة في هذا السياق وبما هي "نظرة إلى الوجود" أو "عقلية" حسب تعابير الخال، "ابيستميًا" أو نظامًا معرفيًا يجد مرجعه في "النزعة الإنسانية الطبيعية" أو "العلمية" على حد تعبير هنترميد، ويوجز "لامونت" هذه النزعة: "بأن الإنسان لا يحيا إلّا حياة واحدة. . . ولا يحتاج إلى ضمان أو دعامة من مصادر عالية على الطبيعية، وأن العالي على الطبيعية الذي يتصور عادة في شكل آلهة سماوية أو جنات مقيمة، ليس موجودًا على أية حال، ففلسفة النزعة الإنسانية تسعى على الدوام إلى تفكير الناس بأن مقرهم الوحيد هو هذه الحياة الدنيا، فلا جدوى من بحثنا في غيرها عن السعادة وتحقيق الذات، إذ ليس ثمة مكان غيرها نقصده، ولابد لنا نحن البشر من أن نجد مصيرنا وأرضنا الموعودة في عالمنا هذا الذي نعيش فيه، وإلّا فلن نجدهما على الإطلاق" (٢).
بهذا المعنى فإن "المجتمع الحديث" الذي يعنيه الخال هو المجتمع الذي يقوم على "النظرة الإنسانية الطبيعية" التي تؤدي إلى مجتمع قائم على نظرة حديثة للحياة على العلم والتكنولوجيا" (٣) على حد تعبير الخال. . . ويعبر الخال عن هذه الإشكالية بقوله: "وإذا فقد الإنسان سندًا له في نظام
стр. 1392
"إلهي" أبدي، يرئسه (١) إله عادل رحيم يحميه ويكافئه هنا أو في السموات، وجد نفسه أمام نظام من صنع يديه لا استئناف لأحكامه إلى سلطة عليا" (٢).
وبذلك يصبح الإنسان مصدر القيم لا الآلهة على حد تعبير أدونيس، من هنا يخوض الإنسان "صراعًا روحيًا مع الفراغ" (٣) إذ يؤدي "المجتمع الحديث" (٤) إلى "التبعثر والتمرد والرفض والحيرة والقلق وما إلى ذلك مما يطبع عصرنا الحاضر" (٥).
ومن هنا يحل الشعر مكان الدين، ويصبح "ميتافيزيقيا" المجتمع الحديث، حيث يلعب الشاعر "دور الآلهة التي اختفت" على حد تعبير خالدة سعيد "يزيح كابوس الآلهة والنظام") (٦)(٧).
هذا النص الحداثي يجسد بوضوح الصورة الحقيقية للمعتقد الحداثي القائم على أمشاج من الإلحاد والدهرية والكفر والزندقة وتأليه الإنسان والطبيعة، ويحتوي على شهادة دامغة ضد الذين يشهدون بالباطل ويدافعون عن الحداثة وأصحابها، ويجادلون عن الذين يختانون أنفسهم.
وليست هذه عقائد الخال وأدونيس وخالدة سعيد وباروت فحسب، بل يشترك معهم في هذا المستنقع الإلحادي جملة كبيرة من شعراء ونقاد وكتاب الحداثة العربية، ومن لم يشاركهم في هذه الصراحة الكفرية لا يكاد يسلم من رذاذ مضمون هذا الاعتقاد الإلحادي، بالجحد والإنكار أو بالشك والريب.
стр. 1393
إن "العلمانية" في حقيقة معناها تعني "الدنيوية" أو "اللادينية" وجوهرها تأليه الإنسان والدنيا وجحد حق اللَّه تعالى في الحكم والطاعة، وهذا المعنى هو جوهر ما عناه باروت في النص السابق، وإن كان أولئك صرحوا بدهريتهم وإلحادهم وبعض العلمانيين لمحوا ولم يصرحوا.
إن الطبيعة المادية للفكر الحداثي والعلماني يقتضي حقيقة أن يكون أتباعه على هذه الدرجة من الخرافة والجاهلية، مع تفاخر بالانحدار والتردي وسخرية بالحق وأهله، وهم في ذلك على نهج أسلافهم من الكفار الأوائل كما أخبر عنهم في قوله -جلَّ وعلا-: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (٧٣) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا (٧٤) قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا (٧٥)﴾ (١).
وهؤلاء وهؤلاء يصدق عليهم قول اللَّه -جلَّ وعلا-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨)﴾ (٢).
وعلى كل حال فليست الحداثة بمدارسها العديدة ولافتاتها المتنوعة إلّا صورة من صور الكفر القديم في ثوب جديد وبعبارات حديثة، والأغرب والأعجب في شأنها أنها وهي في أسفل دركات التخلف والجهل والضلال يسميها أصحابها "نزعة إنسانية" و"نظرة علمية عقلية" و"نظامًا معرفيًا" إلى آخر هذه الألقاب الجوفاء المفخمة، التي إن دلت على شيء فإنّما تدل على إفلاس أصحابها من الحقائق والبراهين، وانتفاخهم بأورام الدعاوى الكاذبة.
стр. 1394
وهم في محاولاتهم البائسة في هدم دين اللَّه والنيل منه والتهكم به والسخرية منه، كما قال الشاعر:
(وقال السهى للشمس أنت ضئيلة … وقال الدجى للصبح لونك حائل
وطاولت الأرض السماء سفاهةً … وفاخرت الشهب الحصى والجنادل) (١)
وشواهد سفاهتهم الاعتقادية في جحد الآخرة واعتقاد عبثية الحياة كثيرة، منها قول محمود المسعدي صاحب رواية "حدث أبو هريرة قال" والتي يعدونها من روائع الحداثة، ففي حديثه عن العلوم والأبدية والحياة الآخرة يقول: (ما حيلة العلوم كل العلوم؟ يمكنها زعزعة ركائز الكون العملاقة وتحديد نظمها، ولكن متى صار تحديد كل هذه القواعد الكونية التي نلم بها، نعود للسؤال الأول: ما مصدرها؟ ومن سنها؟ يمكننا تفكيك أوصالها كما يفكك الطفل لعبته، ويعجز عن شرح كيفية عملها لنطلق في بحثنا من البداية، هل يعي الفكر البشري مفهوم "الأبدية"؟ أي اللابداية واللانهاية واللامحدود، فوعينا الحسي يفترض بداية ونهاية لكل شيء فقد نسلم بالديمومة لكن ليس باللانهاية غير المبررة، فتبلغ الماورائي أي ما يتجاوز إدراكنا المادي، من هنا الحاجة لتفسير واضح، كالتفسير الديني الذي يوفر للإنسان تفهمًا إيمانيًا وليس عقلانيًا لما يعرف "بالباقية" ما بعد الحياة) (٢).
هذا النص محشو باللغو الفارغ، والتأرجح في أوله بين الشك والجحود، والواصل في الأخير إلى حضيض إنكار اليوم الآخر والحياة الأخروية، ومن يعرف عقائد المسلمين، يستيقن أن هذا القول لا يمكن أن يصدر من قلب فيه إيمان باللَّه واليوم الآخر، فاعتبار العلوم الركيزة الأساسية لتفسير كل شيء وهدم كل شيء، نوع من أنواع التأليه للحياة الدنيا، وشعبة من شعب المذهب الطبائعي القديم، واعتبار أن حقائق الدين عن اليوم الآخر
стр. 1395
تعطي تفسيرًا إيمانيًا لا عقليًا مثال من أمثلة الدعاوى والشتائم الحداثية العلمانية العربية العرية من الدليل والبرهان، والمفتقرة إلى الحجة، والعقل بل والمناقضة لكل ذلك، إذ في أدلة العقل والحس والشرع من إثبات المعاد ما لا يستطيع معه الشاك المعاند ردًا.
أمّا التهمة المادية الإلحادية التي يرددها الدهريون الجدد في أن الدين مناقض للعقل، فهي تهمة طالما رددوها، وحجروا عقولهم وقلوبهم عن النظر في نقيضها، وأغلقوا على أنفسهم منافذ النظر أو التأمل في البراهين المعاكسة لما يعتقدون، في الوقت الذي يزعمون فيه الانفتاح وسماع الرأي والرأي الآخر!!، ولكنهم في واقع الأمر أشد الناس تحجرًا على المقولات المادية التي اعتنقوها، وأكثر البشر انغلاقًا في الأطر المادية التي أحاطوا أنفسهم بها، إلى حد أنهم إذا رأوا الدليل الساطع والبرهان القاطع الذي ينقض عليهم أوهام مادياتهم صدوا عنه وأعرضوا، وتجاوزه بإغفاله أو السخرية به، ولو كانوا أصحاب "عقلانية" كما يدعون، لسمعوا نداء العقل والتفتوا إلى الدليل، وانتبهوا للبرهان، ولكنهم في غيهم يعمهون، وعلى آثار أسلافهم من الدهريين يسيرون.
أمَّا الحداثي المحترق جابر عصفور فإنه يتحدث عن الموقف المضاد للحداثة في كتاب الأخ الشيخ عوض القرني ومقدمته التي كتبها سماحة العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز، ويصف ذلك بأنه خطاب إرهابي قمعي تسلطي ينبني على (الثقافة التي يغلب عليها الاتباع والتقليد، وبنية المجتمع يغلب عليه الخوف والإذعان، وذلك في متوالية تؤجج عمليات التناص الديني السياسي الاجتماعي في لا وعي المتلقي، حيث تتجاوب المخزونات اللاشعورية الملازمة لسلطة الدولة الإرهابية وأجهزتها القمعية وعنفها اللاإنساني، والمخزونات المصاحبة للقيم الدينية، حيث الخوف من عذاب القبر والرعب من نار الآخرة. . .) (١).
стр. 1396
وإذا تأملنا الخطاب الحداثي العلماني، والممارسات السلطوية العلمانية وجدناها تقوم على أبشع أنواع القمع والتسلط والإرهاب، وما احتكار الصحف العلمانية والمنابر الإعلامية الحداثية واحتجارها الكتابة والتعليق والتعقيبات على من لا يوافق معتقداتهم إلّا أحد الأدلة الكثيرة على التعصب العلماني.
أمَّا ممارسات القمع والتسلط والإرهاب الذي تقوم به الدول العلمانية ضد دعاة الإسلام وعلمائه فهي أشهر من أن تذكر، ونراها اليوم تتصاعد بشدة وعنف لم يسبق له مثيل، وتتزايد أدوات القمع تزايدًا يذكرنا -نحن معضر المسلمين- بمحاكم التفتيش، يضارع ذلك ويقويه الكتابات والندوات المؤيدة لهذا القمع، والمعاضدة لهذه الممارسات القبيحة، التي تسعى لاجتثاث الإسلام وأهله، في حملات أبشع وأشنع من الحملات الصليبية، ومع ذلك فإنهم يدعون الحرية والحوار والديموقراطية والتسامح!! وشاهدهم في كل ذلك ما في الزنازين والمعتقلات العلمانية وما في الكتب والمجلات الحداثية!!.
أمَّا حديثه عن الآخرة وعذاب القبر وجعلها أساسًا للتسلط الإرهابي والتخلف العقلي وتسميتها مخزونات مصاحبة للقيم الدينية، فهو دليل على عمق الانحراف الاعتقادي عند قائل هذا القول، والذي لا يتورع أن يقول بأن وصف الحداثة والحداثيين بالكفر تقوم على تخييل إرهابي (١).
فماذا يريد هؤلاء؟ يجحدون وجود اللَّه تعالى، أو يجحدون ألوهيته، أو حقه في العبادة والطاعة ومنها الحكم بما أنزل اللَّه، أو يشككون في المعاد والغيبيات ويجعلون الإيمان بها تخلفًا ومخزونًا للخوف والإرهاب، ثم يريدون بعد ذلك أن لا يوصفوا بما يستحقون!!.
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢١) وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٢٢)
стр. 1397
ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤)﴾ (١).
إن عقولهم المظلمة تظل دائمًا في حالة من الجهالة المتراكمة، التي لا تتوقف حتى تنضح بهذه الأقوال المستندة على مجرد جحد والريب والدعوى، في دائرة إلحادية أحاطوا أنفسهم وانطلقوا من خلالها مجادلين بالباطل ليدحضوا به الحق، ومنافحين عن الجهل ليدافعوا به الدليل.
إن هذه الرثاثة الحداثية داء استولى على أذهان هؤلاء وتسلط على عقولهم، فنتج منها ما نتج من ضحالة ورجعية وتخلف جاهلي، إنه نمط امتدادي للكفر القديم والجاهلية السحيقة.
يعبر أحدهم عن سخطه على التعليم والتأليف في بلاد المسلمين الذي قام في مجمله على الإيمان باللَّه واليوم الآخر، فيقول:
(خدعتنا مقاعدنا المدرسية
لم تعد النار نارًا وتلك الجنان جنانًا
سوى في الكتب. . .). ثم يقول:
(سأدخل مع روحي الآن حربْ
وألقى بها في مهب الذنوب
المعدة للصالحين هناك. . .
سأحيا ذنوبي هنا كلها) (٢).
أمَّا أدونيس فإنه إضافة إلى تنظيراته الإلحادية السابقة أضاف جحده الصريح لليوم الآخر، كل ذلك في إبداعاته الحداثية الرثة المسماة شعرًا!!
стр. 1398
والذي أضحى بسببها عند الإمعات نموذجًا عاليًا للمضاهاة والتقليد، يقول أدونيس في حوار بين الجندي والأصوات والصدى:
(الجندي: (متمتمًا) ما المصير؟
صوت: عميقًا مديدًا يبدو كأنه صدى)
شلل طِرْح يطير
الجندي (وهو يضرب الحصى بقدمه اليمني)
ما الإله؟
الصوت والصدى معًا: كل ما كان سواه
الجندي: (متطلعًا إلى فوق)
ما المغيب
الصوت والصدى معًا: حاضر بالظن، بالخوت يُطّيب) (١).
وفي موضع آخر يقول معبرًا عن عقيدته في جحد اليوم الآخر:
(والساعة التي يقال أنها آتية توقفت) (٢).
وأصرح من هذا قوله:
(اهتف لا جنة لا سقوط بعدي
وأمحو لغة الخطيئة) (٣).
أمَّا البياتي فإنه يعبر عن الموت بالليل الأبدي الذي يعني الفناء المطلق حسب عقائده الماركسية، فيقول:
(لن أهزم حتى آخر بيت أكتبه، فلنشرب في قبة هذا الليل
стр. 1399
الزرقاء
حتى يدركنا الليل الأبدي ونغفو في بطن الغبراء) (١).
ويشرح في كتابه "تجربتي الشعرية" قضية البعث في الأدب العراقي القديم، ويقصد به -حسب قوله-: "تموز إله الخضرة" ثم يتحدث عن عقائد قدماء المصريين، ويستطرد في وثنيات جاهلية مستمدًا منها الرموز الإحيائية والحداثية (٢)، بعيدًا عن أي إشارة للبعث في المفهوم الحق.
وهو اتجاه يجب الانتباه له، وعدم الاغترار بلفظ "البعث" الذي يطلقونه، فإنهم لا يريدون به سوى هذه المعاني الوثنية الكفرية.
أمَّا نازك الملائكة فإنها تعبر عن شكها في البعث بتقريرها أنه ليس هناك إلّا الفناء وأنه لا حياة خالدة بعد الموت، وذلك في قولها:
(قالوا الخلود:
ووجدته ظلًا تمطى في برود
فوق المدافن حيث تنكمش الحياة
ووجدته لفظًا على بعض الشفاه
غنته وهي تنوح ماضيها وتنزله اللحود
غنته وهي تموت. . . يا للإزدراء!
قالوا الخلود، ولم أجد إلّا الفناء) (٣).
أمَّا صلاح عبد الصبور فإنه يعبر عن عقيدته في هذه القضية العظيمة بقوله:
(وقيل لكم:
стр. 1400
بأن حياتكم جسر، وأن بقاءكم مسطور
خطى تخطى بميقات إلى دار ببابين
نطوف بها كومض شعاعة العين
وأن العاقل المبرور من يحيا بلا زاد
يجمع زاد راحلته
لأن وراء هذه الدار فيما قد رواه الناس
شطوطًا طاميات موجها ديجور
ولولا سيف نور شق ظلماها
وملاح على مركب
يقول لمن أحث الخطو في دهليزها
أركب!
ولولا ومض مصباح يلوح لمقلة الملاح
لضل الركب في التيه سنين مئين
أقول لكم بأن الزيف قد يقتات بالفطنة، وسقط القول قد يعلو بأجنحة من الترديد) (١).
فهو يناقش قضية المعاد والبعث بنفس الشاك المرتاب، وذلك حين يطرحها أول مرة على أساس أنها مجرد قول "قيل لكم" وأن حقيقة الدار الآخرة ليس سوى قولٍ "قد رواه الناس"، ثم ينتقل بعد هذا الشك الجاحد إلى إنكار صريح حين يطرح رأيه على أساس أن قضية البعث محض زيف ومجرد قول ساقط ارتفع بسبب ترديد الناس له من قديم.
وهكذا يوجز صلاح عقيدته النافية للبعث في هذا القول العظيم
стр. 1401
﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ (١).
وغير بعيد عن هذه المعاني الجاحدة ما كتبه سعدي يوسف في مطلع مقطع بعنوان "منزل المسرات" جاعلًا القول في وسط مستطيل يدل على احتفائه وغايته الشديدة به، وهو قول نقله عن ملحمة جلجامش المبنية على أسطورة آشورية بابلية (٢)، كتب سعدي:
(آه لقد غدا صاحبي الذي أحببت ترابًا
وأنا سأضطجع مثله
فلا أقوم أبد الآبدين) (٣).
ولا غرو أن من اتخذ الوثنية ورموزها وملاحمها دليلًا فسوف تقوده إلى جثث العقائد الجاهلية، وفي هذا القول مصداق ما سبق ذكره من أن القوم ليسوا إلّا نسخة معاصرة من الجاهليات الأولى البائدة، ومن أعظم القضايا التي واجهت الإسلام من أول عهده وحتى اليوم قضية الألوهية والنبوة والمعاد، وها نحن نرى كيف يجتر الحداثيون المقولات المنحطة لأسلافهم من الكفار الملحدين في نفي البعث، والقول بالعدم المطلق والفناء الدائم الذي لا حياة بعده، من نحو قول أمل دنقل:
(لا شيء إلا توابيب لا شيء
إلا المبادلة الخائبة
جثث تتراكم في الضفة الساكنة. . .
هذا التساؤل عن لون عينين عاشقتين
كنافذتين على البحر - طعم القبل
стр. 1402
تتلقى النفايات تلو النفايات دون كلل) (١).
أمّا نزار قباني الممتليء ببغض الشرق والعرب والمتخم بأنواع الضلالات؛ فإنه يجعل من التخلف الإيمان بما شرع اللَّه وبما أخبر به عن يوم القيامة، يقول:
(في ليالي الشرق لما
يبلغ البدر تمامة
يتعرى الشرق من كل كرامة
ونضال
فالملايين التي تركض من غير نعال
والتي تؤمن في أربع زوجات
وفي يوم القيامة. . .) (٢).
إلى أن قال في نهاية المقطع:
(شرقنا المجتر تاريخًا
وأحلامًا كسوله
وخرافات خوالي) (٣).
ويُمكن أن يقال لهذا اللاهث خلف زبالات أفكار وأخلاق البشر، إن لهاثه المستمر إثر الشهوات الحيوانية والعقائد المادية الجاهلية هي التي جعلت منه شخصًا يؤمن في مئات العشيقات والخدينات من العاهرات والسافرات، ويُمارس معهن أبشع الجرائم الخلقية، مفتخرًا بذلك معتزًا بحقاراته، وامتهاناته العديدة للمرأة، مقتنصًا أي لذة هابطة؛ لأنه يعتقد أن هذه الحياة الدنيا هي نهاية المطاف، وغاية الوجود، على مقتضى الخرافات
стр. 1403
الجاهلية التي قالها أسلافه، ويقولها أساتذته المعاصرون.
﴿أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ (١).
﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ (٣٤) إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (٣٥)﴾ (٢).
ومنهم الماركسي الأحمر سميح القاسم الذي يفاخر بكفره قائلًا:
(أنا ما صليت وما صمت وما … رهبت نفسي لدى الحشر عقابا
والدم المسفوك من قافيتي … لم يراود من يدي عدن ثوابا) (٣)
ومنهم ممدوح عدوان القائل:
(ناديت: اجعلي لي أية وسط حياتي
أنا لا أؤمن بالبعث
اسكبي لي فزعًا يكفي لهذا الصبح) (٤).
أمَّا الملحد علاء حامد فإن أقوالهم المتهافتة الجاحدة للبعث والآخرة والجنة والنار وكل قضايا الآخرة كثيرة عديدة، منها قوله تبعًا لأقوال الماركسيين: (فكرة الجنة والنار التي سيطرت فيما مضى انحسرت الآن وليس فيها ما يهز الوجدان العصري) (٥)، وتقريره بأن الجنة والبعث مجرد وهم (٦)، وتكذيبه الصريح بوجود الجنة والنار، وانتفاخه المادي بدعوى أنه لا يوجد مجتمع أنهار؛ لأنه لا يؤمن بالبعث والحساب (٧)، وجحده عذاب
стр. 1404
القبر (١)، وزعمه أن النار مجرد وهم وتفكير بدائي للتخويف (٢)، إضافة إلى جحده الصريح مع تهكم وسخرية بحقائق النفخ في الصور ومجيء اللَّه تعالى، والميزان والصراط لأنها -حسب قوله- لا تخضع لميكرسكوب العقل (٣)؛ ولأن الجنة والنار لا دليل عليها، والادعاء بأن البعث عنده مجرد تنبؤ (٤)، وزعمه أن قانون الثواب والعقاب صنعه الإنسان والكهان الذين غرسوا فكرة العقاب الأخروي، وبناء على ذلك يرفض وجود الجنة والنار ويعتبرهما خرافة (٥)، بل ويعتبر أن الإيمان بهما سبب لتخلف المجتمعات وليس سببًا لنهضتها (٦)، إلى آخر سخافاته العديدة التي ملأ بها روايته الإلحادية.
وما أصدق القائل: (ولا يعجز من لا حياء له عن أن يقلب كل كلام إلى ما اشتهى بلا برهان وصرف الكلام عن موضعه ومعناه إلى معنى آخر لا يجوز. . .) (٧).
وهؤلاء المخاذيل لم يكن لهم في كفرهم وجحدهم إلّا محض الجحد والتشكيك وهي أوهى من خيوط بيت العنكبوت.
ثانيًا: قولهم بأبدية الدنيا أو بعض ما فيها:
وهذا القول منهم مبني على جحدهم وجود اللَّه تعالى وربوبيته وخلقه للخلق بعد أن لم يكن هناك مخلوق. وهو عين قول الدهرية الأقدمين (٨)
стр. 1405
الذين لخص القرآن العظيم مذهبهم في آية منه: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ (١).
ولما ركن أتباع المادية المعاصرة إلى الإلحاد، واستسلموا لتقاليده، قادهم ذلك إلى جحد كل قضايا الغيب.
ومن هنا كانت مسألة الإيقان بوجود اللَّه تعالى وألوهيته أصل كل المسائل والقضايا الأخرى، كما أن الشك في وجوده أو جحدان وجوده -جلَّ وعلا- أساس كل انحراف في الاعتقاد والعمل والأخلاق.
وفي هذا الزمان الذي شاع فيه الإلحاد بصورة مقننة ترتدي -زورًا- أردية العلم والعقل والتجريب، استسلم ضعفاء العقول والمواهب من المنحرفين من أبناء المسلمين للأفكار المادية ولوازمها الآتية من الغرب، واستولت عليهم وسيطرت على أذهانهم، من صغار المتطفلين منهم إلى كبار المقلدين.
بيد أن القضية في كل نواحيها يُمكن أن تقاس بالعقل والبرهان والدليل التي طالما تشدقوا بها مدعين وخالفوها عامدين، إذ لا شك في احتفاظ البراهين والأدلة العقلية المنطقية المستجمعة لشرائط الصحة دائمًا بقوتها وقطعيتها، بدرجة ترجح على قوة الأدلة المادية التجريبية المحسوسة المبنية على التجارب والاكتشافات، ولاشك أيضًا في أن الأدلة المادية التجريبية القطعية الثابتة لا يُمكن أن تعارض الأدلة العقلية الصحيحة ولا الأدلة النقلية الصريحة.
وصفوة القول بأن الأدلة العقلية الصحيحة والأدلة التجريبية الثابتة والأدلة النقلية الصريحة تفيد الضرورة في دلالتها على وجود اللَّه تعالى وألوهيته والنبوة والمعاد، وهذه الأدلة بهذه الأوصاف لا يُمكن أن تتعارض إلّا في عقل نقص حظه من إدراكها على وجهها بشرائطها الصحيحة، ولا تنقص قيمة الدليل العقلي أو التجريبي أو النقلي بسبب ضعف بعض الأذهان عن فهم دلالاتها القطعية، بل تزيد قيمتها، كما أن الجوهر